Полный текст (3 362 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الآتية في ج ٢ «سَأُرْهِقُهُ» ألجئه وأضايقه بشدة وقسر أن يصعد «صَعُوداً ١٧» جبلا شامحا في جهنم زيادة في مشقة العذاب لاراحة له معها، عن أبي سعيد الخدري قال: قال ﷺ الصعود عقبة في النار يتصعد فيها الكافر سبعين خريفا ثم يهوي بها سبعين خريفا فهو كذلك أبدا! أخرجه الترمذي بلفظ غريب وهو ما رآه راء قط وسيأتي له بحث في تفسير الآية ٨ من سورة الإسراء الآتية- وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله: (سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً) قال هو جبل من نار يكلف أن يصعده. فإذا وضع يده ذابت، فإذا رفعها عادت يؤيده قوله تعالى: «كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها» الآية ٥٦ من سورة النساء في ج ٣، ثم عدد مثالب الوليد الأخرى زيادة على ما بينه قبلا وفي الآية ٩ فما بعدها في سورة القلم المارة فقال جل قوله: «إِنَّهُ» عند سماع القرآن «فكّر» ماذا يقول فيه «وَقَدَّرَ ١٨» هيأ كلاما في نفسه وذلك لما أنزل الله سورة حم الجاثية وقيل فصلت، وكان يصلي في المسجد، كان الوليد بن المغيرة قريبا منه يسمع قراءته ففطن له النبي ﷺ فأعاد قراءة الآية فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه من بني مخزوم فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، والله إنّ له لحلاوة «وان عليه لطلاوة، وإن عليه لثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه، ثم انصرف إلى منزله فقالت قريش: صبأ والله الوليد ولتصبون قريش كلها، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه فانطلق حتى جلس إلى جنب الوليد حزينا، فقال له ما لي أراك حزينا يا ابن أخي فأجابه الخبيث: وما يمنعني أن لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة ليعينوك بها على كبر سنك، ويزعمونك أنك زيّنت كلام محمد وأنك تدخل على ابن أبي كبشة وابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهما، فغضب الوليد وقال: ألم تعلم قريش أني من أكثرهم مالا وولدا، وهل شبع محمد من الطعام حتى يكون له
فضل؟ ثم قام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه فقال لهم: تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يحنق قط؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه كاهن فهل
стр. 107
رأيتموه تكهّن قط؟ قالوا: اللهم لا، قال تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه ينطق بالشعر قط؟ قالوا اللهم لا، قال تزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه شيئا من الكذب قط؟ قالوا: اللهم لا، وكان يسمى الأمين قبل النبوة لصدقه، فقالت قريش للوليد:
فما هو إذن؟ فتفكر في نفسه ثم قال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه فهو ساحر، وما يقوله ما هو إلا سحر يؤثر، فذلك قوله «فَكَّرَ وَقَدَّرَ» وهذا مما يدل أيضا على أن هذه السورة لم تنزل دفعة واحدة، فإن الآيات من ذرني إلى آخرها متأخرة في النزول عنها، لأن سورة حم هذه لم تنزل بعد والحواميم كلها نزلت متتابعة كما سيأتي في الجزء الثاني.
وعلى القول بأنها نزلت معها تكون من قبيل الإخبار بالغيب، وسنزيد هذا البحث بحثا عند تفسيرها إن شاء الله القائل «فَقُتِلَ» وعذّب وأهين «كَيْفَ قَدَّرَ ١٩» وهذا الاستفهام على طريق التعجب والإنكار والتوبيخ «ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ٢٠» كرره تأكيدا اشعارا بأن هذا دعاء عليه أبلغ من الأول
«ثُمَّ نَظَرَ ٢١» في وجوه الناس يبين لهم ما يدفع به القرآن ويردّه «ثُمَّ عَبَسَ» كلح وجهه واغبر «وَبَسَرَ ٢٢» تقطب وجهه واكفهر وزاد في التقبض، وأظهر العبوس قبل أو انه ومنه قيل لما لم ينضج من الثمر بسر. ويأتي بمعنى العبوس مطلقا، وعليه قول ثوبة:
لقد رابني منها صدود رأيته ... وإعراضها عن حاجتي وبسورها
قال تعالى: «ثُمَّ أَدْبَرَ» ولى بظهره عن الحق «وَاسْتَكْبَرَ ٢٣» عن الإيمان به واختلق ما افتراه «فَقالَ إِنْ» ما «هذا» الذي يتكلم به محمد «إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ٢٤» يروى عن السحرة إن «هذا» الذي يقوله محمد «إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ٢٥» يتلقاه عنهم ويحكيه لنا ما هو قول الله كما يزعم، قال تعالى: فدعه يا محمد وما يقول «سَأُصْلِيهِ» أحرقه وأدخله «سَقَرَ ٢٦» علم لجهنم لا ينصرف لعلتي التعريف والتأنيث «وَما أَدْراكَ» يا حبيبي «ما سَقَرُ ٢٧» صدر الجملة بالاستفهام على سبيل التهويل والتعظيم، أي ما أعلمك ماهي هي «لا تُبْقِي» لحما «وَلا تَذَرُ ٢٨» عظما فلا يلقى فيها شيء إلا أحرقته وأذابته «لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ٢٩» مغيرة جلودهم
стр. 108
البيض سودا «عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ٣٠» ملكا هم خزنتها عدا مالك فإنه بوّابها، قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قال أبو جهل لقريش ثكلتكم أمهاتكم اسمع من ابن أبي كبشة يخبر قومه، أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم الشجعان أفيعجز كل عشرة منكم أن تبطش بواحد منهم، فقال أبو الأشعر بن أسيد بن كلدة بن خلف الجمحي: أنا أكفيكم سبعة عشر، عشرة على ظهري، وسبعة على بطني، واكفوني أنتم اثنين. ويروى عنه أنه قال: أنا أمشي بين أيديكم على الصراط فادفع عشرة بمنكبي الأيمن، وتسعة بمنكبي الأيسر في النار. ونمضي فندخل الجنة، فأنزل الله جل إنزاله
«وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ» خزنتها «إِلَّا مَلائِكَةً» لا رجالا فمن ذا يغلبهم، وإن واحدا منهم كاف لتعذيب الثقلين، وليس فيهم مظنة الرحمة والرأفة لأنهم ليسوا من جنس المعذّبين. راجع الآية ٦ من سورة التحريم في ج ٣، «وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً» امتحانا «لِلَّذِينَ كَفَرُوا» يقولوا ما قالوه وقد جئنا بهذا العدد «لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ» صحة ما أنزلناه على محمد لأن هذا العدد مكتوب في التوراة والإنجيل وليتيقنوا أن محمدا لم يقل شيئا من نفسه وان كل ما يقوله من عند الله تعالى مصدق لكتابهم.
مطلب الحواس الباطنة والظاهرة والأخبار بالغيب
وقيل المخصّص لهذا العدد اختلاف البشرية في النظر والعمل بسبب القوى الحيوانية الاثني عشر يعني الحواس الخمس الباطنة أو الخمس الظاهرة والقوة الباعثة كالغضبية والشهوية والقوة المحركة، فهذه اثنا عشرة، والطبيعيات السبع ثلاث منها مخدومة وهي النامية والغازية والمولدة، وأربع منها خادمة وهي الهاضمة والجاذبة والدافعة والماسكة، وهذا مع ابتنائه على الفلسفة لا يكاد يتم، كما لا يخفى على من وقف على كتبها، والحقيقة في حكمة هذا العدد لا يعلمها إلا الله القائل: «وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا» من أهل الكتابين والذين آمنوا بالقرآن «إِيماناً» تصديقا بمحمد وما أنزل عليه بأنه وحي سماوي لأنه أخبر به دون تعلم أو دراسة «وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ» في عددهم وليخالف حالهم حال المشركين والكفار
стр. 109
«وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» نفاق وشك وريب «وَالْكافِرُونَ» من المشركين «ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا» أي ما معنى هذا العدد العجيب ولأي شيء اختاره على غيره، وهذه الآية من الإخبار بالغيب قبل الوقوع فهي من معجزاته ﷺ لأنه أعلم بإعلام الله إياه بأنه سيكون منافقون يرتابون في هذا القرآن، لأن هذه السورة مكية بالاتفاق ولا يوجد زمن نزولها منافقون، والنفاق ظهر بالمدينة، ولهذا جاء الفعل بلفظ المستقبل «كَذلِكَ» مثلما أضل الله منكري عدد الخزنة «يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ» من غيرهم ممن اقتفى آثار الكفر وأعرض عن الإيمان «وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ» ممن آمن به وصدق رسله «وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ» الذين من جملتهم خزنة جهنم «إِلَّا هُوَ» وحده لأن ملائكته لا يحصون وهذا كالجواب للخبيث أبي جهل لقوله: ما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر، أي له أعوان كثيرون لا يعلمهم إلا الله، فكما أن مقدراته غير متناهية فكذلك جنوده، وإن الواحد منهم كاف لخراب الدنيا بما فيها، راجع الآية ٨١ من سورة هود في ج ٢ «وَما هِيَ» أي سقر الموصوفة آنفا «إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ ٣١» وموعظة وما مواعظ القرآن وآياته إلا عبرة للناس يتذكرون بها «كلّا» إن البشر لا يتعظون بها ولهذا فانه تعالى أقسم جل قسمه فقال «وَالْقَمَرِ ٣٢» الذي جعلته نورا لخلقي «وَاللَّيْلِ» الذي خلقته راحة لعبادي «إِذْ أَدْبَرَ ٣٣» ولّى وقرىء دبر بمعنى أدبر كقبيل بمعنى اقبل تقول دبرني فلان جاء خلفي والليل يأتي خلف النهار «وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ ٣٤» اعترض مضيئا بالأفق وقرىء سفر وقد أقسم الله بها لعظم منافعها كما لا يخفى وجوب القسم لهذه الأيمان الثلاث قوله جل قوله «إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ ٣٥» الأمور العظام لأنها احدى دركات النار السبعة وهي: ١ جهنم، ٢ والحطمة، ٣ لظى، ٤ السعير، ٥ سقر، ٦ الجحيم، ٧ الهاوية. وكل واحدة منها داهية دهماء عظيمة في البلاء جعلت «نَذِيراً لِلْبَشَرِ ٣٦» قال الحسن والله ما أنذر بشيء أدهى من النار وهذا النذير قد حصل للجميع «لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ» أيها الناس «أَنْ يَتَقَدَّمَ» للطاعة ويبادر لفعل الخير فينجو منها «أَوْ يَتَأَخَّرَ ٣٧»
стр. 110
عنها فيقع في الشر والمعصية فيهلك في تلك النار هذا ولا دلالة في هذه الآية لقول من قال إن العبد مجبر على الفعل ومتمكن من فعل نفسه لأن مشيئته تابعة لمشيئة الله وانها على حد قوله تعالى (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) الآية ٢٩ من الكهف في ج ٢ أي بعد أن بينا لكم أيها البشر طريقي الخير والشر وأمرناكم باتباع الخير والانكفاف عن الشر وهذا على حد قوله تعالى (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ) الآية ٤٠ من سورة فصّلت في ج ٢ أي افعلوا ما شئتم فكل مجاز بعمله إن خيرا فخير وان شرا فشر قال «كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ» من الأعمال «رَهِينَةٌ ٣٨» عند ربها غير مفكوك عنها لأنها مأخوذة بعملها ورهينة اسم فعل بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم وليست بتأنيث رهين لأن فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث مثل قتيل وجريح لتكون بمعني اسم الفاعل والمفعول بل هي واحد الرهائن، ثم استثنى الله تعالى من هذا العموم فقال «إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ ٣٩» الذين يعطون كتبهم بأيمانهم وهم المؤمنون المخلصون لأنهم فكوا رقابهم بالطاعة كما يفك الراهن رهنه بأداء ما عليه من الحق، وقد روي عن علي كرم الله وجهه انهم أطفال المؤمنين لأنهم لم يكتسبوا إثما يرتهنون فيه. وقال ابن عباس هم الملائكة. وقيل هم الذين كانوا على يمين آدم يوم أخذ الميثاق وحين قال تعالى هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي لأن
اللفظ عام لا يوجد ما يخصصه وهؤلاء الميامين المباركون «فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ ٤٠» فيما بينهم
«عَنِ الْمُجْرِمِينَ ٤١» فيقولون لهم على سبيل التوبيخ والتقريع «ما سَلَكَكُمْ» أدخلكم وأوصلكم ونفحكم فحبسكم «فِي سَقَرَ ٤٢ قالُوا» لهم زججنا فيها لأنا «لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ٤٣» في الدنيا ولم نعتد فرضيتها «وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ٤٤» في الدنيا بما تفضل الله به علينا ولم نتصدق عليه كما فعل المؤمنون الذين يؤثرون على أنفسهم ولم نكن معدمين لنعذر «و» مع هذا كله فإنا «كُنَّا نَخُوضُ» بالباطل وقول الزور في آيات الله «مَعَ الْخائِضِينَ ٤٥» في البهتان والافتراء والاختلاف «وَكُنَّا نُكَذِّبُ» ننكر أيضا ولا نصدق «بِيَوْمِ الدِّينِ ٤٦» يوم الجزاء والحساب وبقينا متمادين في ذلك كله «حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ ٤٧» الموت
стр. 111
وسمي يقينا لأن كل البشر موقن به فصار علما على الموت، قال تعالى ردا لما يقال من أسباب الخلاص لمثل هؤلاء «فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ٤٨» عندنا من الملائكة والأنبياء والشهداء والصالحين في ذلك اليوم الذي تقبل فيه الشفاعة لمن يشاء الله.
مطلب الشفاعة والمحروم منها:
في هذه دليل ثبوت الشفاعة فيما عدا الأصناف الأربعة المذكورين، وهو كذلك، لأنهم يشفعون بإذن الله لمن يرتضيه، فلا يرد عليه ما جاء بالآيات الأخر. قال ابن مسعود ﵁: تشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون وجميع المؤمنين فلا يبقى في النار إلا أربعة، ثم تلا هذه الآية (قالُوا لَمْ نَكُ) قال عمران ابن حصين الشفاعة نافعة لكل أحد دون هؤلاء الذين تسمعون المذكورين في الآية وروى البغوي عن أنس ﵁ قال: قال ﷺ يصف أهل النار فيعذبون قال: فيمر بهم الرجل من أهل الجنة فيقول للرجل منهم يا فلان فيقول ما تريد؟
فيقول أما تذكر رجلا سقاك شربة ماء يوم كذا وكذا فيقول وإنك لأنت هو، فيقول نعم فيشفع له فيشفع فيه، قال ثم يمر بهم الرجل فيقول يا فلان فيقول ما تريد؟
فيقول أما تذكر رجلا وهب لك وضوءا يوم كذا وكذا؟ فيقول وانك لأنت هو؟ فيقول نعم فيشفع له فيشفع فيه قال تعالى «فَما لَهُمْ» أي شيء جعل لهؤلاء الكفرة من قومك يا حبيبي (إذا كان حال المعذبين على ما ذكر) «عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ٤٩» أي عن سماع هذا القرآن مولين ظهورهم عنه بعد أن سمعوا ما سمعوا من آياته ونصح من أنزل عليه ولم يتعظوا «كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ» وحشية «مُسْتَنْفِرَةٌ ٥٠» بكسر الفاء أي نافرة وقرىء بفتحها فتكون بمعنى منفرة مذعورة خائفة كأنها
«فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ٥١» أي الأسد أو جماعة أو جماعة الرماة الصيّادين، لا واحد له من لفظه مثل ذلك ورهط راجع الآية الأولى من سورة الفاتحة الآتية، شبه ﷻ نفور المشركين من سماع مواعظ القرآن ونصائح حضرة الرسول بنفور الحمر الوحشية عند ما تشاهد الأسد أو الرماة فلا يرى مثل نفورها وكذلك هروب
стр. 112
المشركين عند سماع كلام حضرة الرسول في قرآن أو غيره، راجع الآية ١٢٧ من سورة التوبة في ج ٣ «بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ» أي هؤلاء المعرضون «أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً ٥٢» قراطيس تنشر وتقرأ كالكتب التي يتكاتب بها الناس، أي أنهم لا يكتفون بتلك التذكرة من حضرة الرسول ولا يرضون بها وذلك أن كفار قريش قالوا لرسول الله ﷺ لن نتبعك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه من رب العالمين إلى فلان نؤمر فيها باتباعك، ونحو هذا القول ما يأتي في الآية ٩٢ من سورة الإسراء الآتية.
مطلب ما يطلبه قريش من الرسول:
وقالوا بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح وعند رأسه ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك، وقالوا إن كان محمد صادقا فيصبح عند رأس كل واحد منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار، فرد الله عليهم بقوله عزّ قوله «كَلَّا» لا يؤتون شيئا من ذلك، وهذه كلمة ردع وزجر ونهي لهم عن طلب تلك الاقتراحات والتمنّيات «بَلْ لا يَخافُونَ» بالياء والتاء هؤلاء هول «الْآخِرَةَ ٥٣» ولا يخشون عذابها وما أو عدوا فيها إذ لو خافوا ذلك لما اقترحوا شيئا من هذه الاقتراحات الواهية ولأن ما حصل من المعجزات وما قام من الأدلة على اثبات نبوته وصحة ما جاءهم به كاف على وجوب الإيمان به، ولكنهم لن يؤمنوا ولو جئنهم بكل آية، راجع الآية ٩٥ من سورة يونس في ج ٢، فطلبهم هذا زيادة في التعنّت والعناد ولهذا زجرهم بقوله «كلّا» حقا «إنّه» القرآن «تَذْكِرَةٌ ٥٤» عظيمة وعظة بليغة كافية لمن وفقه الله للايمان «فَمَنْ شاءَ» منكم أيها الناس أن يذكره «ذَكَرَهُ ٥٥» ولم ينسه واتعظ به ولم يطلب غيره لأن نفعه عائد عليه «وَما يَذْكُرُونَ» هؤلاء وغيرهم بمشيئتهم إذ لا يقدرون أن يذكروه «إلّا» وقت «أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» لهم ذلك فإن شاء لهم الهدى تذكروا فيه فاهتدوا وإلا لا، فانه «هو» وحده ﷻ «أَهْلُ التَّقْوى» وبالحري أن يتقيه عباده ويخافوا عقابه فيؤمنوا به ويطيعوه «وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ٥٦» وحقيق أن يغفر للطائعين ما سلف ت (٨)
стр. 113
منهم إذا آمنوا وصدقوا نيتهم والله أحق أن نتقي محارمه وأكرم من أن يرد من يقبل عليه بإخلاص. هذا ولا يوجد غير هذه السورة مختومة بمثل هذه اللفظة، أخرج أحمد والترمذي وحسنه الحاكم وصححه النسائي وابن ماجه وخلق كثير آخرون عن أنس أن رسول الله قرأ هذه الآية (هُوَ أَهْلُ التَّقْوى) إلخ فقال:
قد قال ربكم أنا أهل بأن أتقى فلا يجعل معي إله فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها آخر فأنا أهل أن أغفر له. وأخرج ابن مردويه عن عبد بن دينار عن أبي هريرة وابن عمر عن ابن عباس مرفوعا ما يقرب من ذلك، هذا، والله أعلم واستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
تفسير سورة الفاتحة عدد ٥- ١
نزلت بعد المدثر في مكة بدليل قوله تعالى في سورة الحجر (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي إلخ) ، الآية ٨٧ في ج ٢، وهي مكية فلا برهان لمن قال إنها مدنية كمجاهد ﵀ حتى قال الحسين بن فضيل هذه هفوة من مجاهد لأن العلماء على خلافه، ولا دليل لمن قال انها أول ما نزل أولية مطلقة كما نوهنا به أوائل سورة المدثر المارة، وأضعف من هذين القولين، القول بنزولها مرتين أولا بمكة ثم بالمدينة، وقد جزم جابر بن زيد أن أول ما نزل (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) ثم (ن) ثم (المزمل) ثم (المدثر) ثم (الفاتحة) وهي سبع آيات ومنها في عد الآي سورة الماعون فقط ولو أنها نزلت مرتين لأثبتت بالقرآن مرتين كما هو الحال في الآيات والقصص المكررة، وهذا كاف للرد على من يقول بنزولها مرتين، تدبر، والبسملة ليست آية منها.
مطلب أسماء الفاتحة وما يتعلق بها وهي تسع وعشرون كلمة ومائة وأربعون حرفا، وتسمى فاتحة الكتاب وأم القرآن والسبع المثاني لأنها تثنى في الصلاة وغيرها، والوافية لأنها لا تقسم في الصلاة بخلاف غيرها من السور، والكافية لأنها تكفي عن غيرها ولا يكفي عنها
стр. 114
غيرها عند الإمام الشافعي ﵀ اعتمادا على قوله ﷺ : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وعلى ما رواه مسلم عن أبي هريرة: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأمّ القرآن فهي خداج وكررها ثلاثا، أي غير تمام، قال الراوي فقلت يا أبا هريرة إنا أحيانا نكون وراء الإمام، فغمز ذراعي وقال: اقرأها بنفسك يا فارسي (يريد سلمان ﵁ فاني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله ﵎ قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، فاذا قال (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) قال حمدني عبدي، وإذا قال (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) قال أثني عليّ عبدي، وإذا قال (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) قال مجّدني عبدي، وإذا قال (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، وإذا قال (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل. وقد أول الحنفية الحديث المارّ بأن المراد به الصلاة الكاملة وإلا فهي تصحّ بكل ما قرىء من القرآن ولو كلمتين كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن عبادة بن الصامت المار في آخر سورة المزمل المتعلق في هذا البحث. وتسمى سورة الحمد، وفي القرآن خمس سور مبدوءة بالحمد لله، هذه والأنعام والكهف وسبأ وفاطر.
هذا ولا يقدح في قول القائل ان الفاتحة مشتملة على معان كثيرة بل على الكتاب كله وجامعة لما فيه، عدم اشتمالها على الأحرف السبعة وهي: (الثاء والجيم والزاي والشين والخاء والظاء والفاء) لأن المراد الكمال المعنوي لا اللفظي ولا ينقصها نقصان الصورة فقد جاء بحق البشر وهو مادي (إن الله لا ينظر إلى صوركم) فكيف بالأمور المعنوية. على أن هذه الأحرف من الحروف الظلمانية التي لم تذكر في المتشابه من القرآن في أوائل السور التي يجمعها قولك (صراط على حق نمسكه) أي بعد حذف المكرر منها، تأمل.
الحكم الشرعي وجوب تعيين قراءتها في الصلاة عند الشافعي وأحمد ومالك ومن تابعهم بحيث لا تصح الصلاة بدونها ولا يجزى غيرها عنها، والواجب عندهم كالفرض غالبا وقال أبو حنيفة لا يتعين قراءتها على سبيل الفرض، وعنده الواجب دائما دون الفرض
стр. 115
خلافا لبقية الأئمة، وقال ﵀ بكفاية آية طويلة أو ثلاث آيات قصار من أي سورة كانت من القرآن بل تصح بأقصر آية مثل (ثُمَّ نَظَرَ) الآية ٢١ من المدثر المارة لأنه الفرض عنده استنادا لقوله تعالى: (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ) الآية الأخيرة من سورة المزمل المارة، وقوله ﷺ للأعرابي المسيء صلاته: ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن- كما في الصحيحين- أما كون البسملة ليست بآية منها فقد تقدم بحثه في الخاتمة.
بسم الله الرّحمن الرّحيم. تقدم البحث عنها بالخاتمة أيضا وقد أسقطت الألف من الياء للخفة وطول الباء خطا ليدل عليها، والاسم ما يعرف به ذات الشيء والتسمية عبارة عن تعيين اللفظ المعين لتعريف ذات الشيء فالاسم هو اللفظة المعنية واشتقاقه من السموّ أي العلو لأن اسم الشيء ما علاه وظهر به وصار علما له «الله» اسم علم خاص له تعالى وهو غير مشتق ومن خصائصه أنك إذا حذفت الالف بقي لله، وإذا حذفت اللام بقي إله، وإذا حذفتهما معا بقي هو، فالواو عوض عن الضمير، وإذا حذفت اللامين بقي آه فهو دائما يدل عليه دون غيره، ولم يسبق أن تسمى به أحد قطعا، قال تعالى (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) الآية ٦٥ من سورة مريم الآتية ومعناه المستحق للعبادة وحده «الرّحمن» ذي الرحمة العامة و «الرّحيم» ذي الرحمة الخاصة وهما اسمان من صفات الذات مشتقان من الرحمة، وقد ذكرنا بعض ما يتعلق بمعنى البسملة على القول بانها آية من الفاتحة بالحالة المارة قال تعالى «الْحَمْدُ لِلَّهِ» استحقاقا لذاته الكريمة المستوجبة لجميع المحامد «رَبِّ» المربي الأكبر المالك لجميع الخلق «الْعالَمِينَ ١» جمع عالم بفتح اللام لا واحد له في لفظه مثل خيل ونساء، راجع الآية ٥ من سورة المدثر المارة وهو اسم لكل موجود ما سوى الله الموجد للوجود، قالوا إن لله ألف عالم، ستمائة في البحر واربعمائة في البر وقيل ثمانون الف عالم نصفها في البر ونصفها في البحر والحقيقة ان له عوالم لا يعلمها غيره وما العمران في الخراب الا كفسطاط (خيمة) في فلاة «الرَّحْمنِ» المنعم على خلقه بما لا يتصور صدوره من العباد «الرَّحِيمِ» المنعم بما يمكن تصوره من عباده ويجوز التسمية به وهو في جملة أسمائه
стр. 116
صلّى الله عليه وسلم لأنه أخص من الرحمن كما تقدم في الخاتمة أيضا «مالِكِ» أبلغ من ملك لأنه لا يكون مالكا للشيء إلا وهو يملكه ولأن الملك لا يكون إلا بالمبايعة والمالك يكون بالقهر، وجاز قراءة ملك بالصلاة لمن يقتصر على الفاتحة في الركعة الثانية لتكون الأولى أطول منها بحرف وهو في سنن القراءة في الصلاة ولأنها قراءة أيضا، ومن لم يفهم هذا المعنى من الأئمة يداوم على قراءة ملك في الثانية مع أنه يقرأ معها شيئا من القرآن ويظن أنه يحسن عملا أو ان قراءة ملك مطلوبة او انه واقف على القراءات، وقيل أن ملك أولى لأن كل ملك مالك أيضا وليس بشيء «يَوْمِ الدِّينِ ٣» أي الجزاء المتصرف بأمره ونهيه فيه، وجملة الحمد إخبارية لفظا انشائية معنى وما بعدها إخبار فقط، ثم رجع الخطاب لعباده فأمرهم ان يقولوا «إِيَّاكَ» يا ربنا «نَعْبُدُ» نخصّك بالعبادة ونوحدك طائعين خاضعين لك كما حققتها بالعبودية وسمي العبد عبدا لذلته لمولاه وانقياده لأوامره «وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٤» لا نطلب المعونة إلا منك يا إلهنا، وتقديم المفعول يكون دائما للحصر، أي أن إعانتنا على عبادتك وأمورنا المحصورة فيك لا نقدر على القيام بها كما ينبغي إلا بقدرتك ومعونتك، وقال في المعنى:
إليك وإلّا لا تشد الركائب ... ومنك وإلّا فالمؤمل خائب
وفيك والّا فالغرام مضيّع ... وعنك والا فالمحدّث كاذب
ثم أمر عباده أن يسألوه ما يهمهم شأنه، وعلمهم كيف يدعونه بقوله عزّ قوله «اهْدِنَا» أرشدنا يا ربنا لسلوك الطريق «الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ٥» السويّ الموصل إلى رضاك، قال ابن عباس: هو دين الإسلام وقال غيره: القرآن، والحق أن يقال هو عام في كل ما من شأنه أن يكون عدلا حقا قال جرير:
أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموادد مستقيم
واعلم أن السين قد ينوب عنها الصاد وبالعكس في كل كلمة فيها سين يأتي طاء أو خاء أو غين أو قاف، نقول صراط وسراط، وصخر وسخر، ومصبغة ومسبغة، وصيقل وسيقل، وما شابهها، أما في غيرها فلا نقول صلح سلح،
стр. 117
كما لا نقول صالح صالح، تدبر «صِراطَ» بدل من الاول «الَّذِينَ أَنْعَمْتَ» مننت «عَلَيْهِمْ ٦» بالهداية والتوفيق وهم الأنبياء ومن تابعهم على حقهم وصدّق بما أنزل عليهم قال:
لو لم ترد نيل ما نرجو ونطلبه ... من فيض جودك ما علمتنا الطلبا
«غَيْرِ» طريق «الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ» الذين غيروا وبدلوا ما أمرتهم به فاستحقوا غضبك والغضب هو ثوران الدم لإرادة الانتقام قال ﵊ اتقوا الغضب فإنه جمرة تتوقد في قلب ابن آدم ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه، وإذا وصف الله به فالمراد منه الانتقام فقط وغضبه تعالى يلحق الكافرين دون المؤمنين «وَلَا» طريق «الضَّالِّينَ ٧» عن طريقك السوي المائلين عن هدى أنبيائك والضلال الهلاك ومنه قوله تعالى: (أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ) الآية ١٠ من سورة السجدة في ج ٢ أي هلكنا وقوله تعالى: (وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ) الآية ١٣ من سورة محمد في ج ٣ أي محقها والضلال في الدين الانصراف عن الحق.
مطلب المراد بالمغضوب عليهم والضالين، وحكم (آمين) وعلوم الفاتحة:
ومن خصّ اليهود بالغضب والنصارى بالضلال في هذه الآية مستدلا ببعض الآيات القرآنية كقوله تعالى: (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ) الآية ٢٦ من سورة المائدة في ج ٣ وقوله تعالى: (وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا) الآية ٨٠ منها أيضا لم يصب الهدف، لأن الغضب والضلال وردا في القرآن بحق جميع الكفار على العموم فلم يخص بها اليهود والنصارى قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً) الآية ١٦٦ من النساء في ج ٣ وسياق الآية ينافي ذلك الإختصاص، لأنها عامة والعبرة لعموم اللفظ عند عدم المخصص ولا مخصّص هنا.
واعلم أن كلمة آمين ليست من الفاتحة كما قدمناه في الخاتمة وانما يسن قراءتها بعدها بسكتة خفيفة لمواظبة النبي ومن بعده من الأصحاب والعلماء عليها حتى اليوم ومعناها أللهم استجب، وقد جاء فيما رواه البخاري أن الإمام إذا قرأ غير المغضوب عليهم
стр. 118
ولا الضالين فقولوا آمين فإن الملائكة تقول آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه وفيها لغتان المد والقصر ويكون المدّ بإشباع الهمزة وهو اسم فعل بمعنى استجب، قال ابن عباس سألت رسول الله عن معنى آمين فقال:
(أفعل) وقال ﵊: لقنني جبريل آمين عند فراغي من قراءة فاتحة الكتاب وقال انه كالختم على الكتاب. الحكم الشرعي سنّية قراءتها بعد الفاتحة في الصلاة واسماع نفسه بها وقراءتها بعدها في الدعاء أيضا وعند مقطعات الأدعية لما ثبت أن النبي ﷺ كان إذا دعا أمّن الأصحاب على دعائه.
وهذه السورة لا ناسخ ولا منسوخ فيها ولا يوجد سورة ختمت بما ختمت به، وليعلم أن هذه السورة اشتملت على أربعة أنواع من العلوم:
الأول علم الأصول ومعاقد معرفة الله تعالى وصفاته وإليه الاشارة بقوله (رَبِّ الْعالَمِينَ) ومعرفة النبوات وهي المراد بقوله (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ومعرفة المعاد المؤمى إليه بقوله (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) . الثاني علم الفروع وهو المعين بقوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) وأسسه العبادات وما يتفرع عنها من المعاملات. الثالث علم الكمال والأخلاق ومن إليه الإيعاز بقوله (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) وفيه الوصول إلى الحضرة الصمدانية وبلوغ المراتب العلية (وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) الآية ٣٥ من سورة فصلت في ج ٢. الرابع علم القصص والأخبار عن الأمم السعيدة والشقية السالفة وإليه الالماع بقوله (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) وفيها علوم أخرى لا محل لبسطها هنا وفقنا الله للصواب وألهمنا حب أولي الألباب وجعلنا منهم آمين.
يا رب لا تسلبنّي حبّها أبدا ... ويرحم الله عبدا قال آمينا
هذا والله أعلم، وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 119
تفسير سورة المسد عدد ٦- ١١١
ومثلها في العدد الفلق والفيل نزلت بمكة بعد الفاتحة، وهي خمس آيات، وعشرون كلمة، وسبعة وسبعون حرفا، لا ناسخ ولا منسوخ فيها، وتسمى سورة تبّت، وسورة أبي لهب، ولا يوجد في القرآن سورة مبدوءة أو مختومة بما بدأت وختمت به.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال تعالى: «تَبَّتْ» أي هلكت وخسرت وخابت «يَدا أَبِي لَهَبٍ ١» عبد العزّى بن عبد المطلب بن هاشم عم رسول الله ﷺ والمراد هو ذاته لأن العرب تعبر عن كل الشيء ببعضه، وكنّي بأبي لهب لحسنه واشراق وجهه، وكناه الله بذلك لشهرته بها دون الاسم لا لتكريمه ولأن في تسمينه باسمه نسبة العبد للشرك، والكل عبيد الله لا يشاركه فيهم أحد، واخبار بأنه من أهل النار ذات اللهب لتوافق كنيته بما يؤول إليه حاله، ولا حول ولا قوة إلا بالله لم يرد الله له الخير، وهو عم حبيبه وصفيه، وأراده لصهيب وعمار وبلال وسلمان، ورحم الله من قال:
لعمرك ما الإنسان الا ابن دينه ... فلا تترك التقوى اتّكالا على النسب
لقد رفع الإسلام سلمان فارس ... وقد وضع الشرك الحسيب أبا لهب
وهكذا يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد «وَتَبَّ ١» وكان يقول ابن مسعود وقد تبّ لأنه هلك حقيقة، ولا تجوز القراءة بها لما فيها من الزيادة وهي عبارة عن كلمة قالها ليست من القرآن، راجع بحث القراءات في المقدمة ويقال عن هكذا زيادات (سيف خطيب) وقد جاء في التأويلات النجمية أن أبا لهب كان بداية أمر النبي ﷺ يحسن إليه ويكرمه ويقول إلى قريش: إن كان الأمر إلى محمد فلي عنده يد، وإن كان لقريش فلي عندها يد أيضا، لأنه كان يحسن إليها، وبعد أن ظهر أمر الرسول أظهر له العداوة وصار يهينه ويؤذيه، فأنزل الله فيه هذه السورة إعلاما بخسران يده عنده لتكذيبه إياه وخسران يده عند قريش أيضا لعدم بقاء يد لهم عند الرسول وإذلالهم لعدم الإيمان به وهذا أحسن ما قيل في أسباب نزول
стр. 120
هذه السورة أما ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: لما نزلت «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» الآية ٢١٥ من سورة الشعراء الآتية صعد النبي ﷺ على الصفا ونادى: يا بني فهر، يا بني عدي، (بطون من قريش) ، حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أرسل رسولا لينظر ما هو الخبر، فجاء أبو لهب وقريش، فقال:
أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيّ؟ قالوا نعم ما جرّبنا عليك إلا صدقا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب تبّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا! فنزلت السورة، ونقله أكثر المفسرين.
مطلب سبب نزول السورة:
فلا يصح هذا أن يكون سببا لنزولها، لأن هذه الآية لم تنزل بعد ولا يصح أن يكون المؤخر سببا للمقدم كما لا يصح أن يكون المقدم ناسخا للمؤخر. على أن هذا لا يقدح في صحة الحديث لأنه صحيح لا غبار عليه وواقع عند نزول هذه الآية حقا إلا أنه لم يكن سببا لنزول السورة هذه، ولا يبعد أن يكون قول أبي لهب لحضرة الرسول (تبّا لك سائر اليوم) ردا على ما جاء في هذه السورة المتقدمة على هذه الحادثة، والأجدر أن يكون كذلك، لأن العرب قد ترد على كلمة قيلت لهم ولو بعد حين، ألم تر أن المعرّي حين قال للشاعر مهيار الديلمي لما سمع شعره بالعراق بعد أن سمعه في الشام «وأشعر من في العراق» عطفا على قوله قبل عشرين سنة وهو في الشام «أنت أشعر من في الشام» وهذا الشاعر له ديوان يحتوي على ثمانية عشر الف بيت، وهو مطبوع وموجود في مكاتب مصر وغيرها وهذا من بعض ذكاء المعرّي. وحين سقط في يدي أبي لهب يقول الله تعالى «ما أَغْنى عَنْهُ» أي لم ينجه من عذاب الله «مالُهُ وَما كَسَبَ ٢» في دنياه وولد الرجل من كسبه أي ولا ولده. أخرج أبو داود عن عائشة قالت إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه أي من ربحه. وأخرجه الترمذي بلفظ الجمع أي إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم
стр. 121
وكان لأبي لهب ثلاثة أولاد عتبة ومتعب أسلما، وعتيبة أهان حضرة الرسول ﷺ وأساء الأدب معه بأمر أبيه وطلق ابنته أم كلثوم، فقال ﷺ : أللهم سلط عليه كلبا من كلابك. فقتله السبع على طريق الشام ومن أسماء السبع الكلب، ثم هلك أبو لهب بالعدسة أي مرض الطاعون بعد وقعة بدر، وهذا المرض يجتنب مخافة العدوى فاستأجروا له بعض السودان، فدفنوه مخافة العار وإلا لتركوه وهذه العادة توجد حتى الآن عند بعض البدو، فانهم إذا مات أحدهم بمرض يزعمون أنه يعدي فإنهم يتباعدون عنه ويتركونه، وقد يهجرونه إبّان مرضه مخافة العدوى كالجدري والطاعون وغيره، هذا وقد صدق الله فلم يغن عنه ماله ولا كسبه، ولم يحل بينه وبين ما حل به، وكان صاحب مواشي. قال ابن مسعود: ولما دعا رسول الله ﷺ أقرباءه إلى الله، قال أبو لهب: إن كان ما تقول يا ابن أخي حقا فأنا افتدي نفسي بمالي وولدي، فأنزل الله هذه السورة وهذا يصح إذا وقع منه نزولها لا عند نزول آية الشعراء الآنفة الذكر. وبعد أن حقق الله وعده فيه بهلاكه في الدنيا على الصورة المذكورة أوعده بانه في الآخره أيضا (سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ ٣) تتوقد وتنلهب في قلبه لشدة حسده له في الدنيا وفي الآخرة تحرقه (وَامْرَأَتُهُ) أم جميل المتقدم ذكرها في بحث فترة الوحي في المقدمة وصفها بقوله «حَمَّالَةَ «الْحَطَبِ ٤» في جهنم، ذمها مع ما هي عليه من الشرف وكريم المحتد، لأنها كانت تحمل الشوك والحسك وتطرحه في طريق رسول الله وأصحابه وتنم عليهم لشدة عداوتها لهم.
مطلب ما قالت أم جميل وما قيل فيها:
ولما نزلت هذه الآية جاءت حاملة فهرا (حجرا صغيرا) وقالت لأبي بكر والنبي بجانبه:
لأفعلن كذا وكذا بصاحبك لأنه هجاني وأنا أماثله بالشعر وأنشدت:
مذمما أبينا ... ودينه قلينا
وأمره عصينا
وقد أعمى الله بصرها عن رؤية محمد ﷺ ولما سأله أبو بكر قال: حجبتني عنها الملائكة «فِي جِيدِها» عنقها «حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ٥» ليف كانت تنقل فيه
стр. 122
الحطب، فأيدلها الله سلسلة من حديد محماة في عنقها تعذب فيها في نار جهنم.
هذا وقد عيّر بعض الناس الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب بحمالة الحطب فرد عليه بقوله:
ماذا أردت بشتمي أو بمنقصي ... أم ما تعيّر من حمالة الحطب
غراء شادخة في المجد غرتها ... كانت سليلة شيخ ثاقب الحسب
أي وقد وقع منها ما وقع من قومها فذمها الله لا غير، أي لم تنتقد في شيء تعاب به عند العرب إذ ذاك ولا بعد هذا والله أعلم. أستغفر الله العظيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة التكوير عدد ٧- ٨١ وتسمى كورت
نزلت بمكة بعد (المسد) وهي تسع وعشرون آية ومثلها في عد الآي الفتح والحديد ومائة وأربع كلمات، وخمسمائة وثلاثون حرفا، ويوجد في القرآن سبع سور مبدوءة بلفظ إذا: هذه، والواقعة، والمنافقون، والانفطار، والانشقاق، والزلزلة، والنصر.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال تعالى: «إِذَا» ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه «الشَّمْسُ» الجرم المعهود أحد الكواكب السيارة السبع وقد أخبر الله بما تؤول إليه عند إرادته ابادة هذا الكون بقوله «كُوِّرَتْ ١» لغت وغورت واضحات وذهب نورها «وَإِذَا النُّجُومُ» يشمل بقية السيارات وغيرها كالثريا والشعرى وبنات نعش وغيرها «انْكَدَرَتْ ٢» اغبرّت وذهب ضوءها وانقضت من أماكنها وسقطت من مواقعها وفرط نظامها وتناثرت «وَإِذَا الْجِبالُ» الشامخات الرّواسي «سُيِّرَتْ ٣» من أماكنها فارتجت عن وجه الأرض وصارت هباء «وَإِذَا الْعِشارُ» الإبل العشر التي مر عليها عشرة أشهر وهي أنفس مال العرب وكذلك غيرها من الحيوانات «عُطِّلَتْ ٤» أهملت وتركت بلا راع لهول ما يشاهدون في ذلك اليوم وكانوا قبله يلازمونها «وَإِذَا الْوُحُوشُ» دواب البر والبحر «حُشِرَتْ ٥» جمعت في المحل الذي يريده الله بذلك اليوم ليقتص بعضها من بعض ومن القرناء للجلحاء ثم تكون ترابا فيتمنى الكافر إذ ذاك
стр. 123
لو كان مثلها تخلصا من العذاب الأليم، وفي هذه الآية إيذان بأن هول القيامة لا يقتصر على البشر وما يألفه من الحيوانات بل يتعدى إلى دواب البحر والبرّ وإلى الجمادات أيضا، وهذا يكون بعد النفخة الثانية. ثبتنا الله وعافانا ومن شره وقانا- راجع تفسير الآية الأخيرة من سورة النساء في ج ٢- «وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ ٦» التهبت بالنار وذهب ماؤها وصارت تضطرم، يؤيده قوله ﷺ : إن البحر غطاء جهنم أو طباقها. وقيل امتلأت أخذا من سجر التنور إذا امتلأ حطبا وعليه يكون المعنى تفجرت على بعضها فصارت بحرا واحدا إلا أنه لم يبق بحر إذ ذاك (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ) راجع هذه الآية ٤٠ من سورة ابراهيم في ج ٢ «وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ٧» قرنت أرواحها بأجسادها وكل نفس مع من يشاكلها الصالحة بالصالحة والعاصية بالعاصية وألحق كل امرئ بشيعته «وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ» الطفلة المقبورة حية «سُئِلَتْ ٨» أي سئل وائدها فيقال له من قبل الملائكة «بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ٩» هذه الموءودة كبيرة كانت أو صغيرة وهكذا كل مقبور حيّ يسأل وائده عن سبب واده فيصمت إذ لا جواب له ولا عذر فيذبح الوائد في نار جهنم ذبحا زائدا على عذابه الذي يستحقه للقتل بلا ذنب وهذا الذبح لا يميته لأن النار لا موت فيها وإنما يذيقه عذاب الذبح ثم يبقيه حيا للعذاب الآخر. أو سئلت هي سؤال تلطف لتقول: وأدني فلان بلا ذنب، ويكون سؤال توبيخ لواندها بصرف الخطاب إليه، وهذا نوع من الاستدراج واقع على طريق التعريض كما في قوله تعالى: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ) الآية ١١٥ من المائدة في ج ٣ وقرىء قتّلت بالتشديد، وفي هذا دليل على أن أطفال المشركين لا يعذّبون وان التعذيب لا يكون بلا ذنب، وهو كذلك في الآخرة أما في الدنيا فقد يقع من بعض الناس جورا ومن الله عدلا قال:
وله أن يؤلم الأطفالا ... ووصفه بالظالم استحالا
قال ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية تحفر حفرة عند ولادتها فتتمخض فإن ولدت جارية دفنتها وإن ولدت غلاما حبسته، وكان الرجل في الجاهلية إذا أراد
стр. 124
بقاء ابنته حية ألبسها جبة صوف ورعاها بالمواشي فاذا أراد قتلها بعد قال لأمها زينيها لأذهب بها لا حمائها وكان قد هيأ لها قبرا فيأخذها اليه فيدفنها فيه ويهيل عليها التراب، يا ويلهم مما يعملون.
مطلب أول من سنّ الوأد ومن منعه:
أول من سنّ الوأد ربيعة، وذلك أنه أغير عليهم فنهبت بنت أميرهم وقيل زوجته وبعد الصلح أراد استردادها فخيرت بينه وبين من هي عنده فاختارت من هي عنده فغضب وسن الوأد ففعلوه غيرة وقلدهم غيرهم. أخرج الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والطبراني وابن مردويه عن خذامة بنت وهب قالت: سألت رسول الله في العزل (هو ان يجامع الرجل زوجته وينزل خارجا) فقال ذلك الوأد الخفي ومن هنا قال من قال بحرمته، الصحيح أنه مكروه لما فيه من قطع النسل وأذية الزوجة. وتسميته بالوأد الخفي لا يستلزم حرمته ولا يدل على أن حكمه حكم الوأد فقد صح عنه ﷺ أنه قال (الربا شرك خفي) ولم يقل أحد أن حكمه حكم الشرك.
مطلب الاستمناء باليد والعلاج لمنع الحمل:
أما الاستمناء باليد فجائز إذا خشي الزنا وإلا فهو حرام لورود: (ناكح اليد ملعون) وإن الاقتران باللعن يدل على الحرمة كما ذكره الأصوليون وما يستعمله بعض الناس من العلاجات لعدم الحمل فلا يتعدى الكراهة، وهو دون العزل، لأنه لا يحمل على الاسقاط لعدم تكون الجنين. أما إذا كان استعمال الدواء لقطع النسل خوفا من عدم القدرة على تربيته كما يقوله بعض قليلي الإيمان ففيه عدم الاعتماد على الله والثّقة برزقه فهذا وليد الذين ذمهم الله بقوله (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ) الآية ١٥٢ من الأنعام في ج ٢ ونظيرتها (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) الآية ٣١ من الاسراء الآتية وهؤلاء الذين لا يتوكلون على الله ويسيئون الظن به وهو القائل (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء) قد
стр. 125
يخشى على إيمانهم. أما استعمال الأدوية بعد تكون الجنين وقبل نفخ الروح فهو حرام لما فيه من معنى الإتلاف، أما بعد نفخ الروح فهو حرام قطعا وفعله جناية لما فيه من إتلاف النفس وأول من منع الوأد صعصعة بن ناجية فافتخر به الفرزدق بقوله:
ومنا الذي منع الوائدات ... وأحيا الوليد فلم يوءد
وفي رواية: وجدّي الذي إلخ، قال تعالى «وَإِذَا الصُّحُفُ» التي اثبتت فيها أعمال الخلق «نُشِرَتْ ١٠» للحساب والجزاء
«إِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ ١١» قلعت فطويت ونزعت «وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ١٢» بالوقود فاشتد لهيبها للنكال والتنكيل بأعداء الله، ونقل ونكّل يخفف ويشدد ويتوب أحدهما عن الآخر في المعنى الا أن المشدد يدل على التكثير «وَإِذَا الْجَنَّةُ» التي وعدها الله للمتقين «أُزْلِفَتْ ١٣» قربت منهم ليدخلوها وحينذاك «عَلِمَتْ نَفْسٌ» أي كل نفس فالتنوين للعوض وهو جواب إذا المكررة من أول السورة إلى هنا «ما أَحْضَرَتْ ١٤» لذلك اليوم من خير أو شر فيفوز الطائع ويهلك العاصي.
مطلب علامات الساعة:
قال أبيّ بن كعب: ستّ آيات قبل القيامة: بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على الأرض، فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم، فتحركت الأرض واضطربت وفزعت الانس والجن، واختلطت الدواب والطير والوحش، وماج بعضهم في بعض، فذلك قوله تعالى «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ» «أي سجرت» فحينذ تقول الجن للانس نحن نأتيكم بالخبر فينطلقون إلى البحر فإذا هو نار تأجج، فبينما هم كذلك إذ انصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السفلى وإلى السماء السابقة العليا إذ جاءتهم ريح فأماتتهم. وقال ابن عباس هي اثنتا عشرة خصلة ست في الدنيا وست في الآخرة.
فالتي في الدنيا أي في آخر يوم من أيامها من أول السورة إلى (سُجِّرَتْ) والتي في الآخرة من (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) إلى (وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ) ، وروى البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: الشمس والقمر يكوران يوم القيامة، وعن ابن
стр. 126
عمر قال: قال رسول الله ﷺ : من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي العين فليقرأ: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) ، (وإِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ) ، (وإِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) قال تعالى «فَلا أُقْسِمُ» لا هنا للتأكيد وليست بزائدة كما قاله بعض المفسرين لأن كلام الله لا زيادة فيه كما أنه لا نقص فيه البتة كما نوهنا به في بحث القراءات في المقدمة وسيأتي لهذا البحث صلة في سورة القيامة الآتية. وأعلم أنه لا يقال ما معنى القسم من الحضرة الإلهية لأن المؤمن يصدق دون قسم والكافر لا يفيده لأنه جاحد لكلامه سواء أكذّب القسم أم لا لأن عادة العرب توثيق أقوالها بالإيمان لكمال الحجة إقناعا للمحلوف لهم والقرآن نزل بلغتهم، ولأن الحكم لا يكون إلا بالشهادة واليمين والاعتراف فذكر الله القسمين الأولين بقوله: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ) الآية ١٨ من آل عمران في ج ٢ والأقسام الموجودة في القرآن على نوعين قسم بنفسه الكريمة وهي في سبعة مواضع فقط: ١ (قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ) الآية ٥٣ من سورة يونس، ٢ (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ) الآية ٩٢ من سورة الحجر، ٣ (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ) من سورة المعارج، ٤ (فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ) الآية ٢٣ من سورة الذاريات في ج ٢، ٥ (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ) الآية ٦٤ من سورة النساء، ٦ (قُلْ بَلى وَرَبِّي) الآية ٧ من سورة التغابن في ج ٣، ٧ (فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ) الآية ٦٨ من سورة مريم الآتية وقسم بمخلوقاته وهو كثير مثل: (وَالضُّحى، وَالشَّمْسِ، وَاللَّيْلِ، وَالْعَصْرِ، وَالتِّينِ) وغيرها. واقسم الله «بِالْخُنَّسِ ١٥» ثم فسرها على طريق عطف البيان فقال «الْجَوارِ الْكُنَّسِ ١٦» وهي النجوم الجاريات الباديات ليلا المستترة نهارا.
شبه الله تعالى ظلام الليل بكناس الأسد لاجتماع الستر في كل فكأن النجوم حينما تغيب وتتأخر طيلة النهار مثل الأسد الذي يخنس في كناسه ثم يظهر وإنما أقسم فيها لما فيها من النفع للبشر وغيره، قال علي كرم الله وجهه هي النجوم الخمسة زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد فإنها تخنس في مجاريها تحت ضوء الشمس والقمر وهي تتمة السيارات السبع الشمس والقمر وانها تجري في محورها بانتظام
стр. 127
لا يتغير ولا يتبدل إلى اليوم الذي نوّه به والخنس تأخر الأنف عن الشفة مع الارتفاع قليلا في الارنبة ويوصف به بقر الوحش والظباء «وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ١٧» أقبل ظلامه وأدبر لأن عسعس من الأضداد يكون للاقبال والأدبار ومثله الصريم يطلق على الليل والصبح، والسدفة الظلمة والضياء، الجون الأسود والأبيض «وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ ١٨» بدا واسفر واقبل ضوءه وقيل انه شبه الليل بالنسمة (المكروب) وهو الحيوان الصغير الذي قد لا يرى الا بالمكبرات لأنه مخزون فاذا تنفس الصبح وجد رائحته فكأنه تخلص من المخزن فعبر بالتنفس عنه فهو استعادة لطيفة وانما قال تنفس لأن في أقبال الصبح روحا ونسيما فيجعل ذلك نفسا على المجاز وجواب القسم قوله (انه) اي القرآن العظيم مطلب مكانة جبريل وقوته:
المنزل عليك يا حبيبي «لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ١٩» علينا هو جبريل ﵇ لأنه تلقاه من ربه ونزل به على محمد ﷺ وهذا الرسول «ذِي قُوَّةٍ» قدرة عظيمة على ما يكلفه به ربه وله مقام عال «عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ» تعالت عظمته «مَكِينٍ ٢٠» في المنزلة والجاه مكانة ورفعة وشرفا
«مطاع» في السموات من قبل الملائكة أجمع ومن طاعتهم له امتثالهم أمره يفتح أبواب السموات ليلة المعراج ومن قوته وشدة بأسه اقتلاع قرى قوم لوط من الماء الأسود اي من أقصى تخوم الأرض المتصلة بالماء وحملها على جناحه ورفعها الى السماء ثم قلبها بأهلها اجمع فأنه أبصر إبليس يوما يكلم عيسى ﵇ على عقاب الأرض المقدسة فنفحه بجناحه فالقاه إلى أقصى جبل بالهند وانه صاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين وانه يهبط الى الأرض ثم يصعد الى السماء في اسرع من رد البصر «ثَمَّ أَمِينٍ ٢١» على الوحي الذي يتلقاه من ربه فيوصله الى الأنبياء كما أخذه «وَما صاحِبُكُمْ» يا اهل مكة المنزل عليه هذا القرآن المجيد «بِمَجْنُونٍ ٢٢» كما تزعمون وان ما يقوله ليس من نفسه بل هو من عند الله، أقسم جل شأنه بأن هذا القرآن نزل به جبريل من عنده وأخبرهم بأن جبريل أمين على وحيه وأقسم لهم بأن محمدا ليس
стр. 128
مجنونا كما يقولون ولم يؤثر ذلك فيهم لهذا قال تعالى (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الآية ٤٦ من سورة الحج في ج ٣ وقال جل قوله (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ) من الآية ١١٥ من الأعراف الآتية، وهذا قسم آخر على تصديق ما اخبر به محمد ورقه بن نوفل الذي مر ذكره في مطلب الوحي في المقدمة بانه أي جبريل حقيقة وتلقى منه أوائل سورة العلق المارة بقوله «وَلَقَدْ رَآهُ» وعزتي وجلالي لقد رأى محمد جبريل على صورته الحقيقية «بِالْأُفُقِ» الشرقي على القول الصحيح وما قيل بالغربي ليس بشيء وهو قوله بالحديث المار في المقدمة في بحث نزول الوحي انه جالس على كرسي بين السماء والأرض «الْمُبِينِ ٢٣» الظاهر البين الذي لا خفاء عليه روى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس قال رسول الله لجبريل إني أحب أن أراك في صورتك التي تكون فيها بالسماء، فقال لن تقوى على ذلك، قال بلى ان شاء الله، قال فأين تشاء ان اتخيل لك؟
قال بالأبطح، قال لا يسعني، قال فبمنى، قال لا تسعني، قال بعرفات، قال لا تسعني، قال بحراء، قال ان يسعني، فواعده، فخرج النبي ﷺ في ذلك الوقت فاذا هو بجبريل قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة قد ملأ ما بين المشرق والمغرب ورأسه في السماء ورجلاه في الأرض فلما رآه ﷺ خر مغشيا عليه فتحول جبريل عن صورته وضمه الى صدره وقال يا محمد لا تخف فكيف لو رأيت اسرافيل ورأسه تحت العرش ورجلاه في تخوم الأرض السابعة وان العرش لعلى كاهله، وانه ليتضائل أحيانا من مخافة الله ﷻ وسما شأنه حتى يصير كأنه حصو (حيوان صغير كالعصفور) حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته وهذه الرؤية التي وقعت ليلة الاسراء غير التي اخبر الله عنها في هذه السورة بل التي ذكرها في بحث نزول الوحي وانما أتى بها هنا تأييدا لرؤيته الأولى التي أتت عليه من غير طلب منه ورجع يرجف بها فؤاده من شدة ما لحقه من الخوف كما تقدم مفصلا قال تعالى «وَما هُوَ» اي رسولكم محمد «عَلَى الْغَيْبِ» مما يخبر به من ت (٩)
стр. 129
الوحي واخبار السماء وما اطلع عليه مما كان غائبا في علمه لوحينا اليه «بضّنين» بخيل لا يبوح به إليكم وقرىء بظنين بالظاء، أي ليس بمثلهم لأنه أمين أرسل مبلغا ما يوحى اليه من ربه الى البشر كما تلقاه، اي انه لا يتهم بالبخل لأنه لا يريد أجرا على ما يبلغه كالكاهن ولا يظن به انه يزيد او ينقص من الوحي وأنتم تسمونه الأمين فإذا كان أمينا على ما عندكم أفلا يكون أمينا على ما عند الله؟
والقراءة بالظاء حسنة على التأويل الذي جرينا عليه لأن قومه لا يتهمونه بالبخل ويعرفون كرمه، ولو أريد البخل على القراءة بالضاد لقال (بالغيب) لأن فعله يتعدى به ويقال بخل به لا عليه فلا تجوز «وَما هُوَ» أي القرآن بقول «شَيْطانٍ رَجِيمٍ ٢٥» تتلقاه الكهنة والسحرة كما تزعم قريش ولا عن لسان الشيطان بل وحي إلهي من الله الى رسوله «فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ٢٦» فيما تتقولون مذاهب شتى لا نصيب لها من الصحة، وهذا استفهام تضليل لهم كما يقال لتارك الجادة المستقيمة إذا ضل السبيل وسلك السبل العديدة المنشعبة عن الطريق يمينا وشمالا: اين تذهب فقد ضللت أي اي طريق تسلكونه، أبين من طريق محمد الذي فيه الهداية الى النجاة «إِنْ هُوَ» ما هذا القرآن المنزل عليه «إِلَّا ذِكْرٌ» عظة وعبرة «لِلْعالَمِينَ ٢٧» اجمع وهو تذكرة ايضا «لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ» ايها الناس «أَنْ يَسْتَقِيمَ ٢٨» على الحق ويتمسك بطريق الاستقامة وذلك لان مشيئة العبد بسلوك ما يوصل المعبود موقوفة على مشيئته قال سلمان بن موسى لما نزلت هذه الآية قال ابو مهل، ذلك إلينا ان شئنا استقمنا وإلا فلا فأنزل الله بعدها «وَما تَشاؤُنَ» أيها الناس فعل شيء ولا تركه «إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ٢٩» فعله لأنه مالك الخلق كلهم وأعمالهم فلا يقدر أحد ان يعمل خيرا الا بتوفيقه ولا شرا الا بخذلانه. وفقنا الله لما به سعادة الدارين آمين، والله أعلم، واستغفر الله، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى صحبه أجمعين.
стр. 130
تفسير سورة الأعلى عدد ٨- ٨٧
نزلت في مكة بعد التكبير، وهي تسع عشرة آية، واثنتان وسبعون كلمة، ومائتان وواحد وتسعون حرفا، وتسمى سبح ومثلها في عدد الآي سورتا العلق والانفطار، ويوجد في القرآن سبع سور مبدوءة بلفظ التسبيح واحدة بلفظ الأمر وهي هذه، وثلاث بلفظ الماضي وهي: الحديد والحشر والصف، واثنتان بلفظ المضارع وهي: الجمعة والتغابن، وواحدة بالمصدر وهي الاسراء.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال تعالى مخاطبا عبده ورسوله: «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ» نزهه عما يقول الملحدون مما لا يليق بذاته وهو المستحق للتقديس «الْأَعْلَى ١» علوا يليق بذاته لا علو مكان تعالى الله عنه الموصوف بالعلو أي القهر والاقتدار «الَّذِي خَلَقَ» كل شيء وأوجده من لا شيء «فَسَوَّى ٢» ما خلقه بما يناسبه إذ جعل كل خلقه مستويا معتدلا لا تفاوت فيه محكما منسقا سبحانه فقد أحسن كل شيء خلقه لأن ما يصدر عن الحكيم لا يكون الا كذلك «وَالَّذِي قَدَّرَ» أرزاق مخلوقاته تقديرا حكيما لكل بحسبه «فَهَدى ٣» كلا منها لطريق اكتسابه ويسّر كلا لما خلق له وسهل له سلوكه فجعل كلا يتناول ما قسم له بوسائل مختلفة والهدف واحد «وَالَّذِي أَخْرَجَ» في الأرض انواع النبات وأظهر منها «الْمَرْعى ٤» للحيوان وصيره أنواعا وأصنافا يناسب كلا منها فلم يترك صغيرا ولا كبيرا إلا وخلق له ما يرعاه وينفعه «فَجَعَلَهُ» أي ذلك المرعى بعد أن كان أخضر وأصفر وأحمر وما بينهما في الألوان العجيبة والأشكال الغريبة البديعة «غُثاءً» هو ما يرى فوق السيل وما يقذفه على جانبي الوادي من هشيم الحشيش وغيره «أَحْوى ٥» مائلا الى السواد يابسا وقد يتحجر بكر الأيام ولا يبعد ما يقوله الأثريون بأن الفحم الحجري أصله نبات والحوادث تدل عليه وهو في معجزات القرآن العظيم إذ لا يوجد في نزوله على وجه الأرض من يعرف هذا غير منزله جل وعلا الا فليعتبر المعتبرون «سَنُقْرِئُكَ» يا محمد من معلومات غيبنا ومكنونات علمنا مما لا يعلمه أحد «فَلا تَنْسى ٦»
стр. 131
ما نقرئك أبدا، ونظير هذه الآية الآية ١٦ فما بعدها من سورة القيمة الآتية كان ﷺ إذا نزل عليه جبريل بالوحي لم يكد يفرغ من آخر الآية حتى يتكلم بها رسول الله مخافة نسيانها فأنزل الله عليه هذه الآية فأمن نسيان شيء من بعدها. وهي بشارة له من ربه منّ عليه بها بحفظ وحيه وأن لا يفلت منه شيء. وقيل المراد فلا تنسى العمل به، والأول أولى بالمقام لإنه ابعد ان يقع منه ذلك «إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ» وقوعه ولم يشأ جل شأنه أن ينسى حبيبه شيئا من كلامه، جاء في الحواشي العصامية على أنوار التنزيل ان الاستثناء على هذا الوجه لتأكيد عموم النفي لا لنقض عمومه، فهو استثناء من أعم الأوقات أي فلا تنسى في وقت من الأوقات شيئا من الوقت الا وقت مشيئة الله نسيانك، لكنه سبحانه لا يشاء ذلك وهذا على حد قوله تعالى: «خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ» الآية ١٠٨ من سورة هود من ج ٢، وإليه ذهب الفراء فقال أنه تعالى ما شاء أن ينسى رسوله إلا أن المقصود من الاستثناء بيان أن الله تعالى لو أراد أن يصيره ناسيا لقدره عليه كما في قوله: «وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ» الآية ٨٦ في سورة الاسراء الآتية، ولا شك أنّا نقطع بأنه تعالى ما شاء ذلك ولو شاء لفعل ولكن يأبى كرمه أن يسلب حبيبه شيئا منّ به عليه وشرّفه تفضلا منه، كيف وقد تعهد له «بحفظه راجع الآية ٩» في سورة الحجر من ج ٢.
مطلب عصمة النبي من النسيان:
هذا وقد قال له «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ» الآية ٦٥ من سورة الوتر من ج ٢ مع القطع بأنه لم يشرك البتة، وفائدة ذلك ان يعرفه كمال قدرته حتى يعلم أن عدم النسيان من فعله وإحسانه وليعرف الغير ذلك، فعلى هذا يكون نفيا مجازيا من باب قوله من المعنى:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
стр. 132
وما قيل من أن المراد بالمستثنى هو ما نفى الله نسخه أو ارتفاع حكمه أو تلاوته فليس بسديد لأن النسخ لا يأتي بمقابلة القراءة حتى يستثنى منها، وما استدل به على هذا في حديث عائشة الذي أخرجه الشيخان بأنه كان فيما أنزل عليه عشر معلومات فنسخن بخمس معلومات وأنه ﷺ نسي الجميع بعد تبليغه وبقي ما بقي عنده بعض من سمعه منه بعيد جدا عن الحقيقة، لأنه لا يعقل أن المنزل عليه الذي بلغه ينساه ويبقى بفكر الغير، ولأن رفع الحكم يؤدي إلى ترك التلاوة لعدم التعبّد بها، ورفع التلاوة يؤدي لعدم اخطارها بالبال لعدم بقاء الحكم. وما قيل ان المراد إلا ما شاء الله أن تنساه ثم تذكره بعد استدلالا بما جاء في صحيح البخاري وغيره من حديث عائشة قالت: سمع رسول الله رجلا يقرأ في سورة والليل فقال ﵀ لقد ذكرني كذا وكذا، وفي رواية كنت أسقطهن من سورة كذا وفي رواية أسقط آية في قراءته في صلاة الصبح فحسب أبي أنها نسخت، فسأله ﵇ فقال نسيتها، غير وجيه وحاشا رسول الله أن ينسى شيئا تعهد له به ربه وان هذا النسيان الوارد في هذه الأحاديث غير مقصود بهذه الآية ولا متعلق بها وان الذكر بعد النسيان وان كان واجبا إلا أن العلم به لا يستفاد منه في هذا المقام ولا يصلح أن يستدل به. راجع بحث تهديد من نسي القرآن وبحث ترتيب آي القرآن في المقدمة تحظ بما يزيل عنك ما يحدس ببالك قال تعالى «إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ» في أقوال عباده وأفعالهم وحركاتهم وسكناتهم «وَما يَخْفى ٧» منها وما يحوك في صدر الإنسان قبل أن يخش به «وَنُيَسِّرُكَ» يا أكمل الرسل ونوفقك «لِلْيُسْرى ٨» الطريقة التي هي أهون وأكمل من كل ما تريد ونجعل شريعتك يسرة سمحة لا غرابة فيها ولا تعقيد ولا حرج ولا شدة قال ﵊ بعثت بالحنفية السمحاء أي بين الرخاء والقسوة «فَذَكِّرْ» يا حبيبي قومك أجمع بما نوحيه إليك وعظهم به «إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ٩» أي ما نفعت وجاءت إن هنا شرطية استبعادا للتأثير فيهم لما هم عليه من عتو وعناد، وقد يراد بمثلها التذكر
стр. 133
مطلقا غير مقيد بالنفع، أي ذكر إن نفعت الذكرى أو لم تنفع فتكون من معضل المفهوم، قال تعالى: (فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ) الآية ٢١ من سورة الغاشية في ج ٢ لأن الذكرى إذا لم ينتفع فيها الكافر ينتفع بها غيره، قال تعالى:
(وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) الآية ٥٨ من الذاريات في ج ٢ أيضا يدل عليه قوله تعالى «سَيَذَّكَّرُ» بوعظك وإرشادك «مَنْ يَخْشى ١٠» الله فيخاف عاقبة أمره
َتَجَنَّبُهَا»
الكافر الذي ينكر المعاد والنبوة والتوحيد وهولْأَشْقَى ١١»
من غيره كثير الإثم المنهمك في المعاصي «الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ١٢» نزلت في الوليد بن المغيرة أو في عتبة بن ربيعة واضرابهما ممن ينكرون البعث المتوغلين في عداوة الرسول، ولذلك وصف المراد منهم بها بالأعظم شقاوة بوصف النار التي يؤول أمره إليها بالأكبر عذابا وهي نار الآخرة لأن نار الدنيا جزء من سبعين جزءا منها، فكل من تباعد عن الذكرى في الدنيا يقربه الله في الآخرة لنارها «ثُمَّ» يكون حاله فيها كما ذكره الله تعالى «لا يَمُوتُ فِيها» فيستريح من عذابها لأن دار الآخرة خلود بلا موت «وَلا يَحْيى ١٣» حياة طيبة بل تعسة مشوبة بأنواع العذاب.
مطلب المراد بالصلاة والزكاة ومما تأخر حكمه عن نزوله:
«قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ١٤» تطهر من الشرك ونظف ثوبه وبدنه ومكانه «وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ» وحده ولم يشرك معه غيره «فَصَلَّى ١٥» له مطلق صلاة ولو دعاء لأن الصلاة في اللغة الدعاء قال أكثر المفسرين إن المراد بالزكاة هنا زكاة الفطر وبالصلاة صلاة العيد. وعليه فيكون المعنى قد أفلح من زكى عمله وصيامه بزكاة الفطر وخرج يكبر إلى مصلّى العيد فصلّى صلاته أو الصلاة المفروضة عليه وقال هذا الزركشي في البرهان ورواه عن ابن عمر، ولكنه لا يصح إلا أن يقال بأن هذه الآية مما تأخر حكمه عن نزوله أي مما تقدم القول فيها على الحكم لأنها مكية وليس بمكة صلاة عيد ولا زكاة فطر لوجوبها في المدينة ولأن الصلاة المفروضة وان كانت فرضت بمكة إلا أنها لم تفرض بعد، وعليه فتكون من قبيل الإخبار
стр. 134
بالغيب أي بأنه سيكون ذلك لسابق علم الله به وأمثال هذا في القرآن كثير منها (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ) الآية الثانية من سورة البلد الآتية فهذه مكية ظهر أثرها يوم الفتح حتى قال ﵇: (أحلت لي ساعة من نهار) ومنها قوله: (جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ) الآية ١١ من سورة ص الآتية فقد وعده الله وهو بمكة أنه سيهزم جندا من المشركين، وكذلك قوله جاء الحق (وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ) الآية ٤٩ من سورة سبأ في ج ٢ فإنه ظهر مفعولها يوم الفتح أخرج الشيخان عن ابن مسعود قال: دخل النبي مكة يوم الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بعود كان في يده ويقول: (جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً) الآية ٨١ من الإسراء الآتيه ويقول (وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ) وكذلك قوله (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) الآية ٤٦ من سورة القمر الآتية فقد بان مفعولها يوم بدر حتى أن عمر بن الخطاب قال كنت لا أعلم أي جمع يهزم فلما كان يوم بدر رأيت النبي ﷺ يثب في الدرع ويقول: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) وغير ذلك فيما يأتي، قال تعالى «بَلْ تُؤْثِرُونَ» على العموم والإطلاق وهو إضراب عن مقدر ينساق الكلام اليه كأنه قيل بعد بيان الفلاح وجهته وطريقه الموصل إليه: انكم لا تفعلون ذلك ولا تميلون إليه بل تفضلون أيها الناس «الْحَياةَ الدُّنْيا ١٦» الفانية «و» الحال «الْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى ١٧» لكم منها لأن نعيمها دائم والباقي خير من الفاني، قال عرفجة: كنا عند ابن مسعود نقرأ هذه الآية فقال: أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة قلنا لا قال لأن الدنيا أحضرت وعجل لنا طعامها وشرابها ونساؤها ولذاتها وبهجتها وان الآخرة زويت وتغيبت عنا فأحببنا العاجل وتركنا الآجل. ومن المفسرين من خص هذه الآية بالمؤمنين وليس بشيء إذ لا قيد يقيدها، كما أن من قال إنها خاصة بالكفار على معنى أنهم لا يؤمنون بها على حد قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها) الآية ٧ من سورة يونس في ج ٢ غير وجيه لأن المطلق يجب أن يبقى على إطلاقه حتى يقيد، كما أن العام يجب أن يبقى على عمومه حتى
стр. 135
يخصص والآية المحتج بها مقيدة كما يفهم من ظاهرها لأن الذين لا يرجون الآخرة هم منكر والبعث، والذين رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا إليها قد صرفوا النظر عن الآخرة فيجوز أن يكونوا الكفار أيضا، أما هذه الآية فليس فيها ما يحصرها على المؤمن والكافر فأجريناها على إطلاقها.
مطلب ما في صحف ابراهيم وموسى والحكم الشرعي في العيد:
قال تعالى «إِنَّ هذا» أي قد أفلح إلى هنا «لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى ١٨» التي نزلت قبل القرآن على الأنبياء والرسل ونظير هذه الآية الآيتان ٣٦ و ٣٧ من سورة والنجم والآية ١٩٦ من الشعراء ثم أبدل من عموم الصحف الأولى «صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى ١٥» أي أن ذلك كله مذكور فيها وان جميع الشرائع متفقة على ما في صحفهما وما أنزل على غيرهما ممن تقدمهما داخل فيهما من حيث أصول الدين الثلاثة، راجع بحثها في المطلب الحادي عشر من المقدمة. عن أبي ذر قال: دخلت المسجد فقال رسول الله ﷺ للمسجد تحية، فقلت وما تحيته يا رسول الله؟ قال ركعتان «أراد ﷺ مسجده الشريف وهكذا حكم المسجد الأقصى وسائر المساجد، أما المسجد الحرام فتحيته الطواف» قلت يا رسول الله هل أنزل عليك شيء مما كان في صحف ابراهيم وموسى؟ قال أباذر اقرأ قد أفلح إلخ أي من هذه السورة، قلت يا رسول الله فما كانت صحف موسى؟ قال: كانت كلها عبرا:
عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك، عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم يغضب، عجبت لمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل. أخرجه رزين في كتابه وذكره ابن الأثير في جامع الأصول. وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟ قال مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان.
قلت يا رسول الله فما كانت صحف ابراهيم؟ قال أمثال كلها: أيها الملك المتسلط
стр. 136
على المبتلي المغرور لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض ولكن بعثتك لترد عنّي دعوة المظلوم فإني لا أردها ولو كانت من كافر، على العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له ثلاث ساعات: ساعة يناجي بها ربه وساعة يحاسب بها نفسه ويتذكر ما صنع وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال فإن في هذه الساعة عونا لتلك الساعات واستجماما للقلوب وتفريغا لها، وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه فإن من حسب كلامه من عمله أقلّ من الكلام إلا فيما يعنيه. على العاقل أن يكون طالبا لثلاث مرمّة «هي شفة كل ذات ظلف، والشفة للانسان فقط، والبرطام وجمعه براطم يطلق على الشفة الغليظة فقط» والمراد منها هنا ما يحتاجه الإنسان من القوت بدليل قوله لمعاش أو تزود لمعاد أو تلذذ في غير محرم.
وقرىء إبرهم بلا الف وياء ويفتح الهاء وكسرها وقرىء ابراهام وابراهيم وهو اسم أعجمي وقيل عربي مشتق من البرهمة وهي شدة النظر.
مطلب في صلاة العيد والحكم الشرعي فيها:
صلاة العيد واجبة عند أبي حنيفة ويسن أن يقرأ فيها هذه السورة وسورة الغاشية وفي عيد النحر الضحى والكوثر للأحاديث لواردة فيها، ويسن التكبير من طلوع الفجر من يوم عرفة في عيد الأضحى إلى عصر اليوم الرابع من أيام العيد الخامس من عرفة وفي عيد الفطر من طلوع هلال شوال إلى أن يصعد الإمام المنبر للخطبة أو إلى قيام الصلاة وسنة عند الشافعي وأحمد ومالك ﵃.
وزكاة الفطر واجبة. ولها تفصيل في كتب الفقه فراجعها. هذا ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت به هذه السورة في القرآن هذا والله أعلم، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان.
стр. 137
تفسير سورة الليل عدد ٩ و ٩٢
نزلت بمكة بعد الأعلى وهي إحدى وعشرون آية، وإحدى وسبعون كلمة وثلاثمائة وعشرة أحرف، لا ناسخ ولا منسوخ فيها، ولا يوجد في القرآن سورة مبدوءه بما بدئت به ولا مختومة بما ختمت به ولا مثلها في عدد الآي.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال تعالى مقسما عزّ قسمه: (وَاللَّيْلِ) الذي هو سكن يأوى فيه جلّ الحيوان إلى مأواه. واعلم أنه لا يقال كيف يقسم الله بخلقه وقد نهى رسوله عن الحلف بغيره لأن القسم يكون مما يعظمه المقسم ولا يجوز تعظيم غيره بالحلف لأن القسم بمصنوعاته يستلزم القسم به ولهذا قال بعضهم في القسم حذف مضاف أي ورب الليل، ورب القمر، وهكذا على أن الله تعالى له أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس لعباده أن يقسموا، الآية، وقد أقسم بحضرة رسوله «بقوله لَعَمْرُكَ» الآية ٧٢ من سورة الحجر في ج ٢، ليعرف الناس عظمته ومكانته عنده، وهو لا يسأل عما يفعل «إِذا يَغْشى ١» النهار بظلمته، ويغطي نور الشمس «وَالنَّهارِ» واقسم به لأن جل الحيوان يسعى فيه لطلب رزقه، وإنما قلنا جل الحيوان لأنه يوجد حيوانات وحشرات على خلاف ذلك «إِذا تَجَلَّى ٢» بان وظهر بزوال ظلمة الليل، وظهور نور الشمس.
مطلب في أنواع الخلق:
«وَما خَلَقَ» ، ثم أقسم بخلقه «لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» يقسم بما شاء من مخلوقاته تعظيما لشأنها عندهم لمنافعها الخطيرة، ثم بين ما أبهم بقوله «الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ٣» من حيوان ونبات وطير وحوت. وقد أخطأ من جعل (ما) بمعنى من إذ يكون المعنى أقسم بنفسه جلت نفسه، لأن سياق الآيات ينافي ذلك، ويرجح ما جريت عليه فضلا عن أن ما تأتي غالبا لغير العاقل، والأولى إجراء الآية على عمومها.
وخص بعض المفسرين «الذَّكَرَ وَالْأُنْثى» بآدم وحواء ﵉، وقال: إنما أقسم بهما لأنهما ابتداء خلقه، وإذا كان أقسم بالشمس والضحى وغيرهما، فلأن يقسم بأول
стр. 138
أنبيائه أولى، لانهما أفضل من الجميع وهو كذلك، لكن ما جرينا عليه اولى لأن الآية لم تقيد أو تخصص. وجدير بأن تبقى على إطلاقها وعمومها.
واعلم أن أنواع الخلق من البشر أربعة: من غير أب وأم وهو آدم، ومن أب بلا أم حواء، ومن أم بلا أب عيسى، ومن أم وأب سائر البشر، وغير البشر أنواع. راجع تفسير الآية ٤٥ من سورة النور في ج ٣، وجواب القسم «إِنَّ سَعْيَكُمْ» أيها الناس في هذه الدنيا وعملكم فيها «لَشَتَّى ٤» مختلف متفرق متباين، وهي جمع شتيت، وأتى بلفظ الجمع باعتبار ضمير سعيكم، والمعنى أن منكم من يسعى لخلاص نفسه، ومنكم من يسعى لهلاكها، ومنكم من يجمع بين الأمرين. روى أبو مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها. ثم بين ما يؤول اليه ذلك الاختلاف بقوله جل قوله: «فَأَمَّا مَنْ أَعْطى» ماله في سبيل الله وصلة الرحم والنفقة في طريق الخير «وَاتَّقى ٥» ربه فيما أنعم به عليه، واجتنب ما حرم عليه وفعل ما أمر به «وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ٦» كلمة التوحيد، وأيقن أن الله يخلف له ما أنفقه في طاعته، وانه يثيبه عليه في الآخرة، وآمن بما وعد به المتقين في الجنة المعبر عنها بالحسنى في الآية ٢٦ من سورة يونس في ج ٢، وقيل: ان الحسنى هي ملة الإسلام وهو كذلك إلا أنها غير مراده هنا والله أعلم «فَسَنُيَسِّرُهُ» في الدنيا «لِلْيُسْرى ٧» الخلال الطيبة والأفعال الحسنة ونسهل له كل ما نرضاه له من أعمال وأقوال توصله إلى الجنة «وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ» بماله فكنزه ومنع الفقراء من حقهم فيه ولم يصرف جوارحه لما خلقت لها في الدنيا «وَاسْتَغْنى ٨» عما قدره الله من الثواب المخصص للمتقين فى سبيله وخصّ ماله للشهوات وأنفقه فيما لا يرضي ربه «وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى ٩» بكلمة التوحيد والخلف بالوعد والجنة وما وعد الله المتقين فيها لأجله «فَسَنُيَسِّرُهُ» بالدنيا التي آثرها على الآخرة «لِلْعُسْرى ١٠» الخلال الخبيثة والأنكال المذمومة والأحوال السيئة والأعمال القبيحة من كل ما يغضب الرب من الخصال المؤدية إلى النار التي لا أعسر من عذابها.
روى البخاري ومسلم عن علي ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الفرقد،
стр. 139
فأتانا رسول الله فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة (عصى رفيعة في رأسها مثل الهلال) فنكس وجعل ينكت (يضرب الأرض) بمخصرته ثم قال: ما منكم أحد إلّا قد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة. زاد مسلم: إلا وقد كتبت شقية أو سعيدة (وفي روايته بدل أحد نفس. فقالوا يا رسول الله: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال: اعملوا فكل ميسّر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فيعد لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فيعدّ لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى) إلى (لِلْيُسْرى) . وفي هذا دليل أهل السنة في القدر وصحة قولهم فيه وان التوفيق والخذلان والسعادة والشقاوة بيد الله يسرها لمن يشاء من عباده ووجوب العمل للمرء بما سبق له في الأزل ويستدل على الإنسان من أي الفريقين هو بعمله، فإذا عمل عمل أهل السعادة من البرّ والتقوى فهو من أهل الجنة أزلا، وان عمل عمل أهل الشقاوة من الشر والعصيان فهو من أهل النار، وعمل كل دليل عليه مطلب قوة إيمان بلال:
نزلت هذه الآية في أبي بكر ﵁ لما اشترى بلال بن رياح بن حمامة من أمية بن خلف ببردة وعشرة أواق فأعتقه لأنه كان صادق الإسلام طاهر القلب، وكان أمية يعذبه فيبطحه بالشمس إذا حميت على ظهره ثم يضع الصخرة الحامية العظيمة على صدره ويقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، فيقول وهو في تلك الحالة: أحد أحد، بالتخفيف أي الله واحد، وبالتشديد أي لا تشرك مع الله أحدا. فمر به أبو بكر يوما وهم يصنعون به ذلك فقال لأمية ألا تتقي الله في هذا المسكين، قال: أنت أفسدته فأنقذه مما ترى، فقال: عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى وهو على دينك أعطيكه، قال: قد فعلت، فأعطاه أبو بكر غلامه وأخذ بلالا وأعتقه وأعتق ست رقاب معه. أما ما قيل: إنها نزلت في أبي الدحداح الأنصاري الذي اشترى النخلة فلا يصح لأن حادثه النخلة في المدينة، وهذه السورة مكية والحادثة في مكة. فانظر رعاك الله إلى إيمان هذا العبد كيف كان في بداية الإسلام. ولعمري لو عذب الآن بعض الناس بالضرب لكفر هلعا، ولو أرشي بأوقية
стр. 140
لتنصر طمعا، ولا حول ولا قوة إلا بالله،
قال تعالى: «وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ» أي أمية بن خلف الذي فعل ما فعل في بلال بقصد تكفيره «إِذا تَرَدَّى ٢١» بأكفانه وطرح في قبره، ثم هوى وسقط في نار جهنم فهل يغنى عنه في الآخرة ماله وولده وهل يحول دون هلاكه فيها؟ كلا لا شيء ينجيه من ذلك «إِنَّ عَلَيْنا» نحن إله الكل «لَلْهُدى ١٢» فتبين طريقه من طريق الضلال، وعلى العبد سلوك أيهما شاء «وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ» فنثيب من اهتدى «وَالْأُولى ١٣» لنا أيضا نيسر لخيرها من أراد هدانا فكلاهما في تصرفنا كما نشاء. فمن طلبهما من غيرنا آب بالخسران وأخطأ الطريق السوي، ولا يضرنا ترككم الاهتداء له لأن مضرته عليكم، ثم التفت جل شأنه من الاخبار إلى الخطاب فقال: «فَأَنْذَرْتُكُمْ» يا أهل مكة ويا أمة محمد «ناراً تَلَظَّى ١٤» بتاء واحدة، وقرأ بعضهم بتاءين أي تتلظى وتتوقد وتتلهب وتتوهج أجارنا الله منها «لا يَصْلاها» يحرق بها «إِلَّا الْأَشْقَى ١٥» الكافر المتوغل بالكفر والشقاء «الَّذِي كَذَّبَ» الرسل ومجد الآلهة «وَتَوَلَّى ١٦» عن الإيمان مصرا على كفره «وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ١٧» المبالغ في تقواه المتقى الكفر ودواعيه المشرّب بالإيمان ومراميه «الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ» للمساكين طلبا لما عند الله من الثواب في الآخرة «يَتَزَكَّى ١٨» يطهر نفسه من دون الكفر فيلقى الله تعالى طاهرا من شوائبه، خاليا من الرياء والسمعة. قال أبو عبيدة: الأشقى بمعنى الشقي وهو الكافر، والأتقى بمعنى التقي وهو المؤمن، لأنه لا يختص بالصّلي أشقى الأشقياء، ولا يختصّ بالنجاة أتقى الأتقياء، ولا يقال إنه أراد نارا مخصوصة بالأشقى، لأن هذه النار نفسها هي التي يجنبها الأتقى فلأن يجنب غيرها من باب أولى.
«وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ» أي أبي بكر لأن هذه السورة نزلت في حقه وفي بطل أمية، والذي يؤيد نزولها، ما رواه سعيد بن المسيب قال: بلغني أن أمية بن خلف قال لأبي بكر في بلال حين قال له: أتبيعه، قال بفسطاس، عبد لأبي بكر وكان صاحب عشرة آلاف دينار وغلمان وجواري ومواشي. وكان مشركا، وقد حمله أبو بكر على الإسلام على أن يكون ماله له فأبى فأبغضه، فلما قال له أمية:
стр. 141
أتبيعه بغلامك فسطاس، اغتنمه أبو بكر وباعه، فقال المشركون: ما فعل ذلك إلا ليد كانت له عنده فأنزل الله هذه الآية تكذيبا لهم بقوله: ليس لأحد عند أبي بكر «نِعْمَةٍ تُجْزى ١٩» .
مطلب في أبي بكر ﵁ وأمية غضب الله عليه:
وقد أجمع المفسرون على عود الضمير لأبي بكر، وان ليس لفسطاس ولا لبلال ولا لغيرهما عنده نعمة سابقة يكافئه عليها بالإعتاق، وان السياق والسباق يؤيده لذلك فإن من قال أن الضمير في عنده يعود إلى الله أراد أنه ينعم على عبده تفضلا منه، وهو كذلك. إلا أنه بعيد عن المغزى مخطئ المرمى، لما فيه من نفي التخصيص بأبي بكر وجعل الآية عامة في المؤمن والكافر، لأن نعمة الله غير مقصورة على أحد ولكنها على المؤمن نعمة حالا ومآلا، وعلى الكافر في الدنيا فقط لأنها نقمة عليه في الآخرة استيفاء لما يقع من الخير على يده كي يلقى الله ولا حسنة له. وليعلم انه ما فعل أبو بكر ما فعله من الاعتاق «إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ٢٠» أي طلب مرضاته لا غير
«وَلَسَوْفَ يَرْضى ٢١» في الآخرة من عطاء ربه بالكرامة والجنة ونعيمها كما طلب هو مرضاة ربه في الدنيا بالإنفاق من ماله واعتاق عبيده واللام في ولسوف جواب القسم المضمر وتقديره والله لسوف يرضى رضاء ما فوقه رضاء، ويجوز أن يعود ضمير يرضى إلى الله ويكون المعنى ولسوف يرضى عنه ربه وهو أبلغ لأن رضاء الله عن عبده أكمل للعبد من رضاه على ربه، وما جرينا عليه يحتمل المعنيين. هذا، والله أعلم، واستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الفجر عدد ١٠ و ٨٩
نزلت في مكة بعد سورة والليل، وهي ثلاثون آية، ومثلها من عدد الآي تبارك، والملك والسجدة. ومائة وتسع وثلاثون كلمة، وخمسمائة وسبعة وتسعون حرفا، لا يوجد سورة في القرآن مبدوءة بما بدئت به ولا مختومة بما ختمت به، لا ناسخ ولا منسوخ فيها.
стр. 142
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال تعالى: «وَالْفَجْرِ ١» أقسم تعالى بانبلاج الصبح لما فيه من انقضاء الليل وظهور الضوء وانتشار الخلائق في طلب أرزاقها، قال ابن عباس أراد به صلاة الصبح لأنها مفتتح النهار وتشهدها الملائكة مستدلا بقوله تعالى: (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً) الآية ١٨ من سورة الإسراء الآتية والأرجح أن المراد والله أعلم هلال ذي الحجة بدليل اقترانه بقوله «وَلَيالٍ عَشْرٍ ٢» ولا عشر إلا عشر ذي الحجة لما فيها من الفضل العظيم، لأنها أيام الاشتغال بالحج أخرج الترمذي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال ما من أيام العمل فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر. قيل يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟
قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل جاهد في سبيل الله بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء. وهناك أقوال أخرى بأنها عشر المحرم، أو عشر رمضان الأواخر، أو مطلق فجر، وليست بشيء تجاه هذه لا تصالها بفجر العيد ولتأييدها بالحديث المار ذكره «وَالشَّفْعِ» الذكر والأنثى، والحق والباطل، والإيمان والكفر، والهدى والضلال، والسعادة والشقاوة، والليل والنهار، والأرض والسماء، والشمس والقمر، والبر والبحر، والنور والظلمة، والجن والإنس، والعزة والذلة، والقدرة والعجز والقوة والضعف، والعلم والجهل، والغنى والفقر، والعمى والبصر، والموت والحياة، وغيرها من كل ما خلق الله «وَالْوَتْرِ ٣» من ذلك كله أو هو يوم عرفة أو يوم النحر وقد جاء في الحديث المروي عن جابر المرفوع الذي أخرجه الإمام أحمد والنسائي أنه يوم النحر ويوم عرفه وجاء في حديث عمران بن حصين حين الذي أخرجه أحمد والترمذي بلفظ حديث غريب أنهما الصلاة شفعها ووترها وإذا صح هذان الحديثان على علة تضاربهما فإنهما لا يخصصان المدلول بل يكونان على طريق التمثيل فيما رؤي بتخصيصه بالذكر فائدة معتمدا بها وعليه فيجوز للمفسر أن يحمل اللفظ على معنى آخر من مشتملاته ومحتملاته لفائدة أخرى «وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ ٤» أي سرى فيه من عرفات إلى مزدلفة وهي ليلة النحر وقيل ليلة القدر لأن الناس تقومها، والأول أولى لمناسبة السياق والسباق، وقد حذفت الياء في يسر
стр. 143
بلا حاذف وأكتفي بالكسرة عنها للدرج. وقد سأل رجل الأخفش عن سقوط هذه الياء، فقال: لا أجيبك حتى تخدمني سنة، ففعل ثم سأله فقال الليل لا يسري وإنما يسرى فيه فلما عدل في معناه عدل عن لفظه موافقة. ويقال ليل نائم أي ينام فيه وصلّى المقام أي صلّى فيه أنظر رحمك الله فضل العلم من أجل كلمة خدم سنة ألا لمثل هذا فليعمل العاملون، وبه فليتنافس المتنافسون هذا، وإذا أريد مطلق ليل فيصح أيضا على أن يلاحظ نعمة السير فيه للحفظ والوقاية من حر الشمس ومن قطاع الطريق وقطع المسافات ولهذا قيل (عند الصباح يحمد القوم السرى) وجواب القسم محذوف تقديره ليعذبن الكافر ولينعمنّ المؤمن، ثم التفت في الاخبار إلى الخطاب فقال «هَلْ فِي ذلِكَ» المقسم به أيها الناس «قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ٥» عقل أم لا وسمي العقل حجرا لأنه يحجر صاحبه عن النقائص وعقلا لأنه يعقله عن القبائح ونهى لأنه ينهاه عن ما لا يليق وحجى لأنه يحاج به وهذا الاستفهام تقديري أتى به للتأكيد ولا يجاب إلا ببلى أي نعم إن هذه الأقسام فيها مقتنع ومكتفى لمن له لب ويسمى العقل لبا لأنه قلب الشيء وخلاصته وإنما أقسم بتلك الأشياء لما فيها من عجائب ودلائل على كمال قدرته ووحدانيته ثم خاطب حبيبه بقوله «أَلَمْ تَرَ» يا أكمل الرسل وهذا استفهام تقديري أيضا أي ألم تعلم يقينا علما يوازي المعاينة «كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ٦» حيث أهلكهم فلم يبق لهم أثرا ولما كانت عادا أولى وأخيرة وإن الأولى تسمى عاد إرم ليدل منها قوله «إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ٧» يدل عليه قوله في الآية ٥٠ من سورة النجم الآتية (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى) فإذا أطلقت عادا دون إرم فالمراد بها الأخيرة والعماد هي السواري والأساطين المرتفعة أي ذات البناء الرفيع المرتكز على على العمد العالية «الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ ٨» أي لم يقدر أحد أن يبني أو يعمل قبلهم ولا بعدهم حتى الآن مثلها وهذه المدن التي نوه الله بعظمتها واقعة بين عمان وحضر موت بأرض رمال قال تعالى (وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ) الآية ٢١ من سورة الأحقاف ج ٢ والأحقاف هي الرمال
стр. 144
وما قيل إنها بالإسكندرية أو الشام ينافيه سياق الآيات إلا أن يقال ما هنا يراد به عادا الأولى وما في الأحقاف الأخيرة ويلزم أيضا عدم اتحاد منازلهما لأن بينهما مسافات عظيمة بعيدة عن التوفيق. وفي هذه الآية تخويف للكافرين وهو أنه تعالى الذي أهلك هؤلاء الذين كانوا أشد منكم يا أهل مكة قوة وأكثر أموالا وأولادا قادر على إهلاككم، راجع تفسير الآية ١٥ من قسم السجدة في ج ٢ أي سورة فصلت، وكانوا مع ذلك جسيمين طوالا، قالوا
وسميت ذات العماد لأن عادا كان له ابنان شداد، وشديد، فلما مات شديد خلص الملك إلى شداد ودانت له ملوك الأرض وكان يقرأ الكتب القديمة فلما جاء على ذكر الجنة قال سأبني مثلها فبنى بناية عظيمة في مجارى عدن استغرقت ثلاثمائة سنة قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت وشجرها من جميع أصناف الأشجار ونسّق فيها الأنهار. وعند ما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته وكانت على مسيرة يوم وليلة فبعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا جميعا، روى وهب بن منبه عن عبد الله ابن قلابة أنه خرج في طلب إبل له شردت فبينما هو يسير في مجارى عدن إذ وقع على مدينة في تلك الفلوات عليها حصن، وحول الحصن قصور كثيرة، فلما دنا منها ظن أن فيها أحدا ليسأله عن إبله، فلم ير داخلا فيها ولا خارجا منها، فنزل عن دابته وعقلها وسل سيفه خوفا من أن يصادفه فيها أحد فيقاتله، ودخل من باب المدينة فإذا هو ببابين خطيرين مرصعين بالياقوت الأحمر، فدهش وفتح الباب ودخل فإذا هو بمدينة لم ير أحد مثلها وإذا فيها قصور في كل قصر منها غرف فوقها غرف مبنية بالذهب والفضة، ومرصعة بأحجار اللؤلؤ والياقوت، وإذا أبواب تلك القصور مثل مصاريع باب المدينة يقابل بعضها بعضا، وكلها مفروشة باللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران، فلما عاين ذلك ولم ير أحدا هاله ما رأى ثم نظر الى الأزقة فاذا فيها أشجار مثمرة وتحت الأشجار انهار مطرّدة يجري ماؤها في قنوات من فضة، فقال في نفسه هذه الجنة وحمل معه من لؤلؤها وترابها وبنادق مسكها وزعفرانها ورجع الى اليمن وأظهر ما كان معه، وحدث بما رأى، فبلغ ت (١٠)
стр. 145
ذلك معاوية فأرسل اليه فقدم، فسأله عن ذلك فقص عليه ما رأى فبعث إلى كعب الأحبار فسأله فقال هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أسقر على حاجبه خال وعلى عقبه خال، يخرج في طلب أبل له، ثم التفت فأبصر من قلابة على الوصف الذي ذكره كعب، وهذه كالسد إذ رآه جماعة زمن الواثق بالله. راجع تفسير الآية ٩٢ من الكهف في ج ٢. هذا وكلما جاء لفظ كعب بلا نسبة فالمراد به هذا، واني لم أنقل عنه ما يتعلق بأمر الدين البته خشية التهمة لأنه متوغل بالكتب القديمة وهو تابعي والتابعيون غيره كثير أكتفى بالنقل عنهم عند الحاجة. قالوا ولما أراد عملها، اخرج جماعة يطوفون في الأرض ليجدوا أرضا موافقة، فوقفوا على صحراء نقية من التلال فيها عيون ماء وحروج فاختاروها وكان عمر الملك عند بنائها تسعمائه سنة، ولما فرغوا منها قال لهم اجعلوا حولها حصنا وابنوا حوله الف قصر واجعلوا على كل قصر علما ليقيم بها الوزراء ففعلوا، ولما أمر بالنقلة استغرقت نقلتهم عشر سنين ولما قربوا منها عن يوم وليلة اخذتهم الصيحة كما تقدم قال تعالى «وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا» قطعوا «الصَّخْرَ بِالْوادِ ٩» فعل بهم أيضا كما فعل بعاد وهم أول من قطعوا الصخور في الوديان ونحتوه واتخذوا منه مساكن وبيوتا وقالوا انهم بنوا ألفا وتسعمائة مدينة من الحجارة المنحوتة وسنأتي قصتهم مفصلة في تفسير الآية ٧٩ من الأعراف الآتية «وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ ١٠» أي الملك الراسخ ذي الجنود الكثيرة الشديد البطش قال الأسود بن يعقر بن عنينة.
ولقد غنوا فيها [بأنواع] النعم ... في ظل ملك راسخ الأوتاد
وكان إذا عذب أحدا (عذبه الله) ربطه بين أوتاد اربعة ثم أوقع عليه عذابه.
قاتله الله فلذلك سمى من الأوتاد وكانت مضارب (بيوت شعر) يضربونها إذا نزلوا في البادية وخباء كثيرة لكثرة جنده وما يدل على أنه كان يعذب بالأوتاد.
مطلب قصة ما شطة بنت فرعون:
ما رواه البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس أن ماشطة بنت فرعون زوجة حزقيل الذي كان يكتم إيمانه كما سيأتي في الآية ٢٠ من سورة القصص الآتية والآية
следующие страницы →