شهر ذي الحجة، لأنها وقت مناسك الحج، ففيها الإحرام، والطواف، والوقوف بعرفة..
وقيل المراد بها: الليالى العشر الأواخر من رمضان وقيل: الليالى العشر الأول من شهر المحرم..
قال الإمام ابن كثير: والليالى العشر: المراد بها: عشر ذي الحجة. كما قاله ابن عباس وابن الزبير، ومجاهد، وغير واحد من السلف والخلف.
وقد ثبت في صحيح البخاري، عن ابن عباس مرفوعا: «ما من أيام العمل الصالح، أحب إلى الله- تعالى- فيهن، من هذه الأيام» - يعنى: عشر ذي الحجة- قالوا: «ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلا خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء» ..
وقيل: المراد بذلك: العشر الأول من المحرم. وقيل: العشر الأول من رمضان.
والصحيح القول الأول.. «١» .
وأقسم- سبحانه- ثالثا ورابعا بقوله: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ والشفع: ما يكون ثانيا لغيره، والوتر: هو الشيء المنفرد.
وقد ذكر المفسرون في المراد بهذين اللفظين أقوالا متعددة، فمنهم من يرى أنهما يعمان كل الأشياء شفعها ووترها، ومنهم من يرى أن المراد بالشفع: يوم النحر، لكونه اليوم العاشر من ذي الحجة، وأن المراد بالوتر: يوم عرفة، لأنه اليوم التاسع من شهر ذي الحجة. ومنهم من يرى أن المراد بهما: الصلاة المكتوبة، ما كان منها شفعا، كصلاة الظهر والعصر والعشاء والصبح، وما كان منها وترا كالمغرب.
ومنهم من يرى أن المراد بالشفع: جميع المخلوقات، وبالوتر: الله- تعالى- الواحد الصمد.
وقد رجح بعض العلماء هذا القول فقال ما ملخصه: والواقع أن أقرب الأقوال عندي- والله أعلم-. أن المراد بالوتر، هو الله- تعالى-، للحديث: «إن الله وتر يحب الوتر» ، وما سواه شفع.. لأنه ثبت علميا أنه لا يوجد كائن موجود بمعنى الوتر قط، حتى الحصاة الصغيرة، فإنه ثبت أن كل كائن جماد أو غيره مكون من ذرات، والذرة لها نواة ومحيط.
стр. 6547
ولهذا كان القول بأن الوتر هو الله، وبأن الشفع: جميع المخلوقات.. هو الراجح، وهو الأعم في المعنى.. «١» .
وأقسم- سبحانه- خامسا- بقوله: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ أى: وحق الليل عند ما يسرى ويمضى، تاركا من خلفه ظلامه، ليحل محله النهار بضيائه.
أو المعنى: وحق الليل وقت أن يسرى فيه السارون، بعد أن أخذوا حظهم من النوم، فإسناد السّرى إلى الليل على سبيل المجاز، كما في قولهم: ليل نائم، أى: ينام فيه الناس، وقرأ الجمهور يسر بحذف الياء وصلا ووقفا، اكتفاء عنها بالكسرة تخفيفا.
وقرأ نافع وأبو عمرو بإثبات الياء عند الوصل، وبحذفها عند الوقف.
والمراد بالليل هنا: عمومه، وقيل: المراد به هنا: ليلة القدر، أو ليلة المزدلفة.
والاستفهام في قوله- تعالى-: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ للتقرير والتعظيم لما أقسم به- سبحانه- من مخلوقات. واسم الإشارة «ذلك» يعود إلى تلك الأشياء التي أقسم الله- تعالى- بها.
والمراد بالحجر العقل، وسمى بذلك لأنه يحجر صاحبه ويمنعه عن ارتكاب مالا ينبغي، كما سمى عقلا، لأنه يعقل صاحبه عن ارتكاب السيئات، كما يعقل العقال البعير عن الضلال.
والمعنى: هل في ذلك الذي أقسمنا به من الفجر، والليالى العشر، والشفع والوتر..
قسم، أى: مقسم به، حقيق أن تؤكد به الأخبار عند كل ذي عقل سليم؟.
مما لا شك فيه أن كل ذي عقل سليم، يعلم تمام العلم، أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء حقيق أن يقسم به، لكونها- أى: هذه الأشياء- أمورا جليلة، خليقة بالإقسام بها لفخامة شأنها، كما أن كل ذي عقل سليم يعلم- أيضا- أن المقسم بهذا القسم، وهو الله- صادق فيما أقسم عليه.
فالمقصود من وراء القسم بهذه الأشياء، تحقيق المقسم عليه. بأسلوب فيه ما فيه من التأكيد والتشويق وتحقيق المقسم عليه.
وجواب القسم محذوف دل عليه قوله- تعالى- بعد ذلك: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ. إلى قوله: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ.
стр. 6548
والتقدير: وحق هذه المخلوقات لتعذبن- أيها الكافرون- كما عذب الذين من قبلكم، مثل عاد وثمود وفرعون.
قال الجمل: فإن قلت: ما فائدة قوله- تعالى-: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ.
بعد أن أقسم- سبحانه- بالأشياء المذكورة؟ قلنا: هو لزيادة التأكيد والتحقيق للمقسم عليه، كمن ذكر حجة باهرة، ثم قال: أفيما ذكرته حجة؟.
وجواب القسم محذوف، أى: لتعذبن يا كفار مكة، وقيل هو مذكور وهو قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ، وقيل محذوف لدلالة المعنى عليه، أى لنجازين كل أحد بعمله.. «١» .
ثم ذكر- سبحانه- على سبيل الاستشهاد، ما أنزله من عذاب مهين، بالأقوام المكذبين. فقال- تعالى-: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ.
والاستفهام في قوله: أَلَمْ تَرَ.. للتقرير، والرؤية: علمية، تشبيها للعلم اليقيني بالرؤية في الوضوح والانكشاف، لأن أخبار هذه الأمم كانت معلومة للمخاطبين.
ويجوز أن تكون الرؤية بصرية، لكل من شاهد آثار هؤلاء الأقوام البائدين..
والمراد بعاد: تلك القبيلة المشهورة بهذا الاسم، والتي كانت تسكن الأحقاف، وهو مكان في جنوب الجزيرة العربية، معروف للعرب، قال- تعالى-: وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ، وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ.
سموا بذلك نسبة إلى أبيهم عاد بن عوص، بن إرم، بن سام، بن نوح- ﵇ فقوله- تعالى-: إِرَمَ عطف بيان لعاد، لأنه جده الأدنى.
وقوله- تعالى-: ذاتِ الْعِمادِ صفة لعاد، و «ذات» وصف مؤنث لأن المراد بعاد القبيلة، سمى أولاده باسمه، كما سمى بنو هاشم هاشما.
والمقصود بهذه القبيلة عاد الأولى، التي أرسل الله- تعالى- إليهم هودا- ﵇. وكانوا معروفين بقوتهم وضخامة أجسامهم.. وقد جاء الحديث عنهم كثيرا في القرآن الكريم، ومن ذلك قوله- تعالى-: فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً....
وقوله- سبحانه-: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ صفة أخرى لقبيلة عاد.
والمعنى: لقد وصل إلى علمك- أيها الرسول الكريم- بصورة يقينية، خبر قبيلة عاد، التي جدها الأدنى «إرم بن سام بن نوح «والتي كانت تسكن بيوتا ذات أعمدة، ترفع عليها
стр. 6549
خيامهم ومبانيهم الفارهة.. والتي لم يخلق مثلها- أى: مثل هذه القبيلة- أحد في ضخامة أجسام أفرادها، وفي قوة أبدانها، وفيما أعطاها الله- تعالى- من غنى وقوة.
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: قوله- تعالى-: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ. إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ هؤلاء كانوا متمردين عتاة.. فذكر- سبحانه- كيف أهلكهم.
وهؤلاء هم عاد الأولى، وهم أولاد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح، وهم الذين أرسل الله إليهم نبيه هودا- ﵇ فكذبوه فأهلكهم الله- تعالى-.
فقوله: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ عطف بيان، زيادة تعريف بهم. وقوله: ذاتِ الْعِمادِ لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشّعر التي ترفع بالأعمدة الشداد.
وقال هاهنا: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ أى: القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم، لقوتهم وشدتهم، وعظم تركيبهم.. فالضمير في مِثْلُها يعود إلى القبيلة.
ومن زعم أن المراد بقوله: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ مدينة إما دمشق أو الاسكندرية.. ففيه نظر.. لأن المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد، وليس المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم. وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بما ذكره جماعة من المفسرين من أن المراد بقوله- تعالى-: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ... مدينة مبنية بلبن الذهب والفضة.. فهذا كله من خرافات الإسرائيليين.. «١» .
وقوله- تعالى-: وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ معطوف على ما قبله. والمراد بثمود: القبيلة المسماة بهذا الاسم، نسبة إلى جدها ثمود، وقد أرسل الله- تعالى- إليهم نبيهم صالحا- ﵇ فكذبوه، فأهلكهم الله- تعالى-.
وكانت مساكنهم بين الشام والحجاز، وما زالت معروفة حتى الآن باسم قرى صالح.
وقوله: جابُوا بمعنى قطعوا. من الجواب بمعنى القطع والخرق، والصخرة الحجارة العظيمة.
والواد: اسم للأرض المنخفضة بين مكانين مرتفعين، وكان هؤلاء القوم يقطعون الصخور من الجبال، ليتخذوا منها بيوتهم بواديهم، أى: بالمكان الذي كانوا يسكنونه.
стр. 6550
فقوله: بِالْوادِ علم بالغلبة للمكان الذي كانوا يسكنون فيه، ويسمى بوادي القرى، وقد قال- تعالى- في شأنهم: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ.
والمراد بفرعون هنا: هو وقومه. والمراد بالأوتاد: الجنود والعساكر الذين يشدون ملكه ويقوونه، كما تشد الخيام وتقوى بالأوتاد.
قال الآلوسى: وصف فرعون بذلك لكثرة جنوده وخيامهم، التي يضربون أوتادها في منازلهم، أو لأنه كان يدق لمن يريد تعذيبه أربعة أوتاد، ويشده بها.. «١» .
وقال بعض العلماء: ووصف فرعون بذي الأوتاد، لأن مملكته كانت تحتوى على الأهرامات، التي بناها أسلافه، لأن صورة الهرم على الأرض تشبه الوتد المدقوق، ويجوز أن يكون المراد بالأوتاد: التمكن والثبات على سبيل الاستعارة، أى: ذي القوة.. «٢» .
وقال صاحب الظلال: وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ وهي على الأرجح الأهرامات، التي تشبه الأوتاد الثابتة في الأرض المتينة البنيان، وفرعون المشار إليه هنا، هو فرعون الطاغية الجبار، الذي أرسل الله- تعالى- إليه موسى- ﵇.. «٣» .
والمعنى: لقد علمت- أيها الرسول الكريم- وعلم معك كل من هو أهل للخطاب، ما فعله ربك بقبيلة عاد، التي جدها إرم بن سام بن نوح، والتي كانت صاحبة أعمدة عظيمة ترفع عليها بيوتها، والتي لم يخلق في بلادها مثلها في القوة والغنى.
وعلمت- أيضا- ما فعله ربك بقوم ثمود، الذين قطعوا صخر الجبال، واتخذوا منها بيوتا بوادي قراهم، التي ما زالت معروفة.
وعلمت- كذلك- ما فعلناه بفرعون صاحب المبانى القوية الفخمة وصاحب الجنود والعساكر الذين يشدون ملكه.
والَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فأفسدوها، وتجاوزوا كل حد في العصيان والظلم.
فَأَكْثَرُوا فِيهَا أى: في البلاد الْفَسادَ عن طريق الفسوق والخروج عن طاعتنا. فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ أى: فكانت نتيجة طغيانهم وفسادهم، أن أنزل ربك عليهم، نوعا عظيما من العذاب المهين.
стр. 6551
والسوط: آلة تتخذ من الجلود القوية، يضرب بها الجاني، وإضافتها إلى العذاب، من إضافة الصفة إلى الموصوف. أى: فصب عليهم ربك عذابا. «سوطا» أى: كالسوط في سرعته، وشدته وتتابعه، فهو تشبيه بليغ.
وعبر- سبحانه- على إنزال العذاب بهم بالصب- وهو الإفراغ لما في الظرف بقوة- للإيذان بكثرته وتتابعه.
وسميت أنواع العذاب النازلة بهم سوطا تسمية للشيء باسم آلته..
قال صاحب الكشاف: وذكر السوط. إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به.
وعن عمر بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن عند الله أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط منها.. «١» .
وقوله- سبحانه-: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ تذييل وتعليل لإصابتهم بسوط عذاب.
والمرصاد في الأصل: اسم للمكان الذي يجلس فيه الجالس لترقب أو رؤية شيء ما.
والمراد: إن ربك- أيها الرسول الكريم- يرصد عمل كل إنسان، ويحصيه عليه، ويجازيه به، دون أن يخفى عليه- سبحانه- شيء في الأرض أو السماء.
وفي هذه الآيات الكريمة تخويف شديد للكافرين، وتهديد لهم على إصرارهم في جحودهم، وأنهم إذا ما ساروا في طريق الجحود والعناد، فسيصيبهم ما أصاب هؤلاء الطغاة.
ثم ذكر- سبحانه- حال الإنسان عند اليسر والعسر، والغنى والفقر، والسراء والضراء فقال:
[سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١٥ الى ٣٠]
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩)
وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤)
فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩)
وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)
стр. 6552
والفاء في قوله: فَأَمَّا الْإِنْسانُ ... للتفريع على ما تقدم، ولترتيب ما بعدها على ما قبلها.
والمراد بالإنسان هنا: جنسه. وقيل المراد به الكافر. ولفظ «الإنسان» مبتدأ، وخبره:
فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ.
والمعنى: هذه سنة ربك- أيها العاقل- في عباده، أنه- تعالى- لهم بالمرصاد، فهو يراقب أعمالهم، ويحاسبهم عليها، ويجازيهم بها، والسعيد من الناس هو الذي يفقه هذه الحقيقة، فيؤدى ما كلفه خالقه به ... فأما الإنسان، الشقي الغافل عن طاعة ربه..
إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ أى: إذا ما اختبره وامتحنه ربه بألوان من النعم، بأن منحه المال الكثير، والجاه العريض، وأسباب القوة والمنعة فَيَقُولُ على سبيل التباهي والتفاخر.. رَبِّي أَكْرَمَنِ أى: ربي أعطانى ذلك، لأنى مستحق لهذه النعم، كما قال- تعالى-: وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ، لَيَقُولَنَّ هذا لِي، وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً، وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى «١» .
وقوله- سبحانه-: وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ... بيان لموقف هذا الإنسان عند فقره. أى: وأما إذا ما امتحنا هذا الإنسان بسلب بعض النعم عنه، وبضيق الرزق..
فَيَقُولُ على سبيل التضجر والتأفف وعدم الرضا بقضائه- سبحانه-: رَبِّي أَهانَنِ أى: ربي أذلنى بالفقر، وأنزل بي الهوان والشرور.
стр. 6553
وقول هذا الإنسان في الحالين، قول مذموم، يدل على سوء فكره، وقصور نظره، وانطماس بصيرته، لأنه في حالة العطاء والسعة في الرزق. يتفاخر ويتباهى، ويتوهم أن هذه النعم هو حقيق وجدير بها، وليست من فضل الله- تعالى- وكأنه يقول ما قاله قارون:
إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي وفي حالة المنع والضيق في الرزق يجزع، ويأبى أن يرضى بقضاء الله وقدره.. ولا يخطر بباله أن نعم الله، إنما هي فضل تفضل به- سبحانه- عليه ليختبره، أيشكر أم يكفر. وأن تضييقه عليه في الرزق، ليس من الإهانة في شيء، بل هو للابتلاء- أيضا- والامتحان، كما قال- تعالى-: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً، وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ.
قال الإمام الشوكانى عند تفسيره لهاتين الآيتين: وهذه صفة الكافر الذي لا يؤمن بالبعث، لأنه لا كرامة عنده إلا الدنيا والتوسع في متاعها، ولا إهانة عنده إلا فوتها وعدم وصوله إلى ما يريد من زينتها، فأما المؤمن فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته، ويوفقه لعمل الآخرة.
ويحتمل أن يراد الإنسان على العموم، لعدم تيقظه أن ما صار إليه من الخير، وما أصيب به من الشر في الدنيا، ليس إلا للاختبار والامتحان، وأن الدنيا بأسرها، لا تعدل عند الله- تعالى- جناح بعوضة.. «١» .
واقتصر- سبحانه- في الآية الكريمة على تقتير الرزق، في مقابلة النعمة، دون غير ذلك من الأمراض والآفات، للإشعار بأن هذا الإنسان يعتبر دنياه جنته ومنتهى آماله. فهو لا يفكر إلا في المال ولا يحزن إلا من أجله، وأن المقياس عنده لمقادير الناس هو على حسب ما عندهم من أموال كما قال شاعرهم:
فلو شاء ربي كنت قيس بن عاصم ... ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد
فأصبحت ذا مال كثير وطاف بي ... بنون كرام، سادة لمسوّد
ولما كان هذا القول مذموما من هذا الإنسان في الحالين. لعدم شكره لله- تعالى- في حالة الرخاء، ولعدم صبره على قضائه في حالة البأساء.
لما كان الأمر كذلك جاء حرف الردع بعد ذلك فقال- تعالى-: كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ. وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ.
فقول- تعالى-: كَلَّا زجر وردع عن قول هذا الإنسان رَبِّي أَكْرَمَنِ عند
стр. 6554
حصول النعمة، وعن قوله رَبِّي أَهانَنِ عند حصول التقتير في الرزق، لأن الله- تعالى- قد يوسع على الكافر وهو مهان ومبغوض منه- تعالى-، وقد يضيق- سبحانه- على المؤمن مع محبته له، وكلا الأمرين حاصل بمقتضى حكمته- والمؤمن الصادق هو الذي يشكر عند الرخاء، ويصبر عند البأساء.
و «بل» هنا للإضراب الانتقالى، من ذمهم على القبيح من القول، إلى ذمهم بما هو أشنع منه، وهو ارتكابهم للقبيح من الأفعال.
أى: كلا ليس قولكم هذا وهو أن الإكرام في الإعطاء، والإهانة في المنع- هو القبيح فحسب، بل هناك ما هو أقبح منه، وهو أنكم- أيها الكافرون-.
لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ أى: لا تعطفون على اليتيم وهو الذي مات أبوه وهو صغير، بأن تتركوه معرضا للفقر والاحتياج، دون أن تعملوا على تقديم يد المساعدة إليه.
وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ أى: ولا يحث بعضكم بعضا على إطعام المساكين والبائسين.
ونفى الحض على إطعامهم، نفى لإطعامهم من باب أولى، وفي ذلك زيادة لمذلتهم، لأنهم لا يطعمون، ولا يحضون غيرهم عليه، لأنهم قوم خلت قلوبهم من الرحمة والعطف.
قال الآلوسى: قوله- سبحانه-: بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ... إلخ. انتقال وترق من ذم هذا الإنسان على القبيح من القول، إلى الأقبح من الفعل، والالتفات إلى الخطاب، لتشديد التقريع، وتأكيد التشنيع.. والجمع باعتبار معنى الإنسان، إذ المراد الجنس. أى: بل لكم أفعال وأحوال أشد شرا مما ذكر، وأدل على تهالككم على المال، حيث أكرمكم- سبحانه- بكثرة المال، ولكنكم لم تؤدوا ما يلزمكم فيه من إكرام اليتيم.
والمراد بطعام المسكين: إطعامه، فالطعام مصدر بمعنى الإطعام.. أو المراد به: الشيء المطعوم، ويكون الكلام على حذف مضاف. أى: على بذل طعام المسكين.. «١» .
وقوله- سبحانه-: وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا بيان لرذيلة ثالثة من رذائلهم المتعددة. والتراث: هو المال الموروث عن الغير. والمراد بالأكل مطلق الانتفاع، وخص الأكل بالذكر، لأنه يشمل معظم وجوه التصرفات المالية.
стр. 6555
والّمّ: الجمع بدون تفرقة بين الحلال والحرام، مأخوذ من قولهم: لمّ الطعام، إذا أكله كله دون أن يترك منه شيئا.
أى: ومن صفاتكم القبيحة أنكم تأكلون المال الموروث عن غيركم، أكلا شديدا، بحيث لا تتركون منه شيئا، ولا تفرقون بين ما هو حلال أو حرام، ولا بين ما يحمد وما لا يحمد، بل تأخذون حقوقكم وحقوق غيركم من النساء والصبيان.
ومن صفاتكم- أيضا- أنكم تُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا أى: حبا كثيرا مع حرص وشره. يقال: جمّ الماء في الحوض، إذا كثر واجتمع، ومنه الجموم للبئر الكثيرة الماء.
والحب المفرط للمال من الصفات الذميمة، لأنه يؤدى إلى جمعه من كل طريق، بدون تفرقة بين ما يحل منه وما يحرم.
فأنت ترى أن الله- تعالى- قد وصف هذا النوع من الناس، بأنه قد جمع في سوء سلوكه، بين النطق بالقبيح من الأقوال، وبين ارتكاب القبيح من الأفعال، وهي: ترك اليتيم بلا رعاية، وعدم الحض على إطعام المحتاج، وجمع المال الموروث بدون تفرقة بين حلاله وحرامه، والإفراط في حب المال بطريقة ذميمة.
وبعد هذا الزجر والردع لهم، لسوء أقوالهم وأفعالهم، أخذت السورة الكريمة في زجرهم وردعهم عن طريق تذكيرهم بأهوال الآخرة فقال: - تعالى-: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا. وقوله- تعالى-: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ردع لهم وزجر عن أفعالهم السابقة، وهي عدم إكرام اليتيم، وعدم الحض على طعام المسكين.
وقوله: دُكَّتِ الْأَرْضُ من الدك: بمعنى الكسر والدق والزلزلة الشديدة، والتحطيم الجسيم، وانتصب لفظ «دكا» الأول على أنه مصدر مؤكد للفعل، وانتصاب الثاني على أنه تأكيد للأول. وقيل: تكرار «دكا» للدلالة على الاستيعاب، كقولك: قرأت النحو بابا بابا، أى: قرأته كله.
قال القرطبي: قوله- تعالى-: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ ... أى: ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر. فهو رد لانكبابهم على الدنيا، وجمعهم لها، فإن من فعل ذلك يندم يوم تدك الأرض، ولا ينفعه الندم، والدك: الكسر والدق، أى: زلزلت وحركت تحريكا بعد تحريك.
وقوله: دَكًّا دَكًّا أى: مرة بعد مرة، زلزلت فكسر بعضها بعضا فتكسر كل شيء
стр. 6556
على ظهرها.. «١» .
وقوله- تعالى-: وَجاءَ رَبُّكَ ... هذه الآية وأمثالها من آيات الصفات التي يرى السلف وجوب الإيمان بها كما جاءت، بمعنى أننا نؤمن بمجيء الله- تعالى- ولكن من غير تكييف ولا تمثيل، بل نكل علم كيفية مجيئه إلى مشيئته- تعالى-.
والخلف يؤولون ذلك بأى المجيء هنا بمعنى مجيء أمره وقضائه.
قال الآلوسى: قوله- تعالى-: وَجاءَ رَبُّكَ ... قال منذر بن سعيد، معناه: ظهر- سبحانه- للخلق هنالك، وليس ذلك بمجيء نقلة.. وقيل: الكلام على حذف مضاف للتهويل، أى: وجاء أمر ربك وقضاؤه. واختار جمع أنه تمثيل لظهور آيات اقتداره- تعالى- وتبيين آثار قدرته وسلطانه، مثلت حاله- سبحانه- في ذلك، بحال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة ما لا يظهر بحضور عساكره ووزرائه وخواصه عن بكرة أبيهم، وأنت تعلم ما للسلف في المتشابه من الكلام.
وَالْمَلَكُ أى: جنس الملك، فيشمل جميع الملائكة صَفًّا صَفًّا أى: مصطفين، أو ذوى صفوف.. «٢» .
وقوله- تعالى-: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ أى: وأحضرت جهنم وظهرت وبرزت للكافرين والفاسقين يوم القيامة، يوم تدك الأرض دكا.
وقوله: يَوْمَئِذٍ منصوب بقوله جِيءَ. وقوله بِجَهَنَّمَ قائم مقام الفاعل.
روى الإمام مسلم في صحيحه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها.. «٣» .
يَوْمَئِذٍ أى: في هذا اليوم العسير، وهو يوم القيامة- وهو بدل من قوله- تعالى-: إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ- يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ أى: يتذكر ما فرط منه من ذنوب، وما ارتكبه من سيئات، وما وقع فيه من كفر وفسوق عن أمر ربه.
وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى أى: ومن أين له الانتفاع بهذا التذكر، لأنه تذكر قد جاء في غير وقت الانتفاع به، وهو وقت الحساب على الأعمال، لا وقت التوبة من السيئ منها.
يَقُولُ هذا الإنسان الشقي يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي أى: يقول حين يرى العذاب
стр. 6557
ماثلا أمامه، يقول- على سبيل التحسر والتفجع-: يا ليتني قدمت أعمالا صالحة لأجل حياتي هذه في الآخرة، فاللام للتعليل، وقدمت أعمالا صالحة في وقت حياتي في الدنيا لأنتفع بها في هذا اليوم، فتكون اللام للتوقيت.
فَيَوْمَئِذٍ أى: ففي هذا اليوم لا ينفعه الندم ولا التحسر، ولا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ، وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ والوثاق: الرباط الذي يقيد به الأسير.
أى: ففي هذا اليوم لا يعذّب كعذاب الله أحد، ولا يوثق كوثاقه أحد، فالضمير في قوله: عَذابَهُ ووَثاقَهُ يعود إلى الله- تعالى- ولفظ «أحد» فاعل.
وقرأ الكسائي: لا يُعَذِّبُ ولا يُوثِقُ- بفتح الذال المشددة، وفتح الثاء- على البناء للمفعول، والضمير في قوله عَذابَهُ ووَثاقَهُ يعود للكافر.
أى: فيومئذ لا يعذب أحد مثل عذاب ذلك الإنسان الكافر المتحسر، ولا يوثق أحد مثل وثاقه، ولفظ «أحد» هنا نائب فاعل.
وشبيه بهاتين الآيتين قوله- تعالى-: قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ- أى: المائدة- فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بهذه البشارة العظيمة للمؤمنين فقال: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً. فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي.
والنفس المطمئنة: هي النفس الآمنة من الخوف أو الحزن في يوم القيامة. بسبب إيمانها الصادق، وعملها الصالح، والكلام على إرادة القول. أى: يقول الله- تعالى- على لسان ملائكته، إكراما للمؤمنين، عند وفاتهم، أو عند تمام حسابهم: يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة، الناعمة بروح اليقين، الواثقة بفضل الله- تعالى- ورحمته. ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً أى: ارجعي إلى ربك الذي خلقك، وأنت راضية تمام الرضا بما أعطاك- سبحانه- من ثواب، ومرضى عنك منه- تعالى- بسبب إيمانك الصادق، وعملك الصالح.
فَادْخُلِي فِي عِبادِي أى: فادخلي في زمرة عبادي الصالحين المرضيين. وَادْخُلِي جَنَّتِي التي وعدتهم بها، والتي أعددتها لنعيمهم الدائم المقيم.
وقد ذكروا أن هذه الآيات الكريمة نزلت في شأن عثمان بن عفان لمّا تصدق ببئر رومة.
وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب حين استشهد.
стр. 6558
قال القرطبي: والصحيح أنها عامة في نفس كل مؤمن مخلص طائع..
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا جميعا من أصحاب النفوس المطمئنة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..
стр. 6559
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة البلد
مقدمة وتمهيد
١- سورة «البلد» وتسمى سورة «لا أقسم» من السور المكية الخالصة، وعلى ذلك سار المحققون من المفسرين.
قال القرطبي: سورة «البلد» مكية باتفاق.. «١» .
وقال الآلوسى: مكية في قول الجمهور بتمامها، وقيل: مدنية بتمامها. وقيل: مدنية إلا أربع آيات من أولها. واعترض كلا القولين بأنه يأباهما قوله بِهذَا الْبَلَدِ- إذ المقصود بهذا البلد مكة-، ولقوة الاعتراض ادعى الزمخشري الإجماع على مكيتها.. «٢» .
والذي تطمئن إليه النفس، أن هذه السورة من السور المكية الخالصة، ولا يوجد دليل يعتمد عليه يخالف ذلك.
قال الشوكانى: سورة «البلد» ، ويقال لها سورة «لا أقسم» وهي عشرون آية. وهي مكية بلا خلاف. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة «لا أقسم» بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.
٢- وهي السورة الخامسة والثلاثون في ترتيب نزول السور، فقد كان نزولها بعد سورة «ق» ، وقبل سورة «الطارق» ، أما ترتيبها في المصحف فهي السورة التسعون.
ومن مقاصدها: التنويه بشأن مكة، لشرفها وحرمتها ووجود البيت المعظم بها، وتعداد نعم الله- تعالى- على الإنسان حتى يرجع عن عصيانه وغروره، ويخلص العبادة لخالقه، وبيان حسن عاقبة الأخيار، وسوء عاقبة الأشرار..
стр. 6560
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة البلد (٩٠) : الآيات ١ الى ٢٠]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤)
أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩)
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤)
يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩)
عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)
افتتحت السورة الكريمة بالقسم، تشويقا لما يرد بعده، وتأكيدا للمقسم عليه.
و «لا» في مثل هذا التركيب، يرى المحققون أنها مزيدة للتأكيد، والمعنى: أقسم بهذا البلد. أى: مكة المكرمة، وقد جاء القسم بها في قوله- تعالى-: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَطُورِ سِينِينَ، وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ.
قال الشيخ محمد عبده- ﵀: قوله لا أُقْسِمُ ... عبارة من عبارات العرب في
стр. 6561
القسم، يراد بها تأكيد الخبر، كأنه في ثبوته وظهوره لا يحتاج إلى قسم. ويقال إنه يؤتى بها في القسم إذا أريد تعظيم المقسم به. كأن القائل يقول: إنى لا أعظمه بالقسم، لأنه عظيم في نفسه، والمعنى في كل حال على القسم.. «١» .
وقال بعض العلماء: «لا» هذه للنفي، وهذه عبارة تعود العرب أن يقولوها عند ما يكون المقسم عليه ظاهرا أمره، كأنه- تعالى- يقول: أنا لا أقسم بهذه الأشياء، على إثبات هذا المطلوب الذي أذكره بعد، لأن إثباته أظهر وأجلى وأقوى من أن يحاول محاول إثباته بالقسم.
ويقال: معناه: أنا لا أقسم بهذه الأشياء على إثبات المطلوب، لأنه أعظم وأجل وأكبر من أن يقسم عليه، بهذه الأمور الهينة الشأن، والغرض على هذا الوجه، تعظيم المقسم عليه، وتفخيم شأنه.. «٢» .
والإشارة بلفظ «هذا» مع بيانه بالبلد، إشارة إلى حاضر في أذهان السامعين، لأن مكة بعضهم كان يعيش فيها. وبعضهم كان يعرفها معرفة لا خفاء معها، وشبيه بذلك قوله- تعالى-: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ.
وفائدة الإتيان باسم الإشارة هنا: تمييز المقسم به أكمل تمييز لقصد التنويه به.
وجملة: وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ معترضة بين القسم وجوابه.
وقوله- تعالى- حِلٌّ اسم مصدر أحل بمعنى أباح، فيكون المعنى: وأنت- أيها الرسول الكريم- قد استحل كفار مكة إيذاءك ومحاربتك.. مع أنهم يحرمون ذلك النسبة لغيرك، في هذا البلد الأمين.
ويصح أن يكون لفظ «حل» هنا بمعنى الحلال الذي هو ضد الحرام يقال: هو حل وحلال، وحرم وحرام.. فيكون المعنى: وأنت أيها الرسول الكريم- قد أحل الله- تعالى- لك أن تفعل بهؤلاء المشركين ما شئت من القتل أو العفو.
وتكون الجملة الكريمة، بشارة للنبي ﷺ بأن الله- تعالى- سينصره على مشركي قريش، ويمكنه من رقابهم.. وقد أنجز له- سبحانه- ذلك يوم الفتح الأكبر.
قال صاحب الكشاف: أقسم الله- تعالى- بالبلد الحرام وما بعده، على أن الإنسان خلق مغمورا في مكابدة المشاق والشدائد، واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله: وَأَنْتَ
стр. 6562
حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ يعنى: ومن المكابدة أن مثلك- يا محمد- على عظم حرمتك، يستحلّ بهذا البلد الحرام، كما يستحل الصيد في غير الحرم.
وفيه تثبيت لرسول الله ﷺ وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة، وتعجيب من حالهم في عداوته.
أو سلى ﷺ بالقسم ببلده، على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده فتح مكة تتميما للتسلية والتنفيس عليه فقال: وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ.
يعنى: وأنت حل به في المستقبل، تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر.
فإن قلت: أين نظير قوله: وَأَنْتَ حِلٌّ في معنى الاستقبال؟ قلت: قوله- تعالى- إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ.
وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال، وأن تفسيره بالحال محال، أن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة من وقت نزولها؟ فما بال الفتح؟ «١» .
ويرى بعضهم أن معنى قوله- تعالى-: وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ: وأنت مقيم بهذا البلد، ونازل فيه، وحال به، وكفى فخرا لمكة أن تنزل فيها- أيها الرسول الكريم- فإن الأمكنة الشريفة تزداد شرفا بنزول رسل الله- تعالى- فيها، فكيف وأنت خاتمهم وإمامهم؟.
قال بعض العلماء: وحكى ابن عطية عن بعض المتأولين: أن معنى «وأنت حل بهذا البلد» وأنت ساكن بهذا البلد، حال فيه.. وهو يقتضى أن تكون هذه الآية موضع الحال من ضمير «أقسم» فيكون القسم بالبلد مقيدا باعتبار بلد محمد ﷺ وهو تأويل جميل، لو ساعد عليه ثبوت استعمال «حل» بمعنى حالّ، أى: مقيم في مكان، فإن هذا لم يرد في كتب اللغة.. ولذا لم يذكر هذا المعنى صاحب الكشاف.. «٢» .
ويبدو لنا أن هذه الأقوال لا تعارض بينها، بل يؤيد بعضها بعضا، لأن الرسول ﷺ قد آذاه أهل مكة، بينما حرموا إيذاء غيره، وأن الله- تعالى- قد مكن رسوله ﷺ منهم. كما حدث في غزوة الفتح، وأنه ﷺ قد أقام معهم في مكة أكثر من خمسين سنة، وكان يلقب عندهم بالصادق الأمين..
стр. 6563
وقوله- سبحانه-: وَوالِدٍ وَما وَلَدَ معطوف على المقسم به الأول وهو قوله- تعالى-: بِهذَا الْبَلَدِ. وداخل في حيز القسم. والمراد بالوالد آدم- ﵇، والمراد بما ولد: ذريته من بعده.
أى: أقسم بهذا البلد الذي له ماله من الشرف، والمكانة السامية بين البلاد.. وأقسم بأبيكم آدم، وبذريته من بعده.. أو أقسم بكل والد وبكل مولود.
وجيء باسم الموصول «ما» في قوله وَما وَلَدَ دون «من» مع أنها أكثر استعمالا في العاقل الذي هو مراد هنا، لأن «ما» أشد إبهاما، وشدة الإبهام المقصود بها هنا التفخيم والتعظيم.. وشبيه بذلك قوله- تعالى-: فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ ... كما أن تنكير لفظ «والد» هنا للتعظيم أيضا.
وقيل المراد بالوالد هنا: ابراهيم- ﵇ وبما ولد: الصالحون من ذريته.
وقيل المراد بالوالد: من يولد له، وبقوله وَما وَلَدَ الذي لم يولد له وعليه تكون ما نافية.
وقد رجح الإمام ابن جرير المعنى الأول فقال: والصواب من القول في ذلك، ما قاله الذين قالوا: إن الله- تعالى- أقسم بكل والد وولده، لأن الله- تعالى- عم كل والد وما ولد، وغير جائز أن يخص ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل. ولا خبر بخصوص ذلك، ولا برهان يجب التسليم له بخصوصه، فهو على عمومه.. «١» .
وقوله- تعالى-: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ جواب القسم. والمراد بالإنسان:
جنسه، والكبد: الشدة والتعب والمشقة، من المكابدة للشيء، بمعنى تحمل المشاق والمتاعب في فعله. وأصله من كبد الرجل- بزنة طرب- فهو أكبد، إذا أصيبت كبده بالمرض، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تعب ومشقة تنال الإنسان.
والمعنى: لقد خلقنا الإنسان لهذه الشدائد والآلام، التي هي من طبيعة هذه الحياة الدنيا، والتي لا يزال يكابدها وينوء بها، ويتفاعل معها.. حتى تنتهي حياته، ولا فرق في ذلك بين غنى أو فقير، وحاكم أو محكوم وصالح أو صالح.. فالكل يجاهد ويكابد ويتعب، من أجل بلوغ الغاية التي يبتغيها.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ أى: في تعب ومشقة، فإنه لا يزال يقاسى فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى حين نزعها.
стр. 6564
وعن ابن عمر- رضى الله عنهما- يكابد الشكر على السراء ويكابد الصبر على الضراء.
وقيل: لقد خلقناه منتصب القامة واقفا، ولم نجعله منكبا على وجهه.
وقيل: جعلناه منتصبا رأسه في بطن أمه، فإذا أذن له في الخروج قلب رأسه إلى قدمي أمه.. وهذه الأقوال ضعيفة لا يعول عليها، والصحيح الأول.. «١» .
والحق أن تفسير الكبد بالمشقة والتعب، هو الذي تطمئن إليه النفس لأنه لا يوجد في هذه الحياة إنسان إلا وهو مهموم ومشغول بمطالب حياته، وفي كبد وتعب للحصول على آماله ورغباته وغاياته، ورحم الله القائل:
تعب كلها الحياة فما أعجب ... إلا من راغب في ازدياد
وقال- سبحانه- فِي كَبَدٍ للإشعار بأنه لشدة مقاساته ومكابدته للمشاق والمتاعب، وعدم انفكاكه عنها.. كالظرف بداخل المظروف فهو في محن ومتاعب، حتى يصير إلى عالم آخر تغاير أحواله أحوال هذا العالم.
والاستفهام في قوله- تعالى- بعد ذلك: أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ. يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً. أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ للإنكار والتوبيخ.
أى: أيظن هذا الإنسان الذي هو في تعب ومشقة طول حياته، أنه قد بلغ من القوة والمنعة.. بحيث لا يقدر عليه أحد.
إن كان يتوهم ذلك، فهو في ضلال مبين، لأن الله- تعالى- الذي خلقه، قادر على إهلاكه في لمح البصر، وقادر على أن يسلط عليه من يذله، ويقضى عليه.
ويدخل في هذا التوبيخ دخولا أوليا، أولئك المشركون الذين اغتروا بقوتهم، فآذوا النبي ﷺ وأصحابه إيذاء شديدا.
ثم حكى- سبحانه- جانبا من أقوال هذا النوع الجاحد المغرور من بنى آدم فقال:
يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً. أى: يقول هذا الإنسان المغرور بقوته، والمفتون بماله، المتفاخر بما معه من حطام الدنيا. يقول- على سبيل التباهي والتعالي على غيره- لقد أنفقت مالا كثيرا، في عداوة النبي ﷺ ، وفي إيذاء أتباعه، وفي غير ذلك من الوجوه التي كان أهل الجاهلية يظنونها خيرا، وما هي إلا شر محض. وعبر- سبحانه- عن إنفاق هذا الشقي لما له بقوله: يَقُولُ أَهْلَكْتُ.... للإشعار، بأن ما أنفقه من مال هو شيء هالك، لأنه لم ينفق في الخير، وإنما أنفق في الشر.
стр. 6565
والمال اللّبد: هو المال الكثير الذي تلبد والتصق بعضه ببعض لكثرته وهو جمع لبدة- بضم اللام وسكون الباء- كغرفة وغرف، وهي ما تلبد من صوف أو شعر، أى: تجمع والتصق بعضه بعض.
وقوله- سبحانه-: أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ توبيخ لهذا المغرور إثر توبيخ، وتجهيل في أعقاب تجهيل. أى: أيظن هذا الجاهل المغرور، حين أنفق المال الكثير في المعاصي والسيئات، أن الله- تعالى- غير مطلع عليه؟ إن كان يظن ذلك فهو في نهاية الجهالة وانطماس البصيرة، لأن الله- تعالى- مطلع عليه، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وسيحاسبه على ذلك حسابا عسيرا.
وفي الحديث الشريف: لن تزل قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن شبابه فيم أبلاه، وعن عمره فيم أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه.
ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك جانبا من مظاهر نعمه، على هذا الإنسان الجاهل المغرور.
فقال- تعالى-: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ. وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ. وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ.
والاستفهام هنا للتقرير، لأن الله- تعالى- قد جعل له كل ذلك، ولكنه لم يشكر الله- تعالى- على هذه النعم، بل قابلها بالجحود والبطر..
أى: لقد جعلنا لهذا الإنسان عينين، يبصر بهما، وجعلنا له لسانا ينطق به، وشفتين- وهما الجلدتان اللتان تستران الفم والأسنان- تساعدانه على النطق الواضح السليم.
واقتصر- سبحانه- على العينين، لأنهما أنفع المشاعر، ولأن المقصود إنكار ظنه أنه لم يره أحد، ولأن الإبصار حاصل بذاتهما.
وذكر- سبحانه- اللسان وذكر معه الشفتين. للدلالة على أن النطق السليم، لا يتأتى إلا بوجودهما معا، فاللسان لا ينطق نطقا صحيحا بدون الشفتين، وهما لا ينطقان بدونه.
وقوله- تعالى-: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ بيان لنعمة أخرى هي أجل النعم وأعظمها.
والنجد: الأرض المرتفعة، وجمعه نجود، ومنه سميت بلاد نجد بهذا الإسم، لأنها مرتفعة عن غيرها ... والمراد بالنجدين هنا: طريق الخير. وطريق الشر، أى: وهدينا هذا الإنسان وأرشدناه إلى طريق الخير والشر، عن طريق رسلنا الكرام، وعن طريق ما منحناه من عقل، يميز به بين الحق والباطل، ثم وهبناه الاختيار لأحدهما، كما قال- تعالى-: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً.
قال بعض العلماء: وكأنهما إنما سميا نجدين- أى: سبيل الخير والشر: لأنهما لما وضحت
стр. 6566
الدلائل، وقربت الحجج، وظهرت البراهين، جعلا كالطريق المرتفعة العالية، في أنها واضحة لذوي الأبصار.
أو إنما سميا بذلك، للإشارة إلى أن في كل منهما وعورة يشق معها السلوك، ولا يصبر عليها إلا من جاهد نفسه وراضها، وليس سلوك طريق الشر بأهون من سلوك الخير، بل الغالب أن يكون طريق الشر، أشق وأصعب، وأحوج إلى الجهد.. «١» .
وبعد بيان هذه النعم الجليلة التي أنعم الله بها- سبحانه- على الإنسان، أتبع- سبحانه- ذلك بحضه على المداومة على فعل الخير، وعلى إصلاح نفسه، فقال- تعالى-: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ. أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ.
والفاء في قوله- سبحانه-: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ للتفريع على ما تقدم، والمقصود بهذه الآية الحض على فعل الخير بدل الشر.
وقوله: اقْتَحَمَ من الاقتحام للشيء، بمعنى دخوله بشدة. يقال: اقتحم الجنود أرض العدو، إذا دخلوها بقوة وسرعة، وبدون مبالاة بارتكاب المخاطر.
والعقبة في الأصل: الطريق الوعر في الجبل، والمراد بها هنا: مجاهدة النفس، وقسرها على مخالفة هواها وشهوتها، وحملها على القول والفعل الذي يرضى الله تعالى-.
والمعنى: لقد جعلنا للإنسان عينين ولسانا وشفتين. وهديناه النجدين. فهلا بعد كل هذه النعم، فعل ما يرضينا، بأن جاهد نفسه وهواه، وبأن قدم ماله في فك الرقاب، وإطعام اليتامى والمساكين.
قال الجمل: وقوله: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ أى: فهلا اقتحم العقبة، فلا بمعنى هلا التي للتحضيض. أى: الذي أنفق ماله في عداوة النبي ﷺ هلا أنفقه في اقتحام العقبة فيأمن.. «٢» .
وقد استعيرت العقبة لمجاهدة النفس، وحملها على الإنفاق في سبيل الخير، لأن هذه الأعمال شاقة على النفس، فجعلت كالذي يتكلف سلوك طريق وعر..
ويصح أن تكون «لا» هنا، على معناها الحقيقي وهو النفي، فيكون المعنى: أن هذا
стр. 6567
الإنسان الذي جعلنا له عينين.. لم يشكرنا على نعمنا، فلا هو اقتحم العقبة، ولا هو فعل شيئا ينجيه من عذابنا.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: قوله: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ يعنى: فلم يشكر تلك الأيادى والنعم بالأعمال الصالحة: من فك الرقاب، وإطعام اليتامى والمساكين..
بل غمط النعم، وكفر بالمنعم..
فإن قلت: قلما تقع «لا» الداخلة على الماضي، غير مكررة، فما لها لم تكرر في الكلام الأفصح؟. قلت: هي متكررة في المعنى، لأن المعنى فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ.. فلا فكّ رقبة، ولا أطعم مسكينا. ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك.. «١» .
والاستفهام في قوله- سبحانه-: وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ لتفخيم شأنها، والتهويل من أمرها، والتشويق إلى معرفتها.
والكلام على حذف مضاف، والتقدير: وما أدراك ما اقتحام العقبة؟.
ثم فسر- سبحانه- ذلك بقوله: فَكُّ رَقَبَةٍ. والمراد بفك الرقبة إعتاقها وتخليصها من الرق والعبودية. إذ الفك معناه: تخليص الشيء من الشيء..
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، جملة من الأحاديث التي وردت في فضل عتق الرقاب، وتحريرها من الرق..
ومن هذه الأحاديث قوله ﷺ «من أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكل إرب منها- أى عضو منها- إربا منه من النار ... » .
وقوله ﷺ : «ومن أعتق رقبة مؤمنة فهي فكاكه من النار ... » «٢» .
وقراءة الجمهور فَكُّ رَقَبَةٍ برفع «فك» وإضافته إلى «رقبة» .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: «فك» بفتح الكاف على أنه فعل ماض، ونصب لفظ «رقبة» على أنه مفعول به.
وقد ذهب جمع من المفسرين إلى أن المراد بفك الرقبة: أن يخلص الإنسان نفسه من المعاصي والسيئات، التي تكون سببا في دخوله النار.
وقوله- سبحانه-: أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ بيان لفضيلة ثانية من الفضائل التي
стр. 6568
تؤدى إلى مجاهدة النفس، وحملها على طاعة الله- تعالى-.
والمسغبة: المجاعة، مصدر ميمى بمعنى السّغب، يقال: سغب الرجل- كفرح ونصر- إذا أصابه الجوع. ووصف اليوم بذلك على سبيل المبالغة كما في قولهم: نهاره صائم..
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي «أطعم» بصيغة الفعل الماضي.
أى: اقتحام العقبة. أى: التمكن من حمل النفس على طاعة الله- تعالى- يتمثل في فك الرقاب. وفي إطعام المحتاجين في يوم يشتد فيه جوعهم.
وقوله- سبحانه-: يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ. أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ بيان لفضيلة ثالثة من الفضائل التي تؤدى إلى رضا الله- تعالى-.
وقوله: يَتِيماً منصوب على أنه مفعول به لقوله «إطعام» أو أطعم على القراءة الثانية. واليتيم: هو الشخص الذي مات أبوه وهو صغير..
والمقربة: بمعنى القرابة، مصدر ميمى، من قرب فلان من فلان، إذا كان بينهما نسب قريب..
والمتربة: الحاجة والافتقار الشديد، مصدر ميمى من ترب الرجل- كطرب- إذا افتقر، حتى لكأنه قد لصق بالتراب من شدة الفقر، وأنه ليس له مأوى سوى التراب.
وأما قولهم: أترب فلان، فمعناه استغنى، حتى لكأن ماله قد صار كالتراب من كثرته.
أى: اقتحام العقبة من أكبر مظاهره: فك الرقاب، وإطعام الطعام لليتامى الأقارب، وللمساكين المحتاجين إلى العون والمساعدة.
وخص- سبحانه- الإطعام بكونه في يوم ذي مجاعة، لأن إخراج المال في وقت القحط، أثقل على النفس، وأوجب لجزيل الأجر، كما قال- تعالى-: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ.
وقيد- سبحانه- اليتيم بكونه ذا مقربة، لأنه في هذه الحالة يكون له حقان: حق القرابة، وحق اليتم، ومن كان كذلك فهو أولى بالمساعدة من غيره.
وقوله- تعالى-: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ، وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ معطوف على قوله- تعالى- قبل ذلك فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ...
و «ثم» هنا للتراخي الرتبى، للدلالة على أن ما بعدها أصل لقبول ما قبلها.
والمعنى: هلا كان هذا الإنسان ممن فكوا الرقاب، وأطعموا الطعام لليتامى والمساكين.. ثم كان- فضلا عن كل ذلك- من الذين آمنوا بالله- تعالى- إيمانا حقا، وممن أوصى بعضهم
стр. 6569
بعضا بفضيلة الصبر، وفضيلة التراحم والتعاطف..
لقد كان من الواجب عليه.. لو كان عاقلا- أن يكون من المؤمنين الصادقين، ولكنه لتعاسته وشقائه وغروره لم يكن كذلك، لأنه لا هو اقتحم العقبة، ولا هو آمن..
وخص- سبحانه- من أوصاف المؤمنين تواصيهم بالصبر، وتواصيهم بالمرحمة، لأن هاتين الصفتين على رأس الصفات الفاضلة بعد الإيمان بالله- تعالى-:
واسم الإشارة في قوله: أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ يعود على الذين آمنوا وتواصوا بالصبر، وتواصوا بالمرحمة. أى: أولئك الموصوفون بتلك الصفات الكريمة، هم أصحاب الجهة اليمنى التي فيها السعداء الذين يؤتون كتابهم بأيمانهم، فالمراد بالميمنة: جهة اليمين..
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك سوء عاقبة الكافرين فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا أى: الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ أى: هم في جهة الشمال التي فيها الأشقياء، أو هم أصحاب الشؤم على أنفسهم بسبب إصرارهم على كفرهم.
عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ أى: عليهم نار مغلقة بحيث لا يستطيعون الخروج منها، تقول:
آصدت الباب وأوصدته، إذا أحكمت غلقه، والاسم فيهما، الإصاد والوصاد..
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا من أصحاب الميمنة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6570
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة الشمس
مقدمة وتمهيد
١- هذه السورة الكريمة سماها معظم المفسرين، سورة «الشمس» ، وعنونها الإمام ابن كثير بقوله: تفسير سورة «والشمس وضحاها» .
وهي من السور المكية الخالصة، وعدد آياتها: خمس عشرة آية في معظم المصاحف، وفي المصحف المكي ست عشرة آية، وكان نزولها بعد سورة «القدر» وقبل سورة «البروج» .
٢- ومن مقاصدها: تهديد المشركين بأنهم سيصيبهم ما أصاب المكذبين من قبلهم، إذا ما استمروا في كفرهم، وبيان مظاهر قدرته- تعالى- في خلقه، وبيان حسن عاقبة من يزكى نفسه، وسوء عاقبة من يتبع هواها.
стр. 6571
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة الشمس (٩١) : الآيات ١ الى ١٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤)
وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩)
وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤)
وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥)
افتتح- سبحانه- هذه السورة الكريمة، بالقسم بكائنات عظيمة النفع، جليلة القدر، لها آثارها في حياة الناس والحيوان والنبات، ولها دلالتها الواضحة على وحدانيته- تعالى- وكمال قدرته، وبديع صنعه.
فقال- سبحانه-: وَالشَّمْسِ وَضُحاها والضحى الوقت الذي ترتفع فيه الشمس بعد إشراقها، فتكون أكمل ما تكون ضياء وشعاعا..
فالمراد بضحاها: ضوؤها- كما يرى مجاهد-، أو النهار كله- كما اختار قتادة وغيره-، أو حرها- كما قال مقاتل-.
وهذه الأقوال لا تنافر بينها، لأن لفظ الضحى في الأصل، يطلق على الوقت الذي تنبسط فيه الشمس، ويمتد النهار، تقول: ضحى فلان يضحى- كرضى يرضى-، إذا برز
стр. 6572
للشمس، وتعرض لحرها، ومنه قوله- تعالى-: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى. وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى.
وقوله- تعالى-: وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها أى: تبعها، تقول: فلان تلا فلانا يتلوه، إذا تبعه، قال بعض العلماء: فأما أن القمر تابع للشمس فيحتمل معنيين: أحدهما: أنه تال لها في ارتباط مصالح الناس، وتعلق منافع هذا العالم بحركته، وقد دل علم الهيئة على أن بين الشمس والقمر من المناسبة ما ليس بين غيرهما من الكواكب. وثانيهما: أن القمر يأخذ نوره ويستمده من نور الشمس. وهذا قول الفراء قديما، وقد قامت الأدلة عند علماء الهيئة والنجوم، على أن القمر يستمد ضوءه من الشمس.. «١» .
وقال الشيخ ابن عاشور: وفي الآية إشارة إلى أن نور القمر، مستفاد من نور الشمس، أى: من توجه أشعة الشمس إلى ما يقابل الأرض من القمر، وليس نيرا بذاته، وهذا إعجاز علمي من إعجاز القرآن.. «٢» .
وقوله- سبحانه-: وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها أى: جلى الشمس وأظهرها وكشفها للناظرين.
قال الآلوسى: وقوله: وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها أى: جلى النهار الشمس، أى:
أظهرها، فإنها تنجلي وتظهر إذا انبسط النهار، ومضى منه مدة، فالإسناد مجازى كالإسناد في نحو: صام نهاره.
وقيل: الضمير المنصوب يعود إلى الأرض، وقيل: إلى الدنيا، والمراد بها وجه الأرض، وقيل: إلى الظلمة، وجلاها حينئذ بمعنى أزالها، وعدم ذكر المرجع على هذه الأقوال للعلم به.
والأول أولى، لذكر المرجع واتساق الضمائر.. «٣» .
وقوله- سبحانه-: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها أى: يغشى الليل الشمس فيغطي ضوءها، فالضمير في يغشاها يعود إلى الشمس.
وقيل: يعود إلى الدنيا، وقيل: إلى الأرض أى: يغشى الليل الدنيا والأرض بظلامه.
والحق أن في قوله- تعالى- جَلَّاها ويَغْشاها إشارة واضحة إلى أن الضمير فيهما يعود إلى الشمس، إذ النهار يجلى الشمس ويكشفها أتم انكشاف، والليل يزيل ضوءها
стр. 6573
ويستره، فنسب- سبحانه- إلى النهار ما يلائمه بالنسبة للشمس، وكذلك الحال بالنسبة لليل.
ثم قال- تعالى-: وَالسَّماءِ وَما بَناها أى: وحق السماء وحق من بناها وأنشأها وأوجدها على تلك الصورة البديعة الرائعة.
فما هنا اسم موصول بمعنى من، والمراد بمن بناها: الله- وأوثرت على من التي تأتى للعاقل كثيرا، لإشعارها معنى الوصفية. أى: وحق السماء، وحق القادر العظيم الذي بناها وأوجدها على هذه الهيئة الجميلة الدقيقة.
وقد أشار إلى ذلك صاحب الكشاف فقال: والوجه أن تكون «ما» موصولة- أى: في هذه الآية وما بعدها- وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء، والقادر العظيم الذي بناها «١» .
ومنهم من يرى أن «ما» هنا مصدرية، فيكون المعنى: وحق السماء وبنيانها.
وقوله- تعالى-: وَالْأَرْضِ وَما طَحاها أى: وحق الأرض ومن بسطها من كل جانب، وجعلها مهيأة للاستقرار عليها: يقال: طحى فلان الشيء ودحاه، إذا بسطه ووسعه.
وقوله- سبحانه-: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها أى: وحق النفوس، وحق من أنشأها من العدم في أحسن تقويم، وجعلها مستعدة لتلقى ما يكملها ويصلحها.
ويبدو أن المراد بالنفس هنا ذات الإنسان، من باب إطلاق الحالّ على المحل، ويكون المراد بتسويتها: استواء خلقة الإنسان، وتركيب أعضائه في أجمل صورة.
ومن قال بأن المراد بالنفس هنا: القوة المدبرة للإنسان، يكون المقصود بتسويتها. منحها القوى الكثيرة المتنوعة، التي توصلها إلى حسن المعرفة، والتمييز بين الخير والشر، والنفع والضر، والهدى والضلال.
قالوا: وقوله: - تعالى- بعد ذلك: فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها يشير إلى أن المراد بالنفس في قوله- تعالى-: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها القوة المدبرة للإنسان، والتي عن طريقها يدرك الأمور إدراكا واضحا. ويختار منها ما يناسب استعداده.
والإلهام: هو التعريف والإفهام للشيء، أو التمكين من فعله أو تركه، والفجور: فعل ما يؤدى إلى الخسران والشقاء. والتقوى: هي الإتيان بالأقوال والأفعال التي ترضى الله- تعالى- وتصون الإنسان من غضبه- .
стр. 6574
أى: فعرف- سبحانه- النفس الإنسانية وألهمها وأفهمها معنى الفجور والتقوى، وبين لها حالهما، ووضح لها ما ينبغي أن تفعله وما ينبغي أن تتركه، من خير أو شر، ومن طاعة أو معصية، بحيث يتميز عندها الرشد من الغي، والخبيث من الطيب.
ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله- تعالى-: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ وقوله- : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ. إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً.
وقدم- سبحانه- هنا الفجور على التقوى، مراعاة لأحوال المخاطبين بهذه السورة، وهم كفار قريش، الذين كانت أعمالهم قائمة على الفجور والخسران، بسبب إعراضهم عما جاءهم به رسول الله ﷺ من حق وبر.
وقوله- سبحانه-: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها. وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها يصح أن يكون جوابا للقسم. والفلاح: الظفر بالمطلوب. والتزكية: التزود من الخير والطاعة، والحرص على تطهير النفس من كل سوء، وقوله: دَسَّاها أى: نقصها وأخفاها بالمعاصي والآثام. وأصل فعل دسّى: دسّس، فلما اجتمع ثلاث سينات، قلبت الثالثة ياء، يقال: دس فلان الشيء إذا أخفاه وكتمه.
والمعنى: وحق الشمس وضحاها، وحق القمر إذا تلاها. وحق النفس وحق من سواها، وجعلها متمكنة من معرفة الخير والشر. لقد أفلح وفاز وظفر بالمطلوب، ونجا من المكروه، من طهر نفسه من الذنوب والمعاصي. وقد خاب وخسر نفسه. وأوقعها في التهلكة، من نقصها وأخفاها وأخملها وحال بينها وبين فعل الخير بسبب ارتكاب الموبقات والشرور.
قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله- تعالى-: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها جواب القسم.
وإليه ذهب الزجاج وغيره. والأصل: لقد أفلح، فحذفت اللام لطول الكلام المقتضى للتخفيف. وفاعل من «زكاها» ضمير «من» والضمير المنصوب للنفس ... «١» .
ويرى المحققون من العلماء أن جواب القسم محذوف، للعلم به، فكأنه- سبحانه- قد قال: وحق الشمس وضحاها، وحق القمر إذا تلاها.. ليقعن البعث والحساب والجزاء، أو لتحاسبن على أعمالكم. ودليل هذا الجواب قوله- تعالى- بعد ذلك: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها لأن هذه الآية الكريمة وما بعدها، تدل على أن الله- تعالى- قد اقتضت سنته، أن يحاسب من فسق عن أمره، وأصر على تكذيب رسله.
وعلى هذا سار صاحب الكشاف، فقد قال: فإن قلت: فأين جواب القسم؟ قلت: هو
стр. 6575
محذوف، تقديره: ليدمدمنّ الله عليهم، أى: على مكة لتكذيبهم رسول الله ﷺ ، كما دمدم على قبيلة ثمود لأنهم كذبوا صالحا- ﵇ وأما قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها فكلام تابع لقوله: فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء.. «١» .
وقد أقسم الله- تعالى- بهذه الكائنات المختلفة، والتي لها مالها من المنافع بالنسبة للإنسان وغيره، لتأكيد وحدانيته، وكمال قدرته، وبليغ حكمته.
وبدأ- سبحانه- بالشمس، لأنها أعظم هذه الكائنات، وللتنويه بشأن الإسلام، وأن هديه كضياء الشمس، الذي لا يترك للظلام أثرا.
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات بعض الأحاديث، منها ما رواه الطبراني عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: كان رسول الله ﷺ إذا مر بهذه الآية:
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها. فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها وقف ثم قال: «اللهم آت نفسي تقواها أنت وليها ومولاها. وخير من زكاها» . وعن أبى هريرة رضى الله عنه. قال: سمعت النبي يقرأ فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قال: «اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها» «٢» .
وبعد هذا الحديث الطويل المؤكد بالقسم، والدال على وحدانيته، وبديع صنعه.. أتبع ذلك ببيان ما حل بالمكذبين السابقين، ليكون هذا البيان عبرة وعظة للمشركين المعاصرين للنبي، فقال- تعالى-: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها. إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها. فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها. فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها. فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها. وَلا يَخافُ عُقْباها.
والمراد بثمود: تلك القبيلة التي أرسل الله- تعالى- إلى أهلها صالحا- ﵇ لكي يأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده. ومفعول «كذبت» محذوف للعلم به.
والباء في قوله «بطغواها» للسببية، والطّغوى: اسم مصدر من الطغيان، وهو مجاوزة الحد المعتاد.
أى: كذبت قبيلة ثمود- نبيهم صالحا- ﵇ بسبب طغيانهم وإفراطهم في الجحود
стр. 6576
والتكبر والعناد. وقيل: إن الباء للتعدية، والطغوى: اسم للعذاب الذي نزل بهم، والذي توعدهم به نبيهم.
أى: كذبت ثمود بعذابها، الذي توعدهم رسولهم به، إذا ما استمروا في كفرهم وطغيانهم.
والظرف في قوله- سبحانه-: إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها متعلق بقوله بِطَغْواها، لأن وقت انبعاث أشقاهم لقتل الناقة. هو أشد أوقات طغيانهم وفجورهم.
وفعل «انبعث» مطاوع بعث، تقول: بعثته فانبعث، كما تقول: كسرته فانكسر.
ويصح أن يكون متعلقا بقوله: كَذَّبَتْ.
وقوله أَشْقاها أى: أشقى تلك القبيلة، وهو قدار- بزنة غراب- بن سالف، الذي يضرب به المثل في الشؤم، فيقال: فلان أشأم من قدار.
أى: كذبت ثمود نبيها، بسبب طغيانها، وقت أن أسرع أشقى تلك القبيلة، وهو قدار بن سالف، لعقر الناقة التي نهاهم نبيهم عن مسها بسوء.
وعبر- سبحانه- بقوله: انْبَعَثَ للإشعار بأنه قام مسرعا عند ما أرسله قومه لقتل الناقة، ولم يتردد في ذلك لشدة كفره وجحوده.
وقوله- تعالى-: فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها أى: فقال لهم رسول الله- تعالى- إليهم. وهو صالح- ﵇ على سبيل التحذير والإنذار: احذروا عقر ناقة الله- تعالى-، واحذروا سقياها، أى: الوقت المحدد لشرابها فلا تمنعوها فيه من الشرب، فإن لها يوما لا تشاركونها فيه الشرب، وإن لكم يوما آخر هي لن تشارككم فيه.
وقد قال لهم صالح- ﵇ هذا الكلام، عند ما شعر بأنهم قد بيتوا النية على عقرها.
فالفاء في قوله- تعالى-: فَقالَ لَهُمْ ... عاطفة على قوله كَذَّبَتْ لإفادة الترتيب والتعقيب..
أى: قال لهم ذلك في أعقاب شعوره بتصميمهم على تكذيبه، وعلى قتل الناقة.
ولفظ «ناقة» منصوب على التحذير، والكلام على حذف مضاف. أى: احذروا عقر ناقة الله، وأضيفت إلى لفظ الجلالة، على سبيل التشريف لها، لأنها قد جعلها- سبحانه- معجزة لنبيه صالح- ﵇ ودليلا على صدقه.
وقوله: وَسُقْياها معطوف على ناقة الله، وهو منصوب- أيضا- على التحذير.
стр. 6577
أى: احذروا أن تقتلوا الناقة، واحذروا أن تشاركوها في اليوم الخاص بشربها، فضلا عن أن تؤذوها.
وقوله- سبحانه-: فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها بيان لموقفهم السيئ من تحذير نبيهم لهم ولما أصابهم من عذاب مهلك بسبب هذا التكذيب.
وقوله: فَدَمْدَمَ- بزنة فعلل- بمعنى تضعيف العذاب وترديده، يقال: دمدمت على الشيء، أى: أطبقت عليه، ودمدم عليه القبر، أى: أطبقه عليه.
أى: فكذب قوم صالح نبيهم، وأصروا على هذا التكذيب، وتجاوزوا ذلك إلى عقر الناقة التي نهاهم عن مسها بسوء ... فكانت نتيجة ذلك، أن أهلكهم الله- تعالى- وأن أخذهم أخذ عزيز مقتدر، فقد أطبق عليهم الأرض، وسواها من فوقهم جميعا دون أن يفلت منهم أحد، وصاروا كلهم تحت ترابها، ونجى- سبحانه- صالحا ومن آمن معه. بفضله ورحمته.
والضمير في قوله- سبحانه-: وَلا يَخافُ عُقْباها يعود إلى الله- تعالى- أى:
ولا يخاف الله- تعالى- عاقبة ما فعله بهؤلاء الطغاة الأشقياء، لأن الذي يخاف إنما هو المخلوق.
أما الخالق لكل شيء، فإنه- تعالى- لا يخاف أحدا، لأنه لا يسأل عما يفعل، ولأنه- تعالى- هو العادل في أحكامه. والضمير في عقباها، يعود إلى الفعلة أو إلى الدمدمة.
ومنهم من جعل الضمير في «يخاف» يعود إلى أشقاها، أى: أن هذا الشقي قد أسرع إلى عقر الناقة دون أن يخشى سوء عاقبة فعله، لطغيانه وجهله.
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا جميعا من عباده الصالحين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى
стр. 6578
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة الليل
مقدمة وتمهيد
١- سميت هذه السورة في معظم المصاحف سورة «الليل» وفي بعض كتب التفسير سميت بسورة «والليل» ، وعنون لها الإمام البخاري بسورة «والليل إذا يغشى» ، وعدد آياتها إحدى وعشرون آية.
وجمهور العلماء على أنها مكية، وقال بعضهم: هي مدنية، وقال آخرون: بعضها مكي، وبعضها مدني، والحق أن هذه السورة من السور المكية الخالصة، وكان نزولها بعد سورة.
«الأعلى» وقبل سورة «القمر» ، فهي تعتبر السورة التاسعة في النزول من بين السور المكية.
قال الإمام الشوكانى. وهي مكية عند الجمهور، فعن ابن عباس قال: نزلت سورة «والليل إذا يغشى» بمكة. وأخرج ابن مردويه عن الزبير مثله..
وفي رواية عن ابن عباس أنه قال: إنى لأقول إن هذه السورة نزلت في السماحة والبخل.. «١» .
٢- وحقا ما قاله ابن عباس- رضى الله عنهما-، فإن السورة الكريمة، قد احتوت على بيان شرف المؤمنين، وفضائل أعمالهم، ومذمة المشركين، وسوء فعالهم، وأنه- تعالى- قد أرسل رسوله للتذكير بالحق ولإنذار المخالفين عن أمره- تعالى- أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم.
стр. 6579
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة الليل (٩٢) : الآيات ١ الى ٢١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩)
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤)
لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩)
إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١)
أقسم الله- سبحانه- في افتتاح هذه السورة بثلاثة أشياء، على أن أعمال الناس مختلفة.
أقسم- أولا- بالليل فقال: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى أى: وحق الليل إذا يغشى النهار، فيغطي ضياءه، ويذهب نوره، ويتحول الكون معه من حالة إلى حالة، إذ عند حلول الليل يسكن الخلق عن الحركة، ويأوى كل إنسان أو حيوان إلى مأواه، ويستقبلون النوم الذي فيه ما فيه من الراحة لأبدانهم، كما قال- تعالى-: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً. وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً.
стр. 6580
وأقسم- ثانيا- بالنهار فقال: وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى أى: وحق النهار حين ينكشف ويظهر، ويزيل الليل وظلمته، ويخرج الناس معه ليباشروا أعمالهم المتنوعة.
وأقسم- ثالثا- بقوله: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى و «ما» هنا يصح أن تكون موصولة، بمعنى الذي، فيكون- سبحانه- قد أقسم بذاته، وجاء التعبير بما، للدلالة على الوصفية، ولقصد التفخيم.
فكأنه- تعالى- يقول: وحق الخالق العظيم، الذي لا يعجزه شيء، والذي خلق نوع الذكور، ونوع الإناث من ماء واحد.
ويصح أن تكون «ما» هنا حرفا مصدريا، فيكون المعنى: وحق خلق الذكر والأنثى، وعليه يكون- سبحانه- قد أقسم بفعل من أفعاله التي تدل على كمال قدرته، وبديع صنعته، حيث أوجد الذكور والإناث من ماء واحد، كما قال- سبحانه-: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى وحيث وهب- سبحانه- الذكور لمن يشاء، ووهب الإناث لمن يشاء، وجعل العقم لمن يشاء.
وقوله- تعالى-: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى هو جواب القسم. وشتى جمع شتيت. مثل:
جريح وجرحى، ومريض ومرضى. والشيء الشتيت: هو المتفرق المتناثر بعضه عن بعض، من الشتات بمعنى الابتعاد والافتراق.
والمعنى: وحق الليل إذا يغشى النهار فيستر ضياءه، وحق النهار إذا تجلى وأسفر وأزال الليل وظلامه، وحق الخالق العظيم القادر الذي أوجد الذكور والإناث.
وحق كل ذلك، إن أعمالكم ومساعيكم- أيها الناس- في هذه الحياة، لهى ألوان شتى، وأنواع متفرقة، منها الهدى ومنها الضلال، ومنها الخير، ومنها الشر، ومنها الطاعة، ومنها المعصية.. وسيجازى- سبحانه- كل إنسان على حسب عمله.
وحذف مفعول «يغشى» للتعميم، أى يغشى كل شيء ويواريه بظلامه.
وأسند- سبحانه- التجلي إلى النهار، على سبيل المدح له بالاستنارة والإسفار.
والمراد بالسعي: العمل. وقوله «سعيكم» مصدر مضاف فيفيد العموم فهو في معنى الجمع أى: إن مساعيكم لمتفرقة.
قال القرطبي: السعى: العمل، فساع في فكاك نفسه، وساع في عطبها، يدل عليه قوله ﷺ : «الناس غاديان: فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها» «١» .
стр. 6581
ثم فصل- سبحانه- ما أجمله في قوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فقال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى. وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى والحسنى تأنيث الأحسن، وهي صفة لموصوف محذوف.
أى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى حق الله- تعالى-، بأن أنفق من ماله في وجوه الخير:
كإعتاق الرقاب، ومساعدة المحتاجين.. وَاتَّقى المحارم والمعاصي وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى أى: وأيقن بالخصلة الحسنى، وهي الإيمان بكل ما يجب الإيمان به، أو أيقن بالملة الحسنى، وهي ملة الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى وهي الجنة.
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى أى: فسنهيئه للخصلة التي توصله إلى اليسر والراحة وصلاح البال، بأن نوفقه لأداء الأعمال الصالحة التي تؤدى إلى السعادة.
وحذف مفعول «أعطى واتقى» للعلم بهما، أى: أعطى ما كلفه الله- تعالى- به، واتقى محارمه.
وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ بماله فلم يؤد حقوق الله- تعالى- فيه، ولم يبذل شيئا منه في وجوه البر. وَاسْتَغْنى أى: واستغنى عن ثواب الله- تعالى-، وتطاول على الناس بماله وجاهه، وآثر متع الدنيا على نعيم الآخرة ... وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى أى: وكذب بالخصلة الحسنى التي تشمل الإيمان بالحق، وبيوم القيامة وما فيه من حساب وجزاء.
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى أى: فسنهيئه للخصلة التي توصله إلى العسر والمشقة والشدة، بأن نجعله بسبب سوء اختياره، يؤثر الغي على الرشد، والباطل على الحق، والبخل على السخاء، فتكون عاقبته فرطا، ونهايته الخسران والبوار.
والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يراها، وقد وصفت المؤمنين الصادقين بثلاث صفات هي جماع كل خير، وأساس جميع الفضائل: وصفهم بالسخاء، وبالخوف من الله- تعالى-، وبالتصديق بكل ما يجب التصديق به، ورتب على ذلك توفيقهم للخصلة الحسنى.. التي تنتهي بهم إلى الفوز والسعادة.
ووصف- أيضا- أهل الفسوق والفجور بثلاث صفات، هي أساس البلاء، ومنبع الفساد، ألا وهي: البخل، والغرور، والتكذيب بكل ما يجب الإيمان به.. ورتب- سبحانه- على ذلك تهيئتهم للخصلة العسرى، التي توصلهم إلى سوء المصير، وشديد العقاب..
стр. 6582
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات، جملة من الأحاديث الشريفة، فقال ما ملخصه: قوله: وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى أى: بالجزاء في الدار الآخرة فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى أى: لطريق الشر، كما قال- تعالى-: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ والآيات في هذا المعنى كثيرة، ودالة على أن الله يجازى من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان، وكل ذلك بقدر مقدر، والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة.
منها: ما أخرجه البخاري عن على بن أبى طالب- رضى الله عنه- قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بقيع الغرقد في جنازة، فقال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار» فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» ثم قرأ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى ... إلى قوله: لِلْعُسْرى «١» .
و «ما» في قوله- سبحانه-: وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى يجوز أن تكون نافية.
والتردي: السقوط من أعلى إلى أسفل. يقال: تردى فلان من فوق الجبل، إذا سقط من أعلاه إلى أسفله. والمراد به هنا: النزول إلى القبر بعد الموت، أو السقوط في النار بسبب الكفر والفسوق والعصيان، من الردى بمعنى الهلاك.
أى: ولا يغنى شيئا عن هذا الشقي الذي بخل واستغنى وكذب بالحسنى، ماله وجاهه وكل ما كان يملكه في الدنيا، إذا سقط يوم القيامة في النار.
ويجوز أن تكون «ما» استفهامية: ويكون الاستفهام المقصود به الإنكار والتوبيخ، أى:
وماذا يغنى عن هذا الشقي ماله بعد هلاكه، وبعد ترديه في جهنم يوم القيامة؟ إنه لن يغنى عنه شيئا ماله الذي يخل به في الدنيا، بل سيهوى في جهنم دون أن يشفع له شافع، أو ينصره ناصر، وصدق الله إذ يقول: وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً. وإذ يقول: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ. وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ....
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك، أنه قد أعذر إلى عباده، حيث وضح لهم طريق الخير وطريق الشر، وكشف لهم عن حسن عاقبة من أعطى واتقى وصدق بالحسنى، وسوء عاقبة من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فقال- تعالى-: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى. وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى. أى: إن علينا- بمقتضى حكمتنا ورحمتنا بعبادنا- أن نبين لهم طريق الحق، وطريق الباطل، بواسطة رسلنا، فمن شاء بعد ذلك فليؤمن فينال الثواب، ومن شاء بعد ذلك
стр. 6583
فليكفر فيحل به العقاب، لأننا نجازي كل إنسان على حسب عمله، بعد أن هديناه النجدين، وأرشدناه إلى سبيل الرشد وسبيل الغي.
وإن لنا وحدنا كل ما في الدنيا، وكل ما في الآخرة. إذ الخلق والأمر بيدنا، والعطاء والمنع لا يملكه أحد سوانا، وهذا الكون كله تحت تصرفنا وقدرتنا.
والفاء في قوله- سبحانه-: فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى للإفصاح عن مقدر، لأنها تدل على مراعاة مضمون الكلام الذي قبلها، وتأتى بعده بما يفصله ويزيده وضوحا..
وقوله: تَلَظَّى أى: تتوقد وتتوهج وتلتهب، وأصله تتلظى، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا. أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم، من حسن عاقبة من أعطى واتقى، ومن سوء عاقبة من بخل واستغنى، ومن أن كل شيء تحت قدرتنا وتصرفنا.. فأكون بذلك قد حذرتكم من عذاب عظيم يوم القيامة، وخوفتكم من السقوط في نار عظيمة تلتهب وتتوقد، وهذه النار لا يَصْلاها أى: لا يحترق بها إِلَّا الْأَشْقَى أى: من اشتد شقاؤه بسبب إصراره على كفره وفجوره.
وقوله- تعالى-: الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى صفة لهذا الشقي، لزيادة التشنيع عليه، والذم له. أى: سيحترق بهذه النار هذا الإنسان الذي بلغ الغاية في الشقاء والتعاسة، والذي من صفاته أنه كذب بالحق، وأعرض عن الطاعة. وسار في طريق الكفر والجحود، حتى أدركه الموت، وهو على ذلك.
وكعادة القرآن الكريم في المقابلة بين الأشرار والأخيار، وبين السعداء والأشقياء، جاء الحديث بعد ذلك عن حال الأتقياء، فقال- تعالى- وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى أى: وسيبتعد عن هذه النار المتأججة الأتقى، وهو من بالغ في صيانة نفسه عن كل ما يغضب الله- تعالى-، وحرص كل الحرص على فعل ما يرضيه- .
فالمراد بالأشقى والأتقى: الشديد الشقاء، والشديد التقوى.
والتعبير بقوله: وَسَيُجَنَّبُهَا يشعر بابتعاده عنها ابتعادا تاما، بحيث تكون النار في جانب، وهذا الأتقى في جانب آخر، كما قال- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ. لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها، وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ.
والفعل «جنب» يتعدى إلى مفعولين، أولهما هنا هو لفظ الأتقى، الذي ارتفع على أنه نائب فاعل، والمفعول الثاني هو الهاء.
ثم وصف- سبحانه- هذا الإنسان المبالغ في تقواه وطاعته لربه فقال: الَّذِي يُؤْتِي
стр. 6584
مالَهُ يَتَزَكَّى أى: هذا الإنسان الشديد التقوى من صفاته أنه يقدم ماله لغيره، وينفقه في وجوه البر والطاعة، رجاء أن يكون عند ربه زاكيا ناميا، خاليا من شبهة الرياء والتفاخر، وأملا في أن يتطهر به من الذنوب.
فقوله يَتَزَكَّى في محل نصب على الحال من فاعل يُؤْتِي أى: يؤتى ماله حال كونه لا يطلب من وراء ذلك إلا تزكية ماله، وتطهير نفسه.
وقوله- سبحانه-: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى. إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى بيان لبلوغه أسمى درجات الإخلاص والنقاء.
أى: أن هذا الإنسان الكامل في تقاه لا يفعل ما يفعل من وجوه الخيرات، من أجل المجازاة لغيره على نعمة سلفت من هذا الغير له، وإنما يفعل ما يفعل من أجل شيء واحد، وهو طلب رضا الله- تعالى- والظفر بثوابه، والإخلاص لعبادته- سبحانه-.
قال الآلوسى: وقوله: إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى منصوب على الاستثناء المنقطع من قوله: مِنْ نِعْمَةٍ لأن الابتغاء لا يندرج فيها، فالمعنى: لكنه فعل ذلك لابتغاء وجه ربه- سبحانه- وطلب رضاه، لا لمكافأة لأحد على نعمة.
وجوز أن يكون نصبه على أنه مفعول لأجله، أى: لا يؤتى ماله لأجل شيء من الأشياء إلا لأجل طلب رضا ربه، لا لأجل شيء آخر، فهو استثناء مفرغ من أعم العلل والأسباب.. «١» .
وقوله- سبحانه-: وَلَسَوْفَ يَرْضى المقصود به الوعد الصادق لهذا التقى، بما يزيد في سروره، وفي قرة عينه.
أى: ولسوف نعطى هذا التقى الذي أعطى واتقى وصدق بالحسنى، من أجل الظفر برضا ربه- تعالى- لا من أجل شيء آخر.. لسوف نعطيه عطاء يرضيه ويسعده ويشرح صدره.
هذا، وأكثر المفسرين على أن هذه الآيات الكريمة نزلت في شأن سيدنا أبى بكر الصديق- رضى الله عنه-.
قال الإمام ابن جرير ما ملخصه: وذكر أن هذه الآيات نزلت في أبى بكر الصديق.. فقد كان يعتق العجائز من النساء إذا أسلمن، ويشترى الضعفة من العبيد فيعتقهم، فقال له أبوه: يا بنى، أراك تعتق أناسا ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالا جلداء- أى: أشداء- يقومون معك، ويمنعونك، ويدفعون عنك.
стр. 6585
فقال أبو بكر: أى أبت.. إنما أريد ما عند الله، فنزلت هذه الآيات.. «١» .
وقال الإمام ابن كثير: وقد ذكر غير واحد من المفسرين، أن هذه الآيات قد نزلت في أبى بكر الصديق- رضى الله عنه- حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها، وأولى الأمة بعمومها، فإن لفظها لفظ العموم، وهو قوله:
وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ... ولكنه مقدم الأمة، وسابقهم في جميع هذه الأوصاف، وسائر الأوصاف الحميدة، فإنه كان صديقا، تقيا، كريما، جوادا، بذالا لماله في طاعة مولاه، ونصرة رسوله ﷺ .. «٢» .
نسأل الله- تعالى- أن يحشرنا جميعا في زمرة عباده الأتقياء الأنقياء.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.