← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

المعنى: هذه عادة المنافقين، ومن في قلوبهم مرض الشك والنفاق، كلمات أنزلت سورة تدعو الناس ببعض آياتها إلى الإيمان بالله والجهاد مع رسول الله ﷺ استأذنك أولو المقدرة على الجهاد بالمال والنفس، استأذنوك في التخلف، منتحلين شتى الأعذار قائلين، اتركنا مع القاعدين من النساء والصبيان والعجزة، هؤلاء رضوا بأن يكونوا مع المتخلفين الذين فسدت نفوسهم ولم يعد فيها ميل إلى الخير، وطبع على قلوبهم فلم يعد يدخل إليها نور العلم والوعظ، والهداية والنور، حتى كأنها قد ختم عليها، ولا غرابة في ذلك فهم قوم لا يفقهون الخير والرشد حتى يهتدوا إليه. لكن الرسول والذين آمنوا معه بمقتضى إيمانهم الخالص الراسخ في قلوبهم جاهدوا في سبيل الله، وبذلوا النفس والنفيس طيبة قلوبهم مستريحة ضمائرهم، متهللة وجوههم بشرا وسرورا لأنهم وجدوا الفرصة سانحة لاقتناص ثواب الجهاد في سبيل الله. وأولئك البعيدون في درجات الكمال والجلال لهم الخيرات التي لا يعلمها إلا الله، في الدنيا كشرف النصر، ومحو الكفر والتمتع بالغنيمة والسيادة في الأرض، وأولئك هم المفلحون السعداء أعد الله لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم.. المتخلفون [سورة التوبة (٩) : الآيات ٩٠ الى ٩٢] وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢)

стр. 912

المفردات: الْمُعَذِّرُونَ أى: المعتذرون، واللفظ يحتمل المعتذر بعذر حقيقى أو ادعائى. هذه الآية في نفاق الأعراب سكان البدو بعد بيان نفاق المنافقين من سكان الحضر (المدينة) . الضُّعَفاءِ جمع ضعيف، وهو ضد القوى، والمراد: من لا قوة لهم في أبدانهم تمكنهم من الجهاد. حَرَجٌ المراد: ليس عليهم ذنب ولا إثم. نَصَحُوا: أخلصوا لله ورسوله في القول والعمل. مِنْ سَبِيلٍ: من طريق يسلك لمؤاخذتهم. المعنى: وجاء المعتذرون من الأعراب ليأذن لهم النبي ﷺ في التخلف عن النفير العام في غزوة تبوك وهم قوم عامر بن طفيل، جاءوا يقولون: يا رسول الله: إن نحن غزونا تغير علينا أعراب طيئ فقال لهم رسول الله: «قد أنبأنى الله من أخباركم وسيغنى الله عنكم» وقال ابن عباس: هم قوم تخلفوا فأذن لهم النبي ﷺ والظاهر أن عذرهم كان حقا، والآية تحتمل هذا وذاك. وقعد عن القتال وعن المجيء للاعتذار الذين كذبوا الله ورسوله من الأعراب، وأظهروا الإيمان بهما كذبا وإيهاما، وهؤلاء هم المنافقون حقيقة في العقيدة، وقد قعدوا عن القتال بجرأة على الله وعلى رسوله سيصيب الذين كفروا منهم، أى: ممن كذبوا الله

стр. 913

ورسوله، ومن المعتذرين بغير عذر شرعي، سيصيب هؤلاء وهؤلاء عذاب أليم غاية الألم!!! ... المعنى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولا يطلب منها ما هو فوق طاقتها، وعلى ذلك فكل من عجز عن الشيء سقط عنه، ولا يكلف به لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وروى أبو داود عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم سيرا، ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه» . قالوا: يا رسول الله: وكيف يكون معنا وهم بالمدينة؟ قال: «حبسهم العذر» . ألست معى في أن هذه الآية وأشباهها من القرآن والحديث بينت أنه لا حرج على المعذورين عذرا شرعيا، وهم قوم عرف عذرهم كالشيوخ والعجائز، وأهل الزمانة والهرم، والعمى والعرج، وأقوام لم يجدوا ما ينفقون، فكل هؤلاء ليس عليهم ذنب ولا إثم إذا نصحوا لله ورسوله، وأخلصوا لهما النية، وأحسنوا الطوية، وعرفوا الحق- وأحبوه، وأحبوا أولياءه، وبغضوا أعداءه، والنصيحة الخالصة لله ولرسوله (في هذه الحال الحربية) هي عمل كل ما فيه المصلحة العامة للأمة من كتمان السر، والحث على البر، وإلهاب الشعور، وتوحيد الصفوف، ومحاربة الخائنين، والقضاء على الطابور الخامس، روى عن تميم الداري أن رسول الله ﷺ قال: الدين النصيحة- ثلاثا- قلنا: لمن يا رسول الله؟ فقال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. قال العلماء: النصيحة لله: إخلاص الاعتقاد في الوحدانية، ووصفه بكل كمال، وتنزيهه عن كل نقص، وامتثال أمره واجتناب نهيه، والنصيحة لرسوله التصديق بنبوته، والتزام طاعته، في أمره ونهيه وحب من أحبه، وحب آل بيته ومن سار بسيرته وإحياء سنته بالمدارسة والنفقة والعمل بها والدفاع عنها، والنصيحة لكتابه وقراءته، والتفقه فيه ومدارسته، والتخلق به والدفاع عنه، والنصيحة لأئمة المسلمين: ترك الخروج عليهم، وتبصيرهم مواضع الزلل وإرشادهم إلى الدين الحق

стр. 914

والرأى المعتدل، والإنكار عليهم إن خالفوا الدين بلا شدة وعنف حتى تستقيم أمورهم، والنصح لعامة المسلمين: إرشادهم إلى الطريق الحق، والإرعاء عليهم وحب الخير لهم والسهر على مصالحهم، وكل على قدر طاقته. ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ على معنى ليس هناك سبيل يسلكها ناقد على من أحسن العمل وأخلص النية، فكل عمل تعمله وأنت ترضى ربك فأنت محسن، والله يجازى المحسن بأضعاف حسنته، والمسيء بقدر إساءته، فإذا كان هؤلاء المعذورون عذرا شرعيا قد نصحوا لله ورسوله وأخلصوا في أعمالهم فليس لأحد عليهم سبيل ما داموا محسنين أعمالهم، والله غفور رحيم. روى أن بنى مقرن كانوا سبعة إخوة من أصحاب رسول الله ﷺ وقد هاجروا، وأتوا رسول الله في غزوة تبوك ليحملهم فلم يجد ما يحملهم عليه فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون!! وهذه الآية هي التي نزلت في شأنهم وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ. ولعل الحكمة في التعبير بالإتيان لأجل الحمل والاعتذار عنه بعدم وجدان ما يحمل عليه من دابة أو غيرها: هي إفادة العموم ليشمل الدابة والسيارة والطيارة وغيرها- والله أعلم.

стр. 915

فهرست الموضوع صفحة الإهداء ٣ مقدمة ٥ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ٨ سورة الفاتحة مكية وآياتها سبع ٩ سورة البقرة ١٢ المتقون وجزاؤهم ١٤ الكافرون وجزاؤهم ١٥ المنافقون وصفاتهم ١٧ ضرب الأمثال لهم ٢٠ وحدة الإله اعجاز القرآن. صدق الرسول ٢٢ من أمن بالقرآن وجزاؤهم ٢٥ الأمثال في القرآن وموقف الناس منها ٢٦ مظاهر قدرة الله ٢٨ قصة خلق الإنسان وتكريمه بالخلافة وسجود الملائكة له ٢٩ طبيعة الإنسان وموقف الشيطان منه ٣٢ بنو إسرائيل وما طلب منهم ٣٣ علماء اليهود وأحوالهم ٣٥ نعم الله على اليهود ٣٧ بعض قبائح اليهود وما لحقهم ٤١ من جنايات اليهود ٤٣ قصة ذبح البقرة ٤٥ قسوة قلوبهم واستبعاد الإيمان النهم ٤٧ كذب أخبار اليهود وافتراؤهم على الله ٤٩ ميثاق بنى إسرائيل ٥١ مواقفهم من الرسل والكيف ٥٤ كذبهم في ادعائهم الإيمان بالتوراة ٥٦ اليهود وحرصهم على الحياة ٥٧ موقفهم من الملائكة الأطهار ٥٨ من قبائحهم أيضا ٦٠ أدب وتوجيه ٦٣ آيات النسخ ٦٤ موقفهم من المؤمنين ٦٦

стр. 916

موقف كل من اليهود والنصارى بالنسبة للآخر ٦٧ تخريب المساجد ٦٨ مفتريات أهل الكتاب والمشركين ٦٩ تحذير الرسول من أتباع اليهود والنصارى ٧١ إبراهيم ﵇ وبيت الله الحرام ٧٢ ملة إبراهيم مع المخالفين لها والمهتدين بها ٧٥ لكل ما كسب ٧٦ الله ربنا وربكم ٧٨ مقدمات تحويل القبلة ٨٠ تحويل القبلة ٨٣ حول تحويل القبلة ٨٥ الصابرون والمقاتلون في سبيل الله ٨٧ بعض شعائر الحج وجزاء من يكتم آيات الله ٨٩ إثبات وحدانيته ورحمته ونفى الشركاء عنه ٩٢ العلاج الناجح ٩٥ موقف أهل الكتاب من القرآن والنبي ٩٨ حقيقة البر ١٠٠ حق الله في المال ١٠٢ القصاص وأثره ١٠٣ الوصية ١٠٥ الصيام وفرضه ١٠٦ بعض أحكام تتصل بالصيام ١٠٩ الرشوة وأكل أموال الناس بالباطل ١١١ اختلاف أشكال القمر ١١٢ القتال في سبيل الله ١١٤ الحج وبعض أحكامه ١١٧ بعض أحكام الحج ١٢٠ من علامات النفاق أيضا ١٢٣ من لا يتبع جميع أحكام الدين وجزاؤه ١٢٥ الحاجة إلى الرسل ١٢٧ ما يلاقيه الرسول والمؤمنون في دعوتهم ١٢٨ النفقة وأحق الناس بها ١٢٩ حول القتال في الإسلام ١٣٠ الخمر والميسر وحكمهما ١٣٣ الولاية على مال اليتيم ١٣٦ زواج المسلم بغير المسلمة ١٣٧ الحيض وحكمه ١٣٩

стр. 917

الحلف بالله ١٤٠ الإيلاء وحكمه ١٤١ براءة الرحم في الطلاق وبعض أحكامه ١٤٢ النساء وحقوقهن في الزوجية ١٤٣ بعض أحكام الطلاق ١٤٥ آداب الطلاق ومعاملة المطلقة ١٤٨ بعض أحكام الرضاع ١٥٠ عدة المتوفى عنها زوجها ١٥٢ خطبة المتوفى وزوجها وآدابها ١٥٣ المطلقة قبل الدخول وما يجب لها ١٥٥ المحافظة على الصلاة ١٥٦ حق المتوفى عنها زوجها ١٥٧ كيف تحيا الأمم ١٥٨ قصة طالوت وجالوت ١٦٠ درجات الأنبياء وطبيعة الناس في أتباعهم ١٦٥ في الحث على الإنفاق ١٦٧ آية الكرسي ١٦٩ الدخول في الدين والولاية على الناس ١٧٠ من غرور الكافرين بالله أو قصة نمرود ١٧٢ قصة العزيز وإيمانه ١٧٤ وهذا مثال من آيات الله ١٧٥ الانفاق في سبيل الله وآدابه ١٧٧ مثل من ينفعه للرحمن والذي ينفعه للشيطان ١٨٠ نوع ما ينفق فيه ووصفه ١٨٢ الشيطان والانفاق ١٨٣ بعض أحكام الانفاق ١٨٤ لمن تعطى الصدقة وبعض أحكامها ١٨٦ الربا وخطره ١٨٩ آية الدين والسر في طولها ١٩٤ جواز الرهن ١٩٨ احاطة علمه وتمام ملكه وقدرته ١٩٩ سورة آل عمران ٢٠٤ المحكم والمتشابه في القرآن ٢٠٦ عاقبة الغرور بالمال والولد ٢٠٩ الإنسان وشهواته في الدنيا ٢١١ ما هو خير من الدنيا وما فيها ٢١٣ الشهادة بالوحدانية والعدل وأن الدين الإسلام ٢١٥

стр. 918

جزاء قتل الأنبياء ومن يأمر بالمعروف ٢١٧ الاعراض عن حكم الله مع الغرور ٢١٨ من مظاهر قدرة الله وعظمته ٢٢٠ مولاة المؤمنين للكافرين ٢٢٢ محبة الله باتباع رسوله وطاعته ٢٢٤ اصطفاء الأنبياء وسلالتهم ٢٢٥ قصة زكريا ويحيى ٢٢٨ مريم وفضل الله عليها ٢٣٠ قصة عيسى ﵇ ٢٣١ قصة عيسى مع قومه ٢٣٥ الرد على ألوهيته عيسى وقصة المباهلة ٢٣٧ كلمة الوحيد وملة إبراهيم ٢٣٩ من مواقف أهل الكتاب ٢٤١ الأمانة والوفاء بالعهد عند اليهود ٢٤٣ من كذبهم وافترائهم على الله أيضا ٢٤٥ الرد على أهل الكتاب في اشراكهم بالله ٢٤٦ الميثاق المأخوذ على أهل الكتاب ٢٤٧ إيمان المؤمنين بكل الأنبياء ٢٤٩ حكم الكفر بعد الإيمان ٢٥٠ اصناف الكفار ٢٥١ الإنفاق أيضا ٢٥٢ فرية اليهود في تحريم بعض المعلومات ٢٥٣ شرف بيت الله الحرام والحج ٢٥٥ أهل الكتاب وعنادهم وما يضمرونه للإسلام ٢٥٧ توجيهات وعظات ٢٥٨ فضل الأمة الإسلامية على غيرها ٢٦٤ المؤمنين من أهل الكتاب ٢٦٧ الكافرون وأعمالهم يوم القيامة ٢٦٩ صداقة المؤمنين للكافرين وخطرها ٢٧٠ غزوة بدر ٢٧٢ غزوة أحد ٢٧٣ ما نزل من القرآن في غزوتى بدر وأحد ٢٧٦ إرشادات المؤمنين وجزاؤهم ٢٨٠ سنة الله في الخلق والعاقبة للمتقين ٢٨٤ دروس لمن شهد غزوة أحد ٢٨٧ ما أصاب المسلمين في أحد وسببه ٢٩٣ بث الروح التضحية والجهاد ٢٩٨

стр. 919

بعض أخلاق ﷺ ٣٠٠ بعض قبائح المنافقين وأعمالهم ٣٠٤ المستشهدون والمجاهدون في سبيل الله وجزاؤهم ٣٠٧ تسلية النبي ﷺ وبيان بعض الأحكام ٣١١ البخل شر يوم القيامة ٣١٣ نهاية كل حي والابتلاء في الدنيا ٣١٧ بعض قبائح أهل الكتاب ٣١٩ ذكر الله والتفكر في خلقه وآثرهما ٣٢٢ المؤمنون والكافرون وجزاء كل ٣٢٦ سورة النساء ٣٣١ اجتماع الناس في أصل واحد ٣٣١ اليتامى ومعاملتهم في أموالهم ٣٣٣ تعدد الزوجات والعدل معهن ٣٣٤ تعدد الزوجات ٣٣٦ متى نعطى أموال اليتامى لهم؟ ٣٣٨ تشريع حقوق اليتامى والنساء ٣٤٠ آيات المواريث ٣٤٢ الفاحشة وجزاؤها ٣٤٢ متى يقبل الله التوبة ٣٤٨ كيف نعامل نساءنا؟ ٣٥٠ من يحرم الزواج بهن ٣٥٣ من أحكام الزواج ٣٥٧ متى تنكح الأمة. وما جزاؤها على الفاحشة ٣٥٩ حكم عامة للأحكام السابقة ٣٦٢ حدود ومعالم ٣٦٣ تنظيم الحياة الزوجية ٣٦٩ وعظ وإرشاد ٣٧٢ ترغيب وتحذير ٣٧٥ بعض شروط الصلاة. مع بيان رخصة التيمم ٣٧٧ اليهود وأعمالهم ٣٨٠ تهديد ووعيد لأهل الكتاب ٣٨٢ أهل الكتاب وجزاؤهم على أعمالهم ٣٨٤ جزاء الكفر. وثواب الإيمان ٣٨٧ السياسة العامة للحكومة الإسلامية ٣٨٨ هؤلاء هم المنافقون. وهذه أعمالهم ٣٩١ إرشادات وآداب للسلم والحرب ٣٩٣ السياسة الحربية في الإسلام ٣٩٦

стр. 920

بعض ضعاف النفوس ٣٩٩ الطاعة لله ولرسوله ٤٠١ القرآن من عند الله ٤٠٢ الرقابة على الأخبار ٤٠٤ الحث على الجهاد ٤٠٥ من أدب القرآن ٤٠٦ المنافقون وكيف نعاملهم ٤٠٨ قتل المؤمن وجزاؤه ٤١١ التسرع في الحكم ٤١٤ الجهاد في سبيل الله والمتخلفون عنها ٤١٦ كيفية الصلاة في السفر والحرب ٤١٩ في الحث على القتال ٤٢٣ حفظ الحقوق وعدم المحاباة في الأحكام ٤٢٤ إرشادات ٤٢٨ الشرك وخطره والشيطان وأثره ٤٢٩ الأمانى وعاقبتها. والعمل وجزاؤه ٤٣٢ حقوق الضعفاء وعلاج المشاكل الزوجية ٤٣٤ كمال القدرة ٤٣٨ العدل والشهادة لله والإيمان به وبكتبه ٤٤٠ المنافقون وصفاتهم ٤٤٢ موالاة الكافرين وجزاء المنافقين ٤٤٥ الجهر بالسوء ٤٤٩ الكفر والإيمان وعاقبة كل ٤٥٠ من قبائح اليهود وأفعالهم ٤٥٢ بعض قبائحهم أيضا وجزاؤهم عليها ٤٥٨ وحدة الوحى وحكمة إرسال الرسل جميعا ٤٦٠ جزاء الكافرين ٤٦٤ المسيح ابن مريم في نظر القرآن ٤٦٥ الدعوة العامة ٤٦٩ حق الأخوة في الميراث ٤٧١ سورة المائدة ٤٧٣ الوفاء بالعهود ٤٧٣ المحرمات من المطعومات ٤٧٦ الحلال من المطعومات ٤٨١ الوضوء والغسل والتيمم ٤٨٤ إتقان العمل والشهادة بالقسط ٤٨٨ كيف نقض اليهود والنصارى والمواثيق ٤٩٠

стр. 921

القرآن وما يخفيه أهل الكتاب ٤٩٤ مناقشة النصارى في عقائدهم ٤٩٥ من مواقف اليهود مع موسى (ع. م) ٥٠٠ قصة أول قتيل في الوجود ٥٠٣ حكم قطاع الطريق ٥٠٦ أناس الفلاح في الآخرة ٥٠٩ السارق وجزاؤه ٥١١ اليهود ومواقفهم من أحكام التوراة ٥١٣ في التوراة حكم الله ٥١٧ الحكم بكتاب الله ودستور القرآن ٥٢٠ موالاة اليهود والنصارى وعاقبتها ٥٢٤ المرتدون المحاربون لهم ٥٢٦ النهى عن موالاة الكفار ٥٢٩ من سيئات اليهود ٥٣٣ تبليغ الرسول للدين ٥٣٦ من قبائح اليهود أيضا ٥٣٨ الإله عند المسيحيين ٥٤٠ خلاصة نظرية القرآن في المسيح ٥٤٢ السبب في استشراء الفساد فيهم ٥٤٥ اليهود والنصارى وعلاقتهم بالمؤمنين ٥٤٩ التشدد في الدين ٥٥٢ الإيمان وكفارتها ٥٥٤ الخمر والميسر آفات اجتماعية ٥٥٧ الصيد في الإحرام وجزاؤه ٥٦٢ البيت الحرام والشهر الحرام ومكانتهما ٥٦٥ ترغيب وترهيب ٥٦٧ السؤال الضار ٥٦٨ نوع من ضلال الجاهلية ٥٧٠ في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ٥٧١ الشهادة على الوصية حتى الموت وأحكامها ٥٧٣ من مواقف يوم القيامة ٥٧٦ من معجزات عيسى ﵇ ٥٧٧ قصة المائدة ٥٧٩ تخلص عيسى مما ادعته عليه النصارى ٥٨١ سورة الأنعام- دلائل على الوحدانية والبعث ٥٨٤ سبب كفرهم وشبهاتهم والرد عليها ٥٨٧ تسليته للنبي ٥٩١

стр. 922

أسلوب آخر في إثبات الوحدانية والبعث ٥٩٢ من مظاهر القدرة وشهادة الله النبي ﷺ ٥٩٥ كتمان الشهادة والافتراء على الله ٥٩٧ بعض أعمال المشركين ٥٩٩ من مواقف المشركين يوم القيامة ٦٠١ تسلية الله لنبيه وسنة الله في خلقه ٦٠٤ من دلائل قدرة الله وكمال علمه ٦٠٧ إلى الله وحده يلجأ العبد في الشدائد ٦٠٩ من أدلة التوحيد أيضا ٦١١ مهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام ٦١٣ من مظاهر رحمة الله بخلقه ٦١٦ موقف النبي ﷺ من المشركين ٦١٨ كمال علمه ٦٢٠ من مظاهر القدرة والرحمة ٦٢٢ المستهزئون بالقرآن وجزاؤهم ٦٢٥ الإسلام والشرك ٦٢٨ كيف ترك إبراهيم الشرك ٦٣٠ محاجة إبراهيم لقومه ٦٣٣ إبراهيم أبو الأنبياء ومكانته ٦٣٦ إثبات رسالة الرسل وأثرها ٦٣٨ الكذب على الله وعاقبته ٦٤٠ من مظاهر القدرة والعلم والحكمة والرحمة ٦٤٢ من كذبهم على الله والرد عليهم ٦٤٦ حقائق تتعلق بالرسالة ٦٤٧ النهى عن سب الذين يدعون من دون الله ٦٤٩ الرد على طلب المشركين الشهادة على الرسالة ٦٥١ الشهادة للنبي ﷺ بالصدق وللقرآن بالحق ٦٥٣ عقائد المشركين وذبائحهم ٦٥٥ مثل المؤمن والكفار ٦٥٨ غرورة المشركين وعاقبته ٦٥٩ سنة الله في الخلق ودينه الحق ٦٦١ من سنن الله في الكون ٦٦٣ تهديد وإنذار ٦٦٥ صور من جاهلية العرب ٦٦٧ قدرة الله ونعمه والرد على المشركين ٦٧١ ما حرمه القرآن وما حرمته التوراة ٦٧٤ شبهة واهدة ٦٧٧

стр. 923

أصول المحرمات والفضائل ٦٧٩ القرآن مع من يؤمن به ويكفر ٦٨٤ تهديد وإنذار ٦٨٦ عاقبة الاختلاف والجزاء على العمل ٦٨٨ التوحيد والإخلاص في العقيدة ٦٨٩ سنة الله في الخلق ٦٩١ سورة الأعراف ٦٩٣ القرآن وعاقبة المكذبين به ٦٩٣ نعم الله على بنى آدم وتكريمه ٦٩٧ قصة سكنى آدم الجنة وخروجه منها ٧٠٠ من نعم الله وفضله ٧٠٣ شبهات المشركين وأعذارهم الواهية ٧٠٥ توجيهات في الملبس والمطعم ٧٠٧ ما حرمه الله على عباده ٧٠٩ مهمة الرسل وعاقبة العمل ٧١١ جزاء الكافرين ٧١٣ جزاء المؤمنين ٧١٤ حوار بين أهل الجنة والنار وأصحاب الأعراف ٧١٦ حوار بين أصحاب الأعراف وأصحاب النار ٧١٧ من مناظر يوم القيامة ٧١٨ الكفار وما يلاقونه وأمانيهم ٧١٩ وحدانية الله ودعاؤه ٧٢١ من أدلة البعث ٧٢٤ قصة نوح ﵇ ٧٢٥ قصة هود ﵇ ٧٢٧ قصة صالح مع قومه ﵇ ٧٣١ قصة لوط ﵇ ٧٣٤ قصة شعيب ﵇ وحاله مع قومه ٧٣٦- ٧٣٨ مآل الكافرين ٧٤٠ من سنة الله مع الأمم ٧٤٣ قصة موسى ﵇ ٧٤٥ السحرة مع موسى وفرعون ٧٤٩ ما كان من أمر فرعون وملئه مع موسى وقومه ٧٥١ جزاة العصاة في الدنيا ٧٥٣ عاقبة الكفر وخلف الوعد ٧٥٥ من نعم الله على بنى إسرائيل ٧٥٧ نعم الله على بنى إسرائيل وما قابلوها به ٧٥٨

стр. 924

رؤية الله ونزول التوراة ٧٦٠ السبب الحقيقي للكفر غالبا ٧٦٣ قصة عبادتهم العجل وموقف موسى ٧٦٤ ما حصل لموسى أثناء المناجاة ٧٦٩ محمد ﷺ ورسالته والمؤمنون به ٧٧١ من نعم الله على بنى إسرائيل ٧٧٥ عاقبة المخالفين وفوز الآمرين بالمعروف ٧٧٨ هكذا اليهود في الدنيا ٧٨٠ الميثاق العام المأخوذ على بنى آدم ٧٨٢ مثل المكذبين الضالين ٧٨٤ صفة أهل النار ٧٨٦ أسماء الله الحسنى ٧٨٨ المهتدون والضالون ٧٨٩ علم الساعة عند ربي ٧٩٢ الرسول إنسان لا يملك شيء بل هو نذير وبشير ٧٩٣ هكذا الإنسان ٧٩٤ حقيقة الأصنام والأوثان ٧٩٦ من خلق القرآن في معاملة الناس والشيطان ٧٩٨ من أدب استماع القرآن والذكر ٨٠١ سورة الأنفال ٨٠٣ مقدمات لغزوة بدر الكبرى ٨٠٦ توجيهات حربية للمؤمنين ٨١٢ تحذير من مخالفة لدين ٨١٥ الاستجابة لداعي القرآن ٨١٧ الخيانة من صفات المنافقين ٨١٩ تقوى الله وأثرها ٨٢١ عداوتهم لمحمد ﷺ ولدينه ٨٢٢ صورة من حماقة العرب وجاهليتها ٨٢٤ عاقبة إنفاقهم للصد عن سبيل الله ٨٢٦ من فضل الله على الناس ٨٢٨ كيف تقسم الغنائم؟ ٨٢٩ امتنان الله على المؤمنين بالنصر على عدوهم ٨٣١ نصائح حربية ٨٣٣ كيف يتخلص الشيطان ٨٣٥ ما حل بهم بسبب أعمالهم ٨٣٦ كيف حال من نقض العهد ٨٣٨ الاعداد الحربي للأعداء ٨٤٠

стр. 925

الميل إلى السلام، وتقوية الروح المعنوية في الجيش ٨٤١ التشريع ينزل وفقا لرأى عمر ٨٤٤ الرابطة الإسلامية أقوى الروابط ٨٤٦ سورة التوبة ٨٥١ إعلامهم بالحرب مع التحدي لهم ونقض عهودهم ٨٥٢ وجود قتال المشركين ٨٥٥ سماحة الإسلام في معاملة الكفار ٨٥٦ سبب البراءة من عهودهم ٨٥٧ كيف نعامل هؤلاء الكفار ٨٥٩ تحريض على قتال المشركين ٨٦٠ اختبار المسلمين وتمحيصهم ٨٦١ عمارة المسجد للمسلمين لا للمشركين ٨٦٢ فضل الإيمان والجهاد ٨٦٤ ولاء المؤمنين للكفارين وخطرها ٨٦٧ وهل النصر إلا من عند الله؟ ٨٧٠ المشركون لا يدخلون المسجد الحرام ٨٧٢ قتال أهل الكتاب وغايتهم ٨٧٣ أهل الكتاب لا يعبدون الله حقا ٨٧٥ سلوك رجال الدين من أهل الكتاب ٨٧٨ بيان عدة الشهور والأشهر الحرم والنسيء ٨٨٠ في الحث على الجهاد والتحذير من تركه ٨٨٣ التجنيد العام ٨٨٦ المنافقون وما صدر عنهم ٨٨٧ أنفقوا طوعا وكرها ٨٩٢ إلى من تعطى الصدقة الواجبة ٨٩٥ أذى المنافقين للنبي ﷺ والرد عليهم ٨٩٧ المؤمنون وصفاتهم وجزاؤهم ٩٠٤ معاملة النبي للكفار المنافقين ٩٠٧ قصة ثعلبة بن حاطب ٩١٠ من أذى المنافقين للمؤمنين وجزاؤهم ٩١٢ المتخلفون عن الجهاد ٩١٣ كيف عامل النبي ﷺ زعماء النفاق ٩١٥ موقف المنافقين من الجهاد ٩١٨ المتخلفون ٩١٨

стр. 926

[الجزء الثاني] [تتمة سورة التوبة] المتخلفون بغير عذر وموقف المسلمين منهم [سورة التوبة (٩) : الآيات ٩٣ الى ٩٦] إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٩٦) المفردات: لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ لن نصدقكم انْقَلَبْتُمْ رجعتم إليهم ووصلتم لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ لتصفحوا عنهم صفح رضا رِجْسٌ أي: قذارة يجب الإعراض عنهم. روى أن هذه الآيات- يعتذرون إليكم- نزلت في الجد بن قيس، ومعتب بن قشير وأصحابهما من المنافقين المتخلفين وكانوا ثمانين رجلا أمر النبي ﷺ المؤمنين إذا رجعوا إلى المدينة ألا يجالسوهم ولا يكلموهم.

стр. 927

المعنى: ما على المحسنين من سبيل، ولا على الذين أتوا النبي ﷺ معتذرين بأعذار حقيقية، وقد تولوا، وأعينهم تفيض من الدمع حزنا لأنهم لم يجدوا ما ينفقون، ولم يستطيعوا الذهاب معه إلى القتال. وليس على هؤلاء وأولئك جناح. إنما السبيل والذنب، والجناح والإثم على الذين يستأذنونك في التخلف عن القتال وهم أغنياء موسرون، يستطيعون القتال ويجدون الزاد والراحلة، ولكن ما بال هؤلاء يستأذنون وهم أغنياء؟! فأجيب بأنهم رضوا بأن يكونوا مع الخوالف الذين لا خير فيهم، كالنساء والصبيان، والعجزة والمرضى، ورضوا بأن يكونوا مع الذين شأنهم الضعة والدناءة، وكان من أسباب تخلفهم زيادة على رضائهم بالقعود مع الخوالف أن طبع الله على قلوبهم، وختمها حتى لا يصل إليها خير، ولا يدخلها نور، وهكذا أصحاب المعاصي تصدأ قلوبهم وتقسو حتى تصير كالحجارة أو أشد، فهم لا يعلمون الخير حتى يتوجهوا إليه، وهم بسبب ذلك لا يعلمون عاقبة ما فعلوا في الدنيا والآخرة. هذا كلام مستأنف مسوق لبيان ما صدر من المتخلفين عند رجوع المؤمنين لهم. يعتذرون إليكم أيها المؤمنون عن جميع سيئاتهم وأهمها التخلف عن القتال بغير عذر مقبول- والخطاب للنبي ﷺ وأصحابه، لأنهم كانوا يعتذرون إليهم جميعا- إذا رجعتم من الغزوة إليهم، قل لهم أيها الرسول: لا تعتذروا، وكأن سائلا سأل منهم لماذا لا نعتذر بما يبرر عملنا؟ فقيل لهم: لأنا لا نصدقكم أبدا فيكون اعتذاركم عبثا لا يترتب عليه ما تطلبون منه، والذي حملنا على هذا أن الله- قد نبأنا من أخباركم، وأطلعنا على بعض نواياكم، وما تكنه سرائركم وخبر الله هو الحق، وقوله الصدق، ومن عرف الحق لا يقبل الباطل بحال، وسيرى الله عملكم ورسوله بعد الآن، فلم يعد لكلامكم وظواهر حالكم قيمة عند الله وعند رسوله، فإن تبتم وأنبتم، وعملتم صالحا من الأعمال فالله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وإن أصررتم على النفاق والكفر فسيعلمكم الرسول بما أمره الله به في هذه السورة من جهادكم والإغلاظ عليكم، ومنعكم من الخروج معه.

стр. 928

ثم تردون بعد هذا كله إلى عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم السر وأخفى، فينبئكم ويجازيكم على أعمالكم وسرائركم. والنفاق أخو الكذب. لذلك تراهم يؤكدون اعتذارهم بالأيمان الكاذبة إذا رجعتم إليهم، يفعلون هذا لتعرضوا عنهم، وتصفحوا فلا توبخوهم، ولا تؤنبوهم على قعودهم مع الخوالف من النساء والصبيان فأعرضوا عنهم إعراض إهانة واحتقار، لا إعراض صفح وأعذار وذلك لأنهم رجس وقذارة، وأعمالهم دنس ووساخة، ومأواهم جهنم، جزاء بما كانوا يكسبون. وهم لجهلهم بحقيقة أنفسهم وما عملوا، ولعدم إدراكهم الأمور على وجهها الصحيح لم يقنعوا بالإعراض عنهم، بل يحلفون لكم أحرج الأيمان لترضوا عنهم، وتعاملوهم كما كنتم أولا، كان جل همهم معاملتكم أنتم يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ «١» ولقد صدق الله لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ «٢» ولو كان هؤلاء مؤمنين حقا لكان منتهى همهم إرضاء الله ورسوله، وإذا كان هذا شأنهم فإن ترضوا عنهم فرضا وقد أعلمكم الله حالهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين عن أمره الخارجين عن دينه، وهؤلاء قد خرجوا عن أمره ودينه فاستحقوا هذا الجزاء من الله. كيف كان الأعراب [سورة التوبة (٩) : الآيات ٩٧ الى ٩٩] الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)

стр. 929

المفردات: الْأَعْرابُ اسم جنس للعرب الذين يسكنون البوادي أى: الصحارى، والعرب: اسم جنس لسكان البدو والحضر وَأَجْدَرُ أى: أحق مَغْرَماً غرامة خسرانا لازما الدَّوائِرَ جمع دائرة وهي ما تحيط بالإنسان والمراد بها ما لا محيص عنه من مصائب الدهر دائِرَةُ السَّوْءِ أى: دائرة الضر والشر والمراد الدائرة السوءى. هذا بيان لحال المنافقين من سكان البوادي بعد بيان حالهم من سكان المدن والحضر. المعنى: الأعراب أشد كفرا ونفاقا من غيرهم سكان المدينة لأنهم أغلظ طبعا وأقسى قلبا، وهذا طبع سكان الصحارى من الأمم لكثرة اختلاطهم بالحيوان، ورعيهم للأنعام، وهذا حكم مسلم. وهم أجدر وأحق من سكان المدن ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله من آيات بينات، إذ لم يباشروا الرسول ﷺ وهو يطبق النظريات القرآنية العلمية بعمله وشرحه وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ «١» وليس هذا طعنا في ملكتهم اللغوية أو مقدرتهم العقلية ولكنه نقص في التطبيق العملي والله عليم بخلقه، حكيم في حكمه وشرعه- . ومن الأعراب من يتخذ لنفسه ويختار ما ينفقه على أنه مغرم وغرامة لازمة، لا يرجون ثوابا ولا يأملون خيرا بل ينفقون للرياء والسمعة وطمعا في التقرب من المسلمين

стр. 930

واتقاء شرهم، روى أنهم بنو أسد وغطفان، وهم يتربصون بكم مصائب الدهر التي تدور بالناس وتحيط بهم، وذلك أنهم لما يئسوا من غلبة المشركين من كفار قريش ويهود المدينة أخذوا يتربصون بالمسلمين وينتظرون بهم حوادث الأيام كموت النبي ﷺ والقضاء على الدعوة الإسلامية وهكذا شأن الضعفاء والجبناء. عليهم الدائرة السوءى وهذا دعاء من الله عليهم محقق الوقوع قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا [سورة التوبة الآية ٥٢] والله سميع عليم لا يخفى عليه شيء. وليس هذا شأن الأعراب كلهم بل منهم من يؤمن بالله واليوم الآخر إيمانا كاملا- قيل: هم بنو أسلم، وغفار، وجهينة، ومزينة، وقيل: هم بنو مقرن- ويتخذ لنفسه ويختار أن ما ينفقه لأمرين: أحدهما قربات عند الله وزلفى، والثاني: أنه سبب في دعاء النبي ﷺ لأنه كان يدعو للمتصدق بالبركة، ويستغفر له، ودعاؤه ﷺ أمنيتهم المحبوبة. وقد بين الله جزاء هؤلاء الأعراب فقال: ألا إنها قربة لهم عظيمة ودرجة رفيعة أنا أعلم بها، وسيدخلهم الله في رحمته ورضوانه إن الله غفور رحيم. الناس أنواع [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٠٠ الى ١٠٢] وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)

стр. 931

المفردات: مَرَدُوا مرنوا عليه وحذقوه حتى بلغوا الغاية القصوى فيه. المعنى: مما أكرم الله به النبي ﷺ أن جعل أمته وسطا عدولا خيارا شهداء على الناس يوم القيامة، وكانت أمته خير أمة أخرجت للناس لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله حقا، وكان خيارها أصحابه- ﵃ وأعلاهم في الشرف السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار. أما السابقون من المهاجرين وهم الذين صلوا إلى القبلتين [إلى الكعبة وإلى بيت المقدس] وقيل: هم المهاجرون قبل صلح الحديبية، لأن المشركين قبل ذلك كانوا يضطهدون المؤمنين ويعذبونهم أشد العذاب، ويحاربونهم في عقر دارهم فكان الفرار منهم إلى النبي ﷺ في المدينة أعظم دليل على صدق الإيمان وأكبر تضحية للإنسان، وقيل: هم أهل بدر، وإذا كان السبق في الإيمان والهجرة والجهاد والبذل والنصرة، كان أفضل السابقين الخلفاء الأربعة على الترتيب ثم باقى العشرة المبشرين بالجنة، وليس كل سابق أفضل من مسبوق. وأما السابقون من الأنصار فهم الذين أسلموا قبل أن يكون للمسلمين قوة مرهوبة الجانب، وقيل: هم أصحاب البيعة الأولى وكانوا سبعة أو أصحاب البيعة الثانية وكانوا سبعين رجلا وامرأتين، أما بعد أن صار للمسلمين دولة فقد ظهر النفاق في المدينة وما حولها، وأما الذين اتبعوهم بإحسان في الهجرة والنصرة وصدق الإيمان، فهم الذين

стр. 932

دخلوا في الدين بعد ذلك واتبعوا السابقين بإحسان، وقلدوهم في الأفعال والأقوال وحسن الاقتداء. وهذا الوصف للتابعين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ يتضمن الشهادة من الله- للسابقين بكمال الإحسان، وعلو الإيمان، فهم المتبوعون، وفي المثل العليا والإحسان هم المقلدون، أما من اتبعوهم في ظاهر الإسلام فقط أو في بعض الأعمال فالآيات الآتية بينت حالهم. هؤلاء السابقون من المهاجرين والأنصار والتابعين- رضى الله عنهم- وقبل طاعتهم وتجاوز عن سيئاتهم وأعز بهم الإسلام كل ذلك بسبب أعمالهم. ورضوا عنه لما وفقهم إلى الخير، وهداهم إلى الحق وأفاض عليهم من النعم الدينية والدنيوية، وأعد لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا: وذلك هو الفوز العظيم. وهنا سؤال: ما المراد بالتابعين؟ هل هم كما فسرنا أولا وهم الصحابة الذين دخلوا في الإسلام بعد صلح الحديبية وفتح مكة؟ أم هم التابعون الذين اجتمعوا بالصحابة ولم يشرفوا بصحبة النبي؟ أم هم الداخلون في الدين المهاجرون ما نهى الله عنه، الناصرون لدين الله باللسان والسنان، والقوة والبيان إلى يوم القيامة الله أعلم بكتابه وإن كان الظاهر من قوله اتبعوهم أنهم الصحابة المتأخرون في الإيمان، وأما التابعون المجتمعون بالصحابة كالفقهاء السبعة (سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير.. إلخ) . فهذا اصطلاح خاص بعد نزول القرآن. بعد أن بين الله- سبحانه- مكانة المؤمنين بين مردة المنافقين من أهل البدو والحضر: أن بعض الأعراب الذين حولكم أيها المؤمنون منافقون. قال بعضهم: هم من قبيلة مزينة، وجهينة، وأشجع، وأسلم، وغفار كانت منازل هؤلاء حول المدينة والمراد أن بعضهم منافقون، وبعضهم مؤمنون صادقون يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويتخذون ما ينفقون قربات وزلفى إلى الله، والرسول ﷺ دعا لهم بخير وبركة. وإنه لمن أهل المدينة نفسها منافقون من الأوس والخزرج واليهود غير من تعرفهم- أيها الرسول- بما صدر عنهم من أقوال وأفعال منافية للإيمان.

стр. 933

هؤلاء مردوا على النفاق ومرنوا عليه مرونا جعلهم متأصلين فيه، قد بلغوا غاية إتقانه، بحيث لا يعرفهم أحد، فهم حريصون جدا لا يصدر منهم ما يتنافى مع ظاهر إيمانهم، ولذلك لا تعرفهم أنت مع بعد نظرك، ودقة فراستك، التي تنظر فيها بنور الله وذلك لأنهم أجادوا النفاق، وتجنبوا الشبهات، وانظر إلى نفى العلم عن ذواتهم لا عن نفاقهم، والله يعلمهم لأنه يعلم السر وأخفى، ولو شاء لاطلعك عليهم كما أطلعك على غيرهم أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ [سورة محمد الآيتان ٢٩ و ٣٠] . هؤلاء سنعذبهم مرتين: مرة في الدنيا بفضيحتهم وهتك سترهم وتكليفهم بتكاليف الإسلام من جهاد وزكاة، والحال أن أعمالهم كسراب بقيعة لا تنفعهم بشيء.. ومرة في الآخرة بالعذاب الشديد والجزاء المناسب لجرم عملهم وسوء صنيعهم ثم يردون إلى عذاب عظيم. نعود إلى القول المختار من هذه الآيات نزلت في بيان حال الناس أيام النبي ﷺ فمنهم السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم من المهاجرين والأنصار، ومنهم التابعون لهم بإحسان الذين جاءوا من بعدهم وهاجروا وجاهدوا معهم فأولئك منهم. لهم جميعا الرضوان وذلك هو الفوز العظيم. ومن الناس المنافقون من سكان البدو والحضر خصوصا المدينة وهؤلاء تأصل فيهم النفاق، عليهم غضب الله وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا. ومن الناس قوم تخلفوا ولم ينافقوا فليسوا من السابقين ولا من التابعين ولا من المنافقين هؤلاء نزل فيهم قوله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ الآية.. والمعنى: وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة أناس آخرون اعترفوا بذنوبهم ولم ينكروها قد خلطوا عملا صالحا وهو الاعتراف بالذنب والتوبة والرجوع إلى الله، والجهاد مع النبي ﷺ قبل ذلك، وآخر سيئا وهو التخلف بغير عذر، فلم يكونوا من المؤمنين الخلص، ولا من المنافقين الفاسقين، روى أنهم ربطوا أنفسهم في سوارى المسجد وأقسموا لا يحلنهم إلا رسول الله. فلما قدم رسول الله وعلم بخبرهم أقسم لا يحلنهم حتى ينزل

стр. 934

فيهم قرآن وهم أبو لبابة وأصحابه، هؤلاء عسى الله أن يتوب عليهم ويقبل عذرهم، والله يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات إنه هو الغفور الرحيم. ولعلك تقول: ما فائدة هذا التقسيم؟ قلت: فائدته أنك تعرف أن من يخلط العمل الصالح والآخر الفاسد يجب ألا يقنط من رحمة الله بل عليه بالإسراع إلى التوبة وهذا الصنف كثير جدا وهو في كل زمان، وأن للتابعين لنا أن يتوسعوا في مدلوله حتى يشمل كل عصر فما دمنا نتبع الصحابة في الجهاد والنصرة ونسير على منوالهم ونهتدي بعملهم فنحن داخلون معهم في هذا الجزاء الواسع والفضل العميم. وأما السابقون السابقون فهذا مقام لا يدانيه مقام ولقد صدق الرسول «أصحابى كالنّجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم لو أنفق أحدكم مثّل أحد ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» صدق رسول الله.. الصدقة والتوبة والعمل [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٥] خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) المفردات: سَكَنٌ السكن ما تسكن إليه النفوس وتطمئن من أهل ومال ومتاع، والمراد:

стр. 935

اطمئنانهم بقبول توبتهم، ورضا الله عنهم الْغَيْبِ ما غاب والشهادة: ما حضر صَدَقَةً قال القرطبي: مأخوذة من الصدق إذ هي دليل على صحة إيمانه وصدق باطنه مع ظاهره، وأنه ليس من المنافقين الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات. روى عن ابن عباس قال: لما أطلق رسول الله ﷺ أبا لبابة وأصحابه انطلق أبو لبابة وأصحابه بأموالهم فأتوا بها رسول الله فقالوا: خذ من أموالنا فتصدق بها عنا، وصل علينا أى: استغفر لنا وطهرنا فقال رسول الله ﷺ : «لا آخذ منها شيئا حتّى أومر» فأنزل الله: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ الآية. المعنى: يا محمد- وكذا كل إمام للمسلمين وحاكم- خذ من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملا صالحا وآخر سيئا وربطوا أنفسهم في سارية المسجد وحلفوا لا يفكهم إلا رسول الله، ولما أطلقهم أحضروا أموالهم للنبي قائلين: هذه أموالنا التي منعتنا عن الجهاد معك فتصرف فيها بما شئت، وليس المراد من أموال هؤلاء فقط، بل من أموال المسلمين جميعا، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. خذ من أموالهم صدقة تطهرهم من دنس البخل، وشح النفس ولؤم الطبع، وقسوة القلب، وتزكيهم بها حتى تنمو نفوسهم على حب الخير، وتزرع في قلوبهم شجر العطف على الفقير والضعيف والمحتاج، بهذا تنمو النفس وترتفع. وصل عليهم، فالصلاة منك دعاء لهم بالخير، وسكن لنفوسهم من الاضطراب عقب الذنب الذي وقع بالمخالفة، والمعنى: ادع أيها الرسول للمتصدقين بالخير والبركات واستغفر الله لهم فدعاؤك واستغفارك سكن لهم واطمئنان لقلوبهم، وارتياح إلى قبول توبتهم والله سميع لكل قول ومجاز عليه، عليم بكل قصد ونية، وبما فيه الخير والمصلحة. الصدقة مطهرة للنفس، مرضاة للرب، وحصن للمال، وتقوية للسناد، والتوبة تغسل الذنب وتمحوه، وتجدد العهد وتقويه ولذلك جاءت بعد الأمر بأخذ الصدقة لبيان السبب في الجملة.

стр. 936

ألم يعلم المؤمنون جميعا أو التائبون فقط أو من كان معهم ولم يتب أن السر في هذا كله هو التوبة، وأن الله يقبل التوبة متجاوزا عن ذنوب عباده، ويأخذ الصدقات ويثيب عليها ويضاعف أجرها، وقد ورد في الحديث: «إنّ الله يربى الصّدقة كما يربى أحدكم فلوّه» أى: ولد فرسه وهذا تمثيل لزيادة الأجر، وأن الله هو التواب الرحيم. وليس هذا الإيمان بالتمني، ولا التوبة باللسان فقط بل بما وقر في القلب وصدقه العمل، فالعمل هو المهم، وهو المعول عليه. وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله وسيجازيكم عليه جزاء الغنى القادر الكريم الواسع الفضل. وسيرى العمل رسوله والمؤمنون فيؤدون لكم حقوقكم في الدنيا، وأما في الآخرة فستردون إلى عالم الغيب الذي يعلم السر وأخفى، ويعلم الشهادة وما حضر، وسيجازيكم على أعمالكم كلها إن خيرا فخير وإن شرا فشر. صنف آخر من المتخلفين [سورة التوبة (٩) : آية ١٠٦] وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦) المفردات: مُرْجَوْنَ مأخوذ من أرجيته إذا أخرته أو من أرجأته بمعنى أخرته ومنه قيل: المرجئة. لأنهم أخروا العمل.. المعنى: من تخلف عن غزوة تبوك: منهم المنافقون الذين اعتذروا بغير عذر، والذين لم

стр. 937

يعتذروا، ومنهم المؤمنون الذين اعترفوا بذنوبهم وتابوا، وقدموا أموالهم كفارة عما فرط منهم فتاب الله عليهم وعفا عنهم، ومنهم فريق حاروا في أمرهم وشق عليهم تخلفهم بغير عذر فأرجئوا توبتهم، ولم يفعلوا ما فعل أبو لبابة وأصحابه من ربط أنفسهم بسواري المسجد فأرجأ الله توبتهم حتى نزلت آيتا التوبة فيهم (١١٧- ١١٨) من هذه السورة. وآخرون من المتخلفين مرجون لأمر الله، ومؤخرون لحكمه، فحالهم غامضة عند الناس، لا يدرون ما ينزل في شأنهم؟ هل يخلصون في التوبة فيتوب الله عليهم ويقبل منهم توبتهم؟ أم لا؟ فيعذبهم ويحكم عليهم كما حكم على المنافقين، والترديد إنما هو بالنسبة للناس لا بالنسبة إلى الله. ولعل الحكمة في ذلك أن بقي الرسول والمؤمنون على حالهم فلا يكلمونهم ولا يخالطونهم، تربية لهم وتهذيبا لنفوسهم، وبيانا لجرم التخلف عن رسول الله ﷺ وإيثار الراحة والدعة عن الجهاد ونصر الرسول ﷺ . وهؤلاء المرجون لأمر الله هم الثلاثة: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة ابن الربيع. والله عليم بهم وبعباده كلهم وما به تصلح نفوسهم، وحكيم في تشريعه، وقد كان إرجاء قبول توبتهم لحكمة الله يعلمها!!. مسجد الضرار ولم بنى؟ وموقف الرسول ﷺ منه [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٠٧ الى ١١٠] وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)

стр. 938

المفردات: ضِراراً الضرر: الذي لك به منفعة وعلى غيرك مضرة، والضرار: الذي ليس لك فيه منفعة وعلى غيرك المضرة، وعلى هذا خرج الحديث: «لا ضرر ولا ضرار» . وقيل: هما بمعنى واحد والجمع بينهما للتأكيد وَإِرْصاداً ترقبا وانتظارا أُسِّسَ التأسيس وضع الأساس الأول الذي يقوم عليه البناء شَفا الشفا الحرف والحد جُرُفٍ جانب الوادي ونحوه الذي يحفر أصله بما يجرفه السيل منه فيجتاح أسفله فيصير مائلا للسقوط هارٍ الضعيف المتصدع المتداعي للسقوط رِيبَةً شكا وحيرة. سبب النزول: هاجر النبي ﷺ إلى المدينة ونزل قباء على كلثوم بن الهدم شيخ بنى عمرو بن عوف وهم بطن من الأوس، وقباء هذه قرية على ميلين جنوب المدينة، وأقام بها رسول الله الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وأسس مسجد قباء: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ. وقد اتخذ بنو عمرو بن عوف مسجد قباء، وبعثوا للنبي ﷺ أن يأتيهم فأتاهم وصلّى فيه، فحسدهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبنى مسجدا ونبعث إلى النبي ﷺ يأتينا فيصلى لنا فيه كما صلّى في مسجد إخواننا، ويصلى فيه أبو عامر الراهب

стр. 939

إذا قدم من الشام وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فأتوا النبي ﷺ وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله، قد بنينا مسجدا لذي الحاجة، والعلة، والليلة المطيرة، ونحب أن تصلى لنا فيه وتدعو بالبركة إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى فقال النبي ﷺ : «إنّى على سفر وحال شغل فلو قدمنا لأتيناكم وصلّينا لكم فيه» : فلما انصرف من تبوك وهم بالذهاب إلى مسجد الضرار نزلت هذه الآيات. فدعا النبي مالك بن الدخشم وغيره فقال: «انطلقوا إلى هذا المسجد الظّالم أهله فاهدموه وأحرقوه» . وقد تم ذلك، والذين بنوا مسجد الضرار كانوا اثنى عشر منافقا من الأوس والخزرج. المعنى: والذين اتخذوا مسجدا لأغراض ستأتى جزاؤهم معروف، إذ كان غرضهم بالبناء ما سجله القرآن عليهم وهو: (أ) أنهم اتخذوه محاولين إيقاع الضرر بالمؤمنين (الذين بنى لهم رسول الله مسجد قباء قبل دخوله المدينة) وهؤلاء بنوا مسجدهم بجوارهم لإيقاع الضرر بهم والفتنة لهم. (ب) واتخذوه للكفر وتقويته والاجتماع لتدبير ما يكرهه الله ورسوله. فكان عش الفتنة، وبيت النفاق، ويقول المنافق: صليت فيه وما صلى، والكفر يطلق على الاعتقاد والعمل المنافيين للإيمان. (ج) وبنوه للتفريق كذلك بين المؤمنين فإنهم كانوا يصلون في مسجد واحد، فأصبحوا متفرقين في مكانين. (د) واتخذوه إرصادا وانتظارا لقدوم من حارب الله ورسوله حتى إذا قدم وجد المكان مهيأ ووجد أصحابه مستعدين لمحاربة رسول الله ﷺ . وقد اتفق المفسرون على أن الذي أغراهم ببناء هذا المسجد هو أبو عامر الراهب من الخزرج، وحكموا أنه كان رجلا تنصر في الجاهلية وعلم علم أهل الكتاب وكانت له مكانة في قومه- فلما قدم النبي المدينة، واجتمع المسلمون حوله وأصبح للإسلام كلمة- أكل الحسد قلب الرجل، وأعلن الحرب على النبي ﷺ ، وأقسم ليحاربنه مع كل من يحاربه، وقد حاربه في أحد وحنين، ولما رأى نور الإسلام يرتفع ارتفاع

стр. 940

الشمس في الضحى فر إلى الشام وأرسل للمنافقين من قومه أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح، وابنوا لي مسجدا فإنى سآتى لكل بجند قيصر لمحاربة محمد وأصحابه، ولقد صدق المنافقون قوله وبنوا المسجد للضرر وللكفر وللتفريق بين المؤمنين، ولانتظار أبى عامر الراهب ليحارب الله ورسوله. وليقسمن بعد ذلك كله: ما أرادوا إلا الحسنى وأنهم بنوه للضرورة والحاجة التي تلم بالضعفاء، وأنهم بنوه رفقا بالمسلمين وتيسيرا لصلاة الجماعة على الضعفاء والمعذورين الذين يحبسهم المطر في الليلة المطيرة، كذبوا!! والله يشهد إنهم لكاذبون في ادعائهم، منافقون في أعمالهم!! أما أنت أيها الرسول فلا تقم فيه أبدا على معنى لا تصل فيه أبدا، والنهى عن القيام يفسر بالنهى عن الصلاة كما روى عن ابن عباس، وانظر إلى التقييد بقوله أبدا وهو ظرف يستغرق الزمن المستقبل كله، ونهى النبي ﷺ يشمل المؤمنين كذلك. لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى أى: والله لمسجد كان أساسه والغرض من بنائه من أول يوم بنى هو تقوى الله بإخلاص العبادة فيه، وجمع المؤمنين على محبة رسول الله والعمل على وحدة الإسلام، والتعاون على البر والتقوى لمسجد هذا وصفه أحق بالقيام فيه من غيره خصوصا مسجد هؤلاء المنافقين الذين بنوه لغرض حقير كشف الله سترهم فيه، وبين مقصودهم منه. وهل هذا المسجد هو مسجد قباء أو مسجد الرسول في المدينة أو الكلام يشمل الاثنين؟ والله أعلم وإن كان الظاهر أن الكلام يشمل الاثنين لوجود الوصف فيهما، هذا المسجد فيه رجال يعمرونه بالاعتكاف والصلاة مخلصين لله قانتين، يحبون أن يتطهروا من دنس المعاصي، ورجس العبودية، وقذارة النجاسة فالمتطهرون طهارة حسية ومعنوية. والله يحب المتطهرين المبالغين في الطهارة القلبية والروحية، والجسدية والمعنوية وهؤلاء هم الكاملون في الإنسانية، أما محبة الله لهم فهذا شيء هو أعلم به إلا أنا نعرف من الحديث أن الله يحب من عباده الصالحين الموفقين إلى الخير «لا يزال عبدى يتقرّب إلىّ بالنّوافل حتّى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الّذى يسمع به وبصره الّذى يبصر به» إلى أخر الحديث الشريف.

стр. 941

وقد ضرب الله المثل للمنافقين وأعمالهم المنهارة، وللمؤمنين وأعمالهم المؤسسة على الأساس المكين بطريق الإيجاز المحكم فقال ما معناه: أفمن كان مؤمنا صادقا لا يقصد بعمله إلا وجه الله، ويتقى الله في كل عمل، كمن هو منافق مرتاب مراء كذاب لا يبغى بعمله إلا الشيطان والهوى: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ «١» ؟ فالمنافق يفضحه الله وينال جزاءه السيئ في الدنيا والآخرة، والمؤمن ينال جزاءه الحسن في الدنيا والآخرة. أفمن أسس بنيانه على أساس التقوى، والإيمان والإخلاص، وهو أساس قوى متين نافع في الدنيا والآخرة، كمن أسس بنيانه على أساس ضعيف منهار! فالأول مثل المؤمن والثاني مثل للمنافق، وخلاصة المثلين أن الإيمان الصادق وما يتبعه من العمل المثمر النافع كالبناء المتين المؤسس الذي يقي صاحبه عوادي الزمان. وأن النفاق وما يستلزم من العمل الفاسد هو الباطل الزاهق وهو كالبناء الذي يبنى على الجرف المنهار لا ينفع صاحبه ولا يقيه سوءا، بل يضره ضررا بليغا حيث ألهاه عن العمل المثمر النافع. والله لا يهدى القوم الظالمين لأنفسهم ولغيرهم. لا يزال بنيانهم الذي بنوه ريبة في قلوبهم، يملؤها شكا ونفاقا وحسرة وألما وخوفا من الفضيحة وهتك الستر، فهم دائما في ريبة وشك يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ «٢» . لا يزال كذلك ولا يزال هدمه سبب شك ونفاق زائد على شكهم ونفاقهم إلا أن تقطع قلوبهم قطعا، تتفرق أجزاء فحينئذ يسلون عنه، وأما ما دامت سالمة فهم في ريبة وشك والله عليم بخلقه حكيم في صنعه.

стр. 942

من هم المؤمنون الكاملون؟ [سورة التوبة (٩) : الآيات ١١١ الى ١١٢] إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) روى القرطبي وغيره من المفسرين أن هذه الآية نزلت في البيعة الثانية- بيعة العقبة الكبرى- وكان فيها الأنصار نيفا وسبعين، وذلك أنهم اجتمعوا إلى رسول الله ﷺ عند العقبة فقال عبد الله بن رواحة للنبي: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال النبي ﷺ : أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: «الجنّة. قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل» فنزلت الآية إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ. وهذه الآية وأمثالها تمثيل، حيث عبر عن إثابة الله المؤمنين الباذلين أنفسهم وأموالهم في سبيله بأن لهم الجنة: عبر عن ذلك بالشراء والمعاوضة وهذا تفضل منه وكرم، وترغيبا في الجهاد ببيان فضله إثر بيان حال المتخلفين عنه وهم المنافقون.

стр. 943

المعنى: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسا هو خلقها وأموالا هو رزقها بأن لهم الجنة الثابتة لهم الخاصة بهم، إنه بيع الله مربح للمؤمنين، وكأن سائلا سأل وقال: كيف يبيعون أنفسهم وأموالهم بالجنة؟ فقيل: يقاتلون في سبيل الله باذلين النفس والنفيس من المال وغيره فيكون منهم أحد أمرين، إما قتل للأعداء، وإما استشهاد في سبيل الله فلا فرق بين القاتل والمقتول ما دام القتال لله وحده. وعدهم ربهم بذلك وعدا حقا مؤكدا أوجبه على نفسه، وجعله حقا ثابتا لهم في التوراة والإنجيل والقرآن، وليس لك أن تقول أين هذا في التوراة والإنجيل؟ بعد ما ثبت أن الموجود منها سوف ومبدل، وأنهم نسوا حظا منه، وأوتوا نصيبا منه كما في القرآن. راجع سورة المائدة آية: ١٣، ١٤. ومن أوفى بعهده من الله؟ ومن أصدق قيلا منه، وهو القادر على كل شيء الحكيم الخبير بعباده. وإذا كان كذلك فاستبشروا وافرحوا غاية الفرح بما فزتم به من الجنة مثوبة من الله وفضلا على بيعكم أنفسكم وأموالكم لله، وذلك هو الفوز العظيم الذي لا فوز أعظم منه. والمؤمنون الباذلون هم التائبون توبة خالصة كريمة صادقة من كل ذنب جل أو صغر، العابدون الله ربهم المخلصون له في جميع عبادتهم ومعاملتهم لا يخشون إلا هو، ولا يرجون إلا هو، ولا يستعينون إلا به إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة آية ٥] . الحامدون الله ربهم في السراء والضراء إذ كل ما يصيب المسلم فهو بقضاء الله وقدره لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ «١» وهذا لا يمنع الأخذ بالأسباب، السائحون في الأرض يجوبونها لغرض شريف ومعنى كريم كالجهاد في سبيل الله أو طلب العلم، أو التجارة أو الكسب الحلال، أو لاكتشاف ما في الملكوت من معاني عظمة الله وقدرته والوقوف على أحوال الناس للعبرة والعظة، وقيل المراد بالسياحة: الصوم لقوله ﷺ «سياحة أمّتى الصّوم» .

стр. 944

الراكعون الساجدون في الصلاة، والآمرون بالمعروف شرعا والناهون عن المنكر، وهاتان الصفتان من لوازم الجماعات وقوامها. والحافظون لحدود الله كلها، وحدود الله هي شرائعه وأحكامه التي تشمل ما يجب على الفرد والجماعة وجوبا عينيا أو كفائيا، ولعل ذكر هذا الوصف بالواو وحده لأنه جماع الأصناف كلها وكأن ما مضى كله نوع وهو وحده نوع. ها هي صفات المؤمنين الكاملة، وثوابهم الكامل، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، أى: أن الآية عامة في كل مجاهد في سبيل الله موصوف بهذه الصفات إلى يوم القيامة. الاستغفار للمشركين ومتى يؤاخذ الله على الذنب؟ [سورة التوبة (٩) : الآيات ١١٣ الى ١١٦] ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦)

стр. 945

روى مسلم عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أمية فقال: يا عم. قل: لا إله إلا الله. كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ ولم يزل يكرر رسول الله: ولكن الله لم يوفق أبا طالب وقال، هو على ملة عبد المطلب. فقال رسول الله ﷺ : «أما والله لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك» فنزلت الآية. ولا تنس موقف أبى طالب مع النبي ونصرته له، وفي روايات أخرى أنها نزلت في استغفار بعض الصحابة لأقاربهم. وفي ظني أن الرواية الأولى ضعيفة لأن سورة التوبة من آخر القرآن نزولا. المعنى: ما كان من شأن النبي والمؤمنين أى: ما يصح أن يصدر من النبي من حيث كونه نبيا ومن حيث كونهم مؤمنين لا يصح منهم أن يدعو الله طالبين المغفرة للمشركين بعد قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ [سورة النساء آية ٤٨] وبعد قوله في سورة البراءة: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، وبعد قوله- تعالى-: إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ [سورة الممتحنة الآية ٤] وهذا نفى، والمراد منه النهى وهو أبلغ لأن نفى الشأن أبلغ من نفى الشيء نفسه. ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين مطلقا ولو كانوا أولى قربى، وعند عدمها من باب أولى، هذا الحكم يسرى من بعد ما تبين لهم أنهم أعداء الله وذلك بعد الموت، أما قبله فإن كان الاستغفار بمعنى طلب الهداية والتوفيق للإسلام فجائز. وإن كان بمعنى المغفرة بلا إسلام فغير جائز، وإنما يظهر أن الكافر من أصحاب الجحيم وأنه عدو لله بموته على الشرك أو بوحي من الله. وكان استغفار إبراهيم لأبيه آزر بقوله: وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ «١» بمعنى وفقه للإسلام كما يفهم من تعليله إنه كان من الضالين وما كان استغفار إبراهيم إلا عن موعدة وعدها إياه بقوله لأستغفرن لك ربي وهذه الموعدة مبنية على عدم تبين أمره فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، وعلى هذا فمن استغفر لحى يرجو إيمانه يقصد سؤال الله له الهداية فلا بأس.

стр. 946

قال ابن عباس: لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما مات وتبين له أنه عدو لله وأنه من أصحاب الجحيم تبرأ منه ومن قرابته وترك الاستغفار له كما هو مقتضى الإيمان. إن إبراهيم لأواه كثير التأوه والتحسر، والخشوع، والدعاء لله، حليم لا يستفزه غضب ولا جهل ولا طيش به هو صبور عطوف صفوح، وهذا تذيل يفيد اتصاف إبراهيم بما ذكر، وأنه يأتسى به في ذلك. لما نزل المنع من الاستغفار خاف المؤمنون من المؤاخذة بما صدر عنهم قبل البيان وقد مات جماعة منهم قبل النهى فأنزل الله وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً.. الآية. وما كان الله ليقضى على قوم بالضلال ويحكم عليهم بذلك. بعد إذ هداهم ووفقهم للإيمان الكامل بمجرد قول أو عمل صدر عنهم خطأ في الاجتهاد حتى يتبين لهم ما يتقون الله به بيانا شافيا واضحا، إن الله بكل شيء عليم، فالله لا يؤاخذهم إلا بعد أن يبين لهم شريعته ويوقفهم على حكمه. واعلموا أن الله له ملك السموات والأرض بيده الأمر كله، يحيى يميت. لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه. فلا تهمنكم القرابة والصلة ولا تخشوا إلا الله، وما لكم ولى ولا نصير من غيره- . التوبة وشروطها، والصدق وفضله [سورة التوبة (٩) : الآيات ١١٧ الى ١١٩] لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)

стр. 947

المفردات: ساعَةِ الْعُسْرَةِ المراد: وقت العسرة أى: الشدة يَزِيغُ يميل عن الصراط المستقيم خُلِّفُوا أخر أمر هؤلاء الثلاثة مدة ثم تاب الله عليهم بعد ذلك، فهم قد خلفوا عن أبى لبابة وأصحابه في قبول التوبة بِما رَحُبَتْ أي: برحبها وسعتها. المعنى: للتوبة معنيان: أولهما العطف والرضا عن العباد وعن أعلاهما. ثانيهما: قبول التوبة منهم بعد توفيقهم إليها، وكانت توبة الله على النبي ﷺ من النوع الأول. وقد فسر البعض توبة الله على النبي ﷺ حيث أذن لبعض المنافقين وكان الأولى الانتظار عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا.. الآية وأما المهاجرون والأنصار فقد كانت غزوة تبوك في ساعة العسرة والشدة، وقد تجاوز الله عن هفواتهم وتثاقلهم عن المسير (وهذا كله من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين) . وفي الكشاف هذه الآية مثل قوله- تعالى-: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «١» وهذا حث للمؤمنين على التوبة، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إليها حتى النبي المعصوم والمهاجرين والأنصار، وفي ذلك إبانة لفضلها ومقدارها عند الله، وأنها صفة الأنبياء والسابقين، وهذا كلام حسن وتخريج جميل.

стр. 948

لقد تاب الله على النبي ﷺ وعلى المهاجرين والأنصار مما ألم به بعضهم، وذلك لأنهم اتبعوا النبي ﷺ ساعة العسرة والشدة، ولبوا نداء الرسول ﷺ في غزوة تبوك. وكانت عسرة في الزاد حتى اقتسم بعضهم التمرة، وفي بعض الروايات كانوا يمتصونها وقد تزود بعضهم بحفنة شعير مسوس وتمر فيه دود، وكانت عسرة في الماء حتى أنهم نحروا البعير وعصروا كرشه ليبلوا به ألسنتهم، وكانت عسرة في الظهر حتى كان العشرة يعتقبون بعيرا واحدا، وعسرة في الزمن إذ كان الوقت في نهاية الصيف حيث يشتد الحر ويكثر القيظ والعطش، وفي أخبار السير الشيء الكثير عن الشدة التي كانوا فيها. أولئك اتبعوا النبي ﷺ من بعد ما قرب أن يزيغ قلوب فريق منهم عن صراط الإسلام بعصيان الرسول، والتخلف بغير عذر مقبول، والظاهر والله أعلم أنهم المتخلفون بغير عذر، ولا نفاق معهم وهم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا واعترفوا بذنوبهم فتاب الله عليهم. إنه بهم رءوف رحيم. أما الثلاثة الذين خلفوا أى: أرجئوا حتى ينزل فيهم قرآن وهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع. فقد تاب الله عليهم بعد أن أرجئوا خمسين يوما بعد مجيء الرسول إلى المدينة، وخير ما يبين لنا هذه الآية وما بعدها حديث كعب ابن مالك المروي في كتب الحديث وأشهر كتب التفسير وخلاصته: روى الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك قال- أى عبد الله-: سمعت عن كعب يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله في غزوة تبوك. قال كعب ما معناه: لم أتخلف عن رسول الله في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أنى تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحد عن التخلف عنها لخروج النبي ﷺ إلى العير إلخ ما هو معروف.. تخلفت عن غزوة تبوك ولم يكن أحد أقوى منى ولا أيسر، وكانت عندي راحلتان وكان رسول الله قلما يريد غزوة إلا ورى بغيرها إلا هذه فكانت في حر شديد وسفر بعيد، ومع عدو كثير فجلا للمسلمين أمرهم ليأخذوا حذرهم، ويتأهبوا لغزوهم، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين الثمار والظلال وأنا إليها أصعر (أى أميل) وتجهز معه المسلمون: وطفقت أعدو لكي أتجهز فأرجع ولا أقضى، فأقول أنا قادر على ذلك إن أردت!! فلم يزل ذلك يتمادى حتى استمر

стр. 949

بالناس الجد، فأصبح رسول الله غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا، وعللت نفسي بأنى سألحق بعد يوم أو يومين، ولم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم وليت أنى فعلت، ثم لم يقدر لي ذلك، فطفقت وقد خرج الناس يحزنني أنى لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق (مطعونا عليه في دينه) أو معذورا من ضعيف أو مريض. قال كعب: ولما بلغني أن رسول الله قفل راجعا حضرني بثي وحزنى فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدا وأستعين على ذلك بكل ذي رأى من أهلى فلما قيل لي إن رسول الله ﷺ قد أظل قادما زاح عنى الباطل حتى عرفت أنى لن أنجو منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقه، وكان إذا جاء من سفره ركع ركعتين في المسجد ثم جلس للناس. فلما فعل جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له فقبل منهم رسول الله علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، حتى جئت فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، وقال لي: «ما خلفك؟! ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» قال: قلت يا رسول الله: إنى والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أنى سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا (فصاحة وقوة في البيان) ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنى ليوشكن الله أن يسخطك على. ولئن حدثتك حديث صدق تجد على فيه (تغضب على فيه) إنى لأرجو فيه عقبى الله. يا رسول الله: ما كان لي عذر. والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنك. فقال رسول الله: «أمّا هذا فقد صدق فقم حتّى يقضى الله فيك» فقمت وأنبنى ناس لسلوكى هذا المسلك، ثم قلت لهم: هل لقى هذا معى أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية الواقفي. قال: فذكروا له رجلين صالحين قد شهدا بدرا. ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا نحن الثلاثة من بين من تخلف عنه. قال: فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا كنت أخرج إلى الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتى رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟!.

стр. 950

وكان النبي ﷺ بعد الأربعين أرسل لهم من يبلغهم باجتناب نسائهم ففعلوا واستأذنت امرأة هلال في خدمته فأذن لها لكبره وضعفه قال كعب بن مالك: فقلت لزوجي: الحقي بأهلك. ومكثت عشر ليال على ذلك وبينما أنا في صلاة الفجر وإذا بالبشرى تزف إلى من كل جانب: أن الله قد تاب علينا وتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوننى بالتوبة. وهكذا التوبة الصادقة، التوبة النصوح أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه فلم يعد للسرور مكان فيها، وأن يعتقد ألا ملجأ من الله وعذابه إلا إليه، وما يتبع ذلك من الندم والعزم على عدم الرجوع إلى الذنب أبدا، ورد المظالم إلى أهلها إن كانت. ثم تاب الله عليهم ووفقهم للتوبة المقبولة ليتوبوا ويرجعوا إليه رجوعا خالصا إن الله هو التواب الرحيم. وقد كان للصدق أثر كبير في قبول توبة هؤلاء الثلاثة، ولذا أردف الله توبتهم بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ المخلصين. وإنى أختم الكلام على هذه الآية الكريمة بقول النبي ﷺ : «عليكم بالصّدق فإنّ الصّدق يهدى إلى البرّ، وإنّ البرّ يهدى إلى الجنة، وما يزال الرّجل يصدق ويتحرّى الصّدق حتّى يكتب عند الله صدّيقا» والكذب على ضد ذلك ففي الحديث: «إيّاكم والكذب فإنّ الكذب يهدى إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدى إلى النّار، وما يزال الرّجل يكذب ويتحرّى الكذب حتّى يكتب عند الله كذّابا» . وجوب الجهاد مع رسول الله وجزاؤه [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٢٠ الى ١٢١] ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)
следующие страницы →