يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ والغرور: الخداع. يقال: غر فلان فلانا، إذا خدعه وأطمعه بالباطل. والخطاب لجنس الإنسان. وقيل للكافر.
و «ما» استفهامية، والمقصود بالاستفهام: الإنكار والتعجيب من حال هذا الإنسان المخدوع.
أى: يا أيها الإنسان المخلوق بقدرة ربك وحده، أى شيء غرك وخدعك وجعل جانبا من جنسك يكفر بخالقه، ويعبد غيره، وجانبا آخر يعصى ربه، ويقصر في أداء حقوقه؟
قال الإمام ابن كثير: قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ:
هذا تهديد، لا كما يتوهمه بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب، حيث قال:
الْكَرِيمِ، حتى يقول قائلهم: غره كرمه. بل المعنى في الآية: ما غرك يا بن آدم بربك الكريم-، أى: العظيم- حتى أقدمت على معصيته، وقابلته بما لا يليق؟ كما جاء في الحديث: «يقول الله يوم القيامة: يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟» ...
وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس تحته طائل، لأنه إنما أتى باسمه الكريم لينبه على أنه لا ينبغي أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة، وأعمال السوء ... «١» .
والمقصود بالنداء هنا: التنبيه إلى ما سيأتى بعده من توجيهات، وليس المقصود به طلب الإقبال على شيء معين.
وإيثار تعريف الله- تعالى- بصفة الرب، لما في معنى الرب من التربية والرعاية والملكية، والإيجاد من العدم ... ففي هذا الوصف تذكير للإنسان بنعم خالقه الذي أنشأه من العدم، وتعهده بالرعاية والتربية.
وكذلك الوصف بالكريم، فيه- أيضا- تذكير لهذا الإنسان بكرم ربه عليه، إذ مقتضى هذا الكرم منه- تعالى-، أن يقابل المخلوق ذلك بالشكر والطاعة.
وقوله- سبحانه-: الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ. فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ صفات أخرى للرب- الكريم المنان.
والخلق: هو الإيجاد على مقدار معين مقصود. والتسوية: جعل الشيء سويا، أى: قويما سليما خاليا من الاضطراب والاختلال.
وقوله: فَعَدَلَكَ قرأها بعضهم بفتح الدال مع التخفيف، وقرأها آخرون بفتحها مع التشديد، وهما متقاربان، إلا أن التشديد يفيد المبالغة في التعديل، الذي هو جعل البنية
стр. 6477
معتدلة، متناسبة الأعضاء، فالتسوية ترجع إلى عدم النقصان في الأعضاء، والتعديل يرجع إلى عدم التخالف فيها وهذا، باعتبار الأصل في خلق الإنسان، فلا عبرة بوجود ما يخالف ذلك في قلة من أفراد الإنسان.
والمعنى: يا أيها الإنسان، أى شيء خدعك وجرأك على معصية ربك الكريم ... الذي من مظاهر كرمه أنه خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ بأن جعل أعضاءك سوية سليمة. مهيأة لا لاكتساب منافعها على حسب ما تقتضيه حكمة خالقك فَعَدَلَكَ أى: فعدل أعضاءك بأن جعلها متناسقة متوازنة بعضها مع بعض، فلم يجعل- مثلا- إحدى يديك طويلة والأخرى قصيرة. ولم يجعل- مثلا- جانبا من جسدك أبيض، والأخر أسود.
ومن مظاهر قدرته وكرمه- أيضا- أنه- سبحانه- ركبك ووضعك في أى صورة من الصور المتنوعة التي اقتضتها مشيئته وحكمته.
فقوله: فِي أَيِّ صُورَةٍ متعلق بركبك. و «ما» مزيدة، و «شاء» صفة لصورة.
ولم يعطف «ركبك» على ما قبله بالفاء، كما عطف ما قبله بها، لأنه بيان لقوله:
فَعَدَلَكَ. والتقدير: فعدلك بأن ركبك في أى صورة من الصور التي شاءها لك، وهي صورة فيها ما فيها من العجائب والأسرار، فضلا عن أنها أحسن صورة وأكملها، كما قال- تعالى-: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.
فالمقصود من الآيات الكريمة، تذكير الإنسان بفضل ربه- تعالى- عليه، وحضه على طاعته وشكره، وتوبيخه على تقصيره وجحوده، وتهديده بسوء المصير إذا ما استمر في غفلته وغروره.
قال بعض العلماء: إن خلق الإنسان على هذه الصورة الجميلة السوية المعتدلة، الكاملة الشكل والوظيفة. أمر يستحق التدبر الطويل، والشكر العميق. والأدب الجم لربه الكريم الذي أكرمه بهذه الخلقة.
وهناك مؤلفات كاملة في وصف كمال التكوين الإنسان العضوى ودقته وإحكامه.
كاكتمال التكوين الجسدى، والعضلى، والجلدى، والهضمى، والدموي والعظمى، والتنفسى، والتناسلى، والعصبي ... للإنسان.
وإن جزءا من أذن الإنسان «الأذن الوسطى» لهو سلسلة من نحو أربعة آلاف جزئية دقيقة معقدة، متدرجة بنظام بالغ الدقة في الحجم والشكل.
ومركز حاسة الإبصار في العين التي تحتوى على مائة وثلاثين مليونا من مستقبلات الضوء،
стр. 6478
وهي أطراف الأعصاب، ويقوم بحمايتها الجفن ذو الأهداب الذي يقيها ليلا ونهارا ... «١» .
ثم يكشف القرآن بعد ذلك عن علة الغرور والغفلة- وهي التكذيب بيوم الحساب- ويقرر أن كل عمل يعمله الإنسان هو مسجل عليه فيقول: كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ. وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ. كِراماً كاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ.
و «كلا» حرف ردع وزجر، وهي هنا للردع والزجر عن الاغترار بكرم الله- تعالى- وعن جعله ذريعة إلى الكفر والفسوق والعصيان.
وقوله بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ إبطال لوجود ما يدعو إلى غرورهم لو كانوا يعقلون.
أى: كلا ليس هناك شيء يقتضى غروركم بالله- تعالى- ويجرؤكم على عصيانه لو كنتم تتفكرون وتتدبرون ... ولكن تكذيبكم بالبعث والحساب والجزاء هو الذي حملكم على الكفر والفسوق والعصيان.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله كَلَّا ردع عن الاغترار بكرم الله- تعالى- وقوله: بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ إضراب عن جملة مقدرة، ينساق إليها الكلام، كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض، وأنتم لا ترتدعون عن ذلك، بل تجترئون على أعظم منه، حيث تكذبون بالجزاء والبعث رأسا، أو بدين الإسلام، اللذين هما من جملة أحكامه، فلا تصدقون سؤالا ولا جوابا، ولا ثوابا ولا عقابا، وفيه ترق من الأهون إلى الأعظم.
وعن الراغب: «بل» هنا لتصحيح الثاني وإبطال الأول. كأنه قيل: ليس هنا مقتض لغرورهم، ولكن تكذيبهم بالبعث حملهم على ما ارتكبوه.
وقيل تقدير الكلام: كلا إنكم لا تستقيمون على ما توجبه نعمى إليكم، وإرشادى لكم، بل تكذبون بالدين ... «٢» .
وقوله: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ عطف على جملة تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ لتأكيد ثبوت الجزاء على الأعمال، وتسجيل هذه الأعمال تسجيلا تاما.
وقوله لَحافِظِينَ صفة لموصوف محذوف. أى: وإن عليكم لملائكة يحفظون أعمالكم عليكم، ويسجلونها دون أن يضيعوا منها شيئا.
وقوله: كِراماً كاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ صفات أخرى لهؤلاء الملائكة.
стр. 6479
أى: وإن عليكم ملائكة من صفاتهم أنهم يحفظون أعمالكم، ويسجلونها عليكم، وأنهم لهم عند الله- تعالى- الكرامة والمنزلة الحسنة، وأنهم يكتبون أعمالكم كلها، وأنهم يعلمون أفعالكم التي تفعلونها سواء أكانت قليلة أم كثيرة، صغيرة أم كبيرة.
فالمقصود بهذه الآيات الكريمة: بيان أن البعث حق، وأن الحساب حق، وأن الجزاء حق، وأن أعمال الإنسان مسجلة عليه تسجيلا تاما، بواسطة ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
أما كيفية هذه الكتابة من الملائكة لأعمال الإنسان، وعلى أى شيء تكون هذه الكتابة، ومتى تكون هذه الكتابة ... فمن الأمور التي يجب الإيمان بها كما وردت، مع تفويض كنهها وكيفيتها ودقتها إلى الله- تعالى- لأنه لم يرد حديث صحيح عن المعصوم ﷺ يعتمد عليه في بيان ذلك.
ثم بين- سبحانه- النتائج المترتبة على كتابة الملائكة لأفعال الإنسان فقال: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ. وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ. يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ. وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ.
والأبرار: جمع بر- بفتح الباء-، وهو الإنسان التقى الموفى بعهد الله- تعالى-.
والفجار: جمع فاجر، وهو الإنسان الكثير الفجور، أى: الخروج عن طاعة الله- تعالى-. أى: إن المؤمنين الصادقين الذين وفوا بما عاهدوا الله عليه، لفي نعيم دائم، وهناء مقيم، وإن الفجار الذين نقضوا عهودهم مع الله، وفسقوا عن أمره، لفي نار متأججة بعضها فوق بعض، هؤلاء الفجار الذين شقوا عصا الطاعة يَصْلَوْنَها أى: يدخلون الجحيم ويقاسون حرها يَوْمَ الدِّينِ أى: يوم الجزاء والحساب.
وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ أى: وما هم عن النار بمبعدين، بل هم ملازمون لها ملازمة تامة.
ثم فخم- سبحانه- وعظم من شأن يوم الجزاء فقال: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ. ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ.
و «ما» اسم استفهام مبتدأ. وجملة «أدراك» خبره، والكاف مفعول أول.
وجملة ما يَوْمُ الدِّينِ المكونة من مبتدأ وخبر سدت مسد المفعول الثاني لأدراك.
والتكرار للتهويل والتعظيم ليوم الدين، كما في قوله- تعالى- الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ.
أى: وأى شيء أدراك عظم وشدة يوم الحساب والجزاء، ثم أى شيء أدراك بذلك؟
стр. 6480
إننا نحن وحدنا الذين ندرك شدة هوله ... وقد أخبرناك بجانب مما يحدث فيه من شدائد، لتنذر الناس، حتى يستعدوا له بالإيمان والعمل الصالح.
ثم فصل- سبحانه- جانبا من أهواله فقال: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً، وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ. أى: يوم الدين والجزاء هو اليوم الذي لا تملك فيه نفس لغيرها شيئا من النفع. وإنما الذي ينفع فيه هو الإيمان والعمل الصالح، والأمر فيه لله- تعالى- وحده، ولا سلطان ولا تصرف لأحد سواه.
وقوله: يَوْمَ لا تَمْلِكُ ... بيان ليوم الدين. وقد قرأ بعض القراء السبعة يَوْمَ بالنصب على أنه منصوب بفعل محذوف. أى: اذكر يوم لا تملك نفس لنفس شيئا.
وقرأ البعض الآخر بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى: هو يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ... أو على أنه بدل من «يوم الدين» .
وهكذا اختتمت السورة الكريمة كما بدئت بالتهويل من شأن يوم القيامة، ليزداد العقلاء استعدادا له، عن طريق الإيمان والعمل الصالح الذي يرضى الله- تعالى-.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6481
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة المطففين
مقدمة وتمهيد
١- سورة «المطففين» أو سورة «ويل للمطففين» أو سورة «التطفيف» من السور التي اختلف المفسرون في كونها مكية أو مدنية أو بعضها مكي وبعضها مدني.
فصاحب الكشاف يقول: مكية ... وهي آخر سورة نزلت بمكة.
والإمام ابن كثير يقول: هي مدنية، دون أن يذكر في ذلك خلافا.
والإمام القرطبي يقول: سورة «المطففين» : مكية في قول ابن مسعود والضحاك ومدنية في قول الحسن وعكرمة، وهي ست وثلاثون آية.
قال مقاتل: وهي أول سورة نزلت بالمدينة. وقال ابن عباس وقتادة: هي مدنية إلا ثماني آيات، من قوله- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا إلى آخرها. فإنها مكية. وقال الكلبي وجابر بن زيد: نزلت بين مكة والمدينة.
والإمام الآلوسى يجمع كل هذه الأقوال في تفسيره بشيء من التفصيل دون أن يرجح بينها.
٢- ويبدو لنا أن سورة المطففين من السور المكية، إلا أننا نرجح أنها من آخر ما نزل على الرسول ﷺ من قرآن مكي، وقد ذكرها الإمام السيوطي في كتابه الإتقان، على أنها آخر سورة مكية، نزلت على الرسول ﷺ قبل الهجرة «١» .
ومما يجعلنا نرجح أن سورة المطففين من السور المكية: حديثها الواضح عن الفجار والأبرار.
стр. 6482
وعن يوم القيامة وسوء عاقبة المكذبين به، وعن أقوال المشركين في شأن القرآن الكريم.
وعن الموازنة بين مصير المؤمنين والكافرين، وعن موقف كفار قريش من فقراء المؤمنين.
وهذه الموضوعات نراها من السمات الواضحة للقرآن المكي، وإذا كان القرآن المدني قد تحدث عنها، فبصورة أقل تفصيلا من القرآن المكي.
٣- والسورة الكريمة في مطلعها تهدد الذين ينقصون المكيال والميزان ويبخسون الناس أشياءهم. وتذكرهم بيوم البعث والحساب والجزاء، لعلهم يتوبون إلى خالقهم ويستغفرونه مما فرط منهم.
ثم تسوق موازنة مفصلة بين سوء عاقبة الفجار، وحسن عاقبة الأبرار.
ثم تختتم بذكر ما كان يفعله المشركون مع فقراء المؤمنين، من استهزاء وإيذاء، وبشرت هؤلاء المؤمنين: بأنهم يوم الجزاء والحساب، سيضحكون من الكفار، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا. قال- تعالى-: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ. عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ. هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ.
стр. 6483
التفسير وقد افتتح- سبحانه- هذه السورة الكريمة بقوله:
[سورة المطففين (٨٣) : الآيات ١ الى ١٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤)
لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩)
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)
كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)
الويل: لفظ دال على الهلاك أو الشر، وهو اسم لا فعل له من لفظه ... وقيل: هو اسم واد في جهنم.
والمطففين جمع مطفف، من الطفيف، وهو الشيء التافه الحقير، لأن ما يغتاله المطفف من غيره شيء قليل. والتطفيف: الإنقاص في المكيال أو الميزان عن الحدود المطلوبة.
قال الإمام ابن جرير: وأصل التطفيف، من الشيء الطفيف، وهو القليل النزر.
والمطفف: المقلل صاحب الحق عمّا له من الوفاء والتمام في كيل أو وزن. ومنه قيل للقوم الذين
стр. 6484
يكونون سواء في حسبة أو عدد: هم سواء كطف الصاع. يعنى بذلك كقرب الممتلئ منه ناقص عن الملء.... «١» .
وقوله: اكْتالُوا من الاكتيال وهو افتعال من الكيل. والمراد به: أخذ مالهم من مكيل من غيرهم بحكم الشراء.
ومعنى: كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ: كالوهم أو وزنوا لهم، فحذفت اللام، فتعدى الفعل إلى المفعول، فهو من باب الحذف والإيصال.
فالواوان في «كالوهم أو وزنوهم» يعودان إلى الاسم الموصول في قوله: الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا. والضميران المنفصلان «هم» ، يعودان إلى الناس.
قال صاحب الكشاف: والضمير في «كالوهم أو وزنوهم» ضمير منصوب راجع إلى الناس. وفيه وجهان: أن يراد: كالوا لهم، أو وزنوا لهم فحذف الجار، وأوصل الفعل، كما في قول الشاعر:
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
بمعنى جنيت لك. وأن يكون على حذف مضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، والمضاف هو المكيل أو الموزون ... «٢» .
والمعنى: هلاك شديد، وعذاب أليم، للمطففين، وهم الذين يبخسون حقوق الناس في حالتي الكيل والوزن وما يشبههما، ومن مظاهر ذلك أنهم إذا اشتروا من الناس شيئا حرصوا على أن يأخذوا حقوقهم منهم كاملة غير منقوصة، وإذا باعوا لهم شيئا، عن طريق الكيل أو الوزن أو ما يشبههما يُخْسِرُونَ أى: ينقصون في الكيل أو الوزن.
يقال: خسر فلان الميزان وأخسره، إذا نقصه، ولم يتمه كما يقتضيه العدل والقسط.
وافتتحت السورة الكريمة بلفظ «الويل» للإشعار بالتهديد الشديد، والوعيد الأليم لمن يفعل ذلك. وقوله وَيْلٌ مبتدأ، وهو نكرة، وسوغ الابتداء به كونه دعاء. وخبره «للمطففين» .
وقال- سبحانه- إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ ولم يقل: من الناس. للإشارة إلى ما في عملهم المنكر من الاستيلاء والقهر والظلم.
стр. 6485
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: لما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم، أبدل «على» مكان «من» للدلالة على ذلك.
ويجوز أن يتعلق «على» بيستوفون، ويقدم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية. أى:
يستوفون على الناس خاصة، فأما أنفسهم فيستوفون لها.
وقال الفراء: «من» و «على» يعتقبان في هذا الموضوع، لأنه حق عليه، فإذا قال:
اكتلت عليك، فكأنه قال: أخذت ما عليك. وإذا قال: اكتلت منك، فكقوله: استوفيت منك ... «١» .
والتعبير بقوله: يَسْتَوْفُونَ ويُخْسِرُونَ يدل على حرصهم الشديد فيما يتعلق بحقوقهم. وإهمالهم الشنيع لحقوق غيرهم، إذ استيفاء الشيء، أخذه وافيا تاما، فالسين والتاء فيه للمبالغة.
وأما يُخْسِرُونَ فمعناه إيقاع الخسارة على الغير في حالتي الكيل والوزن وما يشبههما.
ثم أتبع- سبحانه- هذا التهديد للمطففين. بما يجعل الناس يتعجبون من أحوالهم، فقال- تعالى-:
أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ.
والهمزة للاستفهام التعجيبى من أحوالهم، والجملة مستأنفة مسوقة لتفظيع ما فعلوه من بخس الناس أشياءهم. وأدخلت همزة الاستفهام على «لا» النافية لزيادة التوبيخ والإنكار، حتى لكأن سوء عاقبة التطفيف لا تخطر لهم على بال.
والظن هنا مستعمل في معناه الحقيقي، وهو اعتقاد الشيء اعتقادا راجحا.
وقال- سبحانه-: أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ ... ولم يقل: ألا يظنون، لقصد تمييزهم والتشهير بهم، زيادة في ذمهم، وفي تقبيح أفعالهم.
أى: أبلغت الجرأة بهؤلاء المطففين، أنهم صاروا من بلادة الحس، ومن فقدان الشعور، لا يخشون الحساب يوم القيامة، ولا يخافون العذاب الشديد الذي سينزل بهم، يوم يقوم الناس من قبورهم استجابة لأمر رب العالمين، حيث يتلقون جزاءه العادل، وحكمه النافذ.
ووصف- سبحانه- اليوم بالعظم. باعتبار عظم ما يقع فيه من أهوال.
وقوله: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ بدل مما قبله. واللام في قوله لِرَبِ
стр. 6486
للتعليل. أى: يقومون لأجل ربوبيته- تعالى- وتلقى حكمه الذي لا يستطيعون الفرار منه. وفي هذا الوصف ما فيه من استحضار جلاله- وعظمته- سبحانه-.
قال القرطبي: وفي هذا الإنكار والتعجيب، وكلمة الظن. ووصف اليوم بالعظيم، وقيام الناس فيه لله خاضعين، ووصف ذاته برب العالمين، بيان بليغ لعظم الذنب، وتفاقم الإثم في التطفيف، وفيما كان مثل حاله من الحيف وترك القيام بالقسط والعمل على التسوية والعدل، في كل أخذ وإعطاء، بل في كل قول وعمل.. «١» .
هذا، وقد جاء الأمر بإيفاء الكيل والميزان، والنهى عن تطفيفهما، في آيات كثيرة، منها قوله- تعالى-: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ، وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ، وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ «٢» .
ومنها قوله- سبحانه-: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا «٣» .
وقوله- تعالى-: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
«٤» .
قال بعض العلماء ما ملخصه: والتصدي لشأن المطففين بهذا الأسلوب في سورة مكية، أمر يلفت النظر، فالسورة المكية عادة توجه اهتمامها إلى أصول العقائد.
ومن ثم فالتصدى لهذا الأمر بذاته، يدل أولا على أن الإسلام، كان يواجه في البيئة المكية، حالة صارخة من هذا التطفيف يزاولها الكبراء.. الذين يملكون إكراه الناس على ما يريدون فهم «يكتالون على الناس» لا من الناس.. فكأن لهم سلطانا على الناس.
ويدل- ثانيا- على طبيعة هذا الدين، وشمول منهجه للحياة الواقعية، وشئونها العملية، وإقامتها على الأساس الأخلاقى الأصيل في طبيعة هذا المنهج الإلهى القويم.. «٥» .
ثم زجر- سبحانه- هؤلاء الفاسقين عن أمره زجرا شديدا، وتوعدهم بالعذاب الشديد، فقال- تعالى-: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ.
وقوله: كَلَّا حرف ردع وزجر، وما بعده كلام مستأنف، وقد تكرر في الآيات التي
стр. 6487
معنا ثلاث مرات، والمراد به هنا: ردعهم وزجرهم عما كانوا فيه من الشرك، والتطفيف في الكيل والميزان.
والفجار: جمع فاجر، وهو مأخوذ من الفجور، وهو شق الشيء شقا واسعا، وسمى الفجار بذلك مبالغة في هتكهم لحرمات الله، وشقهم لستر الشريعة، بدون خوف أو وجل.
يقال: فجر فلان فجورا فهو فاجر، وهم فجار وفجرة، إذا تجاوزوا كل حد أمر الله- تعالى- بالوقوف عنده. والمراد بالكتاب المكتوب. أى: صحيفة الأعمال.
والسجّين: اختلفوا في معناه على أقوال منها: أنه علم أو وصف لواد في جهنم، صيغ بزنة فعّيل- بكسر الفاء مع تشديد العين المكسورة-، مأخوذ من السّجن بمعنى الحبس. يقال:
سجن الحاكم فلانا يسجنه- بضم الجيم- سجنا، إذا حبسه.
قال ابن كثير: قوله: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ أى: إن مصيرهم ومأواهم لفي سجين، - فعيل من السّجن، وهو الضيق-، كما يقال: فلان فسيق وشريب وخمير وسكير ونحو ذلك، ولهذا عظم أمره فقال: وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ؟ أى: هو أمر عظيم، وسجن مقيم، وعذاب أليم.
ثم قد قال قائلون: هو تحت الأرض السابعة.. وقيل: بئر في جهنم.
والصحيح أن «سجينا» مأخوذ من السّجن، وهو الضيق، فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق، وكل ما تعالى منها اتسع.. ولما كان مصير الفجار إلى جهنم، وهي أسفل سافلين.
قال- سبحانه-: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وهو يجمع الضيق والسفول.. «١» .
أى: كلا، ليس الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون من أنه لا بعث ولا جزاء، بل الحق أن البعث أمر واقع، ماله من دافع، وأن ما عمله هؤلاء الفجار من كفر ومن تطفيف في الكيل والميزان، لمكتوب في صحائف أعمالهم، ومسجل عليهم في ديوان الشر الذي يوصلهم إلى قاع جهنم.
وقوله: وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ تهويل وتفظيع لهذا الشيء الضيق الذي يؤدى إلى القذف بهم في أعماق جهنم.
وقوله: كِتابٌ مَرْقُومٌ خبر لمبتدأ محذوف يعود إلى «كتاب الفجار» والمرقوم:
المكتوب كتابة واضحة بينة تشبه الخط. الظاهر في الثوب المنسوج. يقال: رقم فلان
стр. 6488
الكتاب، إذا جعل له رقما، أى: علامة يعرف بها.
أى: وهو- أى: كتاب الفجار- كتاب بين الكتابة، يفهم صاحبه ما فيه فهما واضحا لا خفاء معه ولا التباس. فقوله: كِتابٌ مَرْقُومٌ بيان وتفسير لكتاب الفجار، وهو ديوان الشر الجامع لأعمالهم السيئة.
ومنهم من جعل قوله- تعالى-: كِتابٌ مَرْقُومٌ ليس تفسيرا لكتاب الفجار، وإنما هو تفسير لقوله سِجِّينٌ.
قال الشوكانى ما ملخصه: وسجين هو ما فسره به- سبحانه- من قوله وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ. كِتابٌ مَرْقُومٌ فأخبر بهذا أنه كتاب مرقوم، أى: مسطور.
ومنهم من جعله بيانا وتفسيرا لكتاب المذكور في قوله إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ على تقدير:
هو كتاب مرقوم، أى: قد بينت حروفه.
والأولى ما ذكرناه أولا، ويكون المعنى: إن كتاب الفجار الذين من جملتهم المطففون..
لفي ذلك الكتاب المدون للقبائح، المختص بالشر، وهو سجين، ثم ذكر ما يدل على تهويله، فقال: وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ ثم بينه بقوله: كِتابٌ مَرْقُومٌ «١» .
وعلى أية حال، فالمقصود بيان المصير السيئ الذي ينتظر هؤلاء الفجار، حيث سجلت عليهم أعمالهم في ديوان الشر الذي يجمع أعمالهم القبيحة، والتي ستؤدى بهم إلى السجن الدائم، وإلى العذاب المقيم.
وقوله- سبحانه-: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وعيد وتهديد لأولئك المنكرين للبعث، والذين من صفاتهم تطفيف الكيل والميزان. أى: هلاك عظيم، وعذاب أليم، وسجن دائم في قاع جهنم، لأولئك المكذبين، للبعث والحساب والجزاء.
ثم فصل- سبحانه- هذا التكذيب فقال: الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ أى:
يكذبون بيوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب.
وَما يُكَذِّبُ بِهِ أى: بيوم الدين إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ أى: وما يكذب بهذا اليوم إلا كل إنسان متجاوز الحدود المشروعة، ومبالغ في ارتكاب الآثام والقبائح.
هذا المكذب بيوم القيامة من صفاته- أيضا- أنه إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
стр. 6489
أى: إذا تقرأ على هذا المكذب آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وصدق رسولنا.. قال هذه الآيات هي من أساطير الأقوام الأولين وترهاتهم وقصصهم المخترعة التي لا أصل لها.
فأنت ترى أن هؤلاء المكذبين، قد وصفهم الله- تعالى- بثلاث صفات هي: الاعتداء على الحق. والمبالغة في ارتكاب الآثام، والجرأة في الافتراء والكذب، حيث وصفوا القرآن بأنه ليس من عند الله- تعالى-.
ثم بين- سبحانه- الأسباب التي حملتهم على أن يقولوا في القرآن ما قالوا، فقال:
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ.
وقوله: رانَ من الرّين- بتشديد الراء مع الفتح- وهو الصدأ الذي يعلو الحديد والمرآة وما يشبههما، يقال: ران ذنب فلان على قلبه- من باب باع- رينا وريونا، إذا غلب عليه وغطاه، وكل ما غلبك فقد ران بك، ومنه قولهم: ران النعاس على فلان، إذا استولى عليه. أى: كلا، ليس الأمر كما زعموا من أن القرآن أساطير الأولين، بل الحق أن الذي حملهم على قولهم هذا، هو الكفر والعناد والجحود.. الذي استولى على قلوبهم في الدنيا فغطاها وطمسها، فصارت لا تميز بين الكلام الحق والكلام الباطل، ولا بين كلام الله- تعالى- وكلام غيره.
وفي الحديث الشريف الذي أخرجه الترمذي عن أبى هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إن العبد إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل قلبه، أى: عاد إليه صفاؤه، وإن زاد- في الذنوب- زادت حتى تعلو قلبه- وذلك هو الران الذي قال الله في شأنه: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ «١» .
وقوله: بَلْ رانَ قرأه الجمهور بإدغام اللام في الراء بعد قلبها راء لتقارب مخرجيهما.
وقرأه عاصم بالوقف الخفيف على لام بل والابتداء بكلمة ران بدون إدغام.
وقوله: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ بيان لسوء مصيرهم يوم القيامة.
وكلا هنا تأكيد لسابقتها لزيادة الردع والزجر، ويصح أن تكون كلا هنا بمعنى حقا.
أى: حقا إن هؤلاء الفجار سيكونون يوم القيامة في حالة احتجاب وامتناع عن رؤية الله- تعالى- وعن رضاه.
قال الآلوسى: «كلا» ردع وزجر عن الكسب الرائن، أو بمعنى حقا «إنهم» . أى:
هؤلاء المكذبين عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ لا يرونه- سبحانه- وهو-
стр. 6490
حاضر ناظر لهم، بخلاف المؤمنين، فالحجاب: مجاز عن عدم الرؤية، لأن المحجوب لا يرى ما حجب، أو الحجب المنع، والكلام على حذف مضاف. أى: عن رؤية ربهم لممنوعون فلا يرونه- سبحانه-.
واحتج مالك- ﵀ بهذه الآية، على رؤية المؤمنين له- تعالى-، من جهة دليل الخطاب، وإلا فلو حجب الكل لما أغنى هذا التخصيص.
وقال الشافعى- ﵀: لما حجب- سبحانه- قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضا.. «١» .
وقوله- سبحانه-: ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ، ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ بيان للون آخر من سوء مصيرهم.
أى: أن هؤلاء المكذبين سيكونون يوم القيامة محجوبين عن رؤية الله- تعالى- لسخطه عليهم، وممنوعين من رحمته، ثم إنهم بعد ذلك لداخلون في أشد طبقات النار حرا.. ثم يقال لهم بواسطة خزنة جهنم على سبيل التقريع والتأنيب، هذا هو العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، وتقولون لمن يحذركم منه: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على أشد ألوان الإهانة لأنها أخبرت أن هؤلاء المكذبين: محجوبون عن ربهم، وأنهم مقاسون حر جهنم، وأنهم لا يقابلون من خزنتها إلا بالتيئيس من الخروج منها، وبالتأنيب والتقريع.
وكعادة القرآن الكريم في قرن الترهيب بالترغيب، والعكس، ساقت السورة الكريمة بعد ذلك، ما أعده- سبحانه- للأبرار من خير وفير، ومن نعيم مقيم، فقال- تعالى-:
[سورة المطففين (٨٣) : الآيات ١٨ الى ٢٨]
كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢)
عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧)
عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)
стр. 6491
وقوله: كَلَّا هنا، تكرير للردع والزجر السابق في قوله- تعالى- قبل ذلك:
إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ، لبيان ما يقابل ذلك من أن كتاب الأبرار في عليين.
ولفظ «عليين» جمع عليّ- بكسر العين وتشديد اللام المكسورة- من العلو. ويرى بعضهم أن هذا اللفظ مفرد، وأنه اسم للديوان الذي تكتب فيه أعمال الأبرار.
قال صاحب الكشاف: وكتاب الأبرار: ما كتب من أعمالهم. وعليون: علم لديوان الخير، الذي دون فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين. منقول من جمع «عليّ» بزنة فعّيل- بكسر الفاء والعين المشددة- من العلو، كسجّين من السجن. سمى بذلك إما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالى الدرجات في الجنة، وإما لأنه مرفوع في السماء السابعة.. تكريما له وتعظيما.. «١» .
أى: حقا إن ما كتبته الملائكة من أعمال صالحة للأتقياء الأبرار، لمثبت في ديوان الخير، الكائن في أعلى مكان وأشرفه.
وقوله- سبحانه-: وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ تفخيم لشأن هذا الديوان، وتنويه عظيم بشرفه.
وقوله: كِتابٌ مَرْقُومٌ تفسير لما كتب لهؤلاء الأبرار من خير وبركة، أى: كتاب الأبرار كتاب واضح بين، يقرؤه أصحابه بسهولة ويسر، فتنشرح صدورهم، وتقر عيونهم.
وقوله- تعالى- يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ صفة أخرى جيء بها على سبيل المدح لهذا المكتوب من الأعمال الصالحة لهؤلاء الأخيار.
أى: كتاب الأبرار، وصحائف أعمالهم، في أسمى مكان وأعلاه، وهو كتاب واضح بين، يقرءونه فيظهر البشر والسرور على وجوههم، وهو فوق ذلك يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ أى:
يطلع عليه الملائكة المقربون من الله- تعالى-، ليكون هذا الاطلاع شهادة لهؤلاء الأبرار، بأنهم محل رضا الله- تعالى- وتكريمه وثوابه.
ثم بين- سبحانه- حالهم في الجنة، بعد بيان ما اشتمل عليه كتابهم من خير وبر فقال- تعالى-: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ أى: لفي نعيم دائم، لا يحول ولا يزول.
عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ والأرائك: جمع أريكة- بزنة سفينة- وهي اسم للسرير
стр. 6492
الذي يكون مفروشا فرشا أنيقا جميلا.
أى: هم في نعيم دائم لا يقادر قدره، وهم- أيضا- يجلسون على السرر المهيأة لجلوسهم تهيئة حسنة، ينظرون إلى كل ما يدخل البهجة والسرور على نفوسهم.
وحذف مفعول «ينظرون» لقصد التعميم، أى: ينظرون إلى كل ما يبهج نفوسهم.
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ أى: تعرف في وجوههم- أيها الناظر إليهم- البهجة والحسن، وصلاح البال، وهناءة العيش.
وإضافة النضرة- وهي الجمال الواضح- إلى النعيم- الذي هو بمعنى التنعم والترفه- من إضافة المسبب إلى السبب. وهذه الجملة الكريمة صفة ثالثة من صفات هؤلاء الأبرار، ثم تأتى الصفة الرابعة المتمثلة في قوله- تعالى-: يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ.
والرحيق: اسم للخمر الطيبة الصافية الخالية من كل ما يكدر أو يذهب العقل.
والمختوم: أى المسدود الذي لم تمسه يد قبل أيدى هؤلاء الأبرار.
وقوله: خِتامُهُ مِسْكٌ صفة ثانية للرحيق. أى: أن هؤلاء الأبرار من صفاتهم- أيضا- أنهم يسقيهم ربهم- بفضله وكرمه- من خمر طيبة بيضاء لذيذة، خالصة من كل كدر.. هذه الخمر مختوم على إنائها بخاتم، بحيث لم تمسها يد قبل أيديهم. وهذه الخمر- أيضا- من صفاتها أن شاربها يجد في نهاية شربها ما يشبه المسك في جودة الرائحة.
وقال الشوكانى: وقوله: خِتامُهُ مِسْكٌ أى: آخر طعمه ريح المسك إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه، وجد ريحه كريح المسك. وقيل: مختوم أوانيه بمسك مكان الطين، وكأنه تمثيل لكمال نفاسته، وطيب رائحته.
والحاصل أن المختوم والختام إما أن يكون من ختام الشيء وهو آخره أو من ختم الشيء وهو جعل الخاتم عليه، كما تختم الأشياء بالطين ونحوه.
وقراءة الجمهور خِتامُهُ وقرأ الكسائي خاتمه والخاتم والختام يتقاربان في المعنى إلا أنا الخاتم الاسم، والختام المصدر.. «١» .
واسم الإشارة في قوله- تعالى-: وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ يعود للرحيق المختوم، الدال على صلاح بالهم، وحسن أحوالهم.
وأصل التنافس: التغالب في الشيء النفيس، وهو الذي تحرص عليه النفوس، بحيث
стр. 6493
يبتغيه ويطلبه كل إنسان لنفسه خاصة. يقال: نفس فلان على فلان بهذا الشيء- كفرح- إذا بخل به عليه. أى: ومن أجل الحصول على ذلك الرحيق المختوم، والنعيم المقيم..
فليرغب الراغبون، وليتسابق المتسابقون، وليتنافس المتنافسون في وجوه الخير. عن طريق المسارعة في تقديم الأعمال التي ترضى الله- تعالى-.
فالمقصود من الآية الكريمة: تحريض الناس وحضهم على تقديم العمل الصالح، الذي يوصلهم يوم القيامة إلى أعلى الدرجات.
وقوله- سبحانه-: وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ. عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ صفة ثالثة من صفات هذا الرحيق.
والمزاج: ما يمزج به الشيء، ويطلق على الممزوج بالشيء- كما هنا- فهو من إطلاق المصدر على المفعول.
والتسنيم: علم لعين في الجنة مسماة بهذا الاسم، وهذا اللفظ مصدر سنمه إذا رفعه. يقال:
سنم فلان الطعام. إذا جعله كهيئة السنام في ارتفاعه.
قالوا: وسميت هذه العين بهذا الاسم، لأنها تنبع من مكان مرتفع، أو لعلو مكانتها.
وقوله: عَيْناً منصوب على المدح.
أى: ومزاج هذا الرحيق وخليطه كائن من ماء لعين في الجنة، مرتفعة المكان والمكانة، هذه العين يشرب منها المقربون إلى الله- تعالى- شرابهم.
قال الآلوسى: والباء في قوله بِهَا إما زائدة. أى يشربها. أو بمعنى من. أى:
يشرب منها، أو على تضمين يشرب معنى يروى. أى: يشرب راوين بها. أى يروى بها المقربون.. «١» .
وإلى هنا نجد أن هذه الآيات الكريمة قد بشرت الأبرار ببشارات متعددة، بشرتهم بأن صحائف أعمالهم في أعلى عليين، وبأنهم في تعميم مقيم، وبأنهم ينظرون إلى كل ما يشرح صدورهم، وبأن الناظر إليهم يرى آثار النعمة والرفاهية على وجوههم، وبأن شرابهم من خمر طيبة لذيذة الطعم والرائحة.
ثم حكى- سبحانه- جانبا من الرذائل التي كان يفعلها المشركون مع المؤمنين، وبشر المؤمنين بأن العاقبة الطيبة ستكون لهم.. فقال- تعالى-:
стр. 6494
[سورة المطففين (٨٣) : الآيات ٢٩ الى ٣٦]
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣)
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات، أن بعض المشركين- كأبى جهل والعاص بن وائل- كانوا يستهزئون من فقراء المسلمين كصهيب وعمار بن ياسر.
وقوله- سبحانه- أَجْرَمُوا من الإجرام، وهو ارتكاب الجرم. ويطلق على الإثم العظيم. والذنب الكبير، والمراد بإجرامهم هنا: كفرهم بالله- تعالى- واستهزاؤهم بالمؤمنين. أى: إن الذين ارتكبوا في دنياهم أقبح الجرائم وأشنعها، وهم زعماء المشركين كانُوا في الدنيا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ أى: كانوا في حياتهم يتهكمون بالمؤمنين، ويسخرون منهم، ويعتبرونهم الأراذل الذين يجب الابتعاد عنهم.
وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ
أى: وإذا مر هؤلاء المجرمون بالمؤمنين سخروا منهم، وتغامزوا فيما بينهم على سبيل الاستهزاء بفقراء المؤمنين.
والتغامز: تفاعل من الغمز، وهو الإشارة بالجفون والحواجب على سبيل الطعن والتهكم.
أى: يغمز أحدهم الآخر لينبه إلى ما عليه فقراء المسلمين من شظف العيش، ومن غير ذلك من الأحوال التي لا يرضاها المشركون لجهلهم وغرورهم وبلادة حسهم.
وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ أى: وإذا رجع هؤلاء المجرمون إلى أهلهم من مجالسهم التي كانوا فيها.. رجعوا متلذذين باستخفافهم بالمؤمنين. والسخرية منهم.
فهم لإيغالهم في الكفر والفسوق والعصيان، لا يكتفون بالغمز واللمز عند ما يرون المؤمنين، بل يجعلونهم عند عودتهم إلى أهليهم، مادة تفكههم وضحكهم.
فقوله: فَكِهِينَ جمع فكه، صفة مشبهة، وهي قراءة حفص عن عاصم.
стр. 6495
وقرأ الجمهور فاكهين اسم فاعل: من فكه- بزنة- فرح- إذا مزح في كلامه ليضحك أو يضحك غيره.
وحذف متعلق «فكهين» للعلم به. أى: رجعوا فكهين بسبب حديثهم عن المؤمنين.
وقوله: وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ أى: أن هؤلاء الذين أجرموا، لا يكتفون بغمز المؤمنين ولمزهم وجعلهم مادة السخرية في أحاديثهم مع أهليهم.
بل إنهم تجاوزوا ذلك، فهم عند ما يرون المؤمنين يقولون عنهم: هؤلاء هم الضالون، لأنهم تركوا دين آبائهم وأجدادهم، ودخلوا في دين آخر.
فمرادهم بالضلال: فساد الرأى. وعدم البقاء على دينهم القديم.
وهكذا الأشرار يرون أن أهل الحق والتقى في ضلال.
وجملة: وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ جملة حالية من الضمير في قالُوا.
أى: قالوا إن هؤلاء المؤمنين لضالون، والحال أن هؤلاء المشركين ما أرسلهم الله- تعالى- ليكونوا وكلاء عنه، حتى يحكموا على هذا الفريق بالضلال. وعلى غيره بالرشاد.
فالمقصود بالآية الكريمة: تأنيب الذين أجرموا وتوبيخهم على تصرفاتهم، لأن الحكم على الغير بالهداية والضلال. هم ليسوا أهلا له إطلاقا لأن الله- تعالى- لم يكلفهم بذلك، وإنما كلفهم باتباع الرسول الذي أرسله- سبحانه- لهدايتهم.
فحكمهم على المؤمنين بالضلال يدل على نهاية الغرور والجهل.
ثم ببشر الله- تعالى- المؤمنين بما سيكونون عليه يوم القيامة من نعيم فقال: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ. عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ.
والفاء في قوله فَالْيَوْمَ للسببية، والمراد باليوم: يوم الجزاء والحساب.
أى: فبسبب استهزاء الذين أجرموا من المؤمنين في الدنيا، كافأ الله- تعالى- المؤمنين على صبرهم، بأن جعلهم يوم القيامة يضحكون من الكفار حين يرونهم أذلاء مهانين، كما كان الكفار يضحكون من المؤمنين في الدنيا.
فالمقصود من الآية الكريمة تسلية المؤمنين، وتبشيرهم بأنهم سيأخذون بثأرهم من المشركين عما قريب.. وأنهم- أى: المؤمنين- سيكونون يوم القيامة على سرر قد فرشت بأجمل الفراش، وأنهم لا ينظرون إلا إلى ما يسرهم ويبهج نفوسهم.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بقوله: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ
стр. 6496
والاستفهام للتقرير. وقوله: ثُوِّبَ من التثويب والإثابة، أى المجازاة.
يقال: ثوب فلان فلانا وأثابه، بمعنى جازاه المجازاة اللائقة به.
والمعنى: لقد جوزي الكفار بالجزاء المناسب لتهكمهم بالمؤمنين في الدنيا، فقد أنزلنا بهم ما يستحقونه من عقاب أليم، جزاء وفاقا.
وجاء الجزاء بأسلوب الاستفهام، لتأكيد هذا الجزاء، حتى لكأن المخاطب هو الذي نطق بهذا الجزاء العادل الذي استحقه الكافرون. ولبيان أن عدالة الله- تعالى- تقتص من المعتدين مهما طالت بهم الحياة.
والتعبير بثوب- مع أنه أكثر ما يستعمل في الخير- إنما هو من باب التهكم بهم، كما في قوله- تعالى-: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ.
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا من عباده المؤمنين الصادقين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6497
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة الانشقاق
مقدمة وتمهيد
١- سورة «الانشقاق» وتسمى سورة «إذا السماء انشقت» من السور المكية، وكان نزولها بعد سورة «الانفطار» ، وقبل سورة «الروم» وعدد آياتها خمس وعشرون آية في المصحف المكي والكوفي. وفي المصحف الشامي والبصري ثلاث وعشرون آية.
٢- والسورة الكريمة ابتدأت بوصف أشراط الساعة. ثم فصلت الحديث عن أحوال السعداء والأشقياء يوم القيامة، وخلال ذلك حرضت المؤمنين على أن يزدادوا من الإيمان والعمل الصالح، وحذرت الكافرين من سوء عاقبة إصرارهم على كفرهم وفسوقهم.
الْواحِدِ الْقَهَّارِ
«١» .
وانشقاق السماء قد ورد في آيات متعددة منها قوله- تعالى-: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ.
وقوله- سبحانه-: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ.
ومعنى «أذنت» : استمعت. يقال: أذن له، بمعنى استمع له بإصغاء تام- وبابه طرب- وفي الحديث الصحيح: «ما أذن الله لشيء إذنه لنبي يتغنى بالقرآن» ، وقال الشاعر:
صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
وجملة «وحقت» معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه. أى: جعلت حقيقة وجديرة بالاستماع والانقياد لما يريده الله- تعالى- منها، من قولهم فلان محقوق بكذا، وحق له أن يفعل كذا، أى: وجب عليه ذلك وجوبا لا انفكاك له عنه.
وجواب الشرط «إذا» وما عطف عليه محذوف، والتقدير: إذا السماء تصدعت واختل نظامها، واستمعت لأمر ربها استماعا تاما، وانقادت لحكمه انقياد العبد لسيده، وجعلت حقيقة وجديرة بالانقياد والاستماع والطاعة في جميع الأحوال.
وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ أى: بسطت وتساوت بحيث صارت في مستوى واحد، بدون ارتفاع في جانب أو انخفاض في آخر، كما قال- تعالى-: لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً.
وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ أى: وطرحت ما بداخلها من أجساد ومن كنوز، ومن غيرهما، وخلت من ذلك خلوا تاما.
وقوله وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ تأكيد لقدرته- تعالى- ونفاذ أمره. أى: واستمعت الأرض كما استمعت السماء لأمر ربها، وحق لها أن تستمع وأن تنقاد لحكمه- تعالى- لأنها خاضعة خضوعا تاما، لقضائه وأمره.
إذا حدث كل ذلك.. قامت الساعة، ووجد كل إنسان جزاءه عند ربه- سبحانه-.
قال صاحب الكشاف: حذف جواب «إذا» ليذهب المقدر كل مذهب. أو اكتفاء بما علم في مثلها من سورتي التكوير والانفطار. وقيل: جوابها ما دل عليه قوله: فَمُلاقِيهِ أى: إذا السماء انشقت لاقى الإنسان كدحه.
стр. 6500
وقوله: وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ أذن له: استمع له.. والمعنى: أنها فعلت في انقيادها لله- تعالى- حين أراد انشقاقها، فعل المطواع الذي إذا ورد عليه الأمر من جهة المطاع أنصت له وأذعن، ولم يأب ولم يمتنع، كقوله- تعالى- أَتَيْنا طائِعِينَ.
«وحقت» هو من قولك: هو محقوق بكذا وحقيق به، يعنى: وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع.. «١» .
وقال الجمل في حاشيته: وقوله وَحُقَّتْ الفاعل في الأصل هو الله- تعالى- أى:
حقّ وأوجب الله عليها سمعه وطاعته.. فعلم من ذلك أن الفاعل محذوف، وأن المفعول هو سمعها وطاعتها له- تعالى- «٢» .
ثم وجه- سبحانه- بعد ذلك نداء للإنسان، دعاه فيه إلى طاعته وإخلاص العبادة له، فقال: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ والمراد بالإنسان هنا: جنسه.
وأصل الكدح في كلام العرب: السعى في سبيل الحصول على الشيء بجد واجتهاد وعناء.
مأخوذ من كدح فلان جلده، إذا خدشه، ومنه قول الشاعر:
وما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت، وأخرى أبتغى العيش أكدح
وقول الآخر:
ومضت بشاشة كل عيش صالح ... وبقيت أكدح للحياة وأنصب
أى: وبقيت أسعى سعيا حثيثا للحياة، وأتعب من أجل الحصول على مطالبي فيها.
والضمير في قوله: فَمُلاقِيهِ يعود إلى الله- تعالى-، ويصح أن يعود للكدح، بمعنى ملاق جزاء هذا الكدح.
والمعنى: يا أيها الإنسان إنك باذل في حياتك جهدا كبيرا من أجل مطالب نفسك.
وإنك بعد هذا الكدح والعناء ... مصيرك في النهاية إلى لقاء ربك، حيث يحاسبك على عملك وكدحك.. فقدم في دنياك الكدح المشروع، والعمل الصالح.
والسعى الحثيث في طاعته- تعالى-، لكي تنال ثواب ربك ورضاه.
قال ابن كثير: وقوله: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً أى: ساع إلى ربك سعيا، وعامل عملا فَمُلاقِيهِ ثم إنك ستلقى ما عملت من خير أو شر.
стр. 6501
ويشهد لذلك ما رواه أبو داود الطيالسي.. عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ :
«قال جبريل: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه» .
ومن الناس من يعيد الضمير على قوله رَبِّكَ أى: فملاق ربك فيجازيك بعملك، ويكافئك على سعيك، وعلى هذا فكلا القولين متلازم. «١» .
ثم فصل- سبحانه- بعد ذلك عاقبة هذا الكدح، والسعى المتواصل..
فقال- تعالى-: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ. فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً. وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً.
والمراد بالكتاب هنا: صحيفة العمل التي سجلت فيها حسنات الإنسان وسيئاته.
والمراد بالحساب اليسير: عرض الأعمال، مع التجاوز عن الهفوات، بفضل الله- تعالى-: أى: الناس جميعا يكدحون في هذه الحياة، ثم يعودون إلى خالقهم للحساب والجزاء، فأما من أعطى كتابه بيمينه، وهم المؤمنون الصادقون، فسوف يحاسب من ربه- تعالى- حسابا يسيرا سهلا، بأن تعرض أعماله على خالقه- تعالى- ثم يكون التجاوز عن المعاصي والثواب على الطاعة، بدون مناقشة أو مطالبة بعذر أو حجة.
ثم ينقلب هذا الإنسان بعد ذلك إلى أهله وعشيرته، مبتهجا مسرورا، بسبب فضل الله- تعالى- عليه، ورحمته به.
وعبر- سبحانه- عن فوز هذا الإنسان، بأنه يؤتى كتابه بيمينه، للإشعار بأنه من أهل السعادة والتقوى، فقد جرت العادة أن اليد اليمنى إنما تتناول بها الأشياء الزكية الحسنة.
والباء في قوله بِيَمِينِهِ للملابسة أو المصاحبة، أو بمعنى في.
قال الآلوسى: والحساب اليسير: هو السهل الذي لا مناقشة فيه. وفسره ﷺ بالعرض وبالنظر في الكتاب، مع التجاوز، أخرج الشيخان عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «ليس أحد يحاسب إلا هلك» . قلت يا رسول الله، جعلني الله فداك، أليس الله- تعالى- يقول فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً، قال:
ذلك العرض يعرضون ومن نوقش الحساب هلك» .
وأخرج الإمام أحمد عن عائشة- أيضا- قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بعض صلاته: «اللهم حاسبني حسابا يسيرا» فلما انصرف قلت له: يا رسول الله،
стр. 6502
ما الحساب اليسير؟ قال: «أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه» . «١» .
ثم بين- سبحانه- حال الأشقياء، بعد بيانه لحال السعداء فقال: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ، فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً. وَيَصْلى سَعِيراً. أى: وأما من أعطى صحيفة أعماله- لسوادها وقبح أعمالها- بشماله من وراء ظهره وهو الكافر- والعياذ بالله- قيل تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل شماله وراء ظهره، على سبيل الإهانة والإذلال له.
فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً أى: فسوف يطلب الهلاك، بأن ينادى عليه بحسرة وندامة ويقول: أيها الموت أقبل فهذا أوانك، لتنقذنى مما أنا فيه من سوء.
وفي طلبه للهلاك، وتفضيله على ما هو فيه، دليل على أن هذا الشقي- والعياذ بالله- قد وصل به الحال السيئ إلى أقصى مداه، حتى لقد أصبح الهلاك نهاية أمانيه، كما قال الشاعر:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا
فالمراد بالدعاء في قوله يَدْعُوا ثُبُوراً النداء. والثبور: الهلاك، بأن يقول:
يا ثبوراه أقبل فهذا أوان إقبالك.
وقوله- تعالى- وَيَصْلى سَعِيراً بيان للعذاب الذي يحل به. أى: ويدخل النار الشديدة الاشتعال فيتقلب فيها، ويقاسى حرها.
وقوله- سبحانه- إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً. إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ تعليل لما أصابه من سوء. أى: إن هذا الشقي كان في الدنيا فرحا بطرا بين أهله، لا يفكر في عاقبة، ولا يعمل حسابا لغير ملذاته وشهواته. وإنه فوق ذلك ظَنَّ أى: أيقن أنه لن يرجع إلى ربه يوم القيامة، ليحاسبه على أعماله، ويجازيه بما يستحقه من جزاء.
قال القرطبي: قوله إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ أى: لن يرجع حيا مبعوثا فيحاسب. ثم يثاب أو يعاقب. يقال: حار فلان يحور إذا رجع، ومنه قول لبيد:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع
فالحور في كلام العرب: الرجوع، ومنه قوله ﷺ «اللهم إنى أعوذ بك من الحور بعد الكور» يعنى: من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة.. «٢» .
стр. 6503
وقوله- سبحانه- بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً إيجاب لما نفاه، وإثبات لما استبعده، وجملة «إن ربه» بمنزلة التعليل لما أفادته بلى من إبطال لما نفاه.
أى: ليس الأمر كما زعم من أنه لن يبعث ولن يرجع إلى ربه ... بل الحق الذي لا يشوبه باطل، أن هذا الشقي سيرجع إلى ربه يوم البعث والنشور، ليجازيه على أعماله، لأنه- سبحانه- كان- وما زال- عليما بأحوال هذا الشقي وغيره، إذ لا يخفى عليه- سبحانه- شيء في الأرض ولا في السماء.
فالمراد بالبصر هنا: العلم التام بأحوال الخلق.
ثم أقسم- سبحانه- ببعض مخلوقاته، على أن مشيئته نافذة، وقضاءه لا يرد، وحكمه لا يتخلف. فقال: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ. وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ. وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ. لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ.
والفاء في قوله فَلا أُقْسِمُ واقعة في جواب شرط مقدر، وهي التي يعبر عنها بالفصيحة، و «لا» مزيدة لتأكيد القسم، وجوابه «لتركبن» .
والشفق: الحمرة التي تظهر في الأفق الغربي بعد غروب الشمس، وهو ضياء من شعاعها، وسمى شفقا لرقته، ومنه الشفقة لرقة القلب.
والوسق: جمع الأشياء، وضم بعضها إلى بعض. يقال: وسق الشيء يسقه- كضرب- إذا جمعه فاجتمع، ومنه قولهم: إبل مستوسقة، أى: مجتمعة، وأمر متسق. أى: مجتمع على ما يسر صاحبه ويرضيه.
واتساق القمر: اجتماع ضيائه ونوره، وهو افتعال من الوسق. وهو الجمع والضم، وذلك يكون في الليلة الرابعة عشرة من الشهر.
أى: أقسم بالحمرة التي تظهر في الأفق الغربي، بعد غروب الشمس، وبالليل وما يضمه تحت جناحه من مخلوقات وعجائب لا يعلمها إلا الله- تعالى- وبالقمر إذا ما اجتمع نوره، واكتمل ضياؤه، وصار بدرا متلألئا.
وفي القسم بهذه الأشياء، دليل واضح على قدرة الله- تعالى- الباهرة، لأن هذه الأشياء تتغير من حال إلى حال، ومن هيئة إلى هيئة.. فالشفق حالة تأتى في أعقاب غروب الشمس، والليل يأتى بعد النهار، والقمر يكتمل بعد نقصان ... وكل هذه الحالات الطارئة، دلائل على قدرة الله- تعالى-.
وقوله- سبحانه- لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ جواب القسم- كما سبق أن أشرنا-.
стр. 6504
والمراد بالركوب: الملاقاة والمعاناة، والخطاب للناس، والطبق جمع طبقة، وهي الشيء المساوى لشيء آخر، والمراد بها هنا: الحالة أو المرتبة، وعن بمعنى بعد.
أى: وحق الشفق، والليل وما وسق، والقمر إذا اتسق.. لتلاقن- أيها الناس- أحوالا بعد أحوال، هي طبقات ومراتب في الشدة، بعضها أصعب من بعض، وهي الموت، وما يكون بعده من حساب وجزاء يوم القيامة.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ خطاب لجنس الإنسان المنادى أولا، باعتبار شموله لأفراده، والمراد بالركوب: الملاقاة، والطبق في الأصل ما طابق غيره مطلقا. وخص في العرف بالحال المطابقة لغيرها.. و «عن» للمجاوزة، أو بمعنى «بعد» . والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة أو حالا من فاعل لتركبن، والظاهر أن «طبقا» منصوب على المفعولية. أى: لتلاقن حالا كائنة بعد حال، كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول.. منها ما هو في الدنيا، ومنها ما هو في الآخرة.
وقرأ الأخوان- حمزة والكسائي- وابن كثير لَتَرْكَبُنَّ- بفتح الباء- على أنه خطاب للإنسان- أيضا-، لكن باعتبار اللفظ، لا باعتبار الشمول.
وأخرج البخاري عن ابن عباس أنه خطاب للنبي ﷺ ، أى: لتركبن- أيها الرسول الكريم- أحوالا شريفة بعد أخرى من مراتب القرب. أو مراتب من الشدة بعد مراتب من الشدة، ثم تكون العاقبة لك.. «١» .
والفاء في قوله- تعالى- بعد ذلك: فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ. لترتيب ما بعدها من الإنكار والتعجيب على ما قبلها، و «ما» للاستفهام الإنكارى. أى: إذا كان الأمر كما وضحنا لك- أيها الرسول الكريم- من أن البعث حق، ومن أن المستحق للعبادة هو الله- تعالى- وحده.. فأى شيء يمنع هؤلاء الكافرين من الإيمان، مع أن كل الدلائل والبراهين تدعوهم إلى الإيمان.
وأى: مانع منعهم من السجود والخضوع لله- تعالى- عند ما يقرأ عليهم القرآن الكريم، الذي أنزلناه عليك لإخراجهم من الظلمات إلى النور.
فالمقصود من الآيتين الكريمتين تعجيب الناس من حال هؤلاء الكافرين الذين قامت أمامهم
стр. 6505
جميع الأدلة على صدق الرسول ﷺ فيما يبلغه عن ربه، ومع ذلك فهم مصرون على كفرهم وجحودهم وعنادهم.
قال الآلوسى: وقد صح عنه ﷺ أنه سجد عند قراءة هذه الآية، فقد أخرج مسلم وأبو داود والترمذي.. عن أبى هريرة قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ وفي اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ.. وهي سنة عند الشافعى، وواجبة عند أبى حنيفة.. «١» .
أما الإمام مالك فالرواية الراجحة في مذهبه، أن هذه الآية ليست من آيات سجود التلاوة.
وقوله- سبحانه-: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ إضراب انتقالي، من التعجيب من عدم إيمانهم مع ظهور كل الأدلة على وجوب الإيمان، إلى الإخبار عنهم بأنهم مستمرون على كفرهم، أى: ليس هناك أى مانع يمنع الكافرين من الإيمان، بعد أن قامت جميع الشواهد على صدق الرسول ﷺ ، بل الحق أن هؤلاء الكافرين إنما استمروا على كفرهم بسبب عنادهم وحسدهم للرسول ﷺ على ما آتاه الله- تعالى- من فضله، وتكذيبهم للحق عنادا وجحودا.
وقوله- سبحانه-: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ كلام معترض بين سابقه ولا حقه، والمقصود به التهديد والوعيد.
ومعنى «يوعون» يضمرون ويخفون ويسرون، وأصل الإيعاء حفظ الأمتعة في الوعاء، يقال: أوعى فلان الزاد والمتاع، إذا جعله في الوعاء، والمراد به هنا: الإضمار والإخفاء، كما في قول الشاعر: والشر أخبث ما أوعيت من زاد.
أى: والله- تعالى- أعلم من كل أحد، بما يضمره هؤلاء الكافرون، وبما يخفونه في صدورهم من تكذيب للحق، ومن جحود للقرآن الكريم، ومن معاداة للمؤمنين.
وقوله: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ تفريع على قوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ.
والتبشير: الإخبار بما يسر، والمراد به هنا التهكم بهم، بدليل توعدهم بالعذاب الأليم.
أى: فبشر- أيها الرسول الكريم- هؤلاء الكافرين المكذبين للحق، بالعذاب الأليم.
والاستثناء في قوله- تعالى-: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ
стр. 6506
مَمْنُونٍ استثناء منقطع. أى: هذا هو حال الكافرين، لكن الذين آمنوا إيمانا حقا، وقدموا في دنياهم الأعمال الصالحة، فلهم في الآخرة أجر غير مقطوع، فقوله مَمْنُونٍ من منّ:
إذا قطع يقال: مننت الحبل إذا قطعته، أو لهم أجر خالص من شوائب الامتنان، وهو أن يعطى الإنسان غيره عطاء، ثم يتباهى عليه به.
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا من عباده المؤمنين الصادقين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6507
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة البروج
مقدمة وتمهيد
١- سورة «البروج» من السور المكية الخالصة، وتسمى سورة «السماء ذات البروج» فقد أخرج الإمام أحمد عن أبى هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في العشاء الآخرة، بالسماء ذات البروج.
وعدد آياتها: اثنتان وعشرون آية. وكان نزولها بعد سورة «والشمس وضحاها» وقبل سورة «والتين والزيتون» .
٢- والسورة الكريمة من أهم مقاصدها: تثبيت المؤمنين، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، عن طريق ذكر جانب مما تحمله المجاهدون من قبلهم، فكأن الله- تعالى- يقول للنبي ﷺ ولأصحابه: اصبروا كما صبر المؤمنون السابقون، واثبتوا كما ثبتوا، فإن العاقبة ستكون لكم.
كما أن السورة الكريمة ساقت الأدلة على وحدانية الله- تعالى- وقدرته، ونفاذ أمره.
قوله- تعالى- أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ أى: ولو كنتم في قصور عظيمة محصنة.
والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهي اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.
وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.
قال القرطبي: قوله: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ: قسم أقسم الله- به.
وفي البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثاني: ذات القصور.. الثالث: ذات الخلق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهي اثنا عشر منزلا.. «١»
وقوله: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ المقصود به: يوم القيامة، لأن الله- تعالى- وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
وقوله: وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قسم ثالث ببعض مخلوقاته- تعالى-. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائي، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.
والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشيء المرئي، أو المشهود عليه بأنه حق.
فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد في ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.
وقد ذكر المفسرون في معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.
قال صاحب الكشاف وقوله: وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ يعنى: وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما في ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيهما، فقيل: الشاهد والمشهود:
محمد ﷺ ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد ﷺ وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم.. «٢» .
стр. 6510
ويبدو لنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر في ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائي لأهواله وعجائبه.
وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد في ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.
وقال- سبحانه- وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.
وقوله- تعالى- قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ جواب القسم بتقدير اللام وقد.
أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.
والأخدود: وهو الحفرة العظيمة المستطيلة في الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.
ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:
ووجه كأن الشمس ألقت رداءها ... عليه، نقى اللون لم يتخدد
وقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله- تعالى-: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.
وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة في الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم في كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله- تعالى- وحده.
وقوله- سبحانه-: النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.
والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.
أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكي يلقوا المؤمنين فيها.
والظرف في قوله- تعالى- إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ متعلق بقوله- تعالى-:
قُتِلَ. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.
فالضمير «هم» يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد في التعذيب حتى لا يتهاونوا في ذلك.
стр. 6511
وعَلى للاستعلاء المجازى، إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإلقاء المؤمنين فيها.
وجملة وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ في موضع الحال من الضمير في قوله:
إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفي منهم، فقوله شُهُودٌ بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا في تعذيب المؤمنين. وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.
قال الآلوسى: وقوله: وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون..
أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال- تعالى-: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
وقيل: «على» بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم ... » «١» .
ثم بين- سبحانه- الأسباب التي حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
والنقمة هنا بمعنى الإنكار والكراهية. يقال: نقم فلان هذا الشيء، - من باب ضرب- إذا كرهه وأنكره.
أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشيء واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله- تعالى- صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذي له ملك جميع ما في السموات والأرض، وهو- سبحانه- على كل شيء شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.
فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشيء إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإيمان في نظرهم جريمة تستحق الإحراق بالنار.
стр. 6512
وهكذا النفوس عند ما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات في نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط- ﵇ أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ.
والاستثناء في قوله: إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ.. استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما في قول القائل:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا، وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ، وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ.
قال الإمام ابن كثير: وقد اختلفوا في أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.
وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخذوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.
ثم ذكر- ﵀ بعد ذلك جملة من الآثار في هذا المعنى فارجع إليها إن شئت. «١»
وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته- تعالى- أن يجعل العاقبة للمتقين.
ثم هدد- سبحانه- كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا في إيذائهم للمؤمنين، فقال- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ، ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ.
وقوله: فَتَنُوا من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته في النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.
أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله- تعالى- من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم في الآخرة عذاب
стр. 6513
جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها في الإحراق.
والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف.
وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.
ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله- تعالى-: ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبي ﷺ .
ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.
وجمع- سبحانه- بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الأعمال الصَّالِحاتِ لَهُمْ أى: عند ربهم جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار ذلِكَ العطاء هو الْفَوْزُ الْكَبِيرُ الذي لا فوز يضارعه أو يقاربه.
ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ.
والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك- أيها الرسول الكريم- بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ أى: إنه وحده هو الذي يخلق الخلق أولا في الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو- سبحانه- وحده الذي يبدئ البطش بالكفار في الدنيا ثم يعيده عليهم في الآخرة بصورة أشد وأبقى.
وحذف- سبحانه- المفعول في الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.
وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ أى: وهو- سبحانه- الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.
стр. 6514
ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ أى: وهو- صاحب العرش العظيم، الذي لا يعرف كنهه إلا هو- سبحانه-، وهو الْمَجِيدُ أى: العظيم في ذاته وصفاته.
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ أى: وهو- تعالى- الذي يفعل كل شيء يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.
وجاءت كلمة «فعال» بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله- مع كثرته- هو في غاية النفاذ والسرعة، كما قال- تعالى-: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.
ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ.
والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التي عتت عن أمر ربها، فأخذها- سبحانه- أخذ عزيز مقتدر، وقوله: فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ بدل من الجنود.
والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغي على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك- أيها الرسول الكريم- حديث فرعون الذي طغى وبغى، واتبعه قومه في طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح- ﵇ وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التي نهاهم عن أن يمسوها بسوء.
وكيف أنه- سبحانه- قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.
وخص- سبحانه- جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.
وقوله- سبحانه-: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ. وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ إضراب انتقالي، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبي ﷺ لم يتعظوا بمن سبقهم.
أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك- أيها الرسول- لم يعتبروا بهم، بل استمروا في تكذيبهم لك، وفي إعراضهم عنك.. واعلم أن الله- تعالى- محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه في الوقت الذي يريده.
وقوله- تعالى- بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ إضراب انتقالي آخر، من
стр. 6515
بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان أن القرآن الكريم هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون في القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله- تعالى- البالغ النهاية في الشرف والرفعة والعظمة.
وأنه كائن في لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن في لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه- تعالى-، لأنه من أمر الغيب الذي تفرد الله- تعالى- بعلمه.. وما قيل في وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.