← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

فركب فيها، وفي خلال سيرها في البحر ضاقت بركابها، فقال ربانها: إنه لا بد من أحد الركاب يلقى بنفسه في البحر لينجو الجميع من الغرق. فجاءت القرعة على يونس، فألقى بنفسه في اليم فالتقمه الحوت.. ثم نبذه إلى الساحل بعد وقت يعلمه الله- تعالى-، فأرسله- سبحانه- إلى قومه مرة أخرى فآمنوا. وسيأتى تفصيل هذه القصة في سورة الصافات- بإذن الله-. والمعنى: واذكر أيها المخاطب لتعتبر وتتعظ- عبدنا ذا النون. وقت أن فارق قومه وهو غضبان عليهم، لأنهم لم يسارعوا إلى الاستجابة له. قال الجمل: وقوله: إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً أى: غضبان على قومه، فالمفاعلة ليست على بابها فلا مشاركة كعاقبت وسافرت، ويحتمل أن تكون على بابها من المشاركة، أى غاضب قومه وغاضبوه حين لم يؤمنوا في أول الأمر» «١» . وقوله- تعالى-: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ بيان لما ظنه يونس- ﵇ حين فارق قومه غاضبا عليهم بدون إذن من ربه- . أى: أن يونس قد خرج غضبان على قومه لعدم استجابتهم لدعوته فظن أن لن نضيق عليه، عقابا له على مفارقته لهم من غير أمرنا، أو فظن أننا لن نقضي عليه بعقوبة معينة في مقابل تركه لقومه بدون إذننا. فقوله: نَقْدِرَ عَلَيْهِ بمعنى نضيق عليه ونعاقبه. يقال: قدر الله الرزق يقدره- بكسر الدال وضمها- إذا ضيقه. ومنه قوله- تعالى-: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ «٢» . وقوله: وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ.. «٣» أى: ضيقه عليه. ثم بين- سبحانه- ما كان يردده يونس وهو في بطن الحوت فقال: فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. والفاء في قوله فَنادى فصيحة. والمراد بالظلمات: ظلمات البحر، وبطن الحوت، والليل. أى: خرج يونس غضبان على قومه. فحدث له ما حدث من التقام الحوت له، فلما صار

стр. 4132

في جوفه المظلم، بداخل البحر المظلم، أخذ يتضرع إلينا بقوله: أشهد أن لا إله إلا أنت يا إلهى مستحق للعبادة، سُبْحانَكَ أى: أنزهك تنزيها عظيما إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ لنفسي حين فارقت قومي بدون إذن منك. وإنى أعترف بخطئي- يا إلهى- فتقبل توبتي، واغسل حوبتي. هذا وقد ذكر ابن جرير وابن كثير وغيرهما من المفسرين هنا روايات متعددة عن المدة التي مكثها يونس في بطن الحوت، وعن فضل الدعاء الذي تضرع به إلى الله- تعالى-، ومن ذلك ما رواه ابن جرير عن سعد بن أبى وقاص- رضى الله عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «باسم الله الذي إذا دعى به أجاب، وإذا سئل به أعطى، دعوة يونس بن متى» . قال: قلت: يا رسول الله، هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: «هي ليونس بن متى خاصة وللمؤمنين عامة، إذا دعوا بها. ألم تسمع قول الله- تعالى-: فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ، وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ، وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ فهو شرط من الله لمن دعاه به» «١» . ثم بين- سبحانه- أنه قد أجاب ليونس دعاءه فقال: فَاسْتَجَبْنا لَهُ أى: دعاءه وتضرعه وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ أى: من الحزن الذي كان فيه حين التقمه الحوت وصار في بطنه. وقد بين- سبحانه- في آية أخرى، أن يونس- ﵇ لو لم يسبح الله للبث في بطن الحوت إلى يوم البعث. قال- تعالى-: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. وقوله- تعالى-: وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ بشارة لكل مؤمن يقتدى بيونس في إخلاصه وصدق توبته، ودعائه لربه. أى: ومثل هذا الإنجاء الذي فعلناه مع عبدنا يونس، ننجي عبادنا المؤمنين من كل غم، متى صدقوا في إيمانهم، وأخلصوا في دعائهم. ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك جانبا من قصة زكريا ويحيى فقال- تعالى-:

стр. 4133

[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٩ الى ٩٠] وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠) وزكريا هو ابن آزن بن بركيا، ويتصل نسبه بسليمان- ﵇، وكان عيسى قريب العهد به، حيث كفل زكريا مريم أم عيسى. أى: واذكر- أيها المخاطب- حال زكريا- ﵇ وقت أن نادى ربه وتضرع إليه فقال: يا رب لا تتركني فردا أى: وحيدا بدون ذرية وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ أى: وأنت خير حي باق بعد كل الأموات. فكانت نتيجة هذا الدعاء الخالص أن أجاب الله لزكريا دعاءه فقال: فَاسْتَجَبْنا لَهُ أى دعاءه وتضرعه. وَوَهَبْنا لَهُ بفضلنا وإحساننا ابنه يَحْيى ﵉. وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ بأن جعلناها تلد بعد أن كانت عقيما تكريما له ورحمة به. وقوله: إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ تعليل لهذا العطاء الذي منحه- سبحانه- لأنبيائه- عليهم الصلاة والسلام- والضمير في «إنهم» يعود للأنبياء السابقين. وقيل: يعود إلى زكريا وزوجه ويحيى. أى: لقد أعطيناهم ما أعطيناهم من ألوان النعم، لأنهم كانوا يبادرون في فعل الخيرات التي ترضينا، ويجتهدون في أداء كل قول أو عمل أمرناهم به. وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً أى: ويجأرون إلينا بالدعاء، راغبين في آلائنا ونعمنا وراهبين خائفين من عذابنا ونقمنا. فقوله رَغَباً وَرَهَباً مصدران بمعنى اسم الفاعل، منصوبان على الحال، وفعلهما من باب «طرب» وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ أى: مخبتين متضرعين لا متكبرين ولا متجبرين. وبهذه الصفات الحميدة، استحق هؤلاء الأخيار أن ينالوا خيرنا وعطاءنا ورضانا.

стр. 4134

ثم ختم- سبحانه- الحديث عن هؤلاء الأنبياء الكرام، بذكر جانب من قصة مريم وابنها عيسى فقال: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ٩١] وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١) وقوله: أَحْصَنَتْ من الإحصان بمعنى المنع، يقال: هذه درع حصينة أى: مانعة صاحبها من الجراحة. ويقال: هذه امرأة حصينة، أى: مانعة نفسها من كل فاحشة بسبب عفتها أو زواجها. أى: واذكر- أيضا أيها المخاطب خبر مريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها، أى: حفظته ومنعته من النكاح منعا كليا. والتعبير عنها بالموصول لتفخيم شأنها، وتنزيهها عن السوء. فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا أى: فنفخنا فيها من جهة روحنا، وهو جبريل- ﵇ حيث أمرناه بذلك فامتثل أمرنا، فنفخ في جيب درعها، فكان بذلك عيسى ابنها، ويؤيد هذا التفسير قوله- تعالى- في سورة مريم: قالَ - أى جبريل لمريم- إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا. أى: لأكون سببا في هبة الغلام لك عن طريق النفخ في درعك فيصل هذا النفخ إلى الفرج فيكون الحمل بعيسى بإذن الله وإرادته. والمراد بالآية في قوله- سبحانه-: وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ: الأمر الخارق للعادة، الذي لم يسبقه ولم يأت بعده ما يشابهه. أى: وجعلنا مريم وابنها عيسى آية بينة، ومعجزة واضحة دالة على كمال قدرتنا للناس جميعا، إذ جاءت مريم بعيسى دون أن يمسها بشر، ودون أن تكون بغيا. قال صاحب الكشاف: «فإن قلت: هلا قيل آيتين كما قال- سبحانه-: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ؟ «١» قلت: لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة. وهي ولادتها إياه من غير فحل» «٢» .

стр. 4135

وبعد هذا الحديث المتنوع عن قصص عدد كبير من الأنبياء في سورة الأنبياء، عقب- سبحانه- على ذلك ببيان أنهم- ﵈ قد جاءوا بعقيدة واحدة، هي إخلاص العبادة لله- تعالى- فقال: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ٩٢] إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) ولفظ الأمة يطلق بإطلاقات متعددة. يطلق على الجماعة كما في قوله- تعالى- وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ.. «١» . ويطلق على الرجل الجامع للخير، كما في قوله- تعالى-: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً.. «٢» . ويطلق على الحين والزمان، كما في قوله- سبحانه-: وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ.. «٣» أى وتذكر بعد حين من الزمان. والمراد بالأمة هنا: الدين والملّة. كما في قوله- تعالى-: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ.. «٤» أى: على دين وملة معينة. والمعنى: إن ملة التوحيد التي جاء بها الأنبياء جميعا. هي ملتكم ودينكم أيها الناس، فيجب عليكم أن تتبعوا هؤلاء الأنبياء، وأن تخلصوا لله- تعالى- العبادة والطاعة، فهو- سبحانه- ربكم ورب كل شيء، فاعبدوه حق العبادة لتنالوا رضاه ومحبته. ثم بين- سبحانه- بعد ذلك حال الناس من الدين الواحد الذي جاء به الرسل، وعاقبة من اتبع الرسل وعاقبة من خالفهم فقال: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٩٣ الى ١٠٠] وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤) وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (٩٧) إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠)

стр. 4136

والضمير في قوله- تعالى-: وَتَقَطَّعُوا.. يعود للناس الذين تفرقوا في شأن الدين شيعا وأحزابا. أى: وافترق الناس في شأن الدين الحق فرقا متعددة، وسنحاسبهم جميعا على أعمالهم حسابا دقيقا، يجازى فيه المحسن خيرا، ويعاقب فيه المسيء على إساءته. وقال- سبحانه-: فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ بالنفي المفيد للعموم، لبيان كمال عدالته- تعالى- وتنزيهه- عن ظلم أحد، أو أخذ شيء مما يستحقه. وعبر عن العمل بالسعي، لإظهار الاعتداد به، وأن صاحب هذا العمل الصالح، قد بذل فيه جهدا مشكورا، وسعى من أجل الحصول عليه سعيا بذل فيه طاقته. ثم أكد- سبحانه- بعد ذلك ما سبق أن قرره من أن الكل سيرجعون إليه للحساب، فقال: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ. وللمفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة أقوال منها: أن المعنى: وحرام- أى: وممتنع امتناعا تاما- على قرية أهلكنا أهلها بسبب فسوقهم عن أمرنا، وتكذيبهم لرسلنا أنهم لا يرجعون إلينا في الآخرة للحساب. فالآية الكريمة تأكيد لما قررته الآيات السابقة، من أن الذين تقطعوا أمرهم بينهم، والذين آمنوا وعملوا صالحا في دنياهم، الكل سيرجعون إلى الله- تعالى- ليجازيهم بما يستحقون يوم القيامة. وقد أكدت الآية الكريمة رجوعهم إليه- تعالى- يوم القيامة بأسلوب بديع، حيث نفت عن الأذهان ما قد يتبادر من أن هلاك الكافرين بالعذاب في الدنيا، قد ينجيهم من الحساب

стр. 4137

والعقاب يوم القيامة، وأثبتت أن الرجوع يوم القيامة للحساب مؤكد. قال صاحب فتح القدير: قوله وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها.. قرأ أهل المدينة «وحرام» ، وقرأ أهل الكوفة «وحرم» - بكسر الحاء وإسكان الراء- وهما لغتان مثل: حلال وحل. ومعنى أَهْلَكْناها: قدرنا إهلاكها. وجملة أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ في محل رفع مبتدأ، وقوله: «حرام» خبرها.. والمعنى: وممتنع ألبتة عدم رجوعهم إلينا للجزاء.. «١» . وقال بعض العلماء: وجعل أبو مسلم هذه الآية من تتمة ما قبلها و «لا» فيها على بابها. وهي مع لفظ «حرام» من قبيل نفى النفي. فيدل على الإثبات، والمعنى: وحرام على القرية المهلكة. عدم رجوعها إلى الآخرة، بل واجب رجوعها للجزاء، فيكون الغرض إبطال قول من ينكر البعث. وتحقيق ما تقدم من أنه لا كفران لسعى أحد وأنه- سبحانه- سيحييه وبعمله يجزيه، «٢» . ومنهم من يرى أن «لا» زائدة، وأن المراد بالرجوع رجوع الهالكين إلى الدنيا فيكون المعنى: وحرام على أهل قرية أهلكناهم بسبب كفرهم ومعاصيهم، أن يرجعوا إلى الدنيا مرة أخرى بعد هلاكهم. ومنهم من يرى أن المراد بقوله- تعالى- أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ أى: لا يرجعون إلى التوبة أو إلى الإيمان. قال صاحب الكشاف: استعير الحرام للممتنع وجوده، ومنه قوله- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ «٣» أى. منعهما منهم.. ومعنى الرجوع: الرجوع من الكفر إلى الإسلام والإنابة، ومجاز الآية: إن قوما عزم الله- تعالى- على إهلاكهم غير متصور أن يرجعوا وينيبوا إلى أن تقوم القيامة.. «٤» . ويبدو لنا أن القول الأول هو أقرب إلى الصواب، لأنه هو المتبادر من ظاهر الآية، ولأنه هو المستقيم مع سياق الآيات، ولأنه بعيد عن التكلف إذ أن الآية الكريمة واضحة في بيان أن حكمة الله قد اقتضت أن يرجع المهلكون في الدنيا بسبب كفرهم ومعاصيهم إلى الحياة يوم القيامة ليحاسبوا على أعمالهم كما قال- تعالى-: قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ «٥» .

стр. 4138

ولعل مما يؤيد هذا الرأى قوله- تعالى- بعد ذلك: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ... فإن حتى هنا ابتدائية، وما بعدها غاية لما يدل عليه ما قبلها، فكأنه قيل: إن هؤلاء المهلكين ممتنع ألبتة عدم رجوعهم إلينا وإنما هم سيستمرون على هلاكهم حتى تقوم الساعة فيرجعوا إلينا للحساب، ويقولوا عند مشاهدته: يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا. ويأجوج ومأجوج اسمان أعجميان لقبيلتين من الناس، قيل: مأخوذان من الأوجة وهي الاختلاط أو شدة الحر، وقيل من الأوج وهو سرعة الجري. والمراد بفتحهما: فتح السد الذي على هاتين القبيلتين، والذي يحول بينهم وبين الاختلاط بغيرهم من بقية الناس. وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ والحدب: المرتفع من الأرض كالجبل ونحوه. ويَنْسِلُونَ من النسل- بإسكان السين-، وهو مقاربة الخطو مع الإسراع في السير، يقال: نسل الرجل في مشيته إذا أسرع، وفعله من باب قعد وضرب. أى: وهم- أى يأجوج ومأجوج من كل مرتفع من الأرض يسرعون السير إلى المحشر، أو إلى الأماكن التي يوجههم الله- تعالى- إليها، وقيل إن الضمير «هم» يعود إلى الناس المسوقين إلى أرض المحشر. وقوله: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ.. معطوف على فُتِحَتْ أى: فتح السد الذي كان على يأجوج ومأجوج، وقرب موعد الحساب والجزاء. قال الآلوسى: وهو ما بعد النفخة الثانية لا النفخة الأولى. وهذا الفتح لسد يأجوج ومأجوج يكون في زمن نزول عيسى من السماء، وبعد قتله الدجال. فقد أخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث طويل: إن الله- تعالى- يوحى إلى عيسى بعد أن يقتل الدجال: أنى قد أخرجت عبادا من عبادي، لا يدان لك بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، فيبعث الله- تعالى- يأجوج ومأجوج وهم كما قال- سبحانه- مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ثم يرسل الله عليهم نغفا- في رقابهم فيصبحون موتى كموت نفس واحدة» «١» . وقوله: فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا.. جواب للشرط وهو قوله: تعالى- قبل ذلك إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ.

стр. 4139

والضمير «هي» للقصة والشأن. و «إذا» للمفاجأة. قال الجمل: قوله: فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا.. فيه وجهان: أحدهما- وهو الأجود- أن يكون هي ضمير القصة. وشاخصة: خبر مقدم. وأبصار: مبتدأ مؤخر، والجملة خبر لهى لأنها لا تفسر إلا بجملة مصرح بجزأيها..» «١» . والمعنى: لقد تحقق ما أخبرنا به من أمارات الساعة، ومن خروج يأجوج ومأجوج، ومن عودة الخلق إلينا للحساب.. ورأى المشركون كل ذلك، فإذا بأبصارهم مرتفعة الأجفان لا تكاد تطرف من شدة الهول والفزع. يقال: شخص بصر فلان يشخص شخوصا فهو شاخص، إذا فتح عينيه وصار لا يستطيع تحريكهما. وقوله: يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا مقول لقول محذوف. أى: أن هؤلاء الكافرين يقولون وهم شاخصو البصر: يا هلاكنا أقبل فهذا أوانك، فإننا قد كنا في الدنيا في غفلة تامة عن هذا اليوم الذي أحضرنا فيه للحساب. وقوله: بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ إضراب عن وصف أنفسهم بالغفلة، إلى وصفها بالظلم وتجاوز الحدود. أى: لم نكن في الحقيقة في غفلة عن هذا اليوم وأهواله، فقد أخبرنا رسلنا به، بل الحقيقة أننا كنا ظالمين لهؤلاء الرسل لأننا لم نطعهم، وكنا ظالمين لأنفسنا حيث عرضناها لهذا العذاب الأليم. وهكذا يظهر الكافرون الندامة والحسرة في يوم لا ينفعهم فيه ذلك. وقوله- سبحانه-: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. زيادة في تقريعهم وتوبيخهم. والحصب- بفتحتين- ما تحصب به النار. أى: يلقى فيها لتزداد به اشتعالا كالحطب والخشب. أى: إنكم- أيها الكافرون- وأصنامكم التي تعبدونها من دون الله- تعالى- وقود جهنم، وزادها الذي تزداد به اشتعالا. وفي إلقاء أصنامهم معهم في النار مع أنها لا تعقل، زيادة في حسرتهم وتبكيتهم، حيث رأوا بأعينهم مصير ما كانوا يتوهمون من ورائه المنفعة.

стр. 4140

قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم قرنوا بآلهتهم؟ قلت: لأنهم لا يزالون لمقارنتهم في زيادة غم وحسرة، حيث أصابهم ما أصابهم بسببهم، والنظر إلى وجه العدو باب من العذاب، ولأنهم قدروا أنهم يستشفعون بهم في الآخرة، وينتفعون بشفاعتهم، فإذا صادفوا الأمر على عكس ما قدروا، لم يكن شيء أبغض إليهم منهم «١» . وجملة أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ بدل من حَصَبُ جَهَنَّمَ، أو مستأنفة. أى: أنتم- أيها الكافرون- ومعكم أصنامكم داخلون في جهنم دخولا لا مفر لكم منه. وجاء الخطاب بقوله أَنْتُمْ على سبيل التغليب، وإلا فالجميع داخلون فيها. ولا يدخل في هذه الآية ما عبده هؤلاء المشركون من الأنبياء والصالحين كعيسى والعزيز والملائكة، فإن عبادتهم لهم كانت عن جهل وضلال منهم، فإن هؤلاء الأخيار ما أمروهم بذلك، وإنما أمروهم بعبادة الله- تعالى- وحده. ثم أقام- سبحانه- لهؤلاء الكافرين الأدلة على بطلان عبادتهم لغيره فقال: لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها. أى: لو كان هؤلاء الأصنام المعبودون من دون الله آلهة حقا- كما زعمتم أيها الكافرون- ما ألقى بهم في النار، وما قذفوا فيها كما يقذف الحطب، وحيث تبين لكم دخولهم إياه، فقد ثبت بطلان عبادتكم لها، وأن هذه الآلهة المزعومة لا تملك الدفاع عن نفسها فضلا عن غيرها. وقوله وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ تذبيل مقرر لما قبله. أى: وكل من العابدين والمعبودين باقون في هذه النار على سبيل الخلود الأبدى. ثم ختم- سبحانه- هذه الآيات ببيان حال الكافرين في جهنم فقال: لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ. أى: لهم فيها تنفس شديد يخرج من أقصى أفواههم بصعوبة وعسر، كما هو شأن المغموم المحزون. وأصل الزفير: تردد النفس حتى تنتفخ منه الضلوع. وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ أى: وهم في جهنم لا يسمعون ما يريحهم، وإنما يسمعون ما فيه توبيخهم وعذابهم، أو: وهم فيها لا يسمع بعضهم زفير بعض لشدة ما هم فيه من هول وخوف.

стр. 4141

وبعد هذا الحديث الذي ترتجف له القلوب.. أتبع القرآن ذلك بحديث آخر تسر له النفوس، وتنشرح له الصدور، فقال- تعالى-: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٠١ الى ١٠٣] إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) والحسنى: تأنيث الأحسن، وهي صفة لموصوف محذوف. أى: إن الذين سبقت لهم منا في دنياهم المنزلة الحسنى بسبب إيمانهم الخالص وعملهم الصالح، وقولهم الطيب. أُولئِكَ الموصوفون بتلك الصفات الحميدة عَنْها مُبْعَدُونَ أى: عن النار وحرها وسعيرها.. مبعدون إبعادا تاما بفضل الله- تعالى- ورحمته. وقوله: لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها تأكيد لبعدهم عن النار. وأصل الحسيس الصوت الذي تسمعه من شيء يمر قريبا منك. أى: هؤلاء المؤمنون الصادقون الذين سبقت لهم من خالقهم الدرجة الحسنى، لا يسمعون صوت النار، الذي يحس من حركة لهيبها وهيجانها، لأنهم قد استقروا في الجنة، وصاروا في أمان واطمئنان. وقوله- سبحانه-: وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ بيان لفوزهم بأقصى ما تتمناه الأنفس بعد بيان بعدهم عن صوت النار. أى: وهم فيما تتمناه أنفسهم، وتشتهيه أفئدتهم، وتنشرح له صدورهم، خالدون خلودا أبديا لا ينغصه حزن أو انقطاع. وقوله- تعالى-: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ ... بيان لنجاتهم من كل ما يفزعهم ويدخل القلق على نفوسهم. أى: إن هؤلاء الذين سبقت لهم منا الحسنى، لا يحزنهم ما يحزن غيرهم من أهوال

стр. 4142

يشاهدونها ويحسونها في هذا اليوم العصيب، وهم يوم القيامة وما يشتمل عليه من مواقف متعددة. فالمراد بالفزع الأكبر: الخوف الأكبر الذي يعترى الناس في هذا اليوم. وفضلا عن ذلك فإن الملائكة تستقبلهم بفرح واستبشار، فتقول لهم على سبيل التهنئة: هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ به في الدنيا من خالقكم- في مقابل إيمانكم وعملكم الصالح. قالوا: وهذا الاستقبال من الملائكة للمؤمنين، يكون على أبواب الجنة، أو عند الخروج من القبور. ثم ختم- سبحانه- سورة الأنبياء ببيان جانب من أحوال هذا الكون يوم القيامة، وببيان سننه في خلقه، وببيان نعمه على عباده، وببيان ما أمر به نبيه ﷺ ، فقال- تعالى-: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٠٤ الى ١١٢] يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١) قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١١٢)

стр. 4143

وقوله- سبحانه-: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ.. الظرف فيه منصوب بقوله- تعالى- قبل ذلك لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ أو بقوله- سبحانه-: وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ. وقوله: نَطْوِي من الطى وهو ضد النشر. والسجل: الصحيفة التي يكتب فيها. والمراد بالكتب: ما كتب فيها من الألفاظ والمعاني، فالكتب بمعنى المكتوبات. واللام بمعنى على. والمعنى: إن الملائكة تتلقى هؤلاء الأخيار الذين سبقت لهم من الله- تعالى- الحسنى بالفرح والسرور، يوم يطوى- سبحانه- السماء طيا مثل طي الصحيفة على ما فيها من كتابات. وفي هذا التشبيه إشعار بأن هذا الطى بالنسبة لقدرته- تعالى- في منتهى السهولة واليسر، حيث شبه طيه السماء بطى الصحيفة على ما فيها. وقيل: إن لفظ السِّجِلِّ اسم لملك من الملائكة، وهو الذي يطوى كتب أعمال الناس بعد موتهم. والإضافة في قوله كَطَيِّ السِّجِلِّ من إضافة المصدر إلى مفعوله، والجار والمجرور صفة لمصدر مقدر. أى. نطوى السماء طيا كطي الرجل أو الملك الصحيفة على ما كتب فيها. وقرأ أكثر القراء السبعة: للكتاب بالإفراد. ومعنى القراءتين واحد لأن المراد به الجنس فيشمل كل الكتب. وقوله- تعالى-: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ بيان لصحة الإعادة قياسا على البدء، إذ الكل داخل تحت قدرته- . أى: نعيد أول خلق إعادة مثل بدئنا إياه، دون أن ينالنا تعب أو يمسنا لغوب، لأن قدرتنا لا يعجزها شيء: قال- تعالى-: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ... قال صاحب الكشاف: «وما أول الخلق حتى يعيده كما بدأه؟ قلت: أوله إيجاده من العدم، فكما أوجده أولا عن عدم. يعيده ثانيا عن عدم» . وقوله- تعالى-: وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ تأكيد للإعادة. ولفظ «وعدا» منصوب بفعل محذوف. و «علينا» في موضع الصفة له. أى: هذه الإعادة وعدنا بها وعدا كائنا علينا باختيارنا وإرادتنا، إنا كنا محققين هذا

стр. 4144

الوعد، وقادرين عليه، والعاقل من يقدم في دنياه العمل الصالح الذي ينفعه عند بعثه للحساب. ثم ساق- سبحانه- سنة من سننه التي لا تتخلف فقال: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ، أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ. والمراد بالزبور: الكتاب المزبور أى: المكتوب، مأخوذ من قولهم: زبرت الكتاب إذا كتبته. ويشمل هنا جميع الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل والزبور. والمراد بالذكر: اللوح المحفوظ الذي هو أم الكتاب. وقيل: المراد بالزبور: كتاب داود خاصة. وبالذكر التوراة، أو العلم، والمقصود بالأرض هنا: أرض الجنة. فيكون المعنى: ولقد كتبنا في الكتب السماوية، من بعد كتابتنا في اللوح المحفوظ: أن أرض الجنة نورثها يوم القيامة لعبادنا الصالحين. وهذا القول يؤيده قوله- تعالى- في شأن المؤمنين: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ، وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ، فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ «١» . ومن المفسرين من يرى أن المراد بالأرض هنا: أرض الدنيا فيكون المعنى: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن هذه الأرض التي يعيش عليها الناس مؤمنهم وكافرهم، ستكون في النهاية لعبادنا الصالحين. قال الآلوسى ما ملخصه: أخرج ابن جرير عن ابن عباس أن المراد بالأرض في الآية: أرض الجنة، وإنها الأرض التي يختص بها الصالحون. لأنها لهم خلقت، وغيرهم إذا حصلوا فيها فعلى وجه التبع، وأن الآية ذكرت عقب ذكر الإعادة وليس بعدها أرض يستقر عليها الصالحون. ويمتن الله بها عليهم سوى أرض الجنة. وفي رواية أخرى عن ابن عباس أن المراد بها أرض الدنيا يرثها المؤمنون. ويستولون عليها. أخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله- تعالى- زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتى سيبلغ ملكها ما زوى لي منها..» «٢» .

стр. 4145

ويبدو لنا أنه لا مانع من أن يكون المراد بالأرض التي يرثها العباد الصالحون، ما يشمل أرض الجنة وأرض الدنيا، لأنه لم يرد نص يخصص أحد المعنيين. وقد سار على هذا التعميم الإمام ابن كثير فقال عند تفسيره لهذه الآية: «يقول الله- تعالى- مخبرا عما قضاه لعباده الصالحين، من السعادة في الدنيا والآخرة ووراثة الأرض في الدنيا والآخرة كقوله- تعالى- إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ «١» وقال- سبحانه- إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ «٢» . وأخبر- تعالى- أن هذا مكتوب مسطور في الكتب الشرعية، فهو كائن لا محالة، ولهذا قال: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ.. «٣» . واسم الإشارة في قوله- تعالى-: إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ يعود على القرآن الكريم الذي منه هذه السورة. والبلاغ: الشيء الذي يكفى الإنسان للوصول إلى غايته. يقال: في هذا الشيء بلاغ أى: كفاية أو سبب لبلوغ المقصد. أى: إن في هذا القرآن، وفيما ذكر في هذه السورة من آداب وهدايات، وعقائد وتشريعات، لبلاغا وكفاية في الوصول إلى الحق، لقوم عابدين. وخص العابدين بالذكر، لأنهم هم المنتفعون بتوجيهات القرآن الكريم، إذ العابد لله- تعالى- بإخلاص، يكون خاشع القلب، نقى النفس، مستعدا للتلقي والتدبر والانتفاع. ثم بين- سبحانه- أن من مظاهر فضله على الناس أن أرسل إليهم نبيه ﷺ ليكون رحمة لهم فقال: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ. أى: وما أرسلناك- أيها الرسول الكريم- بهذا الدين الحنيف وهو دين الإسلام، إلا من أجل أن تكون رحمة للعالمين من الإنس والجن. وذلك لأننا قد أرسلناك بما يسعدهم في دينهم وفي دنياهم وفي آخرتهم متى اتبعوك، واستجابوا لما جئتهم به، وأطاعوك فيما تأمرهم به أو تنهاهم عنه. وفي الحديث الشريف: «إنما أنا رحمة مهداة» فرسالته ﷺ رحمة في ذاتها، ولكن

стр. 4146

هذه الرحمة انتفع بها من استجاب لدعوتها، أما من أعرض عنها فهو الذي ضيع على نفسه فرصة الانتفاع. ورحم الله صاحب الكشاف فقد وضح هذا المعنى فقال: أرسل ﷺ «رحمة للعالمين» لأنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه. ومن خالف ولم يتبع، فإنما آتى من عند نفسه، حيث ضيع نصيبه منها. ومثاله: أن يفجر الله عينا عذيقة- أى: كبيرة عذبة-، فيسقى ناس زروعهم، ومواشيهم بمائها فيفلحوا، ويبقى ناس مفرطون فيضيعوا. فالعين المفجرة في نفسها نعمة من الله- تعالى- ورحمة للفريقين. ولكن الكسلان محنة على نفسه، حيث حرمها ما ينفعها» «١» . ثم أمر الله- تعالى- نبيه ﷺ أن يخبر الناس بأن رسالته لحمتها وسداها الدعوة إلى عبادة الله- تعالى- وحده فقال: قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ.. أى: قل- يا محمد- للناس: إن الذي أوحاه الله- تعالى- إلىّ من تكاليف وهدايات وعبادات وتشريعات.. تدور كلها حول إثبات وحدانيته- سبحانه- ووجوب إخلاص العبادة له وحده. قال الآلوسى- ﵀: «ذهب جماعة إلى أن في الآية حصرين: الأول: لقصر الصفة على الموصوف. والثاني: لقصر الموصوف على الصفة. فالأول: قصر فيه الوحى على الوحدانية. والثاني: قصر فيه الله- تعالى- على الوحدانية، والمعنى: ما يوحى إلىّ إلا اختصاص الله بالوحدانية، ومعنى هذا القصر أنه الأصل الأصيل وما عداه راجع إليه، أو غير منظور إليه في جانبه..» «٢» . والاستفهام في قوله- سبحانه-: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ للتحضيض أى: مادام الأمر كما ذكر لكم فأسلموا لتسلموا. ثم أرشد- سبحانه- النبي ﷺ إلى ما يقوله للناس في حال إعراضهم عن دعوته، فقال: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ ... وآذنتكم: من الإيذان بمعنى الإعلام والإخبار. ومنه الأذان للصلاة بمعنى الإعلام بدخول وقتها.

стр. 4147

قال بعضهم: آذن منقول من أذن إذا علم، ولكنه كثر استعماله في إجرائه مجرى الإنذار والتحذير، «١» . أى: فإن أعرضوا عن دعوتك- أيها الرسول الكريم- فقل لهم: لقد أعلمتكم وأخبرتكم بما أمرنى ربي أن أعلمكم وأخبركم به، ولم أخص أحدا منكم بهذا الإعلام دون غيره، وإنما أخبرتكم جميعا «على سواء» أى: حال كونكم جميعا مستوين في العلم. فقوله: عَلى سَواءٍ في موضع الحال من المفعول الأول لآذنتكم. أى: فقد أعلمتكم ما أمرنى ربي به حالة كونهم مستوين في هذا العلم. ويجوز أن يكون الجار والمجرور في موضع الصفة لمصدر مقدر. أى: فقد آذنتكم إيذانا على سواء. وقوله- تعالى-: وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ إرشاد منه- سبحانه- لنبيه ﷺ إلى ما يقوله لهم- أيضا- في حال إعراضهم عن دعوته. و «إن» نافية. أى: فإن أعرضوا عن دعوتك يا محمد، فقل لهم: لقد أعلمتكم جميعا بما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وإنى بعد هذا التبليغ والتحذير ما أدرى وما أعرف، أقريب أم بعيد ما توعدون به من العذاب، أو من غلبة المسلمين عليكم، أو من قيام الساعة. فإن علم ذلك وغيره إلى الله- تعالى- وحده، وما أنا إلا مبلغ عنه. وقوله تعالى: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ. فهو- سبحانه- الذي يعلم ما تجهرون به وما تسرونه من أقوال وأعمال. ويعلم- أيضا- ما تكتمونه في نفوسكم من كفر وجحود وكراهية لي ولأتباعى، وسيعاقبكم- سبحانه- على ذلك العقاب الذي تستحقونه. وقوله- سبحانه-: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ زيادة في تأكيد أن علم ما سينزل بهم من عقاب مرده إلى الله- تعالى- وحده. أى: وإنى- أيضا- ما أدرى، لعل تأخير عقابكم- بعد أن أعرضتم عن دعوتي- من باب الامتحان والاختبار لكم، أو من باب الاستدراج لكم إلى حين مقدر عنده- سبحانه-، ثم يأخذكم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر. وفي إسناد علم ما سينزل بهم إلى الله- تعالى- وحده، تخويف لهم أى: تخويف، وأدب

стр. 4148

ليس بعده أدب من النبي ﷺ مع الله- . ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بقوله: قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ، وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ أى: قال الرسول ﷺ بعد أن بلغ الرسالة وأدى الأمانة وهو يتضرع إلى ربه: رب احكم بيني وبين هؤلاء الذين آذنتهم على سواء بالحق وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ أى: الكثير الرحمة على عباده الْمُسْتَعانُ أى: المطلوب منه العون عَلى ما تَصِفُونَ أى: على ما تصفونه بألسنتكم من أنواع الكذب والزور والبهتان. وقرأ أكثر القراء السبعة قل رب احكم بالحق ... بصيغة الأمر. وهذه القراءة تدل على أن الرسول ﷺ قد أمره الله- تعالى- أن يقول ذلك. وصيغة «قال..» تدل على أن الرسول ﷺ قد امتثل أمر ربه، فقال ما أمره بقوله. وبعد: فهذا تفسير لسورة الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام- نسأل الله تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم د. محمد سيد طنطاوى

стр. 4149

تفسير سورة الحجّ

стр. 4150

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدّمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، ومن والاه. أما بعد: فهذا تفسير لسورة «الحج» نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، إنه- سبحانه- أكرم مسئول، وأعظم مأمول. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم. المؤلف د/ محمد سيد طنطاوى

стр. 4151

تعريف بسورة الحج ١- سورة الحج هي السورة الثانية والعشرون في ترتيب المصحف، وعدد آياتها ثمان وتسعون آية في المصحف الكوفي، وسبع وتسعون في المكي وخمس وتسعون في البصري، وأربع وتسعون في الشامي. وسميت بسورة الحج، لحديثها بشيء من التفصيل عن أحكام الحج. ٢- ومن العلماء من يرى أنها من السور المكية، ومنهم من يرى أنها من السور المدنية. والحق أن سورة الحج من السور التي فيها آيات مكية، وفيها آيات مدنية فمثلا: الآيات التي تتحدث عن الإذن بالقتال، من الواضح أنها آيات مدنية، لأن القتال شرعه الله- تعالى- بالمدينة، وكذلك الآيات التي تتحدث عن أحكام الحج، لأن الحج فرض بعد الهجرة. قال الآلوسى بعد أن ذكر أقوال العلماء في ذلك: «والأصح أن سورة الحج مختلطة» فيها آيات مدنية، وفيها آيات مكية، وإن اختلف في التعيين، وهو قول الجمهور» «١» . وقال بعض العلماء: «والذي يغلب على السورة هو موضوعات السور المكية وجو السور المكية. فموضوعات التوحيد، والتخويف من الساعة، وإثبات البعث، وإنكار الشرك، ومشاهد القيامة. وآيات الله المبثوثة في صفحات الكون.. بارزة في السورة. وإلى جوارها الموضوعات المدنية من الإذن بالقتال، وحماية الشعائر، والوعد بنصر الله لمن يقع عليه البغي وهو يرد العدوان، والأمر بالجهاد في سبيل الله» «٢» . ٣- وقد افتتحت السورة الكريمة افتتاحا ترتجف له النفوس، حيث تحدثت عن أهوال يوم القيامة، وعن أحوال الناس فيه ... قال- تعالى- يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ، وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها، وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ.. ٤- وبعد أن ساقت السورة الكريمة نماذج متنوعة لأحوال الناس في هذه الحياة، وأقامت

стр. 4152

الأدلة على أن البعث حق ... أتبعت ذلك ببشارة المؤمنين بما يشرح صدورهم. قال- تعالى- إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ. ثم بينت السورة الكريمة أن كل شيء في هذا الكون يسجد لله- تعالى- وأن كثيرا من الناس ينال الثواب بسبب إيمانه وعمله الصالح، وكثيرا منهم يصيبه العقاب بسبب كفره وفسوقه. قال- تعالى- أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ، وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ، إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ. ٥- وبعد أن عقدت السورة الكريمة مقارنة بين خصمين اختصموا في ربهم، وبينت عاقبة كل منهما ... أتبعت ذلك بحديث مفصل عن فريضة الحج. فذكرت سوء عاقبة الكافرين الذين يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام، كما بينت أن الله- تعالى- قد أمر نبيه إبراهيم بأن يؤذن للناس بالحج، لكي يشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات، كما بشرت الذين يعظمون حرمات الله بالخير وحسن الثواب، ووصفت من يشرك بالله فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ. ثم ختمت حديثها عن فريضة الحج ببيان أن الهدى الذي يقدمه الحجاج هو من شعائر الله، فعليهم أن يقدموه بإخلاص وسخاء، وأن يشكروا الله- تعالى- على نعمه. قال- تعالى-: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ، فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ، فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ، كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ، كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ. ٦- ثم بينت السورة أن الله- تعالى- قد شرع لعباده المؤمنين الجهاد في سبيله، وبشرهم بأنه معهم يدافع عنهم، ويجعل العاقبة لهم. فقال- تعالى- إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. ثم أخذت السورة الكريمة في تسلية الرسول ﷺ عما أصابه من قومه ... قال- تعالى-: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ

стр. 4153

وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى، فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ، ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ. ثم أمر الله- تعالى- رسوله بأن يمضى في طريقه دون أن يهتم بأذى المشركين. وأن يجابههم بكلمة الحق بدون خوف أو وجل، فقال- تعالى- قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ. ٧- وبعد أن بين- سبحانه- مظاهر حكمته في هداية من اهتدى، وفي ضلال من ضل، أتبع ذلك بحديث مستفيض عن ألوان نعمه على خلقه، فقال- تعالى-: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً، إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ، وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ. ٨- ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة، بنداءين: أحدهما: وجهه إلى الناس جميعا، وبين لهم فيه، أن الذين يعبدونهم من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له. والثاني: وجهه- سبحانه- إلى المؤمنين، وأمرهم فيه بمداومة الركوع والسجود والعبادة له- وبالمواظبة على فعل الخير وعلى الجهاد في سبيله. قال- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ، وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى، وَنِعْمَ النَّصِيرُ. ٩- هذا: والمتأمل في هذه السورة الكريمة، يرى أن من أبرز ما اهتمت بالحديث عنه ما يأتى: (ا) بيان أنواع الناس في هذه الحياة، وعاقبة كل نوع، ترى ذلك واضحا في قوله- تعالى-: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ، فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ

стр. 4154

انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ.... (ب) إقامة الأدلة على وحدانية الله- تعالى- وعلى أن البعث حق بأسلوب منطقي واضح. يقنع العقول ويهدى القلوب. ترى ذلك في قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ، لِنُبَيِّنَ لَكُمْ، وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ، وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً، فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ، وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ، وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى، وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ. (ج) الحديث المفصل عن فريضة الحج، وما اشتملت عليه هذه الفريضة من منافع وآداب وأحكام. (د) المقارنة بين مصير المؤمنين ومصير الكافرين، نرى ذلك في آيات كثيرة، منها قوله- تعالى-: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ. فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ. إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ. (هـ) بيان سنن الله في خلقه، والتي من أعظمها: دفاعه عن المؤمنين، ونصره لهم، ترى ذلك في مثل قوله- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. والتي من أعظمها- أيضا- عدم إخلاف وعده، قال- تعالى-: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ. (و) يمتاز أسلوب السورة- في مجموعه- بالقوة والعنف، والشدة والرهبة، والإنذار والتحذير، وغرس التقوى في القلوب بأسلوب تخشع له النفوس.. نرى ذلك في كثير من آياتها، ومن ذلك، قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا

стр. 4155

أَرْضَعَتْ، وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها، وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ .. وقوله- تعالى-: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ. وقوله- تعالى-: ... فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ.. وقوله- سبحانه-: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ. فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها، أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها، فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ.. وبجانب هذه الشدة في الأسلوب، نرى في السورة- أيضا- أسلوبا آخر فيه من اللين والرقة والبشارة للمؤمنين ما فيه، ويكفيك قوله- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ، وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ. نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا من عباده المؤمنين الصادقين، وأن يحشرنا معهم. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم. كتبه الراجي عفو ربه د/ محمد سيد طنطاوى

стр. 4156

التفسير قال الله تعالى: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ١ الى ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢) افتتحت سورة الحج بهذا النداء الموجه من الخالق- إلى الناس جميعا، يأمرهم فيه بامتثال أمره، وباجتناب نهيه، حتى يفوزوا برضاه يوم القيامة. وقوله- سبحانه-: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ تعليل للأمر بالتقوى. قال القرطبي: الزلزلة شدة الحركة، ومنه قوله- تعالى-: ... وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ... «١» وأصل الكلمة من زل فلان عن الموضع، أى: زال عنه وتحرك، وزلزل الله قدمه، أى: حركها وهذه اللفظة تستعمل في تهويل الشيء» «٢» . وقال الآلوسى: «والزلزلة: التحريك الشديد، والإزعاج العنيف، بطريق التكرير، بحيث يزيل الأشياء من مقارها، ويخرجها عن مراكزها. وإضافتها إلى الساعة، من إضافة المصدر إلى فاعله، لكن على سبيل المجاز في النسبة كما في قوله- تعالى-: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ «٣» لأن المحرك حقيقة هو الله- تعالى-، والمفعول الأرض أو الناس، أو من إضافته إلى المفعول، لكن على إجرائه مجرى المفعول به اتساعا كما في قوله: «يا سارق الليلة أهل الدار ... » «٤» .

стр. 4157

والمعنى: يا أيها الناس اتقوا ربكم اتقاء تاما، بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما لا يرضيه، وبأن تسارعوا إلى فعل ما يحبه، لأن ما يحدث في هذا الكون عند قيام الساعة، شيء عظيم، ترتجف لهوله القلوب، وتخشع له النفوس. وقال- سبحانه-: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ بصيغة الإجمال والإبهام لهذا الشيء العظيم، لزيادة التهويل والتخويف. ثم فصل- سبحانه- هذا الشيء العظيم تفصيلا يزيد في وجل القلوب فقال: يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ.... والضمير في «ترونها» ، يعود إلى الزلزلة لأنها هي المتحدث عنها والظرف «يوم» منصوب بالفعل تذهل، والرؤية بصرية لأنهم يرون ذلك بأعينهم. والذهول: الذهاب عن الأمر والانشغال عنه مع دهشة وحيرة وخوف، ومنه قول عبد الله ابن رواحة- رضى الله عنه-: ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله أى: أن هذه الزلزلة من مظاهر شدتها ورهبتها، أنكم ترون الأم بسببها تنسى وتترك وليدها الذي ألقمته ثديها. وكأنها لا تراه ولا تحس به من شدة الفزع. قال صاحب الكشاف: «فإن قلت: لم قيل مُرْضِعَةٍ دون مرضع؟ قلت: المرضعة التي هي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبى، والمرضع: التي من شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقيل: مرضعة، ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه، وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة عَمَّا أَرْضَعَتْ عن إرضاعها: أو عن الذي أرضعته وهو الطفل ... » «١» . وقوله- سبحانه-: وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها بيان لحالة ثانية تدل على شدة الزلزلة وعلى عنف آثارها. أى: وترونها- أيضا- تجعل كل حامل تضع حملها قبل تمامه من شدة الفزع. ثم بين- سبحانه- حالة ثالثة للآثار التي تدل على شدة هذه الزلزلة فقال: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ. أى: وترى- أيها المخاطب- الناس في هذا الوقت العصيب، هيئتهم كهيئة السكارى

стр. 4158

من قوة الرعب والفزع. وما هم على الحقيقة بسكارى، لأنهم لم يشربوا ما يسكرهم ولكن عذاب الله شديد. أى: ولكن شدة عذابه- سبحانه- هي التي جعلتهم بهذه الحالة التي تشبه حالة السكارى في الذهول والاضطراب. وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى فقال: «وتراهم سكارى على التشبيه، وما هم بسكارى على التحقيق، ولكن ما رهقهم من خوف عذاب الله، هو الذي أذهب عقولهم، وطير تمييزهم، وردهم في نحو حال من يذهب السكر بعقله وتمييزه ... » . وقد علق صاحب الانتصاف على عبارة صاحب الكشاف هذه فقال: قال أحمد: والعلماء يقولون: إن من أدلة المجاز صدق نقيضه، كقولك: زيد حمار، إذا وصفته بالبلادة، ثم يصدق أن تقول: وما هو بحمار، فتنفى عنه الحقيقة، فكذلك الآية، بعد أن أثبت السكر المجازى نفى الحقيقة أبلغ نفى مؤكد بالباء، والسر في تأكيده: التنبيه على أن هذا السكر الذي هو بهم في تلك الحالة ليس من المعهود في شيء، وإنما هو أمر لم يعهدوا مثله من قبل. والاستدراك بقوله وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ راجع إلى قوله: وَما هُمْ بِسُكارى وكأنه تعليل لإثبات السكر المجازى، فكأنه قيل: إذا لم يكونوا سكارى من الخمر فما هذا السكر الغريب وما سببه؟ فقال: شدة عذاب الله- تعالى-» «١» . هذا، وقد اختلف العلماء في وقت هذه الزلزلة المذكورة هنا، فمنهم من يرى أنها تكون في آخر عمر الدنيا، وأول أحوال الساعة ومنهم من يرى أنها تكون يوم القيامة، بعد خروج الناس من قبورهم للحساب. وقد وفي هذه المسألة حقها الإمام ابن كثير فقال ما ملخصه: «قال قائلون: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا. وأول أحوال الساعة. وقال آخرون: بل ذلك هول وفزع وزلزال وبلبال، كائن يوم القيامة في العرصات، بعد القيام من القبور. ثم ساق- ﵀ سبعة أحاديث استدل بها أصحاب الرأى الثاني. ومن هذه الأحاديث ما رواه الشيخان عن أبى سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله- تعالى- يوم القيامة: يا آدم. فيقول: لبيك ربنا وسعديك. فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار، قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: من كل ألف- أراه قال- تسعمائة وتسعة وتسعين، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب

стр. 4159

الوليد، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد» . فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم. فقال ﷺ : «من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ومنكم واحد، ثم أنتم في الناس كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، وإنى لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة- فكبرنا- ثم قال: ثلث أهل الجنة- فكبرنا- ثم قال: شطر أهل الجنة فكبرنا» «١» . وعلى الرأى الأول تكون الزلزلة بمعناها الحقيقي، بأن تتزلزل الأرض وتضطرب، ويعقبها طلوع الشمس من مغربها، ثم تقوم الساعة. وعلى الرأى الثاني تكون الزلزلة المقصود بها شدة الخوف والفزع، كما في قوله- تعالى- في شأن المؤمنين بعد أن أحاطت بهم جيوش الأحزاب: هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً «٢» فالمقصود: أصيبوا بالفزع والخوف، وليس المقصود أن الأرض تحركت واضطربت من تحتهم. وبعد هذا الافتتاح الذي يغرس الخوف في النفوس، ويحملها على تقوى الله وخشيته، ساقت السورة حال نوع من الناس يجادل بالباطل، ويتبع خطوات الشيطان، فقال- تعالى-: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٣ الى ٤] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤) ومِنَ في قوله وَمِنَ النَّاسِ للتبعيض. وقوله يُجادِلُ من الجدال بمعنى المفاوضة على سبيل المنازعة والمخاصمة والمغالبة، مأخوذ من جدلت الحبل. أى: أحكمت فتله، كأن المتجادلين يحاول كل واحد منهما أن يقوى رأيه، ويضعف رأى صاحبه. والمراد بالمجادلة في الله: المجادلة في ذاته وصفاته وتشريعاته. وقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ حال من الفاعل في يجادل. وهي حال موضحة لما تشعر به المجادلة هنا من الجهل والعناد.

стр. 4160

أى: ومن الناس قوم استولى عليهم الجهل والعناد، لأنهم يجادلون وينازعون في ذات الله وصفاته، وفي وحيه وفي أحكامه بغير مستند من علم عقلي أو نقلي، وبغير دليل أو ما يشبه الدليل. وقوله- سبحانه- وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ معطوف على ما قبله. والمريد والمتمرد: البالغ أقصى الغاية في الشر والفساد، يقال: مرد فلان على كذا- من باب نصر وظرف- إذا عتا وتجبر واستمر على ذلك. وأصل المادة للملاسة والتجرد، ومنه قولهم: شجرة مرداء، أى ملساء لا ورق لها. وغلام أمرد. أى: لم ينبت في ذقنه شعر.. أى: يجادل في ذات الله وصفاته بغير علم يعلمه، ويتبع في جداله وتطاوله وعناده، كل شيطان عاد عن الخير، متجرد للفساد، لا يعرف الحق أو الصلاح، ولا هما يعرفانه، وإنما هو خالص للشر والغي والمنكر من القول والفعل. وتقييد الجدال بكونه بغير علم، يفهم منه أن الجدال بعلم لإحقاق الحق وإبطال الباطل، سائغ محمود، ولذا قال الإمام الفخر الرازي: «هذه الآية بمفهومها تدل على جواز المجادلة الحقة، لأن تخصيص المجادلة مع عدم العلم بالدلائل، يدل على أن المجادلة مع العلم جائزة» ، فالمجادلة الباطلة: هي المرادة من قوله- تعالى-: ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا.. «١» والمجادلة الحقة هي المرادة من قوله: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. «٢» . ثم بين- سبحانه- سوء عاقبة هذا المجادل بالباطل، والمتبع لكل شيطان مريد، فقال: كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ. أى: كتب على هذا الشيطان، وقضى عليه «أنه من تولاه» أى اتخذه وليا وقدوة له «فأنه يضله» أى: فشأن هذا الشيطان أن يضل تابعه عن كل خير «ويهديه إلى عذاب السعير» أى: وأن شأن هذا الشيطان- أيضا- أن يهدى متبعه إلى طريق النار المستعرة، وفي التعبير بقوله: وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ تهكم بمن يتبع هذا الشيطان، إذ سمى- سبحانه- قيادة الشيطان لأتباعه هداية.. وقد ذكر كثير من المفسرين أن هاتين الآيتين نزلنا في شأن النضر بن الحارث أو العاص بن وائل، أو أبى جهل.. وكانوا يجادلون النبي ﷺ بالباطل. ومن المعروف أن نزول هاتين الآيتين في شأن هؤلاء الأشخاص، لا يمنع من عمومهما في

стр. 4161

شأن كل من كان على شاكلة هؤلاء الأشقياء، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ولذا قال صاحب الكشاف: «وهي عامة في كل من تعاطى الجدال فيما يجوز على الله وما لا يجوز، من الصفات والأفعال. ولا يرجع إلى علم. ولا يعض فيه بضرس قاطع، وليس فيه اتباع للبرهان، ولا نزول على النصفة، فهو يخبط خبط عشواء، غير فارق بين الحق والباطل» «١» . ثم ساق- سبحانه- أهم القضايا التي جادل فيها المشركون بغير علم، واتبعوا في جدالهم خطوات الشيطان، وهي قضية البعث، وأقام الأدلة على صحتها، وعلى أن البعث حق وواقع فقال- تعالى-: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٥ الى ٧] يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)

стр. 4162

قال أبو حيان في البحر: لما ذكر- سبحانه- من يجادل في قدرة الله بغير علم، وكان جدالهم في الحشر والمعاد، ذكر دليلين واضحين على ذلك. أحدهما: في نفس الإنسان وابتداء خلقه. وتطوره في أطوار سبعة، وهي: التراب، والنطفة، والعلقة، والمضغة، والإخراج طفلا، وبلوغ الأشد، والتوفي أو الرد إلى أرذل العمر. والدليل الثاني: في الأرض التي يشاهد تنقلها من حال إلى حال فإذا اعتبر العاقل ذلك ثبت عنده جوازه عقلا، فإذا ورد الشرع بوقوعه، وجب التصديق به، وأنه واقع لا محالة «١» . والمراد بالناس هنا: المشركون وكل من كان على شاكلتهم في إنكار أمر البعث واستبعاده، لأن المؤمنين يعترفون بأن البعث حق، وأنه واقع بلا أدنى شك أو ريب. والمعنى: يا أيها الناس إن كنتم في شك من أمر إعادتكم الى الحياة مرة أخرى للحساب يوم القيامة، فانظروا وتفكروا في مبدأ خلقكم، فإن هذا التفكر من شأنه أن يزيل هذا الشك، لأن الذي أوجدكم الإيجاد الأول. وخلقكم من التراب، قادر على إعادتكم إلى الحياة مرة أخرى، إذ الإعادة- كما يعرف كل عاقل- أيسر من ابتداء الفعل. وقد قرب- سبحانه- هذا المعنى في أذهانكم في آيات كثيرة، منها قوله- تعالى-: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ، وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «٢» . وأتى- سبحانه- بأن المفيدة للشك فقال: إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ مع أن كونهم في ريب أمر محقق تنزيلا للمحقق منزلة المشكوك فيه، وتنزيها لموضوع البعث عن أن يتحقق الشك فيه من أى عاقل، وتوبيخا لهم لوضعهم الأمور في غير مواضعها. ووجه الإتيان بفي الدالة على الظرفية، للإشارة إلى أنهم قد امتلكهم الريب وأحاط بهم إحاطة الظرف بالمظروف. قال الآلوسى: «وقوله فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ دليل جواب الشرط، أو هو الجواب بتأويل، أى: إن كنتم في ريب من البعث، فانظروا إلى مبدأ خلقكم ليزول ريبكم، فإنا خلقناكم من تراب، وخلقهم من تراب في ضمن خلق أبيهم آدم منه ... » «٣» . وقال بعض العلماء ما ملخصه: والتحقيق في معنى قوله- تعالى- فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ

стр. 4163

: أنه- سبحانه- خلق أباهم آدم منه، ثم خلق من آدم زوجه حواء، ثم خلق الناس منهما عن طريق التناسل. فلما كان أصلهم الأول من تراب، أطلق عليهم أنه خلقهم من تراب لأن الفروع تتبع الأصل. وعلى ذلك يكون خلقهم من تراب هو الطور الأول..» «١» . ثم بين- سبحانه- الطور الثاني من أطوار خلق الإنسان فقال: ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ وهذا اللفظ مأخوذ من النطف- بفتح النون مع التشديد وإسكان الطاء- بمعنى السيلان والتقاطر. يقال: نطفت القربة، إذا تقاطر الماء منها بقلة. والنطفة تطلق في اللغة: على الماء القليل، والمراد بها هنا: الماء المختلط من الرجل والمرأة عند الجماع، والمعبر عنه بالمنى. وقوله ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ هو الطور الثالث. والعلقة جمعها علق، وهي قطعة من الدم جامدة، تتحول إليها النطفة. وقوله ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ هو الطور الرابع، والمضغة قطعة صغيرة من اللحم تتحول إليها العلقة. وقوله- سبحانه- مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ صفة للمضغة. والمراد بالمخلقة: التامة الخلقة، السالمة من العيوب، والمراد بغير المخلقة: ما ليست كذلك كأن تكون ناقصة الخلقة. وقد اكتفى بهذا المعنى صاحب الكشاف فقال: «والمخلقة» المستواة الملساء من النقصان والعيب: يقال: خلق السواك والعود، إذا سواه وملسه، من قولهم: صخرة خلقاء، إذا كانت ملساء. كأن الله- تعالى- يخلق المضغ متفاوتة. منها. ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت، تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم ... » «٢» . وقيل: «مخلقة» أى: مستبينة الخلق، ظاهرة التصوير. «وغير مخلقة» أى: لم يستبن خلقها ولا ظهر تصويرها كالسقط الذي هو مضغة ولم تظهر صورته الإنسانية بعد. وقيل: «مخلقة» أى: نفخ فيها الروح. «وغير مخلقة» أى: لم ينفخ فيها الروح. ويبدو لنا أن ما ذهب إليه صاحب الكشاف واكتفى به أولى بالقبول، لأنه هو المشهور من

стр. 4164

كلام العرب. فهم يقولون: حجر أخلق أى: أملس مصمت لا يؤثر فيه شيء، وصخرة خلقاء، أى: ليس بها تشويه أو كسر. وقوله- تعالى-: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ متعلق بقوله: خَلَقْناكُمْ أى: خلقناكم على هذا النحو العجيب، وفي تلك الأطوار البديعة. لنبين لكم كمال قدرتنا، وبليغ حكمتنا. وأننا لا يعجزنا إعادة كل حي إلى الحياة بعد موته. وحذف مفعول «نبين» للإشعار بأن أفعاله- تعالى- الدالة على كمال قدرته، لا يحيط بها وصف، ولا تمدها عبارة.. أى: لنبين لكم عن طريق المشاهدة، ما يدل على كمال قدرتنا دلالة يعجز الوصف عن الإحاطة بها. وقوله- تعالى-: وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى كلام مستأنف مسوق لبيان أحوال الناس بعد تمام خلقهم، وتوارد تلك الأطوار عليهم. أى: ونقر ونثبت في أرحام الأمهات ما نشاء إقراره وثبوته فيها من الأجنة والأحمال، إلى أجل معلوم عندنا. وهو الوقت المحدد للولادة والوضع، وما لم نشأ إقراره من الحمل لفظته الأرحام وأسقطته، إذ كل شيء بمشيئتنا وإرادتنا. وقوله- تعالى-: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا بيان للطور الخامس من أطوار خلق الإنسان. أى: ثم نخرجكم من أرحام أمهاتكم بعد استقراركم فيها إلى الوقت الذي حددناه، طفلا صغيرا. أى: أطفالا صغارا، وإنما جاء مفردا باعتبار إرادة الجنس الشامل للواحد والمتعدد، أو باعتبار كل واحد منهم، وهو حال من ضمير المخاطبين. ومن الأساليب العربية المعهودة، أن الاسم المفرد إذا كان اسم جنس. يكثر إطلاقه على الجمع، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً أى: أئمة. وقوله- سبحانه- فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً.. أى: أنفسا، ومن هذا القبيل قول الشاعر: وكان بنو فزارة شرّ عمّ ... فكنت لهم كشر بنى الأخينا أى: شر أعمام. وقوله- تعالى- ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ بيان للطور السادس، والأشد: قوة الإنسان وشدته واشتعال حرارته، من الشدة بمعنى الارتفاع والقوة، يقال: شد النهار إذا ارتفع، وهو

стр. 4165

مفرد جاء بصيغة الجمع، أو جمع لا واحد له، أو جمع شدة- كأنعم ونعمة-. قال الآلوسى: «والجملة علة لنخرجكم، وهي معطوفة على علة أخرى مناسبة لها. كأنه قيل: ثم نخرجكم لتكبروا شيئا فشيئا ثم لتبلغوا أشدكم، أى كمالكم في القوة والعقل والتمييز.. وقيل: علة لمحذوف. والتقدير: ثم نمهلكم لتبلغوا أشدكم ... وتقديم التبيين «لنبين لكم» على ما بعده، مع أن حصوله بالفعل بعد الكل، للإيذان بأنه غاية الغايات ومقصود بالذات. وإعادة اللام في «لتبلغوا» مع تجريد «نقر، ونخرج» عنها، للإشعار بأصالة البلوغ بالنسبة إلى الإقرار والإخراج إذ عليه يدور التكليف المؤدى إلى السعادة والشقاوة» «١» . وقوله- سبحانه-: وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً بيان للطور السابع والأخير. أى: منكم- أيها الناس- من يبلغ أشده في هذه الحياة، ومنكم من يموت قبل ذلك، ومنكم من يعيش إلى أرذل العمر أى: أخسه وأدونه، فيصير من بعد علمه بالأشياء وفهمه لها، لا علم له ولا فهم، شأنه في ذلك شأن الأطفال. قال- تعالى-: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ فالآية الكريمة تصور أطوار خلق الإنسان ومراحل حياته أكمل تصوير، للتنبيه على مظاهر قدرة الله- تعالى- وعلى أن البعث حق وصدق. وبعد إقامة هذا الدليل من نفس الإنسان وتطور خلقه على صحة البعث، ساق- سبحانه- الدليل الثاني عن طريق مشاهدة الأرض وتنقلها من حال إلى حال، فقال- تعالى- وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ. وقوله: هامِدَةً أى: يابسة، يقال: همدت الأرض تهمد- بضم الميم- همودا، إذا يبست. ومعنى: «اهتزت» : تحركت، يقال: هز فلان الشيء فاهتز، إذا حركه فتحرك. ومعنى: «ربت» زادت بسبب تداخل الماء والنبات فيها، يقال: ربا الشيء يربو ربوا، إذا زاد ونما، ومنه الربا والربوة.

стр. 4166

أى: وترى- أيها العاقل- ببصرك الأرض يابسة لا نبات فيها، فإذا ما أنزلنا عليها بقدرتنا الماء، تحركت بسبب خروج النبات منها، وانتفخت بسبب ما يتخللها من الماء والنبات، وأنبتت بعد ذلك من كل صنف بهيج نضر حسن المنظر. وشبيه بهذه الآية في أن إحياء الأرض بعد موتها دليل على إحياء الناس بعد موتهم، بقدرة الله- تعالى- وإرادته، قوله- : وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ، إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «١» . ثم بين- سبحانه- بعد ذلك ما يدل على وحدانيته وقدرته فقال: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ، وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى، وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. واسم الإشارة يعود إلى المذكور من خلق الإنسان وإحياء الأرض بعد موتها.. أى: ذلك الذي ذكرناه لكم دليل واضح، وبرهان قاطع، على أن الله- تعالى- هو الإله الحق، الذي يجب أن تخلصوا له العبادة والطاعة، لأنه هو وحده الخالق لكل شيء، ولأنه هو وحده الذي يعيد الموتى إلى الحياة، ولأنه هو وحده الذي لا يعجزه شيء. وخص- سبحانه- إحياء الموتى بالذكر، مع أنه من جملة الأشياء المقدور عليها. للتصريح بما هو محل النزاع وهو البعث، ولدحض شبه المنكرين له. ثم أكد- سبحانه- ذلك تأكيدا دامغا فقال: وَأَنَّ السَّاعَةَ وما تشتمل عليه من حساب وثواب وعقاب آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها أى: لا ريب ولا شك في إتيانها في الوقت الذي يريده الله- تعالى-. وَأَنَّ اللَّهَ- تعالى- وحده يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ليحاسبهم على أعمالهم. وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أقامت أعظم الأدلة وأوضحها على وحدانية الله- تعالى- وقدرته، وعلى أن البعث حق وصدق وأنه آت لا ريب فيه. ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك نموذجين لصنفين من الناس، أحدهما: متكبر مغرور، والآخر مذبذب لا ثبات له في عقيدة فقال- تعالى-:

стр. 4167

[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٨ الى ١٣] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٠) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣) قال ابن كثير- ﵀: «لما ذكر- تعالى- حال الضلال الجهال المقلدين لغيرهم في الآية الثالثة من هذه السورة وهي قوله- سبحانه-: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ، ذكر في هذه حال الدعاة إلى الضلال من رءوس الكفر والبدع، فقال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ أى: بلا عقل صحيح. ولا نقل صحيح صريح بل بمجرد الرأى والهوى» «١» . ولعل مما يؤيد ما ذهب إليه ابن كثير من أن الآية الثالثة من هذه السورة في شأن المقلدين لغيرهم، أنه- سبحانه- قال فيها في شأنهم: وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ. أما في هذه الآية فقد قال في شأن هذا النوع من الناس: ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ... أى: ليضل غيره ويصرفه عن طاعة الله- تعالى- واتباع طريقه الحق. وقد نفت الآية الكريمة عن هذا المجادل، استناده إلى أى دليل أو ما يشبه الدليل، فهو يجادل في ذات الله- تعالى- وفي صفاته «بغير علم» يستند إليه وبغير «هدى» يهديه

стр. 4168

ويرشده إلى الحق وبغير «كتاب منير» أى: وبغير وحى ينير عقله وقلبه، ويوضح له سبيل الرشاد. فأنت ترى أن الآية قد جردت هذا المجادل من أى مستند إليه في جداله سواء كان عقليا أم نقليا، بل أثبتت له الجهالة من جميع الجهات. ثم صورته السورة الكريمة بعد ذلك بتلك الصورة المزرية، صورة الجاهل المغرور المتعجرف، فقال- تعالى-: ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. وقوله ثانِيَ من الثّنى بمعنى اللّىّ والميل عن الاستقامة. يقال: فلان ثنى الشيء إذا رد بعضه على بعض فانثنى أى: مال والتوى. والعطف- بكسر العين- الجانب، وهذا التعبير كناية عن غروره وصلفه مع جهله. أى: أنه مع جداله بدون علم، متكبر معجب بنفسه، معرض عن الحق، مجتهد في إضلال غيره عن سبيل الله- تعالى- وعن الطريق الذي يوصل إلى الرشاد. ثم بين- سبحانه- سوء عاقبة هذا الجاهل المغرور المضل لغيره فقال: ولَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ أى: هوان وذلة وصغار. وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ أى: ونجعله يوم القيامة يدرك طعم العذاب المحرق. ويصطلى به جزاء غروره وشموخه في الدنيا بغير حق. وتقول له ملائكتنا وهي تصب عليه ألوان العذاب ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ أى: ذلك الذي تتذوقه من عذاب محرق سببه: جهلك وغرورك وإصرارك على الكفر، وحرصك على إضلالك لغيرك. وأسند- سبحانه- سبب ما نزل بهذا الكافر من خزي وعذاب إلى يديه، لأنهما الجارحتان اللتان يزاول بهما أكثر الأعمال. وقوله- سبحانه- وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ بيان لعدله- تعالى- مع عباده، أى: وأن الله- تعالى- ليس بذي ظلم لعباده أصلا، حتى يعذبهم بدون ذنب، بل هو عادل رحيم بهم، ومن مظاهر عدله ورحمته أنه يضاعف الحسنات، ويعاقب على السيئات، ويعفو عن كثير من ذنوب عباده. ثم بين- سبحانه- نوعا آخر من الناس، لا يقل جرما عن سابقه فقال- تعالى-: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ، فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ ...

стр. 4169

قال صاحب الكشاف: «على حرف» أى: على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه. وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم: لا على سكون وطمأنينة، كالذي يكون على طرف من العسكر، فإن أحس بظفر وغنيمة قر واطمأن، وإلا فر وطار على وجهه ... » «١» . وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها: ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: كان الرجل يقدم المدينة، فإذا ولدت امرأته غلاما، ونتجت خيله. قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته، ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء ... » «٢» . والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد صورت المذبذبين في عقيدتهم أكمل تصوير، فهم يقيسون العقيدة بميزان الصفقات التجارية، إن ربحوا من ورائها فرحوا، وإن خسروا فيها أصابهم الغم والحزن. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى- في شأن المنافقين: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ «٣» . والتعبير بقوله- سبحانه- عَلى حَرْفٍ يصور هذا النوع من الناس، وكأنه يترجح في عبادته كما يترجح من يكون على طرف الشيء. فهو معرض للسقوط في أية لحظة. والمراد من الخير في قوله- تعالى- فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ الخير الدنيوي من صحة وغنى ومنافع دنيوية. أى: فإن نزل بهذا المذبذب في عبادته خير دنيوى اطْمَأَنَّ بِهِ أى: ثبت على ما هو عليه من عبادة ثباتا ظاهريا، وليس ثباتا قلبيا حقيقيا كما هو شأن المؤمنين الصادقين الذين لا يزحزحهم عن إيمانهم وعد أو وعيد. وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ أى: مصيبة أو شر انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ أى: ارتد ورجع عن عبادته ودينه إلى الكفر والمعاصي. وقوله- تعالى-: خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ بيان لسوء عاقبة صنيعه. أى: هذا الذي يعبد الله على حرف، جمع على نفسه خسارتين، خسارة الدنيا بسبب عدم حصوله على ما يريده منها، وخسارة الآخرة بسبب ارتداده إلى الكفر وغشيان السيئات،

стр. 4170

وذلك الذي جمعه على نفسه هو الخسران الواضح، الذي لا ينازع في شأنه عاقلان، إذ لا خسران أشد وأظهر، من الخسران الذي ضيع دنياه وآخرته. ثم بين- سبحانه- مظاهر خسران هذا المذبذب، وأحواله القبيحة فقال: يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ... أى: يعبد سوى الله- تعالى- أوثانا وأصناما، إن ترك عبادتها لا تستطيع أن تضره، وإن عبدها فلن تستطيع أن تنفعه. وذلِكَ الذي يفعله هذا الشقي من عبادته لما لا يضر ولا ينفع هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ بعدا شاسعا عن كل صواب ورشاد. ثم أضاف- سبحانه- إلى تبكيت هذا المذبذب وتقريعه تقريعا آخر فقال: يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ، لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ. والمولى: هو كل من انعقد بينك وبينه سبب، يجعلك تواليه ويواليك، وتناصره ويناصرك. والعشير: هو من يعاشرك ويخالطك في حياتك. أى: يعبد هذا الإنسان الجاهل المضطرب، معبودا ضرره أقرب من منفعته، لبئس الناصر ولبئس الصاحب هذا المعبود. فإن قيل: كيف نجمع بين هذه الآية التي جعلت المعبود الباطل ضرره أقرب من نفعه، وبين الآية السابقة عليها والتي نفت الضر والنفع نفيا تاما. وقد أجاب العلماء عن هذا التساؤل بإجابات منها: أن لفظ «يدعو» في الآية الثانية بمعنى يقول. وقد صدر الآلوسى تفسيره للآية بهذا الرأى فقال ما ملخصه: «قوله- تعالى- يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ. استئناف يبين مآل دعائه وعبادته غير الله- تعالى- ويقرر كون ذلك ضلالا بعيدا. فالدعاء هنا بمعنى القول. أى: يقول الكافر يوم القيامة برفع صوت، وصراخ حين يرى تضرره بمعبوده ودخوله النار بسببه، ولا يرى منه أثرا مما كان يتوقعه منه من نفع أو دفع ضر: والله لبئس الذي يتخذ ناصرا- من دون الله- ولبئس الذي يعاشر ويخالط، فكيف بما هو ضرر محض، عار عن النفع بالكلية، وفي هذا من المبالغة في تقبيح حال الصنم والإمعان في ذمه ما لا يخفى ... » «١» . ومنها ما ذكره الإمام القرطبي فقال: قوله- تعالى- يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ
следующие страницы →