وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ «١» .
وقوله- سبحانه-: وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ «٢» .
ثم حكى- سبحانه- جانبا من السفاهات التي كان المشركون يقابلون بها النبي ﷺ فقال: وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً.
أى: وإذا أبصرك المشركون- أيها الرسول الكريم- سخروا منك، واستخفوا بك وقالوا على سبيل التهوين من شأنك: أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ أى: أهذا هو مدعى النبوة الذي يذكر آلهتكم بسوء ويعيبها، وينفى شفاعتها لنا، وأنها تقربنا إلى الله زلفى.
وقوله- سبحانه-: وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ في محل نصب حال من ضمير القول المقدر.
أى: أنهم يقولون فيما بينهم أهذا هو الرسول الذي يذكر آلهتكم بسوء، والحال أن هؤلاء المشركين الجاهلين، كافرون بالقرآن الذي أنزله الله- تعالى- عليك- أيها الرسول الكريم- لتخرج الناس به من الظلمات إلى النور.
فالآية الكريمة تنعى على هؤلاء المشركين جهالاتهم وسفاهاتهم، حيث استكثروا على الرسول ﷺ أن يذم آلهتهم التي لا تنفع ولا تضر ولم يستكثروا على أنفسهم، أن يكفروا بخالقهم وبذكره الذي أنزله على نبيه ﷺ ليكون رحمة لهم.
قال صاحب الكشاف: الذكر يكون بخير وبخلافه. فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد. كقولك للرجل: سمعت فلانا يذكرك، فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء، وإن كان عدوا فهو ذم، ومنه قوله: أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ.
والمعنى: أنهم عاكفون على ذكر آلهتهم بهممهم، وربما يجب أن لا تذكر به من كونهم شفعاء وشهداء. ويسوءهم أن يذكرها ذاكر بخلاف ذلك. وأما ذكر الله- تعالى- وما يجب أن يذكر به من الوحدانية، فهم به كافرون لا يصدقون به أصلا، فهم أحق بأن يتّخذوا هزوا منك، فإنك محق وهم مبطلون.. فسبحان من أضلهم حتى تأدبوا مع الأوثان، وأساءوا الأدب مع الرحمن» «٣» .
стр. 4097
ثم بين- سبحانه- ما جبل عليه الإنسان من تسرع وتعجل فقال: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ.
والعجل: طلب الشيء وتحريه قبل أوانه، وهو ضد البطء.
والمراد بالإنسان: جنسه.
والمعنى: خلق جنس الإنسان مجبولا على العجلة والتسرع فتراه يستعجل حدوث الأشياء قبل وقتها المحدد لها، مع أن ذلك قد يؤدى إلى ضرره.
فالمراد من الآية الكريمة وصف الإنسان بالمبالغة في تعجل الأمور قبل وقتها، حتى لكأنه مخلوق من نفس التعجل. والعرب تقول: فلان خلق من كذا، يعنون بذلك المبالغة في اتصاف هذا الإنسان بما وصف به، ومنه قولهم خلق فلان من كرم، وخلقت فلانة من الجمال.
وقوله: سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ تهديد وزجر لأولئك الكافرين الذين كانوا يستعجلون العذاب.
أى: سأريكم عقابي وانتقامي منكم- أيها المشركون- فلا تتعجلوا ذلك فإنه آت لا ريب فيه.
قال ابن كثير: والحكمة في ذكر عجلة الإنسان هنا: أنه- سبحانه- لما ذكر المستهزئين بالرسول ﷺ وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم. فقال- سبحانه-: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ لأنه- تعالى- يملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، يؤجل ثم يعجل، وينظر ثم لا يؤخر، ولهذا قال: سَأُرِيكُمْ آياتِي أى: نقمى واقتدارى على من عصاني فَلا تَسْتَعْجِلُونِ «١» .
وقال الآلوسى: «والنهى عن استعجالهم إياه- تعالى- مع أن نفوسهم جبلت على العجلة، ليمنعوها عما تريده وليس هذا من التكليف بما لا يطاق. لأنه- سبحانه- أعطاهم من الأسباب ما يستطيعون به كف النفس عن مقتضاها، ويرجع هذا النهى إلى الأمر بالصبر» «٢» .
ثم أكد- سبحانه- ما يدل على تعجلهم لما فيه هلاكهم فقال: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
أى: أن هؤلاء المشركين بلغ من طغيانهم وجهلهم أنهم كانوا يتعجلون العذاب الذي
стр. 4098
توعدهم الله- تعالى- به إذا ما استمروا على كفرهم. ويقولون للرسول ﷺ ولأصحابه- على سبيل التهكم والاستهزاء- متى يقع هذا العذاب الذي توعدتمونا به. إننا مترقبون له، فإن كنتم صادقين في وعيدكم، فأسرعوا في إنزاله. وأسرعوا في دعوة ربكم- سبحانه- أن يأتى بالساعة.
وجواب الشرط لقوله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ محذوف، لدلالة ما قبله عليه. أى: إن كنتم صادقين في وعيدكم بأن هناك عذابا ينتظرنا، فأتوا به بسرعة.
وهنا يسوق القرآن ما يدل على غفلتهم وسوء تفكيرهم، وعلى أنهم لو كانوا يعلمون ما ينتظرهم من عذاب يوم القيامة، لما تفوهوا بما تفوهوا به- فيقول- سبحانه- لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ.
وجواب «لو» محذوف. و «يعلم» بمعنى يعرف، و «حين» مفعوله.
أى: لو عرف الكافرون وقت وقوع العذاب بهم. وما فيه من فظائع تجعلهم يعجزون عن دفع النار عن وجوههم وعن ظهورهم.. لو يعرفون ذلك لما استعجلوه. ولما استخفوا بالنبي ﷺ وبأصحابه، لكن عدم معرفتهم هي التي جعلتهم يستعجلون ويستهزئون.
وخص- سبحانه- الوجوه والظهور بالذكر. لكونهما أظهر الجوانب، ولبيان أن العذاب سيغشاهم من أمامهم ومن خلفهم دون أن يملكوا له دفعا.
وقال- سبحانه- وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ لبيان أنهم مع عجزهم عن دفع العذاب بأنفسهم. فإن غيرهم- أيضا- لن يستطيع دفعه عنهم.
قال صاحب الكشاف: «جواب «لو» محذوف. و «حين» مفعول به ليعلم. أى: لو يعلمون الوقت الذي يستعلمون عنه بقولهم: «متى هذا الوعد» وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من وراء وقدام، فلا يقدرون على دفعها ومنعها من أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي هونه عندهم، ويجوز أن يكون «يعلم» متروكا بلا تعدية، بمعنى: لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين، لما كانوا مستعجلين، وحين: منصوب بمضمر، أى حين «لا يكفون عن وجوههم النار» يعلمون أنهم كانوا على الباطل.. «١» .
وقوله- سبحانه- بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ.. بيان لسرعة قيام الساعة، ومفاجأتها لهم. أى: بل تأتيهم الساعة الموعود بها، وبعذابهم فيها، مفاجأة من غير شعور بمجيئها
стр. 4099
«فتبهتهم» أى: فتدهشهم وتحيرهم، والبهت: الانقطاع والحيرة.
«فلا يستطيعون ردها» أى: فلا يستطيعون دفع الساعة أوردها عنهم وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أى: ولا هم يمهلون لتوبة أو معذرة.
ثم ختم- سبحانه- الآيات الكريمة بتسلية النبي ﷺ عما أصابه من هؤلاء المشركين، فقال: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ، فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ. ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.
أى: ولقد استهزئ- أيها الرسول الكريم- برسل كثيرين من قبلك، فنزل بهؤلاء المشركين المستهزئين برسلهم، العذاب الذي كانوا يستهزئون به في الدنيا، ويستعجلون رسلهم في نزوله.
وصدرت الآية الكريمة بلام القسم وقد، لزيادة تحقيق مضمونها وتأكيده، وتنوين الرسل:
للتفخيم والتكثير، أى: والله لقد استهزئ برسل كثيرين ذوى شأن خطير كائنين في زمان قبل زمانك.
وعبر- سبحانه- بالفعل حاق، لأن هذه المادة تستعمل في إحاطة المكروه، فلا يقال:
فلان حاق به الخير، ولأنها تدل على الشمول واللزوم.
أى: فنزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به في الدنيا نزولا شاملا، أحاط بهم من كل جهة إحاطة تامة.
وبذلك تكون الآيات الكريمة، قد بينت جانبا من سنن الله- تعالى- في خلقه، وحكت بعض الأفعال القبيحة التي كان المشركون يفعلونها مع النبي ﷺ وهددتهم عليها تهديدا شديدا، وسلّت النبي ﷺ عما ارتكبوه في حقه.
ثم أمر- سبحانه- رسوله ﷺ أن يذكّر هؤلاء الجاحدين بنعمه- تعالى- وأن ينذرهم بأسه وعقابه إذا ما استمروا في كفرهم، فقال- :
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٢ الى ٤٧]
قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٤٦)
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧)
стр. 4100
وقوله- تعالى-: يَكْلَؤُكُمْ أى: يرعاكم ويحفظكم. يقال: فلان كلأ فلانا كلأ وكلاءة- بالكسر- إذا حرسه، واكتلأ فلان من غيره، إذا احترس منه.
والاستفهام للإنكار والتقريع.
أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المستهزئين بك وبما جئت به من عند ربك: قل لهم من الذي يحرسكم ويحفظكم «بالليل» وأنتم نائمون «والنهار» وأنتم متيقظون «من الرحمن» أى: من عذاب الرحمن وبأسه إذا أراد أن يهلككم بسبب عكوفكم على كفركم وشرككم.
وتقديم الليل على النهار، لما أن الدواهي فيه أكثر، والأخذ فيه أشد، واختار- سبحانه- لفظ الرحمن، للإشعار بأنهم يعيشون في خيره ورحمته. ومع ذلك لا يشكرونه- تعالى- على نعمه.
ولذا- أخبر- سبحانه- عنهم بقوله: بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ أى: بل هم بعد كل هذا الإنكار عليهم، والتنبيه لهم عن ذكر ربهم وكتابه الذي أنزله لهدايتهم، معرضون شاردون، لا يحاولون الانتفاع بتوجيهاته، ولا يستمعون إلى إرشاداته.
стр. 4101
فالجملة الكريمة تنفى عنهم الانتفاع بما يوجهه الرسول ﷺ إليهم من هدايات وعظات.
ثم وجه- سبحانه- إليهم سؤالا آخر فقال: أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا..؟.
وأَمْ هنا هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة، فهي مشتملة على معنى الإضراب والإنكار.
والمعنى: وسلهم- أيها الرسول الكريم- مرة أخرى: ألهؤلاء الجاحدين آلهة أخرى تستطيع أن تحرسهم وترعاهم سوانا نحن؟ كلا لبس لهم ذلك.
فالجملة الكريمة إضراب عن وصفهم بالإعراض إلى توبيخهم على جهالاتهم بسبب اعتمادهم على آلهة لا تنفع ولا تضر.
وقوله: لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ نفى على أبلغ وجه لأن تكون هناك آلهة ترعاهم سوى الله- تعالى- أى: كلا.. ليس لهم آلهة تمنعهم من عذابنا إن أردنا إنزاله بهم، فإن هؤلاء الآلهة لا يستطيعون نصر أنفسهم فضلا عن نصر غيرهم، ولا هم منا يصحبون، أى: يجارون ويمنعون من نزول الضر بهم.
قال ابن جرير: «وقوله يُصْحَبُونَ بمعنى يجارون، تقول العرب: أنا لك جار وصاحب من فلان. بمعنى أجيرك وأمنعك منه. وهؤلاء إذا لم يصحبوا بالجوار، ولم يكن لهم مانع من عذاب الله، مع سخط الله عليهم، فلم يصحبوا بخير ولن ينصروا «١» .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعمة أخرى من نعم الله عليهم لم يحسنوا شكرها، فقال- تعالى-: بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ...
أى: لا تلتفت- أيها الرسول الكريم- إلى هؤلاء المشركين الذين أعرضوا عن ذكر ربهم، والذين زعموا أن آلهتهم تضر أو تنفع، فإننا قد كلأناهم برعايتنا بالليل والنهار، ومتعناهم وآباءهم من قبلهم بالكثير من متع الحياة الدنيا، حتى طالت أعمارهم في رخاء ونعمة، فحملهم ذلك على الطغيان والبطر والإصرار على الكفر. وسنأخذهم في الوقت الذي نريده أخذ عزيز مقتدر، فإن ما أعطيناه لهم من نعم إنما هو على سبيل الاستدراج لهم.
ثم يلفت- سبحانه- أنظارهم إلى الواقع المشاهد في هذه الحياة فيقول: أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ.
стр. 4102
وللعلماء في تفسير هذه الجملة الكريمة أقوال منها: أن المراد بنقص الأرض من أطرافها:
إهلاك المشركين السابقين الذين كذبوا رسلهم، كقوم نوح وعاد وثمود، وهم يمرون على قرى بعض هؤلاء المكذبين، ويرون آثارهم وقد دمرت ديارهم.
والمعنى: أفلا ينظر هؤلاء المشركون الذين كذبوك يا محمد، فيرون بأعينهم ما حل بأمثالهم ممن كذبوا الرسل من قبلك. وكيف أننا طوينا الأرض بهم. وجعلناهم أثرا بعد عين.
والاستفهام في قوله: أَفَهُمُ الْغالِبُونَ للإنكار.
أى: لم تكن الغلبة والعاقبة في يوم من الأيام لمن كذبوا رسل الله- تعالى- وإنما الغلبة والظفر وحسن العاقبة لمن آمن بالرسل وصدقهم واتبع ما جاءوا به من عند ربهم.
وقد أشار الإمام ابن كثير إلى هذا المعنى بقوله: «أفلا يعتبرون بنصر الله لأوليائه على أعدائه، وإهلاكه الأمم المكذبة والقرى الظالمة وإنجائه لعباده المؤمنين. ولهذا قال: أَفَهُمُ الْغالِبُونَ.
يعنى: بل هم المغلوبون الأسفلون الأخسرون الأرذلون «١» .
ومنها أن المراد بنقص الأرض من أطرافها: نقص أرض الكفر ودار الحرب، وتسليط المسلمين عليها وانتزاعها من أيديهم بدليل الاستفهام الإنكارى في قوله أَفَهُمُ الْغالِبُونَ أى: لا.. ليسوا هم الذين يغلبون جندنا، وإنما جندنا هم الغالبون.
وقد صدر الآلوسى تفسيره لهذا القول فقال: «أفلا يرون أنا تأتى الأرض» أى: أرض الكفرة «ننقصها من أطرافها» بتسليط المسلمين عليها، وحوز ما يحوزونه منها، ونظمه في سلك ملكهم.. «أفهم الغالبون» على رسول الله ﷺ والمؤمنين.
والمراد إنكار ترتيب الغالبية على ما ذكر من نقص أرض الكفرة بتسليط المؤمنين عليها، كأنه قيل: أبعد ظهور ما ذكر ورؤيتهم له يتوهم غلبتهم، وفي التعريف تعريض بأن المسلمين هم المتعينون للغلبة المعروفون فيها «٢» .
وقال صاحب الكشاف: «فإن قلت: أى فائدة في قوله نَأْتِي الْأَرْضَ؟.
قلت: فيه تصوير ما كان الله يجريه على أيدى المسلمين، وأن عساكرهم وسراياهم كانت
стр. 4103
تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها، ناقصة من أطرافها «١» .
وهذان الرأيان مع وجاهتهما، إلا أن الرأى الأول الذي ذهب إليه ابن كثير أكثر شمولا، لأنه يتناول ما أصاب المكذبين للرسل السابقين من عقاب كما يشمل التهديد للمكذبين المعاصرين للعهد النبوي، بأنهم إذا استمروا في طغيانهم فسيحل بهم ما حل بمن سبقوهم.
وهناك من يرى أن المراد بنقص الأرض من أطرافها: موت العلماء، أو خرابها عند موت أهلها، أو نقص الأنفس والثمرات.. ولكن هذه الآراء ليس معها ما يرجحها.
ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ أن يوجه إلى هؤلاء المشركين إنذارا حاسما، فقال- تعالى-: قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ ...
أى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إنى بعد أن بينت لكم ما بينت من هدايات وإرشادات أنذركم عن طريق الوحى الصادق، بأن الساعة آتية لا ريب فيها، فلا تستعجلوا ذلك فكل آت قريب، وسترون فيها ما ترون من أهوال وعذاب.
وقوله وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ توبيخ لهم وتجهيل.
أى: ولا يسمع الصم دعاء من يدعوهم إلى ما ينفعهم، ولا يلتفتون إلى إنذار من ينذرهم وذلك لكمال جهلهم، وشدة عنادهم، وانطماس بصائرهم.
ثم بين- سبحانه- حالهم عند ما ينزل بهم شيء من العذاب فقال: وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ.
أى: ولئن أصاب هؤلاء المشركين شيء قليل من عذاب ربك يا محمد. ليقولن على سبيل التفجع والتحسر وإظهار الخضوع: يا ويلنا- أى يا هلاكنا- إنا كنا ظالمين، ولذلك نزل بنا هذا العذاب، وفي هذا التعبير ألوان من المبالغات منها: ذكر المس الذي يكفى في تحققه إيصال ما، ومنها: ما في النفح من النزارة والقلة، يقال: نفح فلان فلانا نفحة، إذا أعطاه شيئا قليلا ومنها. البناء الدال على المرة والواحدة كما يفيد ذلك التعبير بالنفحة. أى: نفحة واحدة من عذاب ربك، والمقصود من الآية الكريمة بيان سرعة تأثر هؤلاء المشركين، بأقل شيء من العذاب الذي كانوا يستعجلونه، وأنهم إذا ما نزل بهم شيء منه، أصيبوا بالهلع والجزع، وتنادوا بالويل والثبور والاعتراف بالظلم وتجاوز الحدود.
ثم بين- سبحانه- مظهرا من مظاهر عدله مع عباده يوم القيامة فقال: وَنَضَعُ
стр. 4104
الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ...
أى: ونحضر الموازين العادلة لمحاسبة الناس على أعمالهم يوم القيامة ولإعطاء كل واحد منهم ما يستحقه من ثواب أو عقاب، دون أن يظلم ربك أحدا من خلقه.
وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ أى: وإن كانت الأعمال التي عملها الإنسان في الدنيا في نهاية الحقارة والقلة، أتينا بها في صحيفة عمله لتوزن، وكفى بنا عادّين ومحصين على الناس أعمالهم، إذ لا يخفى علينا شيء منها سواء أكان قليلا أم كثيرا.
قال ابن كثير: قوله: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الأكثر على أنه ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه «١» .
وقال القرطبي: «الموازين: جمع ميزان، فقيل: إنه يدل بظاهره على أن لكل مكلف ميزانا توزن به أعماله، فتوضع الحسنات في كفة، والسيئات في كفة. وقيل: يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد، يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله.. وقيل: ذكر الميزان مثل وليس ثمّ ميزان وإنما هو العدل، والذي وردت به الأخبار، وعليه السواد الأعظم القول الأول. و «القسط» صفة الموازين ووحد لأنه مصدر.. «٢» .
واللام في قوله لِيَوْمِ الْقِيامَةِ قيل للتوقيت. أى للدلالة على الوقت، كقولهم: جاء فلان لخمس ليال بقين من الشهر. وقيل هي لام كي، أى: لأجل يوم القيامة، أو بمعنى في أى: في يوم القيامة.
وقوله- سبحانه- فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً بيان للعدل الإلهى، وأنه- سبحانه- لا يظلم أحدا شيئا مما له أو عليه، أى: فلا تظلم نفس شيئا من الظلم لا قليلا ولا كثيرا.
وقوله وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها تصوير لدقة الحساب، وعدم مغادرته لشيء من أعمال الناس، إذ الخردل حب في غاية الصغر والدقة. ومثقال الشيء: وزنه.
وأنث الضمير في قوله «بها» وهو راجع إلى المضاف الذي هو «مثقال» وهو مذكر.
لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه الذي هو «حبة من خردل» .
وقوله- سبحانه-: وَكَفى بِنا حاسِبِينَ بيان لإحاطة الله- تعالى-: بعلم كل شيء. كما قال- تعالى- إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ «٣» .
стр. 4105
وفي معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة منها قوله- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً «١» .
وقوله- سبحانه-: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ «٢» .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت أولئك المشركين بجانب من نعم الله- تعالى- عليهم، وحضهم على التدبر والاتعاظ، وأنذرتهم بسوء العاقبة إذا ما استمروا في كفرهم وشركهم، وصورت لهم دقة الحساب يوم القيامة، وأن كل إنسان سيحاسب على عمله سواء أكان صغيرا أم كبيرا، ولا يظلم ربك أحدا.
وبعد أن فصل- سبحانه- الحديث عن دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، ورد على المشركين ردا يفحمهم، أتبع ذلك بالحديث عن قصص بعض الأنبياء تسلية للرسول ﷺ وتثبيتا لقلبه، فقال- تعالى-:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٨ الى ٥٠]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)
والمراد بالفرقان وبالضياء وبالذكر: التوراة، فيكون الكلام من عطف الصفات. والمعنى:
ولقد أعطينا موسى وهارون- ﵉ كتاب التوراة ليكون فارقا بين الحق والباطل، وليكون- أيضا- ضياء يستضيء به أتباعه من ظلمات الكفر والضلالة، وليكون ذكرا حسنا لهم، وموعظة يتعظون بما اشتمل عليه من آداب وأحكام.
قال الآلوسى: «قوله- سبحانه-: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً ...
نوع تفصيلي لما أجمل في قوله- تعالى- قبل ذلك: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ.
стр. 4106
وتصديره بالتوكيد القسمي لإظهار كمال الاعتناء بمضمونه.
والمراد بالفرقان: التوراة، وكذا بالضياء والذكر. والعطف كما في قوله:
إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم
وقيل: الفرقان هنا: النصر على الأعداء.. والضياء التوراة أو الشريعة. وعن الضحاك:
أن الفرقان فرق البحر.. «١» .
وخص المتقين بالذكر، لأنهم هم الذين انتفعوا بما اشتمل عليه هذا الكتاب من هدايات.
وقوله- تعالى-: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ.. صفة مدح للمتقين.
أى: آتينا موسى وهارون الكتاب الجامع لصفات الخير ليكون هداية للمتقين، الذين من صفاتهم أنهم يخافون ربهم وهو غير مرئى لهم، ويخشون عذابه في السر والعلانية وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ أى: وهم من الساعة وما يقع فيها من حساب دقيق خائفون وجلون وليسوا كأولئك الكافرين الجاحدين الذين يستعجلون حدوثها.
وخصت الساعة بالذكر مع أنها داخلة في الإيمان بالغيب، للعناية بشأنها حيث إنها من أعظم المخلوقات، وللردّ على من أنكرها واستعجل قيامها.
واسم الإشارة في قوله: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ للقرآن الكريم، أى: وهذا القرآن الذي أنزلناه على عبدنا محمد ﷺ هو ذكر وشرف لكم، وهو كذلك كثير الخيرات والبركات لمن اتبع توجيهاته.
والاستفهام في قوله: أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ للتوبيخ والإنكار، والخطاب للمشركين.
أى: كيف تنكرون كونه من عند الله مع أنكم بمقتضى فصاحتكم تدركون من بلاغته، ما لا يدركه غيركم، ومع أنكم تعترفون بنزول التوراة على موسى وهارون.
إن إنكاركم لكون القرآن من عند الله، لهو دليل واضح على جحودكم للحق بعد أن تبين لكم.
قال الجمل: وتقديم الجار والمجرور على المتعلق، دل على التخصيص، أى: أفأنتم للقرآن خاصة دون كتاب اليهود تنكرون؟ فإنهم كانوا يراجعون اليهود فيما عنّ لهم من المشكلات «٢» .
ثم تسوق السورة بعد ذلك بشيء من التفصيل قصة إبراهيم- ﵇ مع قومه،
стр. 4107
وما دار بينه وبينهم من محاورات ومحاولات فتقول:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٥١ الى ٥٨]
وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤) قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ (٥٥)
قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)
وقصة إبراهيم- ﵇ مع قومه، قد وردت في سور متعددة منها: سورة البقرة، والعنكبوت، والصافات.
وهنا تحدثنا سورة الأنبياء عن جانب من قوة إيمانه- ﵇ ومن سلامة حجته ومن تصميمه على تنفيذ ما يرضى الله- تعالى- بالقول والعمل.
والمراد بالرشد: الهداية إلى الحق والبعد عن ارتكاب ما نهى الله- تعالى- عنه.
والمراد بقوله- تعالى- مِنْ قَبْلُ أى: من قبل أن يكون نبيا.
والمعنى: ولقد آتينا- بفضلنا وإحساننا- إبراهيم- ﵇ الرشد إلى الحق، والهداية إلى الطريق المستقيم، «من قبل» أى: من قبل النبوة بأن جنبناه ما كان عليه قومه من كفر وضلال.
وقد اكتفى الإمام ابن كثير بهذا المعنى في قوله- تعالى- مِنْ قَبْلُ فقال: يخبر- تعالى- عن خليله إبراهيم- ﵇، أنه آتاه رشده من قبل.
أى: من صغره ألهمه الحق والحجة على قومه، كما قال- تعالى-:
стр. 4108
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ.. «١» .
ومن المفسرين من يرى أن المقصود بقوله- تعالى- مِنْ قَبْلُ أى: من قبل موسى وهارون، فقد كان الحديث عنهما قبل ذلك بقليل في قوله- تعالى-: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ ...
فيكون المعنى: ولقد آتينا إبراهيم رشده وهداه، ووفقناه للنظر والاستدلال على الحق، من قبل موسى وهارون، لأنه يسبقهما في الزمان.
وقد رجح هذا المعنى الإمام الآلوسى فقال: وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ» .
أى: الرشد اللائق به وبأمثاله من الرسل الكبار، وهو الرشد الكامل، أعنى: الاهتداء إلى وجوه الصلاح في الدين والدنيا.. «من قبل» أى: من قبل موسى وهارون، وقيل: من قبل البلوغ ... والأول مروى عن ابن عباس وابن عمر، وهو الوجه الأوفق لفظا ومعنى، أما لفظا فللقرب، وأما معنى فلأن ذكر الأنبياء- ﵈ للتأسى، وكان القياس أن يذكر نوح ثم إبراهيم ثم موسى، لكن روعي في ذلك ترشيح التسلي والتأسى، فقد ذكر موسى، لأن حاله وما قاساه من قومه.. أشبه بحال نبينا ﷺ «٢» .
ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع للمعنيين. أى: أن الله- تعالى- قد أعطى إبراهيم رشده، من قبل النبوة، ومن قبل موسى وهارون لسبقه لهما في الزمان.
وقوله: وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ بيان لكمال علم الله- تعالى- أى: وكنا به وبأحواله وبسائر شئونه عالمين، بحيث لا يخفى علينا شيء من أحواله أو من أحوال غيره.
وقوله: إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ بيان لما جابه به إبراهيم أباه وقومه من قول سديد يدل على شجاعته ورشده.
أى: وكنا به عالمين. وقت أن قال لأبيه وقومه على سبيل الإرشاد والتنبيه: ما هذه التماثيل الباطلة التي أقبلتم عليها، وصرتم ملازمين لعبادتها بدون انقطاع.
وسؤاله- ﵇ لهم بما التي هي لبيان الحقيقة، من باب تجاهل العارف، لأنه يعلم أن هذه الأصنام مصنوعة من الأحجار أو ما يشبهها، وإنما أراد بسؤاله تنبيههم إلى فساد فعلهم. حيث عبدوا ما يصنعونه بأيديهم.
وعبر عن الأصنام بالتماثيل، زيادة في التحقير من أمرها، والتوهين من شأنها، فإن
стр. 4109
التمثال هو الشيء المصنوع من الأحجار أو الحديد أو نحو ذلك، على هيئة مخلوق من مخلوقات الله- تعالى- كالإنسان والحيوان، يقال: مثلت الشيء بالشيء إذا شبهته به.
فهو- ﵇ سماها باسمها الحقيقي الذي تستحقه، دون أن يجاريهم في تسميتها آلهة.
وقوله: عاكِفُونَ من العكوف بمعنى المداومة والملازمة. يقال: عكف فلان على الشيء إذا لازمه وواظب عليه، ومنه الاعتكاف لأنه حبس النفس عن التصرفات العادية.
وفي التعبير عن عبادتهم لها بالعكوف عليها، تفظيع لفعلهم وتنفير لهم منه، حيث انكبوا على تعظيم من لا يستحق التعظيم، وتعلقوا بعبادة تماثيل هم صنعوها بأيديهم.
وقوله- سبحانه-: قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ حكاية لما قالوه في ردهم على إبراهيم- ﵇ وهو رد يدل على تحجر عقولهم، وانطماس بصائرهم حيث قلدوا فعل آبائهم بدون تدبر أو تفكر.
أى: قالوا في جوابهم على إبراهيم- ﵇ وجدنا آباءنا يعبدون هذه التماثيل فسرنا على طريقتهم.
وهنا يرد عليهم إبراهيم بقوله: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ.
أى: لقد كنتم أنتم وآباؤكم الذين وجدتموهم يعبدون هذه الأصنام، في ضلال عجيب لا يقادر قدره، وفي فساد ظاهر واضح لا يخفى أمره على عاقل، لأن كل عاقل يعلم أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة أو التقديس أو العكوف عليها، والباطل لا يصير حقا بفعل الآباء له.
وعند ما واجههم إبراهيم- ﵇ بهذا الحكم البين الصريح، قالوا له: أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ.
أى: أجئتنا يا إبراهيم بالحق الذي يجب علينا اتباعه، أم أنت من اللاعبين اللاهين الذين يقولون ما يقولون بقصد الهزل والملاعبة.
وسؤالهم هذا يدل على تزعزع عقيدتهم. وشكهم فيما هم عليه من باطل، إلا أن التقليد لآبائهم. جعلهم يعطلون عقولهم «ويستحبون العمى على الهدى» .
ويجوز أن يكون سؤالهم هذا من باب الإنكار عليه. واستبعاد أن يكون آباؤهم على باطل، وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: «بقوا متعجبين من تضليله إياهم، وحسبوا أن ما قاله، إنما قاله على وجه المزاح والمداعبة، لا على طريق الجد، فقالوا له: هذا الذي جئتنا
стр. 4110
به، أهو جد وحق أم لعب وهزل «١» .
وقد رد عليهم إبراهيم- ﵇ ردا حاسما يدل على قوة يقينه فقال: بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ..» .
أى: قال لهم إبراهيم بلغة الواثق بأنه على الحق: أنا لست هازلا فيما أقوله لكم، وإنما أنا جاد كل الجد في إخباركم أن الله- تعالى- وحده هو ربكم ورب آبائكم، ورب السموات والأرض، فهو الذي خلقهن وأنشأهن بما فيهن من مخلوقات بقدرته التي لا يعجزها شيء.
وقوله: وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ تذييل المقصود به تأكيد ما أخبرهم به، وما دعاهم إليه. أى: وأنا على أن الله- تعالى- هو ربكم ورب كل شيء من الشاهدين، الذين يثقون في صدق ما يقولون ثقة الشاهد على شيء لا يشك في صحته.
ثم أضاف إلى هذا التأكيد القولى، تأكيدا آخر فعليا، فقال لهم: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ.
أى: وحق الله الذي فطركم وفطر كل شيء، لأجتهدن في تحطيم أصنامكم، بعد أن تنصرفوا بعيدا عنها. وتولوها أدباركم.
وأصل الكيد: الاحتيال في إيجاد ما يضر مع إظهار خلافه. وقد عبر به إبراهيم عن تكسير الأصنام وتحطيمها، لأن ذلك يحتاج إلى احتيال وحسن تدبير.
وقد نفذ إبراهيم ما توعد به الأصنام، فقد انتهز فرصة ذهاب قومه بعيدا عنها فحطمها، قال تعالى- فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ.
والفاء في قوله: «فجعلهم» فصيحة. والجذاذ القطع الصغيرة جمع جذاذة من الجذ بمعنى القطع والكسر.
أى: فولوا مدبرين عن الأصنام فجعلها بفأسه قطعا صغيرة، بأن حطمها عن آخرها- سوى الصنم الأكبر لم يحطمه بل تركه من غير تكسير. لعلهم إليه يرجعون فيسألونه كيف وقعت هذه الواقعة وهو حاضر، ولم يستطع الدفاع عن إخوته الصغار؟!!.
ولعل إبراهيم- ﵇ قد فعل ذلك ليقيم لهم أوضح الأدلة على أن هذه الأصنام لا تصلح أن تكون آلهة، لأنها لم تستطع الدفاع عن نفسها، وليحملهم على التفكير في أن الذي يجب أن يكون معبودا، إنما هو الله الخالق لكل شيء، والقادر على كل شيء.
стр. 4111
قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله: لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ لبيان وجه الكسر واستبقاء الكبير، وضمير «إليه» عائد إلى إبراهيم، أى: لعلهم يرجعون إلى إبراهيم، فيحاجهم ويبكتهم.
وعن الكلبي: أن الضمير للكبير، أى: لعلهم يرجعون إلى الكبير، كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات فيقولون له: ما لهؤلاء مكسورة، وما لك صحيحا، والفأس في عنقك أو في يدك؟ وحينئذ يتبين لهم أنه عاجز لا ينفع ولا يضر، ويظهر أنهم في عبادته على جهل عظيم.. «١» .
وعاد القوم إلى أصنامهم بعد تركهم إياها لفترة من الوقت، فوجدوها قد تحطمت إلا ذلك الكبير، فأصابهم ما أصابهم من الذهول والعجب، ويصور القرآن الكريم ذلك فيقول:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٥٩ الى ٦٥]
قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)
فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)
أى: وحين رجع القوم من عيدهم ورأوا ما حل بأصنامهم «قالوا» على سبيل التفجع والإنكار: «من فعل هذا» الفعل الشنيع «بآلهتنا» التي نعظمها «إنه» أى هذا الفاعل «لمن الظالمين» لهذه الآلهة. لإقدامه على إهانتها وهي الجديرة بالتعظيم- في زعمهم-، ولمن الظالمين لنفسه حيث سيعرضها للعقوبة منا.
стр. 4112
قالُوا أى: بعضهم وهم الذين سمعوا من إبراهيم قوله: «وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين» . سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ والمراد بالذكر هنا: الذكر بالسوء والذم.
أى: سمعنا فتى يذكرهم بالنقص والذم والتهديد بالكيد، وهذا الفتى يقال له إبراهيم، ولعله هو الذي فعل بهم ما فعل.
وهنا تشاوروا فيما بينهم وقالوا. إذا كان الأمر كذلك: فَأْتُوا بِهِ وأحضروه عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ أى: أمام أعينهم ليتمكنوا من رؤيته على أتم وجه لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ مساءلتنا له، ومواجهتنا إياه بالعقوبة التي يستحقها على فعله هذا، أو يشهدون عليه بأنه هو الذي حطم الأصنام.
قال ابن كثير: وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم، أن يتبين في هذا المحفل العظيم، كثرة جهلهم، وقلة عقلهم، في عبادة هذه الأصنام، التي لا تدفع عن نفسها ضرا، ولا تملك لها نصرا..» «١» .
وجاءوا بإبراهيم- ﵇ وقالوا له على سبيل الاستنكار والتهديد: «أأنت فعلت هذا» التكسير والتحطيم «بآلهتنا» التي نعبدها «يا إبراهيم» ؟
وهنا يرد عليهم إبراهيم- ﵇ بتهكم ظاهر، واستهزاء واضح فيقول: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا يعنى الذي تركه بدون تحطيم، فإن كنتم لم تصدقوا قولي فَسْئَلُوهُمْ عمن فعل بهم ذلك إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ أى: إن كانوا ممن يتمكن من النطق أجابوكم وأخبروكم عمن فعل بهم ما فعل.
فأنت ترى أن إبراهيم- ﵇ لم يقصد بقوله هذا الإخبار بأن كبير الأصنام هو الذي حطمها، أو سؤالهم للأصنام عمن حطمها، وإنما الذي يقصده هو الاستهزاء بهم، والسخرية بأفكارهم، فكأنه يقول لهم: إن هذه التماثيل التي تعبدونها من دون الله. لا تدرى إن كنت أنا الذي حطمتها أم هذا الصنم الكبير، وأنتم تعرفون أنى قد بقيت قريبا منها بعد أن وليتم عنها مدبرين، وإذا كان الأمر كذلك فانظروا من الذي حطمها إن كانت لكم عقول تعقل؟
قال صاحب الكشاف: هذا- أى قول إبراهيم لهم: بل فعله كبيرهم هذا- من معاريض الكلام، ولطائف هذا النوع لا يتغلغل فيها إلا أذهان الخاصة من علماء المعاني.
стр. 4113
والقول فيه أن قصد إبراهيم- ﵇ لم يكن إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم، وإنما قصد تقريره لنفسه، وإثباته لها على أسلوب تعريضي، يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة وتبكيتهم.
وهذا كما لو قال لك صاحبك، وقد كتبت كتابا بخط رشيق- وأنت شهير بحسن الخط-: أأنت كتبت هذا؟ وصاحبك أمى لا يحسن الخط، ولا يقدر إلا على خربشة فاسدة- أى كتابة رديئة- فقلت له: بل كتبته أنت، كان قصدك بهذا الجواب، تقرير أن هذه الكتابة لك. مع الاستهزاء به.. «١» .
وهذا التفسير للآية الكريمة من أن إبراهيم- ﵇ قد قال لقومه ما قال على سبيل الاستهزاء بهم، هو الذي تطمئن إليه قلوبنا، وقد تركنا أقوالا أخرى للمفسرين في معنى الآية، نظرا لضعف هذه الأقوال بالنسبة لهذا القول.
وقوله- سبحانه-: فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ بيان للأثر الذي أحدثه رد إبراهيم- ﵇.
أى: أنهم بعد أن قال لهم إبراهيم بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ، أخذوا في التفكر والتدبر، فرجعوا إلى أنفسهم باللوم، وقال بعضهم لبعض إنكم أنتم الظالمون، حيث عبدتم مالا يستطيع الدفاع عن نفسه أو حيث تركتم آلهتكم بدون حراسة.
ولكن هذا الأثر، وهذا اللوم لأنفسهم، لم يلبث إلا قليلا حتى تبدد، بسبب استيلاء العناد والجحود عليهم، فقد صور القرآن حالهم بعد ذلك فقال: ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ.
وقوله: نُكِسُوا فعل مبنى للمجهول من النكس، وهو قلب الشيء من حال إلى حال، وأصله: قلب الشيء بحيث يصير أعلاه أسفله.
أى: ثم انقلبوا من لومهم لأنفسهم لعبادتهم لما لا يقدر على دفع الأذى عنه، إلى التصميم على كفرهم وضلالهم، فقالوا لإبراهيم على سبيل التهديد: لقد علمت أن هذه الأصنام لا تنطق، فكيف تأمرنا بسؤالها؟ إن أمرك هذا لنا لهو دليل على أنك تسخر بعقولنا، ونحن لن نقبل ذلك، وسننزل بك العقاب الذي تستحقه.
وقد شبه القرآن الكريم عودتهم إلى باطلهم وعنادهم، بعد رجوعهم إلى أنفسهم باللوم، شبه ذلك بالانتكاس، لأنهم بمجرد أى خطرت لهم الفكرة السليمة، أطفأوها بالتصميم على
стр. 4114
الكفر والضلال، فكان مثلهم كمثل من انتكس على رأسه بعد أن كان ما شيا على قدميه، فيا له من تصوير بديع لحالة من يعود إلى الظلام، بعد أن يتبين له النور.
والجملة الكريمة لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ جواب لقسم محذوف، معمول لقول محذوف، والتقدير: ثم نكسوا على رءوسهم قائلين: والله لقد علمت ما هؤلاء ينطقون.
ولم يملك إبراهيم إزاء انتكاسهم على رءوسهم، إلا أن يوبخهم بعنف وضيق، - وهو الحليم الأواه المنيب- وقد قابلوا تأنيبه لهم بتوعده بالعذاب الشديد، ولكن الله- تعالى- نجاه من مكرهم، قال- تعالى-:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٦٦ الى ٧٣]
قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧) قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩) وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)
وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣)
أى: قال إبراهيم لقومه بعد أن ضاق بهم ذرعا: أتتركون عبادة الله الذي خلقكم، وتعبدون غيره أصناما لا تنفعكم بشيء من النفع، ولا تضركم بشيء من الضر، ثم يضيف إلى
стр. 4115
هذا التبكيت لهم، الضجر منهم، فيقول: أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ.
و «أف» اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر. وأصله صوت المتضجر من استقذار الشيء.
واللام في قوله لَكُمْ لبيان المتضجر لأجله.
أى: سحقا وقبحا لكم، ولما تعبدونه من أصنام متجاوزين بها عبادة الله- تعالى- عن جهل وسخف وطغيان.
أَفَلا تَعْقِلُونَ ما أنتم فيه من ضلال واضح، فترجعون عنه إلى عبادة الواحد القهار.
وعند ما وصل إبراهيم في توبيخهم وتبكيتهم إلى هذا الحد أخذتهم العزة بالإثم، شأنهم في ذلك شأن كل طاغية جهول، يلجأ إلى القوة الغاشمة بعد أن تبطل حجته، فقالوا فيما بينهم:
حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ.
أى: قال بعضهم لبعض بعد أن عجزوا عن مقارعة الحجة بالحجة، وبعد أن رأوا إبراهيم قد أفحمهم بمنطقه الحكيم: حَرِّقُوهُ أى: بالنار، فإنها أشد العقوبات.
قيل: إن الذي اقترح عليهم ذلك هو رئيسهم: نمرود بن كنعان. وقيل: هو رجل من الفرس اسمه: هينون.
وقوله: وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ.. بيان لسبب تحريقه بالنار.
أى: حرقوه بالنار من أجل الانتصار لآلهتكم التي حطمها في غيبتكم إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ.
أى: إن كنتم بحق تريدون أن تنصروا آلهتكم نصرا يرضيها، فأحرقوه بالنار.
قال صاحب الكشاف: أجمعوا رأيهم- لما غلبوا- بإهلاكه، وهكذا المبطل إذا قرعت شبهته بالحجة وافتضح. لم يكن أحد أبغض إليه من المحق ولم يبق له مفزع إلا مناصبته العداء، كما فعلت قريش برسول الله ﷺ حين عجزوا عن المعارضة.
والذي أشار بإحراقه: نمروذ. وعن ابن عمر: رجل من أعراب العجم. واختاروا المعاقبة بالنار لأنها أهول ما يعاقب به وأفظعه، ولذلك جاء: «لا يعذب بالنار إلا خالقها» «١» .
وقوله تعالى: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ.. مسبوق بكلام محذوف يفهم من سياق القصة.
стр. 4116
والتقدير: وأحضر قوم إبراهيم الحطب، وأضرموا نيرانا عظيمة، وألقوا بإبراهيم فيها، فلما فعلوا ذلك، قلنا: يا نار كوني- بقدرتنا وأمرنا- ذات برد، وذات سلام على إبراهيم، فكانت كما أمرها الله- تعالى-، وصدق- سبحانه- إذ يقول: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «١» .
وتحولت النار إلى برد وسلام على إبراهيم، وأراد الكافرون به كيدا، أى إحراقا بالنار «فجعلناهم» بإرادتنا وقدرتنا «الأخسرين» حيث لم يصلوا إلى ما يريدون، ولم يحققوا النصر لآلهتهم، بل رد الله- تعالى- كيدهم في نحورهم.
وقال- سبحانه- فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ بالإطلاق لتشمل خسارتهم كل خسارة سواء أكانت دنيوية أم أخروية.
وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات آثارا منها: أن إبراهيم- ﵇ حين جيء به إلى النار، قالت الملائكة: يا ربنا ما في الأرض أحد يعبدك سوى إبراهيم، وأنه الآن يحرق فأذن لنا في نصرته!! فقال- سبحانه-: إن استغاث بأحد منكم فلينصره. وإن لم يدع غيرى فأنا أعلم به، وأنا وليه، فخلوا بيني وبينه، فهو خليلي ليس لي خليل غيره.
فأتى جبريل- ﵇ إلى إبراهيم، فقال له: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم!! فقال له جبريل: فلم لا تسأله؟ فقال إبراهيم- ﵊: حسبي من سؤالى علمه بحالي.. «٢» .
ثم بين- سبحانه- نعما أخرى أنعم بها على إبراهيم فقال: وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ.
والضمير في قوله: وَنَجَّيْناهُ يعود إلى إبراهيم. و «لوطا» هو ابن أخيه، وقيل:
ابن عمه.
والمراد بالأرض التي باركنا فيها: أرض الشام على الصحيح وعدّى نَجَّيْناهُ بإلى، لتضمينه معنى أخرجناه.
أى: وأخرجناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها، بأن جعلناها مهبطا للوحى، ومبعثا
стр. 4117
للرسل لمدة طويلة، وبأن جعلناها كذلك عامرة بالخيرات وبالأموال وبالثمرات للأجيال المتعاقبة.
والآية الكريمة تشير إلى هجرة إبراهيم ومعه لوط- ﵉ من أرض العراق التي كانا يقيمان فيها، إلى أرض الشام، فرارا بدينهما. بعد أن أراد قوم إبراهيم أن يحرقوه بالنار، فأبطل الله- تعالى- كيدهم ومكرهم، ونجاه من شرهم.
وقد أشار- سبحانه- إلى ذلك في آيات أخرى منها قوله- تعالى-: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.. «١» .
وقوله- تعالى- وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً.. بيان لنعمة أخرى من النعم التي أنعم الله- سبحانه- بها على إبراهيم.
والنافلة: الزيادة على الأصل. ولذا سميت صلاة السنن نافلة، لأنها زيادة على الصلوات المفروضة. وإسحاق هو ابن إبراهيم. ويعقوب هو ابن إسحاق.
فلفظ «نافلة» حال من يعقوب أى: ووهبنا لإبراهيم يعقوب حال كونه زيادة على إسحاق. وَكُلًّا من المذكورين وهم إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب.
جَعَلْنا صالِحِينَ أى: جعلناهم أفرادا صالحين، بأن وفقناهم لما نحبه ونرضاه، وشرفناهم بالنبوة والرسالة.
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا أى: وجعلنا هؤلاء المذكورين، أئمة في الخير، يهدون ويرشدون غيرهم إلى الدين الحق بسبب أمرنا لهم بذلك، وتكليفهم بتبليغ وحينا إلى الناس.
قال صاحب الكشاف: قوله- سبحانه-: يَهْدُونَ بِأَمْرِنا فيه أن من صلح ليكون قدوة في دين الله، فالهداية محتومة عليه، مأمور بها من جهة الله ليس له أن يخل بها، ويتثاقل عنها، وأول ذلك أن يهتدى بنفسه، لأن الانتفاع بهداه أعم، والنفوس إلى الاقتداء بالمهدى أميل» «٢» .
وقوله: وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ أى: وأوحينا إليهم أن يفعلوا الطاعات، وأن يأمروا الناس بفعلها، وأوحينا إليهم كذلك إِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ أى: أن يقيموا الصلاة وأن يؤدوا الزكاة وأن يأمروا غيرهم بذلك.
وعطف إقام الصلاة وإيتاء الزكاة على فعل الخيرات من باب عطف الخاص على العام.
стр. 4118
للاهتمام به إذ الصلاة أفضل العبادات البدنية والزكاة أفضل العبادات المالية وَكانُوا لَنا عابِدِينَ لا لغيرنا، فهم لم يخطر ببالهم عبادة أحد سوانا، لأنهم من المصطفين الأخيار.
هذا، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة التي وردت في قصة إبراهيم مع قومه. يراها قد حكت لنا غيرة إبراهيم- ﵇ على دين الله- تعالى- وقوة حجته في الدفاع عن الحق، ومجاهدته بما يعتقده بدون خوف من قومه، وجمعه في دعوته بين القول والعمل.
كما يراها قد بينت لنا أن من يدافع عن دين الله- تعالى- يدافع الله- سبحانه- عنه، وينصره على أعدائه، ويرد كيدهم في نحورهم.
كما يراها- أيضا- قد أشارت إلى أن من هاجر من أرض إلى أخرى من أجل إعلاء كلمة الله- تعالى- رزقه الله نظير ذلك الخير والبركة، والذرية الصالحة التي تهدى غيرها إلى الطريق المستقيم.
ثم ساق- سبحانه- جانبا من قصة لوط- ﵇ مع قومه فقال- تعالى-:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٧٤ الى ٧٥]
وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)
وقوله- تعالى-: وَلُوطاً منصوب بفعل مضمر يفسره المذكور بعده وهو آتَيْناهُ.
أى: وآتيناه لوطا- ﵇ حُكْماً أى: نبوة، أو حكمة تهديه إلى ما يجب فعله أو تركه و «علما» أى: علما كثيرا لما ينبغي علمه وفهمه.
وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ والمراد بالقرية: قرية سدوم التي أرسل الله- تعالى- لوطا لأهلها.
والأعمال الخبيثة التي كانوا يعملونها على رأسها الإشراك بالله- تعالى- وفاحشة اللواط التي اشتهروا بها دون أن يسبقهم إليها أحد. كما قال- تعالى-: وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ، وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ «١» وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ «٢» الْمُنْكَرَ، فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ
стр. 4119
كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.. «١» .
أى: ونجينا لوطا بفضلنا ورحمتنا من العذاب الذي حل بأهل قريته الذين كانوا يعملون الأعمال الخبائث، كالشرك بالله- تعالى- واللواط، وقطعهم الطريق، وارتكابهم المنكر في مجالسهم.
وقوله- تعالى-: إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ تعليل لنجاة لوط- ﵇ مما حل بهم.
أى: جعلنا هذه القرية عاليها سافلها، ونجينا لوطا ومن آمن معه من العذاب الذي حل بسكانها إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ أى: أصحاب عمل سيئ فاسِقِينَ أى: خارجين عن طاعتنا.
وَأَدْخَلْناهُ أى: لوطا فِي رَحْمَتِنا أى: في أهل رحمتنا في الدنيا والآخرة إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ الذين سبقت لهم منا الحسنى.
ثم ذكرت السورة الكريمة جانبا من قصة نوح مع قومه. قال- تعالى-.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٧٦ الى ٧٧]
وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)
أى: واذكر- أيضا- أيها المخاطب عبدنا «نوحا» ﵇ إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ أى: حين نادانا واستجار بنا من قبل زمان إبراهيم ومن جاء بعده من الأنبياء.
وهذا النداء الذي نادى به نوح ربه، قد جاء ذكره في آيات منها قوله- تعالى-:
وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ «٢» .
وقوله- سبحانه-: وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً «٣» .
فَاسْتَجَبْنا لَهُ أى: أجبنا له دعاءه، ولم نخيب له رجاء فينا.
стр. 4120
فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ الذين آمنوا به وصدقوه مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ أى: من الطوفان العظيم الذي أغرق الكافرين، والذي كانت أمواجه كالجبال.
وأصل الكرب: الغم الشديد. يقال: فلان كربه هذا الأمر، إذا ضايقه وجعله في أقصى درجات الهم والخوف.
قال الآلوسى: «وكأنه على ما قيل من كرب الأرض، وهو قلبها بالحفر. إذ الغم يثير النفس إثارة ذلك، أو من كربت الشمس إذا دنت للمغيب، فإن الغم الشديد، تكاد شمس الروح تغرب منه.. وفي وصفه بالعظيم تأكيد لشدته» «١» .
وَنَصَرْناهُ بفضلنا وإحساننا مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا. وعلى أن نوحا رسولا من رسلنا.
والمراد بهؤلاء القوم: قومه الذين لبث نوح فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما. يدعوهم إلى إخلاص العبادة لله. فلم يؤمن به إلا قليل منهم.
إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ أى: إنهم كانوا قوما يعملون أعمال السوء والقبح فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ بسبب إصرارهم على الكفر والعصيان، ولم ننج منهم إلا من اتبع نوحا ﵇.
ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك جانبا من قصة نبيين كريمين هما داود وسليمان فقال- تعالى-:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٧٨ الى ٨٢]
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢)
стр. 4121
وقوله- سبحانه-: وَداوُدَ منصوب- أيضا- بفعل مقدر، أو معطوف على قوله سبحانه- قبل ذلك: وَنُوحاً إِذْ نادى.
وسليمان هو ابن داود، وكلاهما من أنبياء الله- سبحانه-، وينتهى نسبهما إلى يعقوب- ﵇ وكانت وفاتهما قبل ميلاد المسيح- ﵇ بألف سنة تقريبا، وقد جمع الله- تعالى- لهما بين الملك والنبوة.
والحرث: الزرع. قيل: كان كرما- أى عنبا- تدلت عناقيده.
وقوله: نَفَشَتْ من النفش وهو الرعي بالليل خاصة. يقال: نفشت الغنم والإبل، إذا رعت ليلا بدون راع.
وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات روايات ملخصها: أن رجلين دخلا على داود- ﵇ أحدهما صاحب زرع، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع لداود:
يا نبي الله، إن غنم هذا قد نفشت في حرثى فلم تبق منه شيئا، فحكم داود- ﵇ لصاحب الزرع أن يأخذ غنم خصمه في مقابل إتلافها لزرعه.
وعند خروجهما التقيا بسليمان- ﵇ فأخبراه بحكم أبيه. فدخل سليمان على أبيه فقال له: يا نبي الله، إن القضاء غير ما قضيت، فقال له: كيف؟ قال: ادفع الغنم إلى صاحب الزرع لينتفع بها، وادفع الزرع إلى صاحب الغنم ليقوم عليها حتى يعود كما كان. ثم يعيد كل منهما إلى صاحبه ما تحت يده، فيأخذ صاحب الزرع زرعه، وصاحب الغنم غنمه..
فقال داود- ﵇ القضاء ما قضيت يا سليمان «١» .
والمعنى: اذكر- أيها الرسول الكريم- قصة داود وسليمان، وقت أن كانا يحكمان في الزرع الذي «نفشت فيه غنم القوم» أى: تفرقت فيه وانتشرت ليلا دون أن يكون معها راع فرعته وأفسدته.
قال القرطبي: «ولم يرد- سبحانه- بقوله إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ: الاجتماع في
стр. 4122
الحكم وإن جمعهما في القول، فإن حكمين على حكم واحد لا يجوز وإنما حكم كل واحد منهما على انفراده، وكان سليمان الفاهم لها بتفهيم الله- تعالى- له «١» .
وقوله- تعالى-: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ جملة معترضة جيء بها لبيان شمول علم الله- تعالى- وإحاطته بكل شيء.
أى: وكنا لما حكم به كل واحد منهما عالمين وحاضرين، بحيث لا يغيب عنا شيء مما قالاه.
وضمير الجمع في قوله لِحُكْمِهِمْ: لداود وسليمان، واستدل بذلك من قال إن أقل الجمع اثنان، وقيل: ضمير الجمع يعود عليهما وعلى صاحب الزرع وصاحب الحرث أى: وكنا للحكم الواقع بين الجميع شاهدين.
والضمير المنصوب في قوله- تعالى-: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ يعود إلى القضية أو المسألة التي عرضها الخصمان على داود وسليمان.
أى: ففهمنا سليمان الحكم الأنسب والأوفق في هذه المسألة أو القضية، وذلك لأن داود- كما يقول العلماء. قد اتجه في حكمه إلى مجرد التعويض لصاحب الحرث. وهذا عدل فحسب.
أما حكم سليمان فقد تضمن مع العدل البناء والتعمير، وجعل العدل دافعا إلى البناء والتعمير، وهذا هو العدل الحي الإيجابى في صورته البانية الدافعة، وهو فتح من الله وإلهام يهبه من يشاء» «٢» .
وقوله- سبحانه- وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً ثناء من الله- تعالى- على داود وسليمان- ﵉ والمقصود من هذا الثناء دفع ما قد يتبادر إلى بعض الأذهان من أن داود لم يكن مصيبا في حكمه.
أى: وكلا من داود وسليمان قد أعطيناه من عندنا حُكْماً أى: نبوة وإصابة في القول والعمل وَعِلْماً أى: فقها في الدين، وفهما سليما للأمور.
وقد توسع بعض المفسرين في الحديث عن هذا الحكم الذي أصدره داود وسليمان في قضية الحرث أكان بوحي من الله إليهما، أم كان باجتهاد منهما، وقد رجح بعض العلماء أنه كان باجتهاد منهما فقال: اعلم أن جماعة من العلماء قالوا: إن حكم داود وسليمان في الحرث المذكور في هذه الآية كان بوحي، إلا أن ما أوحى إلى سليمان كان ناسخا لما أوحى إلى داود.
стр. 4123
وفي الآية قرينتان على أن حكمهما كان باجتهاد لا بوحي، وأن سليمان أصاب فاستحق الثناء باجتهاده وإصابته، وأن داود لم يصب فاستحق الثناء باجتهاده، ولم يستوجب لوما ولا ذما لعدم إصابته.
كما أثنى- سبحانه- على سليمان بالإصابة في قوله فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وأثنى عليهما في قوله: وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً.
فدل قوله إِذْ يَحْكُمانِ على أنهما حكما فيها معا، كل منهما بحكم مخالف لحكم الآخر، ولو كان وحيا لما ساغ الخلاف. ثم قال: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ فدل ذلك على أنه لم يفهمها داود، ولو كان حكمه فيها بوحي لكان مفهما إياها كما ترى.
فقوله: إِذْ يَحْكُمانِ مع قوله فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ قرينة على أن الحكم لم يكن بوحي بل باجتهاد، وأصاب فيه سليمان دون داود بتفهيم الله إياه ذلك.
والقرينة الثانية: هي أن قوله- تعالى- فَفَهَّمْناها يدل على أنه فهمه إياها من نصوص ما كان عندهم من الشرع، لا أنه- تعالى- أنزل عليه فيها وحيا جديدا ناسخا، لأن قوله- تعالى-: فَفَهَّمْناها أليق بالأول من الثاني كما ترى.. «١» .
ثم بين- سبحانه- نماذج من النعم التي أنعم بها على داود- ﵇ فقال:
وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ.
والتسخير: التذليل أى: وجعلنا الجبال والطير يسبحن الله- تعالى- ويقدسنه مع داود، امتثالا لأمره- سبحانه-.
قال ابن كثير: وذلك لطيب صوته، بتلاوة كتابه الزبور، وكان إذا ترنم به تقف الطير في الهواء فتجاوبه، وترد عليه الجبال تأويبا. ولهذا لما مر النبي ﷺ على أبى موسى الأشعرى، وهو يتلو القرآن من الليل، وكان له صوت طيب، فوقف واستمع إليه وقال:
«لقد أوتى هذا من مزامير آل داود» «٢» .
وقال صاحب الكشاف: «فإن قلت: لم قدمت الجبال على الطير؟ قلت: لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب، وأدل على القدرة، وأدخل في الإعجاز، لأنها جماد، والطير حيوان، إلا أنه غير ناطق، روى أنه كان يمر بالجبال مسبحا وهي تجاوبه، وقيل: كانت تسير معه حيث سار.. «٣» .
стр. 4124
وتسبيح الجبال والطير مع داود- ﵇ هو تسبيح حقيقى، ولكن بكيفية يعلمها الله- تعالى- كما قال- سبحانه- تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. «١» .
وشبيه بالآية التي معنا قوله- تعالى-: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ «٢» .
وقوله- سبحانه-: اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ «٣» .
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: وَكُنَّا فاعِلِينَ أى: وكنا فاعلين ذلك لداود من تسخير الجبال والطير معه يسبحن الله وينزهنه عن كل سوء، على سبيل التكريم له.
والتأييد لنبوته، إذ أن قدرتنا لا يعجزها شيء، سواء أكان هذا الشيء مألوفا للناس أم غير مألوف.
وقوله- تعالى-: وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ بيان لنعمة أخرى من النعم التي أنعم الله بها على داود.
واللبوس: كل ما يلبس كاللباس والملبس: والمراد به هنا: الدروع.
أى: وبجانب ما منحنا داود من فضائل، فقد علمناه من لدنا صناعة الدروع بحذق وإتقان، وهذه الصناعة التي علمناه إياها بمهارة وجودة لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ.
أى: لتجعلكم في حرز ومأمن من الإصابة بآلة الحرب. وتقى بعضكم من بأس بعض، لأن الدرع تقى صاحبها من ضربات السيوف، وطعنات الرماح.
يقال: أحصن فلان فلانا، إذا جعله في حرز وفي مكان منيع من العدوان عليه.
والاستفهام في قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ للحض والأمر أى: فاشكروا الله- تعالى- على هذه النعم، بأن تستعملوها في طاعته- سبحانه-.
قال القرطبي- ﵀: «وهذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب، وهو قول أهل العقول والألباب. لا قول الجهلة الأغبياء القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء، فالسبب سنة الله في خلقه، فمن طعن في ذلك فقط طعن في الكتاب والسنة، وقد أخبر الله- تعالى- عن نبيه داود أنه كان يصنع الدروع، وكان- أيضا- يصنع الخوص، وكان يأكل من عمل
стр. 4125
يده، وكان آدم حراثا، ونوح نجارا، ولقمان خياطا، وطالوت دباغا، فالصنعة يكف بها الإنسان نفسه عن الناس، ويدفع بها عن نفسه الضرر والبأس، وفي الحديث: «إن الله يحب المؤمن المحترف المتعفف، ويبغض السائل الملحف» «١» .
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك جانبا من نعمه على سليمان بن داود فقال: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها.
وقوله: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ معطوف على معمول «سخرنا» في قوله- تعالى- قبل ذلك: وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ و «عاصفة» حال من الريح.
أى: وسخرنا لسليمان الريح حال كونها عاصفة أى: شديدة الهبوب، كما سخرنا مع أبيه الجبال يسبحن والطير.
يقال: عصفت الريح تعصف إذا اشتدت، فهي عاصف وعاصفة وعصوف سميت بذلك لتحطيمها ما تمر عليه فتجعله كالعصف وهو التبن.
وقوله- تعالى-: تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها أى: جعلناها مع قوتها وشدتها تجرى بأمر سليمان وإذنه إلى الأرض التي باركنا فيها وهي أرض الشام. وقيل: يحتمل أن يكون المراد بها ما هو أعم من أرض الشام.
ووصفت الريح هنا بأنها عاصفة، وفي آية أخرى بأنها رخاء قال- تعالى-: تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ «٢» . لأنها تارة تكون عاصفة، وتارة تكون لينة رخاء. على حسب ما تقتضيه حكمته- سبحانه-.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: «فإن قلت: وصفت هذه الرياح بالعصف تارة وبالرخاوة أخرى، فما التوفيق بينهما؟.
قلت: كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة، على ما قال: «غدوها شهر ورواحها شهر» فكان جمعها بين الأمرين أن تكون رخاء في نفسها وعاصفة في عملها، مع طاعتها لسليمان على حسب ما يريد» «٣» .
وقال- سبحانه- هنا: تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها أى تجرى بأمره إلى تلك الأرض في حال إيابه ورجوعه إليها، حيث مقر مملكته ومسكنه. فالمقصود من الآية الكريمة الإخبار عن جريانها في حال عودته إلى مملكته.
стр. 4126
أما الآية الأخرى التي تقول: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ أى: حيث أراد لها أن تجرى، فالمقصود منها الإخبار عن جربها بإذنه في غير حال عودته إلى مملكته، وبذلك أمكن الجمع بين الآيتين، إذ الجهة فيهما منفكة.
وقوله- تعالى-: وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ أى: وكنا بكل شيء يجرى في هذا الكون عالمين علما مطلقا لا كعلم غيرنا من خلقنا. فإنه علم محدود بما نشاؤه ونقدره.
فالجملة الكريمة بيان لإحاطة علم الله- تعالى- بكل شيء، والتنبيه بأن ما أعطاه الله- تعالى- لسليمان، إنما كان بإرادته- سبحانه- وعلمه.
وقوله- سبحانه-: وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ بيان لمنة أخرى من المنن الكثيرة التي امتن بها- سبحانه- على عبده ونبيه سليمان.
ويغوصون من الغوص وهو النزول تحت الماء، ومنه الغواص الذي ينزل تحت الماء لاستخراج الجواهر وغيرها.
وقوله: مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ في محل نصب عطفا على معمول سَخَّرْنا، السابق.
أى: وسخرنا- أيضا- لسليمان من يغوص له، أى: لأجله، من الشياطين، فينزلون تحت مياه البحار ليستخرجوا له منها الجواهر النفيسة كاللؤلؤ والمرجان.
وفي التعبير بقوله: لَهُ إشعار بأن غوصهم لم يكن لمنفعة أنفسهم أو باختيارهم، وإنما هم كانوا يغوصون من أجل مصلحة سليمان- ﵇ وبأمره.
وقوله: وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ أى: لم تكن مهمتهم الغوص فقط وإنما كان سليمان يسخرهم ويكلفهم بأعمال أخرى كثيرة كبناء المدائن والقصور وصنع التماثيل والمحاريب.. كما قال- تعالى-: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ، وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ، وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ «١» .
فاسم الإشارة في قوله وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ يعود إلى الغوص أى: ويعملون له عملا كثيرا سوى ذلك الغوص.
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ أى: وكنا لهؤلاء الشياطين حافظين من أن يخرجوا عن طاعته. أو أن يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون له.
стр. 4127
وتلك نعمة كبرى لسليمان- ﵇ حيث جعل- سبحانه- الشياطين لا يستطيعون أن يزيغوا عن أمره.
هذا وقد ذكر بعض المفسرين عند تفسيرهم لهذه الآيات قصصا متعددة منها قصة بساط الريح الذي قيل إن سليمان كان يجلس عليه هو وجنده، فيطير بهم إلى الشام في وقت قصير، ومنها صفة حمل الريح له وصفة جنوده من الجن والإنس والطير.
وقد رأينا عدم ذكر ذلك هنا، لأنه لم يرد ما يؤيده من الآثار الصحيحة.
ثم ساق- سبحانه- جانبا من قصة أيوب- ﵇ وهي قصة تمثل الابتلاء بالضر في أشد صوره. قال- تعالى-:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٣ الى ٨٤]
وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤)
قال ابن كثير: «يذكر الله- تعالى- عن أيوب- ﵇ ما كان قد أصابه من البلاء في ماله وولده وجسده، وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شيء كثير، وأولاد كثيرون، ومنازل مرضية. فابتلى في ذلك كله، وذهب عن آخره، ثم ابتلى في جسده..
ولم يبق من الناس أحد يحنو عليه سوى زوجته.. وقد كان نبي الله أيوب غاية في الصبر، وبه يضرب المثل في ذلك. «١» .
وقال الآلوسى: وهو ابن أموص بن رزاح بن عيص بن إسحاق. وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط، وأن أباه ممن آمن بإبراهيم فعلى هذا كانت بعثته قبل موسى وهارون. وقيل:
بعد شعيب، وقيل: بعد سليمان..» «٢» .
والضر- بالفتح- يطلق على كل ضرر- وبالضم- خاص بما يصيب الإنسان في نفسه من مرض وأذى وما يشبههما.
стр. 4128
والمعنى: واذكر- أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب- عبدنا أيوب- ﵇ وقت أن نادى ربه، وتضرع إليه بقوله: يا رب أنى أصابنى ما أصابنى من الضر والتعب، وأنت أجل وأعظم رحمة من كل من يتصف بها.
فأنت ترى أن أيوب- ﵇ لم يزد في تضرعه عن وصف حاله أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ ووصف خالقه- تعالى- بأعظم صفات الرحمة دون أن يقترح شيئا أو يطلب شيئا، وهذا من الأدب السامي الذي سلكه الأنبياء مع خالقهم- .
قال صاحب الكشاف: «ألطف- أيوب- في السؤال، حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب. ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت: يا أمير المؤمنين، مشت جرذان- أى فئران- بيتي على العصى!! فقال لها: ألطفت في السؤال، لا جرم لأجعلنها تثب وثب الفهود، وملأ بيتها حبا..» «١» .
وبعد أن دعا أيوب ربه- تعالى- بهذه الثقة، وبهذا الأدب والإخلاص، كانت الإجابة المتمثلة في قوله- تعالى-: فَاسْتَجَبْنا لَهُ أى دعاءه وتضرعه فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ أى: فأزلنا ما نزل به من بلاء في جسده، وجعلناه سليما معافى. بأن أمرناه أن يضرب برجله الأرض ففعل، فنبعت له عين فاغتسل منها، فزال عن بدنه كل مرض أصابه بإذن الله- تعالى-.
قال- سبحانه-: وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ. ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ.. «٢» .
وقال- تعالى-: وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ أى: لم نخيب رجاء أيوب حين دعانا، بل استجبنا له دعاءه، بفضلنا وكرمنا، فأزلنا عنه المرض الذي نزل به، ولم نكتف بهذا- أيضا- بل عوضناه عمن فقده من أولاده، ورزقناه مثلهم معهم.
قال الآلوسى ما ملخصه: «قوله: وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس قال: سألت النبي ﷺ عن قوله: وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ فقال: «رد الله- تعالى- امرأته إليه، وزاد في شبابها، حتى ولدت له ستا وعشرين ذكرا» .
فالمعنى على هذا: آتيناه في الدنيا مثل أهله عددا مع زيادة مثل آخر.
стр. 4129
وعن قتادة: إن الله أحيا له أولاده الذين هلكوا في بلائه، وأوتى مثلهم في الدنيا.. «١» .
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله- تعالى-: رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ أى: أجبنا له دعاءه، وفعلنا معه ما فعلناه من ألوان الخيرات، من أجل رحمتنا به، ومن أجل أن يكون ما فعلناه معه عبرة وعظة وذكرى لغيره من العابدين حتى يقتدوا به في صبره على البلاء، وفي المداومة على شكرنا في السراء والضراء.
وخص- سبحانه- العابدين بالذكرى، لأنهم أكثر الناس بلاء وامتحانا. ففي الحديث الشريف: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل» .
وفي حديث آخر: «يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه» «٢» .
وقد كان أيوب آية في الصبر، وبه يضرب المثل في ذلك.
هذا، وقصة أيوب- ﵇ ستأتى بصورة أكثر تفصيلا في سورة «ص» ، وقد تركنا هنا أقوالا عن كيفية مرضه، وعن مدة هذا المرض.. نظرا لضعفها، ومنافاتها لعصمة الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- من الأمراض المنفرة.
ثم أشارت السورة إشارات مجملة إلى قصة كل من إسماعيل وإدريس وذي الكفل، قال- تعالى-:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٥ الى ٨٦]
وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)
وإسماعيل: هو الابن الأكبر لإبراهيم- ﵉ وهو الذبيح الذي افتداه الله- تعالى- بذبح عظيم.
وإدريس: هو واحد من أنبياء الله- تعالى-، قالوا: وهو جد نوح- ﵇ وأنه ولد في حياة آدم، وبعث بعد موته.
أما ذو الكفل: فقد قال الآلوسى في شأنه ما ملخصه: ظاهر نظم ذي الكفل في سلك
стр. 4130
الأنبياء أنه منهم، وهذا ما ذهب إليه الأكثر. واختلف في اسمه: فقيل: بشر وهو ابن أيوب، بعثه الله- تعالى- بعد أبيه، وكان مقيما بالشام.
وقيل: هو إلياس بن ياسين وينتهى نسبه إلى هارون- ﵇.
وقيل: هو زكريا والد يحيى- ﵉ وسمى بذلك لكفالته مريم.
وقيل: لم يكن نبيا وإنما كان عبدا صالحا..» «١» .
ثم مدح- سبحانه- هؤلاء الأنبياء فقال: كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ أى: كل واحد منهم من عبادنا الصابرين الذين تحملوا في سبيلنا الكثير من المصاعب والآلام.
وَأَدْخَلْناهُمْ بفضلنا وإحساننا فِي رَحْمَتِنا التي وسعت كل شيء إِنَّهُمْ مِنَ عبادنا الصَّالِحِينَ لحمل رسالتنا، وتبليغها إلى أقوامهم بصدق وصبر وأمانة.
ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك جانبا من قصة يونس- ﵇ فقال:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٧ الى ٨٨]
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)
والمراد بذي النون: يونس بن متى- ﵇، والنون: الحوت. وجمعه نينان وأنوان. وسمى بذلك لابتلاع الحوت له.
قال- تعالى-: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ..
«٢» .
وملخص قصة يونس «أن الله- تعالى- أرسله إلى أهل نينوى بالعراق في حوالى القرن الثامن قبل الميلاد، فدعاهم إلى إخلاص العبادة لله- فاستعصوا عليه، فضاق بهم ذرعا، وتركهم وهو غضبان ليذهب إلى غيرهم، فوصل إلى شاطئ البحر، فوجد سفينة
стр. 4131
فركب فيها، وفي خلال سيرها في البحر ضاقت بركابها، فقال ربانها: إنه لا بد من أحد الركاب يلقى بنفسه في البحر لينجو الجميع من الغرق. فجاءت القرعة على يونس، فألقى بنفسه في اليم فالتقمه الحوت.. ثم نبذه إلى الساحل بعد وقت يعلمه الله- تعالى-، فأرسله- سبحانه- إلى قومه مرة أخرى فآمنوا.
وسيأتى تفصيل هذه القصة في سورة الصافات- بإذن الله-.
والمعنى: واذكر أيها المخاطب لتعتبر وتتعظ- عبدنا ذا النون. وقت أن فارق قومه وهو غضبان عليهم، لأنهم لم يسارعوا إلى الاستجابة له.
قال الجمل: وقوله: إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً أى: غضبان على قومه، فالمفاعلة ليست على بابها فلا مشاركة كعاقبت وسافرت، ويحتمل أن تكون على بابها من المشاركة، أى غاضب قومه وغاضبوه حين لم يؤمنوا في أول الأمر» «١» .
وقوله- تعالى-: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ بيان لما ظنه يونس- ﵇ حين فارق قومه غاضبا عليهم بدون إذن من ربه- .
أى: أن يونس قد خرج غضبان على قومه لعدم استجابتهم لدعوته فظن أن لن نضيق عليه، عقابا له على مفارقته لهم من غير أمرنا، أو فظن أننا لن نقضي عليه بعقوبة معينة في مقابل تركه لقومه بدون إذننا.
فقوله: نَقْدِرَ عَلَيْهِ بمعنى نضيق عليه ونعاقبه. يقال: قدر الله الرزق يقدره- بكسر الدال وضمها- إذا ضيقه. ومنه قوله- تعالى-: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ «٢» .
وقوله: وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ.. «٣» أى: ضيقه عليه.
ثم بين- سبحانه- ما كان يردده يونس وهو في بطن الحوت فقال: فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.
والفاء في قوله فَنادى فصيحة.
والمراد بالظلمات: ظلمات البحر، وبطن الحوت، والليل.
أى: خرج يونس غضبان على قومه. فحدث له ما حدث من التقام الحوت له، فلما صار
стр. 4132
في جوفه المظلم، بداخل البحر المظلم، أخذ يتضرع إلينا بقوله: أشهد أن لا إله إلا أنت يا إلهى مستحق للعبادة، سُبْحانَكَ أى: أنزهك تنزيها عظيما إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ لنفسي حين فارقت قومي بدون إذن منك. وإنى أعترف بخطئي- يا إلهى- فتقبل توبتي، واغسل حوبتي.
هذا وقد ذكر ابن جرير وابن كثير وغيرهما من المفسرين هنا روايات متعددة عن المدة التي مكثها يونس في بطن الحوت، وعن فضل الدعاء الذي تضرع به إلى الله- تعالى-، ومن ذلك ما رواه ابن جرير عن سعد بن أبى وقاص- رضى الله عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «باسم الله الذي إذا دعى به أجاب، وإذا سئل به أعطى، دعوة يونس بن متى» . قال: قلت: يا رسول الله، هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: «هي ليونس بن متى خاصة وللمؤمنين عامة، إذا دعوا بها. ألم تسمع قول الله- تعالى-:
فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ، وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ، وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ فهو شرط من الله لمن دعاه به» «١» .
ثم بين- سبحانه- أنه قد أجاب ليونس دعاءه فقال: فَاسْتَجَبْنا لَهُ أى: دعاءه وتضرعه وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ أى: من الحزن الذي كان فيه حين التقمه الحوت وصار في بطنه.
وقد بين- سبحانه- في آية أخرى، أن يونس- ﵇ لو لم يسبح الله للبث في بطن الحوت إلى يوم البعث. قال- تعالى-: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
وقوله- تعالى-: وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ بشارة لكل مؤمن يقتدى بيونس في إخلاصه وصدق توبته، ودعائه لربه.
أى: ومثل هذا الإنجاء الذي فعلناه مع عبدنا يونس، ننجي عبادنا المؤمنين من كل غم، متى صدقوا في إيمانهم، وأخلصوا في دعائهم.
ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك جانبا من قصة زكريا ويحيى فقال- تعالى-:
стр. 4133
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٩ الى ٩٠]
وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠)
وزكريا هو ابن آزن بن بركيا، ويتصل نسبه بسليمان- ﵇، وكان عيسى قريب العهد به، حيث كفل زكريا مريم أم عيسى.
أى: واذكر- أيها المخاطب- حال زكريا- ﵇ وقت أن نادى ربه وتضرع إليه فقال: يا رب لا تتركني فردا أى: وحيدا بدون ذرية وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ أى:
وأنت خير حي باق بعد كل الأموات.
فكانت نتيجة هذا الدعاء الخالص أن أجاب الله لزكريا دعاءه فقال: فَاسْتَجَبْنا لَهُ أى دعاءه وتضرعه.
وَوَهَبْنا لَهُ بفضلنا وإحساننا ابنه يَحْيى ﵉.
وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ بأن جعلناها تلد بعد أن كانت عقيما تكريما له ورحمة به.
وقوله: إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ تعليل لهذا العطاء الذي منحه- سبحانه- لأنبيائه- عليهم الصلاة والسلام- والضمير في «إنهم» يعود للأنبياء السابقين. وقيل:
يعود إلى زكريا وزوجه ويحيى.
أى: لقد أعطيناهم ما أعطيناهم من ألوان النعم، لأنهم كانوا يبادرون في فعل الخيرات التي ترضينا، ويجتهدون في أداء كل قول أو عمل أمرناهم به.
وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً أى: ويجأرون إلينا بالدعاء، راغبين في آلائنا ونعمنا وراهبين خائفين من عذابنا ونقمنا.
فقوله رَغَباً وَرَهَباً مصدران بمعنى اسم الفاعل، منصوبان على الحال، وفعلهما من باب «طرب» وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ أى: مخبتين متضرعين لا متكبرين ولا متجبرين.
وبهذه الصفات الحميدة، استحق هؤلاء الأخيار أن ينالوا خيرنا وعطاءنا ورضانا.
стр. 4134
ثم ختم- سبحانه- الحديث عن هؤلاء الأنبياء الكرام، بذكر جانب من قصة مريم وابنها عيسى فقال:
[سورة الأنبياء (٢١) : آية ٩١]
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١)
وقوله: أَحْصَنَتْ من الإحصان بمعنى المنع، يقال: هذه درع حصينة أى: مانعة صاحبها من الجراحة. ويقال: هذه امرأة حصينة، أى: مانعة نفسها من كل فاحشة بسبب عفتها أو زواجها.
أى: واذكر- أيضا أيها المخاطب خبر مريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها، أى:
حفظته ومنعته من النكاح منعا كليا. والتعبير عنها بالموصول لتفخيم شأنها، وتنزيهها عن السوء.
فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا أى: فنفخنا فيها من جهة روحنا، وهو جبريل- ﵇ حيث أمرناه بذلك فامتثل أمرنا، فنفخ في جيب درعها، فكان بذلك عيسى ابنها، ويؤيد هذا التفسير قوله- تعالى- في سورة مريم: قالَ
- أى جبريل لمريم- إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا.
أى: لأكون سببا في هبة الغلام لك عن طريق النفخ في درعك فيصل هذا النفخ إلى الفرج فيكون الحمل بعيسى بإذن الله وإرادته.
والمراد بالآية في قوله- سبحانه-: وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ: الأمر الخارق للعادة، الذي لم يسبقه ولم يأت بعده ما يشابهه.
أى: وجعلنا مريم وابنها عيسى آية بينة، ومعجزة واضحة دالة على كمال قدرتنا للناس جميعا، إذ جاءت مريم بعيسى دون أن يمسها بشر، ودون أن تكون بغيا.
قال صاحب الكشاف: «فإن قلت: هلا قيل آيتين كما قال- سبحانه-: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ؟ «١» قلت: لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة. وهي ولادتها إياه من غير فحل» «٢» .
стр. 4135
وبعد هذا الحديث المتنوع عن قصص عدد كبير من الأنبياء في سورة الأنبياء، عقب- سبحانه- على ذلك ببيان أنهم- ﵈ قد جاءوا بعقيدة واحدة، هي إخلاص العبادة لله- تعالى- فقال:
[سورة الأنبياء (٢١) : آية ٩٢]
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)
ولفظ الأمة يطلق بإطلاقات متعددة. يطلق على الجماعة كما في قوله- تعالى- وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ.. «١» . ويطلق على الرجل الجامع للخير، كما في قوله- تعالى-: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً.. «٢» . ويطلق على الحين والزمان، كما في قوله- سبحانه-: وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ.. «٣» أى وتذكر بعد حين من الزمان.
والمراد بالأمة هنا: الدين والملّة. كما في قوله- تعالى-: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ.. «٤» أى: على دين وملة معينة.
والمعنى: إن ملة التوحيد التي جاء بها الأنبياء جميعا. هي ملتكم ودينكم أيها الناس، فيجب عليكم أن تتبعوا هؤلاء الأنبياء، وأن تخلصوا لله- تعالى- العبادة والطاعة، فهو- سبحانه- ربكم ورب كل شيء، فاعبدوه حق العبادة لتنالوا رضاه ومحبته.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك حال الناس من الدين الواحد الذي جاء به الرسل، وعاقبة من اتبع الرسل وعاقبة من خالفهم فقال:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٩٣ الى ١٠٠]
وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤) وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (٩٧)
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠)