← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

وقوله- سبحانه-: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى رد على جهالاتهم وجحودهم. والمراد بالبينة القرآن الكريم الذي هو أم الآيات، ورأس المعجزات. والمراد بالصحف الأولى: الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل والزبور. والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام، والاستفهام لتقرير الإتيان وثبوته. والمعنى: أجهلوا ولم يكفهم اشتمال القرآن الذي جئت به- أيها الرسول الكريم- على بيان ما في الصحف الأولى التي أنزلناها على الرسل السابقين، ولم يكفهم ذلك في كونه معجزة حتى طلبوا غيرها؟. قال صاحب الكشاف: اقترحوا على عادتهم في التعنت آية على النبوة، فقيل لهم: أو لم تأتكم آية من أم الآيات وأعظمها في باب الإعجاز، يعنى القرآن، من جهة أن القرآن برهان ما في سائر الكتب المنزلة، ودليل صحته لأنه معجزة، وتلك ليست بمعجزات، فهي مفتقرة إلى شهادته على صحة ما فيها، افتقار المحتج عليه إلى شهادة الحجة. «١» . وقال ابن كثير: قوله: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى يعنى: القرآن العظيم، الذي أنزله الله- تعالى- عليه ﷺ وقد جاء فيه أخبار الأولين بما كان منهم في سالف الدهور، بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها، فإن القرآن مهيمن عليها.. وهذه الآية كقوله- تعالى-: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ، قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ «٢» . وفي الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما من نبي إلا وقد أوتى من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» «٣» . ومنهم من يرى أن المراد بالبينة: الكتب السماوية السابقة. فيكون المعنى: أو لم يكف هؤلاء الجاهلين أن الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل قد بشرت بك وبينت نعوتك وصفاتك، وهم معترفون بصدقها، فكيف لا يقرون بنبوتك. قال القرطبي: وقوله: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى يريد التوراة والإنجيل

стр. 4062

والكتب المتقدمة، وذلك أعظم آية إذ أخبر بما فيها. وقيل: أو لم تأتهم الآية الدالة على نبوته بما وجدوه في الكتب المتقدمة من البشارة.. «١» . وعلى كلا التفسيرين فالآية الكريمة شهادة من الله- تعالى- بصدق النبي ﷺ فيما بلغه عنه، ورد مبطل لشبهات الكافرين ولأقوالهم الباطلة، وإن كان تفسير البينة هنا بالقرآن أظهر وأوضح. وقوله- تعالى-: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى كلام مستأنف لتقرير ما قبله من أن القرآن الكريم هو معجزة المعجزات، وآية الآيات وأرفعها وأنفعها. أى: ولو أنا أهلكنا هؤلاء الكافرين بعذاب الاستئصال، من قبل مجيء الرسول ﷺ إليهم ومعه هذا القرآن الكريم معجزة له، لقالوا على سبيل الاعتذار يوم القيامة: يا ربنا هلا أرسلت إلينا في الدنيا رسولا من عندك ومعه المعجزات التي تدل على صدقه، فكنا في هذه الحالة اتبعنا آياتك التي جاءنا بها وصدقناه وآمنا به، من قبل أن يحصل لنا الذل والهوان والخزي والافتضاح في الآخرة. والمقصود من الآية الكريمة قطع أعذارهم، أى: لو أنا أهلكناهم قبل ذلك، لقالوا ما قالوا، ولكنا لم نهلكهم بل أرسلنا إليهم رسولنا، فبلغهم ما أرسلناه به، فانقطع عذرهم، وبطلت حجتهم. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «٢» . ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بهذه الآية التي أمر فيها رسوله ﷺ أن يهددهم بسوء العاقبة، إذا ما استمروا في طغيانهم يعمهون، فقال- تعالى-: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى. أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الكافرين: كل واحد منا ومنكم متربص بالآخر، ومنتظر لما يؤول إليه أمر صاحبه. وما دام الأمر كذلك فَتَرَبَّصُوا وانتظروا ما يؤول إليه حالنا وحالكم فَسَتَعْلَمُونَ بعد زمن قريب. مَنْ هم أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ أى: الطريق الواضح

стр. 4063

المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ومن هم الذين تجنبوا الضلالة، واهتدوا إلى ما يسعدهم في دينهم وفي دنياهم وفي آخرتهم. وقريب من هذه الآية في المعنى قوله- تعالى-: سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ «١» . وقوله- سبحانه-: وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا «٢» . وبعد فهذه سورة طه، وهذا تفسير تحليلي لها، وكما أنها قد افتتحت بنفي إرادة الشقاء للنبي ﷺ فقد اختتمت بهذه البشارة له ﷺ ولأتباعه وبهذا التهديد لأعدائهم ... نسأل الله- تعالى- أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وأنس نفوسنا وبهجة صدورنا، وشفيعنا يوم الدين يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.. د. محمد سيد طنطاوى

стр. 4064

تفسير سورة الأنبياء

стр. 4065

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدّمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. وبعد: فهذا تفسير تحليلي لسورة (الأنبياء) وأسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده وشفيعا لنا يوم نلقاه. (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم. المؤلف د/ محمد سيد طنطاوى

стр. 4066

تمهيد بين يدي السورة ١- سورة الأنبياء، من السور المكية. وعدد آياتها اثنتا عشرة ومائة عند الكوفيين. وعند غيرهم إحدى عشرة آية ومائة. وكان نزولها بعد سورة إبراهيم. قال الآلوسى: وهي سورة عظيمة، فيها موعظة فخيمة، فقد أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية، وابن عساكر، عن عامر بن ربيعة أنه نزل به رجل من العرب فأكرمه عامر، وكلم فيه رسول الله ﷺ فجاءه الرجل فقال: إنى استقطعت رسول الله ﷺ واديا ما في العرب واد أفضل منه. وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك. فقال عامر: لا حاجة لي في ذلك، فقد نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا. ثم قرأ: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ.. «١» . ٢- وعند ما نقرأ هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل، نراها في مطلعها تسوق لنا ما يهز القلوب، ويحملها على الاستعداد لاستقبال يوم القيامة بالإيمان والعمل الصالح، ويزجرها عن الغفلة والإعراض. قال- تعالى-: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ. ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ... ٣- ثم تحكى السورة بعد ذلك ألوانا من الشبهات التي أثارها المشركون حول الرسول ﷺ وحول دعوته، وردت عليهم بما يبطل شبهاتهم وأقوالهم، فقال- تعالى-: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ، بَلْ هُوَ شاعِرٌ، فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ. ٤- ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك ادلة متعددة على وحدانية الله- تعالى- وعلى شمول قدرته. منها قوله- : أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ.

стр. 4067

وقوله- سبحانه-: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما، وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ. ٥- وبعد أن ذكرت السورة ألوانا من نعم الله على خلقه، وحكت جانبا من تصرفات المشركين السيئة مع النبي ﷺ أتبعت ذلك بتسليته ﷺ عما قالوه في شأنه. قال- تعالى-: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. ٦- ثم عرضت السورة الكريمة جانبا من قصص بعض الأنبياء، تارة على سبيل الإجمال، وتارة بشيء من التفصيل، فتحدثت عن موسى وهارون، وعن إبراهيم ولوط، وعن إسحاق ويعقوب، وعن نوح وأيوب، وعن داود وسليمان، وعن إسماعيل وإدريس، وعن يونس وزكريا. وفي نهاية حديثها عنهم- صلوات الله وسلامه عليهم- عقبت بالمقصود الأساسى من رسالتهم، وهو دعوة الناس جميعا إلى إخلاص العبادة لله- تعالى-، وأنهم جميعا قد جاءوا برسالة واحدة في جوهرها، فقال- تعالى-: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ. ٧- ثم تحدثت في أواخرها عن أشراط الساعة، وعن أهوالها، وعن أحوال الناس فيها. قال- تعالى-: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا، يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ. ٨- ثم ختم- سبحانه- سورة الأنبياء بالحديث عن سنة من سننه التي لا تتخلف، وعن رسالة نبيه ﷺ وعن موقفه من أعدائه، فقال- تعالى-: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ، وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ .

стр. 4068

وبعد: فهذا عرض إجمالى لسورة الأنبياء، ومنه نرى أنها قد أقامت ألوانا من الأدلة على وحدانية الله- تعالى-، وعلى صدق الرسول ﷺ فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن يوم القيامة حق ... كما حكت شبهات المشركين وردت عليها بما يبطلها، كما ساقت نماذج متعددة من قصص الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام. ونسأل الله- تعالى- أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. د. محمد سيد طنطاوى

стр. 4069

التفسير قال الله تعالى: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وقوله- سبحانه-: اقْتَرَبَ من القرب الذي هو ضد البعد. والمعنى: قرب الزمن الذي يحاسب فيه الناس على أعمالهم في الدنيا، والحال أن الكافرين منهم في غفلة تامة عن هذا الحساب، وفي إعراض مستمر عن الاستعداد له بالإيمان والعمل الصالح. قال الإمام ابن كثير: هذا تنبيه من الله- على اقتراب الساعة ودنوها، وأن الناس في غفلة عنها، أى لا يعملون لها، ولا يستعدون من أجلها. قال- تعالى-: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ... وقال: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ

стр. 4070

الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ «١» . وعبر سبحانه- بالقرب مع أنه قد مضى على نزول هذه الآية وأمثالها أكثر من أربعة عشر قرنا، لأن كل آت وإن طالت أوقات استقباله وترقبه، قريب الوقوع، ولأن ذلك الوقت وإن كان كبيرا في عرف الناس، إلا أنه عند الله- تعالى- قليل، كما قال- سبحانه-: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ «٢» . وقال- تعالى-: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً «٣» . وقال- تعالى-: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ.. بلفظ العموم، مع أن ما بعده من ألفاظ الغفلة والإعراض يشعر بأن المراد بهم الكافرون، للتنبيه على أن الحساب سيشمل الجميع، إلا أنه بالنسبة للكافرين سيكون حسابا عسيرا. قال صاحب الكشاف: وصفهم بالغفلة مع الإعراض، على معنى: أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم، ولا يتفطنون لما ترجع إليه خاتمة أمرهم، مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء للمحسن والمسيء. وإذا قرعت لهم العصا، ونبهوا عن سنة الغفلة، وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنذر، أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا «٤» . وفي التعبير عن اقتراب يوم القيامة باقتراب الحساب، زيادة في الترهيب والتخويف، وفي الحض على الاستعداد لهذا اليوم، لأنه يوم يحاسب فيه الناس على أعمالهم في الدنيا حسابا دقيقا، ولن تملك فيه نفس لنفس شيئا، وإنما يجازى فيه كل إنسان بحسب عمله. وقوله- سبحانه-: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ بيان لمواقف هؤلاء الغافلين اللاهين ممن يذكرهم بأهوال ذلك اليوم. والمراد بالذكر: ما ينزل من آيات القرآن على النبي ﷺ . والمراد بالمحدث: الحديث العهد بالنزول على النبي ﷺ وهو صفة لذكر. أى: أن هؤلاء الغافلين المعرضين عن الاستعداد ليوم الحساب، لا يصل إلى أسماعهم شيء من القرآن الكريم، الذي أنزله الله- تعالى- على قلب نبيه ﷺ آية فآية، أو سورة بعد سورة في أوقات متقاربة، إلا استمعوا إلى هذا القرآن المحدث تنزيله على الرسول

стр. 4071

صلّى الله عليه وسلّم وهم يلعبون، دون أن يحرك منهم عاطفة نحو الإيمان به، فهم لانطماس بصيرتهم، وقسوة قلوبهم، وجحود نفوسهم للحق، لا يتعظون ولا يعتبرون. وقوله: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ.. يشعر بأن ما نزل من قرآن قد وصل إليهم دون أن يتعبوا أنفسهم في الحصول عليه، بل أتاهم وهم في أماكنهم بدون سعى إليه. وقوله ذِكْرٍ فاعل ومِنْ مزيدة للتأكيد. وقوله مِنْ رَبِّهِمْ متعلق بمحذوف صفة لذكر، ومِنْ لابتداء الغاية أى: ما يأتيهم من ذكر كائن من ربهم وخالقهم ورازقهم، في حال من الأحوال، إلا استمعوه وهم هازلون مستهترون. وقوله: لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ حال أخرى من أحوالهم الغريبة التي تدل على نهاية طغيانهم وفجورهم، لأنهم بجانب استماعهم إلى ما ينزل من القرآن بلعب وغفلة، تستقبله قلوبهم- التي هي محل التدبر والتفكر- بلهو واستخفاف. ثم حكى- سبحانه- لونا من ألوان مكرهم وخبثهم فقال: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا والنجوى: المسارة بالحديث، وإخفاؤه عن الناس. أى: بعد أن استمعوا إلى القرآن بإعراض ولهو واستهتار، اختلى بعضهم ببعض، وبالغوا في إخفاء ما يضمرونه من سوء نحو النبي ﷺ ونحو ما جاء به من عند الله- تعالى-، وحاولوا أن يظهروا ذلك فيما بينهم فحسب، مبالغة منهم في المكر السيئ الذي حاق بهم. وقوله- سبحانه-: هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ. أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ بيان لما قالوه في تناجيهم من سوء. والاستفهام للنفي والإنكار. أى: أنهم قالوا في تناجيهم: ما هذا الذي يدعى النبوة، وهو محمد ﷺ إلا بشر مثلكم، ولا يمكن أن يكون رسولا، وما جاءنا به إنما هو السحر بعينه، فكيف تذهبون إليه، وتقبلون منه ما يدعيه، والحال أنكم تعاينون بأبصاركم سحره. وما حملهم على هذا القول الباطل إلا توهمهم أن الرسول لا يكون من البشر، وأن كل ما يظهر على يد مدعى النبوة من البشر من خوارق، إنما هو من قبيل السحر. قال الآلوسى: وأرادوا بقولهم: «ما هذا إلا بشر مثلكم» أى: من جنسكم، وما أتى به سحر، تعلمون ذلك فتأتونه وتحضرونه على وجه الإذعان والقبول وأنتم تعاينون أنه سحر. قالوا ذلك بناء على ما ارتكز في اعتقادهم الزائغ أن الرسول لا يكون إلا ملكا، وأن كل ما يظهر على يد

стр. 4072

البشر من الخوارق من قبيل السحر. وعنوا بالسحر. هنا القرآن الكريم، ففي ذلك إنكار لحقيته على أبلغ وجه، قاتلهم الله- تعالى-: أنّى يؤفكون. وإنما أسروا ذلك، لأنه كان على طريق توثيق العهد، وترتيب مبادئ الشر والفساد وتمهيد مقدمات المكر والكيد في هدم أمر النبوة. وإطفاء نور الدين ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون «١» . هذا، ودعوى المشركين أن الرسول لا يكون بشرا، قد حكاها القرآن في كثير من آياته، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى، إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا «٢» . وقد رد الله- تعالى- عليهم هذه الدعوى الكاذبة في كثير من آيات كتابه- أيضا، ومن ذلك قوله : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى.. «٣» . ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك ما لقنه لنبيه ﷺ من الرد عليهم، فقال: قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. أى: قال الرسول ﷺ في الرد على ما تناجوا به سرا: ربي الذي أرسلنى لإخراجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. يعلم ما تقولونه سواء كان سرا أم جهرا، وسواء أكان القائل موجودا في السماء أم في الأرض، وهو وحده السميع لجميع ما يسمع، العليم بكل شيء في هذا الكون. وما دام الأمر كذلك فأنا سأمضى في طريقي مبلغا رسالته- سبحانه-، أما أنتم فسترون سوء عاقبتكم إذا ما سرتم في طريق الكفر والعناد. وفي قراءة سبعية بلفظ قل على الأمر للنبي ﷺ . أى: قل لهم- أيها الرسول الكريم- ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم. وقوله- تعالى-: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ، بَلِ افْتَراهُ، بَلْ هُوَ شاعِرٌ إضراب من جهته- تعالى-، وانتقال من حكاية قولهم السابق هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ.. إلى حكاية أقوال أخرى باطلة قالوها في شأنه ﷺ وفي شأن ما جاء به. أى: أن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بما قالوه قبل ذلك في شأن الرسول ﷺ من أنه

стр. 4073

بشر وما جاء به سحر، بل أضافوا إلى ذلك أن القرآن أضغاث أحلام. أى: أخلاط كأخلاط الأحلام، وأنه أباطيل لا حقيقة لها. والأضغاث: جمع ضغث. وأصله ما جمع من أنواع شتى من النبات ثم حزم في حزمة واحدة. والأحلام: جمع حلم- بضم الحاء وسكون اللام- وهو ما يراه النائم مما ليس بحسن. وقد استعير هذا التركيب لما يراه النائم من وساوس وأحلام خلال نومه بَلِ افْتَراهُ أى: اختلق هذا القرآن من عند نفسه. بَلْ هُوَ شاعِرٌ أى: أن الرسول ﷺ شاعر- في زعمهم- وما أتى به هو نوع من الشعر التخييلى الذي لا حقيقة له. ثم أضافوا إلى هذا التخبط واضطراب قولهم: فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ. ومرادهم بالآية هنا: آية كونية، والجملة جواب لشرط محذوف يفصح عنه السياق، والتقدير: إن لم يكن كما قلنا في شأنه من أنه شاعر بل كان رسولا حقا فليأتنا بخارق يدل على صدقه كناقة صالح، وعصا موسى، وإحياء عيسى للأموات.. فإن المرسلين السابقين فعلوا ذلك. وكأنهم- لانطماس بصائرهم وشدة جهالاتهم- لا يعتبرون القرآن الذي هو آية الآيات- لا يعتبرونه آية ومعجزة تدل على صدقه ﷺ . فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد صورت تخبط هؤلاء المشركين تصويرا حكيما، شأنهم في ذلك شأن الحائر المضطرب الذي لا يستطيع الثبات على قرار، بل هو لتمحله وتعلله ينتقل من دعوى باطلة إلى أخرى أشد منها بطلانا. وقد نفى القرآن عن الرسول ﷺ كل هذه الدعاوى الباطلة، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ «١» . وقوله- سبحانه- وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ «٢» .

стр. 4074

ثم بين- سبحانه- جانبا من مظاهر فضله ورحمته بهؤلاء الذين أرسل إليهم رسوله محمدا ﷺ فقال: ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ. أى: أن هؤلاء الجاهلين من قومك- أيها الرسول الكريم- قد طلبوا منك آية كونية كالتي جاء بها موسى وعيسى وصالح.. وهذه الخوارق عند ما جاء بها هؤلاء الرسل ولم يؤمن بها أقوامهم أهلكنا هؤلاء الأقوام، وفقا لسنتنا التي لا تتخلف في إهلاك من يكذبون بآياتنا، ولو أنا أعطيناك هذه الخوارق ولم يؤمن بها قومك لأهلكناهم كما أهلكنا السابقين، لذا اقتضت حكمتنا ورحمتنا أن نمنع عنهم ما طلبوه، لأنهم بشر كالسابقين. ومادام السابقون لم يؤمنوا بهذه الخوارق فهؤلاء أيضا لن يؤمنوا بها. فالاستفهام في قوله: أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ للإنكار. أى: أن هؤلاء الكافرين من أمتك- أيها الرسول الكريم- لن يؤمنوا بهذه الخوارق التي طلبوها متى جاءتهم لأنهم لا يقلون عتوا وعنادا عن السابقين الذين لم يؤمنوا بها فأهلكهم الله. وصدق الله إذ يقول: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ «١» . ثم بين- سبحانه- أن حكمته قد اقتضت أن يكون جميع الرسل من البشر وأن يعيشوا الحياة التي تقتضيها الطبيعة البشرية، وأن يؤيدهم الله- تعالى- بالمعجزات الدالة على صدقهم، فقال- تعالى-: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٧ الى ٩] وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) أى: وما أرسلنا قبلك- أيها الرسول الكريم- إلى الأمم السابقة إلا رسلا من البشر، ليعيشوا حياة البشر، ويتمكنوا من التعامل والتخاطب والتفاهم مع من هم من جنسهم، ولو كان الرسل من غير البشر لما كانت هناك وشيجة ورابطة بينهم وبين أقوامهم.

стр. 4075

وهذه الجملة رد مفحم على المشركين الجاهلين الذين استبعدوا أن يكون الرسول بشرا وقالوا قبل ذلك: هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ. وقوله- تعالى- نُوحِي إِلَيْهِمْ استئناف مبين لكيفية الإرسال. أى: اقتضت حكمتنا أن يكون الرسل من الرجال، وأن نبلغهم ما نكلفهم به عن طريق الوحى المنزل إليهم من جهتنا. وقوله- سبحانه-: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ توبيخ لهم وتجهيل، لأنهم قالوا ما قالوا بدون تعقل أو تدبر. والمراد بأهل الذكر: علماء أهل الكتاب الذين كان المشركون يرجعون إليهم في أمور دينهم. والفاء في قوله: فَسْئَلُوا.. لترتيب ما بعدها على ما قبلها. وجواب الشرط محذوف لدلالة الكلام عليه. أى: مادامت قد بلغت بكم الجهالة أن تستبعدوا أن يكون الرسول بشرا فاسألوا أهل العلم في ذلك، فسيبينون لكم أن الرسل السابقين لم يكونوا إلا رجالا. قال القرطبي: قوله- تعالى-: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ يريد أهل التوراة والإنجيل الذين آمنوا بالنبي ﷺ وسماهم أهل الذكر، لأنهم كانوا يذكرون خبر الأنبياء، مما لم تعرفه العرب، وكان كفار قريش يراجعون أهل الكتاب في أمر النبي ﷺ . وقال ابن زيد: أراد بالذكر: القرآن. أى: فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن.. «١» . ثم أكد- سبحانه- هذه الحقيقة وهي كون الرسل من البشر فقال: وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ. والضمير في جَعَلْناهُمْ يعود إلى الرسل، والجسد مصدر جسد الدم يجسد- من باب فرح- إذا التصق بغيره، وأطلق على الجسم جسد، لالتصاق أجزائه بعضها ببعض، ويطلق هذا اللفظ على الواحد المذكر وغيره ولذلك أفرد، أو هو أفرد لإرادة الجنس. أى: وما جعلنا الرسل السابقين عليك يا محمد أجسادا لا تأكل ولا تشرب كالملائكة، وإنما جعلناهم مثلك يأكلون ويشربون ويتزوجون ويتناسلون ويعتريهم ما يعترى البشر من

стр. 4076

سرور وحزن، ويقظة ونوم.. وغير ذلك مما يحسه البشر. وما جعلناهم- أيضا- خالدين في هذه الحياة بدون موت، وإنما جعلنا لأعمارهم أجلا محددا تنتهي حياتهم عنده بدون تأخير أو تقديم. قال- تعالى-: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ «١» . وقوله- سبحانه-: ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ.. بيان لسنة الله- تعالى- الجارية مع رسله- عليهم الصلاة والسلام-. أى: ثم صدقنا هؤلاء الرسل ما وعدناهم به من جعل العاقبة لهم فَأَنْجَيْناهُمْ من العذاب الذي أنزلناه بأعدائهم. وأنجينا معهم مَنْ نَشاءُ إنجاءهم من المؤمنين بهم. وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ الذين تجاوزوا الحدود في كفرهم وتطاولهم على الرسل الكرام، وإعراضهم عن دعوتهم. وإلى هنا نرى الآيات الكريمة من أول السورة إلى هنا، قد أنذرت الناس باقتراب يوم الحساب، وحذرتهم من الغفلة عنه، ومن الإعراض عن الاستعداد له بالإيمان والعمل الصالح، وحكت ما قاله المشركون من تهم باطلة تتعلق بالرسول ﷺ وبما جاء به من عند ربه- تعالى- وردت عليها بما يزهقها، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون. ثم بين- سبحانه- أن ما أنزله على نبيه ﷺ هو خير الآيات وأخلدها وأشرفها، وأنه يشرف الأمة التي تنتسب إليه، وأن الأمم السابقة التي كذبت بالخوارق والمعجزات التي جاء بها الرسل- ﵈ أهلكها الله- تعالى- هلاك استئصال- فقال- تعالى-: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٠ الى ١٥] لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠) وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (١٤) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ (١٥)

стр. 4077

قال الآلوسى: «قوله- تعالى-: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً.. كلام مستأنف لتحقيق حقية القرآن العظيم، الذي ذكر في صدر السورة إعراض الناس عما يأتيهم من آياته، واستهزاؤهم به، واضطرابهم في أمره، وبيان علو مرتبته، إثر تحقيق رسالته ﷺ ، ببيان أنه كسائر الرسل الكرام، وقد صدر الكلام بالتوكيد القسمي، إظهارا لمزيد الاعتناء بمضمونه وإيذانا، بأن المخاطبين في أقصى مراتب النكير، والخطاب لقريش، وجوز أن يكون لجميع العرب.» «١» . والمعنى: لقد أنزلنا إليكم يا معشر العرب عن طريق رسولنا محمد ﷺ كتابا عظيم الشأن، نير البرهان، مشتملا على ما يسعدكم، وهذا الكتاب فِيهِ ذِكْرُكُمْ أى: فيه شرفكم، وعلو منزلتكم، وحسن موعظتكم، وشفاء صدوركم. أَفَلا تَعْقِلُونَ ذلك، مع أن هذا الأمر واضح، ولا يحتاج إلى جدال أو مناقشة. فالاستفهام لإنكار عدم تدبرهم في شأن هذا الكتاب الذي أنزله الله- تعالى- ليظفروا بسببه بالذكر الجميل، وبالموعظة الحسنة، كما قال- تعالى- وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ «٢» . وإن من مظاهر كون القرآن الكريم فيه ذكر العرب وشرفهم، أنه نزل بلغتهم، وأنه المعجزة الباقية الخالدة بخلاف غيره من المعجزات التي أيد الله- تعالى- بها الرسل السابقين، وأنه الكتاب الذي قادوا به البشرية قرونا طويلة. عند ما حملوه إلى الناس، فقرأوه عليهم، وشرحوا لهم أحكامه وآدابه وتشريعاته.. وما أصيب العرب في دينهم ودنياهم إلا يوم أن تخلوا عن العمل بهدايات هذا الكتاب، وقصروا في تبليغه إلى الناس. ثم بين- سبحانه- ما أنزله بالقوم الظالمين فقال: وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ. و «كم» هنا خبرية مفيدة للتكثير، وهي في محل نصب على أنها مفعول مقدم «لقصمنا» .

стр. 4078

وأصل القصم: كسر الشيء حتى ينقطع وينفصل عن غيره، يقال: قصم فلان ظهر فلان، إذا كسره حتى النهاية، بخلاف الفصم فهو صدع الشيء من غير قطع وانفصال. قال القرطبي: «والقصم: الكسر، يقال: قصمت ظهر فلان، وانقصمت سنه، إذا انكسرت. والمعنى ها هنا به الإهلاك. وأما الفصم- بالفاء- فهو الصدع في الشيء من غير بينونة» «١» . أى: وكثيرا من القرى الظالمة التي تجاوز أهلها حدود الحق، ومردوا على الكفر والضلال، أبدناها مع أهلها، وعذبناها عذابا نكرا، بسبب ظلمهم وبغيهم، وأنشأنا من بعدهم قوما آخرين ليسوا مثلهم. وأوقع- سبحانه- فعل القصم على القرى، للإشعار بأن الهلاك قد أصابها وأصاب أهلها معها. فالكل قد دمره- سبحانه- تدميرا. أما عند الإنشاء فقد أوقع الفعل على القوم فقال: وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ للإيماء إلى أن هؤلاء القوم الآخرين، الذين لم يكونوا أمثال السابقين، هم الذين ينشئون القرى ويعمرونها. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً «٢» . ثم صور- سبحانه- حال هؤلاء الظالمين عند ما أحسوا بالعذاب وهو نازل بهم فقال: فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ. وقوله: أَحَسُّوا من الإحساس. وهو إدراك الشيء بالحاسة. يقال: أحس فلان الشيء، إذا علمه بالحس، وأحس بالشيء، إذا شعر به بحاسته. وقوله: يَرْكُضُونَ من الركض وهو السير السريع، وأصله: أن يضرب الرجل دابته برجله ليحثها على الجري والسرعة في المشي. والمقصود به هنا: الهرب بسرعة. أى: فلما أحس هؤلاء الظالمون عذابنا المدمر، وأيقنوا نزوله بهم، وعلموا ذلك علما مؤكدا، إذا هم يخرجون من قريتهم يَرْكُضُونَ أى: يهربون بسرعة وذعر، حتى لكأنهم من اضطرابهم وخوفهم يظنون أن ذلك سينجيهم.

стр. 4079

وإذا هنا فجائية، والجملة بعدها جواب «لما» . وقوله- سبحانه-: لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ حكاية لما تقوله لهم الملائكة وهم يركضون هربا- على سبيل التهكم والاستهزاء. أى: يقال لهم من جهة الملائكة أو من جهة المؤمنين لا تركضوا هاربين وَارْجِعُوا إِلى قريتكم وإلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ أى: وإلى ما نعمتم فيه من العيش الهنيء. والخير الوفير، الذي أبطركم وجعلكم تجحدون النعم، ولم تستعملوها فيما خلقت له. فقوله: أُتْرِفْتُمْ من الترفه- بالتاء المشددة مع الضم- وهي النعمة والطعام الطيب. يقال: ترف فلان- كفرح- إذا تنعم. وفلان أترفته النعمة، إذا أطغته أو نعمته. وقوله: وَمَساكِنِكُمْ معطوف على ما. أى: لا تهربوا وارجعوا إلى ما نعمتم فيه من العيش الهنيء، وإلى مساكنكم التي كنتم تسكنونها، وتتفاخرون بها. لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ أى يقصدكم غيركم لسؤالكم عما نزل بكم، فتجيبوا عن علم ومشاهدة. قال صاحب الكشاف: «قوله لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ تهكم بهم وتوبيخ، أى: ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غدا عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم. فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة. أو ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجالسكم، وترتبوا في مراتبكم حتى يسألكم حشمكم وعبيدكم، ومن تملكون أمره. وينفذ فيه أمركم ونهيكم، ويقول لكم: بم تأمرون؟ وبماذا ترسمون؟ وكيف نأتى ونذر كعادة المنعمين المخدّمين. أو يسألكم الناس في أنديتكم.. ويستشيرونكم في المهمات. ويستضيئون بآرائكم. أو يسألكم الوافدون عليكم، ويستمطرون سحائب أكفكم.. قيل لهم ذلك تهكما إلى تهكم، وتوبيخا إلى توبيخ» «١» . وهنا أدرك هؤلاء الظالمون، أن الأمر جد لا هزل، وأن العذاب نازل بهم لا محالة، وأن القائلين لهم لا تركضوا، إنما يتهكمون بهم. فأخذ أولئك الظالمون يتفجعون ويتحسرون قائلين: يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ.

стр. 4080

والويل: الفضيحة والبلية والمصيبة التي يعقبها الهلاك. وهي كلمة جزع وتحسر. وتستعمل عند ما تحيط بالإنسان داهية عظيمة، وكأن المتحسر لنزول مصيبة به، ينادى ويلته ويطلب حضورها بعد تنزيلها منزلة من ينادى. أى: قالوا عند ما تيقنوا أن الهلاك نازل بهم: يا هلاكنا إنا كنا ظالمين لأنفسنا، مستوجبين للعذاب. بسبب إعراضنا عن الحق، وتكذيبنا لمن جاء به. واسم الإشارة في قوله- تعالى-: فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ يعود إلى الكلمات التي قالوها على سبيل التحسر عند ما يئسوا من الخلاص والهرب، وتأكدوا من الهلاك، وهي قولهم: يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ. أى: فما زالوا يرددون تلك الكلمات بتفجع وتحسر واستعطاف. وسميت هذه الكلمات دعوى، لأن المولول كأنه يدعو الويل قائلا: أيها الويل هذا أوانك فأقبل نحوي. وقوله: حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ بيان لما آل إليه حالهم. وخامدين: من الخمود بمعنى الهمود والانطفاء والانتهاء. يقال: خمدت النار تخمد خمدا وخمودا، إذا سكن لهيبها، وانطفأ شررها. أى: فما زالت تلك كلماتهم حتى جعلناهم في الهمود والهلاك كالنبات المحصود بالمناجل، وكالنار الخامدة بعد اشتعالها. وهكذا تكون عاقبة الظالمين. وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك ما يدل على قدرته ووحدانيته، وعلى أن من في السموات والأرض لا يستكبرون عن عبادته- تعالى-، فقال- : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٦ الى ٢٠] وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠)

стр. 4081

والمعنى: إننا لم نخلق السموات والأرض وما بينهما من مخلوقات لا يعلمها إلا الله، لم نخلق ذلك عبثا، وإنما خلقنا هذه المخلوقات بحكمتنا السامية، وقدرتنا النافذة، ومشيئتنا التي لا يقف في وجهها شيء. وقوله- تعالى-: لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ استئناف مقرر لمضمون ما قبله، من أن خلق السموات والأرض وما بينهما لم يكن عبثا، وإنما لحكم بالغة، مستتبعة لغايات جليلة، ومنافع عظيمة. و «لو» هنا حرف امتناع لامتناع. أى: امتناع وقوع فعل الجواب لامتناع وقوع فعل الشرط. واللهو: الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة، ولا يتناسب مع الجد، وهو قريب من العبث الباطل تقول: لهوت بهذا الشيء ألهو لهوا، إذا تشاغلت به عن الجد، ويطلقه بعضهم على الولد والزوجة والمرأة. أى: لو أردنا- على سبيل الفرض والتقدير- أن نتخذ ما نتلهى به، لاتخذناه من عندنا ومن جهتنا دون أن يمنعنا أحد مما نريده ولكنا لم نرد ذلك لأنه مستحيل علينا استحالة ذاتية، فيستحيل علينا أن نريده. فالآية الكريمة من باب تعليق المحال على المحال، لأن كلا الأمرين يتنافى مع حكمة الله- تعالى- ومع ذاته الجليلة. وقوله: إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ تأكيد لامتناع إرادة اللهو، وأَنْ نافية، أى: ما كنا فاعلين ذلك، لأن اتخاذ اللهو يستحيل علينا. وقوله- سبحانه-: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ إضراب عن إرادة اتخاذ اللهو، وإثبات لما تقتضيه ذاته- تعالى- مما يخالف ذلك. والقذف: الرمي بسرعة. والاسم القذاف- ككتاب-، وهو سرعة السير، ومنه قولهم: ناقة قذاف- بكسر القاف- إذا كانت متقدمة على غيرها في السير. ويدمغه: أى. يمحقه ويزيله. قال القرطبي: وأصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ. أى: ليس من شأننا أن نتخذ لهوا، وإنما الذي من شأننا وحكمتنا، أن نلقى بالحق الذي

стр. 4082

أرسلنا به رسلنا، على الباطل الذي تشبث به الفاسقون فَيَدْمَغُهُ أى: فيقهره ويهلكه ويزيله إزالة تامة. والتعبير القرآنى البليغ، يرسم هذه السنة الإلهية في صورة حسية متحركة حتى لكأنما الحق قذيفة تنطلق بسرعة فتهوي على الباطل فتشق أم رأسه، فإذا هو زاهق زائل. قال الآلوسى: وفي إذا الفجائية، والجملة الاسمية، من الدلالة على كمال المسارعة في الذهاب والبطلان مالا يخفى، فكأنه زاهق من الأصل «١» . وقوله- تعالى-: وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ وعيد شديد لأولئك الكافرين الذين نسبوا إلى الله- تعالى- مالا يليق به، ووصفوه بأن له صاحبة وولدا سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً. أى: ولكم- أيها الضالون المكذبون- الويل والهلاك، من أجل وصفكم له- تعالى- بما لا يليق بشأنه الجليل. وقوله- تعالى-: وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ استئناف مؤكد لما قبله من أن جميع المخلوقات خاضعة لقدرته- تعالى-. أى: وله وحده- سبحانه- جميع من في السموات والأرض، خلقا، وملكا، وتدبيرا، وتصرفا وإحياء، وإماتة، لا يخرج منهم أحد عن علمه وقدرته- . ثم بين- سبحانه- نماذج من عباده الطائعين له، بعد أن حكى أقوال أولئك الضالين، فقال: وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ. والاستحسار: الكلل والتعب. يقال: حسر البصر يحسر حسورا- من باب قعد- إذا تعب من طول النظر، ومنه قوله- تعالى-: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ أى: كليل متعب. أى: ومن عنده من مخلوقاته وعلى رأسهم الملائكة المقربون، لا يستكبرون عن عبادته- سبحانه- بل يخضعون له خضوعا تاما وَلا يَسْتَحْسِرُونَ أى: ولا يكلون ولا يتعبون. بل هم يُسَبِّحُونَ الله- تعالى- ويحمدونه ويكبرونه. طوال الليل والنهار بدون فتور

стр. 4083

أو تراخ أو تقصير. يقال: فتر فلان عن الشيء يفتر فتورا، إذا سكن بعد حدة، ولان بعد شدة، ويقال: فتر الماء- من باب قعد- إذا سكن حره فهو فاتر. قالوا: وذلك لأن تسبيح الملائكة لله- تعالى- يجرى منهم مجرى التنفس منا، فهو سجية وطبيعة فيهم وكما أن اشتغالنا لا يمنعنا من الكلام، فكذلك اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال «١» . وبعد أن بين- سبحانه- أن من مخلوقاته من يقوم بتسبيحه وعبادته بدون انقطاع أو فتور، أتبع ذلك بتوبيخ المشركين وبإقامة الأدلة على وحدانيته، واستحالة أن يكون هناك من يشاركه في ألوهيته فقال- تعالى-: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٢١ الى ٢٥] أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) قال الإمام الرازي: اعلم أن الكلام من أول السورة إلى هنا كان في النبوات وما يتصل بها من الكلام سؤالا وجوابا، وأما هذه الآيات فإنها في بيان التوحيد ونفى الأضداد والأنداد..» «٢» . والاستفهام في قوله أَمِ اتَّخَذُوا.. للإنكار والتوبيخ. وقوله: يُنْشِرُونَ من النشر بمعنى الإحياء والبعث. يقال: أنشر الله- تعالى- الموتى: إذا بعثهم بعد موتهم.

стр. 4084

والمعنى: إن هؤلاء الضالين قد أشركوا مع الله- تعالى- آلهة أخرى في العبادة، فهل هذه الآلهة التي اتخذوها تستطيع أن تعيد الحياة إلى الأموات؟ كلا إنها لا تستطيع ذلك بإقرارهم ومشاهدتهم، ومادام الأمر كذلك فكيف أباحوا لأنفسهم أن يتخذوا آلهة لا تستطيع أن تفعل شيئا من ذلك أو من غيره؟ إن اتخاذهم هذا لمن أكبر الأدلة وأوضحها على جهالاتهم وسفاهاتهم وسوء تفكيرهم. قال صاحب الكشاف ما ملخصه: فإن قلت: كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة تنشر. وما كانوا يدّعون ذلك لآلهتهم، لأنهم كانوا ينكرون البعث أصلا ويقولون: من يحيى العظام وهي رميم؟ قلت: الأمر كما ذكرت ولكنهم بادعائهم لها الإلهية، يلزمهم أن يدعوا لها الإنشار، لأنه لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور، والإنشار من جملة المقدورات. وفيه باب من التهكم بهم، والتوبيخ والتجهيل، وإشعار بأن ما استبعدوه من الله- تعالى- لا يصح استبعاده، لأن الإلهية لما صحت صح معها الاقتدار على الإبداء والإعادة «١» . وقوله- سبحانه- مِنَ الْأَرْضِ متعلق باتخذوا، و «من» ابتدائية، أى: اتخذوها من أجزاء الأرض كالحجارة وما يشبهها، ويجوز أن يكون الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة للآلهة، أى: اتخذوا آلهة كائنة من الأرض.. وعلى كلا التقديرين فالمراد بهذا التعبير التحقير والتجهيل. ثم ساق- سبحانه- دليلا عقليا مستمدا من واقع هذا الكون فقال: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا. أى: لو كان في السموات والأرض آلهة أخرى سوى الله- تعالى-، تدبر أمرهما، لفسدتا ولخرجتا عن نظامهما البديع، الذي لا خلل فيه ولا اضطراب. وذلك لأن تعدد الآلهة يلزمه التنازع والتغالب بينهم.. فيختل النظام لهذا الكون، ويضطرب الأمر، ويعم الفساد في هذا العالم. ولما كان المشاهد غير ذلك إذ كل شيء في هذا الكون يسير بنظام محكم دقيق دل الأمر على أن لهذا الكون كله، إلها واحدا قادرا حكيما لا شريك له. قال صاحب الكشاف: «والمعنى لو كان يتولاهما ويدبر أمرهما آلهة شتى غير الواحد الذي هو فاطرهما لفسدتا.

стр. 4085

وفيه دلالة على أمرين: أحدهما: وجوب أن لا يكون مدبرهما إلا واحدا. الثاني: أن لا يكون ذلك الواحد إلا إياه وحده، لقوله إِلَّا اللَّهُ. فإن قلت: لم وجب الأمران؟ قلت: لعلمنا أن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف. قال عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق: كان والله أعز على من دم ناظري. ولكن لا يجتمع فحلان في شول- أى: في عدد مع النياق- «١» . وقوله- تعالى-: فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ تنزيه لله- تعالى- عما قاله الجاهلون في شأنه- . أى: فتنزيها لله وتقديسا وتبرئة لذاته عن أن يكون له شريك في ألوهيته، وجل عما وصفه به الجاهلون. وقوله- تعالى-: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ تأكيد لوحدانيته وقدرته- سبحانه- أى: لا يسأله سائل- سبحانه- عما يفعله بعباده من إعزاز وإذلال. وهداية وإضلال، وغنى وفقر، وصحة ومرض، وإسعاد وإشقاء.. لأنه هو الرب المالك المتصرف في شئون خلقه، وهم يسألون يوم القيامة عن أعمالهم وأقوالهم لأنهم عبيده، وقد أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، فمنهم من اتبع الرسل فسعد وفاز، ومنهم من استحب العمى على الهدى فشقي وهلك. وبعد أن ساق- سبحانه- دليلا عقليا على وحدانيته، أتبعه بدليل آخر نقلي، فقال- تعالى-: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ، هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ... قال الآلوسى ما ملخصه: هذا إضراب وانتقال من إظهار بطلان كون ما اتخذوه آلهة، لخلوها من خصائصها التي من جملتها الإنشار، إلى تبكيتهم ومطالبتهم بالبرهان على دعواهم الباطلة، وتحقيق أن جميع الكتب السماوية ناطقة بحقية التوحيد، وبطلان الإشراك.. «٢» . أى: إن هؤلاء الكافرين قد أشركوا مع الله- تعالى- آلهة أخرى في العبادة، بسبب جهلهم وعنادهم وجحودهم للحق.. قل لهم- أيها الرسول الكريم- على سبيل التبكيت والتوبيخ هاتُوا بُرْهانَكُمْ على أن مع الله- تعالى- آلهة أخرى تستحق مشاركته في

стр. 4086

العبادة والطاعة؟ ولا شك أنهم لا برهان لهم على ذلك. وقوله- تعالى-: هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي زيادة في تبكيتهم وفي إظهار عجزهم، أى: هذا الوحى الإلهى الناطق بتوحيد الله- تعالى- موجود في القرآن الكريم المشتمل على ذكر المعاصرين لي من أتباعى، وموجود في كتب الأنبياء السابقين، كالتوراة التي أنزلها الله على موسى، والإنجيل الذي أنزله على عيسى، فمن أين أتيتم أنتم بهؤلاء الشركاء، وكيف اتخذتموهم آلهة مع أنهم لا برهان عليهم لا من جهة العقل ولا من جهة النقل؟ فاسم الإشارة هذا في قوله: هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ مبتدأ، مشار به إلى الوحى الإلهى، وقد أخبر عنه- سبحانه- بخبرين- كما يقول الشيخ الجمل-: «فبالنظر للخبر الأول يراد به القرآن، وبالنظر للخبر الثاني يراد به ما عداه من الكتب السماوية» «١» . وقوله- تعالى-: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ إضراب من جهته- تعالى- عن مناقشتهم ومطالبتهم بالبرهان، وانتقال من الأمر بتبكيتهم إلى الأمر بإهمالهم استصغارا لشأنهم. أى: دعهم- أيها الرسول الكريم- في باطلهم يعمهون فإنهم قوم أكثرهم يجهلون الحق، ولا يستطيعون التمييز بينه وبين الباطل. فهم لأجل ذلك منصرفون عن الهدى، ومتجهون إلى الضلال، ومن جهل شيئا عاداه. ثم بين- سبحانه- أن جميع الرسل- عليهم الصلاة والسلام- قد أمروا أقوامهم بإخلاص العبادة لله، ونبذ الشرك والشركاء، فقال- تعالى-: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ. أى: وما أرسلنا من قبلك من رسول يا محمد إلا وأ فهمناه عن طريق وحينا أنه لا إله يستحق العبادة والطاعة إلا أنا، فعليه أن يأمر قومه بطاعتي وعبادتي والخضوع لي وحدي. هذا، والمتدبر لهذه الآيات الكريمة، يراها قد أقامت أحكم الأدلة العقلية والنقلية على وجوب إخلاص العبادة لله الواحد القهار. وعلى أن الذين يتخذون معه آلهة أخرى سفهاء جاهلون. ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك شبهة من الشبهات الباطلة التي تفوه بها المشركون، ورد عليهم ردا مفحما، فقال- تعالى-:

стр. 4087

[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٢٦ الى ٢٩] وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩) قال الآلوسى ما ملخصه: «قوله- تعالى-: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً، حكاية لجناية فريق من المشركين لإظهار بطلانها، وبيان تنزهه- سبحانه- عن ذلك، إثر بيان تنزهه- جل وعلا- عن الشركاء على الإطلاق، وهم حي من خزاعة قالوا: الملائكة بنات الله، ونقل الواحدي أن قريشا وبعض العرب قالوا ذلك. والآية مشنعة على كل من نسب إلى الله- تعالى- ذلك كاليهود والنصارى..» «١» . أى: وقال المشركون الذين انطمست بصائرهم عن معرفة الحق «اتخذ الرحمن ولدا سبحانه» . أى: تنزه وتقدس الله- تعالى- عن ذلك جل وعلا عما يقولونه علوا كبيرا. وقوله: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ إضراب عما قالوه، وإبطال له، وثناء على ملائكته الذين زعم فريق من المشركين أنهم بنات الله. وعباد: جمع عبد. والعبودية لله- تعالى- معناها: إظهار التذلل له- سبحانه-، والخضوع لذاته. ومكرم: اسم مفعول من أكرم، وإكرام الله- تعالى- لعبده معناه: إحسانه إليه وإنعامه عليه. أى: لقد كذب هؤلاء المشركون في زعمهم أن الملائكة بنات الله، والحق أن الملائكة هم عباد مخلوقون له- تعالى- ومقربون إليه ومكرمون عنده. وقوله: لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ أى: لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به، ولا يقولون شيئا

стр. 4088

بدون إذنه، كما هو شأن العبيد الطائعين لسيدهم. وأصل الكلام: لا يسبق قولهم قوله- إلا أنه- سبحانه- أسند السبق إليهم، تنزيلا لسبق قولهم لقوله، منزلة سبقهم إياه، للإشعار بمزيد طاعتهم وتنزيههم عن كل قول بغير إذنه- تعالى-. وقوله: وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ بيان لتبعيتهم له- تعالى- في الأعمال إثر بيان تبعيتهم له- سبحانه- في الأقوال. أى: وهم بأمره وحده يعملون لا بأمر أحد سواه، ولا بأمر أنفسهم، كما قال- تعالى- في آية أخرى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ. عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ «١» . ثم بين- سبحانه- مظهرا من مظاهر علمه الشامل، وحكمه النافذ، فقال يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ.. أى: يعلم- سبحانه- أحوالهم كلها صغيرها وكبيرها، متقدمها ومتأخرها، وَلا يَشْفَعُونَ لأحد من خلقه إلا لمن ارتضى الله- تعالى- شفاعتهم له. وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ أى: وهم لخوفهم من الله ومن عقابه حذرون وجلون. فأنت ترى أن الله- تعالى- قد وصف الملائكة في هذه الآيات بجملة من الصفات الكريمة التي تدل على طاعتهم المطلقة لله- تعالى- وعلى إكرامه- سبحانه- لهم. ثم بين- سبحانه- بعد ذلك أنهم مع كرامتهم عند الله- تعالى- لو ادعى أحد منهم- على سبيل الفرض- أنه إله، لعاقبه الله عقابا شديدا، فقال- تعالى-: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ، فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ، كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ. أى: ومن يقل من الملائكة- على سبيل الفرض والتقدير- إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ أى: من دون الله- «فذلك» الذي ادعى هذا الادعاء الكاذب «نجزيه جهنم» أى: نجعل جزاءه الإلقاء في جهنم كسائر المجرمين الكاذبين، ولا يغنى عنه ما سبق له من طاعة وتكريم كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ أى: مثل هذا الجزاء الرادع الفظيع نجزى كل ظالم يضع الأمور في غير موضعها، إذ أن حقوق الله- تعالى- لا يجوز لأحد- كائنا من كان- أن ينسبها لنفسه، سواء أكان ملكا مقربا، أم نبيا مرسلا. وبعد أن ساق- سبحانه- ألوانا من الأدلة الكونية الشاهدة بوحدانيته، ومن الأدلة

стр. 4089

النقلية النافية للشركاء، ومن الأدلة الوجدانية التي تهيج القلوب نحو الحق.. أتبع ذلك بتحريض الكافرين على التدبر في ملكوت السموات والأرض، لعل هذا التدبر يهديهم إلى الإيمان، فقال- تعالى-: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٣٠ الى ٣٣] أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣) وقوله رَتْقاً مصدر رتقه رتقا: إذا سده. يقال: رتق فلان الفتق رتقا، إذا ضمه وسده، وهو ضد الفتق الذي هو بمعنى الشق والفصل. وللعلماء في معنى هذه الآية أقوال أشهرها: أن معنى كانَتا رَتْقاً أن السماء كانت صماء لا ينزل منها مطر، وأن الأرض كانت لا يخرج منها نبات، ففتق الله- تعالى- السماء بأن جعل المطر ينزل منها، وفتق الأرض بأن جعل النبات يخرج منها. وهذا التفسير منسوب إلى ابن عباس، فقد سئل عن ذلك فقال: كانت السموات رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت، فلما خلق- سبحانه- للأرض أهلا، فتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات «١» . ومنهم من يرى أن المعنى: كانت السموات والأرض متلاصقتين كالشىء الواحد، ففتقهما الله- تعالى- بأن فصل بينهما، فرفع السماء إلى مكانها، وأبقى الأرض في مقرها، وفصل بينهما بالهواء.

стр. 4090

قال قتادة قوله كانَتا رَتْقاً يعنى أنهما كانا شيئا واحدا ففصل الله بينهما بالهواء «١» . ومنهم من يرى أن معنى «كانتا رتقا» أن السموات السبع كانت متلاصقة بعضها ببعض ففتقها الله- تعالى- بأن جعلها سبع سموات منفصلة، والأرضون كانت كذلك رتقا، ففصل الله- تعالى- بينها وجعلها سبعا. قال مجاهد: كانت السموات طبقة واحدة مؤتلفة، ففتقها فجعلها سبع سموات، وكذلك الأرضين كانت طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبعا «٢» . وقد رجح بعض العلماء المعنى الأول فقال ما ملخصه: كونهما «كانتا رتقا» بمعنى أن السماء لا ينزل منها مطر، والأرض لا تنبت، ففتق- سبحانه- السماء بالمطر والأرض بالنبات، هو الراجح وتدل عليه قرائن من كتاب الله- تعالى- منها: أن قوله- تعالى-: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا.. يدل على أنهم رأوا ذلك لأن الأظهر في رأى أنها بصرية، والذي يرونه بأبصارهم هو أن السماء تكون لا ينزل منها مطر، والأرض لا نبات فيها. فيشاهدون بأبصارهم نزول المطر من السماء، وخروج النبات من الأرض. ومنها: أنه- سبحانه- أتبع ذلك بقوله: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ والظاهر اتصال هذا الكلام بما قبله. أى: وجعلنا من الماء الذي أنزلناه بفتقنا السماء، وأنبتنا به أنواع النبات بفتقنا الأرض، كل شيء حي. ومنها: أن هذا المعنى جاء موضحا في آيات أخرى، كقوله- تعالى-: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ. وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ والمراد بالرجع: نزول المطر من السماء تارة بعد أخرى، والمراد بالصدع: انشقاق الأرض عن النبات. واختار هذا القول ابن جرير وابن عطية والفخر الرازي. فإن قيل: هذا الوجه مرجوح، لأن المطر لا ينزل من السموات، بل من سماء واحدة وهي سماء الدنيا؟ قلنا: إنما أطلق عليه لفظ الجمع، لأن كل قطعة فيها سماء كما يقال: ثوب أخلاق- أى: قطع «٣» . والآية الكريمة مسوقة لتجهيل المشركين وتوبيخهم على كفرهم، مع أنهم يشاهدون بأعينهم ما يدل دلالة واضحة على وحدانية الله- تعالى- وقدرته، ويعلمون أن من كان كذلك،

стр. 4091

لا يصح أن تترك عبادته إلى عبادة حجر أو نحوه، مما لا يضر ولا ينفع. والمعنى: أو لم يشاهد الذين كفروا بأبصارهم، ويعلموا بعقولهم، أن السموات والأرض كانتا رتقا، بحيث لا ينزل من السماء مطر، ولا يخرج من الأرض نبات، ففتق الله- تعالى- السماء بالمطر، والأرض بالنبات. إنهم بلا شك يشاهدون ذلك، ويعقلونه بأفكارهم. ولكنهم لاستيلاء الجحود والعناد عليهم، يعبدون من دونه- سبحانه- مالا ينفع من عبده، ولا يضر من عصاه. وقال- سبحانه-: كانَتا بالتثنية، باعتبار النوعين اللذين هما نوع السماء، ونوع الأرض، كما في قوله- : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا ... وقوله- تعالى-: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ.. تأكيد لمضمون ما سبق، وتقرير لوحدانيته ونفاذ قدرته- سبحانه- والجعل بمعنى الخلق. ومِنَ ابتدائية. أى: وخلقنا من الماء بقدرتنا النافذة، كل شيء متصف بالحياة الحقيقية وهو الحيوان، أو كل شيء نام فيدخل النبات، ويراد من الحياة ما يشمل النمو. وهذا العام مخصوص بما سوى الملائكة والجن مما هو حي، لأن الملائكة- كما جاء في بعض الأخبار خلقوا من النور، والجن مخلوقون من النار. قال- تعالى- خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ. قال القرطبي: وفي قوله- تعالى-: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ثلاث تأويلات: أحدها: أنه خلق كل شيء من الماء. قاله قتادة. الثاني: حفظ حياة كل شيء بالماء: الثالث: وجعلنا من ماء الصلب- أى: النطفة- كل شيء حي.. «١» . وقوله: أَفَلا يُؤْمِنُونَ إنكار لعدم إيمانهم مع وضوح كل ما يدعو إلى الإيمان الحق، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه هذا الإنكار. أى: أيشاهدون بأعينهم ما يدل على وحدانية الله وقدرته. ومع ذلك لا يؤمنون؟ إن أمرهم هذا لمن أعجب العجب، وأغرب الغرائب!!. ثم ساق- سبحانه- أدلة أخرى على وحدانيته وقدرته فقال: وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ ...

стр. 4092

الرواسي: جمع راسية، من رسا الشيء إذا ثبت ورسخ، والمراد بها الجبال الثابتة الراسخة في الأرض. أى: وجعلنا في الأرض جبالا ثوابت، كراهة أن تَمِيدَ بِهِمْ أى: أن تضطرب وتتحرك بهم الأرض. يقال: ماد الشيء يميد ميدا- من باب باع إذا تحرك واهتز. وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ، والفجاج. جمع فج وهو الطريق الواسع. والسبل: جمع سبيل وهو الطريق. وهو بدل من فِجاجاً. أى: وجعلنا في الأرض طرقا واسعة، ومنافذ متعددة، لعلهم بذلك يهتدون ويتوصلون إلى الأماكن التي يريدون الوصول إليها. ويعلمون أن الذي وهبهم كل هذه النعم، هو الله- تعالى- الذي يجب أن يخلصوا له العبادة والطاعة. وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ أى: وجعلنا السماء سقفا للأرض كما يكون السقف للبيت، وجعلناه محفوظا من السقوط ومن التشقق، ومن كل شيطان رجيم. وهم- أى المشركون- عن آياتها الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا وعلمنا. معرضون ذاهلون، لا يتعظون ولا يتذكرون. ومن الآيات الدالة على حفظ السماء من السقوط، قوله- تعالى-: ... وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ «١» . ومن الآيات الدالة على حفظها من التشقق والتفطر قوله- سبحانه-: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ. «٢» . وعلى حفظها من الشياطين قوله- تعالى-: وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ «٣» . ومن الآيات الدالة على إعراض هؤلاء المشركين عن العبر والعظات قوله- سبحانه-: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ «٤» . ثم ختم- سبحانه- هذه الآيات الدالة على قدرته ووحدانيته بقوله- تعالى- وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. أى: وهو وحده- سبحانه- الذي خلق بقدرته الليل والنهار بهذا النظام البديع، وخلق الشمس والقمر بهذا الإحكام العجيب «كل» أى: كل واحد من الشمس والقمر يسير في فلكه وطريقه المقدر له بسرعة وانتظام، كالسابح في الماء.

стр. 4093

وقوله: يَسْبَحُونَ من السبح وهو المر السريع في الماء أو الهواء. وجاء يسبحون بضمير العقلاء. لكون السباحة المسندة إليهما من فعل العقلاء، كما في قوله- تعالى-: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ. هذا والمتأمل في هذه الآيات يراها قد ساقت جملة من الأدلة على وحدانية الله- تعالى- وعلى كمال قدرته. ثم بين- سبحانه- أن مصير البشر جميعا إلى الفناء، وأن كل نفس ذائقة الموت، وأن من طبيعة الإنسان تعجل الأمور قبل أوانها، وأن المشركين لو علموا المصير السيئ الذي ينتظرهم يوم القيامة، لما قالوا ما قالوه من باطل، ولما فعلوا ما فعلوه من قبائح، قال- تعالى-: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٣٤ الى ٤١] وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥) وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١)

стр. 4094

قال القرطبي: قوله- تعالى-: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أى دوام البقاء في الدنيا. نزلت حين قالوا: نتربص بمحمد ﷺ ريب المنون. وذلك أن المشركين كانوا يدفعون نبوته ويقولون: شاعر نتربص به ريب المنون، ولعله يموت كما مات شاعر بنى فلان، فقال الله- تعالى-: قد مات الأنبياء قبلك يا محمد، وتولى الله دينه بالنصر والحياطة، فهكذا نحفظ دينك وشرعك.. «١» . والاستفهام في قوله- سبحانه-: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ للإنكار والنفي.. والمعنى: وما جعلنا- أيها الرسول الكريم- لبشر من قبلك- كائنا من كان- الخلود في هذه الحياة، وأنت إن مت فهم- أيضا- سيموتون في الوقت الذي حدده الله- تعالى- لانقضاء عمرك وأعمارهم، وما دام الأمر كذلك فذرهم في جهالتهم يعمهون، ولا تلتفت إلى شماتتهم فيك، أو إلى تربصهم بك، فإنك ميت وإنهم ميتون، وكل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون، ورحم الله الإمام الشافعى حيث يقول: تمنى أناس أن أموت. وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد فقل للذي يبغى خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها، وكأن قد وقال شاعر آخر: إذا ما الدهر جر على أناس ... كلاكله أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا ثم أكد- سبحانه- عدم خلود بشر في هذه الحياة فقال: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ. أى: كل نفس أوجدها الله- تعالى- في هذه الحياة، ستذوق مرارة نزول الموت بها. ومفارقة روحها لجسدها. قال الآلوسى ما ملخصه: والموت عند الأشعرى، كيفية وجودية تضاد الحياة، وعند كثيرين غيره: أنه عدم الحياة عما من شأنه الحياة بالفعل. وقال بعضهم: المراد بالنفس هنا: النفس الإنسانية لأن الكلام مسوق لنفى خلود البشر. واختير عمومها لتشمل نفوس البشر والجن وسائر نفوس الحيوان «٢» .

стр. 4095

وقوله- تعالى-: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ بيان لسنة من سننه- تعالى- في معاملة عباده. وقوله- سبحانه-: وَنَبْلُوكُمْ من البلو بمعنى الاختبار والامتحان. يقال: فلان بلاه الله بخير أو شر يبلوه بلوا، وأبلاه وابتلاه ابتلاء، بمعنى امتحنه «١» . وقوله: فِتْنَةً مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه. أى: كل نفس ذائقة الموت، ونختبركم في هذه الحياة بألوان من النعم وبألوان من المحن، لنرى أتشكرون عند النعمة، وتصبرون عند المحنة، أم يكون حالكم ليس كذلك؟ وفي جميع الأحوال فإن مرجعكم إلينا لا محالة، وسنجازيكم بما تستحقون من ثواب على شكركم وصبركم، وسنجازى غير الشاكرين وغير الصابرين بما يستحقون من عقاب، ولا يظلم ربك أحدا. قال بعض العلماء: «والابتلاء بالشر مفهوم أمره ليتكشف مدى احتمال المبتلى، ومدى صبره على الضر، ومدى ثقته في ربه، ورجائه في رحمته.. فأما الابتلاء بالخير فهو في حاجة إلى بيان. إن الابتلاء بالخير أشد وطأة. فكثيرون يصمدون أمام الابتلاء بالشر ولكن القلة القليلة هي التي تصمد للابتلاء بالخير. كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف، وقليلون هم الذين يصبرون على الابتلاء بالصحة والقدرة. كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان، فلا تتهاوى نفوسهم ولا تذل. وقليلون هم الذين يصبرون على الثراء ومغرياته وما يثيره من أطماع. كثيرون يصبرون على الكفاح والجراح، وقليلون هم الذين يصبرون على الدعة، ولا يصابون بالحرص الذي يذل أعناق الرجال. إن الابتلاء بالشر قد يثير الكبرياء، ويستحث المقاومة ويجند الأعصاب لاستقبال الشدة.. أما الرخاء فقد يرخى الأعصاب ويفقدها المقاومة.. إلا من عصم الله، وصدق رسوله الله ﷺ حيث يقول: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» «٢» .

стр. 4096

وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ «١» . وقوله- سبحانه-: وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ «٢» . ثم حكى- سبحانه- جانبا من السفاهات التي كان المشركون يقابلون بها النبي ﷺ فقال: وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً. أى: وإذا أبصرك المشركون- أيها الرسول الكريم- سخروا منك، واستخفوا بك وقالوا على سبيل التهوين من شأنك: أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ أى: أهذا هو مدعى النبوة الذي يذكر آلهتكم بسوء ويعيبها، وينفى شفاعتها لنا، وأنها تقربنا إلى الله زلفى. وقوله- سبحانه-: وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ في محل نصب حال من ضمير القول المقدر. أى: أنهم يقولون فيما بينهم أهذا هو الرسول الذي يذكر آلهتكم بسوء، والحال أن هؤلاء المشركين الجاهلين، كافرون بالقرآن الذي أنزله الله- تعالى- عليك- أيها الرسول الكريم- لتخرج الناس به من الظلمات إلى النور. فالآية الكريمة تنعى على هؤلاء المشركين جهالاتهم وسفاهاتهم، حيث استكثروا على الرسول ﷺ أن يذم آلهتهم التي لا تنفع ولا تضر ولم يستكثروا على أنفسهم، أن يكفروا بخالقهم وبذكره الذي أنزله على نبيه ﷺ ليكون رحمة لهم. قال صاحب الكشاف: الذكر يكون بخير وبخلافه. فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد. كقولك للرجل: سمعت فلانا يذكرك، فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء، وإن كان عدوا فهو ذم، ومنه قوله: أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ. والمعنى: أنهم عاكفون على ذكر آلهتهم بهممهم، وربما يجب أن لا تذكر به من كونهم شفعاء وشهداء. ويسوءهم أن يذكرها ذاكر بخلاف ذلك. وأما ذكر الله- تعالى- وما يجب أن يذكر به من الوحدانية، فهم به كافرون لا يصدقون به أصلا، فهم أحق بأن يتّخذوا هزوا منك، فإنك محق وهم مبطلون.. فسبحان من أضلهم حتى تأدبوا مع الأوثان، وأساءوا الأدب مع الرحمن» «٣» .

стр. 4097

ثم بين- سبحانه- ما جبل عليه الإنسان من تسرع وتعجل فقال: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ. والعجل: طلب الشيء وتحريه قبل أوانه، وهو ضد البطء. والمراد بالإنسان: جنسه. والمعنى: خلق جنس الإنسان مجبولا على العجلة والتسرع فتراه يستعجل حدوث الأشياء قبل وقتها المحدد لها، مع أن ذلك قد يؤدى إلى ضرره. فالمراد من الآية الكريمة وصف الإنسان بالمبالغة في تعجل الأمور قبل وقتها، حتى لكأنه مخلوق من نفس التعجل. والعرب تقول: فلان خلق من كذا، يعنون بذلك المبالغة في اتصاف هذا الإنسان بما وصف به، ومنه قولهم خلق فلان من كرم، وخلقت فلانة من الجمال. وقوله: سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ تهديد وزجر لأولئك الكافرين الذين كانوا يستعجلون العذاب. أى: سأريكم عقابي وانتقامي منكم- أيها المشركون- فلا تتعجلوا ذلك فإنه آت لا ريب فيه. قال ابن كثير: والحكمة في ذكر عجلة الإنسان هنا: أنه- سبحانه- لما ذكر المستهزئين بالرسول ﷺ وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم. فقال- سبحانه-: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ لأنه- تعالى- يملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، يؤجل ثم يعجل، وينظر ثم لا يؤخر، ولهذا قال: سَأُرِيكُمْ آياتِي أى: نقمى واقتدارى على من عصاني فَلا تَسْتَعْجِلُونِ «١» . وقال الآلوسى: «والنهى عن استعجالهم إياه- تعالى- مع أن نفوسهم جبلت على العجلة، ليمنعوها عما تريده وليس هذا من التكليف بما لا يطاق. لأنه- سبحانه- أعطاهم من الأسباب ما يستطيعون به كف النفس عن مقتضاها، ويرجع هذا النهى إلى الأمر بالصبر» «٢» . ثم أكد- سبحانه- ما يدل على تعجلهم لما فيه هلاكهم فقال: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. أى: أن هؤلاء المشركين بلغ من طغيانهم وجهلهم أنهم كانوا يتعجلون العذاب الذي

стр. 4098

توعدهم الله- تعالى- به إذا ما استمروا على كفرهم. ويقولون للرسول ﷺ ولأصحابه- على سبيل التهكم والاستهزاء- متى يقع هذا العذاب الذي توعدتمونا به. إننا مترقبون له، فإن كنتم صادقين في وعيدكم، فأسرعوا في إنزاله. وأسرعوا في دعوة ربكم- سبحانه- أن يأتى بالساعة. وجواب الشرط لقوله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ محذوف، لدلالة ما قبله عليه. أى: إن كنتم صادقين في وعيدكم بأن هناك عذابا ينتظرنا، فأتوا به بسرعة. وهنا يسوق القرآن ما يدل على غفلتهم وسوء تفكيرهم، وعلى أنهم لو كانوا يعلمون ما ينتظرهم من عذاب يوم القيامة، لما تفوهوا بما تفوهوا به- فيقول- سبحانه- لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ. وجواب «لو» محذوف. و «يعلم» بمعنى يعرف، و «حين» مفعوله. أى: لو عرف الكافرون وقت وقوع العذاب بهم. وما فيه من فظائع تجعلهم يعجزون عن دفع النار عن وجوههم وعن ظهورهم.. لو يعرفون ذلك لما استعجلوه. ولما استخفوا بالنبي ﷺ وبأصحابه، لكن عدم معرفتهم هي التي جعلتهم يستعجلون ويستهزئون. وخص- سبحانه- الوجوه والظهور بالذكر. لكونهما أظهر الجوانب، ولبيان أن العذاب سيغشاهم من أمامهم ومن خلفهم دون أن يملكوا له دفعا. وقال- سبحانه- وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ لبيان أنهم مع عجزهم عن دفع العذاب بأنفسهم. فإن غيرهم- أيضا- لن يستطيع دفعه عنهم. قال صاحب الكشاف: «جواب «لو» محذوف. و «حين» مفعول به ليعلم. أى: لو يعلمون الوقت الذي يستعلمون عنه بقولهم: «متى هذا الوعد» وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من وراء وقدام، فلا يقدرون على دفعها ومنعها من أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي هونه عندهم، ويجوز أن يكون «يعلم» متروكا بلا تعدية، بمعنى: لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين، لما كانوا مستعجلين، وحين: منصوب بمضمر، أى حين «لا يكفون عن وجوههم النار» يعلمون أنهم كانوا على الباطل.. «١» . وقوله- سبحانه- بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ.. بيان لسرعة قيام الساعة، ومفاجأتها لهم. أى: بل تأتيهم الساعة الموعود بها، وبعذابهم فيها، مفاجأة من غير شعور بمجيئها

стр. 4099

«فتبهتهم» أى: فتدهشهم وتحيرهم، والبهت: الانقطاع والحيرة. «فلا يستطيعون ردها» أى: فلا يستطيعون دفع الساعة أوردها عنهم وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أى: ولا هم يمهلون لتوبة أو معذرة. ثم ختم- سبحانه- الآيات الكريمة بتسلية النبي ﷺ عما أصابه من هؤلاء المشركين، فقال: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ، فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ. ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. أى: ولقد استهزئ- أيها الرسول الكريم- برسل كثيرين من قبلك، فنزل بهؤلاء المشركين المستهزئين برسلهم، العذاب الذي كانوا يستهزئون به في الدنيا، ويستعجلون رسلهم في نزوله. وصدرت الآية الكريمة بلام القسم وقد، لزيادة تحقيق مضمونها وتأكيده، وتنوين الرسل: للتفخيم والتكثير، أى: والله لقد استهزئ برسل كثيرين ذوى شأن خطير كائنين في زمان قبل زمانك. وعبر- سبحانه- بالفعل حاق، لأن هذه المادة تستعمل في إحاطة المكروه، فلا يقال: فلان حاق به الخير، ولأنها تدل على الشمول واللزوم. أى: فنزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به في الدنيا نزولا شاملا، أحاط بهم من كل جهة إحاطة تامة. وبذلك تكون الآيات الكريمة، قد بينت جانبا من سنن الله- تعالى- في خلقه، وحكت بعض الأفعال القبيحة التي كان المشركون يفعلونها مع النبي ﷺ وهددتهم عليها تهديدا شديدا، وسلّت النبي ﷺ عما ارتكبوه في حقه. ثم أمر- سبحانه- رسوله ﷺ أن يذكّر هؤلاء الجاحدين بنعمه- تعالى- وأن ينذرهم بأسه وعقابه إذا ما استمروا في كفرهم، فقال- : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٢ الى ٤٧] قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧)

стр. 4100

وقوله- تعالى-: يَكْلَؤُكُمْ أى: يرعاكم ويحفظكم. يقال: فلان كلأ فلانا كلأ وكلاءة- بالكسر- إذا حرسه، واكتلأ فلان من غيره، إذا احترس منه. والاستفهام للإنكار والتقريع. أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المستهزئين بك وبما جئت به من عند ربك: قل لهم من الذي يحرسكم ويحفظكم «بالليل» وأنتم نائمون «والنهار» وأنتم متيقظون «من الرحمن» أى: من عذاب الرحمن وبأسه إذا أراد أن يهلككم بسبب عكوفكم على كفركم وشرككم. وتقديم الليل على النهار، لما أن الدواهي فيه أكثر، والأخذ فيه أشد، واختار- سبحانه- لفظ الرحمن، للإشعار بأنهم يعيشون في خيره ورحمته. ومع ذلك لا يشكرونه- تعالى- على نعمه. ولذا- أخبر- سبحانه- عنهم بقوله: بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ أى: بل هم بعد كل هذا الإنكار عليهم، والتنبيه لهم عن ذكر ربهم وكتابه الذي أنزله لهدايتهم، معرضون شاردون، لا يحاولون الانتفاع بتوجيهاته، ولا يستمعون إلى إرشاداته.
следующие страницы →