← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

وقال الزجاج: إن قوله يَقُولُوا هو المقول، وجزمه بلام الأمر محذوفة، أى: قل لهم ليقولوا ... «١» . وقوله- سبحانه-: إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ تعليل للأمر السابق. أى: إن الشيطان يتربص بكم، ويتلمس السقطات التي تقع من أفواهكم، والعثرات التي تنطق بها ألسنتكم، لكي يشيع الشر بينكم، ويبذر بذور الشر والبغضاء في صفوفكم، ويهيج أعداءكم عليكم. وينزغ بمعنى يفسد. يقال: نزغه- كنفعه- ينزغه، إذا طعن فيه واغتابه، وقوله: إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً تعليل لحرص الشيطان على الإفساد بينهم. أى إن الشيطان حريص على الإفساد بين الناس، لأنه ظاهر العداوة لهم منذ القدم ولقد حذرنا الله- سبحانه- من الشيطان وكيده في كثير من آيات القرآن الكريم، ومن ذلك قوله- تعالى-: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا، إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ «٢» . وقوله- تعالى-: يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما. إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ «٣» . قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: يأمر الله- ﵎ عبده ورسوله ﷺ أن يأمر عباد الله المؤمنين، أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن، والكلمة الطيبة، فإنهم إن لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة، فإنه عدو لآدم وذريته.. وعداوته ظاهرة بينة، ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة، فإن الشيطان ينزغ في يده. أى: فربما أصابه بها. روى الإمام أحمد عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدرى أحدكم، لعل الشيطان أن ينزغ في يده، فيقع في حفرة من النار «٤» .

стр. 3677

ثم بين- سبحانه- أن مصير جميع الخلائق إليه، وأنه محيط بأحوالهم فقال. رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ، إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ، أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ... أى: ربكم- أيها الناس- أعلم بكم من أنفسكم، وهو- سبحانه- إن يشأ بفضله يرحمكم، بأن يوفقكم لطاعته وتقواه، وإن يشأ بعدله يعذبكم، بسبب معاصيكم وفسوقكم عن أمره، لا يسأل- عما يفعل، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ. وقوله- تعالى-: وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا بيان لوظيفة الرسول ﷺ . أى: وما أرسلناك- أيها الرسول الكريم- إلى الناس، لتكون حفيظا ورقيبا. وموكولا إليك أمرهم في إجبارهم وإكراههم على الدخول في الإسلام، وإنما أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا. وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. ثم انتقل- سبحانه- من بيان كمال علمه بأحوال الناس، إلى بيان كمال علمه بجميع من في السموات والأرض، فقال- تعالى-: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. أى: وربك- أيها الرسول الكريم- أعلم بأحوال من في السموات والأرض من إنس وجن وملك، وغير ذلك، ولا يخفى عليه شيء من ظواهرهم أو بواطنهم، ولا يعزب عن علمه- تعالى- شيء من طاعتهم أو معصيتهم، ولا يعلم أحد سواه من هو أهل منهم للتشرف بحمل رسالته، وتبليغ وحيه كما قال: - تعالى-: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ. وقوله- سبحانه-: وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً بيان لمظهر من مظاهر علمه المطلق، وفضله العميم: وعطائه الواسع. والزبور: هو الكتاب الذي أنزله الله- تعالى- على داود- ﵇. أى: ولقد فضلنا- على علم وحكمة منا- بعض النبيين على بعض، بأن جعلنا منهم من كلم الله، ومنهم من اتخذناه خليلا لنا، ومنهم من آتيناه البينات وأيدناه بروح القدس، ومنهم من آتيناه الزبور وهو داود- ﵇. قال الإمام ابن كثير: وقوله- تعالى-: وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وقوله- تعالى-: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ... لا ينافي ما ثبت من الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «لا تفضلوا بين الأنبياء» فإن المراد من ذلك هو التفضيل بمجرد التشهى والعصبية، لا بمقتضى الدليل، فإذا دل الدليل على شيء وجب اتباعه، ولا خلاف أن الرسل أفضل عن بقية الأنبياء، وأن أولى العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون

стр. 3678

نصا في قوله- تعالى-: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ... ولا خلاف في أن محمدا ﷺ أفضلهم.. «١» . وإنما خص كتاب داود بالذكر، لأن اليهود زعموا أنه لا نبي بعد موسى، ولا كتاب بعد التوراة، فكذبهم الله- تعالى- في ذلك، ولأن في هذا الإيتاء إشارة إلى أن تفضيل داود لم يكن بسبب ما أعطاه الله من ملك، بل بسبب ما أعطاه من كتاب فيه إشارة إلى تفضيل الرسول ﷺ وأمته، قال- تعالى-: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ «٢» . والمراد بالعباد الصالحين: محمد ﷺ وأمته. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: هلا عرف الزبور، كما عرف في قوله: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ ... ؟. قلت: يجوز أن يكون الزبور وزبور، كالعباس وعباس، والفضل وفضل. ويجوز أن يريد: وآتينا داود بعض الزبر- وهي الكتب، وأن يريد ما ذكر فيه رسول الله ﷺ من الزبور، فسمى ذلك زبورا، لأنه بعضها كما سمى بعض القرآن قرآنا «٣» . ثم أمر الله- تعالى- نبيه ﷺ أن يتحدى المشركين، بأن يبين لهم: أن آلهتهم المزعومة لا تملك دفع الضر عنهم، أو جلب الخير لهم، بل إن هذه الآلهة لتخاف عذاب الله، وترجو رحمته، فقال- سبحانه-: [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٥٦ الى ٥٧] قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (٥٦) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً (٥٧)

стр. 3679

أورد المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها: قال ابن كثير: قال العوفى عن ابن عباس في قوله: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ.... قال: كان أهل الشرك يقولون نعبد الملائكة والمسيح وعزيرا. وروى البخاري وغيره عن ابن مسعود في قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ قال: كان ناس من الإنس يعبدون ناسا من الجن، فأسلم الجن وتمسك هؤلاء- أى الإنس- بدينهم.. فنزلت هذه الآية «١» . وقال القرطبي: لما ابتليت قريش بالقحط، وشكوا إلى رسول الله ﷺ ، أنزل الله هذه الآية: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ ... «٢» . والمراد بالزعم هنا: الظن الكاذب الذي لا أساس له من الحقيقة والواقع. قال الآلوسى ما ملخصه: والزعم قريب من الظن، ويقال إنه القول المشكوك فيه، ويستعمل بمعنى الكذب، حتى قال ابن عباس: كل ما ورد في القرآن زعم فهو كذب. وقد يطلق على القول المحقق، والصدق الذي لا شك فيه ... فقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «زعم جبريل كذا ... » . وهو مما يتعدى إلى مفعولين، وقد حذفا هنا، أى: زعمتموهم آلهة.. والظاهر أن المراد من الموصول- الذين- كل من عبد من دون الله من العقلاء» «٣» . والمعنى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الكافرين الذين أشركوا مع الله- تعالى- آلهة أخرى في العبادة. قل لهم على سبيل الإرشاد والتحدي: هذه الآلهة التي تعبدونها، اطلبوا منها أن تدفع عنكم ما نزل بكم من ضر كمرض أو فقر أو قحط أو أن تحوله منكم إلى غيركم ... فإذا لم تستطع ذلك- وهي بكل تأكيد لا تستطيع ولن تستطيع- فاتركوا عبادتها، وأخلصوا العبادة والطاعة لمن هو على كل شيء قدير، وهو الله- . واكتفى- سبحانه- بذكر كشف الضر، لأنه هو الذي تتطلع إليه النفوس عند نزول

стр. 3680

المصائب، أكثر من تطلعها إلى جلب النفع، إذ عند نزول الضر، لا تشتغل الألسنة والقلوب إلا برجاء كشفه. ثم بين- سبحانه- أن كل معبود- سوى الله- يفتقر إلى عونه- سبحانه-، وإلى رجاء الثواب منه، وإلى دفع العذاب عنه، فقال- تعالى- أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ.. واسم الإشارة أُولئِكَ يعود على المعبودين من دون الله، وهو مبتدأ، وخبره. قوله: يَبْتَغُونَ وما عطف عليه من قوله: وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ. والضمير في يَدْعُونَ يعود إلى المشركين، وفي يبتغون يعود إلى المعبودين وأَيُّهُمْ بدل من واو الفاعل في يبتغون، وأَقْرَبُ خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هو، أى: يبتغيها الذي هو أقرب، والجملة صلة أى. والوسيلة: ما يتقرب به الإنسان إلى خالقه من الأعمال الصالحة. والمعنى: أولئك المعبودون الذين يزعم المشركون أنهم آلهة. ويسمونهم أربابا، وينادونهم لكشف الضر عنهم، هؤلاء المعبودون يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ. أى: يتقربون إلى خالقهم ومالك أمرهم بصالح الأعمال، ويبتغى أكثرهم صلاحا وطاعة لله- تعالى- الرضا منه- . وإذا كان هذا شأن أكثرهم قربا فكيف يكون حال من هو أقل منه؟ لا شك أنه يكون أشد طلبا لرضا الله- تعالى- وعفوه، وأشد حرصا على طاعته. وقوله- تعالى- وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ زيادة بيان لشدة حرص هؤلاء المعبودين على طاعة الله- تعالى- أى: وهم فوق ذلك يرجون رحمة الله- تعالى- وفضله، بأن يحشرهم مع الأبرار، ويخشون عذابه ونقمته، ويتضرعون إليه أن يجنبهم عذاب النار، وبالرجاء والخشية يحيا الصالحون الأخيار، إذ الرجاء يدفع المؤمن إلى الإكثار من العمل الصالح، والخشية تمنعه من الوقوع في المعاصي. وقوله- تعالى-: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً تذييل قصد به التعليل لما قبله وهو خوف العذاب.

стр. 3681

أى: إن عذاب ربك كان جديرا وقمينا بأن يحذره، ويحترز منه كل عاقل. وقدم- سبحانه- الرجاء على الخوف، لأن متعلقه أسبق، ولأنه بجانب الله- تعالى- أظهر، ففي الحديث القدسي: «إن رحمتي سبقت غضبى» . هذا، وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ، وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ، وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ «١» . وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد قررتا بأسلوب منطقي بليغ، أن الله- تعالى- هو الخالق لكل شيء، وأنه وحده هو المتصرف في شئون عباده، وأن كل مخلوق سواه- سبحانه- محتاج إلى عونه وعفوه ورضاه، وأن الذين زعمهم المشركون آلهة كعيسى وعزير والملائكة ... ما هم إلا من عباد الله الذين يبتغون إليه الوسيلة، ويرجون رحمته ويخافون عذابه. ثم ساق- سبحانه- سنة من سننه التي لا تتخلف، وبين جانبا من مظاهر فضله على هذه الأمة ونبيها ﷺ . فقال- تعالى-: [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٥٨ الى ٦٠] وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (٥٨) وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً (٥٩) وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياناً كَبِيراً (٦٠)

стр. 3682

والمقصود بالقرية في قوله- تعالى-: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً: قرى الكفار والظالمين، كما ذهب إلى ذلك بعض المفسرين، فيكون المعنى: وما من قرية من قرى الظالمين، إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة بالموت أو الخراب، أو معذبوها عذابا شديدا، يستأصل شأفتها، ويقطع دابرها، كما فعلنا مع قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. ومن المفسرين الذين ساروا على ذلك، الإمام ابن كثير، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: هذا إخبار من الله- ، بأنه قد حتم وقضى، بما كتب عنده في اللوح المحفوظ، أنه ما من قرية إلا سيهلكها بأن يبيد أهلها جميعهم، أو يعذبهم عذابا شديدا، إما بقتل أو ابتلاء بما يشاء، وإنما يكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم، كما قال- تعالى- عن الأمم الماضية: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ «١» . ويرى آخرون، أن المقصود بالقرية هنا: القرى كلها سواء أكانت للمؤمنين أم للكافرين. ومن المفسرين الذين ذهبوا إلى ذلك الآلوسى- ﵀ فقد قال: قوله- تعالى-: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ الظاهر العموم، لأن إِنْ نافية، ومِنْ زائدة لاستغراق الجنس. أى: وما من قرية من القرى. إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ بإماتة أهلها حتف أنوفهم أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً بالقتل وأنواع البلاء.. وروى عن مقاتل أنه قال: الهلاك للصالحة والعذاب للطالحة ... » «٢» . ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، لأن هناك آيات كثيرة تؤيده، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ «٣» . وقوله- سبحانه-: ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ «٤» . وقوله- : وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ «٥» ، ولأن الله- تعالى- قيد الإهلاك بكونه قبل يوم القيامة، وكونه كذلك يقتضى أنه للقرى الظالمة. إذ الإهلاك يوم القيامة يشمل جميع القرى، سواء أكان أهلها مؤمنين أم كافرين، بسبب انقضاء عمر الدنيا.

стр. 3683

وقوله- سبحانه-: كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً تأكيد لقضاء الله النافذ، وحكمه الثابت. أى: كانَ ذلِكَ الإهلاك والتعذيب، في الكتاب، وهو اللوح المحفوظ مَسْطُوراً أى: مكتوبا وثابتا. قال القرطبي: مَسْطُوراً أى: مكتوبا. والسطر: الخط والكتابة، وهو في الأصل مصدر. والسطر- بالتحريك- مثله، وجمعه أسطار، مثل سبب وأسباب، وجمع السطر- بسكون الطاء- أسطر وسطور مثل أفلس وفلوس. والكتاب هنا يراد به اللوح المحفوظ» «١» . ثم بين- سبحانه- بعض مظاهر فضله على الأمة الإسلامية، ورحمته بها، فقال- تعالى-: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ.... وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية آثارا منها ما أخرجه الإمام أحمد عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: سأل أهل مكة رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحى الجبال عنهم فيزرعوا. فقيل له: إن شئت أن تستأنى بهم، وإن شئت أن يأتيهم الذي سألوا. فإن كفروا، هلكوا كما أهلكت من كان قبلهم من الأمم. فقال ﷺ : «لا.. بل استأنى بهم» ، وأنزل الله قوله: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ... «٢» . قال الآلوسى: والمنع لغة: كف الغير وقسره عن فعل يريد أن يفعله، ولاستحالة ذلك في حقه- تعالى- لاستلزامه العجز المحال المنافى للربوبية قالوا: إنه مستعار هنا للصرف والترك ... » «٣» . وقوله: أَنْ نُرْسِلَ في محل نصب لأنه مفعول ثان لمنعنا، أو في محل جر، على حذف الجار، أى: من أن نرسل، وقوله: إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا في محل رفع لأنه فاعل منعنا، والتقدير: وما منعنا من إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين.

стр. 3684

والمراد بالآيات: ما اقترحه المشركون على النبي ﷺ من قلب الصفا ذهبا، ومن إزاحة الجبال عن مكة ليزرعوا مكانها ... والمعنى: وما كان سبب تركنا لإجابة المقترحات التي طلبها المشركون منك- أيها الرسول الكريم- إلا علمنا بأنهم سيكذبون بها إذا جاءتهم، كما كذب بأمثالها أشباههم الأولون، وفي هذه الحالة فإنهم سيستحقون مثلهم عذاب الاستئصال كما جرت بذلك سنتنا. وقد اقتضت حكمتنا ورحمتنا- بأمتك أيها الرسول الكريم-، ألا نعذبهم عذاب الاستئصال والمحو، بل نؤخر عذاب الضالين منهم إلى يوم القيامة. قالوا: ومن الحكم في هذا التأخير: الإظهار لمزيد شرف النبي ﷺ ، كما قال- تعالى-: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، والرعاية لشأن من سيولد من بعضهم من المؤمنين، ولمن سيؤمن من هؤلاء المقترحين، إلى غير ذلك من الحكم التي لا يعلمها إلا هو- سبحانه-. قال صاحب الكشاف: استعير المنع لترك إرسال الآيات من أجل صارف الحكمة ... والمراد: الآيات التي اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهبا، ومن إحياء الموتى، وغير ذلك. وعادة الله في الأمم، أن من اقترح منهم آية فأجيب إليها. ثم لم يؤمن، أن يعاجل بعذاب الاستئصال. فالمعنى: وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم، كعاد وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك، وقالوا: هذا سحر مبين، كما يقولون في غيرها. واستوجبوا العذاب المستأصل. وقد عزمنا أن نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى يوم القيامة» «١» . ثم ساق- سبحانه- مثالا للسابقين الذين أجيبوا إلى ما اقترحوه، ولكنهم لم يؤمنوا، فأخذهم عذاب الاستئصال، فقال- تعالى-: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها. وثمود: هم قوم صالح- ﵇، وخصهم بالذكر، لأنهم معروفون لأهل مكة أكثر من غيرهم، لمرورهم على ديارهم عند أسفارهم إلى بلاد الشام. والناقة المراد بها: ناقة صالح- ﵇ التي طلبها قومه منه، فأخرجها الله- تعالى- لهم لتكون معجزة له، ولكنهم لم يؤمنوا به، بل عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم، فأهلكهم الله- تعالى- بالصيحة التي جعلتهم في دارهم جاثمين.

стр. 3685

وقوله مُبْصِرَةً أى: معجزة واضحة، يراها الناس بأعينهم بدون خفاء أو لبس.. قال الجمل: مُبْصِرَةً بكسر الصاد- باتفاق السبعة، والإسناد مجازى. أى: يبصرونها خارجة من الصخرة. وقرئ شاذا بفتح الصاد. ثم قال: وفي السمين: مبصرة حال. وهو إسناد مجازى، إذ المراد إبصار أهلها، ولكنها لما كانت سببا في الإبصار نسب إليها، والظاهر أن المراد الإبصار المعنوي، وهو الاهتداء بها، والتوصل بها، إلى تصديق نبيهم، وعلى هذا تظهر السببية، فإن وجودها سبب في هذا المعنى ... » «١» . وقال الآلوسى: وقوله: مُبْصِرَةً على صيغة اسم الفاعل حال من الناقة، والمراد: ذات إبصار، أو ذات بصيرة يبصرها الغير ويتبصر بها، فالصيغة للنسب....» «٢» . والمعنى: لقد تركنا إجابة المطالب التي اقترحها قومك- يا محمد-، رحمة بهم، لأننا لو أعطيناهم إياهم ثم استمروا في تكذيبهم لك لأهلكناهم كما أهلكنا السابقين. فقد أجبنا قوم صالح- ﵇ إلى ما طلبوه من نبيهم، بأن أخرجنا لهم الناقة، وجعلناها معجزة واضحة نيرة في الدلالة على صدقه، فقابلوها بالتكذيب والجحود، وظلموا أنفسهم وعرضوها للهلاك بسبب عقرها. قال- تعالى-: فَعَقَرُوا النَّاقَةَ، وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ، وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ «٣» . وقال- سبحانه-: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها. إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها. فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها. فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها. وَلا يَخافُ عُقْباها «٤» . وقوله- سبحانه-: وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً تذييل قصد به الزجر عن تكذيب ما يأتى به الأنبياء من هدايات ومعجزات تدل على صدقهم. والباء في قوله بِالْآياتِ للملابسة، ومفعول، نرسل، محذوف، وتَخْوِيفاً مفعول لأجله.

стр. 3686

قال القرطبي قوله: وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً فيه خمسة أقوال: الأول: العبر والمعجزات التي جعلها الله على أيدى الرسل، من دلائل الإنذار تخويفا للمكذبين. الثاني: أنها آيات الانتقام تخويفا من المعاصي. الثالث: أنها تقلب الأحوال من صغر إلى شباب ثم إلى تكهل ثم إلى مشيب، لتعتبر بتقلب أحوالك فتخاف عاقبة أمرك. الرابع: القرآن، الخامس: الموت الذريع» «١» . والمعنى: وما نرسل رسلنا ملتبسين بالآيات والمعجزات الدالة على صدقهم، إلا تخويفا لأقوامهم من سوء تكذيبهم لها. فإنهم إن كذبوها يصيبهم من العذاب ما يصيبهم. ثم ذكر- سبحانه- ما يزيد النبي ﷺ ثباتا على ثباته، ويقينا على يقينه، وما يدل على شمول علمه- تعالى- ونفاذ قدرته، وبليغ حكمته فقال: وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ.... أى: واذكر- أيها الرسول الكريم- وقت أن قلنا لك على لسان وحينا. إن ربك- قد أحاط بالناس علما وقدرة. فهم في قبضته، وتحت تصرفه، وقد عصمك منهم، فامض في طريقك. وبلغ رسالة ربك، دون أن تخشى من كفار مكة أو من غيرهم، عدوانا على حياتك، فقد عصمك- سبحانه- منهم. وفي هذه الجملة ما فيها من التسلية للنبي ﷺ ، ومن التبشير له ولأصحابه، بأن العاقبة ستكون لهم، ومن الحض لهم على المضي في طريقهم دون أن يخشوا أحدا إلا الله. والمراد بالرؤيا في قوله- تعالى-: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ: ما رآه النبي ﷺ وعاينه بعينيه من عجائب، ليلة الإسراء والمعراج. أى: وما جعلنا ما رأيته وعاينته ليلة إسرائنا بك من غرائب، إلا فتنة للناس. ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه، وسليم القلب من مريضه. وأطلق- سبحانه- على ما أراه لنبيه ليلة الإسراء لفظ الرؤيا مع أنه كان يقظة «لأن هذا اللفظ يطلق حقيقة على رؤيا المنام، وعلى رؤية اليقظة ليلا فإنه قد يقال لرؤية العين رؤيا، كما في قول الشاعر يصف صائدا: وكبر للرؤيا وهش فؤاده.. أى: وسر لرؤيته للصيد الذي سيصيده. أو أطلق عليه لفظ الرؤيا على سبيل التشبيه بالرؤيا المنامية، نظرا لما رآه في

стр. 3687

تلك الليلة من عجائب سماوية وأرضية، أو أطلق عليه ذلك بسبب أن ما رآه قد كان ليلا. وقد كان في سرعته كأنه رؤيا منامية. وكان ما رآه ﷺ في تلك الليلة فتنة للناس، لأنه لما قص عليهم ما رآه، ارتد بعضهم عن الإسلام، وتردد البعض الآخر في قبوله، وضاقت عقولهم عن تصديقه، زاعمة أنه لا يمكن أن يذهب ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم يعرج إلى السموات العلا.. ثم يعود إلى مكة، كل ذلك في ليلة واحدة. وبعضهم يرى أن المراد بالرؤيا هنا: ما رآه النبي ﷺ من أنه سيدخل مكة هو وأصحابه.. وبعضهم يرى أن المراد بها هنا: ما أراه الله- تعالى- لنبيه في منامه، من مصارع المشركين قبل غزوة بدر فقد قال ﷺ قبل بدء المعركة: والله لكأنى أنظر إلى مصارع القوم. ثم أومأ إلى الأرض وقال: هذا مصرع فلان. وهذا مصرع فلان. والذي نرجحه هو الرأى الأول، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة، ولأنه على الرأيين الثاني والثالث يترجح أن الآية مدنية، لأن غزوة بدر وفتح مكة كانا بعد الهجرة، والتحقيق أن هذه الآية مكية. قال القرطبي ما ملخصه: قوله- تعالى-: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ.. لما بين أن إنزال آيات القرآن تتضمن التخويف، ضم إليه ذكر آية الإسراء، وهي المذكورة في صدر السورة. وفي البخاري والترمذي عن ابن عباس في قوله- تعالى-: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قال: هي رؤيا عين أريها النبي ﷺ ليلة أسرى به إلى بيت المقدس ... وكانت الفتنة ارتداد قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبي ﷺ أنه أسرى به. وقيل: كانت رؤيا نوم. وهذه الآية تقضى بفساده، وذلك أن رؤيا المنام لا فتنة فيها، وما كان أحد لينكرها. وعن ابن عباس قال: الرؤيا التي في هذه الآية، رؤيا رسول الله ﷺ أنه يدخل مكة في سنة الحديبية- فرده المشركون عن دخولها في تلك السنة-، فافتتن بعض المسلمين لذلك، فنزلت هذه الآية.. وفي هذا التأويل ضعف. لأن السورة مكية، وتلك الرؤيا كانت بالمدينة ... » «١» .

стр. 3688

وقوله- سبحانه-: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ معطوف على الرؤيا. أى: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس. والمراد بالشجرة الملعونة هنا: شجرة الزقوم، المذكورة في قوله- تعالى-: أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ. إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ «١» . والمراد بلعنها: لعن الآكلين منها وهم المشركون، أو هي ملعونة لأنها تخرج في أصل الجحيم. أو هي ملعونة لأن طعامها مؤذ وضار، والعرب تقول لكل طعام ضار: إنه ملعون. قال الآلوسى: وروى في جعلها فتنة لهم: أنه لما نزل في شأنها في سورة الصافات وغيرها ما نزل، قال أبو جهل وغيره: هذا محمد يتوعدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يقول ينبت فيها الشجر. وما نعرف الزقوم إلا بالتمر والزبد، ثم أمر جارية له فأحضرت تمرا وزبدا، وقال لأصحابه: تزقموا. وافتتن بهذه الآية أيضا بعض الضعفاء، ولقد ضلوا في ذلك ضلالا بعيدا ... «٢» . وقوله- تعالى-: وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً تذييل قصد به بيان ما جبل عليه هؤلاء المشركون من جحود، وقسوة قلب ... أى: ونخوف هؤلاء المشركين بعذاب الدنيا، وبعذاب الآخرة وبشجرة الزقوم التي طلعها كأنه رءوس الشياطين ... فما يزيدهم هذا التخويف والتهديد إلا طغيانا متجاوزا في ضخامته وكبره كل حد، وكل عقل سليم. وعبر- سبحانه- بصيغة المضارع الدالة على الاستقبال، مع أن تخويفهم وازدياد طغيانهم قد وقعا، للإشعار بالتجدد والاستمرار. وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت من سنن الله- تعالى- في خلقه، ومن فضله على هذه الأمة، ومن تبشيره وإنذاره، ووعده ووعيده، ما يزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم، وما يصرف الطاغين عن طغيانهم لو كانوا يعقلون.

стр. 3689

ثم ساق- سبحانه- جانبا من قصة آدم وإبليس، لزيادة التسلية للرسول ﷺ وللإشعار بأن الحسد والغرور، كما منعا إبليس من السجود لآدم، فقد منعا مشركي مكة من الإيمان بالنبي ﷺ فقال- تعالى-: [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٦١ الى ٦٥] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (٦١) قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً (٦٢) قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (٦٤) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً (٦٥) وقوله- سبحانه-: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ... تذكير لبنى آدم بما جرى بين أبيهم وبين إبليس، ليعتبروا ويتعظوا، ويستمروا على عداوتهم لإبليس وجنده. أى: واذكروا- يا بنى آدم- وقت أن قلنا للملائكة اسْجُدُوا لِآدَمَ سجود تحية وتكريم، فسجدوا امتثالا لأمر الله- تعالى-، بدون تردد أو تلعثم، إِلَّا إِبْلِيسَ فإنه أبى السجود لآدم- ﵇ وقالَ بتكبر وعصيان لأمر ربه- : أَأَسْجُدُ وأنا المخلوق من نار لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً أى: أأسجد لمن خلقته من طين، مع أننى أفضل منه. والتعبير بقوله فَسَجَدُوا بفاء التعقيب، يفيد أن سجودهم- ﵈ كان في

стр. 3690

أعقاب أمر الله- تعالى- لهم مباشرة، بدون تأخير أو تسويف. وقوله- تعالى-: قالَ أَأَسْجُدُ ... استئناف بيانى، فكأنه قيل: فماذا كان موقف إبليس من هذا الأمر؟ فكان الجواب أن إبليس فسق عن أمر ربه وقال ما قال. والاستفهام في أَأَسْجُدُ للإنكار والتعجب، لأن يرى- لعنه الله- أنه أفضل من آدم. وقوله: طِيناً منصوب بنزع الخافض أى: من طين. وقد جاء التصريح بإباء إبليس عن السجود لآدم، بأساليب متنوعة، وفي آيات متعددة، منها قوله- تعالى-: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ «١» . وقوله- تعالى-: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ «٢» . ثم فصل- سبحانه- ما قاله إبليس في اعتراضه على السجود لآدم فقال: قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ، لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا. ورأى هنا علمية فتتعدى إلى مفعولين، أولهما هذَا والثاني محذوف لدلالة الصلة عليه، والكاف حرف خطاب مؤكد لمعنى التاء قبله، والاسم الموصول الَّذِي بدل من هذَا أو صفة له، والمراد من التكريم في قوله كَرَّمْتَ عَلَيَّ: التفضيل. والمعنى: قال إبليس في الرد على خالقه- : أخبرنى عن هذا الإنسان المخلوق من الطين، والذي فضلته على، لماذا فضلته على وأمرتنى بالسجود له مع أننى أفضل منه، لأنه مخلوق من طين، وأنا مخلوق من نار!! وجملة هذا الذي كرمت على، واقعة موقع المفعول الثاني. ومقصود إبليس من هذا الاستفهام، التهوين من شأن آدم- ﵇ والتقليل من منزلته. ولم يجبه- سبحانه- على سؤاله، تحقيرا له. وإهمالا لشخصه، بسبب اعتراضه على أمر خالقه- . ثم أكد إبليس كلامه فقال: لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا.

стр. 3691

إذ أن اللام في قوله لَئِنْ ... موطئة للقسم، وجوابه لأحتنكن. وأصل الاحتناك: الاستيلاء على الشيء أو الاستئصال له. يقال: حنك فلان الدابة يحتنكها- بكسر النون ورفعها- إذا وضع في حنكها- أى في ذقنها- الرسن ليقودها به. ويقال: احتنك الجراد الأرض، إذا أكل نباتها وأتى عليه. والمعنى: قال إبليس- متوعدا ومهددا-: لئن أخرتن- يا إلهى- إلى يوم القيامة، لأستولين على ذرية آدم، ولأقودنهم إلى ما أشاء من المعاصي والشهوات، إلا عددا قليلا منهم فإنى لا أستطيع ذلك بالنسبة لهم، لقوة إيمانهم، وشدة إخلاصهم. وهذا الذي ذكره- سبحانه- عن إبليس في هذه الآية من قوله: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا شبيه به قوله- تعالى-: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ، وَعَنْ أَيْمانِهِمْ، وَعَنْ شَمائِلِهِمْ، وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ «١» . وقوله- تعالى- قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ «٢» . قال بعض العلماء: وقول إبليس في هذه الآية: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ... قاله ظنا منه أنه سيقع. وقد تحقق له هذا الظن- في كثير من بنى آدم- كما قال- تعالى- وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «٣» . وقوله- تعالى- قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً بيان لما توعد الله- سبحانه- به إبليس وأتباعه. والأمر في قوله اذْهَبْ للإهانة والتحقير. أى: قال الله- تعالى- لإبليس اذْهَبْ مطرودا ملعونا، وقد أخرناك إلى يوم القيامة، فافعل ما بدا لك مع بنى آدم، فمن أطاعك منهم، فإن جهنم جزاؤك وجزاؤهم، جزاء مكملا متمما لا نقص فيه. وقال- سبحانه- فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ مع أنه قد تقدم غائب ومخاطب في قوله فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ، تغليبا لجانب المخاطب- وهو إبليس- على جانب الغائب وهم أتباعه. لأنه هو السبب في إغواء هؤلاء الأتباع. وقوله: جَزاءً مفعول مطلق، منصوب بالمصدر قبله.

стр. 3692

وقوله مَوْفُوراً اسم مفعول، من قولهم وفر الشيء فهو وافر وموفور أى: مكمل متمم. وهو صفة لقوله: جَزاءً. وهذا الوعيد الذي توعد الله- تعالى- به إبليس وأتباعه، جاء ما يشبههه في آيات كثيرة، منها قوله- سبحانه-: قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ. لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ. ثم أضاف- سبحانه- إلى إهانته وتحقيره لإبليس أوامر أخرى، فقال- تعالى-: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ، وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ، وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ، وَعِدْهُمْ، وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً. قال الجمل: أمر الله- تعالى- إبليس بأوامر خمسة، القصد بها: التهديد والاستدراج، لا التكليف، لأنها كلها معاص، والله لا يأمر بها «١» . وهذه الأوامر الخمسة هي: اذهب، واستفزز ... وأجلب ... وشاركهم ... وعدهم. وقوله: واستفزز، من الاستفزاز، بمعنى الاستخفاف والإزعاج، يقال: استفز فلان فلانا إذا استخف به، وخدعه، وأوقعه فيما أراده منه. ويقال: فلان استفزه الخوف، إذا أزعجه. وقوله: وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ أصل الإجلاب: الصياح بصوت مسموع. يقال: أجلب فلان على فرسه وجلب عليه، إذا صاح به ليستحثه على السرعة في المشي. قال الآلوسى: قوله وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ أى: صح عليهم من الجلبة وهي الصياح. قاله الفراء وأبو عبيدة. وقال الزجاج: أجلب على العدو: جمع عليه الخيل. وقال ابن السكيت: جلب عليه: أعان عليه. وقال ابن الأعرابى: أجلب على الرجل، إذا توعده الشر، وجمع عليه الجمع. والخيل: يطلق على الأفراس حقيقة ولا واحد له من لفظه، وعلى الفرسان مجازا، وهو المراد هنا. ومنه قول الرسول ﷺ في بعض غزواته لأصحابه: «يا خيل الله اركبي» . والرجل- بكسر الجيم- بمعنى راجل- كحذر بمعنى حاذر- هو الذي يمشى رجلا، أى غير راكب ... » «٢» .

стр. 3693

والمعنى. قال الله- تعالى- لإبليس: اذهب أيها اللعين مذءوما مدحورا. فإن جهنم هي الجزاء المعد لك ولأتباعك من ذرية آدم، وافعل ما شئت معهم من الاستفزاز والخداع والإزعاج ولهو الحديث وأجلب عليهم ما تستطيع جلبه من مكايد، وما تقدر عليه من وسائل، كأن تناديهم بصوتك ووسوستك إلى المعاصي، وكأن تحشد جنودك على اختلاف أنواعهم لحربهم وإغوائهم وصدهم عن الطريق المستقيم. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى استفزاز إبليس بصوته، وإجلابه بخيله ورجله؟ قلت: هو كلام وارد مورد التمثيل شبهت حاله في تسلطه على من يغويه، بمغوار أوقع على قوم، فصوت بهم صوتا يستفزهم من أماكنهم، ويقلقهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجنده، من خيالة ورجالة حتى استأصلهم، وقيل: بصوته، أى: بدعائه إلى الشر، وبخيله، ورجله: أى كل راكب وماش من أهل العبث. وقيل: يجوز أن يكون لإبليس خيل ورجال» «١» . وعلى أية حال، فالجملة الكريمة تصوير بديع، لعداوة إبليس لآدم وذريته، وأنه معهم في معركة دائمة، يستعمل فيها كل وسائل شروره، ليشغلهم عن طاعة ربهم، وليصرفهم عن الصراط المستقيم، ولكنه لن يستطيع أن يصل إلى شيء من أغراضه الفاسدة، ماداموا معتصمين بدين ربهم- . وقوله- سبحانه-: وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ، معطوف على ما قبله. أى: وشاركهم في الأموال، بأن تحضهم على جمعها من الطرق الحرام، وعلى إنفاقها في غير الوجوه التي شرعها الله، كأن يستعملوها في الربا والرشوة وغير ذلك من المعاملات المحرمة. وشاركهم في الأولاد: بأن تحثهم على أن ينشئوهم تنشئة تخالف تعاليم دينهم الحنيف وبأن تيسر لهم الوقوع في الزنا الذي يترتب عليه ضياع الأنساب، وبأن تظاهرهم على أن يسموا أولادهم بأسماء يبغضها الله- ، إلى غير ذلك من وساوسك التي تغرى الآباء بأن يربوا أبناءهم تربية يألفون معها الشرور والآثام، والفسوق والعصيان. قال الإمام ابن جرير بعد أن ساق عددا من الأقوال في ذلك: وأولى الأقوال بالصواب أن

стр. 3694

يقال: كل مولود ولدته أنثى، عصى الله فيه، بتسميته بما يكرهه الله، أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله، أو بالزنا بأمه، أو بقتله أو وأده، أو غير ذلك من الأمور التي يعصى الله بفعله به أو فيه، فقد دخل في مشاركة إبليس فيه، من ولد ذلك الولد له أو منه، لأن الله لم يخصص بقوله: وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ معنى الشركة فيه، بمعنى دون معنى، فكل ما عصى الله فيه أو به، أو أطيع الشيطان فيه أو به فهو مشاركة ... » «١» . وقد علق الإمام ابن كثير على كلام ابن جرير بقوله: وهذا الذي قاله- ابن جرير- متجه، فقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله- إنى خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم» . وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتى أهله قال: باسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدا» «٢» . وقوله: وَعِدْهُمْ أى: وعدهم بما شئت من المواعيد الباطلة الكاذبة. كأن تعدهم بأن الدنيا هي منتهى آمالهم. فعليهم أن يتمتعوا بها كيف شاءوا، بدون تقيد بشرع أو دين أو خلق. وكأن تعدهم بأنه ليس بعد الموت حساب أو ثواب أو عقاب، أو جنة أو نار ... وقوله سبحانه وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً تحذير من الله تعالى لعباده من اتباع الشيطان، ومن السير وراء خطواته. وأصل الغرور تزين الباطل بما يوهم أنه حق. يقال: غر فلان فلانا فهو يغره غرورا إذا خدعه، وأصله من الغرّ، وهو الأثر الظاهر من الشيء، ومنه غرة الفرس لأنها أبرز ما فيه. ولفظ غُرُوراً صفة لموصوف محذوف. والتقدير: وعدهم- أيها الشيطان- بما شئت من الوعود الكاذبة، وما يعد الشيطان بنى آدم إلا وعدا غرورا. ويجوز أن يكون مفعولا لأجله فيكون المعنى: وما يعدهم الشيطان إلا من أجل الغرور والمخادعة. وفي الجملة الكريمة التفات من الخطاب إلى الغيبة، إهمالا لشأن الشيطان، وبيانا لحاله مع بنى آدم حتى يحترسوا منه ويحذروه.

стр. 3695

ثم ختم- سبحانه- الآيات بغرس الطمأنينة في قلوب المؤمنين الصادقين، فقال- تعالى-: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا. أى: إن عبادي الصالحين الذين أخلصوا دينهم لي، ليس لك- يا إبليس- تسلط واقتدار على إغوائهم وإضلالهم، وصرفهم عن السبيل الحق إلى السبيل الباطل. قال- تعالى-: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ «١» . وقال- سبحانه- إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ «٢» . والإضافة في قوله إِنَّ عِبادِي ... للتشريف والتكريم حيث خصهم- سبحانه- بهذا اللون من الرعاية والحماية. وقوله وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا أى: وكفى بربك وكيلا يتوكلون عليه، ويفوضون إليه أمورهم، ويعتصمون به لكي يقيهم وساوس الشيطان ونزغاته. قال الإمام ابن كثير: قوله: وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا أى: حافظا ومؤيدا ونصيرا. روى الإمام أحمد عن أبى هريرة أن رسول ﷺ قال: «إن المؤمن لينضى شيطانه- أى ليقهره- كما ينضى أحدكم بعيره في السفر» «٣» . وقال الجمل في حاشيته: وهذه الآية تدل على أن المعصوم من عصمه الله. وأن الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلال، لأنه لو كان الإقدام على الحق، والإحجام عن الباطل إنما يحصل للإنسان من نفسه، لوجب أن يقال: وكفى بالإنسان نفسه في الاحتراز عن الشيطان. فلما لم يقل ذلك، بل قال: وكفى بربك وكيلا. علمنا أن الكل من الله. ولهذا قال المحققون: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعته إلا بقوته. «٤» . وبعد أن بين- سبحانه- لبنى آدم ما يبيته إبليس من عداوة وبغضاء، أتبع ذلك ببيان جانب من نعمه- تعالى- عليهم في البر والبحر وفي السراء والضراء فقال- :

стр. 3696

[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٦٦ الى ٦٩] رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٦٦) وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً (٦٩) وقوله- تعالى-: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ... بيان لمظهر من مظاهر رحمة الله- تعالى- بعباده، وفضله عليهم. ويُزْجِي من الإزجاء، وهو السوق شيئا فشيئا. يقال أزجى فلان الإبل، إذا ساقها برفق، وأزجت الريح السحاب، أى: ساقته سوقا رفيقا، ومنه قوله- تعالى-: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً.... والْفُلْكَ ما عظم من السفن. قال الجمل ما ملخصه: ويستعمل لفظ الفلك للواحد والجمع، ويذكر ويؤنث. قال- تعالى-: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فأفرد وذكر. وقال- سبحانه-: وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ، فأنث، ويحتمل الإفراد والجمع. قال- تعالى-: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ ... فجمع ... «١» . والْبَحْرِ يطلق على الماء الكثير عذبا كان أو ملحا. وأكثر ما يكون إطلاقا على الماء الملح.

стр. 3697

أى: اذكروا- أيها الناس- لتعتبروا وتشكروا ربكم الذي من مظاهر نعمته عليكم، أنه يسوق لكم- بلطفه وقدرته- السفن التي تركبونها في البحر لكي تطلبوا من وراء ركوبها الرزق الذي يصلح معاشكم، والذي هو لون من ألوان فضل الله عليكم. وقوله: لتبتغوا من فضله، تعليل لإزجاء الفلك، وتصريح بوجوه النفع التي تفضل الله- تعالى- بها عليهم. وقوله: إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً تعليل ثان لهذا الإزجاء. أى: يزجى لكم الفلك في البحر، لتطلبوا من وراء ذلك ما ينفعكم، ولأنه- سبحانه- كان أزلا وأبدا، بكم دائم الرحمة والرأفة. ثم انتقل- سبحانه- من الحديث عن مظاهر نعمه عليهم، في حال سوق السفن ودفعها بهم في البحر برفق وأناة، إلى بيان رعايته لهم في حال اضطرابها وتعرضها للغرق، بسبب هيجان البحر وارتفاع أمواجه، فقال- تعالى-: وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ.... والمس: اتصال أحد الشيئين بآخر على وجه الإحساس والإصابة، والمراد به هنا: ما يعتريهم من خوف وفزع، وهم يرون سفينتهم توشك على الغرق. والمراد بالضر هنا: اضطراب الفلك، وارتفاع الأمواج، واشتداد العواصف، وتعرضهم للموت من كل مكان. المعنى: وإذا أحاطت بكم الأمواج من كل جانب وأنتم على ظهور سفنكم وأوشكتم على الغرق.. ذهب وغاب عن خواطركم وأذهانكم، كل معبود سوى الله- لكي ينقذكم مما أنتم فيه من بلاء، بل إياه وحده- سبحانه- تدعون ليكشف عنكم ما نزل بكم من سوء. فالجملة الكريمة تصوير مؤثر بديع لبيان أن الإنسان عند الشدائد والمحن لا يتجه بدعائه وضراعته إلا إلى الله- تعالى- وحده. قال القرطبي: ضَلَّ معناه تلف وفقد وهي عبارة عن تحقير لمن يدعى إلها من دون الله. والمعنى في هذه الآية: أن الكفار إنما يعتقدون في أصنامهم أنها شافعة، وأن لها فضلا، وكل واحد منهم بالفطرة يعلم علما لا يقدر على مدافعته أن الأصنام لا فعل لها في الشدائد،

стр. 3698

فوقّفهم الله من ذلك على حالة البحر حيث تنقطع الحيل» «١» . وقال الإمام ابن كثير: يخبر ﵎ أن الناس إذا مسهم ضر دعوه منيبين إليه مخلصين له الدين، ولهذا قال- تعالى-: وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ أى: ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون غير الله- تعالى- كما اتفق لعكرمة بن أبى جهل، لما ذهب فارا من رسول الله ﷺ حين فتح مكة، فذهب هاربا فركب في البحر ليدخل الحبشة، فجاءتهم ريح عاصف، فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لا يغنى عنكم إلا أن تدعو الله وحده. فقال عكرمة في نفسه: والله إن كان لا ينفع في البحر غيره، فإنه لا ينفع في البر غيره، اللهم لك على عهد لئن أخرجتنى منه، لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد ﷺ فلأجدنه رءوفا رحيما. فخرجوا من البحر، فرجع إلى الرسول ﷺ فأسلم وحسن إسلامه- رضى الله عنه» «٢» . وقوله- تعالى-: فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً بيان لطبيعة الإنسان إلا من عصم الله. أى: فلما نجاكم الله- تعالى- بلطفه وإحسانه: من الغرق، وأوصلكم سالمين إلى البر، أعرضتم عن طاعته، وتركتم دعاءه والضراعة إليه، وكان الإنسان الفاسق عن أمر ربه، كَفُوراً أى: كثير الكفران والجحود لنعم ربه- . قال الآلوسي ما ملخصه: وقوله: وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً كالتعليل للإعراض، ويعلم منه حكم أولئك المخاطبين، وفيه لطافة حيث أعرض- سبحانه- عن خطابهم بخصوصهم، وذكر أن جنس الإنسان مجبول على الكفران، فلما أعرضوا أعرض الله- تعالى- عنهم» «٣» . وفي معنى هذه الآية جاءت آيات كثيرة. منها قوله- تعالى- فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ «٤» .

стр. 3699

وقوله- سبحانه-: وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ «١» . ثم بين- سبحانه- أن قدرته لا يعجزها شيء، لا في البحر ولا في البر ولا في غيرهما فقال: أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً، ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا والهمزة في قوله أَفَأَمِنْتُمْ للاستفهام الإنكارى، والفاء عاطفة على محذوف، والتقدير: أنجوتم فأمنتم. وقوله يَخْسِفَ من الخسف وهو انهيار الأرض بالشيء، وتغييبه في باطنها وجانِبَ الْبَرِّ ناحية أرض، وسماه- سبحانه- جانبا، لأن البحر يمثل جانبا من الأرض، والبر يمثل جانبا آخر. والحاصب: الريح الشديدة، التي ترمى بالحصباء، وهي الحجارة الصغيرة. يقال. حصب فلان فلانا، إذا رماه بالحصباء. والمعنى: أنجوتم من الغرق- أيها الناس- ففرحتم وأمنتم ونسيتم أن الله- تعالى- إذا كان قد أنجاكم من الغرق، فهو قادر على أن يخسف بكم جانب الأرض، وقادر كذلك على أن يرسل عليكم ريحا شديدة ترميكم بالحصباء التي تهلككم ثم لا تجدوا لكم وكيلا تكلون إليه أموركم، ونصيرا ينصركم ويحفظكم من عذاب الله- تعالى-. إن كنتم قد أمنتم عذاب الله بعد نجاتكم من الغرق، فأنتم جاهلون، لأن قدرة الله- تعالى- لا يعجزها أن تأخذكم أخذ عزيز مقتدر سواء كنتم في البحر أم في البر أم في غيرهما، إذ جميع جوانب هذا الكون في قبضة الله- تعالى- وتحت سيطرته. قال صاحب الكشاف: فإن قلت فما معنى ذكر الجانب؟ قلت: معناه، أن الجوانب والجهات كلها في قدرته سواء، وله في كل جانب برا كان أو بحرا سبب مرصد من أسباب الهلكة، ليس جانب البحر وحده مختصا بذلك، بل إن كان الغرق في جانب البحر، ففي جانب البر ما هو مثله وهو الخسف، لأنه تغييب تحت التراب، كما أن الغرق تغييب تحت الماء فالبر والبحر عنده سيان، يقدر في البر على نحو ما يقدر عليه في البحر، فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله في جميع الجوانب وحيث كان» «٢» . ثم ساق- سبحانه- مثالا آخر للدلالة على شمول قدرته، فقال- تعالى-:

стр. 3700

أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى، فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ، فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ، ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً. وأَمْ هنا يجوز أن تكون متصلة بمعنى: أى الأمرين حاصل. ويجوز أن تكون منقطعة بمعنى: بل. والقاصف من الريح: هو الريح العاتية الشديدة التي تقصف وتحطم كل ما مرت به من أشجار وغيرها. يقال: قصف فلان الشيء، إذا كسره. والتبيع: فعيل بمعنى فاعل، وهو المطالب غيره بحق سواء أكان هذا الحق دينا أم ثأرا أم غيرهما، مع مداومته على هذا الطلب. والمعنى: بل أأمنتم- أيها الناس- أَنْ يُعِيدَكُمْ الله- تعالى- فِيهِ أى: في البحر، لسبب من الأسباب التي تحملكم على العودة إليه مرة أخرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ- سبحانه- وأنتم في البحر قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ العاتية الشديدة التي تحطم سفنكم فَيُغْرِقَكُمْ بسبب كفركم وجحودكم لنعمه، ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً أى: إننا من السهل علينا أن نفعل معكم ذلك وأكثر منه، ثم لا تجدوا لكم أحدا ينصركم علينا، أو يطالبنا بحق لكم علينا، فنحن لا نسأل عما نفعل، وأنتم المسئولون. فالاستفهام هنا- أيضا- للإنكار والتوبيخ. وقال- سبحانه- أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ ولم يقل أن يعيدكم إليه، للإشعار باستقرارهم فيه، وأنه- تعالى- لا يعجزه أن يفعل ذلك. والتعبير بقوله قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فيه من الترهيب والإنذار ما فيه لأن لفظ القصف يدل بمعناه اللغوي على التحطيم والتكسير. وقال- سبحانه- بِما كَفَرْتُمْ لبيان أن الله- تعالى- ما ظلمهم بإهلاكهم، وإنما هم الذين عرضوا أنفسهم لذلك بسبب كفرهم وإعراضهم عن طاعته- سبحانه-. والضمير في بِهِ يعود إلى الإهلاك بالإغراق المفهوم من قوله فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ أى: لا تجدون تبيعا يتبعنا بثأركم بسبب ذلك الإغراق الذي أوقعناه بكم. وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد ساقت ألوانا من نعم الله- تعالى- على الناس، وحذرتهم من جحود هذه النعم، حتى لا يتعرضوا لعذاب الله، الذي قد ينزل بهم وهم في البحر أو في البر أو في غيرهما.

стр. 3701

ثم ذكر- سبحانه- تكريمه لبنى آدم، وتفضيلهم على كثير من مخلوقاته، وأحوالهم في الآخرة، فقال- تعالى-: [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٧٠ الى ٧٢] وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً (٧٠) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧١) وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٧٢) قال الآلوسى: قوله: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ... أى: جعلناهم قاطبة برهم وفاجرهم، ذوى كرم، أى: شرف ومحاسن جمة لا يحيط بها نطاق الحصر..» «١» . ومن مظاهر تكريم الله- تعالى- لبنى آدم، أنه خلقهم في أحسن تقويم، كما قال- تعالى-: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. وأنه ميزهم بالعقل والنطق والاستعدادات المتعددة، التي جعلتهم أهلا لحمل الأمانة، كما قال- سبحانه-: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ ... «٢» . وأنه سخر الكثير من مخلوقاته لمنفعتهم ومصلحتهم، قال- تعالى-: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ. وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ، وَسَخَّرَ لَكُمُ

стр. 3702

اللَّيْلَ وَالنَّهارَ. وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها، إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ «١» . وأنه سجل هذا التكريم في القرآن الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكفاهم بذلك شرفا وفخرا. وقوله- تعالى- وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بيان لنوع من أنواع هذا التكريم. أى: وحملناهم بقدرتنا ورعايتنا في البر على الدواب وغير ذلك من وسائل الانتقال كالقطارات والسيارات وغيرها، وحملناهم في البحر على السفن وعابرات البحار التي تنقلهم من مكان إلى آخر. وقوله: وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ بيان لنوع آخر من أنواع التكريم. أى: ورزقناهم بفضلنا وإحساننا من طيبات المطاعم والمشارب والملابس، التي يستلذونها، ولا يستغنون عنها في حياتهم. وقوله: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا بيان لنوع ثالث من أنواع التكريم، أى: وبسبب هذا التكريم فضلناهم على كثير من مخلوقاتنا التي لا تحصى، تفضيلا عظيما. وعلى هذا التفسير يكون التفضيل لونا من ألوان التكريم الذي منحه الله- تعالى- لبنى آدم. وبعضهم يرى أن هناك فرقا بين التكريم والتفضيل، ومن هذا البعض الإمام الفخر الرازي، فقد قال- ﵀ ما ملخصه: لقد قال الله- تعالى- في أول الآية وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وقال في آخرها وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا. ولا بد من الفرق بين هذا التكريم والتفضيل وإلا لزم التكرار. والأقرب أن يقال: إنه- تعالى- فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية، مثل: العقل، والنطق، والصورة الحسنة.. ثم إنه- تعالى- عرضه بواسطة ذلك لاكتساب العقائد الحقة، والأخلاق الفاضلة فالأول: هو التكريم، والثاني: هو التفضيل» «٢» . وكأن الفخر الرازي يرى أن التكريم يرجع إلى الصفات الخلقية التي امتاز بها بنو آدم، أما التفضيل فيرجع إلى ما اكتسبوه من عقائد سليمة، وأخلاق قويمة.

стр. 3703

هذا، وقد أخذ صاحب الكشاف من هذه الجملة وهي قوله- تعالى-: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا أن الملائكة أفضل من البشر، لأنهم- أى الملائكة- هم المقصودون بالقليل الذي لم يفضل عليه بنو آدم. قال- ﵀: قوله: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا ... هو ما سوى الملائكة وحسب بنى آدم تفضيلا، أن ترفع عليهم الملائكة- وهم هم-، ومنزلتهم عند الله منزلتهم ... » «١» . ويرى كثير من المفسرين أن المراد بالتفضيل هنا: تفضيل الجنس، ولا يلزم منه تفضيل كل فرد على كل فرد. قال الجمل ما ملخصه: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا المراد تفضيل جنس البشر على أجناس غيره كالملائكة، ولا يلزم من تفضيل جنس البشر على جنس الملك تفضيل الأفراد، إذ الملائكة في جملتهم أفضل من البشر غير الأنبياء. وصلحاء البشر- كالصديق- أفضل من عوام الملائكة، أى: غير الرؤساء منهم، على المعتمد من طريقة التفضيل» «٢» . والذي تطمئن إليه النفس في هذه المسألة- والله أعلم-: أن الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- أفضل من الملائكة جميعا، لأن الله- تعالى- قد أمر الملائكة بالسجود لآدم الذي جعله خليفة له في أرضه، دون غيره من الملائكة ... وأن الرسل من الملائكة- كجبريل وإسرافيل وعزرائيل وميكائيل- أفضل من عموم البشر- سوى الأنبياء-، لأن هؤلاء الرسل قد اصطفاهم الله- تعالى- واختارهم لوظائف معينة، قال- تعالى- اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ. وأن صلحاء البشر- كالعشرة المبشرين بالجنة- أفضل من عامة الملائكة، لأن الملائكة ليست فيهم شهوة تدفعهم إلى مخالفة ما أمر الله به ... أما بنو آدم فقد ركب الله- تعالى- فيهم شهوة داعية إلى ارتكاب المعصية، ومقاومة هذه الشهوات جهاد يؤدى إلى رفع الدرجات ... ومن العلماء الذين بسطوا القول في هذه المسألة الإمام الفخر الرازي، فليرجع إليه من شاء «٣» .

стр. 3704

وقوله- سبحانه-: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ شروع في بيان تفاوت أحوال بنى آدم في الآخرة، بعد بيان حالهم في الدنيا. ولفظ يَوْمَ منصوب بفعل محذوف، أى: واذكر يوم ندعو كل أناس بإمامهم. والمراد بإمامهم هنا: كتاب أعمالهم. وقد اختار هذا القول الإمام ابن كثير ورجحه فقال: يخبر الله- تعالى- عن يوم القيامة، أنه يحاسب كل أمة بإمامهم، وقد اختلفوا في ذلك. فقال مجاهد وقتادة أى: بنبيهم، وهذا كقوله- تعالى-: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ... وقال ابن زيد: بإمامهم أى بكتابهم الذي أنزل على نبيهم من التشريع، واختاره ابن جرير ... وروى العوفى عن ابن عباس في قوله: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ أى: بكتاب أعمالهم ... وهذا القول هو الأرجح لقوله- تعالى-: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ، وقال- تعالى-: وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ.. ويحتمل أن المراد بإمامهم: أن كل قوم بمن يأتمون به، فأهل الإيمان ائتموا بالأنبياء- ﵈، وأهل الكفر ائتموا بأئمتهم في الكفر ... وفي الصحيحين: «لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت ... » الحديث ... ثم قال- ﵀ ولكن المراد هاهنا بالإمام، هو كتاب الأعمال «١» . والمعنى: واذكر- أيها العاقل لتعتبر وتتعظ- يوم ندعو كل أناس من بنى آدم الذين كرمناهم وفضلناهم على كثير من خلقنا، بكتاب أعمالهم الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. ثم بين- سبحانه- حسن عاقبة الذين أخلصوا دينهم لله فقال- تعالى-: فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ، وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا. أى: فمن أوتى من بنى آدم يوم القيامة، كتابه بيمينه، بأن ثقلت موازين حسناته على سيئاته، فأولئك السعداء يقرءون كتابهم بسرور وابتهاج، ولا ينقصون من أجورهم قدر

стр. 3705

فتيل، وهو الخيط المستطيل في شق النواة، وبه يضرب المثل في الشيء القليل ومن في قوله فَمَنْ أُوتِيَ يجوز أن تكون شرطية، وأن تكون موصولة، ودخلت الفاء في الخبر وهو «فأولئك» لشبهه بالشرط. وجاء التعبير في قوله أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ بالإفراد، حملا على لفظ من، وجاء التعبير بالجمع في فَأُولئِكَ حملا على معناها. وفي قوله- سبحانه- بِيَمِينِهِ تشريف وتبشير لصاحب هذا الكتاب المليء بالإيمان والعمل الصالح وقال- سبحانه-: فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ بالإظهار، ولم يقل: يقرءونه، لمزيد العناية بهؤلاء السعداء، ولبيان أن هذا الكتاب تبتهج النفوس بتكرار اسمه. ثم بين- سبحانه- سوء عاقبة من أوتى كتابه بشماله فقال: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا. والمراد بالعمى هنا: عمى القلب لا عمى العين، بدليل قوله- تعالى-: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ. والمعنى: ومن كان من بنى آدم في هذه الدنيا أعمى القلب، مطموس البصيرة، بسبب إيثاره الكفر على الإيمان، فهو في الدار الآخرة أشد عمى، وأضل سبيلا منه في الدنيا، لأنه في الدنيا كان في إمكانه أن يتدارك ما فاته أما في الآخرة فلا تدارك لما فاته. وعبر- سبحانه- عن الذي أوتى كتابه بشماله بقوله- وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى للإرشاد إلى العلة التي بسببها أصابه الشقاء في الآخرة، وهي- فقدانه النظر السليم، وإيثاره الغي على الرشد، والباطل على الحق.. ومما يدل على أن المراد به من أوتى كتابه بشماله، مقابلته لمن أوتى كتابه بيمينه، كما جاء في آيات كثيرة منها قوله- تعالى-: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ. إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ. فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ. قُطُوفُها دانِيَةٌ. كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ: يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ «١» . وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لبنى آدم من التكريم والتفضيل ما من شأنه أن

стр. 3706

يحملهم على إخلاص العبادة لخالقهم، وعلى امتثال أمره، واجتناب نهيه، لكي يكونوا من السعداء في دنياهم وآخرتهم. ثم حكى- سبحانه- جانبا من المسالك الخبيثة، التي سلكها المشركون مع النبي ﷺ لزحزحته عن التمسك بدعوته، وكيف أن الله- تعالى- قد عصمه من كيدهم، فقال- سبحانه-: [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٧٣ الى ٧٧] وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (٧٣) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (٧٤) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (٧٥) وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً (٧٧) ذكر المفسرون في سبب نزول الآية الأولى من هذه الآيات روايات منها ما جاء عن سعيد بن جبير أنه قال: كان النبي ﷺ يستلم الحجر الأسود في طوافه، فمنعته قريش وقالوا: لا ندعك تستلم حتى تلم بآلهتنا ... فأبى الله- تعالى- ذلك، وأنزل عليه هذه الآية. وروى عطاء عن ابن عباس قال: نزلت في وفد ثقيف، أتوا النبي ﷺ فسألوه شططا: وقالوا: متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهدى لها. وحرم وادينا كما حرمت مكة، حتى تعرف العرب فضلنا عليهم ... فنزلت هذه الآية «١» .

стр. 3707

وإِنْ في قوله وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ... مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. وكاد من أفعال المقاربة. ولَيَفْتِنُونَكَ من الفتنة، وأصلها الاختبار والامتحان. يقال: فتن الصائغ الذهب، أى: اختبره ليعرف جيده من خبيثة، ويقال: فتنت الرجل عن رأيه، إذا أزلته عما كان عليه، وهو المراد هنا. والمعنى وإن شأن هؤلاء المشركين، أنهم قاربوا في ظنهم الباطل، وزعمهم الكاذب، أن يخدعوك ويفتنوك- أيها الرسول الكريم- عما أوحينا إليك من هذا القرآن، لكي تفترى علينا غيره، وتتقول علينا أقوالا ما أنزل الله بها من سلطان. وقوله: وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا بيان لحالهم مع الرسول ﷺ لو أنه أطاعهم فيما اقترحوه عليه. قال الجمل ما ملخصه: «وإذا حرف جواب وجزاء يقدر بلو الشرطية. وقوله: لَاتَّخَذُوكَ جواب قسم محذوف تقديره: والله لاتخذوك، وهو مستقبل في المعنى، لأن إذا تقتضي الاستقبال، إذ معناها المجازاة، وهذا كقوله- تعالى-: وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ أى: ليظلوا «١» . والمعنى: لو أنك- أيها الرسول الكريم- وافقتهم على مقترحاتهم الفاسدة لأحبوا ذلك منك، ولصاروا أصدقاء لك في مستقبل أيامك. وقد بين القرآن الكريم في كثير من آياته، أن الرسول ﷺ أعرض عن مقترحاتهم ورفضها، ولم يلتفت إليها، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ، إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ، فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ «٢» . ثم بين- سبحانه- بعض مظاهر فضله على نبيه ﷺ فقال: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا.

стр. 3708

أى: ولولا تثبيتنا إياك- أيها الرسول الكريم- على ما أنت عليه من الحق والصدق، بأن عصمناك من كيدهم لقاربت أن تميل ميلا قليلا، بسبب شدة احتيالهم وخداعهم. قال بعض العلماء: وهذه الآية أوضحت غاية الإيضاح، براءة نبينا ﷺ من مقاربة الركون إلى الكفار، فضلا عن نفس الركون لأن لَوْلا حرف امتناع لوجود، فمقاربة الركون منعتها لَوْلا الامتناعية لوجود التثبيت من الله- تعالى- لأكرم خلقه ﷺ فاتضح يقينا انتفاء مقاربة الركون- أى الميل-، فضلا عن الركون نفسه. وهذه الآية تبين ما قبلها، وأنه ﷺ لم يقارب الركون إليهم مطلقا. لأن قوله: لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا أى: قاربت تركن إليهم، هو عين الممنوع بلو لا الامتناعية «١» . ومما يشهد بأن الرسول ﷺ لم يقارب الركون من مقترحات الكافرين، قول ابن عباس- رضى الله عنهما- كان رسول الله ﷺ معصوما، ولكن هذا تعريف للأمة، لئلا يركن أحد منهم إلى المشركين في شيء من أحكام الله- تعالى- وشرائعه. وعن قتادة أنه قال: لما نزلت هذه الآية، قال النبي ﷺ «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» . ثم بين- سبحانه- ما كان سيترتب على الركون إليهم- على سبيل الفرض من عقاب فقال- تعالى-: إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ، ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً. والضعف: عبارة عن أن يضم إلى شيء مثله. أى: لو قاربت- أيها الرسول الكريم- أن تركن إليهم أقل ركون، أو تميل إليهم أدنى ميل، لأنزلنا بك عذابا مضاعفا في الدنيا وعذابا مضاعفا في الآخرة، ثم لا تجد لك بعد ذلك نصيرا ينصرك علينا، أو ظهيرا يدفع عنك عذابنا، أو يحميك منه، كما قال- تعالى-: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ. والسبب في تضعيف العذاب، أن الخطأ يعظم بمقدار عظم صاحبه، ويصغر بمقدار صغره، ورحم الله القائل: وكبائر الرجل الصغير صغائر ... وصغائر الرجل الكبير كبائر

стр. 3709

والرسول ﷺ هو أعظم الخلق على الإطلاق، لذا توعده الله- تعالى- بمضاعفة العذاب، لو ركن إلى المشركين أدنى ركون. وقريب من هذا المعنى قوله- تعالى- يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ، وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً «١» . قال صاحب الكشاف: وفي ذكر الكيدودة وتقليلها، مع إتباعها الوعيد الشديد بالعذاب المضاعف في الدارين، دليل بين على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظم شأن فاعله وارتفاع منزلته، وفيه دليل على أن أدنى مداهنه للغواة، مضادة لله وخروج عن ولايته، وسبب موجب لغضبه ونكاله. فعلى المؤمن إذا تلا هذه الآيات أن يجثو عندها ويتدبرها فهي جديرة بالتدبر وبأن يستشعر الناظر فيها الخشية وازدياد التصلب في دين الله «٢» . ثم ذكر- سبحانه- مكيدة أخرى من مكايد المشركين، وهي محاولتهم إخراج النبي ﷺ من بلده، لكي يعكفوا على عبادة آلهتهم الباطلة دون أن ينهاهم عن ذلك أحد، فقال- تعالى-: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها.... قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: قيل نزلت في اليهود إذ أشاروا على النبي ﷺ بسكنى الشام، بلاد الأنبياء وترك سكنى المدينة وهذا القول ضعيف لأن هذه الآية مكية وسكنى المدينة كان بعد ذلك ... ثم قال: وقيل نزلت في كفار قريش، حين هموا بإخراج الرسول ﷺ من بين أظهرهم، فتوعدهم الله- تعالى- بهذه الآية: وأنهم لو أخرجوه لما لبثوا بعده بمكة إلا زمنا يسيرا ... «٣» . وما ذهب إليه ابن كثير- ﵀ من أن الآية مكية، هو الذي تسكن إليه النفس. فيكون المعنى: وَإِنْ كادُوا أى: كفار مكة لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ أى: ليزعجونك ويحملونك على الخروج من الأرض التي على ترابها ولدت وفيها نشأت، وهي أرض مكة. وقوله: وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا بيان لسوء مصيرهم إذا ما أخرجوه ﷺ من مكة.

стр. 3710

أى: ولو أنهم استفزوك وأجبروك على الخروج إجبارا، لما لبثوا خِلافَكَ أى: بعد خروجك إلا زمنا قليلا، ثم يصيبهم ما يصيبهم من الهلاك والنقم. ومع أن الرسول ﷺ قد خرج من مكة مهاجرا بأمر ربه إلا أنه- سبحانه- قد مكن نبيه ﷺ وأصحابه من مشركي مكة في غزوة بدر، فقتلوا منهم سبعين، وأسروا نحو ذلك، وكانت المدة بين هجرته ﷺ وبين غزوة بدر تقل عن سنتين. وهكذا حقق الله- تعالى- وعده لنبيه ﷺ وأنزل وعيده بأعدائه. ثم بين- سبحانه- أن نصرة رسله سنة من سننه التي لا تتخلف فقال: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا، وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا. ولفظ سُنَّةَ منصوب على أنه مصدر مؤكد، أى: سن الله ما قصه عليك سنة، وهذه السنة هي أننا لا نترك بدون عقاب أمة أخرجت رسولها من أرضه، وقد فعلنا ذلك مع الأقوام السابقين الذين أخرجوا أنبياءهم من ديارهم ولا تجد- أيها الرسول الكريم- لسنتنا وطريقتنا تحويلا أو تبديلا، ولولا أننا قد منعنا عن قومك عذاب الاستئصال لوجودك فيهم، لأهلكناهم بسبب إيذائهم لك، وتطاولهم عليك. قال- تعالى-: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ.... وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا من المسالك الخبيثة التي اتبعها المشركون مع النبي ﷺ كما حكت لنا ألوانا من فضل الله- تعالى- على نبيه ﷺ حيث عصمه من أى ركون إليهم ووعده بالنصر عليهم. ثم أرشد الله- تعالى- رسوله ﷺ إلى ما يعينه على التغلب على كيد المشركين، وإلى ما يزيده رفعة في الدرجة، وبشره بأن ما معه من حق، سيزهق ما مع أعدائه من باطل فقال- تعالى-: [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٧٨ الى ٨١] أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (٧٩) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (٨٠) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٨١)

стр. 3711

قال الإمام الرازي ما ملخصه: وفي نظم هذه الآيات مع ما قبلها وجوه، الأول: أنه- تعالى- لما قرر الإلهيات والمعاد والنبوات، أردفها بذكر الأمر بالطاعات. وأشرف الطاعات. بعد الإيمان الصلاة فلهذا أمر بها. الثاني: أنه- تعالى- لما قال: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها. أمره- تعالى- بالإقبال على عبادته لكي ينصره عليهم.. كما قال- تعالى-: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ. وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ... «١» . وقوله- سبحانه- أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ أى: داوم- أيها الرسول الكريم- على إقامة الصلاة، من وقت زوالها وميلها عن وسط السماء لجهة الغرب. يقال: دلكت الشمس تدلك- بضم اللام- إذا مالت وانتقلت من وسط السماء إلى ما يليه. ومادة دلك تدل على التحول والانتقال. ولذلك سمى الدلاك بهذا الاسم. لأن يده لا تكاد تستقر على مكان معين من الجسم. وتفسير دلوك الشمس هذا بمعنى ميلها وزوالها عن كبد السماء، مروى عن جمع من الصحابة والتابعين منهم عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأنس، وابن عباس، والحسن، ومجاهد. وقيل المراد بدلوك الشمس هنا غروبها. وقد روى ذلك عن على، وابن مسعود، وابن زيد. قال بعض العلماء: والقول الأول عليه الجمهور، وقالوا: الصلاة التي أمر بها ابتداء من هذا الوقت، هي صلاة الظهر، وقد أيدوا هذا القول بوجوه منها: ما روى عن جابر أنه قال: طعم عندي رسول الله ﷺ وأصحابه. ثم خرجوا حين زالت الشمس، فقال ﷺ هذا حين دلكت الشمس.

стр. 3712

ومن الوجوه- أيضا- النقل عن أهل اللغة، فقد قالوا: إن الدلوك في كلام العرب: الزوال، ولذا قيل للشمس إذا زالت. دالكة «١» . وقوله: إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ أى: إلى شدة ظلمته. قال القرطبي: يقال: غسق الليل غسوقا. وأصل الكلمة من السيلان. يقال: غسقت العين إذ سالت تغسق. وغسق الجرح غسقانا، أى: سال منه ماء أصفر ... وغسق الليل: اجتماع الليل وظلمته. وقال: أبو عبيدة: الغسق: سواد الليل ... » «٢» . والمراد من الصلاة التي تقام من بعد دلوك الشمس إلى غسق الليل: صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء. وقوله- تعالى-: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ معطوف على مفعول أَقِمِ وهو الصلاة. والمراد بقرآن الفجر: صلاة الفجر. وسميت قرآنا، لأن القراءة ركن من أركانها، من تسمية الشيء باسم جزئه، كتسمية الصلاة ركوعا وسجودا وقنوتا. وقوله إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً تنويه بشأن صلاة الفجر، وإعلاء من شأنها. أى: داوم- أيها الرسول الكريم- على أداء صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وداوم على صلاة الفجر- أيضا- فإن صلاتها مشهودة من الملائكة ومن الصالحين من عباد الله- . قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: وقد ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ تواترا من أفعاله وأقواله بتفاصيل هذه الأوقات على ما عليه أهل الإسلام اليوم، مما تلقوه خلفا عن سلف، وقرنا بعد قرن. روى البخاري عن أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: «فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد، خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر» . يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً.... «٣» .

стр. 3713

وقال الإمام الفخر الرازي: وفي الآية احتمال، وهو أن يكون المراد من قوله- تعالى-: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً الترغيب في أن تؤدى هذه الصلاة بالجماعة. ويكون المعنى: إن صلاة الفجر مشهودة بالجماعة الكثيرة» «١» . وقوله- سبحانه- وَمِنَ اللَّيْلِ، فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ إرشاد إلى عبادة أخرى من العبادات التي تطهر القلب، وتسمو بالنفس إلى مراقى الفلاح، وتعينها على التغلب على الهموم والآلام. والجار والمجرور وَمِنَ اللَّيْلِ متعلق بقوله فَتَهَجَّدْ أى. تهجد بالقرآن بعض الليل. أو متعلق بمحذوف تقديره: وقم قومة من الليل فتهجد، ومِنَ للتبعيض. قال الجمل: والمعروف في كلام العرب أن الهجود عبارة عن النوم بالليل. يقال: هجد فلان، إذا نام بالليل. ثم لما رأينا في عرف الشرع أنه يقال لمن انتبه بالليل من نومه وقام إلى الصلاة أنه متهجد، وجب أن يقال: سمى ذلك متهجدا من حيث أنه ألقى الهجود. فالتهجد ترك الهجود وهو النوم ... » «٢» . والضمير في بِهِ يعود إلى القرآن الكريم، المذكور في قوله- تعالى- وَقُرْآنَ الْفَجْرِ، إلا أنه ذكر في الآية السابقة بمعنى الصلاة، وذكر هنا بمعناه المشهور، ففي الكلام ما يسمى في البلاغة بالاستخدام. والنافلة: الزيادة على الفريضة، والجمع نوافل. يقال: تنفل فلان على أصحابه، إذا أخذ زيادة عنهم. أى: واجعل- أيها الرسول الكريم- جانبا من الليل، تقوم فيه، لتصلي صلاة زائدة على الصلوات الخمس التي فرضها الله- تعالى- عليك وعلى أمتك. قال- تعالى-: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا. قالوا: وقيام الليل كان واجبا في حقه ﷺ بصفة خاصة، زيادة على الصلاة المفروضة.

стр. 3714

أخرج البيهقي في سننه عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «ثلاث هن على فرائض، وهن لكم سنة: الوتر، والسواك، وقيام الليل» . ومن العلماء من يرى أن قيام الليل كان مندوبا في حقه ﷺ كما هو الشأن في أمته، ومعنى نافِلَةً لَكَ أى: زيادة في رفع درجاتك، فإن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، أما غيرك فقد شرعنا له النافلة تكفيرا لخطاياه. وقوله- : عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً بيان لما يترتب على أدائه للصلوات بخشوع وخضوع، من سمو في المكانة، ورفعة في الدرجة. وكلمة عسى في كلام العرب تفيد التوقع، أما في كلام الله- تعالى- فتفيد الوجوب والقطع. قال الجمل: اتفق المفسرون على أن كلمة عَسى من الله- تعالى- تدخل فيما هو قطعى الوقوع، لأن لفظ عسى يفيد الإطماع، ومن أطمع إنسانا في شيء، ثم حرمه، كان عارا عليه والله- تعالى- أكرم من أن يطمع أحدا ثم لا يعطيه ما أطمعه فيه» . أى: داوم أيها الرسول الكريم على عبادة الله وطاعته لنبعثك يوم القيامة ونقيمك مقاما محمودا، ومكانا عاليا، يحمدك فيه الخلائق كلهم. والمراد بالمقام المحمود هنا، هو مقام الشفاعة العظمى يوم القيامة. ليريح الناس من الكرب الشديد، في موقف الحساب. وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث في هذا منها: ما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا- جمع جثوة كخطوة وخطا- أى جماعات- كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى محمد ﷺ ، فذلك يوم يبعثه الله مقاما محمودا» . وروى الإمام أحمد والترمذي عن أبى بن كعب عن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة، كنت إمام الأنبياء وخطيبهم. وصاحب شفاعتهم غير فخر» . وروى ابن جرير عن أبى هريرة أن الرسول ﷺ سئل عن قوله- تعالى-: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً فقال: «هو المقام الذي أشفع لأمتى فيه» «١» . وقال الآلوسى: والمراد بذلك المقام، مقام الشفاعة العظمى في فصل القضاء حيث لا أحد

стр. 3715

إلا وهو تحت لوائه ﷺ ، فقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الشمس لتدنو حتى يبلع العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك، استغاثوا بآدم، فيقول: لست بصاحب ذلك، ثم موسى فيقول كذلك. ثم محمد فيشفع فيقضى الله- تعالى- بين الخلق، فيمشى ﷺ حتى يأخذ بحلقة باب الجنة، فيومئذ يبعثه الله- تعالى- مقاما محمودا، يحمده أهل الجمع كلهم» «١» . ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ بأن يكثر من اللجوء إليه عن طريق الدعاء، بعد أن أمره بذلك عن طريق المداومة على الصلاة، فقال- تعالى-: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ، وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ، وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً. والمدخل والمخرج- يضم الميم فيهما- مصدران بمعنى الإدخال والإخراج، فهما كالمجرى والمرسى وإضافتهما إلى الصدق من إضافة الموصوف لصفته. قال الآلوسى: واختلف في تعيين المراد من ذلك، فأخرج الزبير بن بكار عن زيد بن أسلم، أن المراد: بالإدخال: دخول المدينة، وبالإخراج: الخروج من مكة، ويدل عليه ما أخرجه أحمد، والطبراني، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، وجماعة، عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ بمكة، ثم أمر بالهجرة، فأنزل الله- تعالى- عليه هذه الآية. وبدأ بالإدخال لأنه الأهم ... ثم قال: والأظهر أن المراد إدخاله- ﵊ إدخالا مرضيا في كل ما يدخل فيه ويلابسه من مكان أو أمر، وإخراجه- من كل ما يخرج منه خروجا مرضيا- كذلك-، فتكون الآية عامة في جميع الموارد والمصادر ... » «٢» . ويبدو لنا أن المعنى الذي أشار إليه الآلوسى- ﵀ بأنه الأظهر، هو الذي تسكن إليه النفس، ويدخل فيه غيره دخولا أوليا، ويكون المعنى: وقل- أيها الرسول الكريم- متضرعا إلى ربك: يا رب أدخلنى إدخالا مرضيا صادقا في كل ما أدخل فيه من أمر أو مكان، وأخرجنى كذلك إخراجا طيبا صادقا من كل أمر أو مكان. والمراد بالسلطان في قوله- تعالى-: وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً الحجة البينة الواضحة التي تقنع العقول، والقوة الغالبة التي ترهب المبطلين.
следующие страницы →