← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

ومقدمهم. ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى «١» . وقوله- تعالى-: قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ إخبار منه- سبحانه- بما فعله قومه بعد مفارقته لهم. وكلمة فَتَنَّا من الفتن ومعناه لغة: وضع الذهب في النار ليتبين أهو خالص أم زائف. والفتنة تطلق في القرآن بإطلاقات متعددة منها: الدخول في النار كما في قوله- تعالى-: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ. ومنها الحجة كما في قوله- تعالى-: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ. ومنها: الاختبار والامتحان، كما في قوله- سبحانه-: أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ . ومنها الإضلال والإشراك، كما في قوله- تعالى-: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وقوله- سبحانه-: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً ... ويبدو أن المراد بالفتنة هذا المعنى الأخير وهو الإضلال والشرك، لأن فتنتهم كانت بسبب عبادتهم للعجل في غيبة موسى- ﵇. ويدل على هذا قوله- تعالى-: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ ... والسامري: اسم للشخص الذي كان سببا في ضلال بنى إسرائيل، قيل: كان من زعماء بنى إسرائيل وينسب إلى قبيلة تعرف بالسامرة. وقيل: إنه كان من قوم يعبدون البقر، وقيل غير ذلك من أقوال مظنونة غير محققة. أى: قال الله- تعالى- لموسى: فإنا قد أضللنا قومك من بعد مفارقتك لهم، وكان السبب في ضلالهم السامري، حيث دعاهم إلى عبادة العجل فانقادوا له وأطاعوه. وقوله- تعالى-: فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً بيان لما كان منه- ﵇ بعد أن علم بضلال قومه. وكان رجوع موسى إليهم بعد أن ناجى ربه، وتلقى منه التوراة. قال الآلوسى ما ملخصه: فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ عند رجوعه المعهود أى: بعد ما استوفى الأربعين «ذا القعدة وعشر ذي الحجة» وأخذ التوراة لا عقيب الإخبار المذكور، فسببية ما قبل الفاء لما بعدها إنما هي باعتبار قيد الرجوع المستفاد من قوله غَضْبانَ أَسِفاً لا باعتبار نفسه، وإن كانت داخلة عليه حقيقة، فإن كون الرجوع بعد تمام الأربعين أمر مقرر مشهور لا يذهب الوهم إلى كونه عند الإخبار المذكور ... » «٢» .

стр. 4027

والمعنى فرجع موسى إلى قومه- بعد مناجاته لربه وبعد تلقيه التوراة حالة كونه غَضْبانَ أَسِفاً أى: غضبان شديد الغضب. فالمراد بالأسف شدة الغضب، وقيل المراد به الحزن والجزع. ثم بين- سبحانه- ما قاله موسى لقومه بعد رجوعه إليهم فقال: قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ... أى: قال لهم على سبيل الزجر والتوبيخ يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا لا سبيل لكم إلى إنكاره، ومن هذا الوعد الحسن: إنزال التوراة لهدايتكم وسعادتكم، وإهلاك عدوكم أمام أعينكم. فلماذا أعرضتهم عن عبادته وطاعته مع أنكم تعيشون في خيره ورزقه..؟. ثم زاد في تأنيبهم وفي الإنكار عليهم فقال: أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي. فالاستفهام في قوله أَفَطالَ.. للنفي والإنكار وأَمْ منقطعة بمعنى بل. والمعنى: أفطال عليكم الزمان الذي فارقتكم فيه؟ لا إنه لم يطل حتى تنسوا ما أمرتكم به، بل إنكم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم، فأخلفتم موعدي الذي وعدتمونى إياه وهو أن تثبتوا على إخلاص العبادة لله- تعالى-. ومعنى إرادتهم حلول الغضب عليهم، أنهم فعلوا ما يستوجب ذلك وهو طاعتهم للسامري في عبادتهم للعجل. قال ابن جرير: كان إخلافهم موعده: عكوفهم على عبادة العجل، وتركهم السير على أثر موسى للموعد الذي كان الله وعدهم، وقولهم لهارون إذ نهاهم عن عبادة العجل ودعاهم إلى السير معه في أثر موسى: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى «١» . ثم حكى- سبحانه- معاذيرهم الواهية التي تدل على بلادة عقولهم، وانتكاس أفكارهم، وتفاهة شخصيتهم فقال- تعالى-: قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ... وقوله بِمَلْكِنا قرأه نافع وعاصم- بفتح الميم وسكون اللام- أى: بأمرنا. وقرأه حمزة والكسائي بِمَلْكِنا بكسر الميم وسكون اللام- أى: بطاقتنا: وقرأه الباقون- بضم الميم وسكون اللام- أى: بسلطاننا، وهو مصدر مضاف لفاعله ومفعوله محذوف، أى: بملكنا أمرنا. أى: قال بنو إسرائيل لنبيهم موسى على سبيل الاعتذار الذي هو أقبح من ذنب:

стр. 4028

ما أخلفنا موعدك فعبدنا العجل بأمرنا وطاقتنا واختيارنا، فقد كان الحال أكبر من أن يدخل تحت سلطاننا، ولو خلينا بيننا وبين أنفسنا ولم يسول لنا السامري ما سول لبقينا على العهد الذي عاهدناك عليه، وهو أن نعبد الله- تعالى- وحده. وقوله: وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ حكاية لبقية ما قالوه من أعذر قبيحة. ولفظ: «حملنا» قرأه ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم- بضم الحاء وتشديد الميم- على أنه فعل ونائب فاعل، وقرأه الباقون- بفتح الحاء والميم- على أنه فعل وفاعل. قال الآلوسى ما ملخصه: والمراد بالقوم: القبط، وبالأوزار: الأحمال وتسمى بها الآثام، وقصدوا بذلك ما استعاروه من القبط من الحلي في عيد لهم قبل الخروج من مصر، وقيل: استعاروه باسم العرس. وقيل: هي ما ألقاه البحر على الساحل مما كان على الذين غرقوا وهم فرعون وجنوده فأخذ بنو إسرائيل ذلك على أنه غنيمة مع أنها غنيمة مع أنها لم تكن حلالا لهم «١» . أى: قال بنو إسرائيل لموسى: ما أخلفنا عهدك بأمرنا ولكنا حملنا أثقالا وأحمالا من زينة القبط التي أخذناها منهم بدون حق فَقَذَفْناها في النار بتوجيه من السامري، فَكَذلِكَ أى: فكما ألقينا ما معنا أَلْقَى السَّامِرِيُّ ما معه من تلك الزينة. قال ابن كثير: وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة أنهم تورعوا عن زينة القبط، فألقوها عنهم، فعبدوا العجل، فتورعوا عن الحقير، وفعلوا الأمر الكبير.. «٢» . ثم بين- سبحانه- ما صنعه لهم السامري من تلك الحلي فقال: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ. والخوار: الصوت المسموع. أى: فكانت نتيجة ما قذفوه من الحلي في النار، أن أخرج السامري لهم من ذلك عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ أى: صوت كصوت البقر. قيل: إن الله- تعالى- خلق الحياة في ذلك العجل على سبيل الاختبار والامتحان لهم. وقيل: لم تكن به حياة، ولكن السامري صنعه لهم بدقة، وجعل فيه منافذ إذا دخلت فيها الريح أخرجت منه صوتا كصوت خوار البقر.

стр. 4029

فقال بنو إسرائيل عند ما رأوا العجل الذي صنعه لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى فاعبدوه، لأن موسى نسى إلهه هنا، وذهب ليبحث عنه في مكان آخر، فالضمير في قوله فَنَسِيَ يعود لموسى. وقولهم هذا يدل على بلادتهم وسوء أدبهم مع نبيهم، فهم لم يكتفوا بعبادة العجل، بل زعموا أن نبيهم الداعي لهم إلى توحيد الله، قد كان يعبد العجل وأنه قد نسى مكانه فذهب يبحث عنه. وقيل: إن الذي حدث منه النسيان هو السامري، وأن النسيان بمعنى الترك، أى: فترك السامري ما كان عليه من الإيمان الظاهري، ونبذ الدين الذي بعث الله- تعالى- به موسى، وحض الناس على عبادة العجل الذي صنعه لهم. والقول الأول أرجح، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة، ولأنه هو المأثور عن السلف. قال ابن جرير: «وأولى الأقوال بالصواب عندنا أن يكون فَنَسِيَ خبرا من الله- تعالى- عن السامري، وأنه وصف موسى بأنه نسى ربه، وأن ربه الذي ذهب يريده هو العجل الذي أخرجه السامري، لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه، ولأنه عقيب ذكر موسى، وهو أن يكون خبرا من السامري عنه بذلك أشبه من غيره» «١» . وقوله- تعالى-: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا، وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً تقريع لهم على جهلهم وغبائهم وسوء أدبهم. والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أى: أبلغ عمى البصيرة عند هؤلاء السفهاء أنهم لم يفطنوا إلى أن هذا العجل الذي اتخذوه إلها، لا يستطيع أن يجيبهم إذا سألوه أو خاطبوه، ولا يرد عليهم قولا يقولونه له، ولا يملك لهم شيئا لا من الضر ولا من النفع. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا، اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ «٢» . ثم بين- سبحانه- موقف هارون- ﵇ من هؤلاء الجاهلين الذين عبدوا العجل، فقال- تعالى-:

стр. 4030

[سورة طه (٢٠) : الآيات ٩٠ الى ٩١] وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١) وجملة: وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ ... قسمية مؤكدة لما قبلها. أى: والله لقد نصح هارون- ﵇ عبدة العجل من قومه، قبل رجوع موسى إليهم، فقال لهم مستعطفا:.. يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ.. أى: يا قوم إن ضلالكم وكفركم إنما هو بسبب عبادتكم العجل، فالضمير في بِهِ يعود إلى العجل. وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ هو وحده المستحق للعبادة والطاعة. وجمع- سبحانه- بين لفظي الرب والرحمن، لجذبهم نحو الحق، واستمالتهم نحوه، وللتنبيه على أنهم متى تابوا قبل الله توبتهم، لأنه- سبحانه- هو الرحمن الرحيم. والفاء في قوله: فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي لترتيب ما بعدها على ما قبلها. أى: وما دام الأمر كذلك فاتبعوني وأطيعوا أمرى، في الثبات على الحق، وفي نبذ عبادة العجل، وفي المحافظة على ما عاهدكم عليه موسى- ﵇. ولكن هذه النصيحة الحكيمة من هارون لهم لم تجد أذنا صاغية. بل قابلوا نصيحته لهم بالاستخفاف والتصميم على ما هم فيه من ضلال، إذ قالوا في الرد عليه: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ أى: سنستمر على عبادة العجل، وسنواظب على هذه العبادة مواظبة تامة حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى فنرى ماذا سيكون منه. فهم لجهالاتهم وانطماس بصائرهم، وسوء أدبهم، يرون أن هارون- ﵇ ليس أهلا للنصيحة والطاعة، مع أنه قد خاطبهم بأحكم أسلوب، وألطف منطق. قال الرازي: واعلم أن هارون- ﵇ سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه زجرهم عن الباطل- أولا- بقوله: يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ ثم دعاهم إلى معرفة الله- ثانيا- بقوله: وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ ثم دعاهم- ثالثا- إلى معرفة النبوة بقوله: فَاتَّبِعُونِي ثم دعاهم- رابعا- إلى الشرائع بقوله: وَأَطِيعُوا أَمْرِي. وهذا هو الترتيب الجيد، لأنه لا بد قبل كل شيء من إماطه الأذى عن الطريق وهو إزالة الشبهات، ثم معرفة الله- تعالى- هي الأصل، ثم النبوة، ثم الشريعة: فثبت أن هذا

стр. 4031

الترتيب على أحسن الوجوه، ولكنهم لجهلهم وعنادهم قابلوا هذا الترتيب الحسن في الاستدلال، بالتقليد والجمود فقالوا: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى «١» . ثم بين- سبحانه- ما قاله موسى لأخيه هارون بعد أن رأى ما عليه قومهما من ضلال، فقال- تعالى-: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٩٢ الى ٩٤] قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) أى: قال موسى لأخيه هارون على سبيل اللوم والمعاتبة: يا هارون أى شيء منعك من مقاومتهم وقت أن رأيتهم ضلوا بسبب عبادتهم للعجل و «لا» في قوله: أَلَّا تَتَّبِعَنِ مزيدة للتأكيد. والاستفهام في قوله: أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي للإنكار. أى: ما الذي منعك من أن تتبعني في الغضب عليهم لدين الله حين رأيتهم عاكفين على عبادة العجل، أفعصيت أمرى فيما قدمت إليك من قولي: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ وفيما أمرتك به من الصلابة في الدين، لأن وجودك فيهم وقد عبدوا غير الله- تعالى- يعتبر تهاونا معهم فيما لا يصح التهاون فيه. وكأن موسى- ﵇ كان يريد من أخيه هارون- ﵇ موقفا يتسم بالحزم والشدة مع هؤلاء الجاهلين، حتى ولو أدى الأمر لمقاتلتهم ... وهنا يرد هارون على أخيه موسى ردا يبدو فيه الرفق والاستعطاف فيقول: ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي. أى: قال هارون لموسى محاولا أن يهدئ من غضبه، بتحريك عاطفة الرحم في قلبه: يا بن أمى لا تمسك بلحيتي ولا برأسى على سبيل التأنيب لي. فإنى لست عاصيا لأمرك، ولا معرضا عن اتباعك.

стр. 4032

قال الآلوسى ما ملخصه: خص الأم بالإضافة استعطافا وترقيقا لقلبه، لا لما قيل من أنه كان أخاه لأمه، فإن الجمهور على أنهما كانا شقيقين. وقوله: تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي ... روى أنه أخذ شعر رأسه بيمينه، ولحيته بشماله، وكان موسى- ﵇ حديدا متصلبا غضوبا لله- تعالى-، وغلب على ظنه أن هارون قد قصر معهم.. «١» . وقوله: نِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي استئناف لتعليل موجب النهى، بتحقيق أنه غير عاص لأمره، وغير معرض عن اتباعه. أى: يا بن أمى لا تأخذ بلحيتي ولا برأسى، فإنى ما حملني على البقاء معهم وعلى ترك مقاتلتهم بعد أن عبدوا العجل، إلا خوفي من أن تقول لي- لو قاتلتهم أو فارقتهم بمن معى من المؤمنين- إنك بعملك هذا قد جعلت بنى إسرائيل فرقتين متنازعتين لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي أى: ولم تتبع وتطع قولي لك: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ولذلك لم أقدم على مقاتلتهم بمن معى من المؤمنين، ولم أقدم كذلك على مفارقتهم، بل بقيت معهم ناصحا واعظا، حتى تعود أنت إليهم، فتتدارك الأمر بنفسك، وتعالجه برأيك. قال بعض العلماء ما ملخصه: وهذه الآية الكريمة ... تدل على لزوم إعفاء اللحية وعدم حلقها، لأنه لو كان هارون حالقا لحيته لما أخذ بها موسى- إذ من المشهور أن اللحية تطلق على الشعر النابت في العضو المخصوص وهو الذقن- وبذلك يتبين لك أن إعفاء اللحية سمت الرسل الكرام الذين أمرنا الله- تعالى- بالاقتداء بهم. فقد قال- تعالى-: بعد أن ذكر عددا من الأنبياء منهم هارون: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ... «٢» . والعجب من الذين مسخت ضمائرهم ... حتى صاروا ينفرون من صفات الذكورية، وشرف الرجولة إلى خنوثة الأنوثة.. «٣» . هذا، وبعد أن انتهى موسى من سماع اعتذار أخيه هارون، اتجه بغضبه إلى السامري- رأس الفتنة ومدبرها- فأخذ في زجره وتوبيخه، وقد حكى- سبحانه- ذلك في قوله- تعالى-:

стр. 4033

[سورة طه (٢٠) : الآيات ٩٥ الى ٩٨] قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (٩٧) إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (٩٨) أى: قال موسى- ﵇ للسامري: فَما خَطْبُكَ أى: ما شأنك، وما الأمر العظيم الذي جعلك تفعل ما فعلت؟ مصدر خطب يخطب- كقعد يقعد- ومنه قولهم: هذا خطب يسير أو جلل، وجمعه خطوب. وخصه بعضهم بما له خطر من الأمور، وأصله: الأمر العظيم الذي يكثر فيه التخاطب والتشاور، ويخطب الخطيب الناس من أجله. وقد رد السامري على موسى بقوله: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ أى: علمت ما لم يعلمه القوم، وفطنت لما لم يفطنوا له، ورأيت ما لم يروه. قال الزجاج: يقال: بصر بالشيء يبصر- ككرم وفرح- إذا علمه، وأبصره إذا نظر إليه. وقيل: هما بمعنى واحد. فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها روى أن السامري رأى جبريل- ﵇ حين جاء إلى موسى ليذهب به إلى الميقات لأخذ التوراة عن الله- ولم ير جبريل أحد غير السامري من قوم موسى، ورأى الفرس كلما وضعت حافرها على شيء اخضرت، فعلم أن للتراب الذي تضع عليه الفرس حافرها شأنا، فأخذ منه حفنة وألقاها في الحلي المذاب فصار عجلا جسدا له خوار. والمعنى قال السامري لموسى: علمت ما لم يعلمه غيرى فأخذت حفنة من تراب أثر حافر

стр. 4034

فرس الرسول وهو جبريل- ﵇ فألقيت هذه الحفنة في الحلي المذاب، فصار عجلا جسدا له خوار. وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي أى: ومثل هذا الفعل سولته لي نفسي، أى زينته وحسنته لي نفسي، لأجعل بنى إسرائيل يتركون عبادة إلهك يا موسى، ويعبدون العجل الذي صنعته لهم. وعلى هذا التفسير الذي سار عليه كثير من المفسرين، يكون المراد بالرسول: جبريل- ﵇ ويكون المراد بأثره: التراب الذي أخذه من موضع حافر فرسه. هذا، وقد نقل الفخر الرازي عن أبى مسلم الأصفهاني رأيا آخر في تفسير الآية فقال ما ملخصه: ليس في القرآن ما يدل على ما ذكره المفسرون، فهنا وجه آخر، وهو أن يكون المراد بالرسول: موسى- ﵇ وبأثره: سنته ورسمه الذي أمر به، فقد يقول الرجل: فلان يقص أثر فلان ويقتص أثره إذا كان يمتثل رسمه، والتقدير: أن موسى لما أقبل على السامري بالتوبيخ وبسؤاله عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم بعبادة العجل، رد عليه بقوله: بصرت بما لم يبصروا به، أى: عرفت أن الذي أنتم عليه ليس بحق، وقد كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول، أى: أخذت شيئا من علمك ودينك فنبذته، أى: طرحته.. «١» . وعلى هذا التفسير الذي ذهب إليه أبو مسلم يكون المراد بالرسول: موسى- ﵇ ويكون المراد بأثره: دينه وسنته وعلمه. ويكون المعنى الإجمالى للآية: أن السامري قال لموسى- ﵇ كنت قد أخذت جانبا من دينك وعلمك، ثم تبين لي أنك على ضلال فنبذت ما أخذته عنك وسولت لي نفسي أن أصنع للناس عجلا لكي يعبدوه لأن عبادته أراها هي الحق. وقد رجح الإمام الرازي في تفسيره ما ذهب إليه أبو مسلم فقال: واعلم أن هذا القول الذي قاله أبو مسلم ليس فيه إلا مخالفة للمفسرين، ولكنه أقرب إلى التحقيق لوجوه. ١- أن جبريل ليس مشهورا باسم الرسول، ولم يجر له فيما تقدم ذكر حتى تجعل لام التعريف إشارة إليه. ٢- أنه لا بد فيه من الإضمار، وهو قبضته من أثر حافر فرس الرسول، والإضمار خلاف الأصل.

стр. 4035

٣- أنه لا بد من التعسف في بيان أن السامري كيف اختص من بين جميع الناس برؤية جبريل ومعرفته؟ ثم كيف عرف أن لتراب حافر فرسه هذا الأثر؟ والذي ذكروه أن جبريل هو الذي رباه بعيد.. «١» . وقد رد الإمام الآلوسى على الإمام الفخر الرازي- رحمهما الله- فقال ما ملخصه: ١- عهد في القرآن الكريم إطلاق الرسول على جبريل، كما في قوله- تعالى-: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. وعدم جريان ذكره فيما تقدم لا يمنع أن يكون معهودا، ويجوز أن يكون إطلاق الرسول عليه كان شائعا في بنى إسرائيل. ٢- تقدير المضاف في الكلام أكثر من أن يحصى، وقد عهد ذلك في كتاب الله غير مرة. ٣- رؤية السامري دون غيره لجبريل، كان ابتلاء من الله- تعالى- ليقضى الله أمرا كان مفعولا، ومعرفته تأثير ذلك الأثر دون غيره كانت بسبب ما ألقى في روعه من أنه لا يلقيه على شيء فيقول له كن كذا إلا كان- كما في خبر ابن عباس- أو كانت لما شاهد من خروج النبات بالوطء- كما في بعض الآثار-.. «٢» . ويبدو لنا أن ما ذهب إليه أبو مسلم، أقرب إلى ما يفيده ظاهر القرآن الكريم، إذا ما استبعدنا تلك الروايات التي ذكرها المفسرون في شأن السامري وفي شأن رؤيته لجبريل. ولا نرى حرجا في استبعادها، لأنها عارية عن السند الصحيح إلى النبي ﷺ أو إلى أصحابه، ويغلب على ظننا أنها من الإسرائيليات التي نرد العلم فيها إلى الله- تعالى-. وقوله- سبحانه-: قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ حكاية لما قاله موسى- ﵇ للسامري. والمساس: مصدر ماسّ- بالتشديد- كقتال من قاتل، وهو منفي بلا التي لنفى الجنس. والمعنى: قال موسى للسامري: مادمت قد فعلت ذلك فاذهب، فإن لك في مدة حياتك، أن تعاقب بالنبذ من الناس، وأن تقول لهم إذا ما اقترب أحد منك: لا مِساسَ أى لا أمسّ أحدا ولا يمسّنى أحد، ولا أخالط أحدا ولا يخالطني أحد. قال صاحب الكشاف: عوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أطم منها وأوحش وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعا كليا، وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومكالمته ومبايعته ومواجهته، وكل ما يعايش به الناس بعضهم بعضا. وإذا اتفق أن يماس أحدا- رجلا أو امرأة- حم الماس والممسوس-

стр. 4036

أى أصيبا بمرض الحمى- فتحامى الناس وتحاموه، وكان يصيح: لا مساس. وعاد في الناس أوحش من القاتل اللاجئ إلى الحرم، ومن الوحش النافر في البرية.. «١» . وقال الآلوسى ما ملخصه: والسر في عقوبته على جنايته بما ذكر. أنه ضد ما قصده من إظهار ذلك ليجتمع عليه الناس ويعززوه، فكان ما فعله سببا لبعدهم عنه وتحقيره. وقيل: عوقب بذلك ليكون الجزاء من جنس العمل، حيث نبذ فنبذ، فإن ذلك التحامى عنه أشبه شيء بالنبذ.. «٢» . قالوا: وهذه الآية الكريمة أصل في نفى أهل البدع والمعاصي وهجرانهم وعدم مخالطتهم. ثم بين- سبحانه- عقوبة السامري في الآخرة، بعد بيان عقوبته في الدنيا فقال: وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ. وقوله: تُخْلَفَهُ قرأها الجمهور بضم التاء وفتح اللام. أى: وإن لك موعدا في الآخرة لن يخلفك الله- تعالى- إياه. بل سينجزه لك، فيعاقبك يومئذ العقاب الأليم الذي تستحقه بسبب ضلالك وإضلالك، كما عاقبك في الدنيا بعقوبة الطرد والنفور من الناس. وقرأ ابن كثير وأبو عمر لَنْ تُخْلَفَهُ بضم التاء وكسر اللام أى: وإن لك موعدا في الآخرة لن تستطيع التخلف عنه، أو المهرب منه، بل ستأتيه وأنت صاغر.. ثم بين- سبحانه- ما فعله موسى- ﵇ بالعجل الذي صنعه السامري لإضلال الناس. فقال: وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً. أى: وقال موسى- أيضا- للسامري: وانظر الى معبودك العجل الذي أقمت على عبادته أنت وأتباعك في غيبتي عنكم. لَنُحَرِّقَنَّهُ بالنار أمام أعينكم، والجملة جواب لقسم محذوف، أى: والله لنحرقنه ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً أى: ثم لنذرينّه في البحر تذرية، بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر. يقال: نسف الطعام ينسفه نسفا، إذا فرقه وذراه بحيث لا يبقى منه شيء. وقد نفذ موسى- ﵇ ذلك حتى يظهر للأغنياء الجاهلين الذين عبدوا العجل، أنه لا يستحق ذلك. وإنما يستحق الذبح والتذرية، وأن عبادتهم له إنما هي دليل واضح على انطماس بصائرهم، وشدة جهلهم.

стр. 4037

وقوله- تعالى-: إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً. استئناف مسوق لإحقاق الحق وإبطال الباطل. أى: إنما المستحق للعبادة والتعظيم هو الله- تعالى- وحده، الذي وسع علمه كل شيء. ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد قصت علينا بأسلوب بليغ حكيم، جوانب من رعاية الله- تعالى- لنبيه موسى- ﵇ ورحمته به، كما قصت علينا تلك المحاورات التي تمت بين موسى وفرعون، وبين موسى والسحرة كما حدثتنا عن جانب من النعم التي أنعم الله- تعالى- بها على بنى إسرائيل، وكيف أنهم قابلوها بالجحود والكنود وبإيذاء نبيهم موسى- ﵇. ثم أشار- سبحانه- بعد ذلك إلى العبرة من قصص الأولين، وإلى التنويه بشأن القرآن الكريم، وإلى أن يوم القيامة آت لا ريب فيه، فقال- تعالى-: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٩٩ الى ١٠٤] كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (١٠٢) يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً (١٠٤) والكاف في قوله- تعالى-: كَذلِكَ في محل نصب نعت لمصدر محذوف، أى: نقص عليك- أيها الرسول الكريم- من أنباء ما قد سبق من أحوال الأمم الماضية، قصصا مثل ما قصصناه عليك عن موسى وهارون. وما دار بينهما وبين فرعون وبين بنى إسرائيل. ومِنْ في قوله مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ للتبعيض، ويشهد لذلك أن القرآن قد صرح في كثير من آياته، أن الله- تعالى- لم يقص على الرسول ﷺ جميع أحوال الأمم السابقة، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ

стр. 4038

نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ «١» . ومن فوائد ما قصه الله- تعالى- عليه من أنباء السابقين: زيادة علمه ﷺ ، وتكثير معجزاته، وتثبيت فؤاده، وتسليته عما أصابه من سفهاء قومه، وتذكير المؤمنين بأحوال تلك الأمم السابقة ليعتبروا ويتعظوا. وقوله- سبحانه-: وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً تنويه وتعظيم لشأن القرآن الكريم. أى: وقد أعطيناك ومنحناك من عندنا وحدنا ذِكْراً عظيما. وهو القرآن الكريم، كما قال- تعالى-: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ. قال الفخر الرازي: وفي تسمية القرآن بالذكر وجوه: أحدها: أنه كتاب فيه ذكر ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم. وثانيها: أنه يذكر أنواع آلاء الله ونعمائه على الناس، ففيه التذكير والوعظ. وثالثها: أنه فيه الذكر والشرف لك ولقومك، كما قال- سبحانه-: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ «٢» . ثم بين- سبحانه- سوء عاقبة من يعرض عن هداية هذا القرآن فقال: مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً.. خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا. والوزر في الأصل يطلق على الحمل الثقيل، وعلى الإثم والذنب، والمراد به هنا العقوبة الثقيلة الأليمة المترتبة على تلك الأثقال والآثام. قال صاحب الكشاف: والمراد بالوزر: العقوبة الثقيلة الباهظة، سماها وزرا تشبيها في ثقلها على المعاقب، وصعوبة احتمالها، بالحمل الذي يفدح الحامل، وينقض ظهره، أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم «٣» . وقد أخبرنا القرآن في كثير من آياته، أن الكافرين يأتون يوم القيامة وهم يحملون أوزارهم، أى: أثقال ذنوبهم على ظهورهم، ومن ذلك قوله- تعالى-: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ «٤» .

стр. 4039

أى: من أعرض عن هذا الذكر وهو القرآن الكريم فإنه بسبب هذا الإعراض والترك، يحمل يوم القيامة على ظهره آثاما كثيرة: تؤدى إلى العقوبة المهينة من الله- تعالى-. وقوله: خالِدِينَ فِيهِ أى: في العذاب المترتب على هذا الوزر. وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا أى: وبئس ما حملوا على أنفسهم من الإثم بسبب إعراضهم عن هداية القرآن الكريم. قال الآلوسى: قوله: وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا إنشاء للذم، على أن «ساء» فعل ذم بمعنى بئس.. وفاعله على هذا هنا مستتر يعود على «حملا» الواقع تمييزا.. والمخصوص بالذم محذوف، والتقدير: ساء حملهم حملا وزرهم «١» . ثم بين- سبحانه- أحوال المجرمين عند الحشر فقال: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً. أى: اذكر- أيها العاقل- يوم ينفخ إسرافيل في الصور النفخة الثانية، ونحشر المجرمين يومئذ ونجمعهم للحساب حالة كونهم زرق العيون من شدة الهول، أو حالة كونهم «زرقا» أى: عميا، لأن العين إذا ذهب ضوؤها أزرق ناظرها. أو «زرقا» معناه: عطاشا، لأن العطش الشديد يغير سواد العين فيجعله كالأزرق. قال- تعالى-: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ. ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ «٢» . وقوله- سبحانه-: يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً استئناف لبيان ما يقوله بعضهم لبعض على سبيل الهمس وخفض الصوت. أى: إن هؤلاء المجرمين يتهامسون فيما بينهم في هذا اليوم العصيب، قائلين ما لبثتم في قبوركم إلا عشرا من الليالى أو الأيام. ومقصدهم من هذا القول: استقصار المدة، وسرعة انقضائها، والندم على ما كانوا يزعمونه من أنه لا بعث ولا حساب، بعد أن تبين لهم أن البعث حق، وأن الحساب حق، وأن الأمر على عكس ما كانوا يتوهمون. وقوله- تعالى-: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ ... بيان لشمول علمه- سبحانه-. أى: نحن وحدنا أعلم بما يقولون فيما بينهم، لا يخفى علينا شيء مما يتخافتون به من شأن

стр. 4040

مدة لبثهم في قبورهم أو في الدنيا. إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً أى: أعد لهم رأيا، وأرجحهم عقلا إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً واحدا وقيل المراد باليوم: مطلق الوقت، وتنكيره للتقليل والتحقير. أى: ما لبثتم في قبوركم إلا زمنا قليلا. ونسبة هذا القول إلى أمثلهم لا لكونه أقرب إلى الصدق، بل لكونه أدل على شدة الهول. قال- تعالى-: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها أى الساعة لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها «١» . ثم بين- سبحانه- أحوال الجبال وأحوال الناس يوم القيامة فقال- تعالى-: [سورة طه (٢٠) : الآيات ١٠٥ الى ١١٢] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (١٠٩) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً (١١٢) والسائلون عن أحوال الجبال يوم القيامة كفار مكة، روى أنهم قالوا للرسول ﷺ على سبيل الاستهزاء، يا محمد إنك تدعى أن هذه الدنيا تفنى، وأننا نبعث بعد الموت، فأين تكون هذه الجبال، فنزل قوله- تعالى-: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً.

стр. 4041

وقيل: السائلون هم المؤمنون على سبيل طلب المعرفة والفهم. وقوله: يَنْسِفُها من النسف بمعنى القلع. يقال: نسفت الريح التراب نسفا- من باب ضرب- إذا اقتلعته وفرقته. أى: ويسألك- أيها الرسول الكريم- بعض الناس عن أحوال الجبال يوم القيامة، فقل لهم: ينسفها ربي نسفا، بأن يقلعها من أصولها، ثم يجعلها كالرمل المتناثر، أو كالصوف المنفوش الذي تفرقه الرياح. والفاء في قوله: فَقُلْ للمسارعة إلى إزالة ما في ذهن السائل من توهم أن الجبال قد تبقى يوم القيامة. والضمير في قوله فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً يعود إلى الجبال باعتبار أجزائها السفلى الباقية بعد النسف، ويصح أن يعود إلى الأرض المدلول عليها بقرينة الحال، لأنها هي الباقية بعد قلع الجبال. والقاع: هو المنكشف من الأرض دون أن يكون عليه نبات أو بناء. والصفصف: الأرض المستوية الملساء حتى لكأن أجزاءها صف واحد من كل جهة. أى: فيتركها بعد النسف أرضا منكشفة متساوية ملساء، لا نبات فيها ولا بناء ... لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً أى: لا ترى في الأرض بعد اقتلاع الجبال منها، مكانا منخفضا، كما لا ترى فيها أَمْتاً أى: مكانا مرتفعا، بل تراها كلها مستوية ملساء كالصف الواحد. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: قد فرقوا بين العوج والعوج، فقالوا: العوج بالكسر في المعاني: والعوج بالفتح في الأعيان، والأرض عين، فكيف صح فيها المكسور العين؟. قلت: اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والملاسة ونفى الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون، وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة أرض فسويتها، وبالغت في التسوية على عينك وعيون البصراء، واتفقتم على أنه لم يبق فيها اعوجاج قط، ثم استطلعت رأى المهندس فيها، وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية، لعثر فيها على عوج في غير موضع، لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسى، فنفى الله ذلك العوج الذي دق ولطف عن الإدراك، اللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الإحساس لحق بالمعاني، فقيل فيه، عوج بالكسر والأمت: النتوء اليسير، يقال: مد حبله حتى ما فيه أمت.. «١»

стр. 4042

ثم بين- سبحانه- أحوال الناس يوم القيامة فقال: يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ.... والمراد بالداعي: الملك الذي يدعوهم إلى المثول للحساب. قيل: يناديهم بقوله: أيتها العظام البالية، والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة.. قومي إلى ربك للحساب والجزاء، فيسمعون الصوت ويتبعونه. والمعنى: في هذا اليوم الذي تنسف فيه الجبال، وتصير الأرض قاعا صفصفا يقوم الناس من قبورهم، ويتبعون من يناديهم للحساب والجزاء دون أن يحيدوا عن هذا المنادى، أو أن يملكوا مخالفته أو عصيانه، بل الجميع يسمع دعاءه ويستجيب لأمره. كما قال- تعالى-: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ. خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ: مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ «١» . وقوله: وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً أى: وخفتت وسكنت الأصوات كلها هيبة وخوفا من الرحمن- فلا تسمع- أيها المخاطب- في هذا اليوم الهائل الشديد إِلَّا هَمْساً أى: إلا صوتا خفيا خافتا. يقال: همس الكلام يهمسه همسا، إذا أخفاه، ويقال للأسد: الهموس، لخفاء وطئه. يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ، وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا أى: في هذا اليوم الذي تخشع فيه الأصوات لا تنفع الشفاعة أحدا كائنا من كان، إلا شفاعة من أذن له الرحمن في ذلك وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا أى: ورضى- سبحانه- قول الشافع فيمن يشفع له. قال الإمام ابن كثير: وهذه الآية كقوله- تعالى-: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ وكقوله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى، وكقوله: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ... وفي الصحيحين من غير وجه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «آتى تحت العرش، وأخر لله ساجدا، وبفتح على بمحامد لا أحصيها الآن، ثم يقول- سبحانه-: «يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع قولك، واشفع تشفع. قال ﷺ : فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود، فذكر أربع مرات» ﷺ وعلى سائر الأنبياء ... وفي الحديث: يقول- تعالى-: «أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان

стр. 4043

فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقول- سبحانه-: أخرجوا من النار من كان في قلبه نصف مثقال من إيمان، أخرجوا من النار من كان في قلبه ما يزن ذرة، من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان» «١» . وقوله- تعالى-: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً بيان لشمول علمه- سبحانه- لكل شيء. أى: الله- تعالى- وحده هو الذي يعلم جميع أحوال خلقه سواء ما كان منها يتعلق بما بين أيديهم من أمور الآخرة وأهوال الموقف، أم ما كان منها يتعلق بما خلفهم من أمور الدنيا، أما هم فإنهم لا يحيط علمهم لا بذاته- تعالى- ولا بصفاته، ولا بمعلوماته. فالضمير في قوله ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ يعود على المتبعين للداعي وهم الخلق جميعا ... وقيل: يعود للشافعين، وقيل للملائكة، والأول أولى لعمومه. وقوله- سبحانه-: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ... مؤكد ومقرر لما قبله من خشوع الأصوات يوم القيامة للرحمن، ومن عدم الشفاعة لأحد إلا بإذنه- . والفعل عَنَتِ بمعنى ذلت يقال: عنا فلان يعنو عنوا- من باب سما- إذا ذل لغيره وخضع وخشع، ومنه قيل للأسير عان لذله وخضوعه لمن أسره. أى: وذلت وجوه الناس وخضعت في هذا اليوم لله- تعالى- وحده لِلْحَيِّ أى: الباقي الذي له الحياة الدائمة التي لا فناء معها الْقَيُّومِ أى: الدائم القيام بتدبير أمر خلقه وإحيائهم وإماتتهم ورزقهم.. وسائر شئونهم. وهذا اللفظ مبالغة في القيام. وأصله قيووم بوزن فيعول.. من قام بالأمر. إذا حفظه ودبره. وخصت الوجوه بالذكر لأنها أشرف الأعضاء، وآثار الذل أكثر ما تكون ظهورا عليها. وظاهر القرآن يفيد أن المراد بالوجوه جميعها، سواء أكانت للمؤمنين أم لغيرهم، فالكل يوم القيامة خاضع لله- تعالى- ومستسلم لقضائه، فالألف واللام للاستغراق. قال ابن كثير: قوله- تعالى-: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ قال ابن عباس وغير واحد- من السلف- خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لخالقها وجبارها الحي الذي لا يموت.. «٢» .

стр. 4044

ويرى بعضهم أن المراد بالوجوه التي ذلت وخشعت في هذا اليوم، وجوه الكفار والفاسقين، وإلى هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف فقال: المراد بالوجوه وجوه العصاة، وأنهم إذا عاينوا- يوم القيامة- الخيبة والشقوة وسوء الحساب وصارت وجوههم عانية، أى: ذليلة خاشعة، مثل وجوه العناة وهم الأسارى، ونحوه قوله- تعالى-: فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا «١» . ويبدو لنا أن القول الأول أقرب إلى الصواب، لأن جميع الوجوه يوم القيامة تكون خاضعة لحكم الله- تعالى- ومستسلمة لقضائه. وقوله: وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً جملة حالية، أى: ذلت جميع الوجوه لله- تعالى- يوم القيامة، والحال أنه قد خاب وخسر من حمل في دنياه ظلما، أى: شركا بالله- تعالى- أو فسوقا عن أمره- سبحانه- ولم يقدم العمل الصالح الذي ينفعه في ذلك اليوم العسير. ثم بشر- سبحانه- المؤمنين بما يشرح صدورهم فقال: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً. أى: ومن يعمل في دنياه الأعمال الصالحات، وهو مع ذلك مؤمن بكل ما يجب الإيمان به. فإنه في هذه الحالة فَلا يَخافُ ظُلْماً ينزل به. ولا يخاف هَضْماً لشيء من حقوقه أو ثوابه. يقال: هضم فلان حق غيره، إذا انتقصه حقه ولم يوفه إياه. قالوا: والفرق بين الظلم والهضم: أن الظلم قد يكون بمنع الحق كله، أما الهضم فهو منع لبعض الحق. فكل هضم ظلم، وليس كل ظلم هضما. فالآية الكريمة قد بشرت المؤمنين، بأن الله- تعالى- بفضله وكرمه سيوفيهم أجورهم يوم القيامة، بدون أدنى ظلم أو نقص من ثوابهم، فالتنكير في قوله ظُلْماً وَلا هَضْماً للتقليل. ثم نوه- سبحانه- بشأن القرآن الكريم الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ وبين بعض الحكم من إنزاله، وطلب من نبيه ﷺ أن يسأله المزيد من العلم فقال- تعالى-: [سورة طه (٢٠) : الآيات ١١٣ الى ١١٤] وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (١١٣) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤)

стр. 4045

وقوله- سبحانه-: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ ... معطوف على قوله: كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ.. والكاف للتشبيه، واسم الإشارة يعود على إنزال ما سبق من آيات. أى: ومثل ما أنزلنا الآيات السابقة المشتملة على الآداب والأحكام والقصص، أنزلنا عليك يا محمد القران كله، فما نزل منه متأخرا يشبه في هدايته وإعجازه ما نزل منه متقدما. وقد اقتضت حكمتنا أن نجعله قُرْآناً عَرَبِيًّا أى: بلغة العرب، لكي يفهموه ويقعوا على ما فيه من هدايات وإرشادات وإعجاز للبشر. وقوله: وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ معطوف على أَنْزَلْناهُ أى: أنزلناه قرآنا عربيا وكررنا ونوعنا فيه ألوانا من الوعيد على سبيل التخويف والتهديد. لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أى: لعل الناس يتقون- بسبب ذلك- الوقوع في الكفر والفسوق والعصيان، ويجتنبون الآثام والسيئات، ويصونون أنفسهم عن الموبقات فمعمول يَتَّقُونَ محذوف. وقوله- سبحانه-: أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً بيان لحكمة أخرى من الحكم التي من أجلها أنزل الله القرآن الكريم. أى: أنزلناه بهذه الصفة، وجعلناه مشتملا على ضروب من الوعيد، لعل قومك- أيها الرسول الكريم- يتقون الكفر والمعاصي، أو لعل القرآن يحدث في نفوسهم ذِكْراً. أى: اتعاظا واعتبارا يصرفهم عن التردي فيما تردت فيه الأمم السابقة من آثام وموبقات أدت إلى هلاكها. وقال- سبحانه-: أَنْزَلْناهُ بالإضمار مع أن القرآن لم يسبق له ذكر في الآيات السابقة، للإيذان بنباهة شأنه، وعلو قدره، وكونه مركوزا في العقول، حاضرا في الأذهان والقلوب. ثم أثنى- سبحانه- على ذاته بما يستحقه من صفات كريمة فقال: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ.

стр. 4046

أى: فجل وعظم شأن الله- سبحانه- عن إلحاد الملحدين، وإشراك المشركين فإنه هو وحده الْمَلِكُ المتصرف في شئون خلقه، وهو وحده الإله الْحَقُّ وكل ما سواه فهو باطل. ثم أرشد الله- تعالى- نبيه ﷺ إلى كيفية تلقى القرآن من جبريل- ﵇ فقال: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ... أى: ولا تتعجل بقراءة القرآن من قبل أن ينتهى جبريل من إبلاغه إليك، قالوا: وكان النبي ﷺ كلما قرأ عليه جبريل آية قرأها معه، وذلك لشدة حرصه على حفظ القرآن، ولشدة شوقه إلى سماعه، فأرشده الله- تعالى- في هذه الآية إلى كيفية تلقى القرآن عن جبريل، ونهاه عن التعجل في القراءة. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ «١» . ثم أمر- سبحانه- نبيه ﷺ : أن يسأله المزيد من العلم فقال: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً. أى: وقل- أيها الرسول الكريم- مخاطبا ربك ومتوسلا إليه، يا رب زدني من علمك النافع. قال الآلوسى: واستدلوا بالآية على فضل العلم حيث أمر ﷺ بطلب الزيادة منه، وذكر بعضهم أنه ﷺ ما أمر بطلب الزيادة من شيء سوى العلم. وكان ﷺ يقول: «اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علما» وكان يقول: «اللهم زدني إيمانا وفقها ويقينا وعلما» «٢» . ثم ساق- سبحانه- جانبا من قصة آدم- ﵇ فذكر لنا كيف أنه نسى عهد ربه له، فأكل من الشجرة التي نهاه الله- تعالى- عن الأكل منها، ومع ذلك فقد قبل- سبحانه- توبته، وغسل حوبته.. قال- تعالى-: [سورة طه (٢٠) : الآيات ١١٥ الى ١٢٣] وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (١١٥) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى (١١٦) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢) قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣)

стр. 4047

واللام في قوله- تعالى-: وَلَقَدْ عَهِدْنا ... هي الموطئة للقسم، والمعهود محذوف، وهو النهى عن الأكل من شجرة معينة، كما وضحه في آيات أخرى منها قوله- تعالى-: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ. أى: والله لقد عهدنا إلى آدم- ﵇ وأوصيناه ألا يقرب تلك الشجرة مِنْ قَبْلُ أن يخالف أمرنا فيقربها ويأكل منها، أو من قبل أن نخبرك بذلك- أيها الرسول الكريم-. والفاء في قوله فَنَسِيَ للتعقيب، والمفعول محذوف. أى: فنسي العهد الذي أخذناه عليه بعدم الأكل منها. والنسيان هنا يرى بعضهم أنه بمعنى الترك، وقد ورد النسيان بمعنى الترك في كثير من آيات القرآن الكريم. ومن ذلك قوله- تعالى-: وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا «١» أى: نترككم كما تركتم لقاء يومكم هذا وهو يوم القيامة.

стр. 4048

وعليه يكون المعنى: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل بعدم الأكل من الشجرة فترك الوفاء بعهدنا وخالف ما أمرناه به. وعلى هذا التفسير فلا إشكال في وصف الله- تعالى- له بقوله: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى لأن آدم بمخالفته لما نهاه الله- تعالى- عنه وهو الأكل من الشجرة- صار عاصيا لأمر ربه. ومن العلماء من يرى أن النسيان هنا على حقيقته، أى: أنه ضد التذكر فيكون المعنى: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ما عاهدناه عليه، وغاب عن ذهنه ما نهيناه عنه، وهو الأكل من الشجرة. فإن قيل: إن الناسي معذور. فكيف قال الله- تعالى- في حقه: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى؟. فالجواب: أن آدم- ﵇ لم يكن معذورا بالنسيان، لأن العذر بسبب الخطأ والنسيان والإكراه. من خصائص هذه الأمة الإسلامية، بدليل قوله ﷺ : «إن الله تجاوز لي عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» . قال القرطبي ما ملخصه: قوله- تعالى-: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ.. للنسيان معنيان: أحدهما: الترك، أى ترك الأمر والعهد، وهذا قول مجاهد وأكثر المفسرين، ومنه نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ وثانيهما: قال ابن عباس: «نسى» هنا من السهو والنسيان، وإنما أخذ الإنسان من أنه عهد إليه فنسي ... وعلى هذا القول يحتمل أن يكون آدم في ذلك الوقت مؤاخذا بالنسيان، وإن كان النسيان عنا اليوم مرفوعا. والمراد تسلية النبي ﷺ أى: أن طاعة بنى آدم للشيطان أمر قديم أى: إن نقض هؤلاء- المشركون- العهد، فإن آدم- أيضا- عهدنا إليه فنسي..» «١» . وقوله: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً مقرر لما قبله من غفلة آدم عن الوفاء بالعهد. قال الجمل: وقوله: نَجِدْ يحتمل أنه من الوجدان بمعنى العلم، فينصب مفعولين، وهما «له» و «عزما» ويحتمل أنه من الوجود الذي هو ضد العدم فينصب مفعولا وهو عَزْماً والجار والمجرور متعلق بنجد «٢» . والعزم: توطين النفس على الفعل، والتصميم عليه، والمضي في التنفيذ للشيء..

стр. 4049

أى: فنسي آدم عهدنا، ولم نجد له ثبات قدم في الأمور، يجعله يصبر على عدم الأكل من الشجرة بل لانت عريكته وفترت همته بسبب خديعة الشيطان له. ثم ذكر- سبحانه- بعد ذلك بشيء من التفصيل، الأسباب التي أدت إلى نسيان آدم وضعف عزيمته فقال: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى. أى: واذكر- أيها المخاطب- وقت أن قلنا للملائكة اسجدوا لآدم سجود تكريم لا سجود عبادة، فامتثلوا لأمرنا، إلا إبليس فإنه أبى السجود لآدم تكبرا وغرورا وحسدا له على هذا التكريم. ثم حكى- سبحانه- ما قاله لآدم بعد إباء إبليس عن السجود له فقال: يا آدَمُ إِنَّ هذا أى: إبليس عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ بسبب حسده لكما وحقده عليكما فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى أى: فاحذرا أن تطيعاه، فإن طاعتكما له ستؤدى بكما إلى الخروج من الجنة، فيترتب على ذلك شقاؤك، أى: تعبك في الحصول على مطالب حياتك. وأسند سبحانه إلى إبليس الإخراج لهما من الجنة، لأنه هو المتسبب في ذلك، عن طريق الوسوسة لهما، وطاعتهما له فيما حرضهما عليه وهو الأكل من الشجرة، وعبر عن التعب في طلب المعيشة بالشقاء، لأنه بعد خروجه من الجنة سيقوم بحراثة الأرض وفلاحتها وزرعها وريها ... ثم حصدها.. ثم إعداد نتاجها للأكل، وفي كل ذلك ما فيه من شقاء وكد وتعب. وقال- سبحانه-: فَتَشْقى ولم يقل فتشقيا كما قال فَلا يُخْرِجَنَّكُما لأن الكلام من أول القصة مع آدم وحده: أو لأن شقاء الرجل يدخل فيه شقاء أهله، كما أن سعادته سعادتهم، أو لأنه هو الذي يعود عليه التعب إذ هو المكلف بأن يقدم لها ما تحتاجه من مطالب الحياة. كالمسكن والملبس والمطعم والمشرب. قال القرطبي ما ملخصه: قوله فَتَشْقى يعنى أنت وزوجك لأنهما في استواء العلة واحد، ولم يقل: فتشقيا لأن المعنى معروف، وآدم- ﵇ هو المخاطب، وهو المقصود. وأيضا لما كان هو الكاد عليها والكاسب لها كان بالشقاء أخص. وفي ذلك تعليم لنا أن نفقة الزوجة على الزوج، فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الأزواج، فلما كانت نفقة حواء على آدم، كانت كذلك نفقات بناتها على بنى آدم بحق الزوجية.. «١» . وقوله- تعالى-: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها

стр. 4050

وَلا تَضْحى تعليل لما يوجبه النهى عن طاعة إبليس التي ستؤدى بهما إلى الإخراج من الجنة وإلى الشقاء في الدنيا. والجوع: ضد الشبع. وقوله تَعْرى من العرى الذي هو خلاف اللبس. يقال: عرى فلان من ثيابه يعرى عريا، إذا تجرد منها. وقوله تَضْحى أى: لا يصيبك حر الشمس في الضحى. يقال: ضحا فلان يضحى ضحوا- كسعى- إذا كان بارزا لحر الشمس في الضحى. أى: احذر يا آدم أن تطيع إبليس فيحل بك الشقاء، وتخرج من الجنة التي لا يصيبك فيها شيء من الجوع، ولا شيء من العرى أو الظمأ، ولا شيء من حر الشمس في الضحى.. وإنما أنت فيها متمتع بكل مطالب الحياة الهنيئة الناعمة الدائمة. قال صاحب الكشاف: الشبع والري والكسوة والسكن- هذه الأربعة- هي الأقطاب التي يدور فيها كفاح الإنسان، فذكّره استجماعها له في الجنة وأنه مكفى لا يحتاج إلى كفاية كاف، ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إلى ذلك أهل الدنيا. وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي الجوع والعرى والظمأ والضحو، ليطرق سمعه بأسامى أصناف الشقوة التي حذره منها، حتى يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها «١» . ثم بين- سبحانه- أن آدم- ﵇ مع هذه النصائح والتحذيرات لم يستطع أن يستمر على الاستجابة لنهى ربه إياه عن الأكل من الشجرة، بل تغلب عليه ضعفه فاستمع إلى مكر الشيطان، قال- تعالى-: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى. والوسوسة: الخطرة الرديئة، وأصلها من الوسواس، وهو صوت الحلي، والهمس الخفى. والوسواس- بكسر الواو الأولى- مصدر وبفتحها الاسم وهو من أسماء الشيطان، كما قال- تعالى-: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ، مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ. ويقال: وسوس فلان إلى فلان، أى: أوصلها إليه، ووسوس له، أى: من أجله. أى فأوصل الشيطان وسوسته إلى آدم، وأنهاها إليه، بأن قال له: يا آدم، هل أدلك على الشجرة التي من أكل منها عاش مخلدا لا يدركه الموت وصار صاحب ملك لا يفنى، ولا يصبح باليا أبدا.

стр. 4051

وناداه باسمه، ليكون أكثر إقبالا عليه، وأمكن في الاستماع إليه. وعرض عليه ما عرض في صورة الاستفهام الذي بمعنى الحث والحض، ليشعره بأنه ناصح له وحريص على مصلحته ومنفعته. ثم أكد كل هذا التحريض بالقسم كما في قوله- تعالى-: وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ «١» . فكانت نتيجة مكره بآدم وخداعه له، أن أطاعه في الأكل من الشجرة كما قال- تعالى-: فَأَكَلا مِنْها أى: فأكل آدم وزوجه من الشجرة التي نهاه ربه عن الأكل منها. فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما أى: عوراتهما، وسميت العورة سوءة، لأن انكشافها يسوء صاحبها وبحزنه، ويجعل الناس تنفر منه. وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ.. أى: وشرعا وأخذا يلزقان على أجسادهما من ورق الجنة ليسترا عوراتهما. وكثير من المفسرين يقولون: إن ورق الجنة الذي أخذ آدم وحواء في لزقه على أجسادهما هو ورق شجر التين لكبر حجمه. وقد أخذ العلماء من ذلك وجوب ستر العورة، لأن قوله- تعالى-: وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ يدل على قبح انكشافها، وأنه يجب بذل أقصى الجهد في سترها. وقوله: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى أى: وخالف آدم أمر ربه في اجتناب الأكل من الشجرة فَغَوى أى: فأخطأ طريق الصواب، بسبب عدم طاعته ربه. قالوا: ولكن آدم في عصيانه لربه كان متأولا، لأنه اعتقد أن النهى عن شجرة معينة لا عن النوع كله، وقالوا: وتسمية ذلك عصيانا لعلو منصبه، وقد قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. كما قالوا: إن الأسباب التي حملت آدم على الأكل من الشجرة، أن إبليس أقسم له بالله إنه له ناصح، فصدقه آدم- ﵇ لاعتقاده أنه لا يمكن لأحد أن يقسم بالله كاذبا، والمؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم كما جاء في الحديث الشريف. وقوله- سبحانه-: ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى بيان لفضل الله- تعالى- على آدم، حيث قبل توبته، ورزقه المداومة عليها.

стр. 4052

والاجتباء: الاصطفاء والاختيار، أى: ثم بعد أن أكل آدم من الشجرة، وندم على ما فعل هو وزوجه، اجتباه ربه أى: اصطفاه وقربه واختاره فَتابَ عَلَيْهِ أى: قبل توبته وَهَدى أى: وهداه إلى الثبات عليها، وإلى المداومة على طاعة الله- تعالى- فقد اعترف هو وزوجه بخطئهما، كما في قوله- تعالى-: قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ «١» . وقد أوحى الله- تعالى- إليه بكلمات كانت السبب في قبول توبته، كما قال- سبحانه-: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ «٢» . ثم ختم- سبحانه- هذه الآيات ببيان ما آل إليه أمر آدم فقال- تعالى- قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً.... أى: انزلا من الجنة إلى الأرض مجتمعين، فألف الاثنين هنا تعود إلى آدم وحواء. أما الآيات الأخرى التي جاءت بضمير الجمع، والتي منها قوله- تعالى-: قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ... «٣» . فالضمير فيها يعود إلى آدم وزوجته وذريتهما. وقوله: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ أى: بعض ذريتكما لبعض عدو، بسبب التخاصم والتنازع والتدافع على حطام هذه الدنيا. فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً يا بنى آدم عن طريق إرسال الرسل وإنزال الكتب فعليكم أن تتبعوا رسلي، وتعملوا بما اشتملت عليه كتبي. فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ بأن آمن برسلي وصدق بكتبي. فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى لا في الدنيا ولا في الآخرة، بسبب استمساكه بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها. وشبيه هذه الآية قوله- تعالى-: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً، فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً، فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ «٤» . وبعد أن بين- سبحانه- حسن عاقبة من اتبع هداه، أتبع ذلك ببيان سوء عاقبة من أعرض عن ذكره وطاعته فقال- تعالى-:

стр. 4053

[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٢٤ الى ١٢٩] وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) وقوله: ضَنْكاً أى: شديدة الضيق. وكل شيء ضاق فهو ضنك. وهو مصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث، والواحد والجمع يقال: ضنك- ككرم- عيش فلان ضنكا وضناكة إذا ضاق. والمعنى إن من اتبع هداي الذي جاءت به رسلي فلن يضل ولن يشقى، أما من أعرض عن ذِكْرِي أى: عن هداي الذي جاءت به رسلي، واشتملت عليه كتبي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً. أى: فإن لهذا المعرض معيشة ضيقة مليئة بالهم والغم والأحزان وسوء العاقبة، حتى ولو ملك المال الوفير، والحطام الكثير.. فإن المعيشة الطيبة لا تكون إلا مع طاعة الله، وامتثال أمره، واجتناب نهيه ... قال- تعالى-: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً. قال الإمام ابن كثير: قوله- تعالى-: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً أى: في الدنيا فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى. فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد فهذا من ضنك المعيشة ...

стр. 4054

وقال سفيان بن عيينة، عن أبى حازم، عن أبى سلمه، عن أبى سعيد في قوله مَعِيشَةً ضَنْكاً قال: يضيق عليه قبره. حتى تختلف أضلاعه «١» . والمراد بالعمى في قوله- سبحانه-: وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى: عمى البصر، بدليل قوله- تعالى- بعد ذلك: قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً. وقوله- سبحانه- في آية أخرى: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا «٢» . وقيل: المراد بالعمى: هنا أنه لا حجة له يدافع بها عن نفسه، وقيل: المراد به: العمى عن كل شيء سوى جهنم. والذي يبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الحق، لأنه هو الظاهر من الآية الكريمة، ولا قرينة تمنع من إرادة هذا الظاهر. ويجمع بين هذه الآية وما يشبهها وبين الآيات الأخرى التي تدل على أن الكفار يبصرون ويسمعون ويتكلمون يوم القيامة، والتي منها قوله- تعالى-: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا ... أقول: يجمع بين هذه الآية وما يشبهها، وبين الآيات الأخرى بوجوه منها: أن عماهم وصممهم في أول حشرهم، ثم يرد الله- تعالى- عليهم بعد ذلك أبصارهم وسمعهم، فيرون النار، ويسمعون ما يحزنهم. قال الجمل: قوله: أَعْمى حال من الهاء في نحشره، والمراد عمى البصر وذلك في المحشر، فإذا دخل النار زال عنه عماه ليرى محله وحاله، فهو أعمى في حال وبصير في حال أخرى «٣» . ومنها: تنزيل سمعهم وبصرهم وكلامهم منزلة العدم لعدم انتفاعهم بذلك فقد قال- تعالى- في شأن المنافقين: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ بتنزيل سماعهم وكلامهم وإبصارهم منزلة العدم، حيث إنهم لم ينتفعوا بهذه الحواس. وقوله- سبحانه-: قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً استئناف مسوق لبيان ما يقوله ذلك المعرض عن طاعة الله يوم القيامة.

стр. 4055

أى: قال ذلك الكافر الذي حشره الله- تعالى- يوم القيامة أعمى: يا رب لماذا حشرتني على هذه الحال مع أنى كنت في الدنيا بصيرا؟. وهنا يأتيه الجواب الذي يخرسه، والذي حكاه الله- تعالى- في قوله: قالَ كَذلِكَ أى: قال الله- تعالى- في الرد عليه: الأمر كذلك، فإنك أَتَتْكَ آياتُنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا فَنَسِيتَها أى: فتركتها وأعرضت عنها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى أى: كما تركت آياتنا في الدنيا وأعرضت عنها، نتركك اليوم في النار وفي العمى جزاء وفاقا. ثم ساق- سبحانه- سنة من سننه التي لا تختلف فقال: وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى. أى: ومثل ذلك الجزاء الأليم الذي أنزلناه بهؤلاء المعرضين عن ذكرنا نجازي كل من أسرف في ارتكاب السيئات والموبقات، وكل من لم يؤمن بآيات ربه بل كذب بها وأعرض عنها، ولعذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، وَأَبْقى منه أى: وأكثر بقاء، وأطول زمانا من عذاب الدنيا. ثم وبخ- سبحانه- أولئك الذين لم ينتفعوا بآياته فقال: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ ... والهمزة للاستفهام الإنكارى التوبيخي، والفاء للعطف على مقدر.. والمعنى: أبلغت الغفلة والجهالة بهؤلاء المشركين، أنهم لم يتبين لهم، أننا أهلكنا كثيرا من أهل القرون الماضية، الذين كانوا يمشون آمنين لاهين في مساكنهم ... وكان أهلا كنا لهم بسبب إيثارهم الكفر على الإيمان، والغي على الرشد، والعمى على الهدى ... فالآية الكريمة تقريع وتوبيخ لكفار مكة الذين لم يعتبروا بما أصاب أمثالهم من الأمم السابقة، كقوم نوح وعاد وثمود ... قال الآلوسى: وقوله: يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ حال من الْقُرُونِ أو من مفعول أَهْلَكْنا أى: أهلكناهم وهم في حال آمن وتقلب في ديارهم. واختار بعضهم كونه حالا من الضمير في لَهُمْ مؤكدا للإنكار والعامل فيه يَهْدِ. أى: أفلم يهد للمشركين حال كونهم ماشين في مساكن من أهلكنا من القرون السالفة من أصحاب الحجر، وثمود، وقوم لوط، مشاهدين لآثار هلاكهم إذا سافروا إلى بلاد الشام وغيرها.. «١» .

стр. 4056

وقوله- سبحانه-: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى تذييل قصد به تعليل الإنكار، أى: إن في ذلك الذي أخبرناهم به، وأطلعناهم عليه من إهلاك المكذبين السابقين، لَآياتٍ عظيمة، وعبر كثيرة، ودلائل واضحة لأصحاب العقول السليمة، التي تنهى أصحابها عن القبائح والآثام. والنهى: جمع نهية- بضم النون وإسكان الهاء- سمى العقل بها لنهيه عن القبائح. ثم بين- سبحانه- بعض مظاهر فضله على هؤلاء المشركين الذين أرسل الرسول ﷺ لإنقاذهم من الكفر والضلالة فقال- تعالى-: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ، لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى. والمراد بالكلمة السابقة، ما تفضل الله- تعالى- به من تأخير عذاب الاستئصال عن هذه الأمة التي بعث فيها الرسول ﷺ تكريما له كما قال- تعالى- وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ... أو لأن من نسلهم من يؤمن بالله حق الإيمان، أو لحكم أخرى يعلمها- سبحانه- ولزاما: مصدر بمعنى اسم الفاعل، وفعله لازم كقاتل. وقوله: وَأَجَلٌ مُسَمًّى معطوف على كَلِمَةٌ. والمعنى: ولولا الوعد السابق منا بتأخير العذاب عن هؤلاء المشركين إلى يوم القيامة. ولولا الأجل المسمى المحدد في علمنا لانتهاء أعمارهم، لما تأخر عذابهم أصلا، بل لكان العذاب لازما لهم في الدنيا، ونازلا بهم كما نزل بالسابقين من أمثالهم في الكفر والضلال. ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ بالمداومة على الصبر، وعلى الإكثار من ذكره- تعالى- ونهاه عن التطلع إلى زينة الحياة الدنيا. فقال- تعالى-: [سورة طه (٢٠) : الآيات ١٣٠ الى ١٣٢] فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠) وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢)

стр. 4057

والفاء في قوله- تعالى-: فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ... فصيحة، أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا لك- أيها الرسول الكريم- من أن تأخير عذاب أعدائك للإمهال وليس للإهمال.. فاصبر على ما يقولونه في شأنك من أنك ساحر أو مجنون.. وسر في طريقك دون أن تلتفت إلى إيذائهم أو مكرهم واستهزائهم. ثم أرشده- سبحانه- إلى ما يشرح صدره، ويجلو همه فقال: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها، وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى. أى: وعليك- أيها الرسول الكريم- أن تكثر من تسبيح ربك وتحميده وتنزيهه قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وفي ساعات الليل وفي «أطراف النهار» . أى: في الوقت الذي يجمع الطرفين، وهو وقت الزوال، إذ هو نهاية النصف الأول من النهار، وبداية النصف الثاني منه، إذ في هذا التسبيح والتحميد والتنزيه لله- تعالى- والثناء عليه بما هو أهله، جلاء للصدور، وتفريج للكروب وأنس للنفوس، واطمئنان للقلوب. ويرى كثير من المفسرين، أن المراد بالتسبيح هنا: إقامة الصلاة والمداومة عليها. قال ابن كثير: قوله وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يعنى صلاة الفجر وَقَبْلَ غُرُوبِها يعنى صلاة العصر، كما جاء في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته- أى: لا ينالكم ضيم في رؤيته بأن يراه بعضكم دون بعض- فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا» ثم قرأ هذه الآية.. وقوله: وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ أى: من ساعاته فتهجد به، وحمله بعضهم على المغرب والعشاء. وَأَطْرافَ النَّهارِ في مقابلة آناء الليل لَعَلَّكَ تَرْضى كما قال- سبحانه-: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى «١» . وبعد هذا الأمر بالتسبيح، جاء النهى عن الإعجاب بالدنيا وزينتها فقال- تعالى-: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ... أى: أكثر- أيها الرسول الكريم- من الاتجاه إلى ربك، ومن تسبيحه وتنزيهه ومن المداومة على الصلاة ولا تطل نظر عينيك بقصد الرغبة والميل إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ.

стр. 4058

أى: إلى ما متعنا به أصنافا من هؤلاء المشركين، بأن منحناهم الجاه والمال والولد. وما جعلناه لهم في هذه الدنيا بمثابة الزهرة التي سرعان ما تلمع ثم تذبل وتزول. قال الآلوسى ما ملخصه: قوله أَزْواجاً مِنْهُمْ أى: أصنافا من الكفرة، وهو مفعول مَتَّعْنا قدم عليه الجار والمجرور للاعتناء به.. وقيل الخطاب له ﷺ والمراد أمته، لأنه كان أبعد الناس عن إطالة النظر إليها، وهو القائل: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ما أريد به وجه الله- تعالى-» وكان ﷺ شديد النهى عن الاغترار بها. ويؤخذ من الآية أن النظر غير الممدود معفو منه، وكأن المنهي عنه في الحقيقة هو الإعجاب بذلك، والرغبة فيه، والميل إليه. وقوله: زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا أى: زينتها وبهجتها. وهو منصوب بمحذوف يدل عليه مَتَّعْنا. أى: جعلنا لهم زهرة، أو على أنه مفعول ثان، بتضمين متعنا معنى أعطينا، فأزواجا مفعول أول، وزهرة هو المفعول الثاني.. «١» . وقوله: لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ بيان للحكمة من هذا التمتيع والعطاء أى متعنا هؤلاء الكافرين بالأموال والأولاد.. لنعاملهم معاملة من يبتليهم ويختبرهم بهذا المتاع، فإذا آمنوا وشكروا زدناهم من خيرنا، وإذا استمروا في طغيانهم وجحودهم وكفرهم، أخذناهم أخذ عزيز مقتدر. فالجملة الكريمة تنفر العقلاء من التطلع إلى ما بين أيدى الكفار من متاع، لأن هذا المتاع سيئ العاقبة، إذا لم يستعمل في طاعة الله- تعالى-. وقوله- سبحانه-: وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى تذييل قصد به الترغيب فيما عند الله- تعالى- من طيبات. أى: وما رزقك الله إياه- أيها الرسول الكريم- في هذه الدنيا من طيبات. وما ادخره لك في الآخرة من حسنات، خير وأبقى مما متع به هؤلاء الكافرين من متاع زائل سيحاسبهم الله- تعالى- عليه يوم القيامة حسابا عسيرا، لأنهم لم يقابلوا نعم الله عليهم بالشكر، بل قابلوها بالجحود والكفران. والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد رسمت للمؤمن أفضل الطرق وأحكمها، لكي يحيا حياة فاضلة طيبة، حياة يعتز فيها صاحبها بالمعاني الشريفة الباقية، ويعرض عن المظاهر والزخارف الزائلة.

стр. 4059

ثم كلف الله- تعالى- رسوله ﷺ أن يأمر أهل بيته بالمداومة على إقامة الصلاة فقال: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها. والمراد بأهل بيته ﷺ أزواجه وبناته: وقيل: ما يشملهم ويشمل معهم جميع المؤمنين من بنى هاشم. وقيل المراد بهم: جميع أتباعه من أمته. أى: وأمر- أيها الرسول الكريم- أهل بيتك بالمداومة على إقامة الصلاة بخشوع وإخلاص واطمئنان، واصطبر على تكاليفها ومشاقها، وعلى إقامتها كاملة غير منقوصة، وعلى تحقيق آثارها الطيبة في نفسك. وقد ساق بعض المفسرين عن تفسيره لهذه الآية أحاديث منها ما أخرجه البيهقي عن عبد الله بن سلام قال: كان النبي ﷺ إذا نزلت بأهله شدة أو ضيق أمرهم بالصلاة، وتلا هذه الآية: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ ... وأخرج مالك والبيهقي عن أسلم قال: كان عمر بن الخطاب يصلى من الليل ما شاء الله- تعالى- أن يصلى حتى إذا كان آخر الليل أيقظ أهله للصلاة ويقول لهم: الصلاة، الصلاة ويتلو هذه الآية ... «١» . وقوله- سبحانه- لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى تشجيع وتحريض للمؤمنين على إقامة الصلاة، ودفع لما يتوهمه البعض من أن المداومة على إقامة الصلاة قد تشغل الإنسان عن السعى في طلب المعاش. أى: مر- أيها الرسول الكريم- أهلك بالمداومة على الصلاة، واصطبر على تكاليفها، فهذه الصلاة هي من أركان العبادات التي خلقك الله وخلق عباده من أجلها، ولا يصح أن يشغلكم عنها أى شاغل من سعى في طلب الرزق أو غيره، فنحن لا نكلفكم أن ترزقوا أنفسكم أو غيركم، وإنما نحن الذين نرزقكم ونرزق الخلق جميعا قال- تعالى-: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها.. «٢» . وقال- سبحانه-: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «٣» . وقوله وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى أى: والعاقبة الحميدة لأهل التقوى والخشية من الله- تعالى- الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة..

стр. 4060

روى الترمذي وابن ماجة عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله- تعالى-: «يا بن آدم. تفرغ لعبادتي، املأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا، ولم أسد فقرك» . وروى ابن ماجة عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له. ومن كان الآخرة نيته، جمع له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة «١» . ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بإيراد بعض الشبهات التي أثارها المشركون حول النبي ﷺ ورد عليها بما يبطلها فقال- تعالى-: [سورة طه (٢٠) : الآيات ١٣٣ الى ١٣٥] وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥) ومرادهم بالآية في قوله- سبحانه-: وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ معجزة حية من المعجزات التي اقترحوها عليه ﷺ كتفجير الأنهار حول مكة، وكرقيه إلى السماء، وكنزول الملائكة معه.. أى: وقال الكافرون على سبيل التعنت والعناد للرسول ﷺ هلا أتيت لنا يا محمد بآية من الآيات التي طلبناها منك، أو بآية من الآيات التي أتى بها الأنبياء من قبلك، كالعصا بالنسبة لموسى، والناقة بالنسبة لصالح. فهم- كما يقول الآلوسى-: «بلغوا من المكابرة والعناد إلى حيث لم يعدوا ما شاهدوا من المعجزات التي تخر لها صم الجبال، من قبيل الآيات، حتى اجترءوا على التفوه بهذه العظيمة الشنعاء.

стр. 4061

وقوله- سبحانه-: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى رد على جهالاتهم وجحودهم. والمراد بالبينة القرآن الكريم الذي هو أم الآيات، ورأس المعجزات. والمراد بالصحف الأولى: الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل والزبور. والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام، والاستفهام لتقرير الإتيان وثبوته. والمعنى: أجهلوا ولم يكفهم اشتمال القرآن الذي جئت به- أيها الرسول الكريم- على بيان ما في الصحف الأولى التي أنزلناها على الرسل السابقين، ولم يكفهم ذلك في كونه معجزة حتى طلبوا غيرها؟. قال صاحب الكشاف: اقترحوا على عادتهم في التعنت آية على النبوة، فقيل لهم: أو لم تأتكم آية من أم الآيات وأعظمها في باب الإعجاز، يعنى القرآن، من جهة أن القرآن برهان ما في سائر الكتب المنزلة، ودليل صحته لأنه معجزة، وتلك ليست بمعجزات، فهي مفتقرة إلى شهادته على صحة ما فيها، افتقار المحتج عليه إلى شهادة الحجة. «١» . وقال ابن كثير: قوله: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى يعنى: القرآن العظيم، الذي أنزله الله- تعالى- عليه ﷺ وقد جاء فيه أخبار الأولين بما كان منهم في سالف الدهور، بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها، فإن القرآن مهيمن عليها.. وهذه الآية كقوله- تعالى-: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ، قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ «٢» . وفي الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما من نبي إلا وقد أوتى من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» «٣» . ومنهم من يرى أن المراد بالبينة: الكتب السماوية السابقة. فيكون المعنى: أو لم يكف هؤلاء الجاهلين أن الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل قد بشرت بك وبينت نعوتك وصفاتك، وهم معترفون بصدقها، فكيف لا يقرون بنبوتك. قال القرطبي: وقوله: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى يريد التوراة والإنجيل

стр. 4062

والكتب المتقدمة، وذلك أعظم آية إذ أخبر بما فيها. وقيل: أو لم تأتهم الآية الدالة على نبوته بما وجدوه في الكتب المتقدمة من البشارة.. «١» . وعلى كلا التفسيرين فالآية الكريمة شهادة من الله- تعالى- بصدق النبي ﷺ فيما بلغه عنه، ورد مبطل لشبهات الكافرين ولأقوالهم الباطلة، وإن كان تفسير البينة هنا بالقرآن أظهر وأوضح. وقوله- تعالى-: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى كلام مستأنف لتقرير ما قبله من أن القرآن الكريم هو معجزة المعجزات، وآية الآيات وأرفعها وأنفعها. أى: ولو أنا أهلكنا هؤلاء الكافرين بعذاب الاستئصال، من قبل مجيء الرسول ﷺ إليهم ومعه هذا القرآن الكريم معجزة له، لقالوا على سبيل الاعتذار يوم القيامة: يا ربنا هلا أرسلت إلينا في الدنيا رسولا من عندك ومعه المعجزات التي تدل على صدقه، فكنا في هذه الحالة اتبعنا آياتك التي جاءنا بها وصدقناه وآمنا به، من قبل أن يحصل لنا الذل والهوان والخزي والافتضاح في الآخرة. والمقصود من الآية الكريمة قطع أعذارهم، أى: لو أنا أهلكناهم قبل ذلك، لقالوا ما قالوا، ولكنا لم نهلكهم بل أرسلنا إليهم رسولنا، فبلغهم ما أرسلناه به، فانقطع عذرهم، وبطلت حجتهم. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «٢» . ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بهذه الآية التي أمر فيها رسوله ﷺ أن يهددهم بسوء العاقبة، إذا ما استمروا في طغيانهم يعمهون، فقال- تعالى-: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى. أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الكافرين: كل واحد منا ومنكم متربص بالآخر، ومنتظر لما يؤول إليه أمر صاحبه. وما دام الأمر كذلك فَتَرَبَّصُوا وانتظروا ما يؤول إليه حالنا وحالكم فَسَتَعْلَمُونَ بعد زمن قريب. مَنْ هم أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ أى: الطريق الواضح

стр. 4063

المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ومن هم الذين تجنبوا الضلالة، واهتدوا إلى ما يسعدهم في دينهم وفي دنياهم وفي آخرتهم. وقريب من هذه الآية في المعنى قوله- تعالى-: سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ «١» . وقوله- سبحانه-: وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا «٢» . وبعد فهذه سورة طه، وهذا تفسير تحليلي لها، وكما أنها قد افتتحت بنفي إرادة الشقاء للنبي ﷺ فقد اختتمت بهذه البشارة له ﷺ ولأتباعه وبهذا التهديد لأعدائهم ... نسأل الله- تعالى- أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وأنس نفوسنا وبهجة صدورنا، وشفيعنا يوم الدين يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.. د. محمد سيد طنطاوى

стр. 4064

تفسير سورة الأنبياء

стр. 4065

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدّمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. وبعد: فهذا تفسير تحليلي لسورة (الأنبياء) وأسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده وشفيعا لنا يوم نلقاه. (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم. المؤلف د/ محمد سيد طنطاوى
следующие страницы →