← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

وعَلى للاستعلاء المجازى، إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإلقاء المؤمنين فيها. وجملة وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ في موضع الحال من الضمير في قوله: إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفي منهم، فقوله شُهُودٌ بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا في تعذيب المؤمنين. وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة. قال الآلوسى: وقوله: وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال- تعالى-: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وقيل: «على» بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم ... » «١» . ثم بين- سبحانه- الأسباب التي حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. والنقمة هنا بمعنى الإنكار والكراهية. يقال: نقم فلان هذا الشيء، - من باب ضرب- إذا كرهه وأنكره. أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشيء واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله- تعالى- صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذي له ملك جميع ما في السموات والأرض، وهو- سبحانه- على كل شيء شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم. فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشيء إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإيمان في نظرهم جريمة تستحق الإحراق بالنار.

стр. 6512

وهكذا النفوس عند ما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات في نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط- ﵇ أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ. والاستثناء في قوله: إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ.. استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما في قول القائل: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا، وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ، وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ. قال الإمام ابن كثير: وقد اختلفوا في أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم. وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخذوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها. ثم ذكر- ﵀ بعد ذلك جملة من الآثار في هذا المعنى فارجع إليها إن شئت. «١» وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته- تعالى- أن يجعل العاقبة للمتقين. ثم هدد- سبحانه- كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا في إيذائهم للمؤمنين، فقال- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ، ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ. وقوله: فَتَنُوا من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته في النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار. أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله- تعالى- من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم في الآخرة عذاب

стр. 6513

جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها في الإحراق. والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية. ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله- تعالى-: ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبي ﷺ . ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا. وجمع- سبحانه- بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم. ثم بين- سبحانه- بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الأعمال الصَّالِحاتِ لَهُمْ أى: عند ربهم جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار ذلِكَ العطاء هو الْفَوْزُ الْكَبِيرُ الذي لا فوز يضارعه أو يقاربه. ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ. والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك- أيها الرسول الكريم- بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم. إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ أى: إنه وحده هو الذي يخلق الخلق أولا في الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو- سبحانه- وحده الذي يبدئ البطش بالكفار في الدنيا ثم يعيده عليهم في الآخرة بصورة أشد وأبقى. وحذف- سبحانه- المفعول في الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما. وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ أى: وهو- سبحانه- الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.

стр. 6514

ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ أى: وهو- صاحب العرش العظيم، الذي لا يعرف كنهه إلا هو- سبحانه-، وهو الْمَجِيدُ أى: العظيم في ذاته وصفاته. فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ أى: وهو- تعالى- الذي يفعل كل شيء يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع. وجاءت كلمة «فعال» بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله- مع كثرته- هو في غاية النفاذ والسرعة، كما قال- تعالى-: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه. ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ. والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التي عتت عن أمر ربها، فأخذها- سبحانه- أخذ عزيز مقتدر، وقوله: فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ بدل من الجنود. والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغي على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك- أيها الرسول الكريم- حديث فرعون الذي طغى وبغى، واتبعه قومه في طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح- ﵇ وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التي نهاهم عن أن يمسوها بسوء. وكيف أنه- سبحانه- قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم. وخص- سبحانه- جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم. وقوله- سبحانه-: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ. وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ إضراب انتقالي، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبي ﷺ لم يتعظوا بمن سبقهم. أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك- أيها الرسول- لم يعتبروا بهم، بل استمروا في تكذيبهم لك، وفي إعراضهم عنك.. واعلم أن الله- تعالى- محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه في الوقت الذي يريده. وقوله- تعالى- بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ إضراب انتقالي آخر، من

стр. 6515

بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان أن القرآن الكريم هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون في القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله- تعالى- البالغ النهاية في الشرف والرفعة والعظمة. وأنه كائن في لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن في لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه- تعالى-، لأنه من أمر الغيب الذي تفرد الله- تعالى- بعلمه.. وما قيل في وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 6516

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة الطارق مقدمة وتمهيد ١- سورة «الطارق» من السور المكية، وعدد آياتها سبع عشرة آية، وكان نزولها بعد سورة «البلد» وقبل سورة «القمر» وهي السورة السادسة والثلاثون، في ترتيب النزول، أما في المصحف، فهي السورة السادسة والثمانون. وكان النبي ﷺ يقرأ بها كثيرا، فقد أخرج الإمام أحمد عن أبى هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في العشاء الآخرة «بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق» . وأخرج- أيضا- عن خالد بن أبى جبل العدواني: أنه أبصر رسول الله ﷺ في مشرق- بضم الميم- ثقيف. - أى في سوق ثقيف- وهو قائم على قوس أو عصى. حين أتاهم يبتغى عندهم النصر. فسمعته يقول: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ حتى ختمها. قال: فوعيتها في الجاهلية ثم قرأتها في الإسلام. قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم. فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا لو كنا نعلم أن ما يقول حقا لا تبعناه. «١» . ٢- والسورة الكريمة من مقاصدها: إقامة الأدلة على وحدانية الله- تعالى-، وعلى كمال قدرته، وبليغ حكمته، وسعة علمه، وإثبات أن هذا القرآن من عنده- تعالى-، وأن العاقبة للمتقين.

стр. 6517

التفسير قال الله- تعالى-: [سورة الطارق (٨٦) : الآيات ١ الى ١٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧) والطارق: اسم فاعل من الطروق. والمراد به هنا: النجم الذي يظهر ليلا في السماء. قال القرطبي ما ملخصه: الطارق: النجم، اسم جنس سمى بذلك لأنه يطرق ليلا، ومنه الحديث: نهى النبي ﷺ أن يطرق المسافر أهله ليلا.. والعرب تسمى كل قاصد في الليل طارقا. يقال: طرق فلان، إذا جاء ليلا.. وأصل الطرق: الدق، ومنه سميت المطرقة، فسمى قاصد الليل طارقا، لاحتياجه في الوصول إلى الدق. وفي الحديث: «أعوذ بك من طوارق الليل والنهار، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن..» «١» . وقوله- تعالى-: وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ تنويه بشأنه إثر تفخيمه بالإقسام به، فالاستفهام مستعمل في تعظيم أمره.

стр. 6518

وقد جاء التعبير بقوله- تعالى-: وَما أَدْراكَ ... ثلاث عشرة مرة في القرآن الكريم، كلها جاء الخبر بعدها- كما هنا-، وكما في قوله- تعالى- وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ. لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ وكما في قوله- سبحانه-: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ. ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ. يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً.. إلا واحدة لم يأت الخبر بعدها، وهي قوله- تعالى-: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ ... أما التعبير بقوله- تعالى-: وَما يُدْرِيكَ.. فقد جاء ثلاث مرات، ولم يأت الخبر بعد واحدة من هذه المرات. قال- تعالى-: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً. وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ، وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. قال القرطبي: قال سفيان: كل ما في القرآن وما أدراك فقد أخبر به، وكل شيء قال فيه: وما يدريك، لم يخبر به. وقوله النَّجْمُ الثَّاقِبُ بيان وتفسير للطارق، والثاقب. أى: المضيء الذي يثقب الظلام ويخرقه بنوره فينفذ فيه، ويبدده. والجملة الكريمة مستأنفة، وهي جواب عن سؤال مقدر نشأ مما قبله، كأنه قيل: وما هو الطارق؟ فكان الجواب: هو النجم الثاقب. وقوله- سبحانه-: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ جواب القسم وما بينهما كلام معترض لتفخيم شأن المقسم به.. والحافظ: هو الذي يحفظ ما كلف بحفظه، لمقصد معين. أى: وحق السماء البديعة الصنع، وحق النجم الذي يطلع فيها فيبدد ظلام الليل، ما كل نفس من الأنفس إلا وعليها من الملائكة من يحفظ عملها ويسجله، سواء أكان هذا العمل خيرا أم شرا. قال الإمام الشوكانى ما ملخصه: قرأ الجمهور بتخفيف الميم في قوله: لما، فتكون «إن» مخففة من الثقيلة، فيها ضمير الشأن المقدر، وهو اسمها، واللام هي الفارقة- بين «إن» النافية، و «إن» المخففة من الثقيلة- وما مزيدة. أى: إن الشأن كل نفس لعليها حافظ. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد الميم في قوله لَمَّا، فتكون «إن» نافية، و «لما» بمعنى إلا. أى: ما كل نفس إلا عليها حافظ. والحافظ: هم الحفظة من الملائكة الذين يحفظون عليها عملها وقولها وفعلها. وقيل: الحافظ هو الله- تعالى- وقيل: هو العقل يرشدهم إلى المصالح.

стр. 6519

والأول أولى لقوله- تعالى-: وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً وقوله: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ. وحفظ الملائكة إنما هو من حفظه- تعالى-، لأنهم لا يحفظون إلا بأمره- «١» . والمقصود من الآية الكريمة: تحقيق تسجيل أعمال الإنسان عليه، وأنه سيحاسب عليها وسيجازى عليها بما يستحقه من ثواب أو عقاب. وبعد أن بين- سبحانه- أن كل نفس عليها حافظ يسجل عليها أعمالها، أتبع ذلك بأمر الإنسان بالتفكر فيما ينفعه، بأن يعتبر بأول نشأته، وليعلم أن من خلقه من ماء مهين، قادر على إعادته إلى الحياة مرة أخرى، فقال- تعالى-: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ. يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ ... والفاء في قوله فَلْيَنْظُرِ ... للتفريع على ما تقدم، وهي بمعنى الفصيحة، وقوله: خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ جواب الاستفهام في قوله- سبحانه- مِمَّ خُلِقَ والمقصود بالاستفهام هنا: الحث والحض على التفكر والتدبر. و «دافق» اسم فاعل من الدفق، وهو الصب للشيء بقوة وسرعة، يقال: تدفق الماء إذا سال باندفاع وسرعة. والمراد به هنا: الماء الذي يخرج من الرجل ويصب في رحم المرأة. والصلب: يطلق على فقار الظهر بالنسبة للرجل، والترائب: جمع تريبة، وهي العظام التي تكون في أعلى صدر المرأة، ويعبرون عنها بقولهم موضع القلادة من المرأة. أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم- أيها الناس-، من أن كل نفس عليها حافظ يسجل عليها أقوالها وأفعالها.. فلينظر الإنسان منكم نظر تأمل وتدبر واعتبار، وليسأل نفسه من أى شيء خلق؟ لقد خلقه الله- تعالى- بقدرته، من ماء متدفق، يخرج بقوة وسرعة من الرجل، ليصب في رحم الأنثى. وهذا الماء الدافق من صفاته أنه يخرج من بين صلب الرجل، ومن بين ترائب المرأة، حيث يختلط الماءان، ويتكون منهما الإنسان في مراحله المختلفة بقدرة الله- تعالى-. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما وجه اتصال قوله: فَلْيَنْظُرِ بما قبله؟. قلت: وجه اتصاله به أنه لما ذكر أن على كل نفس حافظا، أتبعه بتوصية الإنسان بالنظر

стр. 6520

في أول أمره. ونشأته الأولى، حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء، ولا يملى على حافظه إلا ما يسره في عاقبته. «مم خلق» استفهام جوابه: «خلق من ماء دافق» ، والدفق: صبّ فيه دفع. ومعنى «دافق» النسبة إلى الدفق الذي هو مصدر دفق، كاللابن والتامر. أو الإسناد المجازى، والدفق في الحقيقة لصاحبه. ولم يقل ماءين لامتزاجهما في الرحم، واتحادهما حين ابتدئ في خلقه ... «١» . وقال بعض العلماء: قوله: خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ أى: من ماء ذي دفق.. وكل من منى الرجل. ومنى المرأة، اللذين يتخلق منهما الجنين، ذو دفق في الرحم. يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ أى: يخرج هذا الماء الدافق، من بين صلب كل واحد منهما، وترائب كل منهما. أى: أن أعضاء وقوى كل منهما، تتعاون في تكوين ما هو مبدأ لتوالد الإنسان: ماء الرجل وهو المنى، ومادة المرأة وهي البويضة المصحوبة بالسائل، المنصبان بدفع وسيلان سريع إلى الرحم عند الاتصال الجنسي. ويسمى الفقهاء هذه المادة منيا وماء.. «٢» . وقال فضيلة الشيخ ابن عاشور: وأطنب- سبحانه- في وصف هذا الماء الدافق، لإدماج التعليم والعبرة بدقائق التكوين، ليستيقظ الجاهل الكافر، ويزداد المؤمن علما ويقينا. ووصف بأنه يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ، لأن الناس لا يتفطنون لذلك.. وهذا من الإعجاز العلمي في القرآن، الذي لم يكن علم به للذين نزل بينهم، وهو إشارة مجملة، وقد بينها حديث مسلم عن أم سلمة وعائشة: أن رسول الله ﷺ سئل عن احتلام المرأة فقال: «تغتسل إذا أبصرت الماء. فقيل له: أترى المرأة ذلك؟ فقال: وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك، إذا علا ماء المرأة ماء الرجل، أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها، أشبه أعمامه» «٣» . وقال صاحب الظلال: ولقد كان هذا سرا مكنونا في علم الله لا يعلمه البشر، حتى كان نصف القرن الأخير، حيث اطلع العلم الحديث على هذه الحقيقة بطريقته، وعرف أنه في عظام الظهر الفقارية، يتكون ماء الرجل. وفي عظام الصدر العلوية يتكون ماء المرأة، حيث

стр. 6521

يلتقيان في قرار مكين. فينشأ منهما الإنسان.. «١» . وقوله- سبحانه-: إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ. يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ، فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ. بيان لكمال قدرته- تعالى- وأنه كما أنشأ الإنسان من ماء مهين، قادر على إعادته إلى الحياة بعد موته. والضمير في قوله: إِنَّهُ يعود إلى الله- لأن الخالق للإنسان من ماء دافق هو الله- تعالى-. والضمير في قوله «رجعه» يعود إلى الإنسان المخلوق. وقوله: تُبْلَى من البلاء بمعنى الاختبار والامتحان، ومنه قوله- تعالى- إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ والمراد بقوله تُبْلَى هنا: الكشف والظهور. والسَّرائِرُ جمع سريرة، وهي ما أسره الإنسان من أقوال وأفعال، والظرف «يوم» متعلق بقوله: رَجْعِهِ. أى: إن الله- تعالى- الذي قدر على خلق الإنسان من ماء دافق. يخرج من بين الصلب والترائب.. لقادر- أيضا- على إعادة خلق هذا الإنسان بعد موته، وعلى بعثه من قبره للحساب والجزاء، يوم القيامة، يوم تكشف المكنونات، وتبدو ظاهرة للعيان، وترفع الحجب عما كان يخفيه الإنسان في دنياه من عقائد ونيات وغيرهما. وفي هذا اليوم لا يكون للإنسان من قوة تحميه من الحساب والجزاء، ولا يكون له من ناصر ينصره من بأس الله- تعالى- أو من مدافع يدافع عنه. ثم أقسم- سبحانه- مرة أخرى بالسماء على أن القرآن من عنده- تعالى- فقال: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ. وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ. إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ. وَما هُوَ بِالْهَزْلِ. والرجع: المطر. وسمى بذلك لأنه يجيء ويرجع ويتكرر، وقيل: الرجع هنا: الشمس والقمر والنجوم، يرجعن في السماء حيث تطلع من ناحية، وتغيب في الأخرى. وقيل: المراد بالرجع: الملائكة، لأنهم يرجعون إليها حاملين أعمال العباد. والصدع: الشق والانفطار، يقال: تصدع الشيء، إذا تشقق.. والمراد به هنا: ما تتشقق عنه الأرض من نبات. كما قال- تعالى-: أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا. ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا. وَعِنَباً وَقَضْباً..

стр. 6522

أى: وحق السماء صاحبة المطر الذي ينزل من جهتها مرة فأخرى، لنفع العباد والحيوان والنبات.. وحق الأرض ذات النبات البازغ من شقوقها. إِنَّهُ أى: هذا القرآن لَقَوْلٌ فَصْلٌ أى: لقول فاصل بين الحق والباطل، والهدى والضلال. والغي والرشاد.. وقد بلغ النهاية في ذلك حتى لكأنه نفس الفصل. وَما هُوَ بِالْهَزْلِ أى: وأن هذا القرآن، ليس فيه شائبة من شوائب الهزل أو اللعب أو المزاح. بل هو جد كله، فيجب على كل عاقل، أن يتبع هداه، وأن يستجيب لأمره ونهيه. وفي هذه الآيات الكريمة رد بليغ، على أولئك المشركين الجاهلين، الذين وصفوا القرآن، بأنه نزل على الرسول ﷺ ليهزل به، لأنه يخبرهم بأن الأموات سيعادون إلى الحياة مرة أخرى، وذلك أمر تستبعده نفوسهم المطموسة. وفي قوله- تعالى-: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ. وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ مقابلة لطيفة، حيث وصف- سبحانه- السماء والأرض بما يناسبهما، وبما يشير إلى أن البعث حق، لأنه كما ينزل المطر من السماء فيحيى الأرض بعد موتها. كذلك يحيى الله- تعالى- بقدرته الأجساد بعد موتها. وعاد الضمير في قوله إِنَّهُ إلى القرآن- مع أنه لم يسبق له ذكر- لأنه معلوم من المقام. ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة، بتسلية الرسول ﷺ وبتبشيره بحسن العاقبة فقال- تعالى-: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً. وَأَكِيدُ كَيْداً. فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً وقوله: رُوَيْداً تصغير «رود» بزنة عود- من قولهم: فلان يمشى على رود، أى: على مهل، وأصله من رادت الريح ترود، إذا تحركت حركة ضعيفة. والكيد: العمل على إلحاق الضرر بالغير بطريقة خفية، فهو نوع من المكر. والمراد به بالنسبة لهؤلاء المشركين: تكذيبهم الرسول ﷺ ، ولما جاء به من عند ربه، فكيدهم مستعمل في حقيقته. والمراد به بالنسبة لله- تعالى-: إمهالهم واستدراجهم، حتى يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، في الوقت الذي يختاره ويشاؤه. أى: إن هؤلاء المشركين يحيكون المكايد لإبطال أمرك- أيها الرسول الكريم-، وإنى أقابل كيدهم ومكرهم بما يناسبه من استدراج من حيث لا يعلمون، ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر، فتمهل- أيها الرسول الكريم- مع هؤلاء المشركين. ولا تستعجل عقابهم. وانتظر

стр. 6523

تدبيرى فيهم، وأمهلهم وأنظرهم «رويدا» أى: إمهالا قريبا أو قليلا، فإن كل آت قريب، وقد حقق- سبحانه- لنبيه وعده بأن جعل العاقبة له ولأتباعه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 6524

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة الأعلى مقدمة وتمهيد ١- سورة «الأعلى» تسمى- أيضا- بسورة: «سبح اسم ربك الأعلى» ، فقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ- عند ما بلغه أنه يطيل الصلاة وهو يصلى بجماعة: «أفتان أنت يا معاذ؟ هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى. والشمس وضحاها. والليل إذا يغشى» .. ٢- وسورة «الأعلى» من السور التي كان النبي ﷺ يحب قراءتها، لاشتمالها على تنزيه الله- تعالى-، وعلى الكثير من نعمه ومننه، فقد أخرج الإمام أحمد عن على بن أبى طالب، قال: كان رسول الله ﷺ يحب هذه السورة. وعن النعمان بن بشير، أن رسول الله ﷺ قرأ في العيدين: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ، وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعا. وعن عائشة- رضى الله عنها- أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الوتر: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «١» . ٣- وعدد آياتها تسع عشرة آيه. وهي من السور المكية الخالصة. قال الآلوسى: والجمهور على أنها مكية، وعن بعضهم أنها مدنية. والدليل على كونها مكية، ما أخرجه البخاري عن البراء بن عازب قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا

стр. 6525

القرآن، ثم جاء عمار بن ياسر، وسعد بن أبى وقاص، وبلال، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي ﷺ فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله ﷺ قد جاء، فما جاء حتى قرأت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى في سور مثلها.. «١» . ومما يدل- أيضا- على أن هذه السورة مكية، بل من أوائل السور المكية، ما ذكره الإمام السيوطي، من أن هذه السورة كان ترتيبها في النزول الثامنة من بين السور المكية، فقد كان نزولها بعد سورة «التكوير» وقبل سورة «الليل» ، بل هناك رواية عن ابن عباس أنها السورة السابعة، إذ لم يسبقها سوى سورة: العلق، والمدثر، والمزمل، والقلم، والمسد، والتكوير.. «٢» . ٤- والسورة الكريمة من أهم مقاصدها: إقامة الأدلة على وحدانية الله- تعالى- وعلى أنه- تعالى- منزه عن كل نقص، وإبراز جانب عظيم من نعمه التي لا تحصى، وامتنانه على نبيه ﷺ بالشريعة السمحة، وبالقرآن الكريم.

стр. 6526

التفسير قال الله- تعالى-: [سورة الأعلى (٨٧) : الآيات ١ الى ١٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩) افتتحت السورة الكريمة، بأمر النبي ﷺ بالمداومة على تنزيه الله- تعالى- عن كل نقص، ويدخل في هذا الأمر، كل من يصلح للخطاب. والاسم المراد به الجنس، فيشمل جميع أسمائه- تعالى-. أى: نزه- أيها الرسول الكريم- أسماء ربك الأعلى عن كل ما لا يليق بها، فلا تطلقها على غيره- تعالى- إذا كانت خاصة به، كلفظ الجلالة. وكلفظ الرحمن، ولا تذكرها في موضع لا يتناسب مع جلالها وعظمتها، ولا تحرفها عن المعاني التي وضعت لها كما يفعل الزائغون. فقد قال- تعالى-: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها، وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.

стр. 6527

ونزه ربك الأعلى، عن الشريك، وعن الوالد، وعن الولد، وعن الشبيه.. وعن كل ما لا يليق به. قال الجمل: أى: نزه ربك عن كل ما لا يليق به، في ذاته، وصفاته، وأسمائه، وأفعاله، وأحكامه. أما في ذاته: فأن تعتقد أنها ليست من الجواهر والأعراض. وأما في صفاته: فأن تعتقد أنها ليست محدثة ولا متناهية ولا ناقصة. وأما في أفعاله: فأن تعتقد أنه- سبحانه- مطلق لا اعتراض لأحد عليه في أمر من الأمور. وأما في أسمائه: فأن لا تذكره- سبحانه- إلا بالأسماء التي لا توهم نقصا بوجه من الوجوه.. وأما في أحكامه: فأن تعلم أنه ما كلفنا لنفع يعود عليه، بل لمحض المالكية.. «١» . أخرج الإمام أحمد عن عامر بن عقبة الجهني قال: لما نزلت: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال لنا رسول الله ﷺ : «اجعلوها في ركوعكم» فلما نزلت: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال: «اجعلوها في سجودكم» . ثم وصف- سبحانه- ذاته بعد وصفه بالأعلى بصفات كريمة أخرى فقال: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى. والخلق: هو الإيجاد للشيء على غير مثال سابق، والتسوية: هي جعل المخلوقات على الحالة والهيئة التي تناسبها، وتتلاءم مع طبيعتها. أى: الذي خلق الخلائق كلها، وجعلها متساوية في الأحكام والإتقان حسبما اقتضته حكمته. ومنح كل مخلوق ما يناسب طبيعته ووظيفته. قال صاحب الكشاف: قوله: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى أى: خلق كل شيء فسوى خلقه تسوية، ولم يأت به متفاوتا غير ملتئم، ولكن على إحكام واتساق، ودلالة على أنه صادر عن عالم، وأنه صنعة حكيم.. «٢» . وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى والتقدير: وضع الأشياء في مواضعها الصحيحة، بمقدار معين، وبكيفية معينة.. تقتضيها الحكمة، ويقرها العقل السليم. وقوله: فَهَدَى من الهداية. بمعنى الإرشاد والدلالة على طريق الخير والبر. أى: وهو- سبحانه- الذي جعل الأشياء على مقادير مخصوصة في أجناسها، وفي أنواعها، وفي أفرادها. وفي صفاتها وأفعالها.. وهدى كل مخلوق إلى ما ينبغي له طبعا واختيارا، ووجهه إلى

стр. 6528

الوظيفة التي خلقه من أجلها، بأن أوجد فيه العقل والميول والإلهامات والغرائز والدوافع التي تعينه على أداء تلك الوظيفة. وحذف- سبحانه- المفعول في قوله: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى. وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى للعموم، لأن هذه الأفعال تشمل جميع مخلوقاته- . قال الآلوسى: وَالَّذِي قَدَّرَ ... أى: جعل الأشياء على مقادير مخصوصة.. فَهَدى أى: فوجه كل واحد منها إلى ما يصدر عنه، وينبغي له.. فلو تتبعت أحوال النباتات والحيوانات، لرأيت في كل منها ما تحار فيه العقول، وتضيق عنه دفاتر النقول. وأما فنون هداياته- سبحانه- للإنسان على الخصوص، ففوق ذلك بمراحل.. وهيهات أن يحيط بها فلك العبارة والتحرير، ولا يعلمها إلا اللطيف الخبير. أتزعم أنك جرم صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبر «١» وقد فصل بعض العلماء الحديث عن مظاهر تقديره وهدايته- سبحانه- فقال: قوله- تعالى-: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى. وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى أى: الذي خلق كل شيء فسواه، فأكمل صنعته، وبلغ به غاية الكمال الذي يناسبه، والذي قدر لكل مخلوق وظيفته وطريقته وغايته، فهداه إلى ما خلقه لأجله، وألهمه غاية وجوده، وقدر له ما يصلحه مدة بقائه، وهداه إليه. وهذه الحقيقة الكبرى ماثلة في كل شيء في هذا الوجود، ويشهد بها كل شيء في رحاب هذا الكون، من الكبير إلى الصغير.. فالطيور لها غريزة العودة إلى الموطن.. دون أن تضل عنه مهما بعد. والنحلة تهتدى إلى خليتها، مهما طمست الريح في هبوبها على الأعشاب والأشجار كل دليل يرى.. وسمك «السلمون» الصغير، يمضى سنوات في البحر، ثم يعود إلى نهره الخاص به.. «٢» . وقوله- سبحانه-: وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى. فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته- تعالى-، التي لا يعجزها شيء. والمرعى: النبات الذي ترعاه الحيوانات، وهو اسم مكان للأرض الذي يوجد فيها النبات.

стр. 6529

والغثاء: هو اليابس الجاف من النبات الذي ترعاه المواشي. والأحوى: أى: المائل إلى السواد، مأخوذ من الحوّة- بضم الحاء مع تشديد الواو المفتوحة- وهي لون يكون بين السواد والخضرة أو الحمرة. ووصف الغثاء بأنه أحوى، لأنه إذا طال عليه الزمن، وأصابته المياه، اسود وتعفن فصار أحوى. أى: وهو- سبحانه- وحده، الذي أنبت النبات الذي ترعاه الدواب، حالة كون هذا النبات أخضر رطبا. ثم يحوله بقدرته- تعالى- بعد حين إلى نبات يابس جاف. وهذا من أكبر الأدلة المشاهدة، على أنه- تعالى- يتصرف في خلقه كما يشاء، فهو القادر على تحويل الزرع الأخضر إلى زرع يابس جاف، كما أنه قادر على إحياء الإنسان بعد موته. فالمقصود من هذه الآيات الكريمة، الإرشاد إلى كمال قدرته، وتنوع نعمه- سبحانه-، حتى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، وحتى يعود الكافرون إلى رشدهم بعد هذا البيان الواضح الحكيم. ثم بين- سبحانه- جانبا من مظاهر فضله على نبيه ﷺ فقال: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى. إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ. إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى. والنسيان: زوال ما كان موجودا في حافظة الإنسان. والاستثناء مفرغ من أعم المفاعيل. ومفعول المشيئة محذوف. جريا على غالب استعماله في كلام العرب.. أى: سنقرئك- أيها الرسول الكريم- القرآن على لسان أمين وحينا جبريل- ﵇. وسنجعلك حافظا وواعيا لما سيقرؤه جبريل عليك، بحيث لا تنساه في وقت من الأوقات، أو في حال من الأحوال، إلا في الوقت أو في الحال الذي يشاء الله- تعالى- أن ينسيك شيئا من ذلك. فإنك ستنساه بأمره- تعالى- لأنه وحده- هو العليم بما كان ظاهرا من الأشياء، وبما كان خافيا منها. فالمقصود من هاتين الآيتين: وعد الله- تعالى- لنبيه ﷺ ببيان أنه- سبحانه-، كما أنه قادر على أن يقرئ الرسول ﷺ قراءة لا ينساها، فهو أيضا قادر على أن يزيل من صدره ما يشاء إزالته، عن طريق النسيان لما حفظه. فالمراد بهذا الاستثناء: بيان أنه- تعالى- لو أراد أن يصير الرسول ﷺ ناسيا للقرآن لقدر على ذلك، كما قال- سبحانه- وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ..

стр. 6530

إذ هو- تعالى- على كل شيء قدير، ولكنه لم يشأ ذلك فضلا منه وكرما. قال الإمام الشوكانى ما ملخصه: قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى أى: سنجعلك قارئا بأن نلهمك القراءة. فلا تنسى ما تقرؤه، والجملة مستأنفة لبيان هدايته ﷺ الخاصة، بعد بيان الهداية العامة، وهي هدايته ﷺ لحفظ القرآن. وقوله: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ استثناء مفرغ من أعم المفاعيل، أى: لا تنسى مما تقرؤه شيئا من الأشياء، إلا ما شاء الله أن تنساه، وهو لم يشأ- سبحانه- أن ينسى النبي ﷺ شيئا كقوله- تعالى- خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ. وقيل: «لا» في قوله فَلا تَنْسى للنهى، والألف مزيدة لرعاية الفاصلة، كما في قوله- تعالى-: فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا، يعنى: فلا تغفل عن قراءته «١» . وقال الإمام الرازي: وهاتان الآيتان تدلان على المعجزة من وجهين: أحدهما: أن الرسول ﷺ كان أميا، فحفظه لهذا الكتاب المطول عن غير دراسة، ولا تكرار، ولا كتبة، خارق للعادة فيكون معجزا. وثانيهما: أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة. فهذا إخبار عن أمر عجيب غريب مخالف للعادة. سيقع في المستقبل، وقد وقع، فكان هذا إخبارا عن الغيب، فيكون معجزا.. «٢» . وقوله- سبحانه-: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى معطوف على قوله سَنُقْرِئُكَ وجملة: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى معترضة. والتيسير بمعنى التسهيل والتخفيف، وهو جعل العمل يسيرا على عامله بأن يهيئ الله- تعالى- للعامل الأسباب التي تهون له العسير، وتقرب له البعيد. واليسرى: مؤنث الأيسر، بمعنى الأسهل، والموصوف محذوف. والمعنى: سنجعلك- أيها الرسول الكريم- صاحب ذاكرة قوية تحفظ القرآن ولا تنساه. وسنوفقك توفيقا دائما للطريقة اليسرى في كل باب من أبواب الدين: علما وعملا، واهتداء وهداية- وسنرزقك الأمور الحسنة التي تجعلك تعيش سعيدا في دنياك، وظافرا برضواننا في أخراك.

стр. 6531

ولقد أنجز الله- تعالى- لنبيه ﷺ وعده، حيث أعطاه شريعة سمحة، ومنحه أخلاقا كريمة، من مظاهرها أنه ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ودعا أتباعه إلى الأخذ بمبدأ التيسير، فقال: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا..» . فهاتان بشارتان عظيمتان للرسول ﷺ . أولاهما: تتمثل في إلهامه الذاكرة الواعية الحافظة لما يوحى اليه. وثانيتهما: توفيقه ﷺ إلى الشريعة اليسرى، وإلى الأخلاق الكريمة وإلى الأخذ بما هو أرفق وأيسر في كل أحواله. ثم أمره- تعالى- بدوام التذكير بدعوة الحق بدون إبطاء أو يأس فقال: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى. سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى. وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى. الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى. ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى. والفاء في قوله فَذَكِّرْ للتفريع على ما تقدم، والأمر مستعمل هنا في طلب المداومة على التذكير بدعوة الحق التي أرسله- سبحانه- بها، والذكرى: بمعنى التذكير. والمعنى: إذا كان الأمر كما أخبرناك- أيها الرسول الكريم- فداوم على تذكير الناس بالهدى ودين الحق، واتبع في ذلك الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، واهتم في تذكيرك بمن تتوقع منهم قبول دعوتك، وأعرض عن الجاحدين والمعاندين والجاهلين. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كان الرسول ﷺ مأمورا بالذكرى نفعت أو لم تنفع.. فما معنى اشتراط النفع؟ .. قلت: هو على وجهين: أحدهما. أن رسول الله ﷺ قد استفرغ مجهوده في تذكيرهم، وما كانوا يزيدون على زيادة الذكرى إلا عتوا وطغيانا، وكان النبي ﷺ يتلظى حسرة وتلهفا، ويزداد جدا في تذكيرهم، وحرصا عليه، فقيل له: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ. فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ وذلك بعد إلزام الحجة بتكرير التذكير. والثاني: أن يكون ظاهره شرطا، ومعناه ذمّا للمذكّرين- بتشديد الكاف المفتوحة- وإخبارا عن حالهم، واستبعادا لتأثير الذكرى فيهم، وتسجيلا عليهم بالطبع على قلوبهم، كما تقول للواعظ: عظ المكاسين إن سمعوا منك، قاصدا بهذا الشرط، استبعاد ذلك، وأنه لن يكون.. «١» . وقال الإمام الرازي ما ملخصه: جاء التعليق بالشرط في قوله- تعالى-: فَذَكِّرْ إِنْ

стр. 6532

نَفَعَتِ الذِّكْرى مع أنه ﷺ مطلوب منه أن يذكر الناس جميعا، نفعتهم الذكرى أم لم تنفعهم- للتنبيه على أشرف الحالين، وهو وجود النفع الذي من أجله شرعت الذكرى، كقوله- تعالى-: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ. وللإشعار بأن المراد من الشرط: البعث على الانتفاع بالذكرى، كما يقول الإنسان لغيره بعد أن بين له الحق، قد أوضحت لك الأمر إن كنت تعقل، فيكون مراده الحض على القبول.. «١» . ويبدو لنا أن المقصود بالآية الكريمة، تحريض النبي ﷺ على المداومة على دعوة الناس إلى قبول الحق الذي جاء به، فإن هذا التذكير إن لم ينفع الناس جميعا، فسينفع بعضهم، فقد اقتضت سنة الله- تعالى- أن لا تخلو الأرض ممن يستمع إلى الحق، ويستجيب له. ويدل على هذا المعنى قوله- تعالى- بعد ذلك: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى أى: سينتفع بتذكيرك- أيها الرسول الكريم- من يخشى الله- تعالى- ويخاف عذابه، ويرجو ثوابه. يَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى أى: ويتجنب الذكرى، ويبتعد عن الموعظة، ويتجافى عن النصيحة، الإنسان الشديد الشقاوة والتعاسة، الذي أبى إلا الإصرار على كفره وعناده، وخلا من خشية الله- تعالى-. والمراد بالأشقى: الجنس، أى: يبتعد عن الانتفاع بالتذكير جميع الأشقياء وهم الكافرون. وقيل: المراد به الكافر المتوغل في كفره كأبى جهل والوليد بن المغيرة وأشباههما. وقوله: الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى صفة للأشقى. أى: سيبتعد عن الانتفاع بتذكيرك- أيها الرسول الكريم- الكافر المصر على كفره، الذي من صفاته أنه سيصلى وسيلقى في أشد طبقات النار سعيرا وحريقا، وهي الطبقة السفلى منها. فوصف النار بالكبرى، من قبيل التهويل والإنذار للمصرين على كفرهم ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى أى: ثم إن هذا الشقي بعد أن يلقى به في النار الكبرى، لا يَمُوتُ فِيها فيستريح من العذاب وَلا يَحْيى حياة طيبة فيها شيء من الراحة، بل يبقى هكذا يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها، كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ «٢» .

стр. 6533

وبعد هذا البيان الذي يهز القلوب.. عن سوء عاقبة الأشقياء، ساق- سبحانه- ما يدخل البهجة والسرور على النفوس، عن طريق بيان حسن عاقبة السعداء، فقال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى. أى: قد أفلح وفاز وانتفع بالتذكير، من حاول تزكية نفسه وتطهيرها من كل سوء. ومن ذكر اسم ربه بقلبه ولسانه، فصلى الصلوات الخمس التي فرضها الله- تعالى- عليه. وأضاف إليها ما استطاع من نوافل وسنن. وعبر- سبحانه- بقوله: قَدْ أَفْلَحَ ليجمع في هذا التعبير البليغ، كل معاني الخير والنفع، لأن الفلاح معناه: وصول المرء إلى ما يطمح إليه من فوز ونفع. وجاء التعبير بالماضي المسبوق بقد، للدلالة على تحقيق هذا الفلاح بفضل الله- تعالى- ورحمته. وقد اشتملت هاتان الآيتان على الطهارة من العقائد الباطلة تَزَكَّى وعلى استحضار معرفة الله- تعالى- وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ وعلى أداء التكاليف الشرعية التي على رأسها الصلاة فَصَلَّى. وهذه المعاني هي التي وصلت صاحبها إلى الفلاح الذي ليس بعده فلاح. وقوله- تعالى-: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى الإضراب فيه عن كلام مقدر يفهم من السياق. والمعنى: لقد بينت لكم ما يؤدى إلى فلاحكم وفوزكم.. ولكنكم- يا بنى آدم- كثير منكم لم يستجب لما بينته له، بل أنتم تؤثرون الحياة الدنيا، بأن تقدموا زينتها وشهواتها ومتعها.. على ما ينفعكم في آخرتكم، والحال أن ما في الدار الآخرة من نعيم، خير وأبقى من حطام الدنيا، لأن الدنيا ومتعها زائلة، أما الآخرة فخيرها باق لا يزول. والخطاب لجميع الناس، ويدخل فيه الكافرون دخولا أوليا، وعليه يكون المراد بإيثار الحياة الدنيا بالنسبة للمؤمنين، ما لا يخلو منه غالب الناس، من اشتغالهم في كثير من الأحيان بمنافع الدنيا، وتقصيرهم فيما يتعلق بآخرتهم. ويرى كثير من العلماء: أن الخطاب للكافرين على سبيل الالتفات، ويؤيد أن الخطاب للكافرين قراءة أبى عمرو بالياء على طريقة الغيبة. أى: بل إن الكافرين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، مع أن الآخرة خير وأبقى. ثم ختم- سبحانه- السورة بقوله: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى. صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى أى: إن هذا الذي ذكرناه من فلاح من تزكى، ومن إيثاركم الحياة الدنيا على

стр. 6534

الآخرة، لكائن وثابت ومذكور في الصحف الأولى، التي هي صحف إبراهيم وموسى، التي أنزلها- سبحانه- على هذين النبيين الكريمين، ليعلما الناس ما اشتملت عليه من آداب وأحكام ومواعظ. وفي إبهام هذه الصحف، ووصفها بالقدم، ثم بيان أنها لنبيين كريمين من أولى العزم من الرسل، تنويه بشأنها، وإعلاء من قدرها. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 6535

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة الغاشية مقدمة وتمهيد ١- سورة «الغاشية» ، وتسمى سورة «هل أتاك حديث الغاشية» من السور المكية الخالصة، وعدد آياتها ست وعشرون آية، وهي السورة الثامنة والثمانون في ترتيب المصحف، أما ترتيبها في النزول، فهي السورة السابعة والستون من بين السور المكية، وكان نزولها بعد سورة «الذاريات» وقبل سورة «الكهف» . ٢- وهي من السور التي كان النبي ﷺ يقرؤها كثيرا، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عن النعمان بن بشير، أن رسول الله ﷺ كان يقرأ «سبح اسم ربك الأعلى» «والغاشية» في صلاة الجمعة والعيدين. وفي رواية- أيضا- عن النعمان بن بشير أن الرسول ﷺ كان يقرأ هذه السورة مع سورة الجمعة، في صلاة الجمعة. ٣- وقد اشتملت السورة الكريمة على بيان أحوال الكافرين والمؤمنين يوم القيامة، كما لفتت أنظار الناس إلى مظاهر قدرة الله في خلقه، لكي يتفكروا ويتدبروا أن الخالق لهذه الأشياء بتلك الصورة البديعة، هو المستحق للعبادة والطاعة، وأنهم سيعودون إليه للحساب والجزاء إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ.

стр. 6536

التفسير قال الله- تعالى-: [سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١ الى ٢٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦) والاستفهام في قوله- تعالى-: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ للتحقيق والتقرير، أو المقصود به التعجيب من حديث القيامة، والتشويق إلى الاستماع إليه. والغاشية: لفظ مشتق من الغشيان، وهو تغطية الشيء لغيره، يقال: غشيه الأمر، إذا

стр. 6537

غطاه، والمقصود بالغاشية يوم القيامة، ووصف يوم القيامة بذلك، لأنه يغشى الناس بأهواله وشدائده، ويغطى عقولهم عن التفكير في أى شيء سواه. والمعنى: هل بلغك- أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب- حديث يوم القيامة، الذي يغشى الناس بأحواله المفزعة، ويعمهم بشدائده.. إن كان لم يأتك فهذا خبره، وتلك هي أقسام الناس فيه. وافتتاح السورة بهذا الافتتاح- بجانب ما فيه من تشويق- يدل على أهمية هذا الخبر، وأنه من الأخبار التي ينبغي الاستعداد لما اشتملت عليه من معاني لا يصح التغافل عنها. ثم فصل- سبحانه- أحوال الناس في هذا اليوم فقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ. قال الشوكانى: الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: ما هو؟ أو مستأنفة استئنافا نحويا، لبيان ما تضمنته من كون ثمّ وجوه في ذلك اليوم متصفة بهذه الصفة المذكورة، و «وجوه» مرتفع على الابتداء- وإن كانت نكرة- لوقوعه في مقام التفصيل.. والتنوين في «يومئذ» عوض عن المضاف إليه. أى: يوم غشيان الغاشية. والخاشعة: الذليلة الخاضعة، وكل متضائل ساكن يقال له خاشع.. «١» . والمراد بالوجوه: أصحابها، من باب التعبير عن الكل بالبعض، وخصت الوجوه بالذكر، لأنها أشرف أعضاء الإنسان، ولأنها هي التي تظهر عليها الآثار المختلفة من حزن أو فرح. أى: وجوه في يوم قيام الساعة، تكون خاشعة ذليلة، تبدو عليها آثار الهوان والانتكاس والخزي، كما قال- تعالى-: وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ ... وهذه الوجوه- أيضا- من صفاتها أنها عامِلَةٌ ناصِبَةٌ أى: مكلفة بالعمل الشاق المرهق الذي تنصب له الوجوه في هذا اليوم، وتتعب تعبا ما عليه من مزيد، كجر السلاسل، وحمل الأغلال، والخوض في النار. فقوله: عامِلَةٌ اسم فاعل من العمل، والمراد به هنا: العمل الشاق المهين. وقوله: ناصِبَةٌ من النّصب، بمعنى: التعب والإعياء يقال: نصب فلان بكسر الصاد- كفرح- ينصب نصبا، إذا تعب في عمله تعبا شديدا. وفي هذه الصفات زيادة توبيخ لأهل النار، لأنهم لما تركوا في الدنيا الخشوع لله- تعالى-

стр. 6538

والعمل لصالح، وآثروا متع الدنيا على ثواب الآخرة.. كان جزاؤهم يوم القيامة، الإذلال، والعمل الشاق المهين الذي لا تعقبه راحة. ثم أخبر- سبحانه- عن هذه الوجوه الشقية بأخبار أخرى فقال: تَصْلى ناراً حامِيَةً أى: أن هذه الوجوه تشوى بالنار الحامية يوم القيامة. يقال: صلى فلان النار فهو يصلاها، إذا لفحته بحرها لفحا شديدا. تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ أى: هذه الوجوه يسقى أصحابها من عين قد بلغت النهاية في الحرارة والغليان، إذ الشيء الآتي، هو الذي بلغ النهاية في الحرارة، يقال: أتى الماء يأتى- كرمى يرمى-، إذا بلغ الغاية في الغليان، ومنه قوله- تعالى- يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ. قال الإمام ابن جرير: قوله: تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ أى: تسقى أصحاب هذه الوجوه من شراب عين قد أنى حرها، فبلغ غايته في شدة الحر، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.. فعن ابن عباس: هي التي قد طال أنيها- أى: حرها-. وقال بعضهم: عنى بقوله: مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ أى: من عين حاضرة- أى: حاضرة لعذابهم.. «١» . وقوله- تعالى-: يْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ. لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ. والضريع: هو شجر في النار يشبه الشوك، فيه ما فيه من المرارة والحرارة وقبح الرائحة. وقوله: يُسْمِنُ من السّمن- بكسر السين وفتح الميم- وهو وفرة اللحم والشحم في الحيوان وغيره. يقال: فلان أسمنه الطعام، إذا عاد عليه بالسمن. وقوله يُغْنِي من الإغناء ودفع الحاجة. يقال: أغنانى هذا الشيء عن غيره، إذا كفاه واستغنى به عن سواه. أى: أن أصحاب هذه الوجوه التعيسة بجانب شرابهم من الماء البالغ النهاية في الحرارة، لهم- أيضا- طعام من أقبح الطعام وأردئه وأشنعه وأشده مرارة.. هذا الطعام لا يأتى بسمن، ولا يغنى من جوع، بل إن آكله ليزدرده رغما عنه. فأنت ترى أن الله- تعالى- قد أخبر عن أصحاب هذه الوجوه الشقية بجملة من الأخبار المحزنة المؤلمة، التي منها ما يتعلق بهيئاتهم، ومنها ما يتعلق بأحوالهم، ومنها ما يتعلق بشرابهم، ومنها ما يتعلق بطعامهم.

стр. 6539

ووصف- سبحانه- طعامهم بأنه لا يسمن ولا يغنى من جوع، لزيادة تقبيح هذا الطعام، وأنه شر محض، لا مكان لأية فائدة معه. قال صاحب الكشاف: الضريع: اليابس من نبات الشبرق، وهو جنس من الشوك، ترعاه الإبل مادام رطبا. فإذا يبس تحامته الإبل وهو سم قاتل.. فإن قلت: كيف قيل: لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ وفي الحاقة وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ؟. قلت: العذاب ألوان، والمعذبون طبقات، فمنهم: أكلة الزقوم، ومنهم أكلة الغسلين، ومنهم أكلة الضريع. والضريع: منفعتا الغذاء منفيتان عنه: وهما إماطة الجوع، وإفادة القوة والسمن في البدن. أو أريد: أن لا طعام لهم أصلا، لأن الضريع ليس بطعام للبهائم، فضلا عن الإنس، لأن الطعام ما أشبع أو أسمن، وهما منه بمعزل، كما تقول: ليس لفلان ظل إلا الشمس. تريد: نفى الظل على التوكيد.. «١» . وبعد هذا الحديث المؤثر عن الكافرين وسوء عاقبتهم.. جاء الحديث عن المؤمنين ونعيمهم، فقال- تعالى-: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ. لِسَعْيِها راضِيَةٌ. فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ. قال الآلوسى: قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ شروع في رواية حديث أهل الجنة، وتقديم حكاية أهل النار، لأنه أدخل في تهويل الغاشية، وتفخيم حديثها، ولأن حكاية حسن حال أهل الجنة، بعد حكاية سوء أهل النار، مما يزيد المحكي حسنا وبهجة.. وإنما لم تعطف هذه الجملة على تلك الجملة، إيذانا بكمال التباين بين مضمونهما.. «٢» . أى: وجوه كثيرة تكون يوم القيامة، ذات بهجة وحسن، وتكون متنعمة في الجنة بما أعطاها- سبحانه- من خير عميم، جزاء عملها الصالح في الدنيا. لِسَعْيِها راضِيَةٌ أى: لعملها الذي عملته في الدنيا راضية، لأنها قد وجدت من الثواب عليه في الآخرة، أكثر مما كانت تتوقع وترجو. فالمراد بالسعي: العمل الذي كان يعمله الإنسان في الدنيا، ويسعى به من أجل الحصول على رضا خالقه، وهو متعلق بقوله راضِيَةٌ. وقدم عليه للاعتناء بشأن هذا السعى. وقوله- تعالى-: فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ بيان لسمو مكانتهم. أى: هم كائنون في جنة

стр. 6540

عالية، مرتفعة المكان والمكانة. فقد وصفت الجنة بالعلو، للمبالغة في حسنها وفي علو منزلتها، فقد جرت العادة أن تكون أحسن الجنات، ما كانت مرتفعة على غيرها. ثم وصف- سبحانه- هذه الجنة بجملة من الصفات الكريمة فقال: لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً. أى: لا تسمع في هذه الجنة كلمة ذات لغو. واللغو: هو الكلام الساقط الذي لا فائدة فيه. أى: أنك- أيها المخاطب- لا تسمع في الجنة إلا الكلام الذي تسر له نفسك، وتقرّ به عينك، فلفظ اللاغية هنا: مصدر بمعنى اللغو، مثل الكاذبة للكذب، وهو صفة لموصوف محذوف. فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ أى: في هذه الجنة عيون تجرى بالماء العذب الزلال المتدفق. قال صاحب الكشاف: قوله: فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ يريد عيونا في غاية الكثرة، كقوله: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ. فالمراد بالعين هنا: جنس العيون، وبالجارية: التي لا ينقطع ماؤها.. فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ أى: في الجنة أماكن يجلس عليها أهلها جلوسا مرتفعا عن الأرض. وينامون فوقها نوما هادئا لذيذا.. والسرر: جمع سرير، وهو الشيء ذو القوائم المرتفعة الذي يتخذ للجلوس والاضطجاع. ووصف- سبحانه- هذه السرر بالارتفاع، لزيادة تصوير حسنها. وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ والأكواب جمع كوب. وهو عبارة عن الإناء الذي تشرب فيه الخمر. أى: وفي الجنة أكواب كثيرة قد وضعت بين أيدى أهلها، بحيث يشربون من الخمر التي وضعت فيها، دون أن يجدوا أى عناء في الحصول عليها. وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ والنمارق: جمع نمرقة- بضم النون وسكون الميم وضم الراء-، وهي الوسادة الصغيرة التي يتكئ عليها الجالس والمضجع. أى: وفي الجنة وسائد كثيرة، قد صف بعضها إلى جانب بعض صفا جميلا، بحيث يجدها الجالس قريبة منه في كل وقت. وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ والزرابي جمع زربية- بتثليث الزاى- وهي البساط الواسع الفاخر، أو ما يشبهه من الأشياء الثمينة التي تتخذ للجلوس عليها. والمبثوثة: أى: المنتشرة على الأرض، من البث بمعنى النشر، كما في قوله- تعالى-: وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ. أى: وفيها بسط فاخرة جميلة.. مبسوطة في كل مكان، ومتفرقة في كل مجلس. فأنت ترى أن الله- تعالى- قد وصف الجنة التي أعدها- سبحانه- لعباده المتقين، بعدد من الصفات الكريمة المتنوعة.

стр. 6541

وصفها بأنها عالية في ذاتها، وبأنها خالية من الكلام الساقط، وبأن مياهها لا تنقطع، وبأن أثاثها في غاية الفخامة، حيث اجتمع فيها كل ما هو مريح ولذيذ. نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا جميعا من أهلها. ثم ساق- سبحانه- أنواعا من الأدلة المشاهدة، التي لا يستطيع أحد إنكارها، ليلفت أنظار الناس إلى مظاهر قدرته ووحدانيته. فقال- تعالى-: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ. وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ. وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ. والاستفهام للتقريع والتوبيخ، والتحريض على التأمل والتفكر، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، والمراد بالنظر: التدبر في تلك المخلوقات، فإن من شأن هذا التدبر، أنه يؤدى إلى الاعتبار والانتفاع.. والخطاب لأولئك الكافرين الجاهلين، الذين أمامهم الشواهد الواضحة على وحدانية الله- تعالى- وقدرته، ومع ذلك لم ينتبهوا لها. والمعنى: أيستمر هؤلاء الكافرون في جهلهم وضلالهم، وفي إنكارهم لأمر البعث والحساب والجزاء.. فلا ينظرون نظر اعتبار وتأمل، إلى الإبل- وهي أمام أعينهم- كيف خلقها الله- تعالى- بهذه الصورة العجيبة، وأوجد فيها من الأعضاء المتناسقة، ومن التكوين الخلقي، ما يجعلها تؤدى وظيفتها النافعة لبنى آدم، على أكمل وجه، فمن لبنها يشربون، ومن لحمها يأكلون، وعلى ظهرها يسافرون، وأثقالهم عليها يحملون. وخص- سبحانه- الإبل بالذكر من بين سائر الحيوانات، لأنها أعز الأموال عند العرب، وأقربها إلى مألوفهم وحاجتهم، وأبدعها خلقا وهيئة وتكوينا. قال صاحب الكشاف: قوله- تعالى-: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ نظر اعتبار كَيْفَ خُلِقَتْ خلقا عجيبا، دالا على تقدير مقدر، شاهدا بتدبير مدبر، حيث خلقها للنهوض بالأثقال، وجرها إلى البلاد الشاحطة. أى البعيدة، فجعلها تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر، ثم تنهض بما حملت، وسخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمتها، لا تعارض ضعيفا، ولا تمانع صغيرا. فإن قلت: كيف حسن ذكر الإبل، مع السماء والجبال والأرض، ولا مناسبة؟ .. قلت: قد انتظم هذه الأشياء، نظر العرب في أوديتهم وبواديهم، فانتظمها الذكر على حسب ما انتظمها نظرهم.. «١» .

стр. 6542

وقوله- تعالى-: وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ أى: وهلا نظروا إلى السماء نظر اعتبار واتعاظ، فعرفوا أن الذي خلقها هذا الخلق البديع، بأن رفعها بدون أعمدة.. هو الله- . وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ أى: كيف وجدت بهذا الوضع الباهر بأن نصبت على وجه الأرض نصبا ثابتا راسخا. يحمى الأرض من الاضطراب والتزلزل. وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ أى: كيف سويت وفرشت وبسطت بطريقة تجعل الناس يتمكنون من الانتفاع بخيرها، ومن الاستقرار عليها، وهذا لا ينافي كونها كروية، لأن الكرة إذا اشتد عظمها.. كانت القطعة منها كالسطح في إمكان الانتفاع بها. وبعد هذا التوبيخ لأولئك المشركين الذين عموا وصموا عن الحق، ولم ينتبهوا لآيات الله- تعالى- الدالة على قدرته ووحدانيته.. أمر الله- تعالى- نبيه ﷺ أن يداوم على التذكير بدعوة الحق، فقال: فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ. والفاء في قوله فَذَكِّرْ للتفريع، وترتيب ما بعدها على ما قبلها. والأمر مستعمل في طلب الاستمرار والدوام في دعوته الناس إلى الحق، ومفعول: «فذكر» محذوف للعلم به. وجملة «إنما أنت مذكر» تعليل للأمر بالمواظبة على تبليغ الناس ما أمره بتبليغه. والمصيطر: هو المتسلط، المتجبر، الذي يجبر الناس على الانقياد لما يأمرهم به. وقد قرأ الجمهور هذا اللفظ بالصاد، وقرأ ابن عامر بالسين. أى: إذا كان الأمر كما بينا لك- أيها الرسول الكريم- من أحوال الناس يوم الغاشية، ومن أننا نحن الذين أوجدنا هذا الكون بقدرتنا.. فداوم- أيها الرسول الكريم- على دعوة الناس إلى الدين الحق، فهذه وظيفتك التي لا وظيفة لك سواها، وكل أمرهم بعد ذلك إلينا، فأنت لست بمجبر لهم أو مكره إياهم على اتباعك، وإنما أنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب. وقوله- سبحانه-: إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ. فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ كلام معترض بين قوله: فَذَكِّرْ ... وبين قوله- تعالى- بعد ذلك: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ والاستثناء فيه استثناء منقطع، و «إلا» بمعنى لكن، و «من» موصولة مبتدأ.. والخبر. «فيعذبه الله العذاب الأكبر» .. أى: داوم- أيها الرسول الكريم- على التذكير.. لكن من تولى وأعرض عن تذكيرك وإرشادك، وأصر على كفره، فنحن الذين سنتولى تعذيبهم تعذيبا شديدا.

стр. 6543

ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بقوله: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ. وهاتان الآيتان تعليل لقوله- تعالى- قبل ذلك لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ. والإياب مأخوذ من الأوب بمعنى الرجوع إلى المكان الذي كان فيه قبل ذلك. والمراد به هنا: الرجوع إلى الله- تعالى- يوم القيامة للحساب والجزاء. أى: داوم- أيها الرسول الكريم- على تذكير الناس بدعوة الحق، بدون إجبار لهم، أو تسلط عليهم، واتركهم بعد ذلك وشأنهم.. فإن إلينا وحدنا رجوعهم بعد الموت لا إلى أحد سوانا، ثم إن علينا وحدنا- أيضا- حسابهم على أعمالهم، ومجازاتهم عليها بالجزاء الذي نراه مناسبا لهم. وصدر- سبحانه- الآيتين بحرف التأكيد «إن» وعطف الثانية على الأولى بحرف «ثم» المفيد للتراخي في الرتبة، وقدم خبر «إن» في الجملتين على اسمها.. لإفادة التهديد والوعيد، وتأكيد أن رجوعهم إليه- تعالى- أمر لا شك فيه. وأن حسابهم يوم القيامة سيكون حسابا عسيرا، لأنه صادر عمن لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا من عباده الصالحين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..

стр. 6544

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة الفجر مقدمة وتمهيد ١- سورة «الفجر» من السور المكية الخالصة، بل هي من أوائل ما نزل على النبي ﷺ من سور قرآنية، فهي السورة العاشرة في ترتيب النزول، وكان نزولها بعد سورة «والليل إذا يغشى» ، وقبل سورة «الضحى» ، أما ترتيبها في المصحف فهي السورة التاسعة والثمانون. وعدد آياتها: ثلاثون آية في المصحف الكوفي، واثنتان وثلاثون في الحجازي، وتسع وعشرون في البصري. ٢- ومن أهم مقاصد هذه السورة الكريمة: تذكير المشركين بما حل بالمكذبين من قبلهم، كقوم عاد وثمود وفرعون، وبيان أحوال الإنسان في حال غناه وفي حال فقره، وردعه عن الانقياد لهوى نفسه، ولفت نظره إلى أهوال يوم القيامة، وأنه في هذا اليوم لن ينفعه ندمه أو تحسره على ما فات، وتبشير أصحاب النفوس المؤمنة المطمئنة، برضا ربها عنها، وبظفرها بجنة عرضها السموات والأرض.

стр. 6545

التفسير قال الله- تعالى-: [سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١ الى ١٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤) افتتح- سبحانه- السورة الكريمة بالقسم بخمسة أشياء لها شرفها وعظمها، ولها فوائدها الدينية والدنيوية.. ولها دلالتها الواضحة على كمال قدرته- تعالى-. أقسم أولا- بالفجر، وهو وقت انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم، ووقت بزوغ الضياء وانتشاره على الكون بعد ليل بهيم. فالمراد بالفجر: الوقت الذي يبدأ فيه النهار في الظهور، بعد ظلام الليل، والتعريف فيه للجنس، لأن المقصود هذا الوقت من كل يوم. وقيل المراد بالفجر هنا: صلاة الفجر، لأنها صلاة مشهودة، أى: تشهدها الملائكة، كما أن التعريف فيه للعهد، فقيل: فجر يوم النحر، وقيل: فجر يوم الجمعة.. ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح، لأن قوله- تعالى- بعد ذلك وَلَيالٍ عَشْرٍ يرجح أن المراد به وقت معين. هذا الوقت يوجد مع كل يوم جديد. وأقسم- سبحانه- ثانيا بقوله: وَلَيالٍ عَشْرٍ والمراد بها: الليالى العشر الأول من

стр. 6546

شهر ذي الحجة، لأنها وقت مناسك الحج، ففيها الإحرام، والطواف، والوقوف بعرفة.. وقيل المراد بها: الليالى العشر الأواخر من رمضان وقيل: الليالى العشر الأول من شهر المحرم.. قال الإمام ابن كثير: والليالى العشر: المراد بها: عشر ذي الحجة. كما قاله ابن عباس وابن الزبير، ومجاهد، وغير واحد من السلف والخلف. وقد ثبت في صحيح البخاري، عن ابن عباس مرفوعا: «ما من أيام العمل الصالح، أحب إلى الله- تعالى- فيهن، من هذه الأيام» - يعنى: عشر ذي الحجة- قالوا: «ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلا خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء» .. وقيل: المراد بذلك: العشر الأول من المحرم. وقيل: العشر الأول من رمضان. والصحيح القول الأول.. «١» . وأقسم- سبحانه- ثالثا ورابعا بقوله: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ والشفع: ما يكون ثانيا لغيره، والوتر: هو الشيء المنفرد. وقد ذكر المفسرون في المراد بهذين اللفظين أقوالا متعددة، فمنهم من يرى أنهما يعمان كل الأشياء شفعها ووترها، ومنهم من يرى أن المراد بالشفع: يوم النحر، لكونه اليوم العاشر من ذي الحجة، وأن المراد بالوتر: يوم عرفة، لأنه اليوم التاسع من شهر ذي الحجة. ومنهم من يرى أن المراد بهما: الصلاة المكتوبة، ما كان منها شفعا، كصلاة الظهر والعصر والعشاء والصبح، وما كان منها وترا كالمغرب. ومنهم من يرى أن المراد بالشفع: جميع المخلوقات، وبالوتر: الله- تعالى- الواحد الصمد. وقد رجح بعض العلماء هذا القول فقال ما ملخصه: والواقع أن أقرب الأقوال عندي- والله أعلم-. أن المراد بالوتر، هو الله- تعالى-، للحديث: «إن الله وتر يحب الوتر» ، وما سواه شفع.. لأنه ثبت علميا أنه لا يوجد كائن موجود بمعنى الوتر قط، حتى الحصاة الصغيرة، فإنه ثبت أن كل كائن جماد أو غيره مكون من ذرات، والذرة لها نواة ومحيط.

стр. 6547

ولهذا كان القول بأن الوتر هو الله، وبأن الشفع: جميع المخلوقات.. هو الراجح، وهو الأعم في المعنى.. «١» . وأقسم- سبحانه- خامسا- بقوله: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ أى: وحق الليل عند ما يسرى ويمضى، تاركا من خلفه ظلامه، ليحل محله النهار بضيائه. أو المعنى: وحق الليل وقت أن يسرى فيه السارون، بعد أن أخذوا حظهم من النوم، فإسناد السّرى إلى الليل على سبيل المجاز، كما في قولهم: ليل نائم، أى: ينام فيه الناس، وقرأ الجمهور يسر بحذف الياء وصلا ووقفا، اكتفاء عنها بالكسرة تخفيفا. وقرأ نافع وأبو عمرو بإثبات الياء عند الوصل، وبحذفها عند الوقف. والمراد بالليل هنا: عمومه، وقيل: المراد به هنا: ليلة القدر، أو ليلة المزدلفة. والاستفهام في قوله- تعالى-: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ للتقرير والتعظيم لما أقسم به- سبحانه- من مخلوقات. واسم الإشارة «ذلك» يعود إلى تلك الأشياء التي أقسم الله- تعالى- بها. والمراد بالحجر العقل، وسمى بذلك لأنه يحجر صاحبه ويمنعه عن ارتكاب مالا ينبغي، كما سمى عقلا، لأنه يعقل صاحبه عن ارتكاب السيئات، كما يعقل العقال البعير عن الضلال. والمعنى: هل في ذلك الذي أقسمنا به من الفجر، والليالى العشر، والشفع والوتر.. قسم، أى: مقسم به، حقيق أن تؤكد به الأخبار عند كل ذي عقل سليم؟. مما لا شك فيه أن كل ذي عقل سليم، يعلم تمام العلم، أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء حقيق أن يقسم به، لكونها- أى: هذه الأشياء- أمورا جليلة، خليقة بالإقسام بها لفخامة شأنها، كما أن كل ذي عقل سليم يعلم- أيضا- أن المقسم بهذا القسم، وهو الله- صادق فيما أقسم عليه. فالمقصود من وراء القسم بهذه الأشياء، تحقيق المقسم عليه. بأسلوب فيه ما فيه من التأكيد والتشويق وتحقيق المقسم عليه. وجواب القسم محذوف دل عليه قوله- تعالى- بعد ذلك: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ. إلى قوله: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ.

стр. 6548

والتقدير: وحق هذه المخلوقات لتعذبن- أيها الكافرون- كما عذب الذين من قبلكم، مثل عاد وثمود وفرعون. قال الجمل: فإن قلت: ما فائدة قوله- تعالى-: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ. بعد أن أقسم- سبحانه- بالأشياء المذكورة؟ قلنا: هو لزيادة التأكيد والتحقيق للمقسم عليه، كمن ذكر حجة باهرة، ثم قال: أفيما ذكرته حجة؟. وجواب القسم محذوف، أى: لتعذبن يا كفار مكة، وقيل هو مذكور وهو قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ، وقيل محذوف لدلالة المعنى عليه، أى لنجازين كل أحد بعمله.. «١» . ثم ذكر- سبحانه- على سبيل الاستشهاد، ما أنزله من عذاب مهين، بالأقوام المكذبين. فقال- تعالى-: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ. والاستفهام في قوله: أَلَمْ تَرَ.. للتقرير، والرؤية: علمية، تشبيها للعلم اليقيني بالرؤية في الوضوح والانكشاف، لأن أخبار هذه الأمم كانت معلومة للمخاطبين. ويجوز أن تكون الرؤية بصرية، لكل من شاهد آثار هؤلاء الأقوام البائدين.. والمراد بعاد: تلك القبيلة المشهورة بهذا الاسم، والتي كانت تسكن الأحقاف، وهو مكان في جنوب الجزيرة العربية، معروف للعرب، قال- تعالى-: وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ، وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ. سموا بذلك نسبة إلى أبيهم عاد بن عوص، بن إرم، بن سام، بن نوح- ﵇ فقوله- تعالى-: إِرَمَ عطف بيان لعاد، لأنه جده الأدنى. وقوله- تعالى-: ذاتِ الْعِمادِ صفة لعاد، و «ذات» وصف مؤنث لأن المراد بعاد القبيلة، سمى أولاده باسمه، كما سمى بنو هاشم هاشما. والمقصود بهذه القبيلة عاد الأولى، التي أرسل الله- تعالى- إليهم هودا- ﵇. وكانوا معروفين بقوتهم وضخامة أجسامهم.. وقد جاء الحديث عنهم كثيرا في القرآن الكريم، ومن ذلك قوله- تعالى-: فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً.... وقوله- سبحانه-: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ صفة أخرى لقبيلة عاد. والمعنى: لقد وصل إلى علمك- أيها الرسول الكريم- بصورة يقينية، خبر قبيلة عاد، التي جدها الأدنى «إرم بن سام بن نوح «والتي كانت تسكن بيوتا ذات أعمدة، ترفع عليها

стр. 6549

خيامهم ومبانيهم الفارهة.. والتي لم يخلق مثلها- أى: مثل هذه القبيلة- أحد في ضخامة أجسام أفرادها، وفي قوة أبدانها، وفيما أعطاها الله- تعالى- من غنى وقوة. قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: قوله- تعالى-: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ. إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ هؤلاء كانوا متمردين عتاة.. فذكر- سبحانه- كيف أهلكهم. وهؤلاء هم عاد الأولى، وهم أولاد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح، وهم الذين أرسل الله إليهم نبيه هودا- ﵇ فكذبوه فأهلكهم الله- تعالى-. فقوله: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ عطف بيان، زيادة تعريف بهم. وقوله: ذاتِ الْعِمادِ لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشّعر التي ترفع بالأعمدة الشداد. وقال هاهنا: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ أى: القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم، لقوتهم وشدتهم، وعظم تركيبهم.. فالضمير في مِثْلُها يعود إلى القبيلة. ومن زعم أن المراد بقوله: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ مدينة إما دمشق أو الاسكندرية.. ففيه نظر.. لأن المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد، وليس المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم. وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بما ذكره جماعة من المفسرين من أن المراد بقوله- تعالى-: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ... مدينة مبنية بلبن الذهب والفضة.. فهذا كله من خرافات الإسرائيليين.. «١» . وقوله- تعالى-: وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ معطوف على ما قبله. والمراد بثمود: القبيلة المسماة بهذا الاسم، نسبة إلى جدها ثمود، وقد أرسل الله- تعالى- إليهم نبيهم صالحا- ﵇ فكذبوه، فأهلكهم الله- تعالى-. وكانت مساكنهم بين الشام والحجاز، وما زالت معروفة حتى الآن باسم قرى صالح. وقوله: جابُوا بمعنى قطعوا. من الجواب بمعنى القطع والخرق، والصخرة الحجارة العظيمة. والواد: اسم للأرض المنخفضة بين مكانين مرتفعين، وكان هؤلاء القوم يقطعون الصخور من الجبال، ليتخذوا منها بيوتهم بواديهم، أى: بالمكان الذي كانوا يسكنونه.

стр. 6550

فقوله: بِالْوادِ علم بالغلبة للمكان الذي كانوا يسكنون فيه، ويسمى بوادي القرى، وقد قال- تعالى- في شأنهم: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ. والمراد بفرعون هنا: هو وقومه. والمراد بالأوتاد: الجنود والعساكر الذين يشدون ملكه ويقوونه، كما تشد الخيام وتقوى بالأوتاد. قال الآلوسى: وصف فرعون بذلك لكثرة جنوده وخيامهم، التي يضربون أوتادها في منازلهم، أو لأنه كان يدق لمن يريد تعذيبه أربعة أوتاد، ويشده بها.. «١» . وقال بعض العلماء: ووصف فرعون بذي الأوتاد، لأن مملكته كانت تحتوى على الأهرامات، التي بناها أسلافه، لأن صورة الهرم على الأرض تشبه الوتد المدقوق، ويجوز أن يكون المراد بالأوتاد: التمكن والثبات على سبيل الاستعارة، أى: ذي القوة.. «٢» . وقال صاحب الظلال: وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ وهي على الأرجح الأهرامات، التي تشبه الأوتاد الثابتة في الأرض المتينة البنيان، وفرعون المشار إليه هنا، هو فرعون الطاغية الجبار، الذي أرسل الله- تعالى- إليه موسى- ﵇.. «٣» . والمعنى: لقد علمت- أيها الرسول الكريم- وعلم معك كل من هو أهل للخطاب، ما فعله ربك بقبيلة عاد، التي جدها إرم بن سام بن نوح، والتي كانت صاحبة أعمدة عظيمة ترفع عليها بيوتها، والتي لم يخلق في بلادها مثلها في القوة والغنى. وعلمت- أيضا- ما فعله ربك بقوم ثمود، الذين قطعوا صخر الجبال، واتخذوا منها بيوتا بوادي قراهم، التي ما زالت معروفة. وعلمت- كذلك- ما فعلناه بفرعون صاحب المبانى القوية الفخمة وصاحب الجنود والعساكر الذين يشدون ملكه. والَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فأفسدوها، وتجاوزوا كل حد في العصيان والظلم. فَأَكْثَرُوا فِيهَا أى: في البلاد الْفَسادَ عن طريق الفسوق والخروج عن طاعتنا. فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ أى: فكانت نتيجة طغيانهم وفسادهم، أن أنزل ربك عليهم، نوعا عظيما من العذاب المهين.
следующие страницы →