قال الإمام الرازي ما ملخصه: وفي نظم هذه الآيات مع ما قبلها وجوه، الأول: أنه- تعالى- لما قرر الإلهيات والمعاد والنبوات، أردفها بذكر الأمر بالطاعات. وأشرف الطاعات. بعد الإيمان الصلاة فلهذا أمر بها.
الثاني: أنه- تعالى- لما قال: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها.
أمره- تعالى- بالإقبال على عبادته لكي ينصره عليهم.. كما قال- تعالى-: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ. وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ... «١» .
وقوله- سبحانه- أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ أى: داوم- أيها الرسول الكريم- على إقامة الصلاة، من وقت زوالها وميلها عن وسط السماء لجهة الغرب. يقال:
دلكت الشمس تدلك- بضم اللام- إذا مالت وانتقلت من وسط السماء إلى ما يليه. ومادة دلك تدل على التحول والانتقال.
ولذلك سمى الدلاك بهذا الاسم. لأن يده لا تكاد تستقر على مكان معين من الجسم.
وتفسير دلوك الشمس هذا بمعنى ميلها وزوالها عن كبد السماء، مروى عن جمع من الصحابة والتابعين منهم عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأنس، وابن عباس، والحسن، ومجاهد.
وقيل المراد بدلوك الشمس هنا غروبها. وقد روى ذلك عن على، وابن مسعود، وابن زيد.
قال بعض العلماء: والقول الأول عليه الجمهور، وقالوا: الصلاة التي أمر بها ابتداء من هذا الوقت، هي صلاة الظهر، وقد أيدوا هذا القول بوجوه منها: ما روى عن جابر أنه قال: طعم عندي رسول الله ﷺ وأصحابه. ثم خرجوا حين زالت الشمس، فقال ﷺ هذا حين دلكت الشمس.
стр. 3712
ومن الوجوه- أيضا- النقل عن أهل اللغة، فقد قالوا: إن الدلوك في كلام العرب:
الزوال، ولذا قيل للشمس إذا زالت. دالكة «١» .
وقوله: إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ أى: إلى شدة ظلمته.
قال القرطبي: يقال: غسق الليل غسوقا. وأصل الكلمة من السيلان. يقال: غسقت العين إذ سالت تغسق. وغسق الجرح غسقانا، أى: سال منه ماء أصفر ... وغسق الليل:
اجتماع الليل وظلمته.
وقال: أبو عبيدة: الغسق: سواد الليل ... » «٢» .
والمراد من الصلاة التي تقام من بعد دلوك الشمس إلى غسق الليل: صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
وقوله- تعالى-: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ معطوف على مفعول أَقِمِ وهو الصلاة.
والمراد بقرآن الفجر: صلاة الفجر. وسميت قرآنا، لأن القراءة ركن من أركانها، من تسمية الشيء باسم جزئه، كتسمية الصلاة ركوعا وسجودا وقنوتا.
وقوله إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً تنويه بشأن صلاة الفجر، وإعلاء من شأنها.
أى: داوم- أيها الرسول الكريم- على أداء صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وداوم على صلاة الفجر- أيضا- فإن صلاتها مشهودة من الملائكة ومن الصالحين من عباد الله- .
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: وقد ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ تواترا من أفعاله وأقواله بتفاصيل هذه الأوقات على ما عليه أهل الإسلام اليوم، مما تلقوه خلفا عن سلف، وقرنا بعد قرن.
روى البخاري عن أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: «فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد، خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر» .
يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً.... «٣» .
стр. 3713
وقال الإمام الفخر الرازي: وفي الآية احتمال، وهو أن يكون المراد من قوله- تعالى-:
إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً الترغيب في أن تؤدى هذه الصلاة بالجماعة. ويكون المعنى: إن صلاة الفجر مشهودة بالجماعة الكثيرة» «١» .
وقوله- سبحانه- وَمِنَ اللَّيْلِ، فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ إرشاد إلى عبادة أخرى من العبادات التي تطهر القلب، وتسمو بالنفس إلى مراقى الفلاح، وتعينها على التغلب على الهموم والآلام.
والجار والمجرور وَمِنَ اللَّيْلِ متعلق بقوله فَتَهَجَّدْ أى. تهجد بالقرآن بعض الليل. أو متعلق بمحذوف تقديره: وقم قومة من الليل فتهجد، ومِنَ للتبعيض.
قال الجمل: والمعروف في كلام العرب أن الهجود عبارة عن النوم بالليل. يقال: هجد فلان، إذا نام بالليل.
ثم لما رأينا في عرف الشرع أنه يقال لمن انتبه بالليل من نومه وقام إلى الصلاة أنه متهجد، وجب أن يقال: سمى ذلك متهجدا من حيث أنه ألقى الهجود. فالتهجد ترك الهجود وهو النوم ... » «٢» .
والضمير في بِهِ يعود إلى القرآن الكريم، المذكور في قوله- تعالى- وَقُرْآنَ الْفَجْرِ، إلا أنه ذكر في الآية السابقة بمعنى الصلاة، وذكر هنا بمعناه المشهور، ففي الكلام ما يسمى في البلاغة بالاستخدام.
والنافلة: الزيادة على الفريضة، والجمع نوافل. يقال: تنفل فلان على أصحابه، إذا أخذ زيادة عنهم.
أى: واجعل- أيها الرسول الكريم- جانبا من الليل، تقوم فيه، لتصلي صلاة زائدة على الصلوات الخمس التي فرضها الله- تعالى- عليك وعلى أمتك.
قال- تعالى-: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا.
قالوا: وقيام الليل كان واجبا في حقه ﷺ بصفة خاصة، زيادة على الصلاة المفروضة.
стр. 3714
أخرج البيهقي في سننه عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «ثلاث هن على فرائض، وهن لكم سنة: الوتر، والسواك، وقيام الليل» .
ومن العلماء من يرى أن قيام الليل كان مندوبا في حقه ﷺ كما هو الشأن في أمته، ومعنى نافِلَةً لَكَ أى: زيادة في رفع درجاتك، فإن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، أما غيرك فقد شرعنا له النافلة تكفيرا لخطاياه.
وقوله- : عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً بيان لما يترتب على أدائه للصلوات بخشوع وخضوع، من سمو في المكانة، ورفعة في الدرجة.
وكلمة عسى في كلام العرب تفيد التوقع، أما في كلام الله- تعالى- فتفيد الوجوب والقطع.
قال الجمل: اتفق المفسرون على أن كلمة عَسى من الله- تعالى- تدخل فيما هو قطعى الوقوع، لأن لفظ عسى يفيد الإطماع، ومن أطمع إنسانا في شيء، ثم حرمه، كان عارا عليه والله- تعالى- أكرم من أن يطمع أحدا ثم لا يعطيه ما أطمعه فيه» .
أى: داوم أيها الرسول الكريم على عبادة الله وطاعته لنبعثك يوم القيامة ونقيمك مقاما محمودا، ومكانا عاليا، يحمدك فيه الخلائق كلهم.
والمراد بالمقام المحمود هنا، هو مقام الشفاعة العظمى يوم القيامة. ليريح الناس من الكرب الشديد، في موقف الحساب.
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث في هذا منها:
ما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا- جمع جثوة كخطوة وخطا- أى جماعات- كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى محمد ﷺ ، فذلك يوم يبعثه الله مقاما محمودا» .
وروى الإمام أحمد والترمذي عن أبى بن كعب عن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة، كنت إمام الأنبياء وخطيبهم. وصاحب شفاعتهم غير فخر» .
وروى ابن جرير عن أبى هريرة أن الرسول ﷺ سئل عن قوله- تعالى-:
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً فقال: «هو المقام الذي أشفع لأمتى فيه» «١» .
وقال الآلوسى: والمراد بذلك المقام، مقام الشفاعة العظمى في فصل القضاء حيث لا أحد
стр. 3715
إلا وهو تحت لوائه ﷺ ، فقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الشمس لتدنو حتى يبلع العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك، استغاثوا بآدم، فيقول: لست بصاحب ذلك، ثم موسى فيقول كذلك. ثم محمد فيشفع فيقضى الله- تعالى- بين الخلق، فيمشى ﷺ حتى يأخذ بحلقة باب الجنة، فيومئذ يبعثه الله- تعالى- مقاما محمودا، يحمده أهل الجمع كلهم» «١» .
ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ بأن يكثر من اللجوء إليه عن طريق الدعاء، بعد أن أمره بذلك عن طريق المداومة على الصلاة، فقال- تعالى-: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ، وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ، وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً.
والمدخل والمخرج- يضم الميم فيهما- مصدران بمعنى الإدخال والإخراج، فهما كالمجرى والمرسى وإضافتهما إلى الصدق من إضافة الموصوف لصفته.
قال الآلوسى: واختلف في تعيين المراد من ذلك، فأخرج الزبير بن بكار عن زيد بن أسلم، أن المراد: بالإدخال: دخول المدينة، وبالإخراج: الخروج من مكة، ويدل عليه ما أخرجه أحمد، والطبراني، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، وجماعة، عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ بمكة، ثم أمر بالهجرة، فأنزل الله- تعالى- عليه هذه الآية. وبدأ بالإدخال لأنه الأهم ...
ثم قال: والأظهر أن المراد إدخاله- ﵊ إدخالا مرضيا في كل ما يدخل فيه ويلابسه من مكان أو أمر، وإخراجه- من كل ما يخرج منه خروجا مرضيا- كذلك-، فتكون الآية عامة في جميع الموارد والمصادر ... » «٢» .
ويبدو لنا أن المعنى الذي أشار إليه الآلوسى- ﵀ بأنه الأظهر، هو الذي تسكن إليه النفس، ويدخل فيه غيره دخولا أوليا، ويكون المعنى:
وقل- أيها الرسول الكريم- متضرعا إلى ربك: يا رب أدخلنى إدخالا مرضيا صادقا في كل ما أدخل فيه من أمر أو مكان، وأخرجنى كذلك إخراجا طيبا صادقا من كل أمر أو مكان.
والمراد بالسلطان في قوله- تعالى-: وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً الحجة البينة الواضحة التي تقنع العقول، والقوة الغالبة التي ترهب المبطلين.
стр. 3716
أى: واجعل لي- يا إلهى- من عندك حجة تنصرني بها على من خالفني، وقوة تعينني بها على إقامة دينك، وإزالة الشرك والكفر.
وقد وضح صاحب الكشاف هذا المعنى فقال: قوله: وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً أى: حجة تنصرني على من خالفني، أو ملكا وعزا قويا ناصرا للإسلام على الكفر، مظهرا له عليه، فأجيبت دعوته بقوله:
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ. ووعده لينزعن ملك فارس والروم فيجعله له.
وعنه ﷺ أنه استعمل «عتاب بن أسيد» على أهل مكة وقال: انطلق فقد استعملتك على أهل الله، فكان شديدا على المريب. لينا على المؤمن، وقال: لا والله لا أعلم متخلفا يتخلف عن الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه، فإنه لا يتخلف عن الصلاة إلا منافق. فقال أهل مكة: يا رسول الله لقد استعملت على أهل الله «عتاب بن أسيد» أعرابيا جافيا.
فقال ﷺ : «إنى رأيت فيما يرى النائم كأن عتاب بن أسيد أتى باب الجنة، فأخذ بحلقة الباب فقلقلها قلقالا شديدا، حتى فتح له فدخلها، فأعز الله به الإسلام لنصرته المسلمين على من يريد ظلمهم، فذلك السلطان النصير» «١» .
وقال ابن كثير- بعد أن ساق بعض الأقوال في معنى الآية الكريمة- قوله: وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً قال الحسن البصري في تفسيرها: وعده ربه لينزعن ملك فارس والروم وليجعلنه له.
وقال قتادة فيها: إن نبي الله علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان. فسأل سلطانا نصيرا لكتاب الله. ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله، فإن السلطان رحمة من الله جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض فأكل شديدهم ضعيفهم ...
ثم قال ابن كثير: واختار ابن جرير قول الحسن وقتادة، وهو الأرجح، لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه، ولهذا يقول- تعالى-: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ، وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ....
стр. 3717
وفي الحديث «١» : «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» أى: ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام، ما لا يمتنع كثير من الناس عن ارتكابه بالقرآن وما فيه من الوعيد الأكيد، والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع» «٢» .
وفي قوله- تعالى-: وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ تصوير بديع لشدة القرب والاتصال بالله- تعالى- واستمداد العون منه- سبحانه- مباشرة، واللجوء إلى حماه بدون وساطة من أحد.
ثم بشره- سبحانه- بأن النصر له آت لا ريب فيه فقال- تعالى- وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً.
والحق في لغة العرب: الشيء الثابت الذي ليس بزائل ولا مضمحل. والباطل على النقيض منه.
والمراد بالحق هنا: حقائق الإسلام وتعاليمه التي جاء بها النبي ﷺ من عند ربه- .
والمراد بالباطل: الشرك والمعاصي التي ما أنزل الله بها من سلطان، والمراد بزهوقه: ذهابه وزواله. يقال: فلان زهقت روحه، إذا خرجت من جسده وفارق الحياة.
أى: وقل- أيها الرسول الكريم- على سبيل الشكر لربك، والاعتراف له بالنعمة، والاستبشار بنصره، قل: جاء الحق الذي أرسلنى به الله- تعالى- وظهر على كل ما يخالفه من شرك وكفر، وزهق الباطل، واضمحل وجوده وزالت دولته، إن الباطل كان زهوقا، أى: كان غير مستقر وغير ثابت في كل وقت. كما قال- تعالى-: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ «٣» .
وكما قال- سبحانه-: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ ... «٤» .
وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآية أحاديث منها: ما أخرجه الشيخان عن ابن مسعود- رضى الله عنه- قال: دخل النبي ﷺ مكة- عند فتحها- وحول البيت ستون وثلاثمائة صنم. فجعل يطعنها بعود في يده ويقول جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ.
стр. 3718
وأخرج ابن أبى شيبة وأبو يعلى وابن المنذر عن جابر قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ مكة، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فأمر بها رسول الله ﷺ فأكبت على وجهها.
وقال جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً «١» .
وقال القرطبي: في هذه الآية دليل على كسر نصب المشركين، وجميع الأوثان إذا غلب عليهم، ويدخل بالمعنى كسر آلة الباطل كله، وما لا يصلح إلا لمعصية الله كالطنابير والعيدان والمزامير التي لا معنى لها إلا اللهو بها عن ذكر الله تعالى.. «٢» .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أمرت المسلمين في شخص نبيهم ﷺ بالمداومة على كل ما يقربهم من الله- تعالى-، ولا سيما الصلاة التي هي صلة بين العبد وربه، وبشرت النبي ﷺ بمنحه المقام المحمود من ربه- ، وبأن ما معه من حق وصدق، سيزهق ما مع أعدائه من باطل وكذب، فإن سنة الله- تعالى- قد اقتضت أن تكون العاقبة للمتقين.
ثم مدح- سبحانه- القرآن الكريم الذي أنزله على قلب نبيه محمد ﷺ وبين أحوال الإنسان في حالتي اليسر والعسر، والرخاء والشدة، وأن كل إنسان يعمل في هذه الدنيا على حسب طبيعته ونيته وميوله، فقال- تعالى-:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٨٢ الى ٨٤]
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً (٨٢) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً (٨٤)
стр. 3719
قال الفخر الرازي- ﵀: اعلم أنه- تعالى- لما أطنب في شرح الإلهيات والنبوات، والحشر والمعاد والبعث، وإثبات القضاء والقدر، ثم أتبعه بالأمر بالصلاة، ونبه على ما فيها من الأسرار، وإنما ذكر كل ذلك في القرآن، أتبعه ببيان كون القرآن شفاء ورحمة. فقال- تعالى-: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ...
ثم قال: ولفظة مِنَ هاهنا ليست للتبعيض، بل هي للجنس كقوله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ.
والمعنى: وننزل من هذا الجنس الذي هو قرآن ما هو شفاء، فجميع القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين «١» .
ومما لا شك فيه، أن قراءة القرآن، والعمل بأحكامه وآدابه وتوجيهاته.. شفاء للنفوس من الوسوسة، والقلق، والحيرة، والنفاق، والرذائل المختلفة، ورحمة للمؤمنين من العذاب الذي يحزنهم ويشقيهم.
إنه شفاء ورحمة لمن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان، فأشرقت بنور ربها، وتفتحت لتلقى ما في القرآن من هدايات وإرشادات.
إنه شفاء للنفوس من الأمراض القلبية كالحسد والطمع والانحراف عن طريق الحق، وشفاء لها من الأمراض الجسمانية.
قال القرطبي عند تفسيره لهذه الآية: اختلف العلماء في كونه- أى القرآن- شفاء على قولين:
أحدهما: أنه شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها وإزالة الريب، ولكشف غطاء القلب من مرض الجهل.
الثاني: أنه شفاء من الأمراض الظاهرة بالرقى والتعوذ ونحوه، وقد روى الأئمة- واللفظ للدارقطنى- عن أبى سعيد الخدري قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية ثلاثين راكبا. قال: فنزلنا على قوم من العرب فسألناهم أن يضيفونا فأبوا. قال: فلدغ سيد الحي، فأتونا فقالوا: أفيكم أحد يرقى من العقرب؟ قال: قلت: أنا نعم، ولكن لا أفعل حتى تعطونا فقالوا: فإنا نعطيكم ثلاثين شاة. قال: فقرأت عليه الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ سبع مرات فبرئ. فبعثوا إلينا بالنّزل وبعثوا إلينا بالشاء. فأكلنا الطعام أنا وأصحابى، وأبوا
стр. 3720
أن يأكلوا من الغنم، حتى أتينا رسول الله ﷺ فأخبرته الخبر، فقال «ما يدريك أنها رقية» ؟ قلت: يا رسول الله، شيء ألقى في روعي. قال: «كلوا وأطعمونا من الغنم» «١» .
والذي تطمئن إليه النفس أن قراءة القرآن الكريم، والعمل بما فيه من هدايات وإرشادات وتشريعات.. كل ذلك يؤدى- بإذن الله تعالى- إلى الشفاء من أمراض القلوب ومن أمراض الأجسام.
قال بعض العلماء: وقوله- تعالى- في هذه الآية ما هُوَ شِفاءٌ يشمل كونه شفاء للقلب من أمراضه، كالشك والنفاق وغير ذلك. وكونه شفاء للأجسام إذا رقى عليه به، كما تدل له قصة الذي رقى الرجل اللديغ بالفاتحة، وهي صحيحة مشهورة» «٢» .
وبعد أن بين- سبحانه- أثر القرآن بالنسبة للمؤمنين، أتبع ذلك ببيان أثره بالنسبة للظالمين، فقال: وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً.
أى: ولا يزيد ما ننزله من قرآن الظالمين إلا خسارا وهلاكا، بسبب عنادهم وجحودهم للحق بعد إذ تبين.
قال الآلوسى: وإسناد الزيادة المذكورة إلى القرآن. مع أنهم المزدادون في ذلك لسوء صنيعهم، باعتباره سببا لذلك، وفيه تعجيب من أمره من حيث كونه مدارا للشفاء والشقاء.
كماء صار في الأصداف درا ... وفي ثغر الأفاعى صار سما «٣»
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ «٤» .
وقوله- تعالى- قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ «٥» .
ثم صور- سبحانه- حال الإنسان عند اليسر والعسر، وعند الرخاء والشدة فقال
стр. 3721
- تعالى-: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ، وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً.
أى: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ بنعمة الصحة والغنى وما يشبههما مما يسره ويبهجه أَعْرَضَ عن طاعتنا وشكرنا وَنَأى بِجانِبِهِ أى: وابتعد عنا، وولانا ظهره والنأى: البعد، يقال: مكان ناء، أى بعيد، ونأى فلان عن الشيء نأيا: إذا ابتعد عنه.
وقوله- تعالى-: نَأى بِجانِبِهِ تأكيد للإعراض، لأن الإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه، والنأى بالجانب: أن يلوى عنه عطفه، ويوليه ظهره، ويظهر الاستكبار والغرور. وقوله- تعالى-: وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً أى: وإذا مس الشر هذا الإنسان من فقر أو مرض، كان يئوسا وقنوطا من ﵀ تعالى-.
فهو في حالة الصحة والغنى يبطر ويتكبر ويطغى. وفي حالة الفقر والمرض ييئس ويقنط ويستولى عليه الحزن والهم.
والمراد بالإنسان هنا جنسه، إذ ليس جميع الناس على هذه الحالة، وإنما منهم المؤمنون الصادقون الذين يشكرون الله- تعالى- على نعمه، ويذكرونه ويطيعونه في السراء والضراء.
قال- تعالى-: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ. وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ. إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ «١» .
فأنت ترى أن الله- تعالى- قد استثنى الذين صبروا وعملوا الصالحات، من رذيلة الجحود عند اليسر، واليأس عند العسر.
قال الآلوسى ما ملخصه: والمراد بالإنسان في قوله- تعالى- وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ ... جنسه، إذ يكفى في صحة الحكم وجوده في بعض الأفراد، ولا يضر وجود نقيض في البعض الآخر، وقيل: المراد به الوليد بن المغيرة» .
وفي إسناد المساس إلى الشر بعد إسناد الإنعام إلى ضميره- تعالى- إيذان بأن الخير مراد بالذات، والشر ليس كذلك لأن ذلك هو الذي يقتضيه الكرم المطلق، والرحمة الواسعة، وإلى
стр. 3722
ذلك الإشارة بقوله ﷺ : «اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك» «١» .
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ «٢» .
وقوله- سبحانه-: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ «٣» .
ثم بين- سبحانه- أنه لا يخفى عليه شيء من أحوال الناس وأعمالهم فقال: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا.
والتنوين في قوله كُلٌّ عوض عن المضاف إليه. أى: كل فرد.
وقوله: شاكِلَتِهِ: أى: طريقته ومذهبه الذي يشاكل ويناسب حاله في الهداية أو الضلالة. مأخوذ من قولهم: طريق ذو شواكل، وهي الطرق التي تتشعب منه وتتشابه معه في الشكل، فسميت عادة المرء بها، لأنها تشاكل حاله.
قال القرطبي قوله قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ قال ابن عباس: على ناحيته. وقال مجاهد: على طبيعته.
وقال قتادة: على نيته وقال ابن زيد: على دينه. وقال الفراء: على طريقته ومذهبه الذي جبل عليه..
وقيل: هو مأخوذ من الشكل. يقال: لست على شكلي ولا شاكلتى. فالشكل: هو المثل والنظير، كقوله- تعالى-: وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ.
والشكل- بكسر الشين- الهيئة. يقال: جارية حسنة الشكل. أى الهيئة. وهذه الأقوال كلها متقاربة «٤» .
والمعنى: قل- أيها الرسول الكريم- للناس: كل واحد منكم- أيها الناس- يعمل على شاكلته وطريقته التي تشاكل حاله، وتناسب اتجاهه، وتتلاءم مع سلوكه وعقيدته، فربكم
стр. 3723
الذي خلقكم وتعهدكم بالرعاية، أعلم بمن هو أهدى سبيلا، وأقوم طريقا، وسيجازى- سبحانه- الذين أساءوا بما عملوا ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
فالآية الكريمة تبشر أصحاب النفوس الطاهرة والأعمال الصالحة، بالعاقبة الحميدة، وتهدد المنحرفين عن طريق الحق، المتبعين لخطوات الشيطان، بسوء المصير، لأن الله- تعالى- لا تخفى عليه خافية، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.
ثم ذكر- سبحانه- بعد ذلك جانبا من الأسئلة التي كانت توجه إلى الرسول ﷺ ، كما ذكر الإجابة عليها لكي يجابه النبي ﷺ بها السائلين، فقال- تعالى-:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٨٥ الى ٨٩]
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٥) وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً (٨٦) إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً (٨٧) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (٨٩)
ذكر المفسرون في سبب نزول قوله- تعالى-: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ روايات منها: ما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن مسعود قال: بينما أنا أمشى مع النبي ﷺ في حرث وهو متوكئ على عسيب- أى على عصا- إذ مر اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقالوا: يا محمد ما لروح؟ فأمسك النبي ﷺ فلم يرد عليهم شيئا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحى قال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ
стр. 3724
الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي....
قال الإمام ابن كثير بعد أن ذكر هذه الرواية وغيرها: وهذا السياق يقتضى فيما يظهر بادى الرأى، أن هذه الآية مدنية، وأنها نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة كلها مكية.
وقد يجاب عن هذا بأنه قد تكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية، كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك. أو أنه نزل عليه الوحى بأنه يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهي هذه الآية: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ....
ومما يدل على نزول هذه الآية بمكة ما أخرجه الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قالت قريش ليهود. أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل؟ فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت: ويسألونك عن الروح.. الآية» «١» .
وكلمة الروح تطلق في القرآن الكريم على أمور منها:
الوحى، كما في قوله- تعالى-: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ... «٢» .
ومنها: القوة والثبات كما في قوله- تعالى-: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ... «٣» .
ومنها: جبريل، كما في قوله- تعالى-: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ... «٤» .
ومنها: القرآن كما في قوله- سبحانه-: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ... «٥» .
ومنها: عيسى ابن مريم، كما في قوله- تعالى-: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ... «٦» .
стр. 3725
وجمهور العلماء على أن المراد بالروح في قوله- تعالى-: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ... ما يحيا به بدن الإنسان، وبه تكون حياته، وبمفارقته للجسد يموت الإنسان، وأن السؤال إنما هو عن حقيقة الروح، إذ معرفة حقيقة الشيء. تسبق معرفة أحواله.
وقيل المراد بالروح هنا: القرآن الكريم، وقيل: جبريل، وقيل: عيسى إلى غير ذلك من الأقوال التي أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرة أقوال.
ويبدو لنا أن ما ذهب إليه جمهور المفسرين، أولى بالاتباع، لأن قوله- تعالى- بعد ذلك: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي يؤيد هذا الاتجاه.
قال الآلوسى: الظاهر عند المنصف، أن السؤال كان عن حقيقة الروح الذي هو مدار البدن الإنسانى، ومبدأ حياته، لأن ذلك من أدق الأمور التي لا يسع أحدا إنكارها، ويشرئب الجميع إلى معرفتها، وتتوافر دواعي العقلاء إليها، وتكلّ الأذهان عنها، ولا تكاد تعلم إلا بوحي..» «١» .
ومِنْ في قوله: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي بيانية. والمراد بالأمر هنا. الشأن.
والمعنى: ويسألك بعض الناس- أيها الرسول- عن حقيقة الروح، قل لهم على سبيل الإرشاد والزجر: الروح شيء من جنس الأشياء التي استأثر الله- تعالى- وحده بعلم حقيقتها وجوهرها.
وقال- سبحانه-: قُلِ الرُّوحُ بالإظهار، لكمال العناية بشأن المسئول عنه.
وإضافة كلمة أَمْرِ إلى لفظ الرب- ، من باب الاختصاص العلمي، إذ الرب وحده هو العليم بشأنها، وليس من باب الاختصاص الوجودي، لأن الروح وغيرها من مخلوقات الله- تعالى-.
وفي هذه الإضافة ما فيها من تشريف المضاف، حيث أضيف هذا الأمر إلى الله- تعالى- وحده.
قال القرطبي: وقوله- تعالى- قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي دليل على خلق الروح، أى: هو أمر عظيم، وشأن كبير من أمر الله- تعالى-، مبهما له وتاركا تفصيله، ليعرف الإنسان على القطع عجزه عن علم حقيقة نفسه مع العلم بوجودها. وإذا كان الإنسان في
стр. 3726
معرفة نفسه هكذا، كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى. وحكمة ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له، دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز «١» .
وقوله: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا من جملة الجواب الذي أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ أن يرد به على السائلين عن حقيقة الروح.
أى: وما أوتيتم- أيها السائلون عن الروح- من العلم إلا علما قليلا، بالنسبة إلى علمه- تعالى- الذي وسع كل شيء، ولا يخفى عليه شيء.
وإن علمكم مهما كثر فإنه لا يمكنه أن يتعلق بحقيقة الروح وأحوالها، لأن ذلك شيء استأثر الله- تعالى- به وحده، واقتضت حكمته- أن يجعله فوق مستوى عقولكم.
قال صاحب الظلال عند تفسيره لهذه الآية: والمنهج الذي سار عليه القرآن- وهو المنهج الأقوم- أن يجيب الناس عما هم في حاجة إليه، وما يستطيع إدراكهم البشرى بلوغه ومعرفته، فلا يبدد الطاقة العقلية التي وهبها الله لهم فيما لا ينتج ولا يثمر، وفي غير مجالها الذي تملك وسائله، وبعضهم عند ما سأل النبي ﷺ عن الروح، أمره الله أن يجيبهم بأن الروح من أمره- سبحانه- ...
وليس في هذا حجر على العقل البشرى أن يعمل، ولكن فيه توجيها لهذا العقل أن يعمل في حدوده، وفي مجاله الذي يدركه.
والروح غيب من غيب الله لا يدركه سواه.. ولقد أبدع الإنسان في هذه الأرض ما أبدع، ولكنه وقف حسيرا أمام ذلك السر اللطيف- الروح- لا يدرى ما هو؟ ولا كيف جاء؟ ولا كيف يذهب؟ ولا أين كان ولا أين يكون، إلا ما يخبر به العليم الخبير في التنزيل» «٢» .
وقال بعض العلماء: وفي هذه الآية ما يزجر الخائضين في شأن الروح، المتكلفين لبيان ماهيته، وإيضاح حقيقته، أبلغ زجر، ويردعهم أعظم ردع، وقد أطالوا المقال في هذا البحث، بما لا يتسع له المقام، وغالبه، بل كله من الفضول الذي لا يأتى بنفع في دين أو دنيا..
فقد استأثر الله- تعالى- بعلم الروح، ولم يطلع عليه أنبياءه، ولم يأذن لهم بالسؤال عنه،
стр. 3727
ولا البحث عن حقيقته، فضلا عن أممهم المقتدين بهم ... » «١» .
ثم بين- سبحانه- مظهرا من مظاهر قدرته، بعد أن بين أن الروح من أمره، فقال- تعالى-: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا.
واللام في قوله وَلَئِنْ شِئْنا ... موطئة لقسم محذوف، جوابه لَنَذْهَبَنَّ.
أى: والله لئن شئنا لنذهبن بهذا القرآن الذي أوحيناه إليك- أيها الرسول الكريم-، بحيث نزيله عن صدرك، ومن صدور أتباعك، ونمحوه من الصحف حتى لا يبقى له أثر إذ أن قدرتنا لا يعجزها، ولا يحول دون تنفيذ ما نريده حائل..
ثم لا تجد لك بعد ذلك من يكون وكيلا عنا في رد القرآن إليك بعد ذهابه ومحوه، ومن يتعهد بإعادته بعد رفعه وإزالته.
قال الآلوسى: وعبر عن القرآن بالموصول في قوله بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، تفخيما لشأنه، ووصفا له بما في حيز الصلة ابتداء، إعلاما بحاله من أول الأمر، وبأنه ليس من قبيل كلام المخلوق ... » «٢» .
وقوله: إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ استثناء واستدراك على قوله: لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ...
أى: والله إن شئنا إذهاب القرآن من صدرك لأذهبناه، دون أن تجد أحدا يرده عليك، لكننا لم نشأ ذلك بل أبقيناه في صدرك رحمة من ربك.
قال الجمل: وفي هذا الاستثناء قولان: أحدهما: أنه استثناء متصل: لأن الرحمة تندرج في قوله وَكِيلًا.
أى: إلا رحمة منا فإنها إن نالتك فلعلها تسترده عليك والثاني: أنه منقطع، فيتقدر بلكن أو ببل، ومِنْ رَبِّكَ يجوز أن يتعلق بمحذوف صفة لرحمة- أى لكن رحمة ربك تركته غير مذهوب به «٣» .
وقوله إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً بيان لما امتن الله به على نبيه ﷺ .
أى: إن فضله كان عليك كبيرا، حيث أنزل القرآن عليك، وأبقاه في صدرك دون أن
стр. 3728
يزيله منه، وجعلك سيد ولد آدم، وخاتم رسله، وأعطاك المقام المحمود يوم القيامة.
قال صاحب الكشاف: وهذا امتنان عظيم من الله- تعالى- ببقاء القرآن محفوظا، بعد المنة العظيمة في تنزيله وتحفيظه. فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن هاتين المنتين والقيام بشكرهما. وهما منة الله عليه بحفظه العلم، ورسوخه في صدره، ومنته عليه في بقاء المحفوظ» «١» .
ثم أمر الله- تعالى- نبيه أن يتحدى المشركين بهذا القرآن فقال- تعالى-: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً.
أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المشركين الذين قالوا- كما حكى الله عنهم- لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا، قل لهم على سبيل التحدي والتعجيز: والله لئن اجتمعت الإنس والجن، واتفقوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، الذي أنزله الله- تعالى- من عنده على قلبي.. لا يستطيعون ذلك. ولو كان بعضهم لبعض مظاهرا ومعينا ومناصرا، في تحقيق ما يتمنونه من الإتيان بمثله.
وخص- سبحانه- «الإنس والجن» بالذكر، لأن المنكر كون القرآن من عند الله، من جنسهما لا من جنس غيرهما كالملائكة- مثلا-، فإنهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولأن التحدي إنما هو للإنس والجن الذين أرسل الرسول ﷺ إليهم، لهدايتهم إلى الصراط المستقيم.
وقال- سبحانه-: لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ فأظهر في مقام الإضمار، ولم يكتف بأن يقول:
لا يأتون به، لدفع توهم أن يتبادر إلى الذهن أن له مثلا معينا، وللإشعار بأن المقصود نفى المثل على أى صفة كانت هذه المثلية، سواء أكانت في بلاغته، أم في حسن نظمه، أم في إخباره عن المغيبات، أم في غير ذلك من وجوه إعجازه.
وقوله: وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً معطوف على مقدر، أى: لا يستطيعون الإتيان بمثله لو لم يكن بعضهم ظهيرا ونصيرا لبعض، ولو كان بعضهم ظهيرا ونصيرا لبعض لما استطاعوا أيضا.
والمقصود أنهم لا يستطيعون الإتيان بمثله على أية حال من الأحوال وبأية صورة من
стр. 3729
الصور، لأنه متى انتفى إتيانهم بمثله مع المظاهرة والمعاونة، انتفى من باب الأولى الإتيان بمثله مع عدمهما. وقوله: لِبَعْضٍ متعلق بقوله ظَهِيراً.
ولقد بين- سبحانه- في آيات أخرى أنهم لن يستطيعوا الإتيان بعشر سور من مثله، بل بسورة واحدة من مثله.
قال- تعالى-: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «١» .
وقال- سبحانه-: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «٢» .
ومع عجز المشركين عن الإتيان بسورة من مثل القرآن الكريم إلا أنهم استمروا في طغيانهم يعمهون، وأبوا التذكر والتدبر، ولقد صور- سبحانه- أحوالهم أكمل تصوير فقال:
وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ، فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً.
أى: ولقد صرفنا وكررنا ونوعنا للناس في هذا القرآن من كل مثل، أى: من كل معنى بديع، هو كالمثل في بلاغته، وإقناعه للنفوس، وشرحه للصدور، واشتماله على الفوائد الجملة ...
ومفعول: صَرَّفْنا محذوف، والتقدير: ولقد صرفنا الهدايات والعبر بوجوه متعددة..
وقوله- سبحانه-: فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً بيان لموقف الفاسقين عن أمر ربهم من هدايات القرآن الكريم وتوجيهاته، وأوامره ونواهيه.
أى: فأبى أكثر الناس الاستجابة لهديه، وامتنعوا عن الإيمان بأنه من عند الله- تعالى- وجحدوا آياته وإرشاداته، وعموا وصموا عن الحق الذي جاءهم به من نزّل عليه القرآن، وهو رسول لله ﷺ .
وقال- سبحانه-: فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ بالإظهار في مقام الإضمار، للتأكيد والتوضيح.
والمراد بأكثر الناس: أولئك الذين بلغهم القرآن الكريم، واستمعوا إلى آياته وتوجيهاته وتشريعاته وآدابه، ولكنهم استحبوا الكفر على الإيمان، وآثروا الضلالة على الهداية.
стр. 3730
وعبر- سبحانه- بالأكثر، إنصافا للقلة المؤمنة التي فتحت صدورها للقرآن، فآمنت به، وعملت بما فيه من أوامر ونواه..
قال الجمل: فإن قيل: كيف جاز قوله فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً حيث وقع الاستثناء المفرغ في الإثبات. مع أنه لا يصح، إذ لا يصح أن تقول: ضربت إلا زبدا.
فالجواب: أن لفظة فَأَبى تفيد النفي، فكأنه قيل: فلم يرضوا إلا كفورا «١» .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت ما يدل على وحدانية الله- تعالى- وقدرته، وعلمه، وفضله على نبيه ﷺ وعلى الناس، وعلى أن هذا القرآن من عند الله، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.
ثم حكى- سبحانه- بعض المطالب المتعنتة التي طلبها المشركون من النبي ﷺ فقال- تعالى-:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٩٠ الى ٩٣]
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً (٩٣)
ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات رواية طويلة ملخصها: أن نفرا من زعماء قريش اجتمعوا عند الكعبة، وطلبوا رسول الله ﷺ فجاءهم، فقالوا له يا محمد: إنا قد بعثنا
стр. 3731
إليك لنعذر فيك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك!! لقد شتمت الآباء، وعبت الدين. وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة ...
فإن كنت جئت بهذا الحديث تطلب مالا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تطلب شرفا فينا، سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا ...
فقال لهم رسول الله ﷺ ما بي شيء مما تقولون، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل على كتابا، وأمرنى أن أكون بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا منى فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لأمر الله- تعالى- حتى يحكم بيني وبينكم.
فقالوا له يا محمد: فإن كنت صادقا فيما تقول، فسل لنا ربك الذي بعثك، فليسير عنا هذا الجبل الذي قد ضيق علينا، وليبسط لنا بلادنا، ويفجر فيها الأنهار، ويبعث من مضى من آبائنا، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل..
وسله أن يبعث معك ملكا يصدقك، واسأله أن يجعل لك جنانا وقصورا أو كنوزا من ذهب وفضة. تعينك على معاشك.
فقال ﷺ ما بعثت بهذا. فقالوا: فأسقط السماء- كما زعمت- علينا كسفا ...
وقال أحدهم: لا أومن بك أبدا، حتى تتخذ لك سلما إلى السماء ترقى فيه، ونحن ننظر إليك..
فانصرف ﷺ عنهم حزينا، لما رأى من تباعدهم عن الهدى، فأنزل الله عليه هذه الآيات تسلية له ... » «١» .
والمعنى: وقال المشركون الذين لا يرجون لقاءنا لرسولنا ﷺ يا محمد: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ونتبعك فيما تدعونا إليه.
حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أى: حتى تخرج لنا من أرض مكة القليلة المياه، يَنْبُوعاً أى: عينا لا ينضب ماؤها ولا يغور.
يقال: نبع الماء من العين ينبع- بتثليث الباء فيهما- إذا خرج وظهر وكثر.
وقرأ بعض السبعة تَفْجُرَ بالتخفيف- من باب نصر- وقرأ البعض الآخر تَفْجُرَ بتشديد الجيم، من فجر بالتشديد، والتضعيف للتكثير.
стр. 3732
والتعريف في لفظ الْأَرْضِ للعهد، لأن المراد بها أرض مكة.
وعبر بكلمة يَنْبُوعاً للإشعار بأنهم لا يريدون من الماء ما يكفيهم فحسب، وإنما هم يريدون ماء كثيرا لا ينقص في وقت من الأوقات، إذ الياء زائدة للمبالغة.
وقوله- سبحانه-: أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً بيان لاقتراح آخر من مقترحاتهم السخيفة.
والمعنى: أو تكون لك بصفة خاصة يا محمد، جَنَّةٌ أى: حديقة ملتفة الأغصان، مشتملة على الكثير من أشجار النخيل والأعناب: تجرى الأنهار في وسطها جريا عظيما هائلا..
وخصوا النخيل والأعناب بالذكر- كما حكى القرآن عنهم-، لأن هذين الصنفين يعتبران من أهم الثمار عندهم، ولأنهما على رأس الزروع المنتشرة في أراضيهم، والتي لها الكثير من الفوائد.
وقوله: خِلالَها منصوب على الظرفية، لأنه بمعنى وسطها وبين ثناياها.
والتنوين في قوله تَفْجِيراً للتكثير، أى: تفجيرا كثيرا زاخرا، بحيث تكون تلك الجنة الخاصة بك، غنية بالمياه التي تنفعها وترويها.
وقوله- : أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً ... اقتراح ثالث من مقترحاتهم الفاسدة.
ولفظ كِسَفاً أى: قطعا جمع كسفة- بكسر الكاف وسكون السين، يقال: كسفت الثوب أى: قطعته وهو حال من السماء، والكاف في قوله: كَما صفة لموصوف محذوف.
والمعنى: أو تسقط أنت علينا السماء إسقاطا مماثلا لما هددتنا به، من أن في قدرة ربك- أن ينزل علينا عذابا متقطعا من السماء.
ولعلهم يعنون بذلك قوله- تعالى-: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ، أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ ... «١» .
وقيل: يعنون بذلك، أنك وعدتنا أن يوم القيامة تنشق فيه السماء، فعجل لنا ذلك في
стр. 3733
الدنيا، وأسقطها علينا، كما حكى عنهم القرآن ذلك في قوله- تعالى- وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ... «١» .
فهم يتعجلون العذاب، والرسول ﷺ ، يرجو لهم من الله- تعالى- الرحمة والهداية وتأخير العذاب عنهم، لعله- سبحانه- أن يخرج من أصلابهم من يخلص له العبادة والطاعة.
وقوله- تعالى- أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا تسجيل لمطلب رابع من مطالبهم القبيحة.
قال الآلوسى: قَبِيلًا أى: مقابلا، كالعشير والمعاشر، وأرادوا- كما جاء عن ابن عباس- عيانا.
وهذا كقولهم: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا، وفي رواية أخرى عنه وعن الضحاك تفسير القبيل بالكفيل، أى: كفيلا بما تدعيه. يعنون شاهدا يشهد لك بصحة ما قلته.
وهو على الوجهين حال من لفظ الجلالة.. وعن مجاهد: القبيل الجماعة كالقبيلة، فيكون حالا من الملائكة- أى: أو تأتى بالله وبالملائكة قبيلة قبيلة «٢» .
ثم حكى- سبحانه- بقية مطالبهم التي لا يقرها عقل سليم فقال: أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ.
أى: من ذهب، والزخرف يطلق في الأصل على الزينة، وأطلق هنا على الذهب لأن الذهب أثمن ما يتزين به في العادة.
أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ أى: تصعد إليها. يقال: رقى فلان في السلم يرقى رقيا ورقيا أى صعد، وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ وصعودك إليها مع مشاهدتنا لذلك حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا منها كِتاباً نَقْرَؤُهُ ونفهم ما فيه، أى: يكون هذا الكتاب بلغتنا التي نفهمها وبأسلوب مخاطباتنا، وفيه ما يدل دلالة قاطعة على أنك رسول من عند الله- تعالى-، وما يدعونا إلى الإيمان بك.
ثم ختم- سبحانه- هذه الآيات، بأن أمر نبيه محمدا ﷺ بأن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم، فقال: قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا.
стр. 3734
أى: قل- أيها الرسول الكريم- على سبيل التعجب من سوء تفكير هؤلاء الجاحدين:
يا سبحان الله هل أنا إلا بشر كسائر البشر، ورسول كسائر الرسل، وليس من شأن من كان كذلك أن يأتى بتلك المطالب المتعنتة التي طلبتموها، وإنما من شأنه أن يبلغ ما أمره الله بتبليغه من هدايات. تخرج الناس من ظلمات الكفر والجهل. إلى نور الإيمان والعلم.
فالاستفهام في قوله هَلْ كُنْتُ ... للنفي، أى: ما كنت إلا رسولا كسائر الرسل، وبشرا مثلهم.
وقوله سُبْحانَ رَبِّي يفيد التعجيب من فرط حماقتهم، ومن بالغ جهلهم، حيث طلبوا تلك المطالب، التي تضمنت ما يعتبر من أعظم المستحيلات، كطلبهم إتيان الله- والملائكة إليهم، ورؤيتهم لذاته- سبحانه-، على سبيل المعاينة والمقابلة.
وهذا التعنت والعناد الذي حكاه الله- تعالى- عن هؤلاء الجاحدين، قد جاء ما يشبهه في آيات أخرى. كما جاء ما يدل على أنهم حتى لو أعطاهم الله- تعالى- مطالبهم.
لما آمنوا، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى، وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا، ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ «١» .
وقوله- سبحانه-: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ «٢» .
وقوله- : وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ «٣» .
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك شبهة من شبهاتهم الفاسدة والمتعددة، وهي زعمهم أن الرسول لا يكون من البشر بل يكون ملكا. وقد أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ بأن يرد عليهم بما يبطل مدعاهم فقال:
стр. 3735
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٩٤ الى ٩٦]
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاَّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً (٩٤) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً (٩٥) قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٩٦)
قال الفخر الرازي: اعلم أنه- تعالى- لما حكى شبهة القوم في اقتراح المعجزات الزائدة، وأجاب عنها، حكى عنهم شبهة أخرى، وهي أن القوم استبعدوا أن يبعث الله إلى الخلق رسولا من البشر، بل اعتقدوا أن الله- تعالى- لو أرسل رسولا إلى الخلق، لوجب أن يكون ذلك الرسول من الملائكة، فأجاب الله- تعالى- عن هذه الشبهة فقال:
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا ... «١» .
والمراد بالناس هنا: المشركون منهم، الذين استبعدوا واعتقدوا أن الرسول لا يكون من البشر، ويدخل فيهم دخولا أوليا كفار مكة.
وجملة أَنْ يُؤْمِنُوا في محل نصب، لأنها مفعول ثان لمنع.
وقوله: إِلَّا أَنْ قالُوا هو الفاعل، و «إذ» ظرف للفعل منع، أو لقوله: أَنْ يُؤْمِنُوا.
والمعنى: وما صرف المشركين عن الإيمان بالدين الحق وقت أن جاءتهم به الرسل، إلا اعتقاد هؤلاء المشركين أن الله- تعالى- لا يبعث إليهم رجلا من البشر لكي يبلغهم وحيه، وإنما يبعث إليهم ملكا من الملائكة لكي يبلغهم ذلك.
وعبر عن اعتقادهم الباطل هذا بالقول فقال: إِلَّا أَنْ قالُوا.. للإشعار بأنه مجرد قول لاكته ألسنتهم، دون أن يكون معهم أى مستند يستندون إليه لإثبات قبوله عند العقلاء.
وجاء التعبير عن اعتقادهم الباطل هذا بصيغة الحصر، لبيان أنه مع بطلانه- هو من أهم
стр. 3736
الموانع والصوارف، التي منعتهم وصرفتهم عن الدخول في الدين الحق، الذي جاءتهم به الرسل- عليهم الصلاة والسلام-، وهذا لا يمنع أن هناك صوارف أخرى حالت بينهم وبين الإيمان كالحسد والعناد.
قال صاحب الكشاف: والمعنى. وما منعهم من الإيمان بالقرآن، وبنبوة النبي ﷺ إلا شبهة تلجلجت في صدورهم، وهي إنكارهم أن يرسل الله البشر. والهمزة في أَبَعَثَ اللَّهُ للإنكار، وما أنكروه فخلافه هو المنكر عند الله- تعالى- لأن قضية حكمته، أن لا يرسل ملك الوحى إلا إلى أمثاله، أو إلى الأنبياء» «١» .
والمتدبر في القرآن الكريم، يرى أن هذه الشبهة- وهي إنكار المشركين كون الرسول بشرا- قد حكاها في آيات كثيرة منها قوله- تعالى-: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ... «٢» .
وقوله- تعالى-: ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا، فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا، وَاسْتَغْنَى اللَّهُ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ «٣» .
ومما لا شك فيه أن هذه الشبهة تدل، على أن هؤلاء الكافرين، لم يدركوا قيمة بشريتهم وكرامتها عند الله- تعالى-، وذلك بسبب انطماس بصائرهم، وكثرة جهلهم، وعكوفهم على موروثاتهم الفاسدة.
ولذا أمر الله- تعالى- بأن يرد عليهم بما يزهق هذه الشبهة فقال- سبحانه- قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ، لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا.
والمعنى: قل- يا محمد- لهؤلاء الجاهلين: لو ثبت ووجد ملائكة في الأرض، يمشون على أقدامهم كما يمشى الإنس، ويعيشون فوقها مُطْمَئِنِّينَ أى: مستقرين فيها مقيمين بها.
لو ثبت ذلك، لاقتضت حكمتنا أن نرسل إليهم من السماء ملكا رسولا، يكون من جنسهم، ويتكلم بلسانهم، وبذلك يتمكنون من مخاطبته، ومن الأخذ عنه، ومن التفاهم معه لأن الجنس إلى الجنس أميل، والرسول يجب أن يكون من جنس المرسل إليهم، فلو كان المرسل إليهم ملائكة، لكان الرسول إليهم ملكا مثلهم، ولو كان المرسل إليهم من البشر، لكان الرسول إليهم بشرا مثلهم.
стр. 3737
فكيف تطلبون أيها الجاهلون- أن يكون الرسول إليكم ملكا، وتستبعدون أن يكون بشرا مع أنكم من البشر؟!! قال الآلوسى: قوله: لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا أى: يعلمهم ما لا تستقل عقولهم بعلمه، وليسهل عليهم الاجتماع به، والتلقي منه، وأما عامة البشر فلا يسهل عليهم ذلك، لبعد ما بين الملك وبينهم ... » «١» .
وهذا المعنى الذي وضحته الآية الكريمة- وهو أن الرسول يجب أن يكون من جنس المرسل إليهم- قد جاء ما يشبهه ويؤكده في آيات كثيرة منها قوله- تعالى-: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ، وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ. وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ «٢» .
وقوله- سبحانه-: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ، فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ «٣» .
وقوله- : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ... «٤» .
ثم أمر الله- تعالى- نبيه ﷺ للمرة الثانية، أن يحسم الجدال معهم، بتفويض أمره وأمرهم إلى الله- ، فهو خير الحاكمين فقال: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً.
أى: قل لهم في هذه المرة من جهتك، بعد أن قلت لهم في المرة السابقة من جهتنا: قل لهم- أيها الرسول الكريم- يكفيني ويرضيني ويسعدني، أن يكون الله- تعالى- هو الشهيد والحاكم بيني وبينكم يوم نلقاه جميعا فهو- سبحانه- يعلم أنى قد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، إنه- تعالى- كان وما زال خبيرا بصيرا. أى: محيطا إحاطة تامة بظواهرهم وبواطنهم، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
وفي هذه الآية الكريمة تسلية للرسول ﷺ عما أصابه منهم من أذى، وتهديد لهم بسوء المصير، حيث آذوا نبيهم الذي جاء لهدايتهم وسعادتهم.
وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد حكت بعض الشبهات الفاسدة التي تذرع بها الكافرون
стр. 3738
في البقاء على كفرهم، كما حكت ما اقتضته حكمته- سبحانه- في إرسال الرسل، وهددت المصرين على كفرهم بسوء العاقبة.
ثم ساق- سبحانه- شبهة أخرى من شبهات المشركين التي حكاها عنهم كثيرا، ورد عليها بما يبطلها، وبين أحوالهم السيئة يوم القيامة، بعد أن بين أن الهداية والإضلال من شأنه وحده فقال- تعالى-:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٩٧ الى ١٠٠]
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً (٩٧) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً (٩٩) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً (١٠٠)
وقوله- سبحانه-: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ كلام مستأنف منه- تعالى- لبيان نفاذ قدرته ومشيئته.
أى: ومن يهده الله- تعالى- إلى طريق الحق، فهو الفائز بالسعادة، المهدى إلى كل مطلوب حسن، وَمَنْ يُضْلِلْ أى: ومن يرد الله- تعالى- إضلاله فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أيها الرسول الكريم أَوْلِياءَ أى: نصراء ينصرونهم ويهدونهم إلى طريق الحق مِنْ دُونِهِ ، إذ أن الله- تعالى- وحده هو الخالق للهداية والضلالة، على حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته.
стр. 3739
وجاء قوله- تعالى- فَهُوَ الْمُهْتَدِ بصيغة الإفراد حملا على لفظ مَنْ في قوله وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ وجاء قوله: فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ بصيغة الجمع حملا على معناها في قوله:
وَمَنْ يُضْلِلْ.
قالوا: ووجه المناسبة في ذلك- والله أعلم- أنه لما كان الهدى شيئا واحدا غير متشعب السبل، ناسبه الإفراد، ولما كان الضلال له طرق متشعبة، كما في قوله- تعالى-:
وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ناسبه الجمع «١» .
ثم بين- سبحانه- الصورة الشنيعة التي يحشر عليها الضالون يوم القيامة فقال:
وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ، عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا ...
والحشر: الجمع. يقال: حشرت الجند حشرا. أى جمعتهم. وقوله: عَلى وُجُوهِهِمْ حال من الضمير المنصوب في نحشرهم. وقوله: عُمْياً، وَبُكْماً وَصُمًّا أحوال من الضمير المستكن في قوله عَلى وُجُوهِهِمْ. أى: نجمع هؤلاء الضالين يوم القيامة، حين يقومون من قبورهم، ونجعلهم- بقدرتنا- يمشون على وجوههم، أو يسحبون عليها، إهانة لهم وتعذيبا، ويكونون في هذه الحالة عميا لا يبصرون، وبكما لا ينطقون، وصما لا يسمعون.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله- تعالى-: نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ إما مشيا، بأن يزحفوا منكبين عليها. ويشهد له ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أنس قال:
قيل لرسول الله ﷺ : كيف يحشر الناس على وجوههم؟ فقال: «الذي أمشاهم على أرجلهم، قادر على أن يمشيهم على وجوههم» ..
وإما سحبا بأن تجرهم الملائكة منكبين عليها، كقوله- تعالى-: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ويشهد له ما أخرجه أحمد والنسائي والحاكم- وصححه- عن أبى ذر، أنه تلا هذه الآية. وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ فقال: حدثني الصادق المصدوق ﷺ أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج فوج طاعمين كاسين راكبين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم.
وجائز أن يكون الأمران في حالين: الأول: عند جمعهم وقبل دخولهم النار، والثاني عند دخولهم فيها ...
стр. 3740
ثم قال: وزعم بعضهم أن الكلام على المجاز، وذلك كما يقال للمنصرف عن أمر وهو خائب مهموم: انصرف على وجهه.. وإياك أن تلتفت إلى- هذا الزعم- أو إلى تأويل نطقت السنة النبوية بخلافه، ولا تعبأ بقوم يفعلون ذلك» «١» .
فإن قيل: كيف نوفق بين هذه الآية التي تثبت لهؤلاء الضالين يوم حشرهم العمى والبكم والصمم، وبين آيات أخرى تثبت لهم في هذا اليوم الرؤية والكلام والسمع، كما في قوله- تعالى-: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ ...
وكما في قوله- سبحانه-: دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً وكما في قوله- :
سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً؟
فالجواب: أن المراد في الآية هنا أنهم يحشرون عميا لا يرون ما يسرهم، وبكما لا ينطقون بحجة تنفعهم، وصما لا يسمعون ما يرضيهم..
أو أنهم يحشرون كذلك، ثم تعاد لهم حواسهم بعد ذلك عند الحساب وعند دخولهم النار.
أو أنهم عند ما يحشرون يوم القيامة، ويرون ما يرون من أهوال، تكون أحوالهم كأحوال العمى الصم البكم، لعظم حيرتهم، وشدة خوفهم، وفرط ذهولهم.
ثم بين- سبحانه- مآلهم بعد الحشر والحساب فقال: مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً.
ومعنى: خَبَتْ هدأت وسكن لهيبها. يقال: خبت النار تخبو إذا هدأ لهيبها.
أى: أن هؤلاء المجرمين مأواهم ومسكنهم ومقرهم جهنم، كلما سكن لهيب جهنم وهدأ، بأن أكلت جلودهم ولحومهم، زدناهم توقدا، بأن تبدل جلودهم ولحومهم بجلود ولحوم أخرى، فتعود النار كحالتها الأولى ملتهبة مستعرة.
وخبو النار وسكونها لا ينقص شيئا من عذابهم، وعلى ذلك فلا تعارض بين هذه الآية وبين قوله- خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ «٢» .
وفي هذه الآية ما فيها من عذاب للكافرين تقشعر من هوله الأبدان، وترتجف من تصويره النفوس والقلوب، نسأل الله- تعالى- بفضله ورحمته أن يجنبنا هذا المصير المؤلم.
стр. 3741
وقوله- : ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا: أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً بيان للأسباب التي أفضت بهم إلى تلك العاقبة السيئة.
أى: ذلك الذي نزل بهم من العذاب الشديد، المتمثل في حشرهم على وجوههم وفي اشتعال النار بهم، سببه أنهم كفروا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وقالوا بإنكار وجهالة:
أإذا كنا عظاما نخرة، ورفاتا أى وصارت أجسادنا تشبه التراب في تفتتها وتكسرها، أإنا بعد ذلك لمعادون إلى الحياة ومبعوثون على هيئة خلق جديد.
فالآية الكريمة تحكى تصميمهم على الكفر، وإنكارهم للبعث والحساب إنكارا لا مزيد عليه، لذا كانت عقوبتهم شنيعة، وعذابهم أليما. فقد سلط الله- تعالى- عليهم النار تأكل أجزاءهم، وكلما سكن لهيبها، أعادها الله- تعالى- ملتهبة مشتعلة على جلود أخرى لهم، كما قال- تعالى- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً، كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ... «١»
ثم رد- سبحانه- على ما استنكروه من شأن البعث ردا يقنع كل ذي عقل سليم، فقال- تعالى- أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ....
والهمزة للاستفهام التوبيخي، وهي داخلة على محذوف، والمراد بمثلهم إياهم، فيكون المعنى: أعموا عن الحق، ولم يعلموا كما يعلم العقلاء، أن الله- تعالى- الذي خلق السموات والأرض بقدرته، وهما أعظم من خلق الناس، قادر على إعادتهم إلى الحياة مرة أخرى بعد موتهم، لكي يحاسبهم على أعمالهم في الدنيا.
إن عدم علمهم بذلك، وإنكارهم له، لمن أكبر الأدلة على جهلهم وانطماس بصيرتهم، لأن من قدر على خلق ما هو أعظم وأكبر- وهو السموات والأرض فهو على إعادة ما هو دونه- وهو الناس- أقدر.
قال الشيخ الجمل ما ملخصه: قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا.. هذا رد لإنكارهم البعث، ولما استبعدوه من شأنه، يعنى أن من خلق السموات والأرض، كيف يستبعد منه أن يقدر على إعادتهم بأعيانهم.. وأراد- سبحانه-.. بمثلهم: إياهم، فعبر عن خلقهم بلفظ المثل كقول المتكلمين: إن الإعادة مثل الابتداء، وذلك أن مثل الشيء مساو له في حاله، فجاز أن يعبر به عن الشيء نفسه يقال: مثلك لا يفعل كذا، أى: أنت لا تفعله.
ويجوز أن يكون المعنى أنه- سبحانه- قادر على أن يخلق عبيدا غيرهم يوحدونه ويقرون
стр. 3742
بكمال حكمته، ويتركون هذه الشبهات الفاسدة، كما في قوله- تعالى- وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ، ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ والأول أشبه بما قبله «١» .
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى، بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «٢» .
وقوله- سبحانه-: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ، بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ... «٣» .
وبعد أن أقام- سبحانه- الدليل الواضح على أن البعث حق، وعلى أن إعادة الناس إلى الحياة بعد موتهم أمر ممكن، أتبع ذلك ببيان أن لهذه الإعادة وقتا معلوما يجريه حسب حكمته- تعالى- فقال: وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ.
أى: وجعل لهم ميقاتا محددا لا شك في حصوله، وعند حلول هذا الميقات يخرجون من قبورهم للحساب والجزاء، كما قال- تعالى-: وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ «٤» .
والجملة الكريمة وهي قوله: وَجَعَلَ لَهُمْ ... معطوفة على قوله أَوَلَمْ يَرَوْا..
لأنه في قوة قولك قد رأوا وعلموا.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت علام عطف قوله: وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا؟
قلت: على قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا لأن المعنى: قد علموا بدليل العقل، أن من قدر على خلق السموات والأرض، فهو قادر على خلق أمثالهم من الإنس لأنهم ليسوا بأشد خلقا منهن، كما قال: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ «٥» .
وقوله- سبحانه-: فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً بيان لإصرارهم على جحود الحق مع علمهم بأنه حق.
أى: فأبى هؤلاء الظالمون المنكرون للبعث، إلا جحودا له وعنادا لمن دعاهم إلى الإيمان به، شأن الجاهلين المغرورين الذين استحبوا العمى على الهدى.
стр. 3743
ثم ختم- سبحانه- الآيات الكريمة بأمر النبي ﷺ بأن يجابه هؤلاء الظالمين بما جبلوا عليه من بخل وشح، بعد أن طلبوا منه ما طلبوا من مقترحات متعنتة، فقال- تعالى-: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ، وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً.
والمراد بخزائن رحمة ربي: أرزاقه التي وزعها على عباده، ونعمه التي أنعم بها عليهم.
وقَتُوراً من التقتير بمعنى البخل. يقال: قتر فلان يقتر- بضم التاء وكسرها- إذا بالغ في الإمساك والشح.
أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الظالمين الذين أعرضوا عن دعوتك، وطالبوك بما ليس في وسعك من تفجير الأرض بالأنهار، ومن غير ذلك من مقترحاتهم الفاسدة، قل لهم على سبيل التقريع والتبكيت: لو أنكم تملكون- أيها الناس- التصرف في خزائن الأرزاق التي وزعها الله على خلقه، إذا لبخلتم وأمسكتم في توزيعها عليهم، مخافة أن يصيبكم الفقر لو أنكم توسعتم في العطاء، مع أن خزائن الله لا تنفد أبدا، ولكن لأن البخل من طبيعتكم فعلتم ذلك.
قال بعضهم: وقوله: لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ فيه وجهان: أحدهما: أن المسألة من باب الاشتغال. فأنتم مرفوع بفعل مقدر يفسره هذا الظاهر، لأن لولا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا. فهي كإن في قوله- تعالى-: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ..
والأصل: لو تملكون، فحذف الفعل لدلالة ما بعده عليه- والثاني: أنه مرفوع بكان، وقد كثر حذفها بعد لو، والتقدير: لو كنتم تملكون ... «١» .
والمقصود بالإمساك هنا: إمساكهم عن العطاء في الدنيا، وهذا لا ينافي قوله- تعالى-:
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ... لأن ذلك حكاية عن أحوالهم في الآخرة عند ما يرون العذاب، ويتمنون أن يفتدوا أنفسهم منه بأى شيء.
وقوله إِذاً ظرف لتملكون. وقوله لَأَمْسَكْتُمْ جواب لو، وقوله خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ علة للإمساك والبخل.
وقوله: وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً أى: مبالغا في البخل والإمساك.
قال الإمام ابن كثير: والله- تعالى- يصف الإنسان من حيث هو، إلا من وفقه الله
стр. 3744
وهداه، فإن البخل والجزع والهلع صفة له، كما قال- تعالى-: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً. إِلَّا الْمُصَلِّينَ.
ولهذا نظائر كثيرة في القرآن الكريم، وهذا يدل على كرمه- تعالى- وإحسانه. وقد جاء في الصحيحين: يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه «١» .
وقال الآلوسى: وقد بلغت هذه الآية من الوصف بالشح الغاية القصوى التي لا يبلغها الوهم، حيث أفادت أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله- تعالى- التي لا تتناهى، وانفردوا بملكها من غير مزاحم، لأمسكوا عن النفقة من غير مقتض إلا خشية الفقر، وإن شئت فوازن بقول الشاعر:
ولو ان دارك أنبتت لك أرضها ... إبرا يضيق بها فناء المنزل
وأتاك يوسف يستعيرك إبرة ... ليخيط قد قميصه لم تفعل
مع أن فيه من المبالغات ما يزيد على العشرة، ترى التفاوت الذي لا يحصر ... » «٢» .
ثم بين- سبحانه- ما يدل على أن العبرة في الإيمان، ليست بعظم الخوارق ووضوحها، وإنما العبرة بتفتح القلوب للحق، واستعدادها لقبوله، وساق- سبحانه- مثلا لذلك من قصة موسى- ﵇ فقد أعطاه من المعجزات البينة ما يشهد بصدقه، ولكن فرعون وجنده لم تزدهم تلك المعجزات إلا كفرا وعنادا، فقال- تعالى-:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٠١ الى ١٠٤]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً (١٠١) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (١٠٢) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (١٠٣) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (١٠٤)
стр. 3745
والمراد بالآيات التسع في قوله- تعالى-: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ... :
العصا، واليد، والسنون، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع والدم. قال ذلك ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.
وقد جاء الحديث عن هذه الآيات في مواضع أخرى من القرآن الكريم، منها قوله- تعالى-: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ. وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ «١» .
وقوله- تعالى-: وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ ... «٢» .
وقوله- سبحانه-: فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ «٣» .
وقوله- : فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ، آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ «٤» .
والمعنى: لا تظن- أيها الرسول الكريم- أن إيمان هؤلاء المشركين من قومك، متوقف على إجابة ما طلبوه منك. وما اقترحوه عليك من أن تفجر لهم من الأرض ينبوعا، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب.. إلخ. لا تظن ذلك:
فإن الخوارق مهما عظمت لا تنشئ الإيمان في القلوب الجاحدة الحاقدة، بدليل أننا قد أعطينا أخاك موسى تسع معجزات، واضحات الدلالة على صدقه في نبوته، ولكن هذه المعجزات لم تزد المعاندين من قومه إلا كفرا على كفرهم ورجسا على رجسهم. فاصبر- أيها الرسول- على تعنت قومك وأذاهم، كما صبر أولو العزم من الرسل قبلك.
وتحديد الآيات بالتسع، لا ينفى أن هناك معجزات أخرى أعطاها الله- تعالى-
стр. 3746
لموسى- ﵇ إذ من المعروف عند علماء الأصول، أن تحديد العدد بالذكر، لا يدل على نفى الزائد عنه.
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: وهذا القول- المروي عن ابن عباس وغيره- ظاهر جلى حسن قوى.. فهذه الآيات التسع، التي ذكرها هؤلاء الأئمة، هي المرادة هنا ...
وقد أوتى موسى- ﵇ آيات أخرى كثيرة منها: ضربه الحجر بالعصا، وخروج الماء منه.. وغير ذلك مما أوتوه بنو إسرائيل بعد خروجهم من مصر، ولكن ذكر هنا هذه الآيات التسع التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر وكانت حجة عليهم فخالفوها وعاندوها كفرا وجحودا.
ثم قال: وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن سلمة يحدث عن صفوان بن عسال المرادي قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي حتى نسأله عن هذه الآية: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ...
فسألاه: فقال النبي ﷺ : «لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسخروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفروا من الزحف» .. فقبّلا يديه ورجليه ...
ثم قال: «أما هذا الحديث فهو حديث مشكل. وعبد الله بن سلمة في حفظه شيء، وتكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات، بالعشر الكلمات، فإنها وصايا في التوراة، لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون ... » «١» .
والحق أن ما رجحه الإمام ابن كثير من أن المراد بالآيات التسع هنا: ما آتاه الله- تعالى- لنبيه موسى- ﵇ من العصا، واليد ... هو الذي تسكن إليه النفس، لأن قوله- تعالى- بعد ذلك قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ ... يؤيد أن المراد بها ما تقدم من العصا، واليد، والسنين.. ولأنها هي التي فيها الحجج، والبراهين والمعجزات الدالة على صدق موسى- ﵇. أما تلك الوصايا التي وردت في الحديث فلا علاقة لها بقيام الحجة على فرعون- كما قال الإمام ابن كثير.
هذا، والخطاب في قوله- تعالى-: فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ يرى بعضهم أنه
стр. 3747
للنبي ﷺ والمسئولون هم المؤمنون من بنى إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه.
وعلى هذا التفسير يكون قوله إِذْ جاءَهُمْ ظرف لقوله آتَيْنا وجملة فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ معترضة بين العامل والمعمول.
والمعنى: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات، وقت أن أرسله الله- تعالى- إلى فرعون وقومه، فاسأل- أيها الرسول الكريم- المؤمنين من بنى إسرائيل عن ذلك، فستجد منهم الجواب عما جرى بين موسى وأعدائه عن طريق ما طالعوه في التوراة.
والمقصود بسؤالهم: الاستشهاد بهم حتى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، لأن من شأن الأدلة إذا تضافرت وتعددت، أن تكون أقوى وأثبت في تأييد المدعى.
قال الآلوسى: والمعنى: فاسأل يا محمد مؤمنى أهل الكتاب عن ذلك، إما لأن تظاهر الأدلة أقوى- في التثبيت-، وإما من باب التهييج والإلهاب، وإما للدلالة على أنه أمر محقق عندهم ثابت في كتابهم. وليس المقصود حقيقة السؤال. بل كونهم- أعنى المسئولين- من أهل علمه، ولهذا يؤمر مثلك بسؤالهم» «١» .
ويرى آخرون أن الخطاب لموسى- ﵇، وعليه يكون السؤال إما بمعناه المشهور أو بمعنى الطلب، ويكون قوله إِذْ جاءَهُمْ ظرفا لفعل مقدر.
والمعنى: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات، فقلنا له حين مجيئه إلى بنى إسرائيل: اسألهم عن أحوالهم مع فرعون، أو اطلب منهم أن يؤمنوا بك ويصدقوك، ويخرجوا معك حين تطلب من فرعون ذلك.
والفاء في قوله: فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً هي الفصيحة. إذ المعنى: فامتثل موسى أمرنا، وسأل بنى إسرائيل عن أحوالهم، وطلب من فرعون أن يرسلهم معه، بعد أن أظهر له من المعجزات ما يدل على صدقه، فقال فرعون لموسى على سبيل التعالي والتهوين من شأنه- ﵇: يا موسى إنى لأظنك مسحورا.
أى: سحرت فخولط عقلك واختل، وصرت تتصرف تصرفا يتنافى مع العقل السليم، وتدعى دعاوى لا تدل على تفكير قويم.
فقوله مَسْحُوراً اسم مفعول. يقال: سحر فلان فلانا يسحره سحرا فهو مسحور، إذا اختلط عقله.
стр. 3748
ويجوز أن يكون قوله مَسْحُوراً بمعنى ساحر، فيكون المعنى: إنى لأطنك يا موسى ساحرا، عليما بفنون السحر فقد أتيت بأشياء عجيبة يشير بذلك إلى انقلاب العصا حية بعد أن ألقاها- ﵇.
وهذا شأن الطغاة في كل زمان ومكان، عند ما يرون الحق قد أخذ يحاصرهم، ويكشف عن ضلالهم وكذبهم ... يرمون أهله- زورا وبهتانا- بكل نقيصة.
وعند ما يحكى القرآن الكريم ما رد به موسى على فرعون فيقول: قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ.
أى: قال موسى لفرعون ردا على كذبه وافترائه: لقد علمت يا فرعون أنه ما أوجد هذه الآيات التسع إلا الله- تعالى- خالق السموات والأرض، وقد أوجدها- سبحانه- بصورة واضحة جلية، حتى لكأتها البصائر في كشفها للحقائق وتجليتها.
فقوله بَصائِرَ حال من هؤُلاءِ أى: أنزل هذه الآيات حال كونها بينات واضحات تدلك على صدقى.
وفي هذا الرد توبيخ لفرعون على تجاهله الحقائق، حيث كان يعلم علم اليقين أن موسى- ﵇ ليس مسحورا ولا ساحرا، وأن الآيات التي جاء بها إنما هي من عند الله- تعالى-، كما قال- سبحانه-: مخاطبا موسى: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ. فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً، قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ. وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ «١» .
وقوله: وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً توبيخ آخر لفرعون، وتهديد له لأنه وصف نبيا من أنبياء الله- تعالى- بأنه مسحور.
ومثبورا بمعنى مهلك مدمر. يقال: ثبر الله- تعالى- الظالم يثبره ثبورا، إذا أهلكه.
أو بمعنى مصروفا عن الخير. مطبوعا على الشر من قولهم: ما ثبرك يا فلان عن هذا الأمر؟ أى: ما الذي صرفك ومنعك عنه.
والظن هنا بمعنى اليقين، والمعنى: وإنى لأعتقد يا فرعون أن مصيرك إلى الهلاك والتدمير،
стр. 3749
بسبب إصرارك على الكفر والطغيان، من بعد إتيانى بالمعجزات الدالة على صدقى فيما أبلغه عن ربي الذي خلقني وخلقك وخلق كل شيء.
ثم حكى القرآن بعد ذلك ما هم به فرعون، بعد أن أخرسه موسى- ﵇ بقوة حجته، وثبات جنانه فقال: فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ..
والاستفزاز: الإزعاج والاستخفاف، والمراد- به هنا: الطرد والقتل.
والضمير المنصوب في يَسْتَفِزَّهُمْ يعود إلى موسى وقومه بنى إسرائيل.
أى: فأراد فرعون بعد أن وبخه موسى وهدده، أن يطرده وقومه من أرض مصر التي يسكنون معه فيها. وأن يقطع دابرهم، كما أشار إلى ذلك- سبحانه- في قوله: وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ
«١» .
ثم حكى- سبحانه- ما ترتب على ما أراده فرعون من استفزاز لموسى وقومه فقال:
فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً. وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ....
أى: أراد فرعون أن يطرد موسى وقومه من أرض مصر، وأن يهلكهم.. فكانت النتيجة أن عكسنا عليه مكره وبغيه، حيث أهلكناه هو وجنده بالغرق، دون أن نستثنى منهم أحدا.
وقلنا من بعد هلاكه لبنى إسرائيل على لسان نبينا موسى- ﵇: اسكنوا الأرض التي أراد أن يستفزكم منها فرعون وهي أرض مصر.
قال الآلوسى: وهذا ظاهر إن ثبت أنهم دخلوها بعد أن خرجوا منها، وبعد أن أغرق الله فرعون وجنده. وإن لم يثبت فالمراد من بنى إسرائيل ذرية أولئك الذين أراد فرعون استفزازهم، واختار غير واحد أن المراد من الأرض. الأرض المقدسة، وهي أرض الشام «٢» .
وعلى أية حال فالآية الكريمة تحكى سنة من سنن الله- تعالى- في إهلاك الظالمين، وفي توريث المستضعفين الصابرين أرضهم وديارهم.
ورحم الله الإمام ابن كثير، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية. وفي هذا بشارة لمحمد ﷺ بفتح مكة. مع أن هذه السورة نزلت قبل الهجرة، وكذلك وقع، فإن أهل مكة هموا
стр. 3750
بإخراج الرسول ﷺ منها، كما قال- تعالى-: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها ... ولهذا أورث الله- تعالى- رسوله مكة، فدخلها، وقهر أهلها، ثم أطلقهم حلما وكرما، كما أورث الله القوم الذين كانوا مستضعفين من بنى إسرائيل، مشارق الأرض ومغاربها. وأورثهم بلاد فرعون ... » «١» .
ثم ختم- سبحانه- الآيات الكريمة بقوله: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً.
أى: فإذا جاء وعد الدار الآخرة، أى: الموعد الذي حدده الله- تعالى- لقيام الساعة، أحييناكم من قبوركم، وجئنا بكم جميعا أنتم وفرعون وقومه مختلطين أنتم وهم، ثم نحكم بينكم وبينهم بحكمنا العادل.
واللفيف: اسم جمع لا واحد له من لفظه، ومعناه الجماعة التي اجتمعت من قبائل شتى.
يقال: هذا طعام لفيف، إذا كان مخلوطا من جنسين فصاعدا.
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا مما دار بين موسى- ﵇ وبين فرعون من محاورات ومجادلات، وبينت لنا سنة من سنن الله- تعالى- التي لا تتخلف في نصرة المؤمنين، ودحر الكافرين.
ثم عادت السورة الكريمة إلى التنويه بشأن القرآن الكريم، وأثنت على المؤمنين من أهل الكتاب الذين تأثروا تأثرا بليغا عند سماعه، فقال- تعالى-:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٠٥ الى ١٠٩]
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (١٠٥) وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (١٠٩)