قال ابن عباس: لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما مات وتبين له أنه عدو لله وأنه من أصحاب الجحيم تبرأ منه ومن قرابته وترك الاستغفار له كما هو مقتضى الإيمان.
إن إبراهيم لأواه كثير التأوه والتحسر، والخشوع، والدعاء لله، حليم لا يستفزه غضب ولا جهل ولا طيش به هو صبور عطوف صفوح، وهذا تذيل يفيد اتصاف إبراهيم بما ذكر، وأنه يأتسى به في ذلك.
لما نزل المنع من الاستغفار خاف المؤمنون من المؤاخذة بما صدر عنهم قبل البيان وقد مات جماعة منهم قبل النهى فأنزل الله وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً.. الآية.
وما كان الله ليقضى على قوم بالضلال ويحكم عليهم بذلك. بعد إذ هداهم ووفقهم للإيمان الكامل بمجرد قول أو عمل صدر عنهم خطأ في الاجتهاد حتى يتبين لهم ما يتقون الله به بيانا شافيا واضحا، إن الله بكل شيء عليم، فالله لا يؤاخذهم إلا بعد أن يبين لهم شريعته ويوقفهم على حكمه.
واعلموا أن الله له ملك السموات والأرض بيده الأمر كله، يحيى يميت. لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه. فلا تهمنكم القرابة والصلة ولا تخشوا إلا الله، وما لكم ولى ولا نصير من غيره- .
التوبة وشروطها، والصدق وفضله [سورة التوبة (٩) : الآيات ١١٧ الى ١١٩]
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)
стр. 947
المفردات:
ساعَةِ الْعُسْرَةِ المراد: وقت العسرة أى: الشدة يَزِيغُ يميل عن الصراط المستقيم خُلِّفُوا أخر أمر هؤلاء الثلاثة مدة ثم تاب الله عليهم بعد ذلك، فهم قد خلفوا عن أبى لبابة وأصحابه في قبول التوبة بِما رَحُبَتْ أي: برحبها وسعتها.
المعنى:
للتوبة معنيان: أولهما العطف والرضا عن العباد وعن أعلاهما. ثانيهما: قبول التوبة منهم بعد توفيقهم إليها، وكانت توبة الله على النبي ﷺ من النوع الأول.
وقد فسر البعض توبة الله على النبي ﷺ حيث أذن لبعض المنافقين وكان الأولى الانتظار عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا.. الآية وأما المهاجرون والأنصار فقد كانت غزوة تبوك في ساعة العسرة والشدة، وقد تجاوز الله عن هفواتهم وتثاقلهم عن المسير (وهذا كله من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين) .
وفي الكشاف هذه الآية مثل قوله- تعالى-: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «١» وهذا حث للمؤمنين على التوبة، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إليها حتى النبي المعصوم والمهاجرين والأنصار، وفي ذلك إبانة لفضلها ومقدارها عند الله، وأنها صفة الأنبياء والسابقين، وهذا كلام حسن وتخريج جميل.
стр. 948
لقد تاب الله على النبي ﷺ وعلى المهاجرين والأنصار مما ألم به بعضهم، وذلك لأنهم اتبعوا النبي ﷺ ساعة العسرة والشدة، ولبوا نداء الرسول ﷺ في غزوة تبوك.
وكانت عسرة في الزاد حتى اقتسم بعضهم التمرة، وفي بعض الروايات كانوا يمتصونها وقد تزود بعضهم بحفنة شعير مسوس وتمر فيه دود، وكانت عسرة في الماء حتى أنهم نحروا البعير وعصروا كرشه ليبلوا به ألسنتهم، وكانت عسرة في الظهر حتى كان العشرة يعتقبون بعيرا واحدا، وعسرة في الزمن إذ كان الوقت في نهاية الصيف حيث يشتد الحر ويكثر القيظ والعطش، وفي أخبار السير الشيء الكثير عن الشدة التي كانوا فيها.
أولئك اتبعوا النبي ﷺ من بعد ما قرب أن يزيغ قلوب فريق منهم عن صراط الإسلام بعصيان الرسول، والتخلف بغير عذر مقبول، والظاهر والله أعلم أنهم المتخلفون بغير عذر، ولا نفاق معهم وهم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا واعترفوا بذنوبهم فتاب الله عليهم. إنه بهم رءوف رحيم.
أما الثلاثة الذين خلفوا أى: أرجئوا حتى ينزل فيهم قرآن وهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع. فقد تاب الله عليهم بعد أن أرجئوا خمسين يوما بعد مجيء الرسول إلى المدينة، وخير ما يبين لنا هذه الآية وما بعدها حديث كعب ابن مالك المروي في كتب الحديث وأشهر كتب التفسير وخلاصته:
روى الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك قال- أى عبد الله-: سمعت عن كعب يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله في غزوة تبوك.
قال كعب ما معناه: لم أتخلف عن رسول الله في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أنى تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحد عن التخلف عنها لخروج النبي ﷺ إلى العير إلخ ما هو معروف.. تخلفت عن غزوة تبوك ولم يكن أحد أقوى منى ولا أيسر، وكانت عندي راحلتان وكان رسول الله قلما يريد غزوة إلا ورى بغيرها إلا هذه فكانت في حر شديد وسفر بعيد، ومع عدو كثير فجلا للمسلمين أمرهم ليأخذوا حذرهم، ويتأهبوا لغزوهم، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين الثمار والظلال وأنا إليها أصعر (أى أميل) وتجهز معه المسلمون: وطفقت أعدو لكي أتجهز فأرجع ولا أقضى، فأقول أنا قادر على ذلك إن أردت!! فلم يزل ذلك يتمادى حتى استمر
стр. 949
بالناس الجد، فأصبح رسول الله غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا، وعللت نفسي بأنى سألحق بعد يوم أو يومين، ولم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم وليت أنى فعلت، ثم لم يقدر لي ذلك، فطفقت وقد خرج الناس يحزنني أنى لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق (مطعونا عليه في دينه) أو معذورا من ضعيف أو مريض.
قال كعب: ولما بلغني أن رسول الله قفل راجعا حضرني بثي وحزنى فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدا وأستعين على ذلك بكل ذي رأى من أهلى فلما قيل لي إن رسول الله ﷺ قد أظل قادما زاح عنى الباطل حتى عرفت أنى لن أنجو منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقه، وكان إذا جاء من سفره ركع ركعتين في المسجد ثم جلس للناس. فلما فعل جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له فقبل منهم رسول الله علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، حتى جئت فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، وقال لي: «ما خلفك؟! ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» قال: قلت يا رسول الله: إنى والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أنى سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا (فصاحة وقوة في البيان) ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنى ليوشكن الله أن يسخطك على. ولئن حدثتك حديث صدق تجد على فيه (تغضب على فيه) إنى لأرجو فيه عقبى الله. يا رسول الله: ما كان لي عذر. والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنك. فقال رسول الله: «أمّا هذا فقد صدق فقم حتّى يقضى الله فيك» فقمت وأنبنى ناس لسلوكى هذا المسلك، ثم قلت لهم: هل لقى هذا معى أحد؟
قالوا: نعم لقيه معك مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية الواقفي. قال: فذكروا له رجلين صالحين قد شهدا بدرا.
ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا نحن الثلاثة من بين من تخلف عنه.
قال: فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا كنت أخرج إلى الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتى رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟!.
стр. 950
وكان النبي ﷺ بعد الأربعين أرسل لهم من يبلغهم باجتناب نسائهم ففعلوا واستأذنت امرأة هلال في خدمته فأذن لها لكبره وضعفه قال كعب بن مالك: فقلت لزوجي: الحقي بأهلك. ومكثت عشر ليال على ذلك وبينما أنا في صلاة الفجر وإذا بالبشرى تزف إلى من كل جانب: أن الله قد تاب علينا وتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوننى بالتوبة.
وهكذا التوبة الصادقة، التوبة النصوح أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه فلم يعد للسرور مكان فيها، وأن يعتقد ألا ملجأ من الله وعذابه إلا إليه، وما يتبع ذلك من الندم والعزم على عدم الرجوع إلى الذنب أبدا، ورد المظالم إلى أهلها إن كانت.
ثم تاب الله عليهم ووفقهم للتوبة المقبولة ليتوبوا ويرجعوا إليه رجوعا خالصا إن الله هو التواب الرحيم.
وقد كان للصدق أثر كبير في قبول توبة هؤلاء الثلاثة، ولذا أردف الله توبتهم بقوله:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ المخلصين.
وإنى أختم الكلام على هذه الآية الكريمة
بقول النبي ﷺ : «عليكم بالصّدق فإنّ الصّدق يهدى إلى البرّ، وإنّ البرّ يهدى إلى الجنة، وما يزال الرّجل يصدق ويتحرّى الصّدق حتّى يكتب عند الله صدّيقا»
والكذب على ضد ذلك
ففي الحديث: «إيّاكم والكذب فإنّ الكذب يهدى إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدى إلى النّار، وما يزال الرّجل يكذب ويتحرّى الكذب حتّى يكتب عند الله كذّابا» .
وجوب الجهاد مع رسول الله وجزاؤه [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٢٠ الى ١٢١]
ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)
стр. 951
المفردات:
ظَمَأٌ عطش نَصَبٌ تعب ومشقة مَخْمَصَةٌ جوع وادِياً مسيل الماء في متعرجات الجبال وأغوار الآكام.
المعنى:
الجهاد في سبيل الله أعلى شعبة في الإيمان، وأقدس عمل يقوم به الفرد ليرد عادية العدو عن وطنه وليرسى قواعد الحق والعدل، والجهاد مع رسول الله شرف كبير، وسمو عظيم ما كان يصح ولا ينبغي لأحد أن يتخلف عنه خاصة أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب كبعض أفراد قبيلة مزينة، وجهينة، وأشجع، وأسلم، وغفار، نعم ما كان يصح لهؤلاء وهم سكان عاصمة الإسلام وجيران الرسول والمتمتعون بصحبته أن يتخلفوا عنه، ويرغبوا بمتاع أنفسهم وراحتهم، عن بذلها فيما يبذل فيه نفسه الشريفة من الجهاد وتحمل المشاق في سبيل الله وكيف يكون ذلك منهم؟ وفي الحديث «لا يكمل إيمان المرء حتّى أكون أحبّ إليه من نفسه وماله» .
وللزمخشري عبارة جميلة في تفسير هذه الآية بكشافه.. وهذا النفي يفيد النهى عن التخلف ووجوب الجهاد مع رسول الله، ذلك الوجوب بسبب أن لهم فيه أجرا عظيما، فلا يصيبهم ظمأ ولا تعب، ولا مشقة من جوع وألم، في سبيل الله، إلا كان لهم بذلك صدقة، ولا يطئون موطئا من أرض الكفر يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدو
стр. 952
نيلا من قتل أو أسر أو هزيمة أو غنيمة إلا كتب لهم بذلك كله عمل صالح، وثواب جزيل يكافئ ما قدموه وزيادة، إن الله لا يضيع أجر المحسنين، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!! ولا ينفقون نفقة صغيرة مهما كانت، ولا كبيرة مهما عظمت، ولا يقطعون واديا بالسير فيه إلى العدو إلا كتب لهم به الجزاء الأوفى ليجزيهم الله أحسن الجزاء على ما كانوا يعملون. فإن الجهاد في الله فريضة تحفظ الإيمان ووطن الإسلام، وليست هناك أمة تترك الجهاد إلا ذلت واستعبدت.
طلب العلم فريضة [سورة التوبة (٩) : آية ١٢٢]
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)
المفردات:
طائِفَةٌ جماعة لِيَتَفَقَّهُوا ليتعلموا الفقه والأحكام الشرعية.
لما تعرض القرآن الكريم للمتخلفين عن الجهاد مع النبي ﷺ وناقشهم نقاشا عنيفا كشف فيه أستار النفاق، ولام من تثاقل عن الغزو من المؤمنين ووبخهم على التخلف، صار المسلمون إذا أرسل النبي سرية من السرايا خرجوا جميعا وتركوا النبي وحده بالمدينة. فنزلت الآية ترتب أمورهم وتنظم جماعتهم، قال ابن عباس هذه الآية مخصوصة بالسرايا التي يرسلها الرسول، وما قبلها كقوله تعالى مثلا: ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ مخصوصة بحالة النفير العام إذا ما خرج النبي ﷺ للقتال.
стр. 953
المعنى:
وما كان ينبغي للمؤمنين من حيث هذا الوصف أن يخرجوا للقتال جميعا [وهذا في غير النفير العام كما سبق] أى: في السرايا فإن الخروج فيها فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين.
فلولا نفر وخرج للقتال من كل فرقة كبيرة كالقبيلة أو البلد جماعة قليلة يقدر عددها بقدر الظروف والملابسات، وذلك ليتأتى للمؤمنين في جملتهم التفقه في الدين والوقف على أسرار التنزيل، فيكون حول النبي ﷺ جماعة يتعلمون منه الأحكام، ويأخذون عنه القرآن حتى إذا ما رجع المجاهدون من الميدان بلغوهم ما نزل من القرآن وأوقفوهم على ما جد من الأحكام، وذلك كله رجاء أن يحذروا عقاب الله ويخافوا بطشه.
ومن هنا نعلم أن الآيات تشير إلى وجوب الجهاد العام إذا ما خرج النبي ﷺ وكذا الحاكم العام للغزو أى: في حالة التغير العام وهذه تقدر بظروفها أما في غيرها فيخرج للجهاد بعض الشعب لا كله.
وتشير الآية إلى أن تعلم العلم أمر واجب على الأمة جميعا وجوبا لا يقل عن وجوب الجهاد والدفاع عن الوطن واجب مقدس، فإن الوطن يحتاج إلى من يناضل عنه بالسيف وإلى من يناضل عنه بالحجة والبرهان، بل إن تقوية الروح المعنوية، وغرس الوطنية وحب التضحية، وخلق جيل يرى أن حب الوطن من الإيمان، وأن الدفاع عنه واجب مقدس. هذا أساس بناء الأمة، ودعامة استقلالها.
وتشير الآية الكريمة إلى أن غاية طلب العلم هو التفقه في الدين، وفهم أسراره فهما تصلح به نفس العالم حتى يكون ربانيا وقرآنيا، وأن أثر ذلك في الخارج هو الدعوة إلى الله وإنذار قومك إذا رجعت إليهم، فتعلمهم، وتثقفهم، وتهديهم، وتربيهم على حب الخير، وعلى حب العمل والجد، وأن الله يحب المؤمن القوى في نفسه وعقله وخلقه وعلمه وبدنه، وهذه هي مهمة الرسل الكرام.
وإن وضع الآية التي تشير إلى العلم والتعلم في وسط آيات الجهاد والقتال لمن المعجزات التي كشف عنها هذا العصر. فإن الحروب اليوم تعتمد على العلم والفقه الحربي أكثر مما تعتمد على السلاح.
стр. 954
توجيهات في قتال الكفار [سورة التوبة (٩) : آية ١٢٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)
المفردات:
يَلُونَكُمْ يتصلون بكم بالجوار وقرب الديار غِلْظَةً شدة وخشونة.
المعنى:
يا أيها المؤمنون قاتلوا الكفار الذين يدنون منكم، وتتصل بلادهم ببلادكم فإن القتال شرع في الإسلام لتأمين حرية الدعوة إليه، وتأمين سلامة دولته مع الحرية في الدين، وأنه لا إكراه فيه أبدا، وجبران المسلمين من الروم والفرس والقبائل العربية الخاضعة لهم كثيرا ما كانت تغير على أطراف الدولة الإسلامية، وتؤلب القبائل ضد الدعوة المحمدية، ولا تنسى ما فعله اليهود في خيبر وغيرها، والدعوة الإسلامية أساسها الدعوة إلى الأقرب فالأقرب، لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها. وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ فهي وإن كانت دعوة عامة، وأرسل النبي إلى الناس كافة وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أى: لأنذر العرب به ومن يبلغه القرآن في كل زمان ومكان إلا أن النبي ﷺ سار هو وأصحابه من بعده على دعوة الأقرب فالأقرب وقتال الأقرب فالأقرب، ولهذا حكم سياسية واقتصادية وحربية يعرفها أصحاب الحروب والدعوات.
يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار، وليجدوا فيكم غلظة وشدة ويقابلوا فيكم قوما أولى بأس وعزيمة حتى تنخلع قلوبهم. وتضطرب نفوسهم فترجع إلى هدى القرآن تتفهمه.
واعلموا أن الله مع المتقين يعينهم معونة نصر ومساعدة، والمتقون الله هم المؤمنون
стр. 955
العاملون المخلصون، العابدون الحامدون، المحافظون على حدود الله الحاكمون بقوانين الإسلام.
المنافقون واستقبالهم القرآن [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٢٤ الى ١٢٧]
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥) أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٢٧)
المفردات:
إِيماناً الإيمان هو التصديق الجازم المقترن بإذعان النفس المصحوب بالعمل يَسْتَبْشِرُونَ من البشرى وهي السرور والفرح مَرَضٌ شك ونفاق رِجْساً كفرا ونفاقا يُفْتَنُونَ الفتنة الاختبار والابتلاء.
المعنى:
النفاق مرض خبيث يدفع صاحبه إلى العمل الرديء وهكذا كان المنافقون أيام النبي ﷺ إذا ما أنزلت سورة من القرآن وبلغتهم، فمنهم من يقول لأصحابه من المنافقين
стр. 956
أو لضعفة المؤمنين، أيكم زادته هذه إيمانا بأن القرآن من عند الله وتصديقا بأن محمدا صادق في دعواه؟ ولا شك أن الإيمان بمعنى التصديق الجازم المقرون بإذعان النفس يزيد بنزول القرآن، وبسماعه وتلاوته خاصة من النبي ﷺ .
قال الله- تعالى- جوابا لسؤالهم، فأما الذين آمنوا حقا بالله ورسوله، وحل نور الإسلام في قلوبهم. فزادتهم هذه السورة بل الآية الواحدة إيمانا على إيمانهم ويقينا على يقينهم، واطمئنانا على اطمئنانهم، والحال أنهم يستبشرون ويفرحون. وأما الذين في قلوبهم مرض وشك ونفاق دعاهم إلى إظهار الإسلام وإبطال الكفر، فهذه السورة أو غيرها زادتهم رجسا على رجسهم. وكفرا على كفرهم، ونفاقا على نفاقهم حتى استحوذ عليهم الرجس والكفر والنفاق وماتوا وهم كافرون.
أيجهلون هذا ويغفلون عن حالهم؟ وقد توالت عليهم الاختبارات، وحلت بهم الإنذارات تلو الإنذارات، التي يظهر بها الإيمان من النفاق، ويتميز بها الحق من الباطل، هذه الفتن والاختبارات كانت بالآيات التي هي دالة على صدق الرسول فيما يبلغه عن ربه، وهذه الآيات التي نصحتهم وكشفت سرهم، وأبانت حقيقتهم، أليست هذه نذرا كافية في أنهم يرتدعون عن نفاقهم الباطل؟
ثم بعد هذا كله لا يتوبون ولا هم يتعظون.
وإذا ما أنزلت سورة على النبي ﷺ وهم جلوس في مجلسه نظر بعضهم إلى بعض نظر لؤم وخبث، وأخذوا يتغامزون بالعيون وذلك لفساد قلوبهم وسوء سريرتهم.
ينظرون إلى بعض ثم يقولون: هل يراكم من أحد إذا نحن انصرفنا ثم انصرفوا وخرجوا لواذا متسللين، تبا لهم ثم تبا.
صرف الله قلوبهم عن الخير والنور، وذلك بأنهم قوم لا يفقهون. نعم لا يفقهون الدعوة وسرها، وما فيها لأن قلوبهم في أكنة لا يصل إليها نور أبدا، فهم معرضون يجعلون أصابعهم في آذانهم، من شدة الحقد، وفساد الطبع وخبث الطوية، ألا قاتلهم الله أنى يؤفكون، وهنا فرق بين من يحاول الفهم والحكم الصحيح، وبين من يعرض ولا يقبل النظر في الآيات أبدا، والمنافقون من النوع الثاني. أما المؤمنون فإذا تليت عليهم آياته وجلت قلوبهم، وخضعت أعناقهم، وغابت نفوسهم عن كل ما حولهم فلا يسمعون إلا القرآن!!
стр. 957
الرسول ﷺ ونفسه الكريمة [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٢٨ الى ١٢٩]
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)
المفردات:
عَزِيزٌ عَلَيْهِ يقال: عز على فلان الأمر واشتد عليه ما عَنِتُّمْ العنت المشقة ولقاء المكروه حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ الحرص شدة الرغبة في الحصول على المفقود وشدة العناية بحفظ الموجود رَؤُفٌ الرأفة أخص من الرحمة، وتكون مع الضعف والشفقة والرقة ولذا قالوا: رأف بولده وترأف به. وأما الرحمة فعامة تشمل الجميع، وقيل: هما بمعنى واحد.
المعنى:
أيها العرب ما لكم لا تسرعون في الدخول إلى الدين أفواجا والتصديق بذلك النبي العربي الأمى؟! فأنتم أولى الناس به. ولذا اختار جمهور المفسرين أن يكون الخطاب في الآية للعرب إذ المنة عليهم أعظم، والحجة عليهم ألزم.
تالله لقد جاءكم أيها العرب رسول منكم تعرفون لغته وخلقه، وتعلمون من شأنه ما لا يعلمه غيركم، هذا النبي الكريم موصوف بصفات كلها تدعو إلى تصديقه واتباعه خاصة من العرب، وهذا لا يمنع أنه أرسل للكل قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [سورة الأعراف الآية ١٥٨] وهو رحمة للناس بشيرا ونذيرا.
وصفاته ﷺ التي أثبتها له القرآن في هذه الآية:
стр. 958
(أ) عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ، شديد على طبعه الكريم عنتكم ومشقتكم في الدنيا والآخرة إذ هو منكم يتألم لألمكم ويفرح لفرحكم.
(ب) حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ. نعم كان ﷺ حريصا على إيمان الناس جميعا خاصة العرب لأن إيمان العرب مدعاة لإيمان غيرهم إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ «١» . فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً «٢» .
(ج) بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. وكيف لا يكون كذلك وكل تعاليمه ونصائحه تهدى إلى الخير، وترنو إلى الإصلاح والرشاد للأمة الإسلامية في العاجل والآجل، وانظر يا أخى وفقك الله إلى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ «٣» وإلى قوله هنا: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ولذا قال الحسين ابن الفضل: لم يجمع الله- سبحانه- لأحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا النبي ﷺ .
فإن تولوا واعرضوا عنك بعد هذا كله فقل حسبي الله وحده لا إله إلا هو، عليه وحده توكلت، واعتمدت، وفوضت أمرى إليه، وكيف لا يكون ذلك؟ وهو رب العرش العظيم- .
стр. 959
سورة يونس- ﵇ -
مكية كلها، وقيل إلا آيتي ٩٤، ٩٥ فمدنيتان والصحيح الأول، وعدد آياتها ١٠٩ آية. وفيها مناقشة الكفار في العقائد الدينية وتوجيه النظر إلى آيات الله الكونية، وسرد بعض القصص للعظة والعبرة، وخاصة موسى مع فرعون، وما يتخلل ذلك من ذكر لطبيعة الإنسان، ووصف للدنيا، وانتقال إلى وصف مشاهد القيامة المؤثرة وما يتبع ذلك من إثبات للبعث، ووصف للقرآن وأثره في النفوس ومناقشة منكريه.
[سورة يونس (١٠) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (١) أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (٢)
المفردات:
الر تقرأ هذه الحروف الثلاثة بأسمائها ساكنة غير معربة هكذا: ألف. لام.
را.، وفيها الأقوال التي في أول سورة البقرة الْحَكِيمِ أى: المحكم أَوْحَيْنا الإيحاء إعلام من خفاء أَنْذِرِ الإنذار إعلام مع التخويف من العاقبة وَبَشِّرِ البشارة إعلام مع التبشير بالثواب قَدَمَ صِدْقٍ المراد سابقة وفضلا ومنزلة رفيعة، سميت قدما لأن السعى إلى هذه الفضائل بالقدم كما سميت النعمة يدا، وإضافتها للصدق لتحققها، والصدق اسم جامع للفضائل.
المعنى:
هذه الآيات البعيدة الشأو العالية المنزلة التي يتألف منها القرآن الكريم والسورة التي
стр. 960
نحن بصددها هي آيات الكتاب الحكيم صاحبها، والمحكم أجزاؤها ومعانيها كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [سورة هود الآية ١] .
أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ إن هذا لعجب وعجب!! لقد تعجب الكفار من أن يوحى إلى بشر بالرسالة، وأن يكون المرسل بشرا من عامتهم ليس عظيما من عظمائهم، وقد قالوا: العجب أن الله لم يجد رسولا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبى طالب، وأن يأتى هذا الرسول فيذكر البعث وينذر به، ويبشرن المؤمنين بأن لهم الجنة، فهم جعلوا ذلك أعجوبة لهم، ونصبوه علما يوجهون إليه استهزاءهم.
والهمزة في قوله: أَكانَ.. الآية. لإنكار تعجبهم بل والتعجب من تعجبهم إذ الله لم يرسل رسولا قبل محمد إلا وكان بشرا وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ [سورة الأنعام الآية ٩] وقال تعالى: قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا «١» فإرسال محمد رسولا وهو بشر لا يدعو إلى العجب، ويتمه وفقره ليس يدعو إلى العجب إذ الله أعلم حيث يجعل رسالته، والغنى والتقدم في الدنيا وكثرة المال والولد ليس مبررا للرسالة وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى «٢» .
وأما البعث. والجزاء على الخير والشر فهو أمر طبيعي لازم فكيف يدعو إلى العجب؟! وإنما العجب العاجب هو تعجبكم أنتم من الأشياء التي تدعو العامة مع تخويفهم عاقبة الكفر والمعاصي، وأوحينا إليه بأن أنذر الناس كافة، وبشر الذين آمنوا خاصة بأن لهم قدم صدق عند ربهم، يجزيهم بها في الآخرة أحسن الجزاء.
وماذا قال الكافرون وأجابوا به الرسول؟ قال الكافرون: لما رأوا القرآن وأثره في القلوب، وفعله في النفوس حتى فرق بين المرء وأخيه، وأمه وأبيه، وزوجه وبنيه قالوا:
إن هذا إلا سحر يؤثر، وما صاحبه محمد إلا ساحر.
أنكر القرآن الكريم في الآية السابقة على المشركين تعجبهم من إيحاء الله إلى رجل منهم ينذر الكافر بالعقاب، ويبشر المؤمن بالثواب، وفي تعجبهم إنكار له وكفر به وقد قالوا: إنه ساحر مبين، فيرد الله عليهم بهذه الآية.
للدين الإسلامى أصلان مهمان: أولهما: التوحيد الخالص لله في العبادة والدعاء، وثانيهما: إثبات البعث والجزاء.
وها هي الآية لإثبات الأصل الثاني بعد أن تكلم القرآن على الأول.
هذا بيان لبعض نواحي الإجمال في الآية الثالثة من هذه السورة: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ. لتوضيح الدلالة على كمال قدرته وأنه الواحد الأحد المعبود بحق..
المعنى:
إن ربكم هو الله لا إله غيره، الذي خلق العالم السماوي وما فيه، مما لا يعلمه إلا هو، وخلق العالم الأرضى، ولا يعلم ذراته إلا هو، خلق كل ذلك في ستة أيام لا يعلم تحديد زمنها إلا هو [اليوم يطلق في اللغة على جزء من الزمن] .
ثم استوى على عرشه استواء يليق بعظمة هذا الملك وصاحبه، استواء لا يعلمه إلا هو وعرشه كرسيه أو مركز تدبيره، وفي الحقيقة لا يعلم كنهه إلا هو- ثم استوى على عرشه يدبر أمر ملكوته بما يتناسب مع جلاله، وكماله وعمله وحكمته، والتدبير والنظر في أدبار الأمور وعواقبها وما تنتهي إليه.
ووجه الرد بهذه الآية على منكري النبوة، أن الله- سبحانه- خالق الأكوان، وفاطر السموات والأرض على هذا النظام البديع المحكم، المستوي على عرشه المدبر لأمر ملكوته وحده دون سواه، لا يستبعد منه أن يفيض بما شاء من علمه على البشر من خلقه ليهدى الناس إلى سواء السبيل، ويرشد الضال إلى الصراط المستقيم، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، فإن ذلك كله مظهر من مظاهر قدرته وتدبيره وحكمته.
فيجب الإيمان بهذا الوحى وتصديق صاحبه، والإيمان بكل ما جاء به، ليس هناك شفيع يشفع يوم القيامة إلا من بعد إذنه، ولا يشفع إلا لمن ارتضى يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ
стр. 963
الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا
[طه: ١٠٩] ، قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً [الزمر: ٤٤] هذه حقائق ترد على المشركين اعتقادهم في الشفاعة لآلهتهم، وكيف يتكلمون في الشفاعة يوم القيامة، وهم لا يؤمنون به!! ذلكم الكبير المتعال، الخالق المدبر لهذه الأكوان الذي لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه هو الله ربكم لا إله غيره ولا معبود سواه، فاعبدوه وحده، ولا تشركوا معه إلها غيره، ولقد كان العرب يؤمنون بوحدة الربوبية:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ الآية ٣٨ من سورة الزمر. ولكنهم يشركون معه غيره في الألوهية، لذلك عالج القرآن هذا بقوله:
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ [سورة يونس الآية ٣] .
أتجهلون هذا الحق الواضح؟ فالله هو الذي خلق السموات والأرض وحده واستوى على العرش يدبر الأمر يفصل الآيات، لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وأن صاحب هذا كله هو ربكم فاعبدوه وحده، أتجهلون ذلك أفلا تذكرون؟!! إلى الله وحده دون سواه مرجعكم جميعا بعد الموت، لا يتخلف منكم أحد أبدا، وعد الله هذا وعدا حقا.
إنه يبدأ الخلق كله، وينشئه عند تكوينه، ثم يعيده في النشأة الأخرى، فأما بدؤه فقد حصل بلا نزاع، وأما إعادته فدليلها أن القادر على البدء والتكوين من غير مثال سابق قادر بلا شك على إعادة الحياة بعد الموت: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ. [سورة الروم الآية ٢٧] .
وإذا كانت الإعادة ليجزي الذين آمنوا بالله والنبي وما أنزل عليه، ليجزيهم بالقسط والعدل، فيعطى كل عامل حقه من الثواب، لا يظلمه شيئا: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ [سورة الأنبياء الآية ٤٧] .
وهذا لا يمنع التفضل بمضاعفة أجر المحسنين: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [سورة يونس الآية ٢٦] فالحسنى جزاء والزيادة تفضل من الرحمن الرحيم.
وأما الذين كفروا بالله وأنكروا البعث وتعجبوا من إرسال بشر لهم ينذرهم ويبشرهم
стр. 964
فأولئك جزاؤهم بعد البعث شراب ماء ساخن يشوى البطون، بئس الشراب شرابهم، ولهم بعد ذلك عذاب مؤلم للغاية، بما كانوا يكفرون.
هو الله- سبحانه- الذي جعل الشمس ضياء للكون، ومصدر للحياة، ومبعثا للحرارة والحركة للكائن الحي من حيوان ونبات، وجعل القمر نورا يستضيء به السارى في الليل، وقدر له منازل لتعلموا عدد السنين والحساب.
ولقد كان للعلماء أبحاث عن الضوء والنور، وآراء لسنا في حاجة إلى ذكرها بعد ما ثبت علميا أن الشمس مصدر النور، فالشعاع الواقع منها على الأرض مباشرة هو ضوؤها، والواصل إلينا بعد انعكاسه على القمر [وهو جسم مظلم] يسمى نورا فنور القمر من الشمس عن طريق الانعكاس كالمرآة.
والقرآن فرق بين الشمس والقمر في كثير: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً «١» . وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً «٢» والسراج ما كان نوره من ذاته، وهذا يؤيد من يقول: إن الضوء ما كان بالذات كالشمس والنار، والنور ما كان بالعرض والاكتساب من النير كنور القمر، وعلى العموم فالواجب معرفته واعتقاده أن تعبير القرآن الكريم لأسرار إلهية قد تخفى علينا حينا من الدهر، ويكشف عنها العلم والبحث، وليس معنى هذا الجري وراء الاصطلاحات العلمية إذا تعارضت مع النص القرآنى، فالعلم نظرياته قد تسلم اليوم، وتنقض غدا.
قدر الله للقمر مقادير مخصوصة في الزمان والمكان والهيئة، لا يتعداها أبدا ومنازل القمر أماكن نزوله وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ «٣» أى:
قدره لسيرة في فلكه، في منازل ينزل كل ليلة منها لا يتخطاها أبدا [وهي معروفة في علم الفلك] هذا لتعلموا به عدد السنين والحساب للأشهر والفصول والأعوام، وذلك لضبط عبادتكم من صيام وحج ومعاملات، ولعل السر في اختيار القرآن السنة القمرية والحساب بها لأنه أسهل على البدوي والحضري وأما السنة الشمسية فحسابها يحتاج إلى علوم وقواعد، ولكل فائدة.
ما خلق الله ذلك إلا بالحق، نعم ما خلق هذا الكون، وجعل فيه الشمس ذات
стр. 965
الضياء والحرارة التي تفيض على الكون حياة ونورا. وما خلق القمر ونوره الذي يهدى السارى ويوقفنا على الزمن وحسابه، ما خلق ذلك كله إلا بالحق المقرون بالحكمة العالية لنظامنا في الحياة.
وكيف يتصور من خالق الأكوان، وواهب الوجود وخالق الشمس وضيائها والقمر ونوره، على هذا النظام البديع المحكم، أن يترك الإنسان الذي كمله بالعقل والبيان وكرمه على جميع خلقه أن يتركه بلا حساب ولا ثواب؟
تفصل الآيات الكونية الدالة على عظمتنا وقدرتنا، والآيات القرآنية، تفصل ذلك كله وتجليه، ولكن لا يهتدى به إلا القوم العالمون الذين يعلمون وجوه الدلالة ويميزون بين الحق والباطل.
إن في اختلاف الليل والنهار، وتعاقبهما طولا وقصرا، وحرارة وبرودة ونظامهما الدقيق وكون الليل لباسا والنهار معاشا، وإن في خلق السموات والأرض وما فيهما من عوالم لا يحيط بها إلا خالقها، إن في هذا وذاك لآيات واضحات على قدرة الله وحكمته وعظمته وكمال علمه، ولكن هذه الآيات لقوم يتقون الله ويؤمنون بالغيب، أما الماديون الطبيعيون فلا يعتبرون بذلك أبدا. وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ «١» .
المؤمن والكافر وعاقبة كل [سورة يونس (١٠) : الآيات ٧ الى ١٠]
إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠)
стр. 966
المفردات:
لا يَرْجُونَ لا يتوقعون لقاءنا مَأْواهُمُ ملجأهم الذي يلجئون إليه، هذا توضيح لما سبق في آية ٤.
المعنى:
إن الذين لا يتوقعون لقاءنا في الآخرة للحساب لأنهم لا يؤمنون بالبعث والجزاء، هؤلاء لا يخافون عذاب الله، ولا يرجون ثوابه، وقد رضوا بالحياة الدنيا ونعيمها بدل الآخرة وما فيها، واطمأنوا بها لسكون أنفسهم إلى شهواتها ولذاتها، والذين هم عن آياتنا القرآنية وآياتنا الكونية غافلون فلا يتدبرون، ولا يتعظون، أولئك- والإشارة للفريقين-، وما فيها من معنى البعد لبعد مكانتهم في الضلال، أولئك مأواهم النار، وملجأهم الذي يلجئون إليه، سبحانك يا رب!! النار يوم القيامة هي ملجأ الكافر والويل كل الويل لمن تكون النار مأواه وملجأه.
وذلك بما كانوا يكسبون من أعمال كلها تتنافى مع العقل والحكمة والدين.. هذا جزاء الفريق الكافر أما المؤمن فهذا جزاؤه.
إن الذين آمنوا بالله وصدقوا برسله، وعملوا الصالحات الباقيات يهديهم ربهم إلى الخير والسداد، والهدى والرشاد، يهديهم ربهم إلى كل عمل يوصل إلى الجنة التي وصفها بقوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وهذا مثل للراحة والسعادة والهدوء في الجنة وقد تقدم كثيرا.
стр. 967
دعواهم فيها سبحانك اللهم، وتحيتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين: أوصاف ثلاثة، وكلمات ثلاث تبين لنا كيف يتنعم أصحاب الجنة..
فدعاؤهم، وطلبهم من المولى، وثناؤهم عليه- سبحانه- يبدءونه بهذه الكلمة:
سبحانك اللهم على معنى تنزيها لك وتقديسا لجلالك يا الله.
وأما التحية فيها بينهم وبين أنفسهم، وبينهم وبين الملائكة، وتحية الله لهم هي:
سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الصابرين.
وآخر دعواهم في كل حال لهم: أن الحمد لله رب العالمين..
من طبائع الإنسان وغرائزه [سورة يونس (١٠) : الآيات ١١ الى ١٤]
وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)
المفردات:
يُعَجِّلُ تعجيل الشيء تقديمه على أوانه المضروب له، والاستعجال به طلب
стр. 968
التعجيل في طغيانهم مجاوزة الحد يَعْمَهُونَ يترددن الضُّرُّ الشدة من ألم أو خطر أو شدة مسغبة لِلْمُسْرِفِينَ الإسراف تجاوز الحد الْقُرُونَ جمع قرن وهم القوم المقترنون في زمان واحد خَلائِفَ جمع خليفة وهو من يخلف غيره في الشيء أى: يكون خليفة له.
المعنى:
العجلة من غرائز الإنسان وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا «١» فهو دائما يتعجل الخير لأنه يحبه، ولا يتعجل الشر إلا في حال الغضب والحماقة والعناد والتعجيز، ظنا منه أن ما أقدم عليه خير مما هو فيه كالمنتحر.
ولو يعجل الله للناس الشر الذي يستعجلونه مخالفين طبعهم وغريزتهم، مدفوعين بدافع الجهالة والحماقة والتعجيز كاستعجال كفار مكة للعذاب وإلحاحهم في نزوله تعجيزا للنبي ﷺ وتكذيبا له، وذلك حينما قص عليهم القرآن نبأ المكذبين من أقوام الرسل السابقين وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ «٢» . وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ «٣» .
ولو يعجل الله للناس إجابة الشر الذي يطلبونه كاستعجالهم بالخير الذي يرغبونه لذاته بدعاء الله- تعالى- أو بأخذهم بالأسباب، لقضى إليهم أجلهم، وانتهى أمرهم وهلكوا كما هلك الذين كذبوا الرسل، واستعجلوا العذاب من قبل. ولكن الله رحم العالم كله بالنبي ﷺ خاتم النبيين، المرسل رحمة للعالمين إلى يوم القيامة، وقضى بأن يؤمن به العرب من قومه وغيرهم ومن يكفر يعاقبه الله بالقتل أو يؤخره إلى يوم القيامة، وهذا معنى قوله: فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم وضلالهم يعمهون ويترددون، أما عذاب الخسف والاستئصال فمنعه عنا إكراما لنبينا ﷺ .
وهاك بيان لغريزة الإنسان العامة وشأنه فيما يمسه من الضر.
стр. 969
وإذا مس الإنسان الضر من ألم أو خطر أو شدة، دعانا واتجه إلينا مضطجعا لجنبه أو قاعدا أو قائما، دعانا ملحا في كشفه عنه، ومن هنا يعلم أن استعجال الكفار للشر من طغيانهم فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه.
مثل ذلك الذي عرفت من اتجاه إلى الله في الشدة وتركه في الرخاء زين للمسرفين ما كانوا يعلمونه.
وهكذا الإنسان يستعجل الشر، ولا يلجأ إلى الله إلا في الشدة والضر إن الإنسان كان ظلوما جهولا إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ [سورة العصر الآية ٣] .
هكذا الإنسان وتلك سنة الله في الأمم، ولن تجد لسنته تبديلا فاعتبروا يا أولى الأبصار، وانظروا يا أهل مكة، ماذا أنتم فاعلون؟!! تالله لقد أهلكنا الأمم التي مضت من قبلكم يا كفار مكة، وكانوا أكثر منكم قوة لما ظلموا أنفسهم بالبغي والطغيان، وقد جاءتهم رسلهم بالآيات البينات التي تكشف لهم عن حقيقة الدنيا، والتي تناديهم بوجوب اتباع الرسل الكرام، وما كانوا ليؤمنوا لأن نفوسهم مرنت على الظلم والكفر، واطمأنوا إلى الدنيا، ومالوا إليها فصارت أعمالهم كلها فسقا وظلما وجورا، ومن كان كذلك لا يتصور منه إيمان، مثل ذلك الجزاء على الظلم من الإهلاك وإنزال عذاب الاستئصال، أو ضياع الأمة بالضعف والانحلال نجزى القوم المجرمين، وهكذا سنة الله في الخلق فاعتبروا يا أهل مكة ثم جعلناكم يا أمة محمد- أمة الدعوة- خلفاء لمن تقدمكم، وأرسلنا لكم محمدا خاتم النبيين لننظر كيف تعملون؟ وسنجازيكم على أعمالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر..
من أوهام المشركين والرد عليهم [سورة يونس (١٠) : الآيات ١٥ الى ١٨]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)
стр. 970
المعنى:
لون من ألوان خداعهم ومكرهم بالرسول ﷺ وهو أن يطلبوا منه أن يأتى بقرآن غير هذا، أو يبدله، والذي دفعهم إلى هذا كفرهم وعجزهم عن أن يأتوا بمثله، ولقد مكروا، ومكر الله، ولقنه الجواب وهو خير الماكرين.
أرسل الله محمدا ﷺ إلى الناس كافة، ودعا قومه العرب إلى دينه طالبا منهم التوحيد، ومنذرا لهم ومبشرا، وفي يمينه القرآن المعجزة الباقية، والحجة الدامغة وقد تحدى العرب به بأسلوب مثير لهم، تحداهم بعشر سور أو بسورة منه فعجزوا مجتمعين، وفيهم الفصحاء والشعراء والخطباء قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً «١» ، والقرآن لا
стр. 971
يكف عن تسفيه أحلامهم وعيب آلهتهم، وقد غاظهم ذلك كله، وفيهم حب المغالبة وشهوة السبق فماذا يعملون؟!؟
قالوا: يا محمد ائتنا بقرآن غير هذا ليس فيه ذمنا وذم آلهتنا، أو بدل هذا القرآن أى: وعده ووعيده وحلاله وحرامه، وذمه ومدحه. إن فعلت ذلك فنحن معك يقصدون إن فعل محمد ذلك فقد هدم أساس دعوته، وقوض صرح حجته إذ هو يدعى أنه من عند الله لا من عنده فإذا غير فيه وبدل ثبت أن القرآن من عنده وهو بشر مثلهم أعطى قوة خارقة للعادة كالسحرة والكهان، ولكن الله أمره أن يجيب بهذا الجواب المسكت.
قل لهم: ما يكون لي وما يصح منى أن أبدله أبدا من تلقاء نفسي!! إذ ما أنا إلا رسول، وما هو إلا وحى يوحى، ولا أتبع إلا ما يوحى إلى من عند ربي، على أنى أخاف إن عصيت ربي بالتبديل في كلامه عذاب يوم عظيم هوله شديد وقعه على.
وفي الإجابة على الإتيان بقرآن غير هذا أمره الله بما يأتى:
قل لهم: لو شاء الله ما تلوته عليكم أبدا، ولا أعلمكم به فالمسألة ترجع إلى مشيئة الله لا مشيئتى، وما شاء الله كان، لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه ومالكم تذهبون بعيدا؟ فقد لبثت فيكم عمرا من قبل هذا القرآن [أربعين سنة] لم أجلس إلى معلم، ولم أقرأ كتابا، ولم أدرس في جامعة وأنا أمى في وسط أمى، لم أقل كلاما مثله في هذا الزمن الطويل (قبل النبوة) فهل يعقل أن يكون هذا كلامي. يا قومي أغفلتم عن هذا كله فلا تعقلون؟!! ولا أحد أظلم من رجلين: أحدهما: افترى على الله كذبا، والثاني: كذب بآياته البينة، ولا غرابة في هذا الحكم إنه لا يفلح الظالمون أبدا.
كانت العرب في جاهليتهم ذات أديان مختلفة، ومذاهب في العبادة متشعبة إلا أنها كلها تجتمع في الإشراك وعدم الوحدانية الخالصة لله- سبحانه- كان منهم من تهود
стр. 972
كبعض قبائل اليمن، ودخل آخرون في النصرانية كالغساسنة والتغلبيين، وكان بنجران بقايا من أهل دين عيسى- ﵇ وتهود قوم من الأوس والخزرج لمجاورتهم خيبر وقريظة والنضير، ومنهم من كان يميل إلى الصابئة، ويقول: مطرنا بنوء كذا، ومن أنكر الخالق والبعث وقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا، وما يهلكنا إلا الدهر، ومنهم قوم- ويظهر أنهم الأكثرية- اعترفوا بالخالق وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ «١» وأنكروا البعث، وعبدوا الأصنام وهي لا تنفع ولا تضر إذ هي حجارة أو أجسام مصنوعة، وقالوا: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى «٢» . وعبادتهم كانت بتقديسهم لها والذبح عندها، واختصاصها بأنواع من الحيوان فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ [سورة الأنعام آية ١٣٦] .
وكانوا يعبدون الأصنام بتعظيم هياكلها، والإهلال عند الذبح لها، وبدعائها والاستعانة بها قائلين: هؤلاء شفعاؤنا عند الله يقربوننا إليه زلفى، روى أن النضر بن الحارث قال: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى.
قل لهم: منكرا عليهم ذلك أتخبرون الله بما لا يعلم في السموات والأرض؟ ونفى العلم دليل على عدم وجود هؤلاء الشفعاء والشركاء لله- عما يشركون!!
هكذا فطر الله الناس [سورة يونس (١٠) : آية ١٩]
وَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)
المعنى:
وما كان الناس في كل زمن إلا أمة واحدة تسير على هدى الفطرة وتأتيهم
стр. 973
الرسل تردهم إلى حياض الإيمان بالله، وإلى الاعتقاد في يوم القيامة، ولكنهم اختلفوا بعد ذلك، وتعددت بهم السبل، فبعضهم آمن واهتدى. والآخر ضل واعتدى، وذلك لأن في الإنسان دوافع الخير والشر فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ «١» ومثل هذه الآية قوله- تعالى- كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ.. [سورة البقرة آية ٢١٣] .
وبعض العلماء يرى أن المعنى: وما كان الناس إلا أمة واحدة على الإسلام والدين الحنيف فطرة وتشريعا، وأن الشرك وفروعه «جهالة حادثة، وضلال مبتدع» والله أعلم.
ولولا كلمة سبقت من ربك، وقضاء محكم حكم به إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ «٢» لولا هذا لقضى بينهم فيما فيه يختلفون، ولعجل لهم العذاب بما كانوا يعملون، وفي هذا تسلية للنبي ﷺ وبيان لطبع الإنسان.
اقتراح المشركين آيات كونية [سورة يونس (١٠) : آية ٢٠]
وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)
المعنى:
وهذه جناية أخرى من جنايات المشركين وكفار مكة، فهم يعجبون من الوحى لبشر مثلهم. ويقولون ائتنا بقرآن غير هذا أو بدله، وهم يعبدون من دون الله شركاء، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله.
وبعد هذا كله يقولون: لولا أنزل الله عليه آية من ربه غير ما نزل عليه من الآيات الباقيات البينات وهي آيات القرآن الكريم.
حكى القرآن عنهم في أكثر من موضع هذا الطلب ورد عليهم تارة بالإجمال كما هنا وطورا بالتفصيل.
стр. 974
يقولون: هلا أنزلت عليه آية كونية كالتي كانت تنزل على الأمم السابقة التي يحكى لنا قصصها مع أنبيائها!! فيلقنه الله الجواب فقل لهم: إنما الغيب لله وحده فكل ما غاب فهو لله ومنه الآيات المقترحة، وإنما أنا رسول من عنده أبلغكم ما أنزل إليكم، ولا أدرى ما يفعل بي ولا بكم، فانظروا حكمه وقضاءه فيكم، إنى معكم من المنتظرين ما قدر لي فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ [سورة يونس الآية ١٠٢] .
هكذا طبع الإنسان وخلقه [سورة يونس (١٠) : الآيات ٢١ الى ٢٣]
وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (٢١) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)
المفردات:
أَذَقْنَا الذوق إدراك الطعم بالفم، واستعمل مجازا في إدراك غيره ضَرَّاءَ
стр. 975
من الضر وتقابل السراء. مَكْراً التدبير الخفى الذي يفضى بالممكور به إلى ما لا يحتسبه ولا يتوقعه، وهو حسن وسيئ. يُسَيِّرُكُمْ السير الانتقال من مكان إلى آخر، والتسير جعل الشيء ينتقل بنفسه أو بدابة أو مركب. عاصِفٌ المراد: ريح شديدة قوية تعصف بالأشياء وتكسرها يَبْغُونَ أصل البغي طلب ما زاد على القصد والاعتدال إلى الإفراط المفضى إلى الفساد والظلم.
المعنى:
هذه الآيات الكريمة تكشف لنا عن غرائز الإنسان وطبائعه التي لا تتغير تبعا للزمان والمكان، وهي تشير إلى الرد على الكفار الذين يطلبون الآيات الكونية حيث إنهم لا يعتبرون ولا يتعظون.
وإذا أذقنا الناس رحمة وفضلا من عندنا من بعد ضراء، ألم بهم ألمها وبؤسها إذ الشعور بالنعمة عقب زوال البؤس والشدة أكمل وأتم.
ما كان منهم إلا أن أسرعوا بالمفاجأة بالمكر في مقام الحمد والشكر، وهكذا الإنسان، إذا أصابه المطر بعد الجدب والشدة قال: مطرنا لأنا في فصل الأمطار.
وإذا نجا من مكروه حاق به قال: نجوت بالمصادفة، ولقد فعل فرعون وقومه ذلك كما فعل مشركو مكة بعد قحط وجدب أصابهم ثم سألوا النبي الدعاء لإزالته فكشفه الله عنهم وما زادهم ذلك إلا كفرا وجحودا ومكرا وفسادا، كما ثبت ذلك في حديث عبد الله بن مسعود الذي رواه الشيخان.
ألست معى في أن مكرهم في آيات الله بالطعن فيها، والاحتيال في دفعها وعدم الاعتداد بها، قل لهم يا محمد: الله أسرع مكرا، وأعجل عقوبة على مكركم، وعذابه أسرع وصولا إليكم مما تفعلونه لدفع الحق، وإطفاء نور الله، ولا غرابة في ذلك إن رسلنا والحفظة من الملائكة يكتبون ما تفعلونه مكرا وتدبيرا، وفي هذا إشارة إلى تمام الحفظ والعناية حتى لا يغادر الكتاب صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
وقد ضرب الله مثلا لهؤلاء المعاندين هو أبلغ أمثال القرآن.
стр. 976
هو الذي يمكنكم من السير والانتقال بما أودع فيكم من القدرة على ذلك وبما أعطاكم من دابة أو مركب كالسيارة، والقطار، والسفينة تجرى في البحر.
حتى إذا كنتم في الفلك (السفينة) وجرت بكم في البحر بسبب ريح طيبة مواتية لهم في جهة السير وفرحوا بها جاءتها ريح شديدة قوية، ولاقتها ريح تعصف بالأشياء وتكسرها وجاءهم الموج من كل مكان، والمراد اضطراب البحر وأنه أرغى وأزبد، وظنوا أى: اعتقدوا أنهم مغرقون وهالكون بإحاطة الموج بهم كإحاطة العدو اللدود.
إذا كان هذا دعوا الله والتجئوا إليه مخلصين له في الدعاء والعبادة، ولم يتوجهوا إلى آلهتهم وأوثانهم التي يشركون بها، وذلك طبع الإنسان وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ الآية ١٢ من هذه السورة.
ماذا قالوا في دعائهم؟ قالوا: لئن أنجيتنا يا رب من هذه لنكونن من الشاكرين، ولا نكفر ولا نشرك بك شيئا لا ينفع ولا يضر، فلما نجاهم مما هم فيه أسرعوا بالمفاجأة يبغون في الأرض كلها بغير الحق، يظلمون ويعبثون في الأرض الفساد، وبغيهم بغير حق قطعا، ولعل السر في تقيده بهذا أنهم يفعلونه معتقدين أنه بغير حق.
يا أيها الناس: انتبهوا إنما بغيكم وجزاؤه على أنفسكم في الدنيا، وأنتم تتمتعون به متاعا زائلا لا أساس له إذ هو في الحياة الدنيا. وأما نتيجة البغي في الآخرة فالله يقول: إلينا مرجعكم يوم القيامة يوم الفصل والجزاء فيجازيكم عليه الجزاء الأوفى بسبب ما كنتم تعملون.
المثل البليغ للحياة الدنيا [سورة يونس (١٠) : آية ٢٤]
إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)
стр. 977
المفردات:
مَثَلُ المثل: الصفة العجيبة التي تشبه في غرابتها المثل زُخْرُفَها الزخرف: كمال حسن الشيء ومنه قيل للذهب زخرف لَمْ تَغْنَ يقال غنى بالمكان أقام به وعمره.
المعنى:
تقدم ذكر البغي وجزائه في الدنيا والآخرة، وكان من أسبابه حب الدنيا والاغترار بها، فناسب ذكر الدنيا وضرب الأمثال لها ليعتبر العاقل، ويتعظ المؤمن.
إنما مثل الحياة الدنيا في سرعة انقضائها، وزوال نعيمها، وأنها تعطى لتأخذ، وتحلى لتمر، وتمنح لتسلب، إنما مثلها وحالها كحال نبات الأرض الذي ينمو ويزدهر ويتشابك بعضه مع بعض بسبب ماء السماء الذي لا فضل لأحد فيه، هذا النبات المزدهر مما يأكل الناس من قمح وشعير وذرة وغيره، ومما يأكل الأنعام من كلأ وحشائش، وما زال النبات ينمو ويزدهر حتى إذا أخذت الأرض زخرفها، واستوفت زينتها من سندس أخضر، وزهر أحمر وأصفر، وأغصان شامخة، وثمار يانعة، وما أروع التركيب حيث شبه الدنيا بعروس بالغت في تزينها بالثياب والزينة حتى كمل لها ما أرادت. وهكذا الدنيا قبيل قيام الساعة.
وظن أهلها أنهم قادرون عليها متمكنون منها، أغنياء بثمرها وغلتها حتى إذا حصل هذا كله أتاها أمرنا وقضاؤها ليلا أو نهارا. عشية أو ضحاها فجعلناها كالأرض المحصودة التي قطعت واستؤصل زرعها، كأن لم تكن بالأمس، والمعنى: هلكت فجأة فلم يبق من زرعها شيء.
стр. 978
كهذا المثل في جلاله ووضوحه وتمثيله لحقيقة الدنيا وغرور الناس بها وسرعة زوالها عند تعليق الآمال بالنبات الغض الذي ينزل عليه ماء السماء فيزدهر وينمو، وتزدان به الأرض حتى إذا ظن أهله وأصحابه أنهم قادرون عليه ومتمكنون منه يأتي أمرنا فيكون حصيدا كأنه لم يكن شيئا مذكورا.
مثل هذا نفصل الآيات في حقائق التوحيد وإثبات الجزاء وإحقاق الحق ولكن لقوم يتفكرون ويستعملون عقولهم.
ترغيب في الجنة وتنفير من النار [سورة يونس (١٠) : الآيات ٢٥ الى ٢٧]
وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧)
المفردات:
دارِ السَّلامِ هي الجنة وَلا يَرْهَقُ يلحق ومنه غلام مراهق، أى لحق بالرجال. وقيل يغشى قَتَرٌ أى: غبار ذِلَّةٌ ذل أُغْشِيَتْ ألبست.
هذا ترغيب في الجنة والحياة الأخروية بعد التنفير من الحياة العاجلة بضرب الأمثال لها، والذي يدعو إلى الدنيا وعرضها هو الشيطان، والذي يدعو إلى الجنة ونعيمها هو الرحمن.
стр. 979
المعنى:
والله يدعو إلى دار السلام، بطلبه من الناس جميعا الإيمان، والعمل الصالح الذي يوصل صاحبه إلى دار السلام وهي الجنة فأصحابها يسلمون من جميع الشوائب، والمتاعب والمخاوف، وتحيتهم فيها السلام، وهي دار السلام- جل شأنه-، ودعاؤه إلى دار السلام وأمره بالإيمان عام للكل، وأما الهداية فنوعان: هداية دلالة وإرشاد وهي للجميع «الدعوة للإسلام» ، وهداية توفيق وهي خاصة، يهدى من يشاء من عباده إلى صراط مستقيم، أى: يوفق من يشاء إليه.
وها هي ذي صفة من هداهم ربهم إلى صراط الإسلام فوصلوا إلى دار السلام.
للذين أحسنوا في العمل المثوبة الحسنى التي تزيد في الحسن على إحسانهم وتشمل المضاعفة للحسنة بعشر أمثالها أو أكثر، وأما الزيادة فقيل: هي النظر إلى الوجه الكريم.
ورؤية المولى- جل شأنه- بهذا نطق الحديث الشريف، وقيل: المراد بالحسنى الجنة والزيادة المضاعفة ولا حرج على فضل الله.
ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة، ولا يلحق وجوههم الكريمة دخان من سيّئ الأعمال ولا مذلة.
أولئك الموصوفون بما ذكر أصحاب الجنة الملازمون لها هم فيها خالدون.
والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة مثلها، جزاء وفاقا لا يزيدون ولا ينقصون من العذاب شيئا، وتغشاهم ذلة الفضيحة، وخزي الظلم والفجور والعمل السيئ، مالهم عاصم يعصمهم من عذاب الله كالشركاء والشفعاء الذين اتخذوهم أولياء: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [سورة الانفطار آية ١٩] .
كأنما ألبست وجوههم قطعا من سواد الليل البهيم حالة كونه مظلما فصارت ظلمات بعضها فوق بعض.
أولئك الموصوفون بما ذكر أصحاب النار الملازمون لها هم فيها خالدون، وفي هذا
стр. 980
المعنى ما سبق في سورة الأنعام: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [الأنعام: ١٦٠] ، وما في سورة عبس. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ. ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ. تَرْهَقُها قَتَرَةٌ. أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ. [عبس ٣٨- ٤٢] .
من مشاهد يوم القيامة [سورة يونس (١٠) : الآيات ٢٨ الى ٣٠]
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)
المفردات:
فَزَيَّلْنا فرقنا وقطعنا ما بينهم من صلات تَبْلُوا تذوق وتختبر أَسْلَفَتْ قدمت.
المعنى:
يتكرر في القرآن الكريم التكلم على البعث والجزاء ومشاهد يوم القيامة بألوان مختلفة، وأساليب متعددة. وهذا مشهد من مشاهدها:
يوم نحشر هؤلاء وهؤلاء من المؤمنين والكافرين ليوم الحساب، ثم نقول للمشركين:
الزموا مكانكم أنتم وشركاؤكم وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ «١» فزيلنا بينهم، وفرقنا بين الشركاء ومن أشركوهم مع الله وقطعنا ما بينهم من أسباب الصلة والمودة.
стр. 981
وقال شركاؤهم لما رأوا ما هم فيه: ما كنتم إيانا تعبدون أى: ما كنتم تخصوننا بالعبادة ومن حق العبادة قصرها على المعبود دون سواه فهم يتبرءون منهم ومن عبادتهم، فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم فهو العليم بحالنا وحالكم إننا كنا في غفلة عن عبادتكم، لا ننظر إليها ولا نفكر فيها ولا نرضى عنها.
هنالك يوم القيامة تختبر كل نفس من عابدة ومعبودة، وظالمة ومظلومة في ما قدمت في حياتها الدنيا من عمل، وهكذا كل نفس تذوق عاقبة أعمالها إن خيرا وإن شرا.
وردوا إلى الله مولاهم الحق لا إلى غيره، وضل عنهم ما كانوا يفترون ويختلفون من الشركاء والأوثان، إذ الأمر يومئذ لله- .
نقاش مع المشركين لإثبات التوحيد وبطلان الشرك [سورة يونس (١٠) : الآيات ٣١ الى ٣٦]
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣١) فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)
وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٣٦)
стр. 982
المفردات:
فَأَنَّى تُصْرَفُونَ كيف تصرفون عن الإيمان إلى غيره، حَقَّتْ ثبتت تُؤْفَكُونَ تصرفون عن الحق إلى الباطل لا يَهِدِّي أي: لا يهتدى وهذا احتجاج أخر على المشركين بأسلوب آخر، وهو يقتضى إثبات التوحيد والبعث، وذم الظن الذي لا يغنى بدل الحق شيئا.
المعنى:
قل يا أيها الرسول: لهؤلاء المشركين مع الله غيره: من يرزقكم من السماء والأرض؟! من ينزل من السماء المطر؟ ومن يحيى الأرض بالنبات الذي تأكلون منه أنتم وأنعامكم؟
أم من يملك السمع والأبصار؟ أم بمعنى بل- للإضراب الانتقالى من سؤال إلى آخر- والمعنى بل قل لهم: من يملك السمع والأبصار؟! من يملك خلقهما على هذا النمط البديع والتركيب الغريب؟ ومن يملك حفظهما من الآفات؟ ولقد خص السمع والبصر لأنهما طريق العلم والإدراك؟ وفي جهاز السمع والبصر الأعاجيب.
ومن يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي؟ ولقد كان القدامى يفهمون الآية فهما بسيطا. فالله يخرج الإنسان من النطفة والطائر من البيضة، ويخرج النطفة من الإنسان، والبيضة من الطائر، وكانوا يفهمون أن النطفة والبيضة ميتة لا حياة فيها، وهذا الفهم صحيح إذا اعتبرنا أن البيضة وإن تكن فيها حياة فهي حياة خاصة ليس فيها حركة ولا نمو.
والعلماء المحدثون يقولون: إن في البيضة والنطفة حياة بل في البذور حياة، والمثل الصحيح أن الغذاء بعد دخوله النار ميت بلا شك، وهو يكون الدم ومنه المنى فهذا
стр. 983
المنى الحي خرج من الغذاء الميت، ويخرج الله الفضلات والهشيم من الإنسان والنبات وهو ميت خرج من حي، والمراد من ذلك كله إثبات القدرة الكاملة لله- وأنه خالق الموت والحياة.
وفي التفسير المأثور أراد الحياة والموت المعنويين ومثلهما أخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.
ومن يدبر الأمر، ويصرف الكون؟ ومن صاحب هذا النظام المحكم في كل شيء؟
وفي كل شيء له آية ... تدلّ على أنه الواحد
فسيكون جوابهم عن هذه الاستفهامات الخمسة: أن الفاعل لذلك كله هو الله رب كل شيء، لا جواب غيره، ولا مجال للمكابرة في ذلك.
فقيل لهم: أتعلمون هذا فلا تتقون أنفسكم عذابه، ولا تتقون عقابه لكم عن شرككم وعبادتكم لغيره مما لا يملك نفعا ولا ضرا!! فذلكم الذي يفعل ما ذكر هو الله ربكم خالقكم ومدبر أمركم، هو الحق الثابت بذاته الحي القيوم، لا إله غيره ولا معبود سواه.
وإذا كان هو ربكم الحق الذي لا ريب فيه المستحق للعبادة دون سواه فماذا بعد الحق إلا الضلال؟!! فالقول بألوهية غيره باطل، وعبادة غيره ضلال.
وإذا كان الأمر كذلك فكيف تصرفون، وتتحولون عن الحق إلى الباطل؟ وعن الهدى إلى الضلال؟!! كذلك حقت كلمة ربك أى: مثل ذلك حقت به كلمة ربك أيها الرسول، وثبتت في وحدة الربوبية والألوهية، وأنه ما بعد الحق إلا الضلال. حقت كلمته على الذين فسقوا وخرجوا من نور الفطرة، وحظيرة الهدى والحق، أنهم لا يؤمنون بما ينزله الله على ألسنة الرسل، وليس المعنى أنه يمنعهم- سبحانه- بل المراد أنهم يظلون على العناد والاستكبار وعدم الإيمان فهم لا يؤمنون.
قل لهم أيها الرسول: هل من شركائكم الذين عبدتموهم مع الله أو من دون الله، أو اتخذتموهم شفعاء عنده يقدر على بدء الخلق في طور ثم إعادته في طور آخر؟ سواء كان صنما أو وثنا أو كوكبا أو ملكا أو بشرا من الرسل أو غيرهم.
стр. 984
ولما كانوا لا يعترفون بالبعث والميعاد لقن الله رسوله الجواب إذ لا يمكنهم الجواب أبدا. قل: الله يبدأ الخلق ثم يعيده إذ القادر على البدء قادر على الإعادة، وهم يرون الإعادة تتكرر كل عام في النبات والكون، بقدرة الله وحده أفلا يحكمون عقولهم؟
ويسلمون بمبدأ البعث والجزاء يوم القيامة! فأنى تؤفكون؟ فكيف تصرفون عن ذلك الحق وهو من دواعي الفطرة والطبيعة والنظر السليم؟ إلى الباطل والجهل بالمصير.
قل لهم: هل من شركائكم من يهدى إلى الحق والخير؟ هداية بالطبيعة والفطرة أو بالتشريع والتقنين، أو بالتوفيق ومنع الصوارف، هذه الهداية بأنواعها من تتمة الخلق والتكوين رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى «١» وهم بأى شيء يجيبون عن هذا؟!! والشواهد كثيرة تدل على الجواب المتعين الذي لقنه الله إلى رسوله:
قل لهم: الله يهدى للحق، ويهدى إلى صراط مستقيم، وهو يمن عليكم أن هداكم للإيمان.
أفمن يهدى إلى الحق والهدى، والخير والفلاح، أحق أن يتبع فيما يشرعه؟
أم من لا يهتدى إلى الخير أبدا في حال من الأحوال إلا أن يهدى؟ أى يهديه الله وذلك كالأصنام لا تهتدى أبدا إلى الخير ولا تهدى إلى الخير، وأما عزير والمسيح والملائكة فتهدى إلى الخير ولكن بهداية الله- وهذا معنى قوله:
إِلَّا أَنْ يُهْدى.
فما لكم؟ استفهام تعجب وتقريع عن حالهم على معنى أى شيء أصابكم؟ وماذا دهاكم؟ حتى تتخذوا أصناما وآلهة بهذا الوصف!! كيف تحكمون؟ وعلى أى حال ووضع تحكمون بجواز عبادتهم أو وساطتهم وشفاعتهم عنده؟ نعم إن هذا لشيء عجيب!! والحق الذي لا مرية فيه أنه ما يتبع أكثرهم في هذا إلا الظن لا اليقين وما يتبعون في شركهم وإنكارهم البعث، وتكذيبهم الرسول- ﵊ إلا ضربا
стр. 985
من ضروب الظن كاستبعادهم خطأ آبائهم في العبادة، وكتقليدهم لهم، وقياسهم الغائب على الشاهد واستبعادهم الإعادة والبعث بعد أن يصير الخلق ترابا منثورا.
واستبعادهم نزول الوحى على بشر منهم لم يكن عظيما في نظرهم.
فإن قيل: وما حكم هذا الظن؟ أجيب أن الظن لا يغنى بدل الحق شيئا، فالحق هو الثابت عن دليل لا يقبل الشك، والظن مبنيّ على الشك والوهم، فهو عرضة للزوال والتغيير.
إن الله عليم بما يفعلون وسيجازون على ذلك كله، خاصة بعد توضيح الأمور وسياق الأدلة وضرب الأمثال.
القرآن كلام الله ومعجزة النبي ﷺ وموقفهم منه [سورة يونس (١٠) : الآيات ٣٧ الى ٤٤]
وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)