← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

ثم فصل- سبحانه- ما أجمله في قوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فقال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى. وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى والحسنى تأنيث الأحسن، وهي صفة لموصوف محذوف. أى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى حق الله- تعالى-، بأن أنفق من ماله في وجوه الخير: كإعتاق الرقاب، ومساعدة المحتاجين.. وَاتَّقى المحارم والمعاصي وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى أى: وأيقن بالخصلة الحسنى، وهي الإيمان بكل ما يجب الإيمان به، أو أيقن بالملة الحسنى، وهي ملة الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى وهي الجنة. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى أى: فسنهيئه للخصلة التي توصله إلى اليسر والراحة وصلاح البال، بأن نوفقه لأداء الأعمال الصالحة التي تؤدى إلى السعادة. وحذف مفعول «أعطى واتقى» للعلم بهما، أى: أعطى ما كلفه الله- تعالى- به، واتقى محارمه. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ بماله فلم يؤد حقوق الله- تعالى- فيه، ولم يبذل شيئا منه في وجوه البر. وَاسْتَغْنى أى: واستغنى عن ثواب الله- تعالى-، وتطاول على الناس بماله وجاهه، وآثر متع الدنيا على نعيم الآخرة ... وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى أى: وكذب بالخصلة الحسنى التي تشمل الإيمان بالحق، وبيوم القيامة وما فيه من حساب وجزاء. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى أى: فسنهيئه للخصلة التي توصله إلى العسر والمشقة والشدة، بأن نجعله بسبب سوء اختياره، يؤثر الغي على الرشد، والباطل على الحق، والبخل على السخاء، فتكون عاقبته فرطا، ونهايته الخسران والبوار. والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يراها، وقد وصفت المؤمنين الصادقين بثلاث صفات هي جماع كل خير، وأساس جميع الفضائل: وصفهم بالسخاء، وبالخوف من الله- تعالى-، وبالتصديق بكل ما يجب التصديق به، ورتب على ذلك توفيقهم للخصلة الحسنى.. التي تنتهي بهم إلى الفوز والسعادة. ووصف- أيضا- أهل الفسوق والفجور بثلاث صفات، هي أساس البلاء، ومنبع الفساد، ألا وهي: البخل، والغرور، والتكذيب بكل ما يجب الإيمان به.. ورتب- سبحانه- على ذلك تهيئتهم للخصلة العسرى، التي توصلهم إلى سوء المصير، وشديد العقاب..

стр. 6582

وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات، جملة من الأحاديث الشريفة، فقال ما ملخصه: قوله: وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى أى: بالجزاء في الدار الآخرة فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى أى: لطريق الشر، كما قال- تعالى-: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ والآيات في هذا المعنى كثيرة، ودالة على أن الله يجازى من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان، وكل ذلك بقدر مقدر، والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة. منها: ما أخرجه البخاري عن على بن أبى طالب- رضى الله عنه- قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بقيع الغرقد في جنازة، فقال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار» فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» ثم قرأ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى ... إلى قوله: لِلْعُسْرى «١» . و «ما» في قوله- سبحانه-: وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى يجوز أن تكون نافية. والتردي: السقوط من أعلى إلى أسفل. يقال: تردى فلان من فوق الجبل، إذا سقط من أعلاه إلى أسفله. والمراد به هنا: النزول إلى القبر بعد الموت، أو السقوط في النار بسبب الكفر والفسوق والعصيان، من الردى بمعنى الهلاك. أى: ولا يغنى شيئا عن هذا الشقي الذي بخل واستغنى وكذب بالحسنى، ماله وجاهه وكل ما كان يملكه في الدنيا، إذا سقط يوم القيامة في النار. ويجوز أن تكون «ما» استفهامية: ويكون الاستفهام المقصود به الإنكار والتوبيخ، أى: وماذا يغنى عن هذا الشقي ماله بعد هلاكه، وبعد ترديه في جهنم يوم القيامة؟ إنه لن يغنى عنه شيئا ماله الذي يخل به في الدنيا، بل سيهوى في جهنم دون أن يشفع له شافع، أو ينصره ناصر، وصدق الله إذ يقول: وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً. وإذ يقول: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ. وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ.... ثم بين- سبحانه- بعد ذلك، أنه قد أعذر إلى عباده، حيث وضح لهم طريق الخير وطريق الشر، وكشف لهم عن حسن عاقبة من أعطى واتقى وصدق بالحسنى، وسوء عاقبة من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فقال- تعالى-: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى. وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى. أى: إن علينا- بمقتضى حكمتنا ورحمتنا بعبادنا- أن نبين لهم طريق الحق، وطريق الباطل، بواسطة رسلنا، فمن شاء بعد ذلك فليؤمن فينال الثواب، ومن شاء بعد ذلك

стр. 6583

فليكفر فيحل به العقاب، لأننا نجازي كل إنسان على حسب عمله، بعد أن هديناه النجدين، وأرشدناه إلى سبيل الرشد وسبيل الغي. وإن لنا وحدنا كل ما في الدنيا، وكل ما في الآخرة. إذ الخلق والأمر بيدنا، والعطاء والمنع لا يملكه أحد سوانا، وهذا الكون كله تحت تصرفنا وقدرتنا. والفاء في قوله- سبحانه-: فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى للإفصاح عن مقدر، لأنها تدل على مراعاة مضمون الكلام الذي قبلها، وتأتى بعده بما يفصله ويزيده وضوحا.. وقوله: تَلَظَّى أى: تتوقد وتتوهج وتلتهب، وأصله تتلظى، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا. أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم، من حسن عاقبة من أعطى واتقى، ومن سوء عاقبة من بخل واستغنى، ومن أن كل شيء تحت قدرتنا وتصرفنا.. فأكون بذلك قد حذرتكم من عذاب عظيم يوم القيامة، وخوفتكم من السقوط في نار عظيمة تلتهب وتتوقد، وهذه النار لا يَصْلاها أى: لا يحترق بها إِلَّا الْأَشْقَى أى: من اشتد شقاؤه بسبب إصراره على كفره وفجوره. وقوله- تعالى-: الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى صفة لهذا الشقي، لزيادة التشنيع عليه، والذم له. أى: سيحترق بهذه النار هذا الإنسان الذي بلغ الغاية في الشقاء والتعاسة، والذي من صفاته أنه كذب بالحق، وأعرض عن الطاعة. وسار في طريق الكفر والجحود، حتى أدركه الموت، وهو على ذلك. وكعادة القرآن الكريم في المقابلة بين الأشرار والأخيار، وبين السعداء والأشقياء، جاء الحديث بعد ذلك عن حال الأتقياء، فقال- تعالى- وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى أى: وسيبتعد عن هذه النار المتأججة الأتقى، وهو من بالغ في صيانة نفسه عن كل ما يغضب الله- تعالى-، وحرص كل الحرص على فعل ما يرضيه- . فالمراد بالأشقى والأتقى: الشديد الشقاء، والشديد التقوى. والتعبير بقوله: وَسَيُجَنَّبُهَا يشعر بابتعاده عنها ابتعادا تاما، بحيث تكون النار في جانب، وهذا الأتقى في جانب آخر، كما قال- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ. لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها، وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ. والفعل «جنب» يتعدى إلى مفعولين، أولهما هنا هو لفظ الأتقى، الذي ارتفع على أنه نائب فاعل، والمفعول الثاني هو الهاء. ثم وصف- سبحانه- هذا الإنسان المبالغ في تقواه وطاعته لربه فقال: الَّذِي يُؤْتِي

стр. 6584

مالَهُ يَتَزَكَّى أى: هذا الإنسان الشديد التقوى من صفاته أنه يقدم ماله لغيره، وينفقه في وجوه البر والطاعة، رجاء أن يكون عند ربه زاكيا ناميا، خاليا من شبهة الرياء والتفاخر، وأملا في أن يتطهر به من الذنوب. فقوله يَتَزَكَّى في محل نصب على الحال من فاعل يُؤْتِي أى: يؤتى ماله حال كونه لا يطلب من وراء ذلك إلا تزكية ماله، وتطهير نفسه. وقوله- سبحانه-: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى. إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى بيان لبلوغه أسمى درجات الإخلاص والنقاء. أى: أن هذا الإنسان الكامل في تقاه لا يفعل ما يفعل من وجوه الخيرات، من أجل المجازاة لغيره على نعمة سلفت من هذا الغير له، وإنما يفعل ما يفعل من أجل شيء واحد، وهو طلب رضا الله- تعالى- والظفر بثوابه، والإخلاص لعبادته- سبحانه-. قال الآلوسى: وقوله: إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى منصوب على الاستثناء المنقطع من قوله: مِنْ نِعْمَةٍ لأن الابتغاء لا يندرج فيها، فالمعنى: لكنه فعل ذلك لابتغاء وجه ربه- سبحانه- وطلب رضاه، لا لمكافأة لأحد على نعمة. وجوز أن يكون نصبه على أنه مفعول لأجله، أى: لا يؤتى ماله لأجل شيء من الأشياء إلا لأجل طلب رضا ربه، لا لأجل شيء آخر، فهو استثناء مفرغ من أعم العلل والأسباب.. «١» . وقوله- سبحانه-: وَلَسَوْفَ يَرْضى المقصود به الوعد الصادق لهذا التقى، بما يزيد في سروره، وفي قرة عينه. أى: ولسوف نعطى هذا التقى الذي أعطى واتقى وصدق بالحسنى، من أجل الظفر برضا ربه- تعالى- لا من أجل شيء آخر.. لسوف نعطيه عطاء يرضيه ويسعده ويشرح صدره. هذا، وأكثر المفسرين على أن هذه الآيات الكريمة نزلت في شأن سيدنا أبى بكر الصديق- رضى الله عنه-. قال الإمام ابن جرير ما ملخصه: وذكر أن هذه الآيات نزلت في أبى بكر الصديق.. فقد كان يعتق العجائز من النساء إذا أسلمن، ويشترى الضعفة من العبيد فيعتقهم، فقال له أبوه: يا بنى، أراك تعتق أناسا ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالا جلداء- أى: أشداء- يقومون معك، ويمنعونك، ويدفعون عنك.

стр. 6585

فقال أبو بكر: أى أبت.. إنما أريد ما عند الله، فنزلت هذه الآيات.. «١» . وقال الإمام ابن كثير: وقد ذكر غير واحد من المفسرين، أن هذه الآيات قد نزلت في أبى بكر الصديق- رضى الله عنه- حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها، وأولى الأمة بعمومها، فإن لفظها لفظ العموم، وهو قوله: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ... ولكنه مقدم الأمة، وسابقهم في جميع هذه الأوصاف، وسائر الأوصاف الحميدة، فإنه كان صديقا، تقيا، كريما، جوادا، بذالا لماله في طاعة مولاه، ونصرة رسوله ﷺ .. «٢» . نسأل الله- تعالى- أن يحشرنا جميعا في زمرة عباده الأتقياء الأنقياء. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 6586

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة والضحى مقدمة وتمهيد ١- سورة «الضحى» من السور المكية الخالصة، بل هي من أوائل السور المكية، فقد كان نزولها بعد سورة «الفجر» وقبل سورة «الانشراح» ، وتعتبر بالنسبة لترتيب النزول السورة الحادية عشرة من بين السور المكية، أما ترتيبها في المصحف فهي السورة الثالثة والتسعون، وعدد آياتها إحدى عشرة آية. ٢- والقارئ لها، يرى بوضوح أنها نزلت في فترة تأخر نزول الوحى فيها على النبي ﷺ وأن المشركين قد أشاعوا الشائعات الكاذبة حول سبب تأخر الوحى، فنزلت هذه السورة الكريمة، لتخرس ألسنتهم. ولتبشر النبي ﷺ برضا ربه- تعالى- عنه، ولتسوق جانبا من نعم خالقه عليه، ولترشده- بل وترشد أمته في شخصه- بالمداومة على مكارم الأخلاق، التي من مظاهرها: العطف على اليتيم، والإحسان إلى السائل، وعدم كتمان نعم الله- تعالى-.

стр. 6587

التفسير قال الله- تعالى-: [سورة الضحى (٩٣) : الآيات ١ الى ١١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه السورة الكريمة روايات منها: ما أخرجه الإمام البخاري ومسلم وغيرهما عن جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتت امرأة- وفي رواية أنها أم جميل امرأة أبى لهب- فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك. فأنزل الله- تعالى-: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى. وأخرج ابن أبى شيبة والطبراني وابن مردويه، من حديث خولة، وكانت تخدم النبي ﷺ أن جروا دخل تحت سرير رسول الله ﷺ فمات، فمكث النبي ﷺ أياما لا ينزل عليه الوحى، فقال ﷺ يا خولة ماذا حدث في بيتي، إن جبريل لا يأتينى، قالت خوله: فقلت يا نبي الله ما أتى علينا يوم خير منّا اليوم. فأخذ برده فلبسه، وخرج، فقلت في نفسي لو هيأت البيت وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فإذا بشيء ثقيل، لم أزل به حتى بدا لي الجر وميتا، فأخذته بيدي، فألقيته خلف الدار، فجاء ﷺ ترعد لحيته- وكان إذا نزل عليه الوحى أخذته الرعدة- فقال يا خولة دثرينى، فأنزل الله- تعالى- هذه السورة..

стр. 6588

وذكر بعضهم: أن جبريل- ﵇ أبطأ في نزوله على النبي ﷺ ، فقال المشركون: قد قلاه ربه وودعه. فأنزل الله- تعالى- هذه الآيات.. «١» . والضحى: هو وقت ارتفاع الشمس بعد إشراقها، وهو وقت النشاط والحركة، والإقبال على السعى والعمل.. ولذا خص بالقسم به. وقيل: المراد بالضحى هنا: النهار كله، بدليل أنه جعل في مقابلة الليل كله. والأول أولى: لأن الضحى يطلق على وقت انتشار ضياء الشمس حين ترتفع، وتلقى بأشعتها على الكون، ويبرز الناس لأعمالهم المتنوعة. ومعنى «سجا» : سكن. يقال: سجا الليل يسجو سجوا، إذا سكن وهدأ وأسدل ظلامه على الكون. ويقال: تسجّى فلان بملابسه، إذا غطى بها جميع جسده، ومنه قولهم: سجّى الميت تسجية، إذا غطى بكفنه.. قال صاحب الكشاف: قوله: سَجى أى: سكن وركد ظلامه. وقيل: ليلة ساجية. أى: ساكنة الريح: وقيل معناه: سكون الناس والأصوات فيه. وسجا البحر: سكنت أمواجه. وطرف ساج، أى: ساكن فاتر.. «٢» . أى: وحق الضحى وهو الوقت الذي ترتفع فيه الشمس، ويتم إشراقها، ويأخذ الناس في النشاط والحركة.. وحق الليل إذا سكن وهجع فيه الناس بعد عناء العمل. وجواب القسم قوله- تعالى-: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى أى: ما تركك ربك- أيها الرسول الكريم- منذ أن اختارك لحمل رسالته، وما أبغضك ولا كرهك، بل أنت محل رضانا ومحبتنا ورعايتنا.. فقوله: وَدَّعَكَ من التوديع، وهو في الأصل الدعاء للمسافر، ببلوغ الدعة، وخفض العيش، ثم استعير للمفارقة بعد الاتصال، تشبيها بفراق المسافر في انقطاع الصلة، حيث شبه- سبحانه- انقطاع صلة الكلام بانقطاع صلة الإقامة. والمقصود: نفى أن يكون الله- تعالى- قد قطع وحيه عن نبيه ﷺ . وقوله: قَلى من القلا- بكسر القاف- وهو شدة البغض، يقال: قلا فلان فلانا يقليه، إذا كرهه وأبغضه بشدة. ومنه قوله- تعالى-: إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ.

стр. 6589

والمراد ما قطع الله- تعالى- عنك وحيه- أيها الرسول الكريم-، وما كرهك، وهذا رد بليغ على المشركين الذين زعم بعضهم أن الله- تعالى- قد ترك نبيه، وزعم آخرون أنه قد أبغضه، وحذف مفعول «قلا» للدلالة عليه في قوله- تعالى- ما وَدَّعَكَ، وهو إيجاز لفظي لظهور: المحذوف، ومثله قوله- تعالى- بعد ذلك: فَآوى، فَهَدى، فَأَغْنى.. ثم بشره- سبحانه- ببشارتين عظيمتين، قد بلغتا الدرجة العليا في السمو والرفعة، فقال: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى. وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى. أى: وللدار الآخرة وما أعده الله لك فيها من نعيم لا يحيط به وصف، خير لك من دار الدنيا التي أعطيناك فيها ما أعطيناك فيها من نبوة، وكرامة ومنازل عالية، وخلق كريم. وفضلا عن كل ذلك فأنت- أيها الرسول الكريم- سوف يعطيك ربك من خيرى الدنيا والآخرة، كل ما يسعدك ويرضيك، من نصر عظيم، وفتح مبين، وتمكين في الأرض، وإعلاء لكلمة الحق على يدك، وعلى أيدى أصحابك الصادقين، ومنازل عظمى في الآخرة لا يعلم مقدارها إلا الله- تعالى-، كالمقام المحمود، والشفاعة، والوسيلة ... وبذلك ترضى رضاء تاما بما أعطاك- سبحانه- من نعم ومنن. فالمراد بالآخرة: الدار الآخرة التي تقابل الدار الأولى، وهي الحياة الدنيا، وبعضهم جعل المراد بالآخرة، نهاية أمره ﷺ في هذه الدنيا، والمراد بالأولى بداية أمره ﷺ في هذه الدنيا، فيكون المعنى: ولنهاية أمرك- أيها الرسول الكريم- خير من بدايته، فإن كل يوم يمضى من عمرك، سيزيدك الله- تعالى- فيه، عزا على عز، ونصرا على نصر، وتأييدا على تأييد.. حتى ترى الناس وقد دخلوا في دين الله أفواجا.. وقد صدق الله- تعالى- لنبيه وعده حيث فتح له مكة، ونشر دعوته في مشارق الأرض ومغاربها. قال الآلوسى: وحمل الآخرة على الدار الآخرة المقابلة للدنيا، والأولى على الدار الأولى وهي الدنيا، هو الظاهر.. وقال بعضهم: يحتمل: أن يراد بهما نهاية أمره ﷺ وبدايته، فاللام فيهما للعهد، أو عوض عن المضاف إليه. أى: لنهاية أمرك خير من بدايته، فأنت لا تزال تتزايد قوة، وتتصاعد رفعة.. «١» . وجيء بحرف الاستقبال في قوله- تعالى-: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى، لإفادة أن هذا العطاء مستمر غير مقطوع، كما في قوله- تعالى-: وَلَسَوْفَ يَرْضى.

стр. 6590

وحذف المفعول الثاني في قوله: يُعْطِيكَ، ليعم كل وجوه العطاء التي يحبها ﷺ أى: ولسوف يعطيك ربك عطاء يرضيك رضاء تاما. والتعبير بقوله فَتَرْضى المشتمل على فاء التعقيب، للإشعار بأنه عطاء عاجل النفع، وأنه سيأتى إليه ﷺ في وقت قريب، وقد أنجز- سبحانه- وعده. قال الجمل: وقوله- سبحانه-: وَلَلْآخِرَةُ اللام فيه للابتداء مؤكدة لمضمون الجملة. وإنما قيد بقوله- تعالى- لَكَ لأنها ليست خيرا لكل أحد. وقوله: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ ... هذا وعد شامل لما أعطاه الله- تعالى- له من كمال النفس، وظهور الأمر، وإعلاء الدين.. واللام لام الابتداء، والمبتدأ محذوف، أى: ولأنت سوف يعطيك ربك، وليست لام القسم، لأنها لا تدخل على المضارع، إلا مع نون التوكيد.. «١» . ثم عدد- سبحانه- نعمه على نبيه ﷺ فقال: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ... والاستفهام هنا للتقرير، واليتيم: هو من فقد أباه وهو صغير. أى: لقد كنت- أيها الرسول الكريم- يتيما، حيث مات أبوك وأنت في بطن أمك، فآواك الله- تعالى- بفضله وكرمه، وتعهدك برعايته وحمايته وعصمته، وسخر لك جدك عبد المطلب ليقوم بكفالتك، ومن بعده سخر لك عمك أبا طالب، حيث تولى رعايتك والدفاع عنك قبل الرسالة وبعدها، إلى أن مات. وقوله- تعالى- وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى بيان لنعمة أخرى أنعم- سبحانه- بها على نبيه ﷺ : وللمفسرين في معنى هذه الآية كلام طويل، نختار منه قولين: أولهما: أن المراد بالضلال هنا الحيرة في الوصول إلى الحق، والغفلة عما أوحاه الله- تعالى- إليه بعد ذلك من قرآن كريم، ومن تشريعات حكيمة.. مع اعتقاده ﷺ قبل النبوة أن قومه ليسوا على الدين الحق، بدليل أنه لم يشاركهم في عبادتهم للأصنام، ولا في السلوك الذي يتنافى من مكارم الأخلاق. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: ضَالًّا معناه: الضلال عن علم الشرائع وما طريقه السمع.. «٢» .

стр. 6591

وقال الإمام الشيخ محمد عبده- ﵀: عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: نشأ ﷺ موحدا، لم يسجد لصنم، وطاهر الخلق، لم يرتكب فاحشة، حتى عرف بين قومه بالصادق الأمين، فضلال الشرك، وضلال الهوى في العمل، كانا بعيدين عن ذاته الكريمة. ولكن للضلال أنواع أخر، منها: اشتباه المآخذ على النفس، حتى تأخذها الحيرة فيما ينبغي أن تختار.. وهذا هو الذي عناه الله- تعالى- بالضلال في هذه الآية الكريمة. وقد هداه- سبحانه- إلى الحق بعد هذه الحيرة، بأن اختار له دينا قويما وعلمه كيف يرشد قومه. هذا هو معنى قوله- تعالى-: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى، وهو معنى قوله- تعالى- في سورة الشورى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ.... وليس في وصف النبي ﷺ بالضال على هذا المعنى شين له، أو حط من شأنه، بل هذا فخره وإكليل مجده ﷺ حيث كان على غير علم فعلمه الله، ولم يكن مطلعا على الغيب، فأطلعه الله على ما يريد اطلاعه عليه، وبهذا التفسير نستغني عن خلط المفسرين في التأويل.. «١» . أما القول الثاني في معنى الآية الكريمة، فهو أنه ﷺ كان بين قوم مشركين، وكان بعرضة أن يضل معهم، ولكن الله- تعالى- حبب إليه الانفراد عنهم، واعتزال شركهم وسوء أخلاقهم.. فكان بذلك كالشجرة المنفردة في الصحراء، والعرب تسمى الشجرة التي بهذه الصفة ضالة. قال القرطبي: قوله- تعالى-: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى أى: غافلا عما يراد بك من أمر النبوة، فهداك، أى: أرشدك. والضلال هنا بمعنى الغفلة. وقال قوم: ضَالًّا أى: لم تكن تدرى القرآن الكريم والشرائع، فهداك الله إليهما. وقال قوم ضَالًّا أى: وجدك في قوم ضلال فهداهم الله- تعالى- بك، والعرب إذا وجدت شجرة منفردة في فلاة من الأرض، لا شجر معها، سموها ضالة، فيهتدى بها إلى الطريق، فقال- سبحانه- لنبيه وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى أى: لا أحد على دينك، وأنت وحيد ليس معك أحد، فهديت بك الخلق إلى ديني.. «٢» . هذا هما القولان اللذان نرتاح إليهما، وارتياحنا إلى أولهما أشد وأقوى لأن الرسول

стр. 6592

صلى الله عليه وسلم قد نشأ في بيئة منحرفة في عقائدها وأخلاقها، لم تطمئن نفسه الكريمة إليها، إلا أنه كان حائرا في الوصول إلى الدين الحق، فهداه الله- تعالى- إليه، والهداية إلى الحق بعد الحيرة والضلال عنه، منة عظمى، ونعمة كبرى. وهناك أقوال أخرى ضعيفة كقولهم: ضَالًّا أى: عن القبلة فهداك الله إليها، أو ضَالًّا في شعاب مكة، فهداك الله وردك إلى عمك أو ضَالًّا في سفرك مع عمك إلى الشام، فردك الله- تعالى- إليه. وقوله- سبحانه-: وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى بيان لنعمة ثالثة من نعمه- تعالى- على نبيه ﷺ . وأصل العائل: الإنسان الذي له عائلة لا يستطيع الإنفاق عليها، ثم أطلق هذا اللفظ على الإنسان الفقير حتى ولو لم تكن له عائلة أو أسرة، والفقر يسمى عيلة، كما في قوله- تعالى-: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً- أى: فقرا- فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ.... أى: وقد كنت- أيها الرسول الكريم- فقيرا، حيث مات أبوك دون أن يترك لك مالا كثيرا، ونشأت في كنف جدك ثم عمك، وأنت على هذه الحال. ثم أغناك الله- تعالى- بفضله وكرمه بنوعين من الغنى: أما أولهما- وهو الأعظم-: فهو غنى النفس، بأن منحك نفسا عفيفة قانعة بما أعطاك- سبحانه- من رزق، حتى ولو كان كفافا. وأما ثانيهما: فهو الغنى المادي عن الاحتياج إلى الناس، بما أجراه على يديك من الربح في التجارة، وبما وهبتك زوجك خديجة من مالها، فعشت مستور الحال، غير محتاج إلى من ينفق عليك. وهكذا نجد الآيات الكريمة تبين لنا أن من فضل الله- تعالى- على نبيه ﷺ أنه آواه في يتمه وصغره، وهداه من ضلاله وحيرته، وأغناه بعد فقره وحاجته. وبعد أن عدد- سبحانه- هذه النعم لنبيه ﷺ أمره بشكرها، وأداء حقوقها. فقال- تعالى-: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ... والقهر: التغلب على الغير والإذلال له. أى: إذا كان الأمر كما أخبرتك من أنك كنت يتيما فآويناك، وكنت ضالا فهديناك، وكنت فقيرا فأغنيناك، فتذكر هذه النعم، واشكر ربك عليها، ومن مظاهر هذا الشكر: أن تواسى اليتيم، وأن تكرمه. وأن تكون رفيقا به.. ولا تكن كأهل الجاهلية الذين كانوا يقهرون الأيتام ويذلونهم ويظلمونهم..

стр. 6593

ولقد استجاب النبي ﷺ لما أمره ربه به، فأكرم اليتامى ورعاهم، وحض على ذلك في أحاديث كثيرة منها قوله ﷺ : «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة» وأشار ﷺ بإصبعيه السبابة والوسطى. ومن الآيات القرآنية التي وردت في هذا المعنى قوله- تعالى-: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ.... وقد تكرر الأمر برعاية اليتيم، وبالمحافظة على ماله في مطلع سورة النساء خمس مرات قال- تعالى-: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ ... وقال- سبحانه-: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ، مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ... وقال- : وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ..، وقال سبحانه-: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وقال- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً ... وقوله- سبحانه-: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ معطوف على ما قبله. أى: وكما أننا قد هديناك بعد حيرة.. فاشكر نعمنا على ذلك، بأن تفتح صدرك للسائل الذي يسألك العون، أو يسألك معرفة ما يجهله من علم. فالمراد بالسائل، ما يشمل كل سائل عن مال، أو عن علم، أو عن غير ذلك من شئون الحياة. قال القرطبي: قوله: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ أى: لا تزجره، فهو نهى عن إغلاظ القول.. وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ردوا السائل ببذل يسير، أو رد جميل..» . وفي حديث أبى هارون العبدى قال: كنا إذا أتينا أبا سعيد الخدري يقول: مرحبا بوصية رسول الله ﷺ ، إن رسول الله قال: «إن الناس لكم تبع، وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا ... » «١» . وقوله- تعالى-: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ والتحديث بالشيء: الإخبار به، والحديث عنه، أى: وكما كنت عائلا فأغنيناك بفضلنا وإحساننا، فاشكرنا على ذلك، بأن تظهر نعمنا عليك ولا تسترها، وأذعها بين الناس، وأمر أتباعك أن يفعلوا ذلك، ولكن بدون تفاخر أو مباهاة ... فإن ذكر النعم على سبيل الرياء والتفاخر والتطاول على الغير ... يبغضه الله- تعالى-، ويعاقب صاحبه عقابا أليما.

стр. 6594

قال الإمام ابن كثير: وقوله: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ أى: وكما كنت عائلا فقيرا فأغناك الله، فحدث بنعمة الله عليك، كما جاء في الدعاء: «واجعلنا شاكرين لنعمتك. مثنين بها، قابليها، وأتمها علينا» . وعن أبى نضرة قال: كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدّث بها. وعن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «من لم يشكر القليل، لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس، لم يشكر الله والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب ... » «١» . فأنت ترى أن الله- تعالى- قد ذكر ثلاث نعم مما أنعم به على نبيه ﷺ وأرشده إلى كيفية شكرها. نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا من عباده الشاكرين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 6595

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة الشرح مقدمة وتمهيد ١- هذه السورة الكريمة من السور المكية، وتسمى: سورة «الشرح» وسورة «ألم نشرح» وسورة «الانشراح» ، وترتيبها في النزول، الثانية عشرة، وكان نزولها بعد سورة الضحى، وقبل سورة «العصر» . وعدد آياتها ثماني آيات. ٢- وكما عدد الله- تعالى- لنبيه ﷺ بعض نعمه العظيمة عليه في سورة الضحى، جاءت سورة الشرح، لتسوق نعما أخرى منه- تعالى- عليه ﷺ حاثا إياه على شكره، ليزيده منها.

стр. 6596

التفسير قال الله- تعالى-: [سورة الشرح (٩٤) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) والاستفهام في قوله- سبحانه-: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ للتقرير لأنه إذا دخل على النفي قرره، وهذا التقرير المقصود به التذكير، حتى يداوم على شكره- تعالى-. وأصل الشرح: البسط للشيء وتوسعته، يقال: شرح فلان الشيء، إذا وسعه، ومنه شرح فلان الكتاب، إذا وضحه، وأزال مجمله، وبسط ما فيه من غموض. والمراد بشرح الصدر هنا: توسعته وفتحه، لقبول كل ما هو من الفضائل والكمالات النفسية. وإذهاب كل ما يصد عن الإدراك السليم وعن الحق والخير والهدى. وهذا الشرح، يشمل الشق البدني لصدره ﷺ كما يشمل الشرح المعنوي لصدره ﷺ عن طريق إيداعه الإيمان والهدى والعلم والفضائل. قال الإمام ابن كثير: قوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ يعنى: أما شرحنا لك صدرك. أى: نورناه وجعلناه فسيحا رحيبا واسعا، كقوله أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ....، وقيل المراد بقوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ شرح صدره ليلة الإسراء، كما تقدم من رواية مالك بن صعصعة ... وهذا وإن كان واقعا، ولكن لا منافاة، فإن من جملة شرح صدره ﷺ الذي فعل بصدره ليلة الإسراء، ما نشأ عنه من الشرح المعنوي- أيضا- ... «١» .

стр. 6597

والمعنى: لقد شرحنا لك- أيها الرسول الكريم- صدرك شرحا عظيما، بأن أمرنا ملائكتنا بشقه وإخراج ما فيه مما يتنافى مع ما هيأناك له من حمل رسالتنا إلى الناس، وبأن أودعنا فيه من الهدى والمعرفة والإيمان والفضائل والحكم ... ما لم نعطه لأحد سواك. ونون العظمة في قوله- سبحانه- نَشْرَحْ تدل على عظمة النعمة، من جهة أن المنعم العظيم، إنما يمنح العظيم من النعم، وفي ذلك إشارة الى أن نعمة الشرح، مما لا تصل العقول إلى كنه جلالتها. واللام في قوله- تعالى-: لَكَ للتعليل، وهو يفيد أن ما فعله الله- تعالى- به، إنما هو من باب تكريمه، ومن أجل تشريفه وتهيئته لحمل رسالته العظمى إلى خلقه، فمنفعة هذا الشرح إنما تعود إليه وحده ﷺ لا إلى غيره. قال الإمام الرازي: فإن قيل: لم ذكر الصدر ولم يذكر القلب؟ فالجواب أن محل الوسوسة هو الصدر، كما قال- تعالى-: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، فإزالة تلك الوسوسة، وإبدالها بدواعى الخير، هي الشرح، فلا جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب. قال محمد بن على الترمذي: القلب محل العقل والمعرفة، وهو الذي يقصده الشيطان، فالشيطان يجيء إلى الصدر الذي هو حصن القلب، فإذا وجد مسلكا أغار فيه، وبث فيه الهموم، فيضيق القلب، ولا يجد للطاعة لذة، وإذا طرد العدو في الابتداء، حصل الأمن، وانشرح الصدر ... «١» . وقوله- سبحانه-: وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ بيان لنعمة أخرى من النعم التي أنعم بها- سبحانه- على نبيه ﷺ . والمراد بالوضع هنا: الإزالة والحط، لأن هذا اللفظ إذا عدى بعن كان للحط والتخفيف، وإذا عدى بعلى كان للحمل والتثقيل. تقول: وضعت عن فلان قيده: إذا أزلته عنه، ووضعته عليه: إذا حملته إياه. والوزر: الحمل الثقيل، وأَنْقَضَ ظَهْرَكَ أى: أثقله وأوهنه وأتعبه، حتى سمع له نقيض، وهو الصوت الخفى الذي يسمع من الرّحل الكائن فوق ظهر البعير، إذا كان هذا الرحل ثقيلا، ولا يكاد البعير يحمله إلا بمشقة وعسر. والمعنى: لقد شرحنا لك- أيها الرسول الكريم- صدرك، وأزلنا عنك ما أثقل ظهرك

стр. 6598

من أعباء الرسالة، وعصمناك من الذنوب والآثام، وطهرناك من الأدناس، فصرت- بفضلنا وإحساننا- جديرا بحمل هذه الرسالة، بتبليغها على أكمل وجه وأتمه. فالمراد بوضع وزره عنه ﷺ مغفرة ذنوبه، وإلى هذا المعنى أشار الإمام ابن كثير بقوله: قوله- تعالى-: وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ بمعنى لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ. وقال غير واحد من السلف في قوله: الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ أى: أثقلك حمله ... «١» . ويرى كثير من المفسرين أن المراد بوضع وزره عنه ﷺ : إزالة العقبات التي وضعها المشركون في طريق دعوته، وإعانته على تبليغ الرسالة على أكمل وجه، ورفع الحيرة التي كانت تعتريه قبل النبوة. قال بعض العلماء: وقد ذكر جمهرة المفسرين أن المراد بالوزر في هذه الآية: الذنب، ثم راحوا يتأولون الكلام، ويتمحلون الأعذار، ويختلفون في جواز ارتكاب الأنبياء للمعاصي، وكل هذا كلام، ولا داعي إليه، ولا يلزم حمل الآية عليه. والمراد- والله أعلى وأعلم- بالوزر: الحيرة التي اعترته ﷺ قبل البعثة، حين فكر فيما عليه قومه من عبادة الأوثان. وأيقن بثاقب فكره أن للكون خالقا هو الجدير بالعبادة، ثم تحير في الطريق الذي يسلكه لعبادة هذا الخالق، وما زال كذلك حتى أوحى الله إليه بالرسالة فزالت حيرته. ولما دعا قومه إلى عبادة الله، وقابلوا دعوته بالإعراض ... ثقل ذلك عليه، وغاظه من قومه أن يكذبوه ... وكان ذلك حملا ثقيلا ... شق عليه القيام به. فليس الوزر الذي كان ينقض ظهره، ذنبا من الذنوب ... ولكنه كان هما نفسيا يفوق ألمه، ألم ذلك الثقل الحسى ... فلما هداه الله- تعالى- إلى إنقاذ أمته من أوهامها الفاسدة ... كان ذلك بمثابة رفع الحمل الثقيل، الذي كان ينوء بحمله. لا جرم كانت هذه الآية واردة على سبيل التمثيل، واقرأ إن شئت قوله- تعالى-: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ. وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ «٢» . ويبدو لنا أن هذا القول الثاني، هو الأقرب إلى الصواب. لأن الكلام هنا ليس عن الذنوب التي ارتكبها النبي ﷺ قبل البعثة- كما يرى بعض المفسرين- وإنما الكلام هنا عن النعم التي أنعم بها- سبحانه- عليه والتي من مظاهرها توفيقه للقيام بأعباء الرسالة، وبإقناع كثير من الناس بأنه على الحق، واستجابتهم له ﷺ .

стр. 6599

وقوله- سبحانه-: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ بيان لنعمة ثالثة من نعمه- تعالى- على نبيه ﷺ . أى: لقد شرحنا لك- أيها الرسول الكريم- صدرك، وأزلنا عن قلبك الحيرة التي كانت تعتريك قبل تبليغ الرسالة وبعد تبليغها، بأن يسرنا لك كل صعب. وفوق ذلك فقد رفعنا لك ذكرك، بأن جعلناك رفيع الشأن، سامى المنزلة، عظيم القدر، ومن مظاهر ذلك: أننا جعلنا اسمك مقرونا باسمنا في النطق بالشهادتين. وفي الأذان، وفي الإقامة، وفي التشهد، وفي غير ذلك من العبادات، وأننا فضلناك على جميع رسلنا، بل على جميع الخلق على الإطلاق، وأننا أعطيناك الشفاعة العظمى، وجعلنا طاعتك من طاعتنا. قال الآلوسى: أخرج أبو يعلى، وابن جرير ... عن أبى سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: «أتانى جبريل فقال لي: إن ربك يقول: أتدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت: الله- تعالى- أعلم. قال: «إذا ذكرت ذكرت معى» . ثم أضاف- سبحانه- إلى هذه النعم الجليلة، ما يدخل السرور على قلبه ﷺ وما يبعث الأمل في نفسه وفي نفوس أصحابه، بأن بين لهم سنة من سننه التي لا تتخلف فقال: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً. والفاء للإفصاح، ومع بمعنى بعد، وأل في العسر لاستغراق أنواع العسر المعروفة للمخاطبين. من فقر، وضعف، وقلة في الوسائل التي تؤدى إلى إدراك المطلوب. والجملة الثانية مؤكدة ومقررة للجملة الأولى. والتنكير في قوله يُسْراً للتفخيم. والمعنى: إذا تقرر عندك ما أخبرناك به، من شرح الصدر، ووضع الوزر. ورفع الذكر ... فاعلم أنه ما من عسر إلا ويعقبه يسر، وما من شدة إلا ويأتى بعدها الفرج، وما من غم أو هم، إلا وينكشف، وتحل محله المسرة ... وما دام الأمر كذلك، فتذرع أنت وأصحابك بالصبر، واعتصموا بالتوكل على الله، فإن العاقبة لكم. ففي هاتين الآيتين ما فيهما من تسلية للنبي ﷺ ولأتباعه، ومن وعد صادق بأن كل صعب يلين، وكل شديد يهون، وكل عسير يتيسر. متى صبر الإنسان الصبر الجميل، وتسلح بالعزيمة القوية، وبالإيمان العميق بقضاء الله- تعالى- وقدره. وأكد- سبحانه- هاتين الآيتين، لأن هذه القضية قد تكون موضع شك، خصوصا بالنسبة لمن تكاثرت عليهم الهموم وألوان المتاعب، فأراد- سبحانه- أن يؤكد للناس في كل زمان ومكان، أن اليسر يعقب العسر لا محالة، والفرج يأتى بعد الضيق، فعلى المؤمن أن يقابل المصائب بصبر جميل، وبأمل كبير في تيسير الله وفرجه ونصره.

стр. 6600

وقال- سبحانه- مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ولم يقل بعد العسر يسرا، للإشعار بأن هذا اليسر، ليس بعد العسر بزمن طويل، وإنما هو سيأتى في أعقابه بدون مهلة طويلة، متى وطن الإنسان نفسه على الصبر والأمل في فرج الله- تعالى-. وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين الآيتين بعض الآثار، منها ما رواه ابن أبى حاتم، عن عائد بن شريح قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي ﷺ جالسا وحياله جحر فقال: «لو جاء العسر فدخل هذا الجحر، لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه» . وعن الحسن قال: كانوا يقولون: لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين. وعن قتادة: ذكر لنا أن الرسول ﷺ بشر أصحابه فقال: «لن يغلب عسر يسرين» . ومعنى هذا أن العسر معرّف في الحالين، فهو مفرد، واليسر منكّر فمتعدد، ولهذا قال: «لن يغلب عسر يسرين» فالعسر الأول عين الثاني، واليسر تعدد ... «١» . وقال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف تعلق قوله: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً بما قبله؟ قلت: كان المشركون يعيرون رسول الله ﷺ والمؤمنين بالفقر فذكّره الله- تعالى- بما أنعم به عليه من جلائل النعم ثم قال: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، كأنه قال: خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله، فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسرا. فإن قلت «إن مع» للصحبة، فما معنى اصطحاب اليسر للعسر؟ قلت: أراد أن الله يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، فقرب اليسر المترقب حتى جعله كالمقارن للعسر، زيادة في التسلية، وتقوية القلوب. فإن قلت: فما المراد باليسرين؟ قلت: يجوز أن يراد بهما ما تيسر لهم من الفتوح في أيام النبي ﷺ ، وما تيسر لهم في أيام الخلفاء ... وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة. فإن قلت: فما معنى هذا التنكير؟ قلت التفخيم، كأنه قال: إن مع العسر يسرا عظيما وأى يسر ... «٢» . وبعد هذا التعديد لتلك النعم العظيمة، أمر الله- تعالى- نبيه ﷺ في الاجتهاد في العبادة فقال- تعالى-: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ. وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ. وأصل الفراغ خلو الإناء مما بداخله من طعام أو غيره، والمراد به هنا الخلو من الأعمال

стр. 6601

التي تشغل الإنسان، والنصب: التعب والاجتهاد في تحصيل المطلوب. أى: فإذا فرغت- أيها الرسول الكريم- من عمل من الأعمال، فاجتهد في مزاولة عمل آخر من الأعمال التي تقربك من الله- تعالى-، كالصلاة، والتهجد، وقراءة القرآن الكريم. واجعل رغبتك في جميع أعمالك وعباداتك، من أجل إرضاء ربك، لا من أجل شيء آخر، فهو وحده القادر على إبلاغك ما تريد، وتحقيق آمالك. فالمقصود بهاتين الآيتين حثه ﷺ وحث أتباعه في شخصه على استدامة العمل الصالح، وعدم الانقطاع عنه، مع إخلاص النية لله- تعالى- فإن المواظبة على الأعمال الصالحة مع الإخلاص فيها، تؤدى إلى السعادة التي ليس بعدها سعادة. ولقد استجاب ﷺ لهذا الإرشاد الحكيم، فقد قام الليل حتى تورمت قدماه، وعند ما سئل لم كل هذه العبادة، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك؟ قال: «أفلا أكون عبدا شكورا» . وسار أصحابه من بعده على هذا الهدى القويم: فعمروا حياتهم بالباقيات الصالحات من الأعمال، دون أن يكون للفراغ السيئ، مكان في حياتهم، بل واصلوا الجهاد بالجهاد، وأعمال البر بمثلها. ومن أقوال عمر بن الخطاب- رضى الله عنه-: «إنى لأكره لأحدكم أن يكون خاليا، لا في عمل دنيا ولا دين» . وفي رواية أنه قال: «إنى لأنظر إلى الرجل فيعجبني، فإذا قيل: إنه لا عمل له سقط من عيني» . نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا جميعا ممن يعمرون أوقاتهم بالأعمال الصالحة، والخالصة لوجهه الكريم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 6602

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة التين مقدمة وتمهيد ١- وتسمى- أيضا- سورة «والتين» وعدد آياتها ثماني آيات، والصحيح أنها مكية. وقد روى ذلك عن ابن عباس وغيره، ويؤيد كونها مكية، القسم بمكة في قوله- تعالى-: وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ، وعن قتادة أنها مدنية، وهو قول لا دليل عليه. وكان نزولها بعد سورة «البروج» ، وقبل سورة «لإيلاف قريش» . ٢- وقد اشتملت هذه السورة الكريمة، على التنبيه بأن الله- تعالى- قد خلق الإنسان في أحسن تقويم، فعليه أن يكون شاكرا لخالقه، مخلصا له العبادة والطاعة.

стр. 6603

التفسير قال الله- تعالى-: [سورة التين (٩٥) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨) اتفق المفسرون على أن المراد بطور سينين: الجبل الذي كلم الله- تعالى- عليه موسى- ﵇ وسينين، وسيناء، وسينا، اسم للبقعة التي فيها هذا الجبل، بإضافة «طور» إلى ما بعده، من إضافة الموصوف إلى الصفة. قال الإمام الشوكانى: «وطور سينين» هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى، اسمه الطور. ومعنى سينين: المبارك الحسن.. وقال مجاهد: سينين كل جبل فيه شجر مثمر، فهو سينين وسيناء. وقال الأخفش: طور: جبل. وسينين شجر، واحدته سينه، ولم ينصرف سينين كما لم ينصرف سيناء، لأنه جعل اسما للبقعة.. «١» . وأقسم- سبحانه- به، لأنه من البقاع المباركة، وأعظم بركة حلت به ووقعت فيه، تكليم الله- تعالى-، لنبيه موسى- ﵇. كما اتفقوا- أيضا- على أن المراد بالبلد الأمين: مكة المكرمة، وسمى بالأمين لأن من دخله كان آمنا، وقد حرمها- تعالى- على جميع خلقه، وحرم شجرها وحيوانها، وفي

стр. 6604

الحديث الصحيح، أن النبي ﷺ قال بعد فتحها: «إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحل لأحد قبلي، ولن تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، فلا يعضد- أى: يقطع- شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ... » . إلا أن خلافهم في المراد بقوله- تعالى-: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وقد ذكر الإمام القرطبي هذا الخلاف فقال ما ملخصه: قوله: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ: قال ابن عباس وغيره: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت. قال- تعالى-: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ وهي شجرة الزيتون. وقال أبو ذر: أهدى للنبي ﷺ سلة تين، فقال: «كلوا» وأكل منها. ثم قال: «لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة، لقلت هذه ... » . وعن معاذ: أنه استاك بقضيب زيتون، وقال: سمعت النبي ﷺ يقول: «نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة» ... وهذا هو الرأى الذي تطمئن إليه النفس لأنه هو المتبادر من اللفظ وهناك أقوال أخرى رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها وتهافتها. ثم قال الإمام القرطبي: وهذا القول هو أصح الأقوال، لأنه الحقيقة، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل. وإنما أقسم بالتين لأنه كان ستر آدم في الجنة، لقوله- تعالى-: يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وكان ورق التين، ولأنه كثير المنافع. وأقسم بالزيتون لأنه الشجرة المباركة، قال- تعالى-: يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ ... وفيه منافع كثيرة ... «١» . وقال الإمام ابن جرير بعد أن ساق جملة من الأقوال في المقصود بالتين والزيتون: والصواب من القول في ذلك عندنا، قول من قال: التين: هو التين الذي يؤكل. والزيتون: هو الزيتون الذي يعصر منه الزيت، لأن ذلك هو المعروف عند العرب، ولا يعرف جبل يسمى تينا، ولا جبل يقال له زيتون. إلا أن يقول قائل: المراد من الكلام القسم بمنابت التين، ومنابت الزيتون، فيكون ذلك مذهبا، وإن لم يكن على صحة ذلك أنه كذلك، دلالة في ظاهر التنزيل ... «٢» .

стр. 6605

وما ذهب إليه الإمامان: ابن جرير والقرطبي، من أن المراد بالتين والزيتون، حقيقتهما، هو الذي نميل إليه، لأنه هو الظاهر من معنى اللفظ، ولأنه ليس هناك من ضرورة تحمل على مخالفته، ولله- تعالى- أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، فهو صاحب الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين. وجملة: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.... وما عطف عليه جواب القسم. أى: وحق التين الذي هو أحسن الثمار، صورة وطعما وفائدة، وحق الزيتون الذي يكفى الناس حوائج طعامهم وإضاءتهم، وحق هذا البلد الأمين، وهو مكة المكرمة، وحق طور سنين الذي كلم الله- تعالى- عليه نبيه موسى تكليما ... وحق هذه الأشياء ... لقد خلقنا الإنسان في أعدل قامة، وأجمل صورة، وأحسن هيئة، ومنحناه بعد ذلك ما لم نمنحه لغيره، من بيان فصيح، ومن عقل راجح، ومن علم واسع، ومن إرادة وقدرة على تحقيق ما يبتغيه في هذه الحياة، بإذننا ومشيئتنا. والتقويم في الأصل: تصيير الشيء على الصورة التي ينبغي أن يكون عليها في التعديل والتركيب. تقول: قومت الشيء تقويما، إذا جعلته على أحسن الوجوه التي ينبغي أن يكون عليها ... في التعديل والتركيب. تقول: قومت الشيء تقويما، إذا جعلته على أحسن الوجوه التي ينبغي أن يكون عليها ... وهذا الحسن يشمل الظاهر والباطن للإنسان ... والمراد بالإنسان هنا: جنسه. أى: لقد خلقنا- بقدرتنا وحكمتنا- جنس الإنسان في أكمل صورة، وأحكم عقل ... وقوله- تعالى-: ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ معطوف على ما قبله وداخل في حيز القسم. وضمير الغائب يعود إلى الإنسان ... وحقيقة الرد: إرجاع الشيء إلى مكانه السابق، والمراد به هنا: تصيير الإنسان على حالة غير الحالة التي كان عليها، وأسفل: أفعل تفضيل، أى: أشد سفالة مما كان يتوقع. وللمفسرين في هذه الآية الكريمة اتجاهات منها: أن المراد بالرد هنا: الرد إلى الكبر والضعف، كما قال- تعالى-: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً، يَخْلُقُ ما يَشاءُ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ «١» . وعلى هذا الرأى يكون المردودون إلى أسفل سافلين، أى: إلى أرذل العمر، هم بعض أفراد جنس الإنسان، لأنه من المشاهد أن بعض الناس هم الذين يعيشون تلك الفترة الطويلة

стр. 6606

من العمر، كما قال- تعالى-: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ. ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ، ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ، ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً، وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ، وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى، وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ «١» . وقد رجح ابن جرير هذا الرأى فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصحة، وأشبهها بتأويل الآية، قول من قال معناه: ثم رددناه إلى أرذل العمر. إلى عمر الخرفى الذين ذهبت عقولهم من الهرم والكبر، فهو في أسفل من سفل في إدبار العمر، وذهاب العقل ... » «٢» . ومنها: أن المراد بالرد هنا: الرد إلى النار، والمعنى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، ثم رددناه إلى أقبح صورة، وأخس هيئة ... حيث ألقينا به في أسفل سافلين، أى: في النار، بسبب استحبابه العمى على الهدى، والكفر على الإيمان ... وقد رجح هذا الرأى ابن كثير فقال: قوله: ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ أى: إلى النار ... أى: ثم بعد هذا الحسن والنضارة، مصيره إلى النار، إن لم يطع الله- تعالى- ويتبع الرسل. ولهذا قال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ... «٣» . وعلى هذا الرأى- أيضا-، يكون المردودون إلى «أسفل سافلين» أى: إلى النار، هم بعض أفراد جنس الإنسان، وهم الكفار، والفاسقون عن أمره- تعالى-. ومنها: أن المراد بالرد إلى أسفل سافلين هنا: الانحراف والارتداد عن الفطرة التي فطر الله- تعالى- الناس عليها، بأن يعبد الإنسان مخلوقا مثله، ويترك عبادة خالقه، ويطيع نفسه وشهواته وهواه ... ويترك طاعة ربه- . وقد فصل الأستاذ الإمام هذا المعنى فقال ما ملخصه: «أقسم- سبحانه- أنه قوم الإنسان أحسن تقويم، وركبه أحسن تركيب، وأكد- سبحانه- ذلك بالقسم، لأن الناس بسبب غفلتهم عما كرمهم الله به، صاروا كأنهم ظنوا أنفسهم كسائر أنواع العجماوات، يفعلون كما تفعل، لا يمنعهم حياء ولا تردهم حشمة. فانحطت بذلك نفوسهم عن مقامها، الذي كان لها بمقتضى الفطرة ... فهذا قوله: ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ، أى: صيرناه أسفل من كثير من الحيوانات التي كانت أسفل منه، لأن الحيوان المفترس- مثلا- إنما يصدر في عمله عن فطرته التي فطر عليها، لم ينزل عن مقامه، ولم ينحط عن منزلته في الوجود. أما الإنسان فإنه بإهماله عقله، وجهله بما ينبغي أن يعمله لتوفير سعادته وسعادة إخوانه،

стр. 6607

ينقلب أرذل من سائر أنواع الحيوان، ولطالما قلت: «إذا فسد الإنسان فلا تسل عما يصدر عنه من هذيان أو عدوان» «١» . والذي يتأمل الرأى الثاني والثالث يرى أن بينهما تلازما، لأن الانحراف عن الفطرة السوية يؤدى إلى الدخول في النار وبئس القرار، وهذان الرأيان أولى بالقبول، لأن الاستثناء في قوله- تعالى- بعد ذلك: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ يؤيد ذلك، إذ المعنى عليها: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، ثم رددناه إلى النار بسبب انحرافه عن الفطرة، وإيثاره الغي على الرشد، والكفر على الإيمان ... إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وساروا على مقتضى فطرتهم، فأخلصوا لله- تعالى- العبادة والطاعة ... فلهم أجر غير مقطوع عنهم أو غير ممنون به عليهم، بل هم قد اكتسبوا هذا الأجر الدائم العظيم، بسبب إيمانهم وعملهم الصالح. قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ، «ثم» هنا للتراخي الزمانى أو الرتبى، والرد يجوز أن يكون بمعنى الجعل، فينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر. فأسفل مفعول ثان، والمعنى: ثم جعلناه من أهل النار، الذين هم أقبح، وأسفل من كل سافل ... ويجوز أن يكون الرد بمعناه المعروف، وأسفل منصوب بنزع الخافض. أى: رددناه إلى أسفل الأمكنة السافلة وهو جهنم ... وقوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ استثناء متصل من ضمير «رددناه» العائد على الإنسان، فإنه في معنى الجمع، فالمؤمنون لا يردون أسفل سافلين يوم القيامة، بل يزدادون بهجة إلى بهجتهم. وحسنا على حسنهم ... » «٢» . و «ما» في قوله- سبحانه-: فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ اسم استفهام مبتدأ، وخبره جملة «يكذبك» . والخطاب للإنسان الذين خلقه الله- تعالى- في أحسن تقويم، ففي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب. والاستفهام للإنكار والتعجيب من هذا الإنسان ... والمعنى: فأى شيء يحملك- أيها الإنسان- على التكذيب بالدين وبالبعث وبالجزاء، بعد أن خلقناك في أحسن تقويم، وبعد أن أقمنا لك الأدلة على أن دين الإسلام هو الدين الحق، وعلى أن رسولنا صادق فيما يبلغك عن ربه- ؟ فالمقصود بقوله- تعالى-: يُكَذِّبُكَ: يجعلك مكذبا، أى: لا عذر لك في التكذيب

стр. 6608

بالحق، وقيل: الخطاب للنبي ﷺ ، وتكون «ما» بمعنى «من» ، ويكون الاستفهام بها عن ذوات المخاطبين، أى: فمن ذا الذي يكذبك- أيها الرسول الكريم- ويكذب بيوم الدين والجزاء، بعد أن ظهرت الدلائل على صدقك ... ؟ إن كل عاقل يجب عليه أن يصدقك ولا يكذبك، ولا يعرض عنك. والاستفهام في قوله- تعالى-: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ للتقرير: إذ الجملة الكريمة تحقيق لما ذكر من خلق الإنسان في أحسن تقويم، ثم رده إلى أسفل سافلين. فكأنه- تعالى- يقول: إن الذي فعل ذلك كله هو أحكم الحاكمين خلقا وإيجادا. وصنعا وتدبيرا، وقضاء وتقديرا، فيجب على كل عاقل أن يخلص له العبادة والطاعة، وأن يتبع رسوله ﷺ في كل ما جاء به من عند ربه- . وقد روى الإمام الترمذي عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ منكم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ... ثم انتهى إلى قوله- تعالى- أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين» «١» . نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا جميعا من عباده الصالحين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 6609

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة العلق مقدمة وتمهيد ١- هذه السورة الكريمة تسمى سورة «العلق» ، وتسمى سورة «اقرأ» وعدد آياتها تسع عشرة آية في المصحف الكوفي، وفي الشامي ثماني عشرة آية، وفي الحجازي عشرون آية. وصدر هذه السورة الكريمة يعتبر أول ما نزل من قرآن على النبي ﷺ . ٢- ومن أغراضها: التنويه بشأن القراءة والكتابة، والعلم والتعلم، والتهديد لكل من يقف في وجه دعوة الإسلام التي جاء بها النبي ﷺ من عند ربه- وإعلام النبي ﷺ بأن الله- تعالى- مطلع على ما يبيته له أعداؤه من مكر وحقد، وأنه- سبحانه- قامعهم وناصره عليهم، وأمره ﷺ بأن يمضى في طريقه، دون أن يلتفت إلى مكرهم أو سفاهاتهم.

стр. 6610

التفسير قال الله- تعالى-: [سورة العلق (٩٦) : الآيات ١ الى ١٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) وقد أجمع المحققون من العلماء، على أن هذه الآيات الكريمة، أول ما نزل على الرسول ﷺ من قرآن على الإطلاق، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى، الرؤيا الصالحة في النوم. فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث- أى: فيتعبد- فيه الليالى ذوات العدد، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لذلك، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء. فجاءه الملك فقال له: اقْرَأْ قال: ما أنا بقارئ، قال ﷺ فأخذنى فغطني حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقْرَأْ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقْرَأْ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطني الثالثة حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،

стр. 6611

خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ... «١» . وما ورد من أحاديث تفيد أن أول سورة نزلت هي «سورة الفاتحة» ، فمحمول على أن أول سورة نزلت كاملة هي سورة الفاتحة. كذلك ما ورد من أحاديث في أن أول ما نزل سورة المدثر، محمول على أن أول ما نزل بعد فترة الوحى. أما صدر سورة العلق فكان نزوله قبل ذلك. قال الآلوسى- بعد أن ساق الأحاديث التي وردت في ذلك-: «وبالجملة فالصحيح- كما قال البعض وهو الذي أختاره- أن صدر هذه السورة الكريمة، هو أول ما نزل من القرآن على الإطلاق. وفي شرح مسلم: الصواب أن أول ما نزل «اقرأ» ، أى: مطلقا، وأول ما نزل بعد فترة الوحى، «يا أيها المدثر» ، وأما قول من قال من المفسرين، أول ما نزل الفاتحة، فبطلانه أظهر من أن يذكر» «٢» . والذي نرجحه ونميل إليه أن أول ما نزل من قرآن على الإطلاق، هو صدر هذه السورة الكريمة إلى قوله ما لَمْ يَعْلَمْ، لورود الأحاديث الصحيحة بذلك. أما بقيتها فكان نزوله متأخرا. قال الأستاذ الإمام «أما بقية السورة فهو متأخر النزول قطعا، وما فيه من ذكر أحوال المكذبين، يدل على أنه إنما نزل بعد شيوع خبر البعثة، وظهور أمر النبوة، وتحرش قريش لإيذائه ﷺ » «٣» . وقد افتتحت السورة الكريمة بطلب القراءة من النبي ﷺ مع أنه كان أميا لتهيئة ذهنه لما سيلقى عليه ﷺ من وحى ... فقال- سبحانه-: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. أى: اقرأ- أيها الرسول الكريم- ما سنوحيه إليك من قرآن كريم، ولتكن قراءتك ملتبسة باسم ربك. وبقدرته وإرادته، لا باسم غيره، فهو- سبحانه- الذي خلق الأشياء جميعها، والذي لا يعجزه أن يجعلك قارئا، بعد كونك لم تكن كذلك. وقال- سبحانه- بِاسْمِ رَبِّكَ بوصف الربوبية، لأن هذا الوصف ينبئ عن كمال الرأفة والرحمة والرعاية بشأن المربوب. ووصف- سبحانه- ذاته بقوله: الَّذِي خَلَقَ للتذكير بهذه النعمة، لأن الخلق هو أعظم النعم، وعليه تترتب جميعها.

стр. 6612

وجملة خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ بدل من قوله الَّذِي خَلَقَ بدل بعض من كل، إذ خلق الإنسان يمثل جزءا من خلق المخلوقات التي لا يعلمها إلا الله. و «العلق» الدم الجامد، وهو الطور الثاني من أطوار خلق الإنسان. وقيل: العلق: مجموعة من الخلايا التي نشأت بطريقة الانقسام عن البويضة الملقحة، وسمى «علقا» لتعلقه بجدار الرحم «١» . والمقصود من هذه الجملة الكريمة بيان مظهر من مظاهر قدرته- تعالى- فكأنه- سبحانه- يقول: إن من كان قادرا على أن يخلق من الدم الجامد إنسانا يسمع ويرى ويعقل ... قادر- أيضا- على أن يجعل منك- أيها الرسول الكريم- قارئا، وإن لم تسبق لك القراءة. وخص- سبحانه- خلق الإنسان بالذكر، لأنه أشرف المخلوقات ولأن فيه من بدائع الصنع والتدبير ما فيه. وقوله- تعالى-: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ أى: امض لما أمرتك به من القراءة، فإن ربك الذي أمرك بالقراءة هو الأكرم من كل كريم، والأعظم من كل عظيم. قالوا: وإنما كرر- سبحانه- الأمر بالقراءة، لأنه من الملكات التي لا ترسخ في النفس إلا بالتكرار والإعادة مرة فمرة. وجملة وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ مستأنفة لقصد بيان أنه- تعالى- أكرم من كل من يلتمس منه العطاء، وأنه- سبحانه- قادر على أن يمنح نبيه نعمة القراءة، بعد أن كان يجهلها. وقوله- تعالى-: الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ أى: علم الإنسان الكتابة بالقلم، ولم يكن له علم بها، فاستطاع عن طريقها أن يتفاهم مع غيره، وأن يضبط العلوم والمعارف، وأن يعرف أخبار الماضين وأحوالهم، وأن يتخاطب بها مع الذين بينه وبينهم المسافات الطويلة. ومفعولا «علّم» محذوفان، دل عليهما قوله بِالْقَلَمِ أى: علم ناسا الكتابة بالقلم. وتخصيص هذه الصفة بالذكر، للإيماء إلى إزالة ما قد يخطر بباله ﷺ من تعذر القراءة بالنسبة له، لجهله بالكتابة، فكأنه- تعالى- يقول له: إن من علم غيرك القراءة والكتابة بالقلم، قادر على تعليمك القراءة وأنت لا تعرف الكتابة، ليكون ذلك من معجزاتك الدالة على صدقك، وكفاك بالعلم في الأمى معجزة. وجملة عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ خبر عن قوله- تعالى-: وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ وما بينهما اعتراض، ويصح أن تكون بدل اشتمال مما قبلها وهو قوله عَلَّمَ بِالْقَلَمِ أى:

стр. 6613

علم الإنسان بالقلم وبدونه ما لم يكن يعلمه من الأمور على اختلافها، والمراد بالإنسان في هذه الآيات جنسه. والمتأمل في هذه الآيات الكريمة، يراها قد جمعت أصول الصفات الإلهية، كالوجود، والوحدانية، والقدرة والعلم، والكرم. قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات: فأول شيء من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهو أول رحمة رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه- تعالى- أن علم الإنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة ... «١» . وقال المرحوم الشيخ محمد عبده: ثم إنه لا يوجد بيان أبرع ولا دليل أقطع على فضل القراءة والكتابة والعلم بجميع أنواعه، من افتتاح الله كتابه وابتدائه الوحى، بهذه الآيات الباهرات، فإن لم يهتد المسلمون بهذا الهدى، ولم ينبههم النظر فيه إلى النهوض، وإلى تمزيق تلك الحجب التي حجبت عن أبصارهم نور العلم ... وإن لم يسترشدوا بفاتحة هذا الكتاب المبين، ولم يستضيئوا بهذا الضياء الساطع ... فلا أرشدهم الله ... «٢» . ثم بين- سبحانه- بعد ذلك الأسباب التي تحمل الإنسان على الطغيان فقال: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى. و «كلا» حرف ردع وزجر لمن تكبر وتمرد ... فهو زجر عما تضمنه ما بعدها، لأن ما قبلها ليس فيه ما يوجب الزجر والردع، ويصح أن تكون «كلا» هنا بمعنى حقا. وقوله: لَيَطْغى من الطغيان، وهو تجاوز الحق في التكبر والتمرد. والضمير في قوله رَآهُ يعود على الإنسان الطاغي، والجملة متعلقة بقوله لَيَطْغى بحذف لام التعليل، والرؤية بمعنى العلم. والمعنى: حقا إن الإنسان ليتعاظم ويتكبر ويتمرد على الحق، لأنه رأى نفسه ذا غنى في المال والجاه والعشيرة، ورآها- لغروره وبطره- ليست في حاجة إلى غيره. والمراد بالإنسان هنا: جنسه لأن من طبع الإنسان أن يطغى، إذا ما كثرت النعم بين يديه، إلا من عصمه الله- تعالى- من هذا الخلق الذميم، بأن شكره- سبحانه- على نعمه، واستعملها في طاعته.

стр. 6614

وقيل المراد بالإنسان هنا: أبو جهل، وأن هذه الآيات وما بعدها حتى آخر السورة قد نزلت في أبى جهل، فقد أخرج البخاري عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلى عند الكعبة، لأطأن على عنقه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «لئن فعل لأخذته الملائكة» .. «١» . ونزول هذه الآيات في شأن أبى جهل لا يمنع عموم حكمها، ويدخل في هذا الحكم دخولا أوليا أبو جهل، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقوله- تعالى-: إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى تهديد ووعيد لهذا الطاغي، والرّجعى: مصدر بمعنى الرجوع. تقول: رجع إليه رجوعا ومرجعا ورجعي بمعنى واحد. والمعنى: لا تحزن- أيها الرسول الكريم- مما تفوه به هذا الطاغي وأمثاله، فإن إلى ربك وحده مرجعهم، وسيشاهدون بأعينهم ما أعددناه لهم من عذاب مهين، وسيعلمون حق العلم أن ما يتعاظمون به من مال، لن يغنى عنهم من عذاب الله شيئا يوم القيامة. ثم عجّب- سبحانه- نبيه ﷺ من حال هذا الشقي وأمثاله، فقال: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى. عَبْداً إِذا صَلَّى. فالاستفهام في قوله- تعالى-: أَرَأَيْتَ ... للتعجيب من جهالة هذا الطاغي، وانطماس بصيرته، حيث نهى عن الخير، وأمر بالشر، والمراد بالعبد: رسول الله ﷺ وتنكيره للتفخيم والتعظيم. أى: أرأيت وعلمت- أيها الرسول الكريم- حالا أعجب وأشنع من حال هذا الطاغي الأحمق، الذي ينهاك عن إقامة العبادة لربك الذي خلقك وخلقه. وقوله- سبحانه-: أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى خطاب آخر للنبي ﷺ أى: أرأيت- أيها الرسول الكريم- إن صار هذا الإنسان- الطاغي الكافر- على الهدى، فاتبع الحق، ودعا إلى البر والتقوى ... أما كان ذلك خيرا له من الإصرار على الكفر، ومن نهيه إياك عن الصلاة، فجواب الشرط محذوف للعلم به. فالمراد بالهدى: اهتداؤه إلى الصراط المستقيم، والمراد بالتقوى: صيانة نفسه عن كل ما يغضب الله- تعالى-، وأمره غيره بذلك. وقوله- تعالى-: أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى. أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى.

стр. 6615

أى: أرأيت- أيها الرسول الكريم- إن كذب هذا الكافر بما جئته به من عندنا، وتولى وأعرض عما تدعوه إليه من إيمان وطاعة لله رب العالمين. أرأيت إن فعل ذلك، أفلا أرشده عقله إلى أن خالق هذا الكون يراه، وسيجازيه بما يستحقه من عذاب مهين؟. فالمقصود من هذه الآيات الكريمة التي تكرر فيها لفظ «أرأيت» ثلاث مرات: تسلية النبي ﷺ . وتعجيبه من حال هذا الإنسان الطاغي الشقي، الذي أصر على كفره. وآثر الغي على الرشد. والشرك على الإيمان.. وتهديد هذا الكافر الطاغي بسوء المصير، لأن الله- تعالى- مطلع على أعماله القبيحة ... وسيعاقبه العقاب الأكبر. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فأين جواب الشرط- أى في قوله- تعالى-: أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى؟ قلت: هو محذوف تقديره: إن كان على الهدى، ألم يعلم بأن الله يرى، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني. فإن قلت: فكيف صح أن يكون «ألم يعلم» جوابا للشرط؟ قلت: كما صح في قولك: إن أكرمتك أتكرمنى؟ وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟ ... «١» . وقوله- سبحانه-: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ردع وزجر لهذا الكافر الطاغي الناهي عن الخير، ولكل من يحاول أن يفعل فعله. والسفع: الجذب بشدة على سبيل الإذلال والإهانة، تقول: سفعت بالشيء، إذا جذبته جذبا شديدا بحيث لا يمكنه التفلت أو الهرب ... وقيل: هو الاحتراق، من قولهم: فلان سفعته النار، إذا أحرقته وغيرت وجهه وجسده. والناصية: الشعر الذي يكون في مقدمة الرأس. أى: كلا ليس الأمر كما فعل هذا الإنسان الطاغي، ولئن لم يقلع عما هو فيه من كفر وغرور، لنقهرنه، ولنذلنه، ولنعذبنه عذابا شديدا في الدنيا والآخرة. والتعبير بقوله- تعالى-: لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ يشعر بالأخذ الشديد، والإذلال المهين، لأنه كان من المعروف عند العرب، أنهم كانوا إذا أرادوا إذلال إنسان وعقابه، سحبوه من شعر رأسه. والتعريف في الناصية، للعهد التقديري. أى: بناصية ذلك الإنسان الطاغي، الذي كذب وتولى، ونهى عن إقامة الصلاة. وقوله- تعالى-: ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ بدل من الناصية، وجاز إبدال النكرة من المعرفة، لأن النكرة قد وصفت. فاستقلت بالفائدة.

стр. 6616

وخاطئة: اسم فاعل من خطئ فلان- كعلم- فهو خاطئ وهو الذي يأتى الذنب متعمدا، ووصفت الناصية بأنها خاطئة مبالغة في تعمد هذا الإنسان لارتكاب المنكر، على حد قولهم: نهار صائم، أى: صائم صاحبه، ولأن الناصية هي مظهر الغرور والكبرياء. أى: لئن لم ينته هذا الفاجر المغرور عن كفره ... لنذلنه إذلالا شديدا ... ولنسحبنه إلى النار من ناصيته التي طالما كذبت بالحق، وتعمدت ارتكاب المنكر ... وقوله- سبحانه-: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ رد على غروره وتفاخره بعشيرته، فقد جاء في الحديث الشريف أن أبا جهل عند ما نهى النبي ﷺ عن الصلاة، نهره النبي ﷺ وزجره وأغلظ له القول ... فقال أبو جهل: أتهددني يا محمد وأنا أكثر هذا الوادي ناديا، فأنزل الله- سبحانه-: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ. سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ. وأصل النادي: المكان الذي يجتمع فيه الناس للحديث، ولا يسمى المكان بهذا الاسم إلا إذا كان معدا لهذا الغرض، ومنه دار الندوة، وهي دار كان أهل مكة يجتمعون فيها للتشاور في مختلف أمورهم، وسمى بذلك لأن الناس يندون إليه، أى: يذهبون إليه، أو ينتدون فيه، أى: يجتمعون للحديث فيه. يقال: ندا القوم ندوا- من باب غزا- إذا اجتمعوا. والأمر في قوله- تعالى-: فَلْيَدْعُ للتعجيز، والكلام على حذف مضاف. أى: فليدع هذا الشقي المغرور أهله وعشيرته لإيذاء النبي ﷺ ، ولمنعه من الصلاة، إن قدروا على ذلك، فنحن من جانبنا سندع الزبانية، وهم الملائكة الغلاظ الموكلون بعقاب هذا المغرور وأمثاله. ولفظ الزبانية في كلام العرب: يطلق على رجال الشرطة الذين يزبنون الناس، أى: يدفعونهم إلى ما يريدون دفعهم إليه بقوة وشدة وغلظة، جمع زبنيّة، وأصل اشتقاقه من الزّبن، وهو الدفع الشديد، ومنه قولهم: حرب زبون، إذا اشتد الدفع والقتال فيها، وناقة زبون إذا كانت تركل من يحلبها. والمقصود بهاتين الآيتين، التهكم بهذا الإنسان المغرور، والاستخفاف به وبكل من يستنجد به، ووعيده بأنه إن استمر في غروره ونهيه عن الصلاة فسيسلط الله- تعالى- عليه ملائكة غلاظا شدادا. لا قبل له ولا لقومه بهم. وقوله- تعالى-: كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ردع آخر لهذا الكافر عن الغرور والبطر والطغيان، وإبطال لدعواه أنه سيدع أهل ناديه، وتأكيد لعجزه عن منع الرسول ﷺ عن الصلاة. أى: كلا ليس الأمر كما قال هذا المغرور من أن أهله وعشيرته سينصرونه، وسيقفون إلى

стр. 6617

جانبه في منعك أيها الرسول الكريم- من الصلاة، فإنهم وغيرهم أعجز من أن يفعلوا ذلك، وعليك- أيها الرسول الكريم- أن تمضى في طريقك وأن تواظب على أداء الصلاة في المكان الذي تختاره، ولا تطع هذا الشقي، فإنه جاهل مغرور، واسجد لربك وتقرب إليه- تعالى- بالعبادة والطاعة، وداوم على ذلك. فالمقصود بهذه الآية الكريمة، حض النبي ﷺ على المداومة على الصلاة في الكعبة، وعدم المبالاة بنهي الناهين عن ذلك، فإنهم أحقر من أن يفعلوا شيئا ... نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا جميعا من عباده الصالحين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 6618

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة القدر مقدمة وتمهيد ١- سورة «القدر» من السور المكية عند أكثر المفسرين، وكان نزولها بعد سورة «عبس» ، وقبل سورة «الشمس» ، فهي السورة الخامسة والعشرون في ترتيب النزول، ويرى بعض المفسرين أنها من السور المدنية، وأنها أول سورة نزلت بالمدينة. قال الآلوسى: قال أبو حيان: مدنية في قول الأكثر. وحكى الماوردي عكسه. وذكر الواحدي أنها أول سورة نزلت بالمدينة. وقال الجلال في الإتقان: فيها قولان، والأكثر أنها مكية ... «١» وعدد آياتها خمس آيات، ومنهم من عدها ست آيات. والأول أصح وأرجح. ٢- والسورة الكريمة من أهم مقاصدها: التنويه بشأن القرآن، والإعلاء من قدره، والرد على من زعم أنه أساطير الأولين، وبيان فضل الليلة التي نزل فيها، وتحريض المسلمين على إحيائها بالعبادة والطاعة لله رب العالمين.

стр. 6619

التفسير قال الله- تعالى-: [سورة القدر (٩٧) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) والضمير المنصوب في قوله- تعالى- أَنْزَلْناهُ يعود إلى القرآن الكريم، وفي الإتيان بهذا الضمير للقرآن، مع أنه لم يجر له ذكر، تنويه بشأنه، وإيذان بشهرة أمره. حتى إنه ليستغنى عن التصريح به، لحضوره في أذهان المسلمين. والمراد بإنزاله: ابتداء نزوله على النبي ﷺ ، لأنه من المعروف أن القرآن الكريم، قد نزل على النبي ﷺ منجما، في مدة ثلاث وعشرين سنة تقريبا. ويصح أن يكون المراد بأنزلناه، أى: أنزلناه جملة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك منجما على النبي ﷺ . قال الإمام ابن كثير: قال ابن عباس وغيره: أنزل الله- تعالى- القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع، في ثلاث وعشرين سنة، على رسول الله ﷺ . «١» والقدر الذي أضيفت إليه الليلة، بمعنى الشرف والعظمة، مأخوذ من قولهم: لفلان قدر عند فلان، أى: له منزلة رفيعة، وشرف عظيم، فسميت هذه الليلة بذلك، لعظم قدرها وشرفها، إذ هي الليلة التي نزل فيها قرآن ذو قدر، بواسطة ملك ذي قدر، على رسول ذي

стр. 6620

قدر، لأجل إكرام أمة ذات قدر، هذه الأمة يزداد قدرها وثوابها عند الله- تعالى- إذا ما أحيوا تلك الليلة بالعبادات والطاعات. ويصح أن يكون المراد بالقدر هنا: التقدير، لأن الله- تعالى- يقدر فيها ما يشاء تقديره لعباده، إلا أن القول الأول أظهر، لأن قوله- سبحانه- بعد ذلك: وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ يفيد التعظيم والتفخيم. أى: إنا ابتدأنا بقدرتنا وحكمتنا، إنزال هذا القرآن العظيم، على رسولنا محمد ﷺ في ليلة القدر، التي لها ما لها عندنا من قدر وشرف وعظم.. لأن للطاعات فيها قدرا كبيرا، وثوابا جزيلا. وليلة القدر هذه هي الليلة التي قال الله- تعالى- في شأنها في سورة الدخان: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. وهذه الليلة هي من ليالي شهر رمضان، بدليل قوله- تعالى-: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ. قال بعض العلماء: ومن تسديد ترتيب المصحف، أن سورة القدر وضعت عقب سورة العلق، مع أنها أقل عدد آيات من سورة البينة وسور بعدها، وكأن ذلك إيماء إلى أن الضمير في أَنْزَلْناهُ يعود إلى القرآن، الذي ابتدئ نزوله بسورة العلق. «١» . وقال صاحب الكشاف: عظم- سبحانه- القرآن من ثلاثة أوجه: أحدها: أن أسند إنزاله اليه، وجعله مختصا به دون غيره. والثاني: أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر، شهادة له بالنباهة والاستغناء عن التنبيه عليه، والثالث: الرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه. روى أنه أنزل جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وأملاه جبريل على السفرة ثم كان ينزل به على رسول الله ﷺ نجوما في ثلاث وعشرين سنة. وعن الشعبي: المعنى: أنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر ... «٢» . وقوله- تعالى-: وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ تنويه آخر بشرف هذه الليلة، وتفخيم لشأنها، حتى لكأن عظمتها أكبر من أن تحيط بها الكلمات والألفاظ. أى: وما الذي يدريك بمقدار عظمتها وعلو قدرها، إن الذي يعلم مقدار شرفها هو الله
следующие страницы →