والمعنى: أخلقكم- أيها الجاهلون- بعد موتكم، وإعادتكم إلى الحياة بعد هلاككم، أشد وأصعب في تقديركم، أم خلق السماء التي ترون بأعينكم عظمتها وضخامتها، والتي أوجدها- سبحانه وبناها بقدرته.
فالمقصود من الآية الكريمة لفت أنظارهم إلى أمر معلوم عندهم بالمشاهدة، وهو أن خلق السماء أعظم وأبلغ من خلقهم، ومن كان قادرا على الأبلغ والأعظم كان على ما هو أقل منه- وهو خلقهم وإعادتهم بعد موتهم- أقدر.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ....
ثم بين- سبحانه- جانبا من بديع قدرته في خلق السماء فقال: رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها.
والسّمك- بفتح السين- المشددة وسكون الميم-: الرفع في الفضاء، وجعل الشيء عاليا عن غيره.
تقول: سمكت الشيء، إذا رفعته في الهواء، وبناء مسموك، أى: مرتفع، ومنه قول الشاعر:
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول
أى: أن الله- تعالى- بقدرته، جعل مقدار ارتفاع السماء عن الأرض عظيما، وبجانب ذلك سوى بحكمته هذه السماء، بأن جعلها خالية من الشقوق والثقوب ... كما قال- سبحانه-: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ....
وجملة «وأغطش ليلها....» معطوفة على «بناها» ، والإغطاش: الإظلام الشديد.
يقال: غطش الليل- من باب ضرب- إذا اشتد ظلامه.
أى: وجعل- بقدرته- ليل هذه السماء مظلما غاية الإظلام: بسبب مغيب شمسها.
وَأَخْرَجَ ضُحاها أى: وأبرز وأضاء نهارها، إذ الضحى في الأصل: انتشار الشمس، وامتداد النهار. ثم سمى به هذا الوقت، لبروز ضوء الشمس فيه أكثر من غيره، فهو من باب تسمية الشيء باسم أشرف أجزائه وأطيبها.
وأضاف- سبحانه- الليل والضحى إلى السماء لأنهما يحدثان بسبب غروب شمسها وطلوعها.
ثم انتقلت الآيات الكريمة من الاستدلال على قدرته- تعالى- عن طريق خلق السماء،
стр. 6442
إلى الاستدلال على قدرته عن طريق خلق الأرض فقال: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها.
ولفظ «الأرض» منصوب على الاشتغال. واسم الإشارة «ذلك» يعود إلى خلق السماء وتسويتها ورفعها وإغطاش ليلها. وقوله دَحاها من الدحو بمعنى البسط، تقول:
دحوت الشيء أدحوه، إذا بسطته ...
أى: خلق- سبحانه- السماء وسواها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، والأرض بعد كل ذلك الخلق البديع للسماء، بسطها وأوسعها لتكون مستقرا لكم وموضعها لتقلبكم عليها ...
وقد أخذ بعض العلماء من هذه الآية، تأخر خلق الأرض عن خلق السماء ...
وجمهور العلماء على أن خلق الأرض متقدم على خلق السماء، بدليل قوله- تعالى-:
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ «١» .
قالوا في الجمع بين هذه الآية التي معنا، وبين آية سورة البقرة، بما روى عن ابن عباس من أنه سئل عن الجمع بين هاتين الآيتين فقال: خلق الله- تعالى- الأرض أولا غير مدحوة، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وجعل فيها الرواسي والأنهار وغيرهما.
أى: أن أصل خلق الأرض كان قبل خلق السماء، ودحوها بجبالها وأشجارها، كان بعد خلق السماء.
وقالوا- أيضا- في وجه الجمع، إن لفظ بعد في قوله- تعالى- بَعْدَ ذلِكَ بمعنى مع. أى: والأرض مع ذلك بسطها ومهدها لسكنى أهلها فيها ... «٢» .
وقدم- سبحانه- هنا خلق السماء على الأرض، لأنه أدل على القدرة الباهرة، لعظم السماء وانطوائها على الأعاجيب.
وقوله- سبحانه- أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها. وَالْجِبالَ أَرْساها بدل اشتمال من قوله دَحاها، أو بيان وتفسير لدحوها، والمرعى: مصدر ميمى أطلق على المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق، أى أخرج منها ما يرعى.
أى: والأرض جعلها مستقرا لكم، ومكانا لانتفاعكم، بأن أخرج منها ماءها، عن طريق تفجير العيون والآبار والبحار، وأخرج منها مَرْعاها أى: جميع ما يقتات به الناس والدواب، بدليل قوله- تعالى- بعد ذلك: مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ.
стр. 6443
وكذلك من مظاهر قدرته- تعالى- ورحمته بكم، أنه أثبت الجبال في الأرض حتى لا تميد أو تضطرب، فالمقصود بإرساء الجبال: تثبيتها في الأرض.
وقوله- تعالى-: مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ بيان لوجه المنة في خلق الأرض على هذه الطريقة البديعة.
والمتاع: اسم لما يتمتع به الإنسان من منافع الحياة الدنيا لمدة محدودة من الزمان، وانتصب لفظ «متاعا» هنا بفعل مقدر من لفظه، أى: متعناكم متاعا.
والمعنى: دحونا الأرض، وأخرجنا منها ماءها ومرعاها ... لتكون موضع منفعة لكم، تتمتعون بخيراتها أنتم وأنعامكم، إلى وقت معين من الزمان، تتركونها لانتهاء أعماركم.
ثم بين- سبحانه- حال الأشقياء والسعداء يوم القيامة، فقال: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى. والطامة: اسم للمصيبة العظمى، التي تطمّ وتغلب وتعلو ما سواها من مصائب، من قولهم: طمّ الشيء يطمّه طمّا، إذا غمره. وكل شيء كثر وعلا على غيره، فقد طم عليه. ويقال: طم الماء الأرض إذا غمرها.
وهذا الوصف ليوم القيامة، من أوصاف التهويل والشدة، لأن أحوالها تغمر الناس وتجعلهم لا يفكرون في شيء سواها.
وجواب الشرط محذوف، والمجيء هنا: بمعنى الحدوث والوقوع، أى: فإذا وقعت القيامة، وقامت الساعة ... حدث ما حدث ما لم يكن في الحسبان من شدائد وأهوال.
وقوله: يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى بدل اشتمال من الجملة التي قبلها وهي قوله:
فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ لأن ما أضيف إليه لفظ «يوم» من الأحوال التي يشملها يوم القيامة، وتذكر الإنسان لسعيه في الدنيا، يكون بإطلاعه على أعماله التي نسيها، ورؤيته إياها في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
أى: فإذا قامت القيامة، وتذكر الإنسان في هذا الوقت ما كان قد نسيه من أعمال في دنياه، وقع له من الخوف والفزع مالا يدخل تحت وصف..
وقوله: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى معطوف على قوله جاءَتِ. أى: فإذا جاءت الطامة الكبرى، وتذكر الإنسان فيها ما كان قد نسيه من أعمال دنيوية وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ أى: وأظهرت إظهارا واضحا لا خفاء فيه ولا لبس لِمَنْ يَرى أى: لكل راء. كان الهول الأعظم.
وقوله- سبحانه-: فَأَمَّا مَنْ طَغى.... تفصيل لأحوال الناس في هذا اليوم.
стр. 6444
أى: فَأَمَّا مَنْ طَغى بأن تجاوز الحدود في الكفر والفسوق والعصيان وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا بأن قدم متاعها الفاني، على نعيم الآخرة الخالد ...
فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى أى: فإن مصير هذا الإنسان الشقي سيكون إلى النار الملتهبة، لا منزل له سواها في هذا اليوم.
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ أى: خاف عظمته وجلاله، وسلح نفسه بالإيمان والعمل الصالح استعدادا لهذا اليوم الذي يجازى فيه كل إنسان بما يستحقه.
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى أى: وزجر نفسه وكفها عن السيئات والمعاصي والميول نحو الأهواء الضالة المضلة.
فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى أى: فإن الجنة في هذا اليوم، ستكون هي مأواه ومنزله ومستقره ...
ثم لقن الله- تعالى- نبيه ﷺ الجواب الذي يرد به على المشركين، الذين كانوا يكثرون من سؤاله عن يوم القيامة، على سبيل الإنكار والاستهزاء، فقال- تعالى-:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها.
وأيان: اسم يستفهم به عن تعيين الوقت وتحديده، فهو ظرف زمان متضمن معنى «متى» ومرساها: مصدر ميمى من أرسى الشيء إذا ثبته وأقره، ولا يكاد يستعمل هذا اللفظ إلا في الشيء الثقيل، كما في قوله- تعالى-: وَالْجِبالَ أَرْساها....
ونسبة الإرساء إلى الساعة، باعتبار تشبيه المعاني بالأجسام. و «أيان» خبر مقدم، و «مرساها» مبتدأ مؤخر.
والمعنى: يسألك يا محمد هؤلاء القوم عن وقت قيام الساعة، قائلين لك: متى يكون استقرارها وإرساؤها ووقوعها؟.
وأطلق على يوم القيامة ساعة لوقوع بغتة، أو لسرعة ما فيه من الحساب، أو لأنه على طوله، زمان يسير عند الله- تعالى-.
وقوله- سبحانه-: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها. إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها واقع موقع الجواب عن سؤالهم عن الساعة، وعن وقت وقوعها.
والمقصود بهذا الجواب توبيخهم على إلحاحهم في السؤال عنها، مع أن الأولى بهم كان الاستعداد لها بالإيمان والعمل الصالح.
و «ما» في قوله فِيمَ اسم استفهام بمعنى: أى شيء، وهي هنا مستعملة في التعجيب
стр. 6445
من كثرة أسئلتهم عن شيء لا يهمهم حدوثه، وإنما الذي يهمهم- لو كانوا يعقلون- هو حسن الاستعداد له.
قال الآلوسى: قوله: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها إنكار ورد لسؤال المشركين عنها. أى:
في أى شيء أنت من أن تذكر لهم وقتها، وتعلمهم به حتى يسألونك بيانها، كقوله- تعالى- يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها فالاستفهام للإنكار. وفيم خبر مقدم، وأنت مبتدأ مؤخر.
وقوله مِنْ ذِكْراها على تقدير مضاف، أى: ذكرى وقتها، وهو متعلق بما تعلق به الخبر.
وقيل: فِيمَ إنكار لسؤالهم، وما بعده استئناف تعليل للإنكار، وبيان لبطلان السؤال. أى: فيم هذا السؤال، ثم ابتدئ فقيل: أنت من ذكراها. أى: إرسالك وأنت خاتم النبيين ... علامة من علاماتها. «١» .
وقوله- تعالى-: إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها أى: إلى ربك وحده منتهى علم قيامها، لأنه- سبحانه- هو وحده- دون غيره- العليم علما تاما بالوقت الذي ستقوم فيه الساعة.
ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ... وقوله- سبحانه- يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي، لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ.....
وقوله- تعالى-: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها تحديد لوظيفته ﷺ أى: ليست وظيفتك- أيها الرسول الكريم- معرفة الوقت الذي تقوم فيه الساعة، فهذا أمر مرد معرفته إلى الله وحده ... وإنما وظيفتك امتثال ما أمرت به، من بيان اقترابها، وتفصيل أهوالها، ودعوة الناس إلى حسن الاستعداد لها بالإيمان والعمل الصالح ...
وإذا كان الأمر كذلك فلماذا ترك هؤلاء الجاهلون ما يجب عليهم من الإيمان والعمل الصالح، وأخذوا يسألونك عن أشياء خارجة عن وظيفتك؟.
وخص- سبحانه- الإنذار بمن يخشى قيام الساعة، مع أن رسالته ﷺ إلى الناس كافة. وإنذاره إنما هو لهم جميعا، لأن هؤلاء الذين يخشون وقوعها، ويعملون العمل الصالح الذي ينجيهم من أهوالها، هم الذين ينتفعون بهذا الإنذار.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة، ببيان حالهم عند قيام الساعة، فقال- تعالى-:
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها.
стр. 6446
والعشية: هي الوقت الكائن من الزوال إلى الغروب. والضحى: الوقت الكائن من أوائل النهار إلى الزوال.
أى: كأن هؤلاء المشركين حين يرون الساعة وقد فاجأتهم بأهوالها، لم يلبثوا في دنياهم أو في قبورهم إلا وقتا يسيرا، يشبه العشية أو الضحى بالنسبة للزمان الطويل.
فالمقصود من الآية الكريمة: بيان أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن المشركين عند إتيانها كأنهم ما لبثوا في انتظارها إلا يوما أو بعض يوم ...
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف صحت إضافة الضحى إلى العشية؟ قلت: لما بينهما من الملابسة لاجتماعهما في نهار واحد.
فإن قلت: فهلا قيل: إلا عشية أو ضحى وما فائدة الإضافة؟ قلت: للدلالة على أن مدة لبثهم، كأنها لم تبلغ يوما كاملا، ولكن ساعة منه عشيته أو ضحاه، فلما ترك اليوم أضافه إلى عشيته، فهو كقوله: لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ «١» .
وبعد: فهذا تفسير لسورة «النازعات» نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6447
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة عبس
مقدمة وتمهيد
١- سورة «عبس» من السور المكية، وتسمى سورة «الصاخة» وسورة «السفرة» لوقوع هذه الألفاظ فيها.
٢- وعدد آياتها: اثنتان وأربعون آية في المصحف الكوفي، وإحدى وأربعون في البصري، وأربعون في الشامي ... وكان نزولها بعد سورة «النجم» وقبل سورة «القدر» ، فهي تعتبر السورة الثالثة والعشرون في ترتيب النزول، أما في ترتيب المصحف فهي السورة الثمانون.
وقد افتتحت بإرشاد النبي ﷺ إلى ما يجب عليه نحو ضعفاء المسلمين، وبإرساء القاعدة التي يجب على المسلمين أن يتبعوها عند معاملتهم للناس، والثناء على المؤمنين الصادقين مهما كان عجزهم وضعفهم والتحذير من إهمال شأنهم.
ثم تذكير المؤمنين بجانب من نعمه- تعالى- عليهم، لكي يزدادوا شكرا له- تعالى- على شكرهم، ثم تذكيرهم أيضا بأهوال يوم القيامة، وبأحوال الناس فيه.
стр. 6448
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة عبس (٨٠) : الآيات ١ الى ١٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤)
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩)
فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤)
بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦)
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات ملخصها: أن النبي ﷺ كان جالسا في أحد الأيام، مع جماعة من زعماء قريش يدعوهم إلى الإسلام، ويشرح لهم تعاليمه، فأقبل عبد الله بن أم مكتوم- وكان كفيف البصر- فقال: أقرئنى وعلمني مما علمك الله، يا رسول الله، وكرر ذلك، وهو لا يعلم أن الرسول ﷺ مشغول بدعوة هؤلاء الزعماء إلى الإسلام، رجاء أن يسلم بسبب إسلامهم خلق كثير ...
فلما أكثر عبد الله من طلبه، أعرض عنه الرسول ﷺ فنزلت هذه الآيات التي عاتب الله- تعالى- فيها نبيه ﷺ على هذا الإعراض ... فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك يكرمه، إذا رآه، ويقول له: «مرحبا بمن عاتبني فيه ربي» ويبسط له رداءه ... «١» .
قال الآلوسى: وعبد الله بن أم مكتوم، هو ابن خال السيدة خديجة، واسمه عمرو بن قيس. وأم مكتوم كنية أمه، واسمها عاتكة بنت عبد الله المخزومية، واستخلفه ﷺ
стр. 6449
على المدينة أكثر من مرة ... وهو من المهاجرين الأولين. قيل: مات بالقادسية شهيدا يوم فتح المدائن أيام عمر بن الخطاب- رضى الله عنه ... «١» .
ولفظ «عبس» - من باب ضرب- مأخوذ من العبوس، وهو تقطيب الوجه، وتغير هيئته مما يدل على الغضب.
وقوله وَتَوَلَّى مأخوذ من التولي وأصله تحول الإنسان عن مكانه الذي هو فيه إلى مكان آخر. والمراد به هنا الإعراض عن السائل وعدم الإقبال عليه.
وحذف متعلق التولي، لمعرفة ذلك من سياق الآيات، إذ من المعروف أن إعراضه ﷺ كان عن عبد الله ابن أم مكتوم الذي قاطعه خلال حديثه مع بعض زعماء قريش.
وأل في قوله- تعالى-: الْأَعْمى للعهد. والمقصود بهذا الوصف: التعريف وليس التنقيص من قدر عبد الله بن أم مكتوم- رضى الله عنه- وكذلك في هذا الوصف إيماء إلى أن له عذرا في مقاطعة الرسول ﷺ عند حديثه مع زعماء قريش، فهو لم يكن يراه وهو يحادثهم ويدعوهم إلى الإسلام.
وجاء الحديث عن هذه القصة بصيغة الحكاية، وبضمير الغيبة، للإشعار بأن هذه القصة، من الأمور التي لا يحب الله- تعالى- أن يواجه بها نبيه ﷺ على سبيل التكريم له، والعطف عليه، والرحمة به.
وجملة وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى في موضع الحال، وفيها التفات من الغيبة إلى الخطاب، و «ما» استفهامية مبتدأ، وجملة «يدريك» خبره. والكاف مفعول أول، وجملة الترجي سادة مسد المفعول الثاني. والضمير في لَعَلَّهُ يعود إلى عبد الله ابن أم مكتوم المعبر عنه بالأعمى.
والمعنى: عبس ﷺ وضاق صدره، وأعرض بوجهه، لأن جاءه الرجل الأعمى، وجعل يخاطبه وهو مشغول بالحديث مع غيره.
وَما يُدْرِيكَ أى: وأى شيء يجعلك- أيها الرسول الكريم- داريا بحال هذا الأعمى الذي عبست في وجهه لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أى: لعله بسبب ما يتعلمه منك يتطهر ويتزكى، ويزداد نقاء وخشوعا لله رب العالمين أَوْ لعله يَذَّكَّرُ أى: يتذكر ما كان في غفلة عنه فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى أى: فتنفعه الموعظة التي سمعها منك.
стр. 6450
قال الآلوسى ما ملخصه: وفي التعبير عنه ﷺ بضمير الغيبة إجلال له ... كما أن في التعبير عنه ﷺ بضمير الخطاب في قوله- تعالى-: وَما يُدْرِيكَ ... إكرام له- أيضا- لما فيه من الإيناس بعد الإيحاش والإقبال بعد الإعراض ... «١» .
ثم فصل- سبحانه- ما كان منه ﷺ بالنسبة لهذه القصة فقال: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى. فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى. وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى. وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى. وَهُوَ يَخْشى. فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى. أى: أما من استغنى عن الإيمان، وعن إرشادك- أيها الرسول الكريم- واعتبر نفسه في غنى عن هديك ... فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى أى: فأنت تتعرض له بالقبول، وبالإصغاء لكلامه، رجاء أن يسلم، فيسلم بعده غيره.
يقال: تصدّى فلان لكذا، إذا تعرّض له، وأصله تصدّد من الصّدد، وهو ما استقبلك وصار قبالتك ...
وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى أى: وأى شيء عليك في أن يبقى على كفره، بدون تطهر؟ إنه لا حرج عليك في ذلك، فأنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب وإِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ.....
و «ما» نافية و «عليك» خبر مقدم، وقوله: أَلَّا يَزَّكَّى مبتدأ مؤخر.
وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى أى: من جاءك مسرعا في طلب الخير والهداية والعلم، وهو هذا الأعمى، الذي لم يمنعه فقدانه لبصره من الحرص على التفقه في الدين.
وَهُوَ يَخْشى أى: وهو يخشى الله، ويخاف عقابه، ويرجو ثوابه.
فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى أى: فأنت عنه تتشاغل، وتفرغ جهدك مع هؤلاء الزعماء، طمعا في إيمانهم.
ويلاحظ أن هذه الآيات الكريمة، أكثر حدة في العتاب من سابقتها، حيث ساق- سبحانه- هذه الآيات في صورة أشبه ما تكون بالتعجيب ممن يفعل ذلك ...
ثم ساق- سبحانه- ما هو أشد في العتاب وفي التحذير فقال: كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ.
أى: كلا- أيها الرسول الكريم- ليس الأمر كما فعلت، من إقبالك على زعماء قريش طمعا في إسلامهم، ومن تشاغلك وإعراضك عمن جاء يسعى وهو يخشى ...
الضمير في قوله إِنَّها يعود إلى آيات القرآن الكريم، أى: إن آيات القرآن الكريم
стр. 6451
لمشتملة على التذكير بالحق، وعلى الموعظة الحكيمة التي ينبغي على كل عاقل أن يعمل بموجبها، وأن يسير بمقتضاها.
فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ أى: فمن شاء أن يتعظ ويعتبر وينتفع بهذا التذكير فاز وربح، ومن شاء غير ذلك خسر وضاع، فالجملة الكريمة لتهديد الذين يعرضون عن الموعظة، وليست للتخبير كما يتبادر من فعل المشيئة.
وهي معترضة للترغيب في حفظ هذه الآيات، وفي العمل بما اشتملت عليه من هدايات.
وجاء الضمير مذكرا في قوله: فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ لأن التذكرة هنا بمعنى التذكير والاتعاظ.
أى: فمن شاء التذكير والاعتبار، تذكر واعتبر وحفظ ذلك دون أن ينساه ...
وقوله: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ خبر ثان لقوله إِنَّها تَذْكِرَةٌ وما بينهما اعتراض ...
أى: إن آيات القرآن تذكرة، مثبتة أو كائنة في صحف عظيمة مُكَرَّمَةٍ عند الله تعالى- لأنها تحمل آياته.
هذه الصحف- أيضا- مَرْفُوعَةٍ أى: ذات منزلة رفيعة مُطَهَّرَةٍ أى: منزهة عن أن يمسها ما يدنسها.
وهي كائنة بِأَيْدِي سَفَرَةٍ وهم الملائكة الذين جعلهم الله- تعالى- سفراء بينه وبين رسله: جمع سافر بمعنى سفير. أى: رسول وواسطة، أو هم الملائكة الذين ينسخون ويكتبون هذه الآيات بأمره- تعالى- جمع سافر بمعنى كاتب، يقال: سفر فلان يسفره، إذا كتبه.
كِرامٍ بَرَرَةٍ أى: هذه الآيات بأيدى سفرة من صفاتهم أنهم مكرمون ومعظمون عنده- تعالى-، وأنهم أتقياء مطيعون لله- تعالى- كل الطاعة، جمع برّ، وهو من كان كثير الطاعة والخشوع لله- ...
هذا والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يراها قد اشتملت على كثير من الآداب والأحكام، ومن ذلك: أن شريعة الله- تعالى- تجعل التفاضل بين الناس، أساسه الإيمان والتقوى، فمع أن عبد الله ابن أم مكتوم، كان قد قاطع الرسول ﷺ خلال حديثه مع بعض زعماء قريش.... ومع أن الرسول ﷺ لم يتشاغل عنه إلا لحرصه على جذب هؤلاء الزعماء إلى الإسلام.
مع كل ذلك، وجدنا الآيات الكريمة، تعاتب النبي ﷺ عتابا تارة فيه رقة. وتارة فيه شدة. وذلك لأن الميزان الذي أنزله الله- تعالى- للناس مع الرسل، لكي يبنوا عليه
стр. 6452
حياتهم، هو: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ.
ولقد استجاب الرسول الكريم لهذا التوجيه الحكيم، فبنى حياته كلها بعد ذلك على هذا الميزان العادل، ومن مظاهر ذلك: إكرامه لابن أم مكتوم، وقوله له كلما رآه: «أهلا بمن عاتبني فيه ربي» .
وفعل ﷺ ما يشبه ذلك، مع جميع المؤمنين الصادقين الذين كانوا من فقراء المسلمين، ولم يكونوا أصحاب جاه أو نفوذ أو عشيرة قوية.
لقد جعل زيد بن حارثة- وهو الغريب عن مكة والمدينة- أميرا على الجيش الإسلامى في غزوة مؤتة، وكان في هذا الجيش عدد كبير من كبار الصحابة.
وقال ﷺ في شأن سلمان الفارسي: «سلمان منا أهل البيت» .
وقال ﷺ في شأن عمار بن ياسر، عند ما استأذن عليه في الدخول: «ائذنوا له.
مرحبا بالطيب المطيب» .
وكان من مظاهر تكريمه لعبد الله بن مسعود، أن جعله كأنه واحد من أهل بيته.
فعن أبى موسى الأشعرى قال: قدمت أنا وأخى من اليمن، فمكثنا حينا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله ﷺ من كثرة دخولهم على رسول الله، ولزومهم له ...
وقال ﷺ لأبى بكر الصديق عند ما حدث كلام بينه وبين سلمان وصهيب وبلال في شأن أبى سفيان: يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك.
فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه ... أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟.
فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال: «يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك» فأتاهم فقال: يا إخوتاه أأغضبتكم؟ قالوا: لا. ويغفر الله لك يا أخى ... «١» .
ولقد سار خلفاؤه ﷺ على هذه السنة، فكانوا يكرمون الفقراء، فأبو بكر- رضى الله عنه- أذن لصهيب وبلال في الدخول عليه، قبل أن يأذن لأبى سفيان وسهيل بن عمرو ...
стр. 6453
وعمر- رضى الله عنه- يقول في شأن أبى بكر: «هو سيدنا وأعتق سيدنا» يعنى: بلال ابن رباح ...
قال صاحب الكشاف عند تفسيره، لهذه الآيات: ولقد تأدب الناس بأدب الله في هذا تأدبا حسنا، فقد روى عن سفيان الثوري- ﵀، أن الفقراء كانوا في مجلسه أمراء ... «١» .
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك، إلى الحديث عن جانب من نعم الله- تعالى- على خلقه، وموقفهم من هذه النعم، فقال- تعالى-:
[سورة عبس (٨٠) : الآيات ١٧ الى ٣٢]
قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)
ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦)
فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)
مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢)
قال الإمام الرازي: اعلم أنه- تعالى- لما بدأ بذكر القصة المشتملة على ترفع صناديد قريش على فقراء المسلمين، عجب عباده المؤمنين من ذلك، فكأنه قيل: وأى سبب في هذا العجب والترفع؟ مع أن أوله نطفة قذرة، وآخره جيفة مذرة، وفيما بين الوقتين حمال عذرة.
فلا عجب أن ذكر الله- تعالى- ما يصلح أن يكون علاجا لعجبهم وما يصلح أن يكون علاجا لكفرهم، فإن خلقة الإنسان يستدل بها على وجود الصانع، وعلى القول بالبعث والحشر والنشر ... «٢» .
والمراد بالإنسان هنا: الإنسان الكافر الجاحد لنعم ربه. ومعنى «قتل» : لعن وطرد من
стр. 6454
رحمة الله- تعالى-، ويصح أن يكون المراد به الجنس، ويدخل فيه الكافر دخولا أوليا.
أى: لعن وطرد من رحمة الله- تعالى- ذلك الإنسان الذي ما أشد كفره وجحوده لنعم الله- تعالى-.
والدعاء عليه باللعن من الله- تعالى-، المقصود به: التهديد والتحقير من شأن هذا الإنسان الجاحد، إذ من المعلوم أن الله- سبحانه- هو الذي يتوجه إليه الناس بالدعاء، وليس هو- سبحانه- الذي يدعو على غيره، إذ الدعاء في العادة إنما يكون من العاجز، وجل شأن الله- تعالى- عن العجز.
وجملة «ما أكفره» تعليل لاستحقاق هذا الإنسان الجاحد التحقير والتهديد.
وهذه الآية الكريمة المتأمل فيها يراها- مع بلوغها نهاية الإيجاز- قد بلغت- أيضا- نهاية الإعجاز في أسلوبها، حيث جمعت أشد ألوان الذم والتحقير بأبلغ أسلوب وأوجزه.
ولذا قال صاحب الكشاف: قُتِلَ الْإِنْسانُ دعاء عليه، وهي من أشنع دعواتهم، لأن القتل قصارى شدائد الدنيا وفظائعها ما أَكْفَرَهُ تعجيب من إفراطه في كفران نعمة الله، ولا ترى أسلوبا أغلظ منه، ولا أخشن متنا، ولا أدل على سخط، ولا أبعد في المذمة، مع تقارب طرفيه، ولا أجمع للائمة، على قصر متنه ... «١» .
ثم فصل- سبحانه- جانبا من نعمه، التي تستحق من هذا الإنسان الشكر لا الكفر فقال: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ أى: من أى شيء خلق الله- تعالى- هذا الإنسان الكافر الجحود، حتى يتكبر ويتعظم عن طاعته، وعن الإقرار بتوحيده، وعن الاعتراف بأن هناك بعثا وحسابا وجزاء ... ؟.
ثم وضح- سبحانه- كيفية خلق الإنسان فقال: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ أى: خلق الله- تعالى- الإنسان من نطفة، أى: من ماء قليل يخرج من الرجل إلى رحم المرأة- فَقَدَّرَهُ أى: فأوجد الله- تعالى- الإنسان بعد ذلك إيجادا متقنا محكما، حيث صير بقدرته النطفة علقة فمضغة ... ثم أنشأه خلقا آخر فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ.
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ أى: ثم بعد أن خلقه في أحسن تقويم، ومنحه العقل الذي يتمكن معه من التفكير السليم. يسر- سبحانه- له طريق النظر القويم، الذي يميز به بين الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال.
стр. 6455
قال ابن كثير: قوله: ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ قال العوفى عن ابن عباس: ثم يسر عليه خروجه من بطن أمه. وهكذا قال عكرمة ... واختاره ابن جرير.
وقال مجاهد: هذه الآية كقوله: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ، إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً أى:
بيناه له ووضحناه وسهلنا عليه علمه ... وهذا هو الأرجح ... «١» .
وجاء العطف «بثم» هنا، للإشعار بالتراخى الرتبى، لأن تيسير معرفة طريق الخير والشر، أعجب وأدل على قدرة الله- تعالى- وبديع صنعه من أى شيء آخر.
ولفظ «السبيل» منصوب على الاشتغال بفعل مقدر، أى: ثم يسر السبيل يسره، فالضمير في يسره يعود إلى السبيل. أى: سهل- سبحانه- الطريق للإنسان.
ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ أى: ثم أمات- سبحانه- هذا الإنسان، بأن سلبه الحياة فَأَقْبَرَهُ. أى: فجعله ذا قبر يوارى فيه جسده تكريما له، ولم يتركه مطروحا على وجه الأرض، بحيث يستقذره الناس، ويكون عرضة لاعتداء الطيور والحيوانات عليه.
يقال: قبر فلان الميت يقبره- بكسر الباء وضمها-، إذا دفنه بيده فهو قابر. ويقال:
أقبره، إذا أمر بدفنه، أو مكن غيره من دفنه.
وفي الآية الكريمة إشارة إلى أن مواراة الأجساد في القبور من سنن الإسلام، أما تركها بدون دفن، أو حرقها ... فيتنافى مع تكريم هذه الأجساد.
ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ أى: ثم بعد أن خلق الله هذا الخلق البديع، وهداه النجدين، وأمر بستر جسده في القبر بعد موته ... بعد كل ذلك إذا شاء أحياه بعد الموت، للحساب والجزاء. يقال: أنشر الله- تعالى- الموتى ونشرهم، إذا بعثهم من قبورهم.
وقال- سبحانه- إِذا شاءَ للإشعار بأن هذا البعث إنما هو بإرادته ومشيئته، وفي الوقت الذي يختاره ويريده، مهما تعجله المتعجلون.
ثم زجر- سبحانه- هذا الإنسان زجرا شديدا لتقصيره في أداء حق خالقه، فقال- تعالى-: كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ أى: كلا إن هذا الإنسان الجاحد المغرور ... لم يقض ولم يؤد ما أمره الله- تعالى- به من تكاليف ومن شكر لخالقه، ومن تأمل في آياته، ومن طاعة لرسله ... بل استمر في طغيانه وعناده.
فالمقصود بهذه الآية الكريمة: ردع هذا الإنسان الجاحد وزجره، وبيان أن هذا الردع سببه
стр. 6456
إهماله لحقوق خالقه، وعدم اهتمامه بأدائها.
ثم ساقت الآيات بعد ذلك ألوانا من نعمه- تعالى- على خلقه فقال: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ والفاء هنا للتفريع على ما تقدم، مع إفادتها معنى الفصيحة.
أى: إذا أراد أن يقضى ويؤدى ما أمره الله- تعالى- من تكاليف، فلينظر هذا الإنسان إلى طعامه، وكيف أوجده- سبحانه- له، ورزقه إياه، ومكنه منه ... فإن في هذا النظر والتدبر والتفكر، ما يعينه على طاعة خالقه، وإخلاص العبادة له.
ثم بين- سبحانه- مظاهر تهيئة هذا الطعام للإنسان ... فقال: أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا.
قال الجمل: قرأ الكوفيون أَنَّا بالفتح. على البدل من طعامه، فيكون في محل جر بدل اشتمال، بمعنى أن صب الماء سبب في إخراج الطعام فهو مشتمل عليه.
وقرأ غيرهم بكسر الهمزة على الاستئناف المبين لكيفية إحداث الطعام ... «١» .
والصب: إنزال الماء بقوة وكثرة. أى: إنا أنزلنا المطر من السماء إنزالا مصحوبا بالقوة والكثرة، لحاجتكم الشديدة إليه في حياتكم.
ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا أى: ثم شققنا الأرض بالنبات شقا بديعا حكيما، بحيث تخرج النباتات من باطنها خروجا يبهج النفوس، وتقر به العيون.
فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا أى: فأنبتنا في الأرض حبا كثيرا، تقتاتون منه، وتدخرونه لحين حاجتكم إليه، والحب: يشمل الحنطة والشعير والذرة.
وَعِنَباً وَقَضْباً. وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا. وَحَدائِقَ غُلْباً. وَفاكِهَةً وَأَبًّا أى: وأنبتنا في الأرض- أيضا- بقدرتنا ورحمتنا عِنَباً وهو ثمر الكرم المعروف بلذة طعمه.
وَقَضْباً وهو كل ما يؤكل من النبات رطبا، كالقثاء والخيار ونحوهما، وقيل: هو العلف الرطب الذي تأكله الدواب، وسمى قضبا، لأنه يقضب- أى يقطع- بعد ظهوره مرة بعد أخرى.
وأنبتنا فيها كذلك زَيْتُوناً وَنَخْلًا وهما شجرتان معروفتان بمنافعهما الجمة، وبثمارهما المفيدة.
وَحَدائِقَ غُلْباً والحدائق جمع حديقة وهي البستان المليء بالزروع والثمار.
وغُلْباً جمع غلباء. أى: وأنبتنا في الأرض حدائق عظيمة، ذات أشجار ضخمة، قد
стр. 6457
التف بعضها على بعض لكثرتها وقوتها. فقوله غُلْباً بمعنى عظاما، وأصلها من الغلب بفتحتين-، بمعنى الغلظ، يقال شجرة غلباء، وهضبة غلباء. أى: عظيمة مرتفعة. ويقال: حديقة غلباء، إذا كانت عظيمة الشجر. ويقال: رجل أغلب، إذا كان غليظ الرقبة.
وأنبتنا فيها- أيضا- بقدرتنا وفضلنا فاكِهَةً وَأَبًّا ... والفاكهة: اسم للثمار التي يتناولها الإنسان على سبيل التفكه والتلذذ، مثل الرطب والعنب والتفاح.
والأب: اسم للكلأ الذي ترعاه الأنعام، مأخوذ من أبّ فلان الشيء، إذا قصده واتجه نحوه، لحاجته إليه ... والكلأ والعشب يتجه إليه الإنسان بدوابه للرعي.
قال صاحب الكشاف: والأب: المرعى، لأنه يؤب، أى: يؤم وينتجع.... وعن أبى بكر الصديق- رضى الله عنه- أنه سئل عن الأب فقال: أى سماء تظلني، وأى أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله مالا علم لي به ...
وعن عمر- رضى الله عنه- أنه قرأ هذه الآية فقال: كل هذا قد عرفنا، فما الأب؟ ثم رفع عصا كانت في يده وقال: هذا لعمر الله التكلف، وما عليك يا ابن أم عمر أن لا تدرى ما الأب؟ ثم قال: اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب، وما لا فدعوه.
فإن قلت: فهذا يشبه النهى عن تتبع معاني القرآن والبحث عن مشكلاته؟ قلت: لم يذهب إلى ذلك، ولكن القوم كانت أكبر همتهم عاكفة على العمل، وكان التشاغل بشيء من العلم لا يعمل به تكلفا عندهم، فأراد أن الآية مسوقة في الامتنان على الإنسان بمطعمه، واستدعاء شكره، وقد علم من فحوى الآية، أن الأبّ بعض ما أنبته الله للإنسان متاعا له أو لأنعامه فعليك بما هو أهم، من النهوض بالشكر لله- تعالى- على ما تبين لك أو لم يشكل، مما عدد من نعمه، ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأب، ومعرفة النبات الخاص الذي هو اسم له، واكتف بالمعرفة الجملية، إلى أن يتبين لك في غير هذا الوقت ... «١» .
وقال بعض العلماء: والذي يتبين لي في انتفاء علم الصديق والفاروق بمدلول لفظ الأب، وهما من خلص العرب لأحد سببين:
إما لأن هذا اللفظ كان قد تنوسى من استعمالهم، فأحياه القرآن لرعاية الفاصلة، فإن الكلمة قد تشتهر في بعض القبائل أو في بعض الأزمان وتنسى في بعضها، مثل اسم السكين عند الأوس والخزرج. فقد قال أنس بن مالك: ما كنا نقول إلا المدية، حتى سمعت قول
стр. 6458
الرسول ﷺ يذكر أن سليمان قال: «ائتوني بالسكين أقسم الطفل بينهما نصفين» .
وإما لأن كلمة الأب تطلق على أشياء كثيرة، منها النبت الذي ترعاه الأنعام، ومنها التبن، ومنها يابس الفاكهة، فكان إمساك أبى بكر وعمر عن بيان معناه، لعدم الجزم بما أراد الله منه على التعيين، وهل الأب مما يرجع إلى قوله مَتاعاً لَكُمْ أو إلى قوله وَلِأَنْعامِكُمْ «١» .
ثم ختم- سبحانه- هذه النعم بقوله: مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ، أى: أنبت لكم تلك الزروع والثمار ... لتكون موضع انتفاع لكم ولأنعامكم إلى حين من الزمان.
إذ المتاع: هو ما ينتفع به الإنسان إلى حين ثم ينتهى ويزول، ولفظ «متاعا» منصوب بفعل محذوف، أى: فعل ذلك متاعا لكم، أو متعكم بذلك تمتيعا لكم ولأنعامكم.
أو قوله مَتاعاً لَكُمْ حال من الألفاظ السابقة: العنب والقضب والزيتون والنخل.
أى: حالة كون هذه المذكورات موضع انتفاع لكم ولأنعامكم.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بالحديث عن أحوال الناس في يوم القيامة.
فقال- تعالى-:
[سورة عبس (٨٠) : الآيات ٣٣ الى ٤٢]
فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)
والفاء في قوله- سبحانه- فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها من فنون النعم. وجواب فَإِذا محذوف يدل عليه قوله- تعالى- بعد ذلك:
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، ويصح أن يكون جوابه قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ.
والصاخة: الصيحة الشديدة التي تصخّ الآذان، أى تزلزلها لشدة صوتها، وأصل الصخ:
الصك الشديد، والمراد بها هنا: النفخة الثانية التي بعدها يبعث الناس من قبورهم ...
стр. 6459
أى: فإذا جاءت الصيحة العظيمة التي بعدها يخرج الناس من قبورهم للحساب والجزاء، كان ما كان من سعادة أقوام، ومن شقاء آخرين.
وقوله- سبحانه-: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ بدل مما قبله وهو قوله فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ والفرار: الهروب من أجل التخلص من شيء مخيف.
والمعنى: يوم يقوم الناس من قبورهم للحساب والجزاء يكونون في كرب عظيم، يجعل الواحد منهم، يهرب من أخيه الذي هو من ألصق الناس به، ويهرب كذلك من أمه وأبيه، ومن صاحبته- وهي زوجه- وبنيه الذين هم فرع عنه.
والمراد بفراره منهم: عدم اشتغاله بشيء يتعلق بهم، وعدم التفكير فيهم وفي الالتقاء بهم، لاشتغاله بحال نفسه اشتغالا ينسيه كل شيء سوى التفكير في مصيره ... وذلك لشدة الهول، وعظم الخطب.
وخص- سبحانه- هؤلاء النفر بالذكر، لأنهم أخص القرابات، وأولاهم بالحنو والرأفة، فالفرار منهم لا يكون إلا في أشد حالات الخوف والفزع.
قال صاحب الكشاف: «يفر» منهم لاشتغاله بما هو مدفوع إليه، ولعلمه بأنهم لا يغنون عنه شيئا: وبدأ بالأخ ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه ثم بالصاحبة والبنين، لأنهم أقرب وأحب، كأنه قال: يفر من أخيه، بل من أبويه، بل من صاحبته وبنيه ... «١» .
وجملة: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ مستأنفة. واردة لبيان سبب الفرار.
وللمبالغة في تهويل شأن هذا اليوم.
أى: لكل واحد منهم في هذا اليوم العظيم، شأن وأمر يغنيه ويكفيه عن الاشتغال بأى أمر آخر سواه. يقال: فلان أغنى فلانا عن كذا، إذا جعله في غنية عنه.
وقد ساق ابن كثير- ﵀ عند تفسيره لهذه الآية عددا من الأحاديث، منها ما رواه النسائي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «تحشرون حفاة عراة غرلا» - بضم فسكون- جمع أغرل، وهو الأقلف غير المختون- قال ابن عباس: فقالت زوجته: يا رسول الله، أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: «لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه» . أو قال: «ما أشغله عن النظر» «٢» .
ثم بين- سبحانه أقسام الناس في هذا اليوم فقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ. ضاحِكَةٌ
стр. 6460
مُسْتَبْشِرَةٌ أى: وجوه كثيرة في هذا اليوم تكون مضيئة مشرقة، يعلوها السرور، والاستبشار والانشراح، لما تراه من حسن استقبال الملائكة لهم.
وقوله: وُجُوهٌ مبتدأ وإن كان نكرة، إلا أنه صح الابتداء به لكونه في حيز التنويع ومُسْفِرَةٌ خبره، وقوله يَوْمَئِذٍ متعلق به، والإسفار: النور والضياء.
والمراد أن هذه الوجوه متهللة فرحا، وعليها أثر النعيم.
أما القسم المقابل لهذا القسم، فقد عبر عنه- سبحانه- بقوله: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ أى: عليها غبار، من شدة الهم والكرب والغم الذي يعلوها.
تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أى: تغشاها وتعلوها ظلمة وسواد، وذلة وهوان، من شدة ما أصابها من خزي وخسران. يقال: فلان رهقه الكرب، إذا اعتراه وغشيه.
أُولئِكَ يعنى أصحاب تلك الوجوه التي يعلوها الغبار والسواد هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ أى: الجامعون بين الكفر الذي هو فساد الاعتقاد، وبين الفجور الذي هو فساد القول والفعل.
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا جميعا من أصحاب الوجوه المسفرة، الضاحكة المستبشرة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ...
стр. 6461
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة التكوير
مقدمة وتمهيد
١- سورة «التكوير» ، وتسمى- أيضا- بسورة: «إذا الشمس كورت» ، وهي من السور المكية بلا خلاف، وعدد آياتها: تسع وعشرون آية.
وتعتبر من أوائل السور القرآنية نزولا، فهي السورة السادسة أو السابعة في ترتيب النزول، فقد كان نزولها بعد سورة الفاتحة. وقبل سورة «الأعلى» .
أخرج الإمام أحمد والترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأى العين، فليقرأ «إذا الشمس كورت» ، «وإذا السماء انفطرت» «وإذا السماء انشقت» .
٢- والمتأمل في هذه السورة الكريمة، يراها في نصفها الأول، تسوق أمارات يوم القيامة وعلاماته، بأسلوب مؤثر يبعث في القلوب الخوف والوجل.
ويراها في نصفها الثاني تؤكد أن هذا القرآن الكريم من عند الله- تعالى-، وليس من كلام البشر، وأن جبريل الأمين قد نزل به على قلب النبي ﷺ .
стр. 6462
التفسير قال الله- تعالى-
[سورة التكوير (٨١) : الآيات ١ الى ١٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤)
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤)
تكرر لفظ «إذا» في هذه الآيات اثنتي عشرة مرة، وجواب الشرط قوله: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ. وهذا التكرار بلفظ إذا من مقاصده التشويق للجواب، لأن السامع عند ما يجد هذا الظرف وقد تكرر يكون في ترقب وشوق لمعرفة الجواب.
وعند ما يسمعه يتمكن من نفسه كل التمكن.
ولفظ «الشمس مرفوع على أنه فاعل بفعل محذوف يفسره ما بعده، أى: إذا كورت الشمس كورت. وأصل التكوير: لف الشيء على جهة الاستدارة، تقول: كورت العمامة، إذا لففتها.
قال صاحب الكشاف: في التكوير وجهان: أحدهما: أن يكون من كورت العمامة إذا لففتها. أى: يلف ضوء الشمس لفا فيذهب انبساطه وانتشاره في الآفاق، وهو عبارة عن إزالتها والذهاب بها، لأنها ما دامت باقية، كان ضياؤها منبسطا غير ملفوف.
وثانيهما: أن يكون لفها عبارة عن رفعها وسترها، لأن الثوب إذا أريد رفعه، لف وطوى
стр. 6463
ونحوه قوله- تعالى-: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ «١» .
أى: إذا الشمس أزيل ضوؤها بعد انتشاره وانبساطه، فأصبحت مظلمة بعد أن كانت مضيئة، ومستتره بعد أن كانت بارزة.
وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ أى: تناثرت وتساقطت وانقلبت هيئتها من اللمعان والظهور، إلى الميل نحو الظلام والسواد.
أى: وإذا النجوم تساقطت وانقضت. يقال: انكدر البازي، إذا نزل على فريسته بسرعة، وانكدر الأعداء على القوم إذا جاءوا أرسالا متتابعين فانصبوا عليهم.
ويصح أن يكون المعنى: وإذا النجوم تغيرت وانطمس نورها، وزال لمعانها، من قولهم:
كدرت الماء فانكدر، إذا خلط به ما يجعله مائلا إلى السواد والغبرة.
وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ أى: اقتلعت من أماكنها فسارت في الفضاء بقدرة الله- تعالى-. قال- تعالى- وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً. وقال- سبحانه-: وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً.
وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ والعشار: جمع عشراء كنفساء، وهي الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر. وتسمى بهذا الاسم إلى أن تضع لتمام السنة. والنوق العشار كانت من أثمن الأموال عند العرب، وكانوا يحافظون عليها حتى في أشد حالات الخوف.
ومعنى «عطلت» : أهملت وتركت بدون راع يحميها، أو يلتفت إليها، وهذا تصوير بديع لما يصيب الناس من أهوال، تجعلهم لا يلتفتون إلى أعز أموالهم لديهم.
أى: وإذا النوق العشار- التي هي أغلى الأموال- عطلت، أى تركت دون أن يلتفت إليها أحد. لانشغال كل إنسان بنفسه.
وقيل: المراد بالعشار: السحب المحملة بالأمطار. أى: وإذا السحب الحاملة للأمطار قد عطلت عن نزول المطر منها، وصارت خالية من الماء الذي يحيى الأرض بعد موتها.
قال القرطبي ما ملخصه: وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ أى: النوق الحوامل التي في بطونها أولادها، الواحدة عشراء.. وإنما خصت بالذكر، لأنها أعز ما تكون عند العرب.. وهذا على وجه المثل. لأن في القيامة لا تكون ناقة عشراء، ولكن أراد به المثل، أن هول يوم القيامة، بحال ما لو كان للرجل ناقة عشراء لعطلها واشتغل بنفسه.
стр. 6464
وقيل: العشار: السحاب يعطل مما يكون فيه وهو الماء فلا يمطر، والعرب تشبه السحاب بالحامل.
وقيل: الديار تعطل فلا تسكن ... والأول أشهر، وعليه من الناس الأكثر «١» .
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ أى: وإذا الحيوانات المتوحشة- كالأسد والنمر وغيرهما.
حُشِرَتْ أى: جمعت من أماكنها المتفرقة، وخرجت في ذهول، وتلاقت دون أن يعتدى بعضها على بعض، مخالفة بذلك ما طبعت عليه من النفور والتقاتل.
قال الآلوسى قوله: وَإِذَا الْوُحُوشُ جمع وحش، وهو حيوان البر الذي ليس في طبعه التأنس ببني آدم.. حُشِرَتْ أى: جمعت من كل جانب. وقيل: حشرت. أى:
أميتت.. وقيل: حشرت: بعثت للقصاص، فيحشر كل شيء حتى الذباب.
أخرج مسلم والترمذي عن أبى هريرة في هذه الآية قال: قال رسول الله ﷺ :
لتؤدّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء..» «٢» .
وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ أى: امتلأت وفاض ماؤها واختلط عذبها بملحها، وصارت بحرا واحدا، مأخوذ من قولهم: سجر الحوض، إذا ملأه حتى فاض من جانبيه.
ويصح أن يكون معنى «سجرت» : أحميت بالنار حتى تبخرت مياهها، وظهرت النار في مكانها، من قولهم: سجر فلان التنور، إذا ملأه بالحطب المعد للحرق.
وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ وقوله: زُوِّجَتْ من التزويج وهو جعل الشيء زوجا لغيره، بعد أن كان كلاهما فردا، ويطلق الزوج- أيضا- على الصنف والنوع، كما في قوله- تعالى- وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ.
أى: وإذا النفوس اقترنت كل واحدة منها ببدنها، أو بمن يشبهها، أو بعملها.
قال الفخر الرازي: قوله: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ فيه وجوه: أحدها: قرنت الأرواح بالأجساد.
ثانيها: يصيرون فيها- أى: يوم القيامة- ثلاثة أصناف، كما قال- تعالى- وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً.
стр. 6465
ثالثها: أنه يضم إلى كل صنف من كان في طبقته، فيضم الطائع إلى مثله.. «١» .
ثم قال- تعالى-: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ولفظ «الموءودة» من الوأد، وهو دفن الطفلة حية.
قال صاحب الكشاف وأد يئد مقلوب من آد يؤود: إذا أثقل. قال- تعالى- وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما، لأنه إثقال بالتراب.
فإن قلت: ما حملهم على وأد البنات؟ قلت: الخوف من لحوق العار بهم من أجلهن، أو الخوف من الإملاق.
فإن قلت: فما معنى سؤال الموءودة عن ذنبها الذي قتلت به؟ وهلا سئل الوائد عن موجب قتله لها؟ قلت: سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها، نحو التبكيت- لقوم عيسى- في قوله- تعالى- لعيسى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ «٢» .
أى: وإذا الموءودة سئلت، على سبيل التبكيت والتقريع لمن قتلها، بأى سبب من الأسباب قتلك قاتلك.
ولا شك أنها لم ترتكب ما يوجب قتلها، وإنما القصد من ذلك إلزام قائلها الحجة، حتى يزداد افتضاحا على افتضاحه.
وقد حكى القرآن في كثير من الآيات، ما كان يفعله أهل الجاهلية من قتلهم للبنات، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ. يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ، أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ، أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ «٣» .
ولم يكن الوأد معمولا به عند جميع قبائل العرب، فقريش- مثلا- لم يعرف عنها ذلك وإنما عرف في قبائل ربيعة، وكنده، وتميم. ولكنهم لما كانوا جميعا راضين عن هذا الفعل، جاء الحكم عاما في شأن أهل الجاهلية.
وقوله- سبحانه-: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ أى: بسطت بعد أن كانت مطوية، وهي صحف الأعمال التي سجلتها الملائكة على أصحابها، سواء أكانت تلك الأعمال خيرا أم شرا، فهذه الصحائف تطوى عند الموت، وتنشر يوم القيامة، يوم الحساب والجزاء.
стр. 6466
قال- تعالى-: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً. اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً «١» .
وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ أى: قلعت وأزيلت، وأصل الكشط إزالة جلدة الحيوان عنه.
يقال: كشطت البعير كشطا، إذا نزعت جلده منه. أى: وإذا السماء نزعت وأزيلت، فلم تبق على هيئتها التي كانت عليها، من إظلالها لما تحتها.
وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ أى: أوقدت إيقادا شديدا للكفار، والجحيم هي النار ذات الطبقات المتعددة من الوقود كالحطب وغيره، وتسعيرها: إيقادها بشدة.
وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ أى: قربت وأدنيت من المؤمنين، كما في قوله- تعالى-:
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ. من الزلفى بمعنى القرب، يقال: تزلف فلان إلى فلان، إذا تقرب منه.
وقوله: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ هو جواب الشرط لكل تلك الظروف السابقة. أى: إذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت تبين لكل نفس ما عملته من خير أو شر، ومن حسن أو قبيح.. ورأت ذلك رأى العين، كما قال- تعالى-: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً، وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ...
والمراد بالنفس عموم الأنفس، لأن النكرة في سياق النفي تشمل كل نفس وأسند- سبحانه- الإحضار إلى النفوس، لأنها هي المباشرة لأعمالها في الدنيا، والتي ستجد جزاءها في الآخرة.
وجعلت معرفة النفوس لجزاء أعمالها، حاصلة عند حصول مجموع الشروط التي ذكرت في الجمل الاثنتى عشرة، لأن بعض الأزمان والأحوال التي تضمنتها هذه الشروط مقارن لحصول علم النفوس بأعمالها، كما في الستة الأخيرة، فإنها تكون عند فصل القضاء، وبعضها يحصل قبل ذلك بقليل، كما في الأحوال الستة المذكورة أولا، إلا أنه لما كان بعض هذه الأمور من مبادئ يوم القيامة، وبعضها من روادفه، نسب علمها بذلك إلى زمان وقوع هذه الأمور كلها، تهويلا للخطب، وتفظيعا للأمر. وإشعارا بأن ما يسبق يوم القيامة وما يعقبه، كل ذلك من الأهوال التي يشيب لها الولدان.
وبعد أن ساق- سبحانه- ما ساق من أحوال تدل على شدائد يوم القيامة، أتبع ذلك
стр. 6467
ببيان أن هذا القرآن من عنده- تعالى- وأن الرسول ﷺ صادق فيما يبلغه عن ربه، فقال:
[سورة التكوير (٨١) : الآيات ١٥ الى ٢٩]
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)
ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)
وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)
والفاء في قوله- تعالى-: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ.. للتفريع على ما تقدم من تحقيق وقوع البعث، وهي تعطى- أيضا- معنى الإفصاح، و «لا» مزيدة لتأكيد القسم، وجواب القسم قوله- تعالى- إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ.
وبِالْخُنَّسِ- بزنة ركّع- جمع خانس، والخنوس: الاستخفاء والاستتار، يقال:
خنست الظبية والبقرة، إذا اختفت في بيتها.
والْجَوارِ جمع جارية، وهي التي تجرى بسرعة، من الجري بمعنى الإسراع في السير.
والْكُنَّسِ جمع كانس. يقال: كنس الظبى، إذا دخل كناسه- بكسر الكاف- وهو البيت الذي يتخذه للمبيت، وسمى بذلك لأنه يتخذه من أغصان الأشجار، ويكنس الرمل إليه حتى يكون مختفيا عن الأعين.
وهذه الصفات، المراد بها النجوم، لأنها بالنهار تكون مختفية عن الأنظار، ولا تظهر إلا بالليل، فشبهت بالظباء التي تختفى في بيوتها ولا تظهر إلا في أوقات معينة.
أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن البعث حق ... فأقسم بالنجوم التي تخنس
стр. 6468
بالنهار، أى: يغيب ضوؤها عن العيون بالنهار، ويظهر بالليل، والتي تجرى من مكان إلى آخر بقدرة الله- تعالى- ثم تكنس- أى: تستتر وقت غروبها- كما تتوارى الظباء في كنسها ... إن هذا القرآن لقول رسول كريم.
قال ابن كثير ما ملخصه: قوله- تعالى- فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ:
هي النجوم تخنس بالنهار، وتظهر بالليل، روى ذلك عن على بن أبى طالب وابن عباس ومجاهد.
وقال بعض الأئمة: وإنما قيل للنجوم «الخنس» أى: في حال طلوعها، ثم هي جوار في فلكها، وفي حال غيبوبتها، يقال لها «كنس» ، من قول العرب. أوى الظبى إلى كناسه:
إذا تغيب فيه.
وفي رواية عن ابن عباس: أنها الظباء، وفي أخرى أنها بقر الوحش حين تكنس إلى الظل أو إلى بيوتها.
وتوقف ابن جرير في قوله: بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ هل هي النجوم أو الظباء وبقر الوحش قال: ويحتمل أن يكون الجميع مرادا.. «١» .
وقوله: وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ. وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ معطوف على ما قبله. وداخل في حيز القسم.
وقوله عَسْعَسَ أدبر ظلامه أو أقبل، فهذا اللفظ من الألفاظ التي تستعمل في الشيء وضده، إلا أن المناسب هنا يكون المراد به إقبال الظلام، لمقابلته بالصبح إذا تنفس، أى:
أضاء وأسفر وتبلج.
وقيل: العسعسة: رقة الظلام وذلك في طرفي النهار، فهو من المشترك المعنوي، وليس من الأضداد، أى: أقبل وأدبر معا. أى: وحق النجوم التي تغيب بالنهار، وتجرى في حال استتارها.. وحق الليل إذا أقبل بظلامه، والصبح إذا أقبل بضيائه.
إِنَّهُ أى: القرآن الكريم لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وهو جبريل- ﵇ الذي أرسله ربه إلى نبيه محمد ﷺ لكي يبلغه وحيه- تعالى-.
وأقسم الله- تعالى- بهذه الأشياء، لأنها في حركاتها المختلفة، من ظهور وأفول، ومن إقبال وإدبار.. تدل دلالة ظاهرة على قدرة الله- تعالى-، وعلى بديع صنعه في خلقه.
стр. 6469
ونسب- سبحانه- القول إلى الرسول- وهو جبريل- لأنه هو الواسطة في تبليغ الوحى إلى النبي ﷺ .
ثم وصف- سبحانه- أمين وحيه جبريل بخمس صفات: أولها: قوله كَرِيمٍ أى:
ملك شريف، حسن الخلق، بهى المنظر، ثانيها: ذِي قُوَّةٍ أى: صاحب قوة وبطش.
كما قال- تعالى-: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى.. ثالثها: عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ أى: أن من صفات جبريل- ﵇ أنه ذو مكانة رفيعة، ومنزلة عظيمة عند الله- تعالى-.
رابعها: قوله- تعالى- مُطاعٍ أى يطيعه من معه من الملائكة المقربين.
وخامسها: قوله: - سبحانه- ثَمَّ أَمِينٍ و «ثم» بفتح الثاء- ظرف مكان للبعيد. والعامل ما قبله أو ما بعده، والمعنى: أنه مطاع في السموات عند ذي العرش، أو أمين فيها، أى: يؤدى ما كلفه الله- تعالى- به بدون أية زيادة أو نقص.
قال الشوكانى: ومن قال إن المراد بالرسول محمد ﷺ فالمعنى: أنه ذو قوة على تبليغ الرسالة إلى الأمة، مطاع يطيعه من أطاع الله، أمين على الوحى.
وقوله: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ: الخطاب لأهل مكة، والمراد بصاحبهم رسول الله ﷺ .
والمعنى: وما محمد يا أهل مكة بمجنون، وذكره بوصف الصحبة للإشعار بأنهم عالمون بأمره، وأنه ليس مما يرمونه من الجنون وغيره في شيء، وأنهم افتروا عليه ذلك، عن علم منهم، بأنه أعقل الناس وأكملهم، وهذه الجملة داخلة في جواب القسم.
فأقسم- سبحانه- بأن القرآن نزل به جبريل، وأن محمدا ﷺ ليس كما يقولون من أنه مجنون، وأنه يأتى بالقرآن من جهة نفسه «١» .
فالمقصود بالآية نفى الجنون عن النبي ﷺ بأكمل وجه، وتوبيخ أعدائه الذين اتهموه بتهمة هم أول من يعلم- عن طريق مشاهدتهم لاستقامة تفكيره، وسمو أخلاقه- أنه أكمل الناس عقلا وأقومهم سلوكا.
وقوله- سبحانه-: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ معطوف- أيضا- على قوله- تعالى- قبل ذلك: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ فهو من جملة المقسم عليه.
стр. 6470
والمقصود بهذه الرؤية: رؤية النبي ﷺ لجبريل- ﵇ لأول مرة، على الهيئة التي خلقه الله عليها، عند ما كان الرسول ﷺ يتعبد في غار حراء، وكان ﷺ قد سأل جبريل أن يريه نفسه، على الهيئة التي خلقه الله- تعالى- عليها.
والأفق: هو الفضاء الواسع الذي يبدو للعين ما بين السماء والأرض.
والمبين: وصف للأفق، أى: بالأفق الواضح البين، الذي لا تشتبه معه المرئيات.
والمعنى: وو الله لقد رأى صاحبكم محمد ﷺ جبريل، بصورته التي خلقه الله عليها، بالأفق الواضح البين، الذي لا تلتبس فيه المرئيات، ولا مجال فيه للأوهام والتخيلات.
والمقصود من الآية الكريمة الرد على المشركين الذين كانوا إذا أخبرهم الرسول ﷺ بأنه رأى جبريل. كذبوه واستهزءوا به، وتأكيد أن هذه الرؤية كانت حقيقة واقعة، لا مجال معها للتشكيك أو اللبس.
قال الإمام ابن كثير: وقوله- تعالى- وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ يعنى: ولقد رأى محمد جبريل الذي يأتيه بالرسالة عن الله- وعلى الصورة التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ أى: البين، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء- أى بالمكان المجاور لغار حراء. وهي المذكورة في قوله- تعالى-: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى. ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى.. «١» .
والضمير في قوله- تعالى-: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ يعود إلى الرسول ﷺ المعبر عنه قبل ذلك بِصاحِبِكُمْ.
والغيب: ما غاب عن مدارك الناس وحواسهم، لأن الله- تعالى- قد استأثر بعلمه.
والضنين: هو البخيل بالشيء، مأخوذ من الضن- بالكسر والفتح- بمعنى البخل.
قال الآلوسى: «وما هو» أى: رسول الله ﷺ «على الغيب» أى: على ما يخبر به من الوحى إليه وغيره من الغيوب «بضنين» من الضن- بكسر الضاد وفتحها- بمعنى البخل، أى: ببخيل، أى: لا يبخل بالوحي، ولا يقصر في التعليم والتبليغ، ومنح كل ما هو مستعد له من العلوم، على خلاف الكهنة فإنهم لا يطلعون غيرهم على ما يزعمون معرفته إلا بإعطائهم حلوانا.
стр. 6471
وقرأ ابن كثير والكسائي وأبو عمر بظنين- بالظاء- أى: وما هو على الغيب بمتهم، من الظنة- بالكسر- بمعنى التهمة.
ثم قال: ورجحت هذه القراءة، لأنها أنسب بالمقام، لاتهام الكفرة له ﷺ بذلك، ونفى التهمة، أولى من نفى البخل. «١» .
وهذا القول لا نوافق الآلوسى- ﵀ عليه، لأن القراءة متى ثبتت عن النبي ﷺ لا يجوز التفاضل بينها وبين غيرها التي هي مثلها في الثبوت، والقراءتان هنا سبعيتان، ومن ثم فلا ينبغي التفاضل بينهما. والمعنى عليهما واضح ولا تعارض فيه.
أى: وما محمد ﷺ ببخيل بتبليغ الوحى، بل هو مبلغ له على أكمل وجه وأتمه، وما هو- أيضا- بمتهم فيما يبلغه عن ربه، لأنه ﷺ سيد أهل الصدق والأمانة.
وقوله- سبحانه- وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ معطوف- أيضا- على قوله- تعالى- إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ والضمير هنا يعود على القرآن الكريم.
أى: وليس هذا القرآن الكريم، المنزل على سيدنا محمد ﷺ بقول شيطان مرجوم مسترق للسمع.. وإنما هو كلام الله- تعالى- الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وهذا رد آخر على المشركين الذين زعموا أن القرآن الكريم إنما هو من باب الكهانة، وأن الرسول ﷺ إنما هو كاهن، تلقنه الشياطين هذا القرآن.
وقوله- سبحانه-: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ جملة معترضة بين ما سبقها، وبين قوله- تعالى- بعد ذلك إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ، والمقصود فيها توبيخهم وتعجيزهم عن أن يأتوا ولو بحجة واحدة يدافعون بها عن أنفسهم.
والفاء لتفريع هذا التعجيز والتوبيخ، على الحجج السابقة، المثبتة بأن هذا القرآن من عند الله- تعالى- وليس من عند غيره.
وأين اسم استفهام عن المكان، والاستفهام هنا للتعجيز والتقريع، وهو منصوب بقوله: تَذْهَبُونَ.
أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا لكم، فأى طريق تسلكون أوضح وأبين من هذا الطريق الذي أرشدناكم إليه؟ إنه لا طريق لكم سوى هذا الطريق الذي أرشدناكم إليه.
стр. 6472
قال صاحب الكشاف: قوله: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ استضلال لهم، كما يقال لتارك الجادة اعتسافا أو ذهابا في بنيات الطريق- أى: في الطريق المتشعبة عن الطريق الأصلى- أين تذهب؟ مثلت حالهم في تركهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل «١» .
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ أى: ما هذا القرآن الكريم، إلا تذكير وإرشاد وهدايات للبشر جميعا.
وهذا الذكر العظيم إنما هو لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ أى: هو نافع لمن شاء منكم- أيها الناس- أن يستقيم على طريق الحق، وأن يلزم الرشاد ويترك الضلال.
والجملة الكريمة بدل مما قبلها، للإشعار بأن الذين استجابوا لهدى القرآن قد شاءوا لأنفسهم الهداية والاستقامة.
فالمقصود بهذه الجملة: الثناء عليهم، والتنويه بشأنهم.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة، ببيان أن مشيئته- تعالى- هي النافذة، فقال:
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.
أى: وما تشاءون الاستقامة أو غيرها، إلا إذا شاءها وأرادها الله- تعالى- رب العالمين، إذ مشيئة الله- تعالى- هي النافذة، أما مشيئتكم فلا وزن لها إلا إذا أذنت بها مشيئته- تعالى-.
فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن كل مشيئة لا قيمة لها ولا وزن.. إلا إذا أيدتها مشيئة الله- .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6473
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة الانفطار
مقدمة وتمهيد
١- سورة «الانفطار» من السور المكية الخالصة، وتسمى- أيضا- سورة «إذا السماء انفطرت» ، وسورة «المنفطرة» أى: السماء المنفطرة.
٢- وعدد آياتها: تسع عشرة آية. وهي السورة الثانية والثمانون في ترتيب المصحف، أما ترتيبها في النزول، فكان نزولها بعد سورة (النازعات) ، وقبل سورة (الانشقاق) ، أى أنها السورة الثانية والثمانون- أيضا- في ترتيب النزول.
٣- وقد اشتملت هذه السورة الكريمة على إثبات البعث، وعلى أهوال يوم القيامة، وعلى تنبيه الناس إلى وجوب الاستعداد لهذا اليوم الشديد، وعلى جانب من نعم الله على خلقه، وعلى بيان حسن عاقبة الأبرار، وسوء عاقبة الفجار.
стр. 6474
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ١ الى ١٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)
يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)
وقوله- سبحانه-: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ بيان لما ستكون عليه السماء عند اقتراب قيام الساعة.
ومعنى: انْفَطَرَتْ انشقت، من الفطر- بفتح الفاء- بمعنى الشق، كما قال- تعالى- في أول سورة الانشقاق: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ. يقال: فطرت الشيء فانفطر، أى: شققته فانشق. أى: إذا السماء تصدعت وتشققت في الوقت الذي يريده الله- تعالى- لها أن تكون كذلك.
стр. 6475
وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ أى: وإذا النجوم تهاوت وتساقطت وتفرقت، ويقال: نثرت الشيء على الأرض، إذا ألقيته عليها متفرقا. فانتثار الكواكب معناه: تفرقها عن مواضعها التي كانت فيها.
وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ أى: شققت جوانبها، فزالت الحواجز التي بينها، واختلط بعضها ببعض فصارت جميعها بحرا واحدا، فقوله فُجِّرَتْ مأخوذ من الفجر- بفتح الفاء- وهو شق الشيء شقا واسعا، يقال: فجر الماء فتفجر، إذا شقه شقا واسعا ترتب عليه سيلان الماء بشدة.
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ أى: صار باطنها ظاهرها، وخرج ما فيها من الموتى مسرعين، يقال: بعثر فلان متاعه، إذا فرقه وبدده وقلب بعضه على بعض.
والمراد أن التراب الذي كان فيها يبعثر ويزال، ويخرج الموتى من تلك القبور للحساب والجزاء.
وقوله: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ جواب إِذَا في الآيات الأربع.
أى: إذا تم ذلك، علمت كل نفس ما قدمت من خير أو شر، وما أخرت من سنة حسنة، أو سنة سيئة يعمل بها بعدها.
قال الجمل ما ملخصه: واعلم أن المراد من هذه الآيات أنه إذا وقعت هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة، فهناك يحصل الحشر والنشر، وهي هنا أربعة: اثنان منها يتعلقان بالعلويات، واثنان يتعلقان بالسفليات، والمراد بهذه الآيات: بيان تخريب العالم، وفناء الدنيا، وانقطاع التكاليف ... وإنما كررت إذا لتهويل ما في حيزها من الدواهي.
وجواب إِذَا وما عطف عليها قوله عَلِمَتْ نَفْسٌ أى: علمت كل نفس وقت هذه المذكورات الأربعة ما قَدَّمَتْ من الأعمال وما أخرت منها فلم تعمله.
ومعنى علم النفس بما قدمت وأخرت: العلم التفصيلي. وذلك عند نشر الصحف- كما تقدم في سورة التكوير- أما العلم الإجمالى فيحصل في أول زمن الحشر، لأن المطيع يرى آثار السعادة، والعاصي يرى آثار الشقاوة في أول الأمر، وأما العلم التفصيلي فإنما يحصل عند قراءة الكتب والمحاسبة ... «١» .
وبعد أن أشار- سبحانه- إلى أهوال علامات الساعة التي من شأنها أن تنبه العقول والحواس والمشاعر ... أتبع ذلك بنداء للإنسان فقال- تعالى-:
стр. 6476
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ والغرور: الخداع. يقال: غر فلان فلانا، إذا خدعه وأطمعه بالباطل. والخطاب لجنس الإنسان. وقيل للكافر.
و «ما» استفهامية، والمقصود بالاستفهام: الإنكار والتعجيب من حال هذا الإنسان المخدوع.
أى: يا أيها الإنسان المخلوق بقدرة ربك وحده، أى شيء غرك وخدعك وجعل جانبا من جنسك يكفر بخالقه، ويعبد غيره، وجانبا آخر يعصى ربه، ويقصر في أداء حقوقه؟
قال الإمام ابن كثير: قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ:
هذا تهديد، لا كما يتوهمه بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب، حيث قال:
الْكَرِيمِ، حتى يقول قائلهم: غره كرمه. بل المعنى في الآية: ما غرك يا بن آدم بربك الكريم-، أى: العظيم- حتى أقدمت على معصيته، وقابلته بما لا يليق؟ كما جاء في الحديث: «يقول الله يوم القيامة: يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟» ...
وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس تحته طائل، لأنه إنما أتى باسمه الكريم لينبه على أنه لا ينبغي أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة، وأعمال السوء ... «١» .
والمقصود بالنداء هنا: التنبيه إلى ما سيأتى بعده من توجيهات، وليس المقصود به طلب الإقبال على شيء معين.
وإيثار تعريف الله- تعالى- بصفة الرب، لما في معنى الرب من التربية والرعاية والملكية، والإيجاد من العدم ... ففي هذا الوصف تذكير للإنسان بنعم خالقه الذي أنشأه من العدم، وتعهده بالرعاية والتربية.
وكذلك الوصف بالكريم، فيه- أيضا- تذكير لهذا الإنسان بكرم ربه عليه، إذ مقتضى هذا الكرم منه- تعالى-، أن يقابل المخلوق ذلك بالشكر والطاعة.
وقوله- سبحانه-: الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ. فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ صفات أخرى للرب- الكريم المنان.
والخلق: هو الإيجاد على مقدار معين مقصود. والتسوية: جعل الشيء سويا، أى: قويما سليما خاليا من الاضطراب والاختلال.
وقوله: فَعَدَلَكَ قرأها بعضهم بفتح الدال مع التخفيف، وقرأها آخرون بفتحها مع التشديد، وهما متقاربان، إلا أن التشديد يفيد المبالغة في التعديل، الذي هو جعل البنية
стр. 6477
معتدلة، متناسبة الأعضاء، فالتسوية ترجع إلى عدم النقصان في الأعضاء، والتعديل يرجع إلى عدم التخالف فيها وهذا، باعتبار الأصل في خلق الإنسان، فلا عبرة بوجود ما يخالف ذلك في قلة من أفراد الإنسان.
والمعنى: يا أيها الإنسان، أى شيء خدعك وجرأك على معصية ربك الكريم ... الذي من مظاهر كرمه أنه خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ بأن جعل أعضاءك سوية سليمة. مهيأة لا لاكتساب منافعها على حسب ما تقتضيه حكمة خالقك فَعَدَلَكَ أى: فعدل أعضاءك بأن جعلها متناسقة متوازنة بعضها مع بعض، فلم يجعل- مثلا- إحدى يديك طويلة والأخرى قصيرة. ولم يجعل- مثلا- جانبا من جسدك أبيض، والأخر أسود.
ومن مظاهر قدرته وكرمه- أيضا- أنه- سبحانه- ركبك ووضعك في أى صورة من الصور المتنوعة التي اقتضتها مشيئته وحكمته.
فقوله: فِي أَيِّ صُورَةٍ متعلق بركبك. و «ما» مزيدة، و «شاء» صفة لصورة.
ولم يعطف «ركبك» على ما قبله بالفاء، كما عطف ما قبله بها، لأنه بيان لقوله:
فَعَدَلَكَ. والتقدير: فعدلك بأن ركبك في أى صورة من الصور التي شاءها لك، وهي صورة فيها ما فيها من العجائب والأسرار، فضلا عن أنها أحسن صورة وأكملها، كما قال- تعالى-: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.
فالمقصود من الآيات الكريمة، تذكير الإنسان بفضل ربه- تعالى- عليه، وحضه على طاعته وشكره، وتوبيخه على تقصيره وجحوده، وتهديده بسوء المصير إذا ما استمر في غفلته وغروره.
قال بعض العلماء: إن خلق الإنسان على هذه الصورة الجميلة السوية المعتدلة، الكاملة الشكل والوظيفة. أمر يستحق التدبر الطويل، والشكر العميق. والأدب الجم لربه الكريم الذي أكرمه بهذه الخلقة.
وهناك مؤلفات كاملة في وصف كمال التكوين الإنسان العضوى ودقته وإحكامه.
كاكتمال التكوين الجسدى، والعضلى، والجلدى، والهضمى، والدموي والعظمى، والتنفسى، والتناسلى، والعصبي ... للإنسان.
وإن جزءا من أذن الإنسان «الأذن الوسطى» لهو سلسلة من نحو أربعة آلاف جزئية دقيقة معقدة، متدرجة بنظام بالغ الدقة في الحجم والشكل.
ومركز حاسة الإبصار في العين التي تحتوى على مائة وثلاثين مليونا من مستقبلات الضوء،
стр. 6478
وهي أطراف الأعصاب، ويقوم بحمايتها الجفن ذو الأهداب الذي يقيها ليلا ونهارا ... «١» .
ثم يكشف القرآن بعد ذلك عن علة الغرور والغفلة- وهي التكذيب بيوم الحساب- ويقرر أن كل عمل يعمله الإنسان هو مسجل عليه فيقول: كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ. وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ. كِراماً كاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ.
و «كلا» حرف ردع وزجر، وهي هنا للردع والزجر عن الاغترار بكرم الله- تعالى- وعن جعله ذريعة إلى الكفر والفسوق والعصيان.
وقوله بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ إبطال لوجود ما يدعو إلى غرورهم لو كانوا يعقلون.
أى: كلا ليس هناك شيء يقتضى غروركم بالله- تعالى- ويجرؤكم على عصيانه لو كنتم تتفكرون وتتدبرون ... ولكن تكذيبكم بالبعث والحساب والجزاء هو الذي حملكم على الكفر والفسوق والعصيان.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله كَلَّا ردع عن الاغترار بكرم الله- تعالى- وقوله: بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ إضراب عن جملة مقدرة، ينساق إليها الكلام، كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض، وأنتم لا ترتدعون عن ذلك، بل تجترئون على أعظم منه، حيث تكذبون بالجزاء والبعث رأسا، أو بدين الإسلام، اللذين هما من جملة أحكامه، فلا تصدقون سؤالا ولا جوابا، ولا ثوابا ولا عقابا، وفيه ترق من الأهون إلى الأعظم.
وعن الراغب: «بل» هنا لتصحيح الثاني وإبطال الأول. كأنه قيل: ليس هنا مقتض لغرورهم، ولكن تكذيبهم بالبعث حملهم على ما ارتكبوه.
وقيل تقدير الكلام: كلا إنكم لا تستقيمون على ما توجبه نعمى إليكم، وإرشادى لكم، بل تكذبون بالدين ... «٢» .
وقوله: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ عطف على جملة تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ لتأكيد ثبوت الجزاء على الأعمال، وتسجيل هذه الأعمال تسجيلا تاما.
وقوله لَحافِظِينَ صفة لموصوف محذوف. أى: وإن عليكم لملائكة يحفظون أعمالكم عليكم، ويسجلونها دون أن يضيعوا منها شيئا.
وقوله: كِراماً كاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ صفات أخرى لهؤلاء الملائكة.
стр. 6479
أى: وإن عليكم ملائكة من صفاتهم أنهم يحفظون أعمالكم، ويسجلونها عليكم، وأنهم لهم عند الله- تعالى- الكرامة والمنزلة الحسنة، وأنهم يكتبون أعمالكم كلها، وأنهم يعلمون أفعالكم التي تفعلونها سواء أكانت قليلة أم كثيرة، صغيرة أم كبيرة.
فالمقصود بهذه الآيات الكريمة: بيان أن البعث حق، وأن الحساب حق، وأن الجزاء حق، وأن أعمال الإنسان مسجلة عليه تسجيلا تاما، بواسطة ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
أما كيفية هذه الكتابة من الملائكة لأعمال الإنسان، وعلى أى شيء تكون هذه الكتابة، ومتى تكون هذه الكتابة ... فمن الأمور التي يجب الإيمان بها كما وردت، مع تفويض كنهها وكيفيتها ودقتها إلى الله- تعالى- لأنه لم يرد حديث صحيح عن المعصوم ﷺ يعتمد عليه في بيان ذلك.
ثم بين- سبحانه- النتائج المترتبة على كتابة الملائكة لأفعال الإنسان فقال: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ. وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ. يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ. وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ.
والأبرار: جمع بر- بفتح الباء-، وهو الإنسان التقى الموفى بعهد الله- تعالى-.
والفجار: جمع فاجر، وهو الإنسان الكثير الفجور، أى: الخروج عن طاعة الله- تعالى-. أى: إن المؤمنين الصادقين الذين وفوا بما عاهدوا الله عليه، لفي نعيم دائم، وهناء مقيم، وإن الفجار الذين نقضوا عهودهم مع الله، وفسقوا عن أمره، لفي نار متأججة بعضها فوق بعض، هؤلاء الفجار الذين شقوا عصا الطاعة يَصْلَوْنَها أى: يدخلون الجحيم ويقاسون حرها يَوْمَ الدِّينِ أى: يوم الجزاء والحساب.
وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ أى: وما هم عن النار بمبعدين، بل هم ملازمون لها ملازمة تامة.
ثم فخم- سبحانه- وعظم من شأن يوم الجزاء فقال: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ. ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ.
و «ما» اسم استفهام مبتدأ. وجملة «أدراك» خبره، والكاف مفعول أول.
وجملة ما يَوْمُ الدِّينِ المكونة من مبتدأ وخبر سدت مسد المفعول الثاني لأدراك.
والتكرار للتهويل والتعظيم ليوم الدين، كما في قوله- تعالى- الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ.
أى: وأى شيء أدراك عظم وشدة يوم الحساب والجزاء، ثم أى شيء أدراك بذلك؟
стр. 6480
إننا نحن وحدنا الذين ندرك شدة هوله ... وقد أخبرناك بجانب مما يحدث فيه من شدائد، لتنذر الناس، حتى يستعدوا له بالإيمان والعمل الصالح.
ثم فصل- سبحانه- جانبا من أهواله فقال: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً، وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ. أى: يوم الدين والجزاء هو اليوم الذي لا تملك فيه نفس لغيرها شيئا من النفع. وإنما الذي ينفع فيه هو الإيمان والعمل الصالح، والأمر فيه لله- تعالى- وحده، ولا سلطان ولا تصرف لأحد سواه.
وقوله: يَوْمَ لا تَمْلِكُ ... بيان ليوم الدين. وقد قرأ بعض القراء السبعة يَوْمَ بالنصب على أنه منصوب بفعل محذوف. أى: اذكر يوم لا تملك نفس لنفس شيئا.
وقرأ البعض الآخر بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى: هو يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ... أو على أنه بدل من «يوم الدين» .
وهكذا اختتمت السورة الكريمة كما بدئت بالتهويل من شأن يوم القيامة، ليزداد العقلاء استعدادا له، عن طريق الإيمان والعمل الصالح الذي يرضى الله- تعالى-.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.