← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23595

بيان المعاني

ملا حويش

Полный текст (3 362 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أتبيعه بغلامك فسطاس، اغتنمه أبو بكر وباعه، فقال المشركون: ما فعل ذلك إلا ليد كانت له عنده فأنزل الله هذه الآية تكذيبا لهم بقوله: ليس لأحد عند أبي بكر «نِعْمَةٍ تُجْزى ١٩» . مطلب في أبي بكر ﵁ وأمية غضب الله عليه: وقد أجمع المفسرون على عود الضمير لأبي بكر، وان ليس لفسطاس ولا لبلال ولا لغيرهما عنده نعمة سابقة يكافئه عليها بالإعتاق، وان السياق والسباق يؤيده لذلك فإن من قال أن الضمير في عنده يعود إلى الله أراد أنه ينعم على عبده تفضلا منه، وهو كذلك. إلا أنه بعيد عن المغزى مخطئ المرمى، لما فيه من نفي التخصيص بأبي بكر وجعل الآية عامة في المؤمن والكافر، لأن نعمة الله غير مقصورة على أحد ولكنها على المؤمن نعمة حالا ومآلا، وعلى الكافر في الدنيا فقط لأنها نقمة عليه في الآخرة استيفاء لما يقع من الخير على يده كي يلقى الله ولا حسنة له. وليعلم انه ما فعل أبو بكر ما فعله من الاعتاق «إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ٢٠» أي طلب مرضاته لا غير «وَلَسَوْفَ يَرْضى ٢١» في الآخرة من عطاء ربه بالكرامة والجنة ونعيمها كما طلب هو مرضاة ربه في الدنيا بالإنفاق من ماله واعتاق عبيده واللام في ولسوف جواب القسم المضمر وتقديره والله لسوف يرضى رضاء ما فوقه رضاء، ويجوز أن يعود ضمير يرضى إلى الله ويكون المعنى ولسوف يرضى عنه ربه وهو أبلغ لأن رضاء الله عن عبده أكمل للعبد من رضاه على ربه، وما جرينا عليه يحتمل المعنيين. هذا، والله أعلم، واستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. تفسير سورة الفجر عدد ١٠ و ٨٩ نزلت في مكة بعد سورة والليل، وهي ثلاثون آية، ومثلها من عدد الآي تبارك، والملك والسجدة. ومائة وتسع وثلاثون كلمة، وخمسمائة وسبعة وتسعون حرفا، لا يوجد سورة في القرآن مبدوءة بما بدئت به ولا مختومة بما ختمت به، لا ناسخ ولا منسوخ فيها.

стр. 142

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى: «وَالْفَجْرِ ١» أقسم تعالى بانبلاج الصبح لما فيه من انقضاء الليل وظهور الضوء وانتشار الخلائق في طلب أرزاقها، قال ابن عباس أراد به صلاة الصبح لأنها مفتتح النهار وتشهدها الملائكة مستدلا بقوله تعالى: (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً) الآية ١٨ من سورة الإسراء الآتية والأرجح أن المراد والله أعلم هلال ذي الحجة بدليل اقترانه بقوله «وَلَيالٍ عَشْرٍ ٢» ولا عشر إلا عشر ذي الحجة لما فيها من الفضل العظيم، لأنها أيام الاشتغال بالحج أخرج الترمذي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال ما من أيام العمل فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر. قيل يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل جاهد في سبيل الله بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء. وهناك أقوال أخرى بأنها عشر المحرم، أو عشر رمضان الأواخر، أو مطلق فجر، وليست بشيء تجاه هذه لا تصالها بفجر العيد ولتأييدها بالحديث المار ذكره «وَالشَّفْعِ» الذكر والأنثى، والحق والباطل، والإيمان والكفر، والهدى والضلال، والسعادة والشقاوة، والليل والنهار، والأرض والسماء، والشمس والقمر، والبر والبحر، والنور والظلمة، والجن والإنس، والعزة والذلة، والقدرة والعجز والقوة والضعف، والعلم والجهل، والغنى والفقر، والعمى والبصر، والموت والحياة، وغيرها من كل ما خلق الله «وَالْوَتْرِ ٣» من ذلك كله أو هو يوم عرفة أو يوم النحر وقد جاء في الحديث المروي عن جابر المرفوع الذي أخرجه الإمام أحمد والنسائي أنه يوم النحر ويوم عرفه وجاء في حديث عمران بن حصين حين الذي أخرجه أحمد والترمذي بلفظ حديث غريب أنهما الصلاة شفعها ووترها وإذا صح هذان الحديثان على علة تضاربهما فإنهما لا يخصصان المدلول بل يكونان على طريق التمثيل فيما رؤي بتخصيصه بالذكر فائدة معتمدا بها وعليه فيجوز للمفسر أن يحمل اللفظ على معنى آخر من مشتملاته ومحتملاته لفائدة أخرى «وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ ٤» أي سرى فيه من عرفات إلى مزدلفة وهي ليلة النحر وقيل ليلة القدر لأن الناس تقومها، والأول أولى لمناسبة السياق والسباق، وقد حذفت الياء في يسر

стр. 143

بلا حاذف وأكتفي بالكسرة عنها للدرج. وقد سأل رجل الأخفش عن سقوط هذه الياء، فقال: لا أجيبك حتى تخدمني سنة، ففعل ثم سأله فقال الليل لا يسري وإنما يسرى فيه فلما عدل في معناه عدل عن لفظه موافقة. ويقال ليل نائم أي ينام فيه وصلّى المقام أي صلّى فيه أنظر رحمك الله فضل العلم من أجل كلمة خدم سنة ألا لمثل هذا فليعمل العاملون، وبه فليتنافس المتنافسون هذا، وإذا أريد مطلق ليل فيصح أيضا على أن يلاحظ نعمة السير فيه للحفظ والوقاية من حر الشمس ومن قطاع الطريق وقطع المسافات ولهذا قيل (عند الصباح يحمد القوم السرى) وجواب القسم محذوف تقديره ليعذبن الكافر ولينعمنّ المؤمن، ثم التفت في الاخبار إلى الخطاب فقال «هَلْ فِي ذلِكَ» المقسم به أيها الناس «قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ٥» عقل أم لا وسمي العقل حجرا لأنه يحجر صاحبه عن النقائص وعقلا لأنه يعقله عن القبائح ونهى لأنه ينهاه عن ما لا يليق وحجى لأنه يحاج به وهذا الاستفهام تقديري أتى به للتأكيد ولا يجاب إلا ببلى أي نعم إن هذه الأقسام فيها مقتنع ومكتفى لمن له لب ويسمى العقل لبا لأنه قلب الشيء وخلاصته وإنما أقسم بتلك الأشياء لما فيها من عجائب ودلائل على كمال قدرته ووحدانيته ثم خاطب حبيبه بقوله «أَلَمْ تَرَ» يا أكمل الرسل وهذا استفهام تقديري أيضا أي ألم تعلم يقينا علما يوازي المعاينة «كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ٦» حيث أهلكهم فلم يبق لهم أثرا ولما كانت عادا أولى وأخيرة وإن الأولى تسمى عاد إرم ليدل منها قوله «إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ٧» يدل عليه قوله في الآية ٥٠ من سورة النجم الآتية (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى) فإذا أطلقت عادا دون إرم فالمراد بها الأخيرة والعماد هي السواري والأساطين المرتفعة أي ذات البناء الرفيع المرتكز على على العمد العالية «الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ ٨» أي لم يقدر أحد أن يبني أو يعمل قبلهم ولا بعدهم حتى الآن مثلها وهذه المدن التي نوه الله بعظمتها واقعة بين عمان وحضر موت بأرض رمال قال تعالى (وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ) الآية ٢١ من سورة الأحقاف ج ٢ والأحقاف هي الرمال

стр. 144

وما قيل إنها بالإسكندرية أو الشام ينافيه سياق الآيات إلا أن يقال ما هنا يراد به عادا الأولى وما في الأحقاف الأخيرة ويلزم أيضا عدم اتحاد منازلهما لأن بينهما مسافات عظيمة بعيدة عن التوفيق. وفي هذه الآية تخويف للكافرين وهو أنه تعالى الذي أهلك هؤلاء الذين كانوا أشد منكم يا أهل مكة قوة وأكثر أموالا وأولادا قادر على إهلاككم، راجع تفسير الآية ١٥ من قسم السجدة في ج ٢ أي سورة فصلت، وكانوا مع ذلك جسيمين طوالا، قالوا وسميت ذات العماد لأن عادا كان له ابنان شداد، وشديد، فلما مات شديد خلص الملك إلى شداد ودانت له ملوك الأرض وكان يقرأ الكتب القديمة فلما جاء على ذكر الجنة قال سأبني مثلها فبنى بناية عظيمة في مجارى عدن استغرقت ثلاثمائة سنة قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت وشجرها من جميع أصناف الأشجار ونسّق فيها الأنهار. وعند ما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته وكانت على مسيرة يوم وليلة فبعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا جميعا، روى وهب بن منبه عن عبد الله ابن قلابة أنه خرج في طلب إبل له شردت فبينما هو يسير في مجارى عدن إذ وقع على مدينة في تلك الفلوات عليها حصن، وحول الحصن قصور كثيرة، فلما دنا منها ظن أن فيها أحدا ليسأله عن إبله، فلم ير داخلا فيها ولا خارجا منها، فنزل عن دابته وعقلها وسل سيفه خوفا من أن يصادفه فيها أحد فيقاتله، ودخل من باب المدينة فإذا هو ببابين خطيرين مرصعين بالياقوت الأحمر، فدهش وفتح الباب ودخل فإذا هو بمدينة لم ير أحد مثلها وإذا فيها قصور في كل قصر منها غرف فوقها غرف مبنية بالذهب والفضة، ومرصعة بأحجار اللؤلؤ والياقوت، وإذا أبواب تلك القصور مثل مصاريع باب المدينة يقابل بعضها بعضا، وكلها مفروشة باللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران، فلما عاين ذلك ولم ير أحدا هاله ما رأى ثم نظر الى الأزقة فاذا فيها أشجار مثمرة وتحت الأشجار انهار مطرّدة يجري ماؤها في قنوات من فضة، فقال في نفسه هذه الجنة وحمل معه من لؤلؤها وترابها وبنادق مسكها وزعفرانها ورجع الى اليمن وأظهر ما كان معه، وحدث بما رأى، فبلغ ت (١٠)

стр. 145

ذلك معاوية فأرسل اليه فقدم، فسأله عن ذلك فقص عليه ما رأى فبعث إلى كعب الأحبار فسأله فقال هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أسقر على حاجبه خال وعلى عقبه خال، يخرج في طلب أبل له، ثم التفت فأبصر من قلابة على الوصف الذي ذكره كعب، وهذه كالسد إذ رآه جماعة زمن الواثق بالله. راجع تفسير الآية ٩٢ من الكهف في ج ٢. هذا وكلما جاء لفظ كعب بلا نسبة فالمراد به هذا، واني لم أنقل عنه ما يتعلق بأمر الدين البته خشية التهمة لأنه متوغل بالكتب القديمة وهو تابعي والتابعيون غيره كثير أكتفى بالنقل عنهم عند الحاجة. قالوا ولما أراد عملها، اخرج جماعة يطوفون في الأرض ليجدوا أرضا موافقة، فوقفوا على صحراء نقية من التلال فيها عيون ماء وحروج فاختاروها وكان عمر الملك عند بنائها تسعمائه سنة، ولما فرغوا منها قال لهم اجعلوا حولها حصنا وابنوا حوله الف قصر واجعلوا على كل قصر علما ليقيم بها الوزراء ففعلوا، ولما أمر بالنقلة استغرقت نقلتهم عشر سنين ولما قربوا منها عن يوم وليلة اخذتهم الصيحة كما تقدم قال تعالى «وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا» قطعوا «الصَّخْرَ بِالْوادِ ٩» فعل بهم أيضا كما فعل بعاد وهم أول من قطعوا الصخور في الوديان ونحتوه واتخذوا منه مساكن وبيوتا وقالوا انهم بنوا ألفا وتسعمائة مدينة من الحجارة المنحوتة وسنأتي قصتهم مفصلة في تفسير الآية ٧٩ من الأعراف الآتية «وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ ١٠» أي الملك الراسخ ذي الجنود الكثيرة الشديد البطش قال الأسود بن يعقر بن عنينة. ولقد غنوا فيها [بأنواع] النعم ... في ظل ملك راسخ الأوتاد وكان إذا عذب أحدا (عذبه الله) ربطه بين أوتاد اربعة ثم أوقع عليه عذابه. قاتله الله فلذلك سمى من الأوتاد وكانت مضارب (بيوت شعر) يضربونها إذا نزلوا في البادية وخباء كثيرة لكثرة جنده وما يدل على أنه كان يعذب بالأوتاد. مطلب قصة ما شطة بنت فرعون: ما رواه البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس أن ماشطة بنت فرعون زوجة حزقيل الذي كان يكتم إيمانه كما سيأتي في الآية ٢٠ من سورة القصص الآتية والآية

стр. 146

٧٨ من سورة المؤمن في ج ٢ وكانت هي تكتم إيمانها أيضا بينما كانت تمشط ابنة فرعون إذ سقط من يدها، فقالت تعس من كفر بالله. فقالت بنت فرعون: وهل إله غير أبي؟ قالت إلهي وإله أبيك وإله السموات والأرض واحد لا شريك له. فأخبرت أباها بذلك فسألها قالت صدقت فحملها على الكفر فأبت فمدها بين أربعة أوتاد وأرسل عليها الحيات والعقارب، وقال إن لم تكفري عذبتك هكذا شهرا. قالت لو عذبتني سبعين شهرا ما كفرت. فلما رأى إصرارها هددها بذبح أولادها، ولم تفعل، فذبح ابنها الكبير على صدرها وقال إن لم تكفري ذبحت الاخر على فيك، قالت لو ذبحت أهل الأرض ما كفرت. فبادر بذبحه فجزعت فأنطقه الله وقال يا أماه اصبري ولا تجزعي فقد بنى الله لك بيتا في الجنة. فصبرت ولم تلبث ان ماتت رحمها الله، فأسكنها الله الجنة. وهكذا فعل بآسية بنت مزاحم زوجته كما سيأتي في الآية ١١ من سورة التحريم في ج ٣، وصبرت هذه وعذابها أشد من عذاب بلال المار ذكره في الآية ١٠ من سورة والليل المارة، قالوا وبعث رجلين في طلب زوجها فوجدوه يصلي والوحوش وراءه صفوفا، فتركوه وانصرفوا فقال حزقيل اللهم انك تعلم اني كتمت إيماني مائة سنة فأيما هذين الرجلين كتم علي فاهده الى دينك وأيما منهما أظهر علي فعجل عقوبته. فأخبر أحدهما فرعون وكتم الآخر فقتل الذي أخبره وأنعم على الآخر اجابة لدعوته قال تعالى «الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ١١» وتجبروا على أهلها وارتكبوا انواع المعاصي «فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ ١٢» قتلا ونهبا وسبيا وغصبا وأخذوا ظلما وعدوانا وتعذيبا وتوغلوا في سائر البشر بانواع التعدي وهم يتنعمون بنعم الله، فلما أظهر الله عتوهم وعنادهم للملأ وعلم إصرارهم أزلا وانه أمهلهم ليطلع خلقه على أفعالهم المستحقة لتعذيبهم ولم ينجع بهم ذلك الإمهال حتى قضي أمرهم وحان وقت أخذهم المقدر عنده، جنح الى هلاكهم «فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ» يا محمد «سَوْطَ عَذابٍ ١٣» لونا من ألوانه ونوعا من أنواعه، والسوط يشعر بزيادة الألم أي عذبهم عذابا شديدا، كان الحسن إذا قرأ هذه الآية يقول ان عند الله أسواطا كثيرة فأخذهم بسوط منها «إِنَّ رَبَّكَ

стр. 147

لَبِالْمِرْصادِ ١٤» يرقب أعمال عباده كلها فيرى ويسمع ما يقع منهم لا يفوته شيء لأن المرصاد المكان الذي يترقب فيه الرصد ومن كان عالما بأحوال خلقه لا يفوته شيء من أمرهم، وهذا جواب القسم، والجمل ما بين القسم وجوابه اعتراضية، وقيل جواب القسم محذوف وتقديره ليعذبن الكافر وربّ هذه الأشياء ويجزي كلا بفعله إن خيرا فخير وإن شرا فشر قال. ابن عطية المرصاد صيغة مبالغة كالمطعام والمطعان، ورده ابو حيان بأنه لو كان كما زعم لما دخلت الباء لإنها ليست في مكان دخولها لا زائدة ولا غير زائدة، ثم شرع يفصل أحوال خلقه فقال «فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ» أختبره وامتحنه «رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ» بالمال والولد والعافية والجاه «وَنَعَّمَهُ» بما وسع عليه من النساء والقصور والبساتين وغيرها من خدم وحشم «فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ١٥» بما أعطاني وفضلني بما اولاني «وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ» ما هذه هنا وفي الآية الأولى وما شابهها في غير القرآن يعدونها زائدة اما في القرآن فتسمى صلة يؤتى بها لتأكيد القول وتحسينه لأن كلام الله مبرأ عن الزيادة كما هو منزه عن النقص وسيأتي لهذا بحث في الآية ١٣٥ من سورة التوبة في ج ٣ «فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ» ضيقه وقلله عن مقدار بلغته وكفايته «فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ١٦» بما افقرني واذلني بما أعوزني. وهذه الآية عامة لتصدرها بلفظ الإنسان فتشمل كل فرد وما قيل انها نزلت في امية بن خلف الحمجي خاصة فعلى فرض صحته لا ينفي عمومها لان العبرة دائما لعموم اللفظ لا لخصوص المعنى أو السبب، لذلك ردّ الله تعالى على من ظن ان سعة الرزق إكرام وضيقه اهانة بقوله «كلّا» اي ليس الأمر كذلك فلا يظن به إذ ليس كل من اعنيته لكرامته ولا كل من أفقرته لاهانته لان الغنى والفقر بحكمتي وتقديري وإنما أكرم المؤمن بطاعته لي وأهين الكافر بمعصيته واني أنعم على عبدي لا ختبره أيشكر نعمتي أم يكفر وأضيق عليه لأمتحنه أيصبر أم يفجر. وليعلم الناس ذلك راجع تفسير الآية ٢٦ من سورة الأنبياء في ج ٢، ولئلا يقولوا كما قال قارون (إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي) الآية ٧٦ من سورة القصص الآتية مع أنه أوتيه من غير استحقاق

стр. 148

ابتلاء «بل» هناك ما هو أشر وهو أنكم «لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ١٧» فلا تبرّونه ولا تراعون حقه مما أنعم الله عليكم به «وَلا تَحَاضُّونَ» بحث بعضكم بعضا «عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ١٨» من فضلكم بل تهملونه ولا تنظرون في أمره «وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ» الميراث «أَكْلًا لَمًّا ١٩» لا تعطون منه أحدا، واللهم الجمع بين الحلال والحرام وعليه قول النابغة: ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أي الرجال المهذب وذلك انهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان ويأكلون نصيبهم فذمهم الله لشدة حرصهم على جمعه جمعا شديدا من غير نظر الى حل وحرمة «وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا ٢٠» كثيرا جدا قال امية: ان تغفر اللهم فاغفر جمّا ... وأي عبد لك لا ألما لأنهم كانوا ولعين به مع الحرص عليه والبخل به ومنع الحقوق منه «كلّا» ردع وزجر لمن هذه حاله اي لا ينبغي ان يتكالبوا على ذلك، ولا ان يشغفوا به، بل كان عليهم ان يعملوا بما أمر الله قبل ان يأتيهم يوم يتلهفون على ما أسلفوا ويتندّمون على ما فرطوا من حيث لا ينفعهم الندم «إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ» زلزلت بما فيها من بناء وجبال وبحار وغيرها «دَكًّا دَكًّا ٢١» مرة بعد اخرى حتى لا يبقى فيها ولاء عليها شيء «وَجاءَ رَبُّكَ» جلت عظمته وهذا تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبيين لآثار قهره وسلطانه لأن الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من امارات الهيبة وعلامات العزة وإشارات العظمة ما لا يحضر بحضور غيره من خواصه. مطلب آيات الصفات والقول فيها: وهذة من آيات الصفات التي سكت عن تفسيرها السلف الصالح وبعض الخلف وأجروها على حالها كما جاءت من غير تأويل ولا تشبيه ولا تكييف، والتزموا

стр. 149

فيها الإيمان بظاهرها، وتأولها المتكلمون وبعض المتأخرين فقالوا جاء أمره او قضاؤه او دلائل آياته وجعلوا مجيئها مجيئا له تفخيما وإجلالا لأن الحركة والسكون محال عليه جل شأنه ولكل وجهة، واجراؤها على ما هي عليه أولى «وَالْمَلَكُ» أل فيه للجنس فيشمل جميع ملائكة السماء أما ملائكة الأرض فأنهم يقفون في ذلك الموقف لاداء التحية والتكريم قياما بأبّهات الكبرياء والتعظيم «صَفًّا صَفًّا ٢٢» أي تقف ملائكة كل سماء صفا على حده فيحدقون بالجن والإنس ويحيطون بهم «وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ» في ذلك اليوم المهيب الذي تأتي فيه ملائكة الله وهو يوم القيامة «بِجَهَنَّمَ» نفسها وينادى من قبل الله هذه التي أعدت للكافرين، كما تبرز الجنة وينادى هذه المعدة للمتقين. اخرج مسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود قال رسول الله: يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون الف زمام مع كل زمام سبعون الف ملك يجرونها. وفي رواية: تنصب عن يسار العرش لها تغيظ وزفير. وجاء في بعض الآثار عن علي كرم الله وجهه انه سأل حضرة الرسول فقال كيف يجاء بها يا رسول الله؟ فقال تقاد بسبعين الف زمام يقوده الف ملك. هذا وفي أول المجيء بالبروز، وقال هو على حد قوله تعالى (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى) الآية ٣١ من النازعات في ج ٢ وجمل الآية على المجاز لزعمه ان الحقيقة متعذرة في ذلك قال باستحالة الانتقال الذي يقتضيه المجيء الحقيقي على جهنم وهو لعمري جائز إذ لا يستحيل على مالك أمر ذلك اليوم بل يجوز أن تخرج وتنتقل من محلها الى المحشر والى الموقف ليطلع عليها أهله ثم تعود الى مكانها بمجرد أمره لها بين الكاف والنون، وان في ذلك اليوم وراء ما تتخيله الأذهان، وليس ذلك بأعظم من أنزال العرش. راجع تفسير الآية ١٧ من سورة الحاقّة في ج ٢ فإنكار مجيء جهنم يستدعي إنكار نزول عرش الرحمن لأن العلة فيهما واحدة وهي دعوى الاستحالة وذلك كفر والعياذ بالله، لذلك يجب الاعتقاد بظاهر آيات الصفات كما هي طريقة السلف الصالح إذ لا يجوز أن يخطر بالبال أن الله تعالى يعجزه شيء قبله العقل أم لا. راجع

стр. 150

تفسير الاية ٦٧ من سورة الزّمر ج ٢، ولهذا البحث صلة في تفسير الآية ١٥ من سورة فاطر الآتية فراجعه. قال تعالى «يَوْمَئِذٍ» أي يوم يجاء بجهنم ويراها أهلها وسائر من بالموقف على ما وصفها الله لهم على لسان أنبيائهم «يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ» ما فرط في دنياه من انكار البعث وتكذيب الأنبياء ويندم على ما وقع منه من المخالفات «و» لكن «أَنَّى لَهُ الذِّكْرى ٢٣» أي لا تنقعه إذ ذاك حيث لا مجال للرجوع للدنيا لقبول التوبة ولا للاتعاظ ولكنه «يقول» متحسرا متأسفا «يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ» عملا صالحا «لِحَياتِي ٢٤» هذه في هذا اليوم الذي لا موت بعده يوم الحياة الأبدية التي كنت أنكرها في الدنيا «فَيَوْمَئِذٍ» يوم يكون ما ذكر «لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ ٢٥» من مخلوقاته «وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ» بالسلاسل والأغلال «أَحَدٌ ٢٦» أيضا أي أن الله تعالى هو ذاته المقدسة تتولى العذاب للإنسان العاتي المذكور في الآية السابقة بما يعم أمية بن خلف وغيره وهذا على حد قولهم «قاتل السلطان» والمراد جنده لأنه لا يقاتل عادة. وقرىء الفعلان على البناء للمفعول وعليه يكون المعنى، إن الإنسان أشد عذابا من غيره لأن الله ميّزه بالعقل على سائر الحيوانات ليميّز بين الخير والشر أما وأنه لم يفعل وصرف ذلك العقل إلى شهواته ولذاته فقد جعل الله عذابه أعظم من غيره لتناهيه بالكفر. وجرى على هذه القراءة ابن سيرين وابن أبي اسحق وأبو حيوه وابن أبي عبلة وأبو بحرية والكسائي وسلام ويعقوب وسهل وخارجة تلقيا عن ابن عمر ﵄. قال ابن الحاجب إن في عود الضمير على الله على قراءة عاصم ورواية حفص الجارية في المصاحف على بناء الفعلين للفاعل فوات للتعظيم الذي يقتضيه السياق وفوات المعنى، إذ عليها ان الله تعالى هو الّذي يتولى عذاب الكافر ووثاقه ليس بسديد لأن الله ذكر ملائكة للعذاب ووصفهم بالغلظة والشدة وانهم هم الذين يتولون ذلك قال تعالى «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧» الآمنة المتأنسة ، وأل فيها للجنس أيضا فتشمل كل فرد من أفرادها، وقد خاطبها جلّ خطابه مخاطبة إكرام تكريما

стр. 151

لها، وما قيل إن هذه الآية نزلت في حمزة أو خبيب الأنصاري الذي صلبه كفار قريش في مكة أو في عثمان لأنه اشترى بئر رومة، بعيد عن الصحة، لأن عثمان اشتراها بالمدينة وحمزة قتل في بدر وكذلك حادثة صلب خبيب وقعت والرسول بالمدينة. وهذه السورة نزلت بمكة قولا واحدا لذلك فإنها عامة في كل نفس طاهرة موقنة بالحساب، وكذلك لا دليل على القول بأنها نزلت في أبي بكر أيضا لتجهيزه جيش العسرة لذلك السبب. على ان كل هؤلاء داخلون في عمومها دخولا أوليا لانهم ممن أكرمهم الله القائل «ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ» لتري ما وعدك به من الثواب حالة كونك «راضِيَةً» بلقائه وبما منّ عليك من النعيم المقيم الذي وعدك به رسوله في الدنيا «مَرْضِيَّةً ٢٨» عنده محظية بسبب عملك الصالح، ويقول لك ربك بلسان ملائكته الكرام «فَادْخُلِي فِي» زمرة «عِبادِي ٢٩» الصالحين المرضى عنهم وعليهم «وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠» معهم. هذا ومن قال ان المراد بالنفس هنا الروح فيكون المعنى ادخلي في أجساد عبادي، وليس بوجيه إذ ينافيه «وَادْخُلِي جَنَّتِي» فتكون الروح هي الداخلة لا الجسد. تأمل. قال سعيد بن جبير: مات ابن عباس بالطائف فشهدت جنازته فجاء طائر لم ير على خلقه طائر قط، فدخل نعشه ثم لم ير خارجا منه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر لا يدرى من تلاها، قال بعض أهل الإشارات «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ الى الدنيا ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ بتركها والرجوع اليه هو سبيل الآخرة، وفقنا الله اليه. وقال الشيخ محي الدين العربي: ادخلي في زمرة عبادي المخلصين في أهل التوحيد الذاتي وادخلي في جنتي المخصوصة بي أو جنة الذات. هذا والله أعلم، وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين. تفسير سورة الضحى عدد ١١- ٩٣ نزلت بمكة بعد سورة الفجر على أثر انقطاع الوحي أياما، وهي احدى عشرة آية ومثلها في عدد الآي القارعة والعاديات والجمعة والمنافقون، وهي أربعون كلمة، ومائتان وسبعون حرفا، لا يوجد في القرآن سورة مبدوءة أو مختومة بما بدئت وختمت به، لا ناسخ ولا منسوخ فيها.

стр. 152

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» قال تعالى «وَالضُّحى ١» هو الوقت المعلوم من النهار أقسم الله به لأنه من الأوقات المباركة وفيه صلاة مسنونة وفيه كلّم الله موسى وفيه سجد سحرة فرعون لله حينما ظهرت لهم آية العصا اعترافا بأنها معجزة وليست بسحر كما يقوله من غضب الله عليه «وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ٢» سكن الناس فيه قال الأعشى الشاعر المعروف: وما ذنبنا ان جاش بحر ابن عمكم ... وبحرك ساج لا يواري الدعا صما أي ساكن، والد عاصم كثيب الرمل، وسجّى بالتشديد بمعنى غطّى وجواب القسم «ما وَدَّعَكَ» ما تركك «رَبُّكَ» منذ اختارك نبيا لخلقه واصطفاك حبيبا لنفسه كما رعاك بعنايته في الأزل وفي عالم الذر وحينما كنت نطفة في المستقر والمستودع. والتوديع مبالغة في الوداع لأن من ودعك فقد بالغ في تركك «وَما قَلى ٣» وما أبغضك منذ أحبك واجتباك ولذلك قال ما ودعك لأن الوداع انما يكون بين الأحباب ومن تقر مفارقته قال المتنبي: حشاشة نفس ودّعت يوم ودعوا ... فلم أدر أي الظاعنين أودع مطلب نزول هذه السورة وبشارة الله اليه: أما الترك فلا يختص بالمحين وهذا من لطائف القسم، انه أقسم على انعامه على رسوله وإكرامه له، وهو يتضمن أيضا لتصديقه له على صحة نبوته وعلى جزائه في الآخرة بالحسنى، وقسم أيضا على النبوة والمعاد، وتقدم في بحث فترة الوحي سبب نزول هذه السورة فراجعه في أوائل سورة المدثر. وما قيل إنّ اليهود سألوا رسول الله عن الروح وذي القرنين وأصحاب الكهف وانه قال لهم سأخبركم غدا ولم يستثن لا حجة له لأن السورة مكية ومجادلة اليهود لحضرته واسئلتهم كانت في المدينة وكل ما وقع له معهم في قضية الروح وغيرها كان هناك. وما جاء في حديث خولة خادمة الرسول أن جروا دخل تحت سرير رسول الله ومات ولم تشعر به وأن الوحي انقطع بسببه أربعة أيام لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب أو تصاوير، ثم انها نفضت البيت فاخرجته ميتا وطرحته فأنزل الله هذه السورة، ورواية ابن

стр. 153

الكلبي بأن انقطاع الوحي خمسة عشر يوما، ورواية ابن جريح اثنى عشر يوما، وهناك روايات بخمس وعشرين وأربعين، عن ابن عباس والسدي، لا يوثق به كله، لأن أربعة الأيام لا تستوجب حزن النبي بالدرجة المار ذكرها في المدثر لا سيما وأن الوحي لم يحجم بعد، على أنه قد جاء في بعض الآثار أن حضرة الرسول قال لجبريل ما جئتني حتى اشتقت إليك فقال بل كنت إليك أشوق ولكني عبد مأمور وتلا قوله تعالى «وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ» الآية ٦٤ من سورة مريم الآتية وفي رواية أنه عاتبة فقال أما علمت أنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة؟ على أن هذه الآية لم تنزل بعد وعلى كل فلا مانع من تعدد الأسباب إذا قلنا بجواز ذلك كله يشرط أن يكون السائل كفار قريش على لسان اليهود كما سيأتي في الآية ٨٥ من سورة الإسراء الآتية والآية ٢٩ من سورة الكهف في ج ٢ والله أعلم بالصواب قال تعالى «وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ٤» وهذه بشارة عظيمة من ربه اليه بأن ما أعده له من المقام المحمود في الآخرة أحسن وأعظم مما إعطاء في الدنيا، روى البغوي عن ابن مسعود أنه ﷺ قال إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، ثم اقسم جل قسمه تطمينا لقلب حبيبه وإقرارا لعينه وقال «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ٥» من جزيل عطائه وجليل رضائه وعظيم مواهبه ومن الحوض المورود واللواء المعقود والشفاعة العظمى في اليوم الموعود وغيرها مما وعده به وهذا العطاء كائن لا محالة. روى ابن عباس أنه ﷺ عرض عليه ما هو مفتوح على أمته من بعده، فسرّ فأنزل الله هذه الآية بشارة له بأنه سيعطيه من النعيم الدائم في الآخرة ما لا يقاس بما أعطاه له ولإمته في الدنيا. ولما نزلت هذه الآية قال ﷺ لا أرضى وواحد من أمتي بالنار. وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه ﷺ رفع يديه وقال اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله يا جبريل اذهب إلى محمد واسأله ما يبكيك؟ وهو أعلم، فأتى جبريل وسأله فأخبره بما قال وهو أعلم، فقال: يا جبريل اذهب إلى محمد وقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك فيهم. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن

стр. 154

النبي ﷺ قال لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته واني اختبأت دعوتي شفاعتي لأمتي فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا. وهذه بشارة عظيمة لأمة محمد ﷺ وتأميل لهم بالنجاة هذا وان الله أعطاه في الدنيا النصر والظفر وكثرة الأتباع والفتوح في زمنه وزمن خلفائه واتباعهم ومن بعدهم وإلى يوم القيمة إن شاء الله وان ما وقع فهو من فترات الزمن وسيعيد الله التاريخ الناصع لهم إذ أحسنت الناس ظنها بالله واتبعت أوامره واجتنبت نواهيه وإلا لا. وليعلم ان الله تعالى أعلى رتبة محمد على سائر الأنبياء وجعل أمته خير الأمم وأعطاه في الآخرة الشفاعة الخاصة والعامة والفضيلة والوسيلة. قال حرب بن شريح سمعت جعفر بن علي يقول انكم يا أهل العراق تقولون أرجى آية في القرآن (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ) الآية ٥٣ من سورة الزمر في ج ٢ وإنا أهل البيت نقول ان أرجى آية في كتاب الله «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى» ولهذا البحث صلة في الآية ٨ من الإسراء الآتية. ثم شرع يعدد نعمه على نبيه فقال «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً» فاقد الأبوين صغيرا ووجد هذه وما بعدها بمعنى علم ويقال لفاقد الأب يتيم ولفاقد الأم عجي ولفاقدهما لطيم وكان والده ﷺ توفي بعد حمله بشهرين ثم توفيت أمه وهو ابن ست سنين «فَآوى ٦» جعل لك مأوى تأوي اليه بأن ضمك أولا الى جدك عبد المطلب الذي كان يقدمك على كل أحد ويفتخر بك ويتفرض بك الخير وبعد وفاته ضمك الى عمك أبى طالب فأحسن تربيتك وحماك من أعدائك وكفاك مؤنتك، فكنت كالدرّة اليتيمة التي لا نظير لها، فأيدك وشرفك ربك بالنبوة المشعر بها قوله جل قوله «وَوَجَدَكَ ضَالًّا» عاقلا عن الشرائع التي لا تهتدي إليها العقول قال تعالى «ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ» الآية ٥٣ من الشورى في ج ٢ أي خاليا من الهام النبوة غير عالم بمعالمها «فَهَدى ٧» أرشدك إليها وعرفك الشريعة التي أنزلها عليك وما يتعلق بها من أصول وفروع بما أنزله عليك من الوحي.

стр. 155

مطلب هدايته ﷺ ومعاملته اليتيم: ولا يقال انه ﷺ كان على ملة قومه استفادة من معنى «ضالا» فهداه للاسلام لأن سائر الأنبياء منذ يولدون ينشأون على التوحيد والأيمان وأنهم قبل النبوة وبعدها معصومون من الجهل بعصمة الله، يدل على هذا أنه لما سافر مع عمه أبي طالب ورأى بحيرا الراهب فيه علامة النبوة فاستحلفه باللات والعزى فقال ﷺ : لا تسألني بهما فو الله ما أبغضت شيئا كبغضهما ويؤكد هذا شرح صدره واستخراج العلقة منه وقول جبريل هذا حظ الشيطان منك وملأه حكمة وإيمانا. وقوله جل قوله (ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى) الآية ٢ من سورة النجم الآتية قال الزمخشري في كشافه: من قال انه كان على دين قومه أربعين سنة، فإن أراد أنه على خلوه من العلوم السمعية فنعم، وإن أراد أنه على دين قومه، فمعاذ الله، أما ما قيل انه ضل في شعاب مكة وردّه فرعونه أبو جهل، وأنه أركبه وراءه فلم تقم الناقة فأركبه امامه فقامت وقالت يا أحمق هذا الإمام، فكيف يكون خلف المقتدي؟ فكان ارجاعه الى جده على ما يدعوه كإرجاع موسى لأمه، أو أنه ضل في طريق الشام واقتاد ناقته إبليس فنفحه جبريل ورد ناقته الى طريقها، أو أنه ضل مرة أخرى في مكة فتعلق جده بأستار الكعبة وصار يتضرع الى الله بردّه فسمع مناديا لا تضجوا فان محمدا لا يضيعه الله ربه وأنه بوادي تهامة. فذهب إليه جده وورقة بن نوفل، فأتيا به من تحت شجرة يلعب عندها، أو أنه ضل عند مرضعته حليمة فهذا كله على فرض وقوعه حقيقة غير مقصود هنا لأنه من ضل الطريق إذا سلك غيره على أن إضلاله الطريق قد يؤدي الى المقصود المقدر من علم الله مثل إضلال سيدنا موسى الآتي في الآية ٣٠ من سورة القصص الآتية قال ابن الفارض: ما بين ضال المنحني وظلاله ... ضل المتيّم واهتدى بضلاله ولكن نفس الأضلال لا يستوجب أن يعده الله عليه نعمة بالصورة المذكورة لأنه يقع لكل واحد، وانما القصد والله أعلم هو ما ذكرناه في تفسير الآية لإن الهداية منه نعمة كبرى لا تحصل لبشر غيره ولن تحصل أبدا «وَوَجَدَكَ عائِلًا»

стр. 156

ذا عيال فقير ليس لك شىء «فَأَغْنى ٨» فيسر لك ما أغناك به عن الناس ولم يحجك الى أحد من خلقه إذ أرضاك بما أعطاك من القناعة التي وفرت في صدرك روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النّفس. وروى مسلم عن عبد الله بن عمر بن العاص أن رسول الله قال قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه. وما قيل أغناه بمال خديجة غير سديد لإن مال الزوجة لا يستوجب عده من قبل الله نعمة أما كونها وبنيها من عياله وبهم صار ذا عيال فنعم وما قاله بعض المفسرين بما أفاء عليك من الغنائم لا صحة له، إذ لا يوجد في مكة غنائم وانما كانت الغنائم والحروب في المدينة وهذ السورة مكية ولكنه ﷺ جبل منذ كان في مهده بإلهام من ربه على القناعة وفيه قيل: في المهد يعرب عن سعادة جده ... أثر النجابة ساطع البرهان ثم طفق بوصيه بقوله «فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ٩» لا تذله ولا تظلمه ولا تحقره ولا تعمل به عملا يوجب انزعاجه، وهذا لا يتصور من حضرة الرسول وانما نهاه ليتجنب الناس ظلم اليتيم على حد إياك اعني واسمعي يا جارة، وذلك لان قومه كانوا لا يورثون اليتيم ويغلبونه على ماله ويهضمون حقه روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد قال قال ﷺ أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما. وروى البغوي عن أبي هريرة قال قال ﵊ خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن اليه وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء اليه ثم قال أنا وكافل اليتيم هكذا ويشير بأصبعيه. مطلب عدم رد السائل واللطف باليتيم: «وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ١٠» لا تزجره إذا سأل ولا ترده إذا طلب ولا تمنعه إذا أراد من فضلك وابذل اليه مما عندك ولو قليلا ولا تردّ وجهه فيرجع صفر اليدين وإذا لم تجد ما تعطيه فرده بكلمة طيبة ردا جميلا من غير تقطب وجه قال ابراهيم بن أدهم، نعم القوم السؤّال يحملون زادنا الى الآخرة. وقال ابراهيم

стр. 157

النخعي، السائل بريدنا إلى الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول أتوجهون إلى أهلكم أي موتاكم شيئا، قال جرير: الله نزل في الكتاب فريضة ... لابن السبيل وللفقير العائل وقرىء فلا تكهر لغة أعرابية والاعراب حتى الآن يبدلون القاف القولي بالكاف الفارسي والكاف بالجيم الفارسي على أن تفشي هذين الحرفين لديهم يوقع في الخلد أنهما عربيان وضعا والله أعلم. وما قيل ان السائل هنا هو طالب العلم ليس بشيء، على أنه لا يجوز منع السائل عنه بل يجب عليه اجابته. هذا وقد عاتب الله رسوله في الفقراء في ثلاثة مواضع أحدها في ابن أم كلثوم إذ أنزل الله فيه مبادئ سورة عبس الآتية، والثانية فيما كلفته قريش بأن لا يجلس الفقراء معهم إذ أنزل قوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) الآية ٣٨ من سورة الكهف في ج ٢، والثالثة أن سائلا وقف ببابه وكان أمامه عنقود من التمر فسأل فأعطاه إياه فقام عثمان فاشتراه منه ووضعه أمام الرسول، فعاد وطلب فأعطاه إياه ثانيا، فعاد عثمان واشتراه منه، ثم عاد ثالثا فقال ﷺ أسائل أنت أم بائع، فأنزل الله هذه الآية «وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ١١» بها أداء لشكرها وأراد بالنعمة هنا والله أعلم النبوة التي شرفه بها فكل نعمة دونها، فأمره في هذه الآية أن يبلغ ما يوحيه إليه إلى قومه، وأن يتحدث بما فضله الله به، واعلم أنه كما يجب على العبد شكر نعم الخالق، ينبغي له أن يشكر نعمة المخلوق، روى جابر عن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: من أعطى عطاء فليجز به إن وجد، فإن لم يجد فليثن عليه، فإن من أثنى عليه فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور. أي الذي يقول فلان أعطاني كذا وفلان عمل لي كذا من حيث لم يعطه ولم يعمل له شيئا، وكذلك الضرّة إذا قالت لضرّتها إن زوجي فعل لي كيت وكيت من حيث لم يفعل. ولهذا قال ﷺ : المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبى زور- أخرجه الترمذي-

стр. 158

مطلب الشكر لله ولخلقه: عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: من لا يشكر الناس لا يشكر الله. وله عن أبي هريرة: الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر، وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن النعمان بن بشير صاحب معرة النعمان بين حلب وحماة قال: سمعت رسول الله على المنبر يقول: من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بالنعمة شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب. وورد أشكركم للناس أشكركم لله. هذا وبما أن هذه السورة نزلت بعد انحباس الوحي مدة، كبّر النبي ﷺ عند نزولها فرحا بنزول الوحي وإدغاما لما قاله المشركون فيه. كما مر في سورة المدثر، فاتخذ قراء مكة هذا التكبير عادة من هذه السورة إلى آخر القرآن بحسب ترتيب المصاحف وحتى الآن يكبرون بختام كل سورة منها الناس، وصيغة التكبير: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. أخرجه الحاكم وصححه ابن مردويه والبيهقي في الشعب من طريق أبي الحسن البزي البغوي قال: سمعت عكرمة بن سليمان يقول: قرأت على إسماعيل بن قسطنطين فلما بلغت والضحى قال كبر عند خاتمة كل سورة حتى تختم، فإني قرأت على عبد الله بن كثير، فلما بلغت والضحى قال كبر حتى تختم وأخبره عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك وأخبره أن ابن عباس أمره بذلك وأخبره أن أبي بن كعب أمره بذلك وأخبره أن النبي ﷺ أمره بذلك. هذا وما قيل إن هذه السورة هي الثالثة بالنزول لا صحة له بل هي الحادية عشرة كما أنها احدى عشرة آية، وما قيل إنها نزلت في العام الثالث من البعثة أو انها بعد فترة الوحي الطويلة لا يلتفت إليه، كما بيناه أول المدثر المارة ايضا فراجعها ففيها ما يركن إليه العقل ويسلم له العاقل ويرتاح له الضمير. هذا، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله على سيدنا محمد وأصحابه واتباعه صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين.

стр. 159

تفسير سورة الانشراح عدد ١٢- ٩٤ نزلت في مكة بعد الضحى، وقيل إنها نزلت متصلة بها، ولم يفرق بينها بالبسملة وليس بشيء، وهذا كالقول بأن سورة براءة نزلت متصلة بالأنفال وهو غير صحيح أيضا بل كل منها نزل على حدة، وقد ثبت بالتواتر أن سور القرآن ١١٤ سورة، فإذا جعلنا هاتين السورتين متصلتين ينقص العدد، وهو غير جائز وسنأتي على بيان هذا مفصلا في سورة قريش الآتية إذ قيل إنها نزلت متصلة بالفيل وفي سورة براءة في ج ٣، وهي ثماني آيات، ومثلها في العدد التكاثر والزلزلة والبينة والتين، وسبع وعشرون كلمة، ومائة وثلاثة أحرف، ويوجد في القرآن سورة أخرى مبدوءة بما بدئت به وهي الفيل الآتية، وسورة البينة بلم النافية دون همزة الاستفهام. وتسمى سورة الشرح وألم نشرح أيضا، لا ناسخ ولا منسوخ فيها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. قال تعالى: «أَلَمْ» استفهام تقريري لا يجاب إلا ببلى «نَشْرَحْ» نفسح ونشق «لَكَ» يا سيد الرسل «صَدْرَكَ ١» كي يحوي عالم الغيب والشهادة نوعهما فيهما، ولذلك صار لم يعقه التعلق بمصالح الخلق عن الاستغراق في شؤون الحق لما أودعنا فيه من العلوم والحكم حينما شقه أميننا جبريل فوسع هموم النبوة ودعوة الثقلين، وأزلنا عنك الضيق والخرج لتكون لين الجانب لا يستفزّك الغضب، وقد وقع له ﷺ الشرح فعلا ثلاث مرات. مطلب شرح صدره الشريف: المسألة الأولى عند ما كان عند ظئره حليمة، فقد روى مسلم عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه فاستخرجه واستخرج منه علقة فقال هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده إلى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه فقالوا إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه ممتقع اللون وسألوه فقص عليهم ما ذكر أنس، وقد كنت أرى أثر المخيط في صدره. والأخريان سنأتي على ذكرهما أول الإسراء الآتية خشية التكرار فراجعهما «وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ٢»

стр. 160

الذي سلف منك خطأ أو نسيانا أو سهوا، أو ما تظنه مستوجب السؤال عندنا نظرا لعلو مقامك ورفعة شأنك وخفّفنا أعباء النبوة عليك لتقوم بها دون تكلف فرفعنا عنك ذلك التكليف «الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ٣» حمله وأوهى قولك رزؤه وحططنا عنك كل ما تراه ثقيلا مما شرعناه على من قبلك. واعلم أنه إذا حمل هذا الوزر على حالته قبل النبوة فيكون المراد اهتمامه بأمور كان يفعلها قبل النبوة، إذ لم يرد عليه شرح بتحريمها فلما حرمت عليه بنزول الوحي عدّها أوزارا أثقلت عليه وأشفق منها، فوضعها الله عنه وغفرها له، وإذا حمل ذلك على حالته بعد النبوة، فيكون عبارة عن ترك الأفضل وما هو خلاف الأولى وما تركه أحسن من فعله على حد حسنات الأبرار سيئات المقربين. قال تعالى «وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ٤» على سائر الأنبياء والمرسلين قبلك، وقرناه بذكرنا. روى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه سأل جبريل عن هذه الآية قال: قال الله إذا ذكرت ذكرت معي، قال ابن عباس يريد الأذان والاقامة والخطب على المنابر. فلو أن عبدا عبد الله وصدقه في كل شيء ولم يشهد أن محمدا رسول الله لم ينتفع بذلك بشيء، وكان كافرا، قال حسان ﵁: أغر عليه للنبوة خاتم ... من الله مشهود يلوح ويشهد وضمّ الإله اسم النبي لإسمه ... إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجلّه ... فذو العرش محمود وهذا محمد وقرن طاعته بطاعته فقال: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) الآية ٥٩ من النساء ج ٥ وكررها معنى ولفظا في الآية ١٧ من الأحزاب و ١٤ من التوبة و ٣١ و ٣٢ من آل عمران وكررها في الآية ٨٠ من النساء في ج ٣ وقرن خوفه بخوفه، ورضاه برضاه، ومحبته بمحبته، وغضبه بغضبه، وهكذا قد ذكره الله في كتب الأنبياء، ولا يخفى أن حضرة الرسول إبّان بعثته كان مقلا مخفا من الأموال والمواشي وكانت قريش تعيره بالفقر حتى أنهم صاروا يقولون له عند ما يدعوهم إلى الله: إن كان بك طلب الغنى جمعنا لك مالا، فاغتم لذلك وظن إنما كذبه ت (١١)

стр. 161

قومه لفراغ ذات يده، وكان يحزن ويغتم لهذه الغاية لأنه منشرح الصدر بما هو فيه من فضل ربه ويراه غنيا إذ لا هم له في الدنيا ولا في أهلها إلا بغية إيمانهم قال ابن الفارض: وتعذيبكم عذب لديّ وجوركم ... عليّ بما يقضي الهوى لكم عدل فعدد الله عليه نعمه في هذه السورة تسلية لجنابه الشريف عما خامره من الغم ووعده الغنى فقال «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ٥» أي لا يحزنك قولهم فإن مع الشدة فرجا وإن لك مما تقاسيه مخرجا، ثم كرر الوعد تأكيدا وتمكينا فقال «إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ» الذي أنت فيه «يُسْراً ٦» قريبا بإظهاري إياك عليهم وإعلاء كلمتك وتقدير النصر لك حتى تغلبهم وتغنم ما عندهم، قال الحسن لما نزلت هذه الآية قال ﷺ : أبشروا فقد جاءكم اليسر لن يغلب عسر يسرين. وذلك لأنه جل ذكره كرر العسر بلفظ المعرفة، والمعرفة إذا كررت كانت غير الأولى، وكرر اليسر بلفظ النكرة والنكرة إذا كررت كانت غير الأولى، فصار يسران تجاه عسر واحد ولن يغلب الواحد الاثنين غالبا. وإنما قال أبشروا إذ كان نزولها على أثر تعيير المشركين المسلمين بالفقر فلا شك أنه ﷺ انشرح صدره بما رأى من عطف ربه عليه فأقبل على عبادته فقال له ربه «فَإِذا فَرَغْتَ» من دعوة الخلق «فَانْصَبْ ٧» لعبادة ربك، وداوم عليها واجتهد فيها «وَإِلى رَبِّكَ الذي أنعم عليك بما ذكر وما لم يذكر» «فَارْغَبْ ٨» في إجابة دعائك ورفع مقامك عنده وإظهار كلمتك لديه ينصرك على أعدائك، واجعل رغبتك في الله وإلى الله ومن الله وتضرّع اليه رغبة في جنته ورضاه ورهبة من ناره وعقابه، ولا تخل وقتا من أوقاتك دون عمل يرضيه فكلما فرغت من عبادة أتعبت نفسك فيها فاتبعها بغيرها وابتهل اليه فهو لا يردك. قال عمر بن الخطاب ﵁ إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللا لا في عمل دنياه ولا في عمل آخرته، السبهلل الذي لا شيء معه والعاطل الذي لا عمل له ومعناه الفارغ. ولا غرو أن يكون قعود الرجل من غير شغل أو اشتغاله بما لا يعنيه من أمور دنياه ودينه من سفه الرأي وسخافة العقل

стр. 162

واستيلاء الغفلة. أعاذنا الله من ذلك وحفظنا ووقانا، ومن الخمول حمانا، هذا ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت به هذه السورة والله أعلم، واستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وسلم وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين. تفسير سورة العصر عدد ١٣- ١٠٣ نزلت بمكة بعد الانشراح، وهي ثلاث آيات ومثلها في عدد الآي النصر والكوثر، وأربع عشرة كلمة وستون حرفا، ولا يوجد في القرآن سورة مبدوءة أو مختومة بما بدئت أو ختمت به. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. قال تعالى: «وَالْعَصْرِ ١» أقسم جل قسمه سبحانه بزمان رسوله كما أقسم بمكانه في سورة البلد الآتية تنبيها على أن زمنه أفضل الأزمنة ومكانه أشرف الأمكنة عدا البقعة التي ضمته فلا يوازيها بالشرف مكان، حتى قال بعض العلماء بأنها أفضل من عرش الرحمن ولم يعارضه أحد دلالة على اتفاقهم على هذه وإجماعهم على أنه أحب خلق الله اليه وأفضلهم، وانه عند ربه بمكان لا يوازيه مكان وقال ابن عباس المراد به الدهر وذلك لأنهم يضيفون النوائب والنوازل إليه فأقسم الله به تنبيها على فضله، وأن الله هو المؤثر فيه وان ما يحصل فيه كان بتقديره وقضائه. وهناك أقوال بأنه اليوم والليلة لأن العرب تعبر عنها به قال حميد بن ثور: ولم يلبت العصران يوما وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمّما وإنه الوقت المعلوم لأنه خلق الله آدم فيه ولأنه بمقابل الضحى حيث أقسم أوّلا بأول النهار فناسب أن يقسم بآخره، وأنه صلاة العصر لأنها على أكثر الأقوال أنها الصلاة الوسطى وانه زمان حياته ﷺ وما بعده إلى يوم القيامة، ومقداره بالنسبة لما مضى بمقدار العصر من اليوم والليلة روى البخاري عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ يقول إن بقاءكم فيمن سلف من قبلكم من الأمم كما بين صلاة

стр. 163

العصر إلى غروب الشمس. ولشرفه ﷺ وشرف أمته الذين فيه. قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) الآية ١٠٩ من آل عمران في ج ٣ وجواب القسم «إِنَّ الْإِنْسانَ» أي جنسة المشتمل على أفراده كلها «لَفِي خُسْرٍ ١) من عمره لأن كل ساعة تمر منه لا بد أن تكون في طاعة أو معصية فان في معصية فهي الخسران المبين وإن في طاعة فلعلّ غيرها أفضل منها وهو قادر على الإتيان بالأفضل فكان فعل غير الأفضل نقصانا وخسرانا، وقد ورد في الحديث ما منكم إلا ندم يوم القيامة إن كان محسنا ندم إن لم يكن ازداد وإن كان مسيئا ندم إن لم يكن أقلع. ولا دلالة في هذه الآية لقول من قال إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار لأن المستثنى محصور فيمن آمن وعمل صالحا لأنه لا دلالة فيها على اكثر من كون المستثنى في خسر ليس إلا، والخسر عام فيكون بالخلود إذا مات كافرا ويمطلق الدخول في النار إذا مات مؤمنا عاصيا فلا معنى للقول بان المستثنى ناسخ للمستثنى منه فيها كما لا منسوخ في المستثنى منه وهو «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» فهم مستثنون من الخسران لأنهم اشتروا الآخرة بالدنيا فربحوا وسعدوا وفازوا لاستبدالهم الفاني الخسيس بالباقي النقيس. وهذا اللفظ يشمل كل من اتصف بالايمان والعمل الصالح لا يختص بعلي كرم الله وجه أو سلمان الفارسي كما يتوهم من اقتصار ابن عباس عليها، على أنها من الطراز الأول في هذا المضمار كما وأنه لا يختص بمعنى الخاسر أبي جهل أو غيره من أضرابه، لأن اللفظ عام يدخل فيه كل من خسر الدنيا والآخرة وكل المؤمنين الذين يعملون صالحا «وَتَواصَوْا» عند الاجتماع والمفارقة فيما بينهم بان يوصي بعضهم بعضا «بِالْحَقِّ» في كل نوع من أنواعه ومنه القرآن وكل عمل خير «وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ٣» بسكون الباء وقوىء بكسر الباء بنقل حركة الراء إلى الباء في الوقف لئلا يحتاج القارئ إلى الإتيان ببعض الحركة في الوقف، ولا إلى أن يسكن فيجمع بين ساكنين وهي لغة شاذة ولكنها في دمشق مستفيضة، وكذلك في حلب، أن يوصي بعضهم بعضا عند الشدائد وغيرها بالصبر وعن المعاصي التي تشتاق إليها النفس الخبيثة

стр. 164

وعلى الطاعة التي يشق أداؤها حتى على النفس الطاهرة، قال تعالى (وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ) الآية ٢٤ من البقرة في ج ٣ وأين هؤلاء الأخيار والسادة الأبرار، وبالصبر على ما يبلو الله به عباده من المصائب، هذا وإن سعادة الإنسان في طلب الآخرة والإعراض عن الدنيا لأن الا نهماك فيها خسران عظيم، ولما كانت الأسباب الداعية لحب الدنيا ظاهرة والأسباب الداعية لحب الآخرة خفية، صار أكثر الناس يشتغل في دنياه ويستغرق في طلبها فخسر وبار وأهلك نفسه بتضييع عمره ونفاده في دنياه، فالسعيد من كان شغله الشاغل في آخرته وأجمل في طلب الدنيا قال ﷺ الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون وقال ﵇ اجملوا في طلب الدنيا (أي لا تنكالبوا عليها) فإن كلا ميسر لما خلق له وإن ما هو مقدر لك واصل إليك لا محالة راجع الحديث أول سورة القلم المارة، قال الشافعي ﵀ لو لم ينزل الله غير هذة السورة لكفت الناس لاشتمالها على علوم القرآن. وأخرج الطبراني والبيهقي عن أبي حذيفة قال كان الرجلان من أصحاب الرسول إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر. أي ليبقيا متيقطين. هذا، والله أعلم وأستغفر الله العلي العظيم وصلّى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وأصحابه أجمعين. تفسير سورة العاديات ١٤- ١٠٠ نزلت بمكة بعد العصر، وهي إحدى عشره آية وأربعون كلمة، ومائة وثلاثون حرفا، لا يوجد سورة مبدوءة أو مختومة بما بدئت وختمت به، لا ناسخ ولا منسوخ فيها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. قال تعالى «وَالْعادِياتِ) الخيل الغازية في سبيل الله تعدو عدوا سريعا وتضبح عند جريها «ضَبْحاً ١» هو صوت أجوافها قال ابن عباس ليس شيء يضبح سوى الفرس والكلب وأصل العاديات بالواو أي العادوات لأن فعلها واوي فقلب ياء لانكسار ما قبلها وضبحا مفعول مطلق وهو أنفاس الخيل عند العدو وقال علي كرم الله وجهه الضّبح من الخيل

стр. 165

الحمحمة وفي الإبل التنفس قال عنترة: والخيل تكدح حين تضبح ... في حياض الموت ضبحا «فَالْمُورِياتِ» الخيل التي توري النار بسبب اصطدام حوافرها في الأرض الصلبة تقدح «قَدْحاً ٢» يقال قدح فأورى إذا أخرج النار، وقدح فأصلد إذا لم يخرجها «فَالْمُغِيراتِ» الخيل التي تغير بفرسانها بسرعة الى مجابهة العدو «صُبْحاً ٣» لأن الناس في غفلة عن الاستعداد وكانوا يمدحون هذه الحالة وقيل فيها: قومي الذين صبحوا الصباحا ... يوم النخيل غادة ملحاحا وقال تعالى: (فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ) الآية ١٧٧ من سورة الصافّات في ج ٢ «فَأَثَرْنَ» هيجن تلك الخيل المغيرة «بِهِ» بحوافرها الموريات في الصباح الذي أغارت فيه «نَقْعاً ٤» غبارا علا المكان الذي مرزن فيه قال ابن رواحة: عدمت خيلنا ان لم تروها ... تثير النقع من كتفي كداء وقد حقق الله قوله يوم الفتح حيث دخلوها من كداء «فَوَسَطْنَ بِهِ» بذلك النقع الناشئ عن الاغارة «جَمْعاً ٥» أي صرن بعدوهن وسط الجمع من الأعداء. وقد أقسم الله بخيل الغزاة أتى هذا وصفها تنبيها لما فيها من المنافع الدينية والدنيوية. الأجر والغنيمة وأظهار الكلمة وإذلال الأعداء وتعظيما لشأن الغزاة وحثا لهم على الاقدام وعلى أقتناء الخيل ولهذا وردت أحاديث كثيرة في فضل رباطها منها قوله ﷺ الخيل معقود بنواصيها الخير الى يوم القيامة وقال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) الآية ٦ من الأنفال في ج ٣ وسيأتي ما ورد فيها عند تفسيرها إن شاء الله وجواب القسم قوله «إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ٦» كفور لنعمة ربه والكند الجحد قال: كنود لنعماء الرجال ومن يكن ... كنود لنعماء الرجال بعيد مطلب في وصف خيل الغزاة: وقال الفضيل بن عياض: الكنود الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان، وضده الشكور ... «وَإِنَّهُ» أي ذلك الإنسان الشامل لافراده لا يختص

стр. 166

به واحد دون آخر «عَلى ذلِكَ» الحال «لَشَهِيدٌ ٧» لأنه لم يظهر أثر أنعام الله عليه فقد كفرها فيكون لسان حاله شاهدا عليه دون لسان قاله وأعاد بعض المفسرين الضمير الى الله أي أن الله تعالى شاهد على جحوده، والأول أولى يؤيده قوله جل قوله «وَإِنَّهُ» أي جنس الإنسان قولا واحدا «لِحُبِّ الْخَيْرِ» المال، وأتى بهذا المعنى هنا، وفي قوله تعالى (إِنْ تَرَكَ خَيْراً) الآية ١٨١ من البقرة في ج ٣ أي مالا كثيرا ولا يجوز عود الضمير هنا الى الله إذ لا يجوز أن يوصف بقوله «لَشَدِيدٌ ٨» بخيل ممسك لاستحالته عليه تعالى ولأن الضمير راجع الى الجاحد في الجملة الاولى وهنا أيضا وأن اتساق الضمائر وعدم تفككها اولى عند الإمكان كما هنا، وجاء بكلام العرب شديد بمعنى بخيل ومن قول طرفة: أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى ... عقيلة مال الفاحش المتشدد وإذا لم يكن الرجل هشا منبسطا عند الإنفاق يسمى شديدا عبوسا ولهذا هدده الله وأوعده بقوله «أَفَلا يَعْلَمُ» هذا البخيل مغبة بخله «إِذا بُعْثِرَ» بعث «ما فِي الْقُبُورِ ٩» من الموتى واخرجوا من برزخهم وأبرزوا للحساب والجزاء وزيدت الراء في بعثر لأن قيامهم من القبور يكون بعد بعثرة اجزائهم وتفتتها كالتراب، وعبر عن المبعوثين بلفظ ما دون من ليعم الإنسان وغيره من سائر الحيوان «وَحُصِّلَ» أظهر وجمع «ما فِي الصُّدُورِ ١٠» من الخير والشر الكامن فيها وميز بينهما «إِنَّ رَبَّهُمْ» أي أولئك المبعوثون من أجداثهم «بِهِمْ يَوْمَئِذٍ» يوم إخراجهم من قبورهم يوم القيامة وأفرازهم عن بعضهم يوم يقول الله جل قوله: (وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) الآية ٥٩ من سورة يس الآتية «لَخَبِيرٌ ١١» بما عملوه في دنياهم لا يخفي عليه شيء منه فيجازيهم بحسبه وخص أعمال القلوب بالذكر دون الجوارح لأن أعمالها تابعة لها فلولا البواعث والواردات في القلب لما حصلت أعمال الجوارح، هذا وأن ما أخرجه البزار وغيره عن ابن عباس من أن رسول الله ﷺ بعث خيلا ولبث شهرا لا يأتيه خبر عنها فنزلت هذه السورة لا قيمة له إلا أن يقال تلاها حينذاك لأن هذه السورة مكية، وبعث السرايا لم يكن إلا

стр. 167

في المدينة بعد الهجرة فلا مجال للقول بصحته من جهة النزول أما التلاوة فنعم. هذا، والله أعلم، واستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين. تفسير سورة الكوثر عدد ١٥- ١٠٨ نزلت بمكة بعد العاديات وهي ثلاث آيات، وعشر كلمات، واثنان وأربعون حرفا، لا ناسخ ولا منسوخ فيها، ويوجد في القرآن أربع سور مبدوءة بما بدئت به هذه والفتح ونوح والقدر، ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت به ولم تكرر بالقرآن كله. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى: «إِنَّا» نحن إله السموات والأرض وما فيهما وما فوقهما وتحتهما «أَعْطَيْناكَ» يا أكمل الرسل «الْكَوْثَرَ ١» نهرا في الجنة يدعى بهذا الاسم روى البخاري ومسلم عن أنس قال بينما رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما فقلت ما أضحكك يا رسول الله قال أنزلت علي آنفا سورة فقرأ (إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ) إلخ قال: أتدرون ما الكوثر قلنا الله ورسوله أعلم: قال فإنه نهر في الجنة وعدنيه ربي ، خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد نجوم السماء فيختلج (أي يذاد عنه ويمنع) العبد منهم فأقول رب إنه من أمتي، فيقول ما تدري ما أحدث بعدك. وقد ذكرنا في تفسير الآية ٦ من سورة المزمل المارة أنها نزلت في اليقظة وأن حضرة الرسول حينما أغفى هذه الاغفاءة رأى نفس النهر الذي أخبره به ربه في هذه السورة فذكره لأصحابه ويؤيد هذا قوله في الحديث (آنفا) أي قبل الوقت الذي ذكر لهم الحديث عنه، لأن هذه اللفظة تفال على ما قبل المتكلم ويطلق الكوثر على الخير الكثير أي أن الله تعالى إعطاء خيرا كثيرا جزيلا في جملة نهر الكوثر، قالت عائشة: ليس أحد يدخل إصبعيه في أذنه إلا يسمع خرير ذلك النهر وهو على التشبيه البليغ وإذا كان كذلك وهو كذلك «فَصَلِّ» يا حبيبي وادع واذكر وتفرغ «لِرَبِّكَ» الذي رباك وأغدق عليك نعمه وأعزّك بعطائه وشرفك بانتسابك اليه وصانك من منن الخلق مراغما لقومك

стр. 168

الذين يعبدون غيري «وَانْحَرْ ٢» ما تذبحه من الأنعام لوجهي وباسمي مخالفا عادة قومك الذين يذبحون للأوثان ويذكرون أسمائها على ذبائحهم «إِنَّ شانِئَكَ» مبغضك «هُوَ الْأَبْتَرُ ٣» المنقطع عن الخير الذي لا يذكر بعد موته بخير ما والأبتر في عرفهم الذي لا عقب له. نزلت في العاص بن وائل إذ أطلق على حضرة الرسول لفظ الأبتر بسبب موت أولاده الذكور فرد الله عليه بأنه هو الأبتر المنقطع دابره وأنت الأعز الأشرف الذي يبقى ذكره مرفوعا لآخر الدهر، وقد ذكرنا عدم اتجاه قول من نسى هذه الصلاة وفي كافة السور التي نزلت قبل الاسراء بالصلاة المفروضة أو بصلاة العيد لأنهما لم يفرضا بعد ولم يكن في مكة صلاة عيد البتة والقول بأن السورة مدنية ضعيف مخالف لما عليه الجمهور وأضعف منه القول بأنها نزلت مرتين وأن تلاوتها عند وجوب صلاة العيد ونحر الضحايا لا يعني أنها نزلت ثانيا ولا مانع أن يقال أنها من المقدم نزوله على حكمه المار ذكره في الآية ١٠ من سورة الأعلى، واللفظ يحتمل ذلك وفيها من الأخبار بالغيب بأن الله تعالى بوسع على نبيه ﷺ ويكثر من النحر، وأنها ستكون صلاة تسمى صلاة العيد، وتكون بعكس ما تأخر حكمه عن نزوله كما في الآية ١٥ من سورة الأعلى المارة. وما قيل إنها نزلت في أبي جهل عند وفاة ابراهيم ابن حضرة الرسول لا صحة له لأن الخبيث قتل قبل وفاته على التحقيق لأنه من مارية القبطية وقد أهديت للرسول وهو بالمدينة. وكذلك القول بنزولها في أبي لهب غير صحيح للعلة نفسها وقد فندنا القول بنزول بعض القرآن مرتين من سورة الفاتحة المارة، هذا وهذه أقصر سورة في القرآن من حيث الآيات والكلمات وقد جرى على ألسنة بعض الجهلة (أقصر من سورة الكوثر) وهذا لا يجوز البته لأن القرآن عبره ومواعظه جليلة في قليله وكثيره، وهو انما أنزل ليعتبر ويتعظ به لا ليتمثل به فحسب مما هو غير لائق بجلالته راجع سورة الفيل الآتية تجد ما يتعلق بهذا البحث. هذا والله أعلم، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين وسلم كثيرا.

стр. 169

تفسير سورة التكاثر عدد ١٦- ١٠٢ نزلت بمكة بعد الكوثر، وهي ثماني آيات، وثمانية وعشرون كلمة، ومائة وعشرون حرفا، لا يوجد في القرآن سورة مبدوءة ولا مختومة بما بدئت وختمت به، لا ناسخ ولا منسوخ فيها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. قال تعالى «أَلْهاكُمُ» عاقكم وأخركم أيها الناس واشغلكم «التَّكاثُرُ ١» بالأموال والأولاد والمباهات والمفاخرة والتباري بالعدوان والمناقب والسمعة عن طاعة ربكم وإدامة ذكره وبقيتم في ذلك منهمكين معرضين عما ينجيكم من الآخرة «حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ ٢» أي متم ودفنتم فيها يقال لمن مات زار قبره أو رمسه، أي منعكم حرصكم على تكثير أموالكم عما يقربكم من ربكم إلى أن هلكتم. روى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال انتهيت إلى رسول الله وهو يقرأ هذه الآية فقال: يقول ابن آدم مالي، وهل لك من مالك إلا ما تصدقت فأبقيت وما أكلت فأفنيت وما لبست فأبليت؟! أخرجه الترمذي، وروى البخاري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله يتبع الميت ثلاث فيرجع اثنان ويبقي واحد، يتبعه ماله وأهله وعمله، فيرجع ماله وأهله ويبقى عمله، نزلت هذه الآية في بني عبد مناف وبني سهم بن عمرو كل يقول نحن أكثر سيدا وأعز عزيزا وأعظم نفرا وأكثر عددا حتى ان كلا منهم عد موتاه فكثر بنو سهم بني عبد مناف بثلاثة أبيات، فرد الله عليهم بلسان نبيه «كَلَّا» أي ليس التكاثر المحمود الذي يتنافس به المتنافسون بكثرة الأموال والأولاد ولكنه بالأعمال الصالحة، وما قيل إنها نزلت في الأنصار الذين تفاخروا بأحيائهم وأمواتهم لا يصح، وكذلك القول بأنها نزلت في طائفتين من اليهود غير صحيح لأن الأنصار واليهود في المدينة، ولم ينزل عنهما شيء في مكة وهي مع وجود السبب عامة، في كل من هذا شأنه، لما ذكرنا بأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ثم هدد الله المتكاثرين بقوله «سَوْفَ تَعْلَمُونَ» عاقبة هذا التباهي والتفاخر في برزخ القبر، إذا أنزل بكم الموت الذي هو خاتمة ايام الدنيا ومفتتح أيام الآخرة

стр. 170

«ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ٣» مخافة يوم الحشر والنشور، قال علي كرم الله وجهه كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت هذه السورة التي فيها هذه الآية فأيقنا، قال تعالى مكررا الردع والزجر تأكيدا لعظم ما يلاقونه عند البعث «كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ ٤» الحال الذي أنتم فيه بأنه زائل، وأن ما بين أيديكم لا ينفعكم نفعا دائما إذ لا يكون إلا بالعمل الصالح «عِلْمَ الْيَقِينِ ٥» كالأمور التي تتحقون صحتها وتتيقنون وقوعها لما ألهاكم تكاثركم ولأشغلكم خوف الآخرة وعذابها عن كل ما في الدنيا، راجع تفسير آخر سورة الواقعة الآتية، ثم أكد الإنذارات الثلاثة بالقسم وعزتي وجلالي «لَتَرَوُنَّ» أيها المتفاخرون المتكاثرون «الْجَحِيمَ ٦» بأبصاركم عيانا بعد الموت قبل الجزاء، وهي التي أوعدكم العذاب فيها على لسان رسله، ثم كرر القسم تشديدا للتهديد وتهويلا للأمر فقال عز قوله «ثُمَّ لَتَرَوُنَّها» أي الجحيم المذكورة «عَيْنَ الْيَقِينِ ٧» بالمشاهدة لاخفاء فيها، وهذا القسم من نوع الأقسام المضمرة التي تدل عليها اللام وقد يستدل عليها بالواو معنى كقوله تعالى (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) الآية ٧٥ من سورة مريم الآتية والأولى في القرآن كثير، وإن غالب الأقسام المحذوفة الفعل تكون بالواو وإذا ذكر حرف القسم أتى بالفعل كقوله تعالى (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ) الآية ٥٢ من سورة النور وقوله (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ) الآية ٧٣ من سورة التوبة في ج ٣ وإذا لم يوجد الفعل لا توجد الياء قطعا ولهذا أخطأوا عند قوله تعالى (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) الآية ١٢ من سورة لقمان في ج ٢، وقوله (بِما عَهِدَ عِنْدَكَ) الآية ١٢ من الأعراف الآتية (وقوله إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ) ١١٩ من المائدة في جزء ٣ ومن القسم. واليقين اعتقاد الشيء أنه كذا مع اعتقاد أنه لا يمكن إلا كذا اعتقادا مطابقا المواقع غير ممكن الزوال ثم كرر القسم التهديدي تأييدا للتأكيد فقال «ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ) يوم الحساب الذي سينال فيه كل أحد جزائه «عَنِ النَّعِيمِ» الذي شغلكم الالتذاذ به في الدنيا عن القيام بأمر الدين. روي عن ابن الزبير أنه قال لما نزلت هذه الآية قال الزبير ﵁ يا رسول الله وأي نعيم نسأل عنه وإنما هما الأسودان التمر والماء قال أما إنه سيكون

стр. 171

وروى البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ. ولهذا فسر بعضهم النعيم بالصحة والأمن وفسره بعضهم بما جاء في قول الشاعر: خبز وماء وظل ... هو النعيم الأجل جحدت نعمة ربي ... ان قلت اني مقلّ وقال الحسن هو ما سوى كنّ يؤويه، وأثواب تواريه، وكسرة تغذيه. والآية عامة في كل ما يطلق عليه اسم النعيم وسيأتي بحث معنى اليقين في الآية ٥٢ من سورة الحاقة وإن النعيم نسبي بحسب الأشخاص والأحوال والأمكنة. هذا، والله أعلم، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم على سيدنا. محمد وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين. تفسير سورة الماعون عدد ١٧ و ١٠٧ نزلت بعد التكاثر في مكة وهي سبع آيات، الثلاث الأول نزلت في مكة في العاص بن وائل والأربع الأخر نزلت في المدينة في عبد الله بن أبي بن سلول، وتسمى سورة أرأيت، ويوجد في القرآن خمس سور مبدوءة بهمزة الاستفهام هذه والإنسان والغاشية والانشراح والفيل، ولا يوجد سورة بسبع آيات إلا هذه والفاتحة، وهي خمس وعشرون كلمة، ومائة وخمسة وعشرون حرفا، لا ناسخ ولا منسوخ فيها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. قال تعالى «أَرَأَيْتَ» من رأي البصرية تنزيلا للمعقول منزلة المحسوس إشعارا بأن ذلك المعقول صار أمرا محققا لا شبهة فيه أي أأبصرت أيها العاقل هذا «الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ١» بعد ظهور دلائله ووضوح بيانه وقرىء أريت بلا همز بحمل الماضي على المضارع المطرد فيه حذف الهمزة «فَذلِكَ» المكذب الكافر هو الّذي «يَدُعُّ» يدفع بعنف وجفاء «الْيَتِيمَ ٢» عن حقه ويرده ردا قبيحا بزجرا وخشونة ليزيد في قهره «وَلا يَحُضُّ» مع ذلك الردع ولا يحث «عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ٣» فضلا عن انه

стр. 172

لا يطعمه هو فلو كان هذا يؤمن بالحساب والجزاء لما فعل ذلك وانما نزلت هذه الآيات في العاص المذكور لاتصافه بهذه الأخلاق الذميمة. وقيل إنها نزلت في الوليد بن المغيرة أو عمر بن عائد المخزومي وهي صادقة في كل من هذا ديدنه عامة إلى يوم الدين وهذه الآيات المدنيات التي نزلت بالمنافق المذكور آنفا وتشمل أضرابه الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ولا يتقيدون بأمور الدين إلا رياء وتقية فقال جل قوله «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ٤ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ٥» لا يلقون لها بالا ولا حرمة ولا يخشعون فيها خضوعا لربهم لأنهم يراءون بها رياء إذا حضرهم المؤمنون ويتركونها إذا غابوا عنهم لعدم اعتقادهم بها وعدم رجاء الثواب على فعلها وهذا شأن المنافقين كلهم فيما يتعلق بأمور الدين وقد نصحهم الله بقوله عز قوله «الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ ٦» الناس بجميع أعمالهم ولا يعملون شيئا خالصا لله فيدخلون أنفسهم في زمرة المصلين وطائفة المتصدقين وجماعة المتقين تقية وإلا فهم غافلون عن حقيقة الصلاة ولا يعلمون ماهية التقوى «وَيَمْنَعُونَ» مع ذلك كله أن يعيروا جارهم أو غيره «الْماعُونَ ٧» الذي من شأنه ألا يمنع كالقدر والدلو والقدحة والماء والملح والنار والبئر والتنور مما يتساهل الناس في طلبه واستعماله ولم تكرر هذه الكلمة في القرآن كله وفي هذه الآية حث على إعارة هذه الأشياء وشبهها وإباحة استعمالها وزجر عن منعها والبخل بمثلها لحقارتها وتفاهتها، لذلك قال العلماء يستحب للقادر أن يكثر في بيته مما يحتاجه الجيران ليعيرها ويتفضل عليهم بما فضله الله به ولا يقتصر على حاجته من ذلك قال انس والحسن الحمد لله الذي قال عن صلاتهم ولم يقل في صلاتهم لأن معنى أنهم ساهون عنها سهو ترك لها وقلة مبالاة والتفات إليها وهو فعل المنافقين الذين يجب الابتعاد عنهم. مطلب السهو بالصلاة ولزوم الخشوع فيها: معلوم أن السهو قد يعتريهم بوسوسة أو حديث نفس وهذا لا يخلو المسلم، منه حتى أن الرسول كان يقع منه سهو فيها لغيبوبته عن نفسه الطاهرة عما سوى الله تعالى وفيه قيل:

стр. 173

يا سائلي عن رسول الله كيف سها ... والسهو في كل قلب غافل لاهي قد غاب عن كل شيء سوه فها ... عما سوى الله فالتعظيم لله وليعلم أن الخشوع من واجبات الصلاة وعدمة يفضي الى التهاون بها فينبغي للمصلي أن يجتهد لاحضار قلبه فيها ويخطر فيه أنه واقف بين يدي الله فجدير به أن يكون خاضعا خاشعا له حاصرا فكره فيما يقرأه فيها من كلام الله ليؤديها بوجه كامل ولئلا يدخل في قول القائل: تصلي بلا قلب صلاة بمثلها ... يكون الفتى مستوجبا للعقوبة أما تستحي من خالق الملك أن يرى ... صدودك عنه يا قليل المروءة فعلى العاقل أن يعلم حين صلاته بين يدي من هو واقف، وليجتهد بإفراغ قلبه عما سوى الله، فيلازم الخشوع والخضوع والخوف ويتذكر وقوفه في موقف القيامة لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ولهذا البحث صلة في أول سورة المؤمنين في ج ٢، وليعلم أن الله لا يقبل عملا من قلب غافل لاه هذا، والله أعلم، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين. تفسير سورة الكافرون عدد ١٨- ١٠٩ نزلت في مكة بعد الماعون وهي ست آيات، ومثلها سورة الناس فقط، وعشرون كلمة، وأربعة وتسعون حرفا، ويوجد في القرآن خمس سور مبدوءة بما بدأت به هذه والجن والإخلاص والفلق والناس ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت به. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى: «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ١» أمر الله رسوله أن يخاطب الرهط من قريش الذين قالوا له يا محمد هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك بأن تعبد إلهنا سنة ونعبد إلهك سنة، وهم أناس مخصوصون، علم الله أنهم لا يؤمنون فأذن له أن يقول لهم «لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ٢» من الآلهة لأنها أوثان لا تضر ولا تنفع وهي من عمل البشر الذي هو من عمل الله ربي فمعاذ الله

стр. 174

أن أشرك به غيره. قالوا فاستلم لبعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك (الاستلام يكون باليد على طريق التبرك كاستلام الحجر الأسود» فلم يفعل وأنزل الله هذه السورة قال تعالى «وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ٣» لأنكم تعبدون الأوثان وأنا أعبد الرحيم الرحمن الواحد الذي لا شريك له ولا رب غيره «وَلا أَنا عابِدٌ» الآن ولا في المستقبل «ما عَبَدْتُّمْ ٤» من الأصنام وغيرها «وَلا أَنْتُمْ» الآن «عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ٥» ولعل الله أن يهديكم فيما بعد إذا أراد بكم خيرا، أما إذا بقيتم مصرين على ما أنتم عليه ولم تتابعوني إلى ما أرشدكم إليه في الدين القويم فأقول «لَكُمْ دِينُكُمْ» الذي تدينون به هو الإشراك بالله وعليكم وزره «وَلِيَ دِينِ ٦» الذي أدين به وهو الإخلاص لله وحده ولي أجره، ولم يقل ديني لأن الآيات قبلها مختومة بالنون، ويجوز حذف الياء بلا حاذف مثل قوله تعالى يهدين ويحيين ويسقين ويشفين من سورة الشعراء، وقوله (وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ) من سورة الفجر وما أشبه ذلك، فلما قرأها عليهم ايسوا منه وبادروا بأذاه، وقد سمى كفرهم دينا على حسب اعتقادهم، ولمشاكلة اللفظة وفي معنى الآية الأخيرة تهديد على حد قوله تعالى (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ) الآية ٢٠ من سورة فصلت في ج ٢ والتكرار في الجملة الاولى يفيد التأكيد وكلما كانت الحاجة ماسة إلى التأكيد كان التكرار أحسن ولا موضع أحوج منه هنا، وذلك لأن القرآن نزل بلسان العرب وعلى مجاري خطابهم، وبما أنهم كانوا وثنيين ينكرون البعث والتوحيد والنبوة فلا جرم أن التكرار لازم لهم لأجل التقرير، وقد تقربى في علم الاجتماع أن الدعوة تستدعي التأكيد والتكرار، وإذا تأملت في نظم القرآن وجدت أن ما ذكر موضوع منه لنكتة، لا يذكر في اخرى إلا لنكتة أخرى وإذا أمعنت النظر في قصة بدء الخليقة المكررة في مواقع كثيرة من القرآن عملت أنها في كل موقع لنكتة لا تجدها في الموضع الآخر كما سيتضح لك من إنعامك النظر فيما سيأتي من هذا القبيل إذا تذكرت وأبقيت هذا في فكرك. وأن العرب من مذاهبهم التكرار ارادة التوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار وارادة التخفيف ولا يجاز. روي أن

стр. 175

ابن مسعود دخل المسجد والنبي ﷺ جالس فقال له نابذ يا ابن مسعود، فقرأ هذه السورة في الركعة الأولى، ثم قال له في الركعة الثانية أخلص، فقرأ سورة الإخلاص، فلما سلم قال يا ابن مسعود سل تجب. وهذه السورة محكمة غير منسوخة لأن القصر المستفاد من تقديم المستند قصر إفراد حتما، لأن المعنى فيه أن دينكم هو الإشراك مقصور على الحصول لكم لا يتجاوزه الى الحصول إليّ، فلا تعلقوا فيه أمانيكم الفارغة فإن ذلك محال وان ديني الذي هو التوحيد مقصور على الحصول لما لا يتجاوزه الى الحصول لكم، لأن الله تعالى ختم على قلوبكم فلا تنالونه، وقد مر أنهم كفار مخصوصون سبق في علم الله عدم إيمانهم وهم على ما قيل قيس السهمي والعاص بن وائل والوليد بن المغيرة والأسود بن عيد يغوث والأسود بن عبد المطلب بن أسد وأمية بن خلف وأضرابهم كأبي جهل وأبي لهب الذين ماتوا وقتلوا على كفرهم. واعلم أن من الناس من يتمثل بالآية الأخيرة على معنى المتاركة وهو غير جائز لأن القرآن نزل ليتدبر ويعمل فيه لا ليتمثل به، راجع سورة الكوثر المارة وسورة الطارق الآتية لنقف على مثل هذا، وأعلم أن هذه السورة المبدوءة بلفظ قل يجوز قراءتها بغير قصد القرآن بلا لفظ قل، كأن يقول عند الخطاب يا أيها الكافرون، هو الله أحد، أعوذ برب الفلق، أعوذ برب الناس، لأن الخطاب فيها وإن كان لسيد المخاطبين ﷺ فهي عامة لجميع المؤمنين، أما قل أوحي فلا، لأنها خاصة بحضرة الرسول فقط لأن الله خاطبه بها ليقصها على الجن والإنس وإذا سأله قومه عما ذكر فيها يقول لهم إن الله تعالى أوحى إليّ بها، تأمل هذا، والله أعلم، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. تفسير سورة الفيل عدد ١٩- ١٠٥ نزلت بعد (الكافرون) بمكة وهي خمس آيات، وثلاث وعشرون كلمة، وستة وتسعون حرفا، لا ناسخ ولا منسوخ فيها، لأنها من الاخبار ولا يدخلها النسخ.

стр. 176

«بسم الله الرّحمن الرّحيم» قال تعالى: «أَلَمْ تَرَ» يا سيد الرسل رؤية علم لا رؤية بصر، لانه لم يحضر هذه الحادثة وكانت ولادته في سنتها «كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ ١» عجب الله نبيه لصنعه فيهم وعدم اعتبار كفار العرب الذين شاهدوا تلك الآية العظيمة التي أوقعها الله عليهم وبقيت أخبارها متواترة مستفيضة كأنها مشاهدة رأي العين إذ لا يستطيع أحد إنكارها لوقوعها سنة ٥٧١ من ميلاد عيسى ﵇ وذلك على ملأ من أهل مكة ومجاوريها وكثير منهم ان لم نقل كلهم رآها بأم عينه من غير نكير من أحد ما، ولهذا قال تعالى: «أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ» الذي كادوه وسعيهم الذي جاءوا من أجله لتخريب الكعبة «فِي تَضْلِيلٍ ٢» تضييع وخسران إذ لم يتمكنوا من تنفيذ ما صمموا عليه لأن الله تعالى أبطله باهلاكهم المبيّنة كيفته بقوله «وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ» عند ما وصلوا إلى حرم مكة وجزموا على دخولها وتخريب البيت ولم تنههم حرمثه وتعظيمه ولم يبالوا بسكانه وسدنته «طَيْراً أَبابِيلَ ٣» مثال الخطاف وهو جند من جنود الله صارت «تَرْمِيهِمْ» بما في منقارها وأرجلها «بِحِجارَةٍ» كأنها «مِنْ سِجِّيلٍ ٤» طين متحجر كالآجر أي اللبن المحرق بقصد اشتداد قوته وسمى سجيلا لأن سجيل علم للديوان الذي كتب فيه عذاب الكفّار كما سيأتي في سورة المطففين في ج ٢، أي أن تلك الطير رمت أبرهة وجيشه بعذاب من جملة العذاب المدون لأهل النار «فَجَعَلَهُمْ» ربك يا سيد الرسل «كَعَصْفٍ» زرع وتبن مهشم بوطئه «مَأْكُولٍ ٥» من الدواب ثم راثت به وفرقت أجزاءه، شبه تفرق القوم وتقطع أوصالهم بتفرق الروث بعد فتاته بجامع عدم الاجتماع في كل، أي أنهم صاروا كالروث ولكن لهجنته لم يذكره فجاء به بلفظ آخر يدل عليه على نمط الآداب القرآنية ليتعلم عباده التأديب عن مثلها، ولهذا ترى كثيرا من العارفين ينزهون ألسنتهم عن النطق بما يستهجن. مطلب آداب العارفين وقصة الفيل: وقد شاهدت شيخنا الشيخ بدر الدين الحسني شيخ دار الحديث بدمشق ﵀ حين سأله أحد تلامذته في شهر رمضان سنة ١٣٤٣ عن معنى القذرة إذ مرت ت (١٢)

стр. 177

لنا أثناء الدرس الذي كنا نتلقاه عنه، فقال هي مثل ونيم الذباب، فسأله عنه فقال كرجيع الكلاب، فسأله عنه فقال كخشي البقر، فسأله عنه فقال كزرق الحمام ولم يزل يسأل حتى قال له مثل بعر الغنم والإبل، والروث للحمار والفرس هو الغائط للانسان محاولا بذلك عدم النطق بلفظها المشهور. وأظن أن هذا الطالب أراد إلجاء الشيخ للنطق بها فلم يفلح، وما قيل إن الله سلط عليهم الجدري أو ردهم بما يشبه التسمم (ميكروب) ينافي صراحة الآية وحقيقتها. اللهم إلا أن يقال ان ذلك نشأ عن رميهم والله أعلم، وخلاصة قصة الفيل هي أن أبرهة الحبشي لما ولي اليمن ورأى الناس يتجهزون أيام الموسم لزيارة الكعبة المشرفة، بنى كنيسة في صنعاء ودعا العرب لحجها وكتب الى النجاشي بذلك، فسمع مالك بن كنانة فذهب إليها وتفوط فيها، وزعم مقاتل أن فئة من قريش أجّجوا نارا في يوم عاصف فهاجت الريح واضطرم الهيكل أي في البيعة المذكورة التي بناها أبرهة وسماها القليس، فاغتاظ أبرهة وعزم على هدم الكعبة انتقاما، فسار بجيشه نحوها وكان دليله أبو رغال الثقفي جد الحجاج فمات بالمغمس- محل قريب من مكة على طريق الطائف كان نزل به أبرهة بجيشه ودفن فيه- وصارت العرب ترجم قبره كلما مروا به جزاء لفعله حتى صار مثلا قال جرير: إذا مات الفرزدق فارجموه ... كرجم الناس قبر أبي رغال هذا، وما يقوله البعض من أن رمي الجمار الثلاث بمنى كناية عن رجم قبر المذكور، ليذوم ذكر فعله القبيح على ألسنة الناس فقد اخطأ، لأن الرمي في منى من المواضع التي تمثل بها إبليس عليه اللعنة لسيدنا ابراهيم ﵇ حينما ذهب بابنه إسماعيل ليقربه الى الله تصديقا لرؤياه، والرمي معروف قبل الإسلام وقبل ابرهة لأنه من شعائر الحج، وقبر أبي رغال ليس في محل الرجم في منى، بل هو على طريق الطائف للقادم منه الى مكة وقد أجمع الفقهاء والمحدثون والمفسرون عل هذا وسيأتي لهذا البحث صلة في الآية ١١٣ من سورة الصافات في ج ٢

стр. 178

والآية ٩٧ من آل عمران والآية ٢٥ من الحج في ج ٣ فراجعها ففيها الكفاية. على أن ما بين حادثة ذبح إسماعيل ﵇ وحادث ابرهة وموت أبي رغال ما يقارب الفين وثمنمئة سنة فأي عقل يقبل هذا، وأي عاقل يقول ان الرمي الذي أحدث من زمن الذبح أحدث عند موت ابي رغال، عليك بالمرجفين بإذا الجلال فانا أحلناهم إليك يا الله. هذا ولما دخل ابرهة حرم مكة عسكر بالمحصب بالشعب الذي مخرجه إلى الأبطح قريب من منى وأرسل الأسود بن مسعود فجمع نعم أهل مكة وأتى به اليه ثم أرسل حناطة الحميري ليخبر شريف مكة بأنه لم يأت لقتال بل لهدم الكعبة فقط فجاءه شريفها عبد المطلب بن هاشم جد محمد ﷺ فاحترمه أبرهة ونزل عن كرسيه وجلس معه على البساط لئلا يترفع عليه، ثم انه طلب من ابرهة أن يرد عليه الإبل قبل أن يفاتحه بأمر الكعبة فقال له ابرهة: زهدت فيك لأنك لم تطلب أولا الكف عن التعرض للبيت الذي هو شرفكم وعصمتكم وأعطاه الإبل لأنه يعلم أن مثله لا يرد، ولكن أثرت كلمة ابرهة فيه فقال له: إنك لا تستطيع أن تعمل شيئا في البيت لأن له ربا يحميه منك ومن غيرك، وبما أني رب الإبل طلبتها منك لقدرتك على إتلافها. ثم تركه وذهب إلى البيت وأخذ بحلقة بابه وقال: لا هم أن المرء بمنع رحله فامنع رحالك ... وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك لا يغلبن صليبهم ومحالهم أبدا محالك ... جرّوا جميع بلادهم والفيل كي يسبوا عيالك عمدوا حماك بكيدهم جهلا وما رقبوا جلالك ... إن كنت تاركهم وكعبتنا فأمر ما بدا لك ثم قال: يا رب لا أرجو لهم سواكا ... يا رب فامنع عنهمو حماكا إن عدو البيت من عاداكا ... امنعهمو أن يخربوا فناكا ثم انطلق إلى شعف الجبال ينظر ما الله فاعل بأبرهة وجيشه فأصبح ابرهة وقد تهيأ للدخول إلى مكة ووجه الفيل نحوها وكان نفيل بن حبيب الخثعمي رأس خثعم لما رأى ابرهة متوجها إلى الكعبة بذلك القصد، قاتله مع عشيرته فقهره ابرهة لكثرة عدده وعدده وأخذه معه أسيرا إلى مكة، ولما رأى الفيل توجه نحو الكعبة أخذ

стр. 179

بإذنه وقال له: أبرك أبا محمود وارجع راشدا فإنك ببلد الله الحرام، من حيث لم يعلم ابرهة بذلك، فألقى الله في قلب الفيل البروك، كما ألقى في قلب نفيل أن يقول له ذلك، فبرك واستعصى فضربوه بالمعاول فأبى التوجه نحو الكعبة فوجهوه نحو اليمن فقام يهرول، فوجهوه نحو الشمال فقام يهرول، ثم صعد نفيل إلى الجبل وتركهم يعالجون أمر الفيل فرأى طيرا كثيرا أقبل من نحو البحر، وغشي القوم وصار يرميهم بأحجار من منقاره ورجليه، فتصيب الرجل فتخرقه وتنزل إلى الأرض، ولم يزل ذلك الطير يرميهم حتى بدد الله الجيش بأجمعه وحمى حماه. قالوا إن الأحجار كانت ما بين العدسة والحمّصة وإن من هرب من الجيش عند ما صار الرميء من قبل الطير لم يهتد إلى الطريق فصاروا يصيحون نفيلا ليدلهم عليه فقال نفيل في ذلك: فإنك ما رأيت ولن تراه ... لدى حين المحضب ما رأينا حمدت الله إذ أبصرت طيرا ... وحصب حجارة تلقى علينا وكلهم يسائل عن نفيل ... كأن عليّ للحبشان دينا وقال نفيل وصاروا يتساقطون على الطريق ويهلكون. وأرسل الله على ابرهة داء فتساقطت أنامله ولم يصل إلى صنعاء إلا وهو مثل الطير فانصدع صدره عن قلبه ومات فيه، قال ابن الزبعرى: سائل امير الجيش عنا ما ترى ... ولسوف ينبي الجاهلين عليمها ستون الفا لم يؤبوا أرضهم ... بل لم يعش بعد الإياب سقيمها وقال أمية بن الصلت: إن آيات ربنا ساطعات ... ما يماري فيهن إلا الكفور حبس الفيل بالمغمس حتى ... ظل يعوي كأنه معقور فلما بلغ هذا عبد المطلب رفع رأسه إلى السماء وقال مخاطبا ربه : أنت منعت الجيش والأفياله ... شكرا وحمدا لك ذا الجلالة هذا وإنه جل شأنه لم يفعل ذلك لنصرة قريش لأنهم كانوا كفارا بل صيانة لبيته المعظم مما عزم عليه ابرهة، وتكريما لنبيه المكرم إذ ولد فيه إذ ذاك فهو

стр. 180

أول خير اتي قريشا منه. هذا وإن المغمس المذكور في شعر أمية آنفا دفن فيه أبو رغال المار ذكره، والمحصب الذي نزل فيه ابرهة دار بين مكة ومنى، عن يمينه غار ثور الذي تخبأ به حضرة الرسول وأبو بكر وقت الهجرة وعن يساره غار حراء الذي نزل أول وحي به، ووقعت حادثة الفيل فيه بعد موت أبي رغال. مطلب رمي الجمار بمنى: ورمي الجمار بمواقع مخصوصة في منى، فكيف تلوك بعض الألسن بما هو خلاف المحسوس، قاتل الله أهل السمعة الذين يريدون أن يعرفوا بالمخالفة على حد خالف تعرف. ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت به هذه السورة في القرآن العظيم هذا. وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلّى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. تفسير سورة الفلق عدد ٢٠- ١١٣ نزلت بمكة بعد سورة الفيل، وهي خمس آيات وثلاث وعشرون كلمة، وأربعة وسبعون حرفا، لا ناسخ ولا منسوخ فيها: «بسم الله الرّحمن الرّحيم» . قال تعالى «قُلْ» يا سيد الرسل إذا أردت أن تحترز مما تخاف وتحذر «أَعُوذُ» التجئ واعتصم «بِرَبِّ الْفَلَقِ ١» الّذي فلق ظلمة العدم بنور الإيجاد، والصبح بنور النهار، لأن الليل ينفلق عنه، قال ابن عباس الفلق سجن أو واد في جهنم تستعيذ منه أهل النار، وفيه إشارة إلى أن القادر على إزالة ظلمة الليل عن العالم بفلق الصبح، قادر على أن يدفع عن المستعيذ به ما يخافه ويخشاه، وخصصه بالتعوذ لأنه وقت دعاء المضطرين وإجابة دعوة الملهوفين «مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ ٢» ومن شر كل ذي شر وخاصة فتنة الدجال ومن النار، وإبليس وأعوانه من الجن والإنس لأنهم شر الخلق وفيه تنبيه على أن الذي فلق ظلمة العدم بنور الإيجاد، قادر على أن يجير المستعيذ به من شر خلقه المضلين والضالين «وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ» هو الليل عند اشتداد ظلمته وقد أمر
следующие страницы →