Полный текст (3 362 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
أهل السعادة فسيصير لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسيصير لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) الآية ٥ فما بعدها من سورة والليل المارة في ج ١، وقد ذكرنا ما يتعلق في هذا في سورة والعصر المارة في ج ١ فراجعه. هذا وهناك أقوال أخر في الاستثناء الآنف الذكر في حق الفريقين أعرضنا عن ذكرها لمضاربة بعضها لبعض فضلا عن كثرتها، وفائدة دفع توهم كون الخلود أمرا واجبا عليه تعالى لا يمكن له نقضه، وهو جل شأنه ما عليه واجب وغاية ما فيه إرشاد العباد إلى تفويض الأمور إليه تعالى وإعلامهم بأنها منوطة بمشيئته يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا حق لأحد عليه ولا يجب شيء عليه (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) الجملة من الآية المارة، فإذا شاء تعذيب أهل الجنة فعل وإذا شاء تنعيم أهل النار فعل، لا منازع له، له الخلق والأمر، ولا يبعد أن يكون هذا الاستثناء على نمط الاستثناء الذي ندب إليه الشرع في كل كلام على نحو قوله تعالى (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) الآية ٢٨ من سورة الفتح في ج ٣ استثناء في واجب وهو في حكم الشرط كأنه قيل إن شاء ربك فليس يحتاج أن يوصف بمتصل أو منقطع، وذكرنا في الآية ١٩ من الفرقان والآية ٧٢ من مريم المارتين في ج ١، دحض قول من يقول إن مرتكب الكبيرة يخلد في النار فراجعه، وقد أخرج الترمذي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال:
لما نزلت (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) قلت يا رسول الله فعلام نعمل على شيء قد فرغ منه أو على شيء لم يفرغ منه؟ قال بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر ولكن كل ميسر لما خلق له. وأخرج الترمذي والنسائي عن ابن عمر ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان فقال أتدرون ما هذان الكتابان قلنا لا يا رسول الله أما تخبرنا؟ فقال الذي بيده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وآبائهم وقبائلهم ثم أجملهم على آخرهم فلا يزداد فيهم ولا ينقص منهم أبدا، ثم قال الذي بشماله هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وآبائهم وقبائلهم ثم أجملهم على آخرهم فلا يزداد فيهم ولا ينقص منهم أبدا، ثم قال للذي بشماله هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وآبائهم وقبائلهم ثم أجملهم على آخرهم فلا يزداد فيهم
стр. 1227
ولا ينقص منهم أبدا، فقال أصحابه ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه فقال سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل ثم قال ﷺ بيده هكذا فنبذهما وقال فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة وفريق في السعير، وجاء في حديث آخر الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه وحمل معناه على ظهور الأمر للملك الموكل بالنطفة وإلا فالأمر قبل ذلك. واعلم أن في هذه الآية من أنواع البديع صفة الجمع مع التفريق والتقسيم، أما الجمع ففي قوله تعالى (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) فإن النفس كما تقدر عامة لكونها نكرة في سياق النفي وكل نكرة جاءت في سياق النفي تعم. وأما التفريق ففي قوله تعالى (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) وأما التقسيم ففي قوله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ) إلخ الآية (وَأَمَّا الَّذِينَ) إلخ، وعليه جاء قول الشريف القيرواني:
لمختلفي الحاجات جمع ببابه ... فهذا له فنّ وهذا له فنّ
فللخامل العليا وللمعدم الغنى ... وللمذنب العتبى وللخائف الأمن
وأمثاله كثير، هذا وقد جاءت الأفعال في الآية بالماضي مع أنها في الواقع مستقبلة إشارة إلى تحقيق وقوعها كما ذكرنا في مثلها غير مرة، قال تعالى «فَلا تَكُ» يا سيد الرسل «فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ» الكفرة من الأصنام «ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ» من الأوثان قبلهم وهو مستندهم في عبادتها لا غير لأن غاية ما يحتجون به هو أنهم رأوا آباءهم تعبدها فعبدوها فلا تنعب نفسك فيهم أو تشك في أمرهم «وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ» من العذاب تاما كاملا كما أوفيناه لأسلافهم «غَيْرَ مَنْقُوصٍ ١١٠» إذا أصروا على ما هم عليه على أنا سنوفيهم رزقهم الدنيوي كاملا أيضا ليستوفوا تمام أجلهم فيها وفي هذه الآية إشارة إلى مزيد فضل الله على عصاته إذ لم يقطع شيئا من رزقهم مع ما هم عليه من الكفر على أن معنى النصيب يدل على أن المقصود به رزق الدنيا لأنه مما يطلب ويراد والعذاب بمعزل عن ذلك ويؤكد هذا قوله تعالى (وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا) الآية ٧٦ من القصص المارة في ج ١، وقال بعض المفسرين: المراد بنصيبهم عذابهم في الدنيا
стр. 1228
والآخرة، قال تعالى «وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ» إذ صدق به بعض قومه وكذبه آخرون كما فعل قومك معك فلا تضجر من تكذيبهم فلك أسوة بمن قبلك «وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ» بتأخير العذاب عن منكري حقك لأجل معلوم عندنا محدود لا يبدل ولا يغير «لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» حال تكذيبهم وكذلك الأمم السابقة فقد أمهلوا لانقضاء آجالهم المعينة عندنا «وَإِنَّهُمْ» لا يزالون «لَفِي شَكٍّ مِنْهُ» بأنه أي القرآن بدليل سبق كتاب موسى ﵇ بأنه من عند الله منزل عليك أو أنهم في شك «مُرِيبٍ ١١١» من نزول العذاب بهم وقد أوقعهم هذا الشك في الرية بنزوله وتوهموا عدم صحته
«وَإِنَّ كُلًّا» من الفريقين المختلفين المصدق منهم والمكذب (والتنوين في كلا يسمى تنوين العوض لأنه عوض عن المضاف) «لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ» أي والله ليوفينهم جزاء أعمالهم فاللام فيه للقسم فيثبب المصدق الجنة والمكذب النار، ولما هنا بمعنى إلا مثلها في قوله تعالى في الآية ٤ من سورة الطارق المارة في ج ١ وهي (كل نفس لما عليها حافظ) وقرىء لما بالتنوين بمعنى جميع مثلها في قوله تعالى (أكلا لمّا) الآية ١٩ من سورة الفجر المارة في ج ١ أيضا، وقد تكون ظرفا بمعنى حين وعليه يكون المعنى وإن كلا حين يبعثوا ليوفينهم جزاء أعمالهم دون حاجة إلى الإثبات «إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ١١٢» لا يخفى عليه شيء من عملهم، وفي هذه الآية وعد وبشارة للمصدقين ووعيد وتهديد للمكذبين.
مطلب في الاستقامة والتقوى والورع وما يتفرع عنهما:
قال تعالى يا سيد الرسل «فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ» من الاستقامة التي أمرناك بها لا تعدل عنها قيد شعرة فهي طريق توفيقك لما وعدناك به من النصر والظفر وهذا أمر تأكيدي بطلب المثابرة والدوام على الحالة الأولى كقولك للقائم قم حتى آتيك، أي دم على ما أنت عليه «وَمَنْ تابَ مَعَكَ» وآمن بك وبما أنزل عليك، فعليهم أيضا أن يلازموا الاستقامة ويداوموا عليها. قال عمر بن الخطاب ﵁: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعلب.
стр. 1229
وروى مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: قل آمنت بالله ثم استقم. فالاستقامة كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل وسائر الأخلاق، كالتقوى فإنها كلمة جامعة لكل خير، وكالورع فإنها كلمة جامعة لكل بر، فالاستقامة تشمل العقائد والأعمال المشتركة بينه ﷺ وبين سائر المؤمنين، بل وبين الخلق أجمع، وتشمل الأمور الخاصة به ﵇ من تبليغ الأحكام والقيام بوظائف النبوة وتحمل أعباء الرسالة وغير ذلك، وقالوا إن التوسط بين الإفراط والتفريط بحيث لا يكون ميل لأحد الجانبين قيد عرض شعرة مما لا يحصل إلا بالافتقار إلى الله تعالى، ونفي الحول والقوة بالكلية، ومثلوا الأمر المتوسط بين ذينك الطرفين بالشيء الموجود غير المدرك الذي يكون بين ضوء الشمس والظل، فإنه ليس بشمس ولا ظل، بل هو أمر فاصل بينهما، ولعمري إن ذلك لدقيق، راجع الآية ٢٥ من سورة الفرقان في ج ١ ولذلك قالوا لا يطيق الاستقامة إلا من أيد بالمشاهدات القوية والأنوار السنية، ثم عصم بالتثبت بالحق. قال تعالى (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا) الآية ٧٥ من الإسراء في ج ١، وجعل بعض العارفين الصراط الذي هو أرق من الشعرة واحد من السيف إشارة إلى هذا النهج المتوسط، ومما يدل على شدة هذا الأمر ما أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية قال ﷺ شمروا شمروا، وما رئي بعدها ضاحكا. وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: ما نزلت على رسول الله ﷺ آية أشد من هذه الآية ولا أشق.
واستدل بعض المفسرين على عسر الاستقامة بما شاع من قوله ﷺ شيبتني هود.
كما أخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال شيبتني هود وأخواتها وما فعل بالأمم قبل. وذلك لأن مبنى هذه السورة على إرشاده تعالى شأنه نبيه ﷺ إلى كيفية الدعوة من مبدئها إلى آخرها، وإلى ما يعزى لمن تصدى لهذه المرتبة العظيمة من الشدائد، واحتماله لما يترتب عليه من الفوائد، وهي أي هذه السورة الجليلة جامعة لإرشاده ﷺ من مفتتح أمره إلى مختتمه، وهذه الآية كالفذلكة لها فحينما نزلت هذه السورة هاله ما فيها من الشدائد، وخاف من عدم
стр. 1230
القيام بأعبائها، حتى إذا لقي الله تعالى في يوم الجزاء ربما مسّه نصيب من السؤال عنها، فذكر القيامة في تلك السور أي هود وإخوتها كآل حميم وغيرها، يخوفه هولها لاحتمال تفريطه فيما أرشده الله تعالى له فيها، وقد كررت الجملة الأولى من هذه الآية في الآية ١٤ من سورة الشورى الآتية، وهذا لا ينافي عصمته ﵇ وقربه من ربه، لكونه الأعلم بالله والأخوف منه، فالخوف منها يذكره بما تضمنته هذه السورة، فكأنها هي المشيبة له من بينها، ولذا بدأ بها في جميع الروايات، ولما كانت تلك الآية فذلكة لها كانت هي المشيبة في الحقيقة والله أعلم. وسنأتي على تتمة هذا البحث في الآية الآتية إن شاء الله ثم خاطب جل خطابه الخلق أجمع بقوله «وَلا تَطْغَوْا» أيها الناس فتخرجوا عن حدود الله، ولا تعلوا في الدين أيها المؤمنون فتتجاوزوا عما أمرتم به ونهيتم عنه فتغلبوا ولا تخالفوا أيها الناس أوامر الله فتعصوه في شيء ما، ولا تنحرفوا بإفراط ولا تفريط، فكلاهما ذميم، وسماء الله طغيانا تغليظا أو تغليبا لحال سائر المؤمنين على حاله ﷺ «إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ١١٣» قال ابن عباس ما نزلت آية على رسول الله أشد عليه من هذه الآية، ولذلك قال شيبتني هود وأخواتها الحافة والواقعة والنبأ والغاشية والمرسلات وكورت وآل حم، لكثرة ما فيها من ذكر القيامة والبعث والحساب والجنة والنار. واعلم أن هذه الآية الكريمة تؤذن بوجوب اتباع المنصوص عليه من الأحكام الشرعية دون انحراف، وان أعمال العقل الصرفة بما يخالف المشروع طغيان وضلال، أما العمل بمقتضى الاجتهاد التابع لعلل النصوص الشرعية فهو من باب الاستقامة بمقتضى النصوص الآمرة بالاجتهاد.
مطلب الزجر عن مخالطة الظالم وأن الدين بين لامين والآية المدنية والصلوات الخمس:
قال تعالى «وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» أنفسهم بمخالطتهم، أي لا تميلوا أيها المؤمنون إلى الظالمين، ولا تحبوهم، ولا ترضوا بأعمالهم المؤدية إلى غضب الله ولا تطيعوهم فيما يخالف دينكم، فإنكم إن فعلتم شيئا من هذا «فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ» وتذيب أعضاءكم بحرها، لأن الركون إليهم رضا بأعمالهم التي قد تؤدي إلى الكفر،
стр. 1231
ولا شك أن الرضا بالكفر كفر، والمحبة للشيء إلحاق به. قال تعالى (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) الآية ٣٥ من التوبة في ج ٣، قال الحسن: جعل الله الدّين بين لامين (ولا تطغوا ولا تركنوا) . وقال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك، لأنهم يداهنونهم ويسكنون عن مظالمهم. وقال الأوزاعي ما من شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملا. وقال ﷺ : من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه. وسئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء، فقال لا، فقيل له إنه يموت، فقال دعه يموت. أي إن كان انقضاء أجله معلق على عدم إعطائه هذه الشربة فدعه يموت وإلا فلا يموت وله شيء في الدنيا حتى نسمة الهواء إلا يستوفيها، فقد جعله ﵀ أدنى حالا من أدنى حيوان، إذ النصوص الشرعية تقضي على من عنده ماء واحتاج للوضوء به وعنده كلب ظمآن بأن يسقي ما عنده من الماء ذلك الكلب ويتيمم بالتراب، إذ في كل كبد حراء أجر، وذلك اجتهاد من سفيان ﵁، وهو أن بقاء الحيوان لا ضرر فيه على أحد، وأن بقاء الظالم فيه ضرر، ولهذا رجح الحيوان عليه.
وروي عن الموفق أبي أحمد بن طلحة العباسي، أنه صلى خلف الإمام فلما قرأ هذه الآية غشي عليه، فلما أفاق قيل له ما بالك؟ فقال هذا فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالم نفسه! لذلك ينبغي هجرهم وعدم التزيي بزيهم، وعدم زيارتهم، لما فيها من تعظيم، وهو حرام، وينبغي لمن لا يخاف من شرهم أن يهبنهم ولا يجالسهم إلا لمعذرة شرعية، ولقضاء مصلحة من لا ناصر له. هذا، واعلم أن خطاب الله تعالى حضرة رسوله بهذين النهيين بعد الأمر بالاستقامة للتثبت عليها والتأكيد على ملازمتها لأنه من مقتضاها. والحث على الدوام والثبات عليها من واجبات المسلمين لبعضهم وعلى بعضهم، وانه يجب على كل فرد أن يتحلى بها في بيعه وشرائه، وأكله وشربه، ولبسه ومحبته، ومع أصحابه، وسائر معاملاته مع ربه وأهله والناس أجمعين، فإن الدين المعاملة أي حسنها وسلامتها من الشوائب، لأن المراد من جملتها عماد الدين حسن المعاملة، كما أن الدين النصيحة لله ولرسوله والناس أجمعين، لأن المعاملة والنصيحة جزء عظيم من أمور الدين لا معظمه، مثل الحج عرفة،
стр. 1232
لأن الوقوف بعرفات معظم الحج، وبغيره لا يسقط الفرض، بل هذا من قبيل الناس تميم، والمال الإبل، والطعام اللحم، إلى غير ذلك، فإذا تحلّى العاقل بالصفات المارة في معنى الاستقامة دخل في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) الآية ٣٠ من فصلت الآتية، فمثل هؤلاء يموتون ميتة سعيدة هنيئة، ويخاطبون ربهم دلالا، فيقولون له يا ربنا ما حال أولادنا بعدنا؟ فيقال لهم «نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا»
عليهم نتولاهم بذاتنا بعدكم «وَفِي الْآخِرَةِ»
نتولاكم وإياهم في جنتنا» (وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ)
من جميع الملاذ (وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ)
من كل ما تريدونه وتقر أعينكم به، قال تعالى «وَما لَكُمْ» إذا لم تستقيموا على الطاعة والعمل الصالح وتجتنبوا الطغيان والركون إلى الظلمة «مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ» يمنعونكم من عذابه إذا حل بكم في الدنيا والآخرة «ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ١١٤» أبدا ولا تظفرون بمطلوبكم ولا تفوزون بنجاح مهماتكم، ولا شك أن هذا الخطاب مقصود به المؤمنون كما ذكر آنفا، وأنه تغليظ أو تغليب لحال المؤمنين عليه ﷺ وإلا فهو معصوم من الطغيان ومن الركون إلى الظلمة والظلم كليته وجزئه.
وهذه الآية المدنية الأخيرة من هذه السورة قال تعالى «وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ» غدوة وعشية، فدخل فيها الصبح والظهر والعصر «وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ» أقرب ساعاته وزلف بمعنى قرب فيدخل فيه المغرب والعشاء «إِنَّ الْحَسَناتِ» التي أعظمها الصلوات الخمس «يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ» على اختلاف أنواعها بمنه وكرمه إذا شاء وأراد «ذلِكَ» إشارة إلى قوله استقم فما بعده «ذِكْرى» عظيمة لمن يتذكر وعظة كبيرة لمن يتعظ في مغزى الأمرين والنّهيين المارين وفيها نفع جليل «لِلذَّاكِرِينَ ١١٥» الله تعالى في جميع أحوالهم، لأن ذكر الله يمنع من مخالفته.
روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، وفي رواية أصاب منها كل شيء إلا الجماع، فأتى النبي ﷺ فذكر له ذلك فنزلت هذه الآية، وكانت هذه الحادثة في المدينة، فقال الرجل هو هو أبو اليسر الأنصاري يا رسول الله الي هذه الآية؟ قال لمن عمل بها من أمتي. وفي رواية قال رجل
стр. 1233
من القوم يا نبي الله هذه له خاصة؟ قال بل للناس كافة. وهذا مما يؤيد أن الأسباب لا تقيد الآيات فإنها وإن نزلت بمعين فمعناها يبقى عاما شاملا غيره.
هذا وما ذكرناه قبلا بمناسبة الآيات المدنيات بأنها كالعترضة قبلها وبين ما بعدها لا يمنع أن تشير إلى ما قبلها من الآيات كهذه، لأنها لم تأت إلا لمناسبة، وكذلك الآيات المكيات في السور المدنيات، وكذلك بين السور. وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن.
زاد في رواية: ما لم يغش الكبائر. وزاد في أخرى: ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر. وروى البخاري عن جابر قال: قال ﷺ مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات.
قال الحسن وما يبقى من الدرن. وروى الترمذي عن أبي ذر جندب بن جنادة وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال:
اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن.
وقال العلماء الصلوات والأعمال الصالحة تكفر الذنوب الصغائر، استنباطا من هذه الأحاديث. أما الآية فهي عامة للصنفين، إلا أن جمهور العلماء خصّوها بالصغائر، وقالوا أما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة النصوح. وسنأتي على ذكرها في سورة التحريم في ج ٣ إن شاء الله تعالى القائل «وَاصْبِرْ» يا أكرم الرسل على أذى قومك وما تلاقيه منهم وعلى القيام بما أمرت به من الاستقامة وأداء ما افترضته عليك، وأحسن لمن أساء إليك «فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ١١٦» لأنفسهم ولربهم بالإحسان إلى عباده والناس أجمعين، بل يجازيهم عليه جزاء حسنا وافيا. وانظر رعاك الله إلى بلاغة هذه الآيات الجليلة (وكل آياته جليلة، إلا أن بعضها أبلغ من بعض، كما أن منها الحسن والأحسن) راجع الآية ٥ من سورة يوسف والآية ٥٥ من الزمر الآتيتين، كيف أفرد بخطابه جل خطابه أوامر أفعال الخير لحضرة الرسول، وإن كانت في المعنى عامة له ولأمته، وجمع أوامر النهي لصرفها لامته تعظيما لشأنه وإجلالا لقدره، وكل منها يفيد المعنى المطلوب. قال تعالى «فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ» الذين أهلكناهم «مِنْ قَبْلِكُمْ» يا أمة
стр. 1234
محمد، وكلمة لولا للتحضيض وكذلك أخواتها لوما ولو وأما ولما وإذا وكلما، وكل منها يقيد الشرط ويحتاج للجواب، لكنها لا تجزم، وكلمات التحضيض كهذه تختص بالمضارع، وكذلك أحرف العرض كألا وأما، أما إذا كانت للتوبيخ والتذميم فتختص بالماضي كقوله تعالى (لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ) وقوله (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ) الآيتين ١٢/ ١٦ من سورة النور في ج ٣، وغيرها كثير في القرآن أما كلما ولما فلا تدخلان إلا على الماضي هذا واسم كان المارة «أُولُوا بَقِيَّةٍ» من فضل وخير وتقى ورأي سديد وعقل رشيد، وأطلقت البقية على هذه الألفاظ لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله فيصطفيه لنفسه ويدخره، ومن هنا يقال فلان من بقية القوم أي خيارهم، وعليه فسّر بيت الحماسة:
إن تذنبوا ثم يأتيني بقيتكم ... فما على مذنب عندكم فوت
ويقال في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا، وقرىء بقية على وزن صورة مصدر بقي يبقى كرضي يرضى بمعنى راقب وانتظر، وعليه يكون المعنى فهلا كان لهم ذو ابقاء لنفسهم وصيانة لها عما يوجب سخط الله وعقابه «يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ» ويقيمون العدل فيها لما أهلكناهم ولكن لم يكن فيهم جماعة من أولى النهى والدين ينهى عن الفساد، وفي هذه الآية تعجب من الله لرسوله وأمته بأن الأمم السالفة لم يكن فيهم من يزجر عن المعاصي ويحذر من عاقبة السوء، ومثل هؤلاء في عداد من قال الله تعالى فيهم (كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ) الآية ٧٨ من سورة المائدة ج ٣، ولو كان لرفعوا عن قومهم العذاب وإنما أهلكوا لعدم وجود من يأمر بمعروف وينهى عن منكر، وإيذان بأن أمة محمد ﷺ فيهم من يقوم بذلك، كيف لا وقد قال ﷺ : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله أي بقيام الساعة. ولهذا لم يهلكهم إهلاك الأمم المكذبة استئصالا «إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا» استثناء منقطع، أي لكن قليلا منهم وهم الذين آمنوا بالرسل أنجيناهم مع رسلهم، لأنهم كانوا عونا لهم في النهي عن الفساد وسائرهم تاركون له، ومن في قوله ممن للبيان لا للتبعيض، لأن النجاة للناهين وحدهم بدليل قوله (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ
стр. 1235
ظَلَمُوا)
الآية ١٦٥ من الأعراف في ج ١ «وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ» من النعم وترفهوا فيه من الشهوات وحب الرياسة، ورفضوا الأمر بالمعروف ونبذوا النهي عن المنكر، وأعرضوا عن حق الله فجعلوه ظهريا. والترف التوسع في النعمة، وقد يتعدى به إلى ما لا يحل، قال تعالى (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها)
الآية ١٦ من الإسراء في ج ١ «وَكانُوا مُجْرِمِينَ ١١٧» بعملهم ذلك فحكم الله عليهم بالعذاب لارتكابهم الجرائم وأعظمهم الكفر. قال تعالى «وَما كانَ رَبُّكَ» يا سيد الرسل «لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ» منه والتنوين للتفخيم والإيذان بأن إهلاك المصلحين ظلم عظيم ويراد منه تنزيه الله تعالى عن ذلك على أبلغ وجه، وإلا فلا ظلم منه أصلا فيما يفعله بعباده، كائنا ما كان لما علم مما مر من قاعدة أهل السنة والجماعة الملمع إليها في الآية ٩٢ من سورة يونس المارة وفي مواضع كثيرة في الجزء الأول.
مطلب لا يجوز نسبة الظلم إلى الله وأن الأمر غير الإرادة:
واعلم أنه لا يجوز نسبة الظلم إلى الله تعالى بوجه من الوجوه، لأن ذلك محال، قال صاحب الزبد:
وله أن يؤلم الأطفالا ... ووصفه بالظالم استحالا
لأن الكل ملكه ولا يعد المتصرف بملكه ظالما كيفما كان تصرفه «وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ١١٨» في أعمالهم ولكن يهلكهم لكفرهم وركوبهم المعاصي والإفساد فيها، وقال بعضهم إن الظلم هنا يراد به الشرك، وعليه يكون المعنى أنه لا يهلك أهل القرى بسبب الشرك الذي هو أعظم مناوأة للوحدانية إذا كانوا مصلحين في معاملتهم أنفسهم، وغيرهم، ويجرون الحقوق لأهلها، ويتحاشون مضرة أنفسهم ومضرة الناس، والواو في صدر الجملة للحال. واعلم أن المراد بالإهلاك على الوجهين عذاب الاستئصال في الدنيا، أما عذاب الآخرة فلا مناص منه، ومن هنا قال بعض الفقهاء إن حقوق الله مبنيّة على المسامحة إذ قد يشملها عفوه الضافي وكرمه الوافي، وحقوق العباد مبنية على المشاححة أي التضييق والتشديد. وعليه جاء المثل:
стр. 1236
الملك يبقى مع الكفر والمعاصي، ولا يبقى مع الظلم والجور. وهذان أي قول الفقهاء والمثل مأخوذان مما رواه الطبراني وابن مردويه وأبو الشيخ والديلمي عن جرير قال سمعت رسول الله ﷺ يسأل عن تفسير هذه الآية (وَما كانَ رَبُّكَ) إلخ، فقال: وأهلها ينصف بعضهم بعضا. وأخرج هذا الحديث ابن أبي حاتم والخرائطي في مساوئ الأخلاق عن جرير موقوفا، ولم أقف على صحته. قال تعالى «وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ» يا أكرم الرسل «لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً» على دين واحد وشريعة واحدة، لكنه جل أمره لم يشأ، كما أنه تعالى قال (وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها) الآية ١٣ من سورة السجدة الآتية، ولكنه لم يشأ أيضا، إذ لا يفعل أحد الطاعة إلا بمشيئته ورضاه، ولا يقدر على فعل المعصية إلا بمشيئته وقضاه، ولهذا قال «وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ» باعتقادهم أديانا شتى وشرائع مختلفة وعبادات متباينة «إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ» منهم، فإنهم يتفقون على دين واحد وعبادة واحدة وشريعة واحدة، كما يأمرهم نبيهم وكتابهم المنزل إليه من ربهم «وَلِذلِكَ» لأجل بقائهم مختلفين «خَلَقَهُمْ» ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير كما هو في علمه الأزلي، لأن الخلق من توابع الإرادة التابعة للعلم التابع للمعلوم في نفسه، والتعذيب والإثابة ليس إلا لأمر أفيض على المعذب والمثاب بحسب الاستعداد الأصلي، وربما يرجع هذا في الآخرة إلى أن التعذيب والإثابة اللذين هما من توابع ذلك الاستعداد الذي عليه المعذب والمثاب في نفسه، ومن هنا قالوا إن المعصية والطاعة أمّارتان على الشقاوة والسعادة لا مقتضيان لها، فيندفع قول القائل بأنه إذا كان خلقهم لذلك فلم يعذبهم، واستدل في هذه الآية على أن الأمر غير الإرادة، وأنه تعالى لم يرد الإيمان به من كل، وأن ما أراده سبحانه بحسب وقوعه، وقدمنا في الآية ١٢ من سورة يونس المارة ما يتعلق في هذا البحث فراجعه. وذكر بعض العارفين أن منشأ تشبيب سورة هود له ﷺ اشتمالها على أمره بالاستقامة على الدعوة مع إخباره بأنه سبحانه إنما خلق الناس للاختلاف، وأنه لا يشاء اجتماعهم على دين واحد، وقد حقت «وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ» على ذلك الوجه، ونفذ قضاؤه بالوعد للسعداء بالجنة، والوعيد للأشقياء
стр. 1237
بالنار، طبقا لما هو مدون في كتابه، وحق أمره بذلك، وهو قوله للملائكة أزلا وعزتي وجلالي «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ» الهاء فيها للمبالغة، وهي والجن بمعنى واحد، أما من قال إن الجن يقع على الواحد فتكون الجنة جمعا له ويكون من الجموع التي يفرق بين مفردها وجمعها بالهاء مثل كمأة فليس بشيء، لأن الحق أنه اسم جمع لا واحد له من لفظه والكمأة جمعها أكمؤ قال.
ولقد جنيتكم أكموء عساقلا ... ولقد نهيتكم عن نبات الأوبر
«وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» ١١٩ من عصاتهم كما سبقت كلمته بملء الجنة من تقاتهم لما علم شرعا أن العذاب والوعيد مخصوصان بالكافرين والمصرين على المعاصي بدليل قوله تعالى في الآية ١٨ من الأعراف المارة في ج ١ (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) . والنعيم والوعد مخصوصان بالمؤمنين لقوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جنات تجري) إلخ الآية ١٠ من سورة المائدة في ج ٣ وهي مكررة كثيرا في القرآن باللفظ والمعنى، والقرآن يفسر بعضه بعضا فما قيل إن ظاهر الآية يقضي بدخول الفريقين جهنم، قول واه يخالف آيات الله وأخبار رسوله التي لا تقبل التأويل والتفسير، وليس للرأي فيها مدخل، ولهذا البحث صلة في الآية ١٤ من سورة السجدة الآتية فراجعه. قال تعالى «وَكُلًّا» مفعول مقدم والتنوين للعوض عن المضاف إليه أي وكل نبأ «نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ» السالفين قبلك، وهو بيان لكلا ويبدل منها قوله تعالى «ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ» نقوي به قلبك لتصبر على أذى قومك وتتأسي بأخبارهم معهم ليسهل عليك تحمل أذاهم «وَجاءَكَ» يا حبيبي «فِي هذِهِ» السورة العظيمة كما جاءك في غيرها من القصص «الْحَقُّ» الواضح الصريح الذي لا يغير ولا يبدل وكل ما جاء في القرآن فهو حق ثابت، وخصصت هذه السّورة العظيمة كما جاءك في غيرها من القصص «الْحَقُّ» الواضح الصريح الذي لا يغير ولا يبدل وكل ما جاء في القرآن فهو حق ثابت، وخصصت هذه السّورة به تشريفا وتكريما «وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ» ١٢٠ جاء فيها أيضا، فإذا تذكر قومك أحوال الأمم السالفة وكيفة إهلاكهم وأسبابه واتعظوا وتذكروا وأخبتوا إلى ربهم
«وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ» من قومك وغيرهم، لأنك مرسل لجميع الخلق بمقتضى الآية ١٥٨ من سورة الأعراف المارة في ج ١ وما ترشدك إليه من الآيات على سبيل التهديد
стр. 1238
«اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ» حالتكم وما تتمكنون أن تعملوه، وهذا الوعيد تهكم بسوء عاقبتهم إذا بقوا مصرين على ما هم عليه على حد قوله تعالى (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ) الآية ٤٧ من سورة فصلت الآتية «إِنَّا عامِلُونَ ١٢١» دائبون على ما أمرنا به «وَانْتَظِرُوا» بنا ما تتصورونه أن يقع بكم من الدوائر «إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ١٢٢» ما يحل بكم من العذاب وينتقم منكم كما انتقم ممن قبلكم أمثالكم المكذّبين «وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» من كل ما يقع فيها وفوقها وتحتها، ومن كان كذلك فلا يخفى عليه شيء من أعمال من هو بينهما وأعلاهما وأسفلهما «وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» فيما يتعلق فيكم وفي غيركم، وعليه فلا بدّ من مصيركم إليه فينتقم من الكافر، وينعم المؤمن، ثم التفت إلى صفيّه محمد ﷺ فقال عزّ قوله وأنت يا أكمل الرسل «فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ» فهو كافيك وكافلك، وقد جاء في الحديث الشريف من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى. ولا شك أنه ﷺ متوكل على ربه حق التوكل، وإنما يراد منه الدوام والاستمرار، أي فداوم على ما أنت عليه يا سيد الرسل ولا تبال بالذين لا يؤمنون بك، ولا يضيق صدرك من تكذيبهم «وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ١٢٣» أنت ومن آمن بك وأمتك كلهم مؤمنهم وكافرهم، لأن أعمالكم جميعا يحصيها عليكم ويجازيكم عليها السيء بمثله والحسن بأمثاله. وفي هذه الآية إشارة إلى أن العبد غير الموفق غافل عن عمله لا يدري ما يفعل به، حتى إذا وقع أمر الله به انتبه فندم من حيث لا ينفعه الندم. أجارنا الله من ذلك. هذا والله أعلم، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين.
تفسير سورة يوسف عدد ٣- ٥٣ و ١٢
نزلت بمكة بعد سورة هود عدا الآيات ٢ و ٣ و ٧ فإنهن نزلن بالمدينة، وهي مئة واحدي عشرة آية، ومثلها في عدد الآي سورة الإسراء فقط، وألف وستمئة كلمة، وستة آلاف وستون حرفا، لا ناسخ ولا منسوخ فيها.
стр. 1239
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال تعالى «الر» تقدم ما فيه أول سورتي هود ويونس المارتين فراجعهما وما يرشدانك إليهما «تِلْكَ» الآيات المنزلة عليك يا سيد الرسل هي «آياتُ الْكِتابِ» الأزلي المدون في اللوح المحفوظ «الْمُبِينِ» ١ لكل شيء من علوم الدنيا والآخرة. وهاتان الآيتان المدنيتان من هذه السورة، قال تعالى «إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا» سمي بعض القرآن قرآنا لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير، وكما يطلق على الكل يطلق على البعض، ولا يرد ما قيل إن بعض كلماته أعجمية في الأصل على قوله عربيا كاليم والقسطاس وغيرهما، لأنها عربية قبل نزول القرآن والعرب يتكلمون بها قديما بما يدل على أن الأصل استعمالها في اللغة العربية والأعاجم أخذوها منها كغيرها من الكلمات المستعملة عندهم، راجع الآية ١٨٢ من الشعراء المارة في ج ١ تجد ما يتعلق في هذا البحث مستوفيا، وقد يكون بعضها من باب توارد اللغات كما يكون في الشعر أحيانا من باب توارد الخاطر، وسبب إنزاله باللغة العربية «لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» ٢ معانيه وتتدبرونها فتعلمون المراد منها، ولو أنزله بلغة أخرى لا حتججتم وتقدمتم بالأعذار من عدم فهمه وصعوبة تعلمه، فيا أكمل الرسل إنا «نَحْنُ» إله السموات والأرض «نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ» في هذه السورة قصة واقعة قبل زمنك مدونة في الكتب القديمة، ولكن كل ما نقصه في هذا القرآن أحسن مما قصصناه قبل وأوسع وأصح، لأن الكتب الموجودة لعبت فيها أيدي غير طاهرة فبدلت وغيرت فيها لذلك لا يعتمد على ما جاء فيها إذا كان مخالفا لما في هذا القرآن، وقد قصصناها عليك الآن كاملة لنقصها على قومك لما فيها من العبر والحكم، والنكت، والفوائد الدينية والدنيوية، وسير الملوك، والمماليك، والعلماء، ومكر النساء، والصبر على الأعداء وحسن التجاوز عنهم بعد اللقاء، والعفو عند المقدرة، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، بصورة مفصلة لم يعلمها غيرك، كما سنقص عليك في غير هذه السورة قصصا أخرى غير ما تقدم لتحيط علما بما كان وما سيكون من علمنا الأزلي. قال خالد بن سعداه: يتفكه أهل الجنة بسورة يوسف وسورة مريم وسماعهما يريح كل محزون. والقصص بفتح القاف اتباع الخير
стр. 1240
بعضه بعضا، وبالضم جمع قصة وهي الحكاية تذكر شيئا فشيئا، أي إنا نبين لك يا أكرم الرسل أخبار الأمم الماضية أحسن بيان، ولذلك قال أحسن القصص وكل قصص القرآن حسن، وفيه ما هو أحسن، قال سعد بن أبي وقاص: أنزل القرآن على رسول الله فتلاه على أصحابه زمانا، فقالوا يا رسول الله لو قصصت علينا، فنزلت هذه السورة. وقيل إن كفار مكة أمرتهم طائفة من اليهود أن يسألوا رسول الله عن السبب الذي أحل بني إسرائيل في مصر، فسألوه، فنزلت. وقيل قالت اليهود لمشركي مكة صلوا محمدا عن أمر يعقوب وقصة يوسف مع اخوته، وكانت عندهم بالعبرانية، فأنزل الله هذه السورة ليفهمها للعرب. وقدمنا في المقدمة أن القرآن منه ما نزل بسبب أو على سؤال أو حادثة، ومنه ما نزل بغير ذلك، فلا يشترط للنزول سبب، بحيث لم ينزل بشيء من القرآن إلا بسبب، تدبر «بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ» قبل نزوله وإيحائه إليك «لَمِنَ الْغافِلِينَ» ٣ عنه يا محمد وعما فيه من أخبار الأمم الماضية، وقصص الأنبياء، وكيفية الخلق مما لم يخطر ببالك أننا ننزل عليك وحينا ولم تتصور إخبارنا لك عن عجائب أخبار الأولين. وما في صدر الآية مصدرية، وإن مخففة من الثقيلة، واللام في لمن الفارقة بينها وبين ان النافية، انتهت الآيتان المدنيتان الأوليان.
قال تعالى واذكر يا محمد لقومك «إِذْ قالَ يُوسُفُ» وهو الكريم بن الكريم بن الكريم «لِأَبِيهِ» يعقوب بن اسحق بن إبراهيم ﵈ المتصل نسب سيدنا محمد ﷺ إليه وهو:
نسب كان عليه من شمس الضحى ... نورا ومن ضوء الصباح عمود
«يا أَبَتِ» بتاء التأنيث المعوضة عن ياء الإضافة لتناسبها، لأن كل واحدة منها زائدة في آخر الاسم، ولهذا تقلب هاء بالوقف، وجاز إلحاق تاء التأنيث بالمذكر كما في رجل ربعة، وكسرت التاء لتدل على الياء المحذوفة، ومن فتح التاء فقد حذف الألف في يا أبتاه، واستبقى ما قبلها كما فعل في حذف الياء في غلام، ومقول القول قوله «إِنِّي رَأَيْتُ» رؤيا منامية. واعلم أيها القارئ أنا سنأتي على هذه القصة تدريجيا بحسب نزولها ليكون أوقع في النفس وأقرب للفهم، وأخصر للفظ، وحذرا من تكرارها، فتدبرها تباعا من أولها في هذه الآية إلى آخر
стр. 1241
الآية ... منها «أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ» ٤» جمعها جمع من يعقل وقال رأيتهم ولم يقل رأيتها لأنه أخبر عنها بفعل العقلاء كقوله تعالى «يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ» الآية ١٨ من سورة النمل في ج ١ لتنزيلها منزلة العاقل، ومثل هذا كثير في القرآن حتى في الأصنام لهذه العلّة «قالَ يا بُنَيَّ» صغّره تعظيما له وشفقة عليه أو لعذوبة اللفظ وقال له «لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ» هذه الآن «عَلى إِخْوَتِكَ» فإن لها مغزى عظيما وأخاف إذا قصصتها عليهم أن يحسدوك عليها لما يتخيلون من معناها «فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً» عظيما يخشى عليك من عاقبته، أمره ﵇ بكتمان رؤياه، لأنه عرف من معناها أن الله تعالى يصطفيه لنبوته وينعم عليه في الدارين، وإن لها عاقبة حسنة، فحذرا من أن يتفرس إخوته بتأويلها فيغاروا منه فيحتالوا عليه فيهلكوا، لأنهم وإن كانوا عقلاء فلا يؤمن عليهم من اتباع وساوس الشيطان، لذلك قال «إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ» أراد جنسه ليشمل كل أفراده الأنبياء، فمن دونهم قبل نبوتهم، لأنه بعدها لا تأثير له عليهم لعصمتهم من قبل الله «عَدُوٌّ مُبِينٌ» ٥ عداوته لأنه لم يخفها منذ أظهرها لآدم ﵇، وإنما قال يا بني بالتصغير حنانا عليه ورأفة به، لأنه كان يحبه حبا مفرطا أوجب حسد إخوته له قبل الرؤيا، فإذا سمعوا هذه الرؤيا يزداد حسدهم ويفتح لهم الشيطان باب التزيين لإهلاكه. ولهذا خاف عليه من أن يبيّن لهم نتيجة محبة أبيه وما يؤول أمرهم منها، ويحسن لهم التخلص منه وبين لهم سبلها قبل أن يكبر فيعجزوا عنه ويسيطر عليهم.
مطلب في الرؤيا وماهيتها وما يفعل رائيها وفي الحواس العشرة:
روى البخاري ومسلم عن أبي قتادة قال كنت أرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول الرؤيا الصالحة من الله، والرؤيا السوء من الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يحبّ فلا يحدث بها إلا من يحب، وإذا رأى أحدكم ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثا. ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم وشرّها فإنها لا تضره.
стр. 1242
وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبّها فإنها من الله فليحمد الله عليها وليحدث بها (أي من يحب حملا للمطلق على المقيد لأن الحديث الأول قيد التحدث بها لمن يحبه الرائي) وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنها من الشيطان فليستعذ بالله من الشيطان ومن شرها، أي ويفعل كما فعل بالحديث السابق ولا يذكرها فإنها لا تضره. وروى مسلم عن جابر ﵁ قال إن رسول ﷺ قال إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثا وليتحول عن جنبه الذي كان عليه. لم نعرف نحن مدخلية البصق على اليسار والتحول عن الجنب الذي كان عليه لكن القائل يعرفه حق المعرفة لأنه لا ينطق عن هوى، فعلى العاقل أي يفعل ما أمره به نبيه وحبيبه ﷺ ، فهو سبب السلامة من المكروه الذي يراه، كما أن الصدقة سبب للوقاية في المال والجسم ودفع البلاء وأخرج الترمذي وأبو داود عن أبي ذر العقيلي قال قال رسول الله ﷺ رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءا من النبوة. وفي رواية من ستة وأربعين وهي على رجل طائر ما لم تعبّر، فإذا عبرت وقعت ولا نقصها إلا على وادّ وذي رأى.
وهذه الرؤيا التي تحتمل وجودها، فإذا عبر بأحدها وقع والله أعلم. وقدمنا أول الإسراء في ج ١ والآية ١٤٢ في الأعراف في ج ١ أيضا، وفي الآية ٩٤ من سورة يونس المارة ما يتعلق بهذا البحث فراجعه ترشد إلى المواقع المتعلقة في هذا البحث وفي رؤية الله أيضا ونزيدك هنا إيضاحا، فاعلم رعاك الله ان حقيقة الرؤيا خلق الله في قلب المؤمن النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، وجعلها علما على أمور أخرى يجعلها في ثاني الحال وهو يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا يقظة، وماهيتها عبارة عن ارتسام صورة المرأى وانتقاشها في مرآة القلب في النوم، فيحتفظ بها المؤمن بعد اليقظة، راجع الآية ٦٠ من سورة الإسراء في ج ١. واعلم ان الحواس ظاهرة وباطنة، فالظاهرة خمس:
السمع والبصر والشم والذوق واللمس، والباطنة خمس أيضا: المفكرة والذاكرة والحافظة والمخيلة والواهمة والحس المشترك، وتسمى هذه الحواس والحس المشترك
стр. 1243
المعدود في الباطنة قوى، ويسميها المناطقة والمتكلمون العقول العشرة، ولكل واحدة منها كوكب يضيء يدرك به معنى يناسبه سواء في اليقظة أو في النوم.
وقال علماء الصوفية الرؤيا من باب العلم ولكل علم معلوم، ولكل معلوم حقيقة، وتلك الحقيقة صورته، والعلم عبارة عن وصول تلك الصورة إلى القلب وانطباعها فيه، سواء كان في النوم أو في اليقظة، فلا محل له غير القلب، ولما كان عالم الأرواح متقدما في الوجود والمرتبة على عالم الأجسام، وكان الإعداد الرباني الموصل إلى الأجسام موقوفا على توسط الأرواح بينها وبين الحق، وتدبير الأجسام مفوض إلى الأرواح وتعذر الارتباط بين الأرواح والأجسام للمباينة الذاتية الثابتة بين المركب والبسيط، فإن الأجسام كلها مركبة والأرواح كلها بسيطة، فلا مناسبة ولا ارتباط بينهما، وما لم يكن ارتباط لا يحصل تأثير ولا تأثر، ولا إمداد ولا استمداد، فلذلك خلق الله تعالى عالم المنازل برزخا جامعا بين عالم الأرواح وعالم الأجسام ليصبح ارتباط أحد العالمين بالآخر، فيتأتى حصول التأثير والتأثر ووصول الامداد والتدبير، وهكذا شأن روح الإنسان مع جسمه الطبيعي العنصري الذي يدبره ويشتمل عليه علما وعملا. ولما كانت المباينة ثابتة بين روح الإنسان وبدنه، وتعذر الارتباط الذي يتوقف عليه التدبير ووصول المدد اليه خلق الله تعالى لنفسه الحيوانية برزخا بينهما أي بين البدن والروح المفارق، فنفسه الحيوانية في ميزاتها قوة معقولة، فهي بسيطة تناسب الروح المفارق، ومن حيث انها مشتملة بالذات على قوى مختلفة متكثرة منبئة في أقطار البدن متصرفة بتصرفات مختلفة ومحمولة أيضا في البخار الضبابي الذي هو في التجويف الأيسر من القلب الصنوبري يتناسب المزاج المركب من العناصر. فحصل الارتباط والتأثير والتأثر وتأنى وصول المدد، فإذا علمت ما وضحناه لك أعلاه فأعلم أن القوى الخيالية التي في نشأة الإنسان من كونه نسخة من العالم المثالي المطلق كالجزء بالنسبة إلى الكل وكالجدول بالنسبة إلى النهر الذي هو مشروعه، وكما أن طرف الجدول الذي يلي النهر متصل به فكذلك عالم الخيال الإنساني من حيث طرفه الأعلى متصل بعالم المثال، والمثال نوعان مطلق ومقيد، فالمطلق ما حواه العرش المحيط من جميع
стр. 1244
الآثار الدنيوية والأخروية، والمقيد نوعان: نوع مقيد بالنوم، ونوع غير مقيد به مشروط بحصول غيبة أو فتور عما في الحس، هذا وأول ما يراه الأنبياء ﵈ الصور المثالية في النوم والخيال في اليقظة، ثم يترقّبون إلى أن يروا الملك في المثال المطلق والمقيد يقظة مع فتور في الحس وكونهم مأخوذين عن الدنيا عند نزول الوحي، إنما هو مع بقاء العقل والتمييز ليس إلا، ولهذا لم ينقص وضوءهم لأنهم ﵈ تنام عيونهم ولا تنام قلوبهم، كما جاء عنه ﷺ في الصحيح، وهذه ميزة اختص بها الله أنبياءه دون سائر البشر، كما خصهم بالرسالة والنبوة، فلا مجال لقول بذلك والسؤال عن السبب فيه، لأنه من أفعال الله تعالى وأن أفعاله لا تعلل، وإنما لم تنم قلوبهم تبعا لأعينهم مثلنا لأن بواطنهم متحلية بصفات الله متخلقة بأخلاقه، مطهرة من أوصاف البشرية من كل ما فيه نقص ظاهر بالإضافة إلى ذروة الكمال، فضلا عن كل ما يذم لأنه عجز وضعف وآفة، ولو حلّت الآفة قلب النّبي الذي هو عمود بدنه الشريف لجاز أن يحل فيه سائر الآفات الأخرى، من توهم في الوحي والغفلة عنه والسّآمة منه وفزع يمنعه عن واجب عليه، وحاشاهم من ذلك، وقد ذكرنا قبلا في مطلع هذا البحث أن الرؤيا عبارة عن اعتقادات يخلقها الله تعالى في قلب النائم، وأن تلك الاعتقادات تكون علما على أمور أخر يخلقها الله في ثاني الحال أو حال اليقظة، والحال الأول هو النوم وهذا قول الإمام محي الدين النووي ﵀ نقلا عن المازني، وتتمته فما يكون علما على ما يسر يخلقه الله تعالى بغير حضرة الشيطان، وما كان علما على ما يضرّ يخلقه بحضرته أي عند الرائي فيسمى الأول رؤيا وتضاف اليه تعالى اضافة تشريف، ويسمى الثاني حلما وتضاف الى الشيطان كما هو الشائع من إضافة كل مكروه إليه، وإن كان الكل من الله تعالى. وهذا معنى ما جاء فى قوله ﷺ الرؤيا من الله والحلم من الشيطان لأن الرؤيا اسم للمحبوب، والحلم للمكروه، ولهذا لا ينبغي أن يقول رأيت حلما بل رؤيا. وقال المحدثون إذا كانت الرؤيا صادقة فهي أحاديث الملك الموكل به أي النائم، وإن كانت كاذبة
فهي وساوس الشيطان والنفس، وقد يجمع بين قول المحدثين وقول المازني الذي نقله النووي بأن القصد من أنها اعتقادات إلخ أي اعتقادات تخلق
стр. 1245
بواسطة الملك أو وسوسة الشيطان مثلا، وقد تكون الرؤيا مما يحوك في صدر الرائي قبل النوم من أمور الدنيا والآخرة، فتنطبع له بمثال خيالي في نومه. واعلم أن المسببات في المشهور عن الأشاعرة مخلوقة له تعالى عند الأسباب لا بها، تدبر. وقال الفلسفيون الرؤيا انطباع الصور المنحدرة من أفق القوة المخيلة إلى الحس المشترك، فالصادقة منها إنما تكون بالملكوت لما بينهما التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ فتتصور بما فيها مما يليق بها من المعاني الحاصلة هناك، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبها فترسلها إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة، ثم إن كانت المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية استغنت عن التعبير وإلا احتاجت إليه. واعلم أن الرؤيا كالرؤية من حيث الرسم، والمعنى على القول الصحيح، إلا أن منهم من خص الأولى بالنوم والثانية باليقظة وجعل الفرق بينها، حرفي التأنيث كالقربى والقربة، وذكرنا أول سورة الإسراء أن كلا منهما يطلق على الآخر فلا فرق بينهما، وفيه تعليل نفيس فراجعه، قال تعالى «وَكَذلِكَ» أي مثل ما اصطفى الله غيرك من الأنبياء «يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ» في الدنيا لإرشاد عباده وفي الآخرة لقربه في نعيم الجنان مما رفع منزلتك في هذه الرؤيا، واجتباء الله تعالى للعبد اصطفاؤه له وتخصيصه بفيض إلهي يحصل له منه أنواع المعجزات أو الكرامات بلا سعي منه، وهذا لا يكون إلا للأنبياء ومن يقاربهم من الصديقين العارفين «وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ» التي يرونها الناس في منامهم بحيث يلقى ما تؤل به في قلبك، فكان ﵇ أعلم الناس في تأويل الرؤيا وإنما خصه الله تعالى بهذه الزيادة على عيره ممن تقدمه من الأنبياء، كما خصّ كثيرا من أنبيائه بخصائص متباينة، فالتي خصّها بهذا لم يعطها لغيره راجع الآية ١٤ من سورة النمل في ج ١ لأن خلاصه من السجن مقدر على تعبيره رؤيا الملك الآتية كما هو مقدر في سابق علمه «وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ» الدنيوية التي نبشرك بها في الرؤيا «عَلَيْكَ» بنعمته الأخروية فيكمل لك نعمة النبوة ونعمة الملك في الدنيا ونعمة النعيم وتجلي المنعم في الآخرة «وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ» من أهله ونسله يتمها أيضا عليهم «كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ» يعقوب «إِبْراهِيمَ» حيث خلصه
стр. 1246
من الإحراق وشرفه بالنبوة واتخذه خليلا وفدى ولده إسماعيل من الذبح «وَإِسْحاقَ» إذ أخرج من صلبه يعقوب ومن صلب يعقوب الأسباط الاثني عشر الذين أنت أجدهم وشرفهم بالنبوة ومنّ على أبيهم فجعله أبا الأنبياء كلهم من بعد نوح «إِنَّ رَبَّكَ» الذي رباك وحفظك مما قدره عليك «عَلِيمٌ» بمن يستحق الإعطاء والاصطفاء «حَكِيمٌ ٦» يضع الأشياء مواضعها، ولا يفعل شيئا إلا بحكمة وعن حكمة لحكمة وفي حكمة، وقد حقق الله تعالى لسيدنا يوسف ذلك، إذ تاب عليهم بعد فعلتهم به، وحفظه منهم بعد أن هموا بقتله، وردّه على أبيه بعد أن قارب قلبه اليأس منه وخلصهم جميعا من قشف البداوة وجعل فيهم الملك والنبوة، وهذه الآية المدنية الثالثة من هذه السورة.
مطلب الآية المدنية، وأسماء أخوة يوسف وأسماء الكواكب والكيد ليوسف منهم:
قال تعالى «لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ» أي في خبرهم وقصتهم معه وهم شمعون ولاوى ويهوذا وزلبون ويشجز من ليّا زوجته يعقوب الأولى بنت ليّان بنت خاله ودان وتفتوتا وجاد واستين من جاريته زلفه وبلهة ويوسف وبنيامين من راحيل أخت ليا. وأسماء الكواكب التي رآها في منامه هي: ١ أجريان ٢- والطارق ٣- والدنيال ٤- وقابس ٥- وعمودان ٦- والفليق ٧ والصبح ٨- والضروع ٩- والفرخ ١٠- ووثاب ١١- وذو الكتفين. وهم كناية عن أخوته الأحد عشر المار ذكرهم، والشمس والقمر عن أمه وأبيه، وكان بين مبدأ الرؤيا وتحقيقها أربعين سنة، إذ كان عمره حين الرؤيا اثنتي عشرة سنة، وحين الإلقاء في البئر سبع عشرة سنة، وحين الخروج ثماني عشرة سنة، وحين الخروج من السجن أربعين سنة، إذ أدخل فيه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ومكث في بيت العزيز خمس عشر سنة وحين السجود اثنتين وخمسين سنة ووقع خلال ذلك «آياتٌ» عظيمات وعبر وعظات «لِلسَّائِلِينَ ٧» عنها أخيرا في المدينة المنورة وهم اليهود إذ وجدوها موافقة لما في كتبهم وأوضح وأنصح وأبلغ مما فيها ودلالة على نبوة محمد ﷺ ، لأنهم سمعوها منه وهو أمي فكانت برهانا على أنها وحي من الله
стр. 1247
عز وجل بلا شك ولا شبهة وكون هذه الآية والآيتين قبلها ٢/ ٣ مدنيات مروي عن قتادة وابن عباس ﵃ ومثبت في الكتب التي ذكرناها بالمقدمة في بحث مأخذ هذا التفسير، لذلك لا يلتفت إلى قول من قال أنهن مكيات والبينة تقام على الإثبات لا على النفي، قال تعالى واذكر لقومك يا سيد الرسل تفاصيل هذه القصة التي كثر السؤال عنها «إِذْ قالُوا» أخوة يوسف إلى بعضهم والله «لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ» بنيامين «أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ» أقسموا قسمين على جهتين أصابوا في الأولى هذه وأخطأوا في الثانية، وهي «إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ٨» ظاهر في عمله هذا. والعصبة الجماعة جمع لا واحد له من لفظه كالرمط والنفر والفلك والنساء، والواو للحال أي كيف يكون هذا وهما اثنان ونحن جماعة ويفضلهما علينا ويحبهما أكثر منا مع أنه لا فائدة له منهما لصغرهما، فكيف إذا كبرا ورأى منهما ما يرى منا الآن من المنافع والخدمة ونحن القائمون بمصالحه، ونحن أحق بمودته منهما. واعلم أن سبب هذه المودة والمحبة لهما لصغرهما ووفات أمهما أو لأمر تفرسه فيهما، وهذا أقرب لأنه لو كان الحب بسبب الصغر لأحب بنيامين أكثر من يوسف، ولكنه ﵇ رأى فيه من مخايل الخير ما لم يره فيهم، وزاد ذلك ما فهم من مغزى الرؤيا وليس هو بالصغير ليقال لصغره، والصغير محبوب عند كل أحد، قيل لابنة الحسن أي بنيك أحب إليك؟ قالت الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يحضر، والمريض حتى يشفى.
وقيل في هذا المعنى:
إن البنان الخمس أكفاء معا ... والحلي دون جميعها للخنصر
وإذا الفتي فقد الشباب سماله ... حب البنين ولا كحب الأصغر
وهذان البيتان وقبلهما بيتان للوزير أبي مروان عبد الملك بن إدريس الجزيري.
هذا وأنه ﵇ لم يفضله إلا بالمحبة القلبية، وهي خارجة عن وسع البشر لأنها أمر باطني، وليس في طوقه دفعها، يؤيد هذا قوله ﷺ اللهم هذا قسمي فيما أملك ولا قدرة لي على ما لم أملك. وذلك لأنه من مقتضيات حس الأرواح التي هي من أمر الله وقد وقع منهم هذا قبل النبوة على القول المعتمد فلا يعد حسدهم
стр. 1248
هذا لأخويهما ورمي أباهما بالعقوق المستفاد من قولهم (لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) وإلقائهم أخاهم في البئر قادح في نبوتهم، لأن العصمة بعد التشرف بالنبوة، ويجوز قبلها أن يقع من النبي مثل ذلك، وقدمنا ما يتعلق بعصمة الأنبياء في الآية ٢٣ من سورة الأعراف والآية ٢ من سورة طه في ج ١ وكذلك في الآية ١٥ من سورة القصص المارة فراجعها. ثم بين تعالى ما قرّ عليه رأيهم من الكيد ليوسف بقوله «اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً» بعيدة بدلالة التنكير أي أن التخلص منه بأحد أمرين: إما بقتله أو تغريبه في مكان بعيد، لأن التغريب يحصل به المقصود كالقتل وجرمه هين خفيف، وقيل في هذا:
حسنوا القول وقالوا غربة ... إنما الغربة للأحرار ذبح
وقال بعضهم لبعض إذا فعلتم أحد هذين الأمرين بيوسف «يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ» من يوسف وأخيه ويقبل عليكم بكليته لا يلتفت إلى غيركم، والمراد بالوجه الذات، قال تعالى (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ) الآية ٣٥ من سورة الرحمن في ج ٣، ولفظ الوجه بهذا المعنى مكرر كثيرا في القرآن، لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل بوجهه فلذلك خص الوجه «وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ» أي تنفيذ الأمر الذي تجمعون عليه من أحد الأمرين «قَوْماً صالِحِينَ ٩» بأن تتوبوا إلى ربكم من جرمكم فيعف عنكم «قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ» هو يهوذا على الأصح لأنه صاحب مشورتهم وأحسنهم رأيا، يدل عليه لفظ قائل المنوّن وإلا لقال أحدهم أو أكبرهم «لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ» لأن القتل جريمة عظيمة أخاف أن لا تغفر لكم، وإذا كنتم لا بد فاعلين يا اخوتي خذوه «وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ» قعره المظلم وأسفله العميق. والغيابة كل موضع ستر شيئا وغيبه عن النظر. والجب البئر الكبيرة غير المطوية، فإذا طرحتموه فيها حصل المقصود من تغريبه، إذ قد «يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ» الواردين على الجب فيأخذونه إلى بلادهم، هذا رأي لكم «إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ١٠» به ما ترومون افعلوا ما أشرت به عليكم، وهذا الجب معروف عندهم لذكره بال التعريفية، قيل هو بئر بيت المقدس، وقيل في الأزرق، والأحرى أن يكون البئر الموجود الآن قرب صفد في فلسطين
стр. 1249
المسمى حتى الآن ببئر يوسف، فاستصوبوا رأيه مع أن فيه إشارة إلى عدم الفعل بدليل قوله (إِنْ كُنْتُمْ) إلخ، أي إذا كنتم مصرين على الإيقاع بيوسف فافعلوا فيه ما ذكرت لكم فهو أهون جرما عند الله، وفيه أمل، ثم ذهبوا إلى يوسف وصاروا يرغبونه بالذهاب معهم إلى البرية وحسنوا له النزهة في البادية، وأروه من اللطف والعطف ما حدا به أن يكلفهم بأن يقولوا لأبيهم ليأذن له بالذهاب معهم إلى المرعى، وأنه هو موافق ومحبذ ذلك، ويمنعه أدبه أن يتقدم لك بهذا، وكان ما كان وجاءوا إلى أبيهم
«قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ» أنطقهم الله تعالى بما يوقع الريبة في قلب أبيهم، حتى إذا وقع منهم ما يلام عليه يلوم نفسه، لأنهم لم يقولوا له مالك لا ترسل يوسف معنا، بل قالوا مالك لا تأمنا عليه ليذهب إلى المرعى يتسلى بين أزهار الأرض ويستنشق ريحها العذب مع رغبته بذلك، لأنه كلفنا أن نستأذنك بالسماح له «وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ ١١» فلا تخف عليه فإنا نشفق عليه ونريد له الخير، ولا غرو إنه ﵇ أحس منهم بما أوجب أن لا يأمنهم عليه من إيماء هذه الآية، ثم ألحّوا عليه بقبول رجائهم، فقالوا «أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ» معنا في البرية الواسعة ليتمتع بنضارتها وبهجتها، ومعنى الرتع الاتساع في الملاذ وأصله أكل البهائم في الخصب من الربيع، ثم أكدوا له رعايتهم إليه وعنايتهم به ومناظرتهم إليه بقولهم «وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ١٢» له من كل مكروه، وكيف لا تكون له كذلك وفيه رضاك ولم يزالوا به راجين ليأذن لهم بأخذه ليتسع صدره بالتفرج على الصيد والرمي والجري الذي يفعلونه بالبادية، وبعد أن أكدوا له مقالتهم بأصناف التأكيد، إذ أوردوا الجملة اسمية وحلوها بأن واللام وأسندوا حفظه إليهم جميعا «قالَ» يعقوب ﵇ «إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ» أي مجرد ذهابكم به يؤلمني لشدة مفارقته علي وقلة صبري عن رؤيته، وقرىء ليحزني بالإدغام ثم قال وإنه ليريبني أن تهملوه وتتركوه وحده بانشغالكم عنه بالرعي والصيد «وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ» وقرىء بالياء كما قرىء يأكله بدون همز، ولم يأت لفظ الذئب بغير هذه السورة، قالوا إنما قال هذا لأنه رأى في منامه ذئبا شدّ عليه ولم يعلم أن قوله هذا الذي
стр. 1250
أنطقه به الله فيه تعليم لمكيدتهم، إذ لم يقع في نجواهم شيء من هذا ولم يخطر ببالهم أن الذئب يأكل البشر إذ ذاك، قال الشاعر:
ومن سرّه أن لا يرى ما بسوءه ... فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا
ثم ألهمه الله زيادة على ذلك بأن بين لهم ما يعتذرون به فختم كلامه بقوله «وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ١٣» لاهون بصيدكم ولعبكم ورميكم، فقد لقنهم ﵇ ما يحتجون به وما يعتذرون منه إليه وقد وقع هذا القول منه ﵇ لأولاده لأن الأنبياء ﵈ لمناسبتهم التامة بعالم الملكوت تكون واقعاتهم واقعة، ومن الأمثال: البلاء موكل بالمنطق. أخرج أبو الشيخ وغيره عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لا تلقنوا الناس فيكذبوا فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الناس، فلما لقنهم أبوهم كذبوا، فقالوا أكله الذئب. والحزن ألم القلب لفقد محبوبه. والخوف انزعاج النفس لنزول المكروه «قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ ١٤» عاجزون هالكون إذا لم نقدر على حفظه من الذئب بل من الأسد، كيف وهو أعزّ شيء عندنا، فلما رأى عزمهم على حفظه وحزمهم على محافظته بعد أن أقسموا إليه بإزالة ما خطر بباله واطمأنوا على سلامته ورأى رغبة يوسف بالذهاب معهم، عهد إليهم بمراقبته، وتعهدوا إليه بذلك كله، أذن لهم به، ففرح يوسف لموافقة أبيه ولم يصدقوا متى ينقضي الليل، فلما أصبحوا أخذوه معهم «فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ» إلى البادية وبعدوا عن العمران وصرفوا النظر عن قتله اتباعا لقول يهوذا صاحب مشورتهم «وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ» المار ذكره فعمدوا إليه وقبضوه وطرحوه فيه. هذا ما قصه الله علينا في كتابه. أما الأخباريون فقالوا لما بعدوا به عن العمران أظهروا له الجفاء والعداوة مما هو كامن في صدورهم، طفقوا يضربونه، وصار كلما استغاث بواحد منهم ضربه، فلما رأى عزمهم على قتله شرع يصيح يا أبتاه لو رأيت ما نزل بيوسف من اخوته لأحزنك وأبكاك، يا أبتاه ما أسرع ما نسوا عهدك وضيعوا وصيتك، فأخذه روبيل وضرب به الأرض وجثم على صدره ليقتله، فاستغاث بيهوذا فأدركته رحمة الأخوة ورقّ له، فقال يا اخوتي
стр. 1251
ما على هذا عاهدتموني فخلّصه من يده، وقال ألقوه بالجب، فإما أن يموت أو يلتقطه بعض السيّارة. فذهبوا إلى بئر هناك ضيق الرأس واسع الأسفل فشدوه بحبل ودلوه فيه، فتعلق بشفيرها وكانوا شلحوه قميصة، فقال دعوه أستتربه، فلم يفعلوا، وقال لهم أتتركوني في هذه البرية وبهذا الجب فريدا وحيدا؟! فقالوا له دع الشمس والقمر والكواكب يسترونك ويؤنسونك، وأرسلوه في البئر وهو يستغيث بهم ولا مغيث، ولما بلغ نصف البئر ألقوه إرادة موته، وكان في البئر ماء فسقط فيه، وتركوه ورجعوا وقالوا إن ملكا أرسله الله إليه فحلّ وثافه، وأخرج له صخرة من البئر فأجلسه عليها، وقالوا إن يعقوب لما بعثه مع إخوته أخرج له قميص إبراهيم الذي كساء الله إياه في النار حين ألقي فيها وهو من الجنة، فجعله في قبعته وجعلها في عنقه، فأخرجه الملك وألبسه إياه، فأضاء له الجب من بريقه، وعذب ماء الجب، وصار له غذاء وشرابا، ولما نهض الملك ليذهب وكان جبريل ﵇ قال له يوسف إذا خرجت استوحشت، فقال له إذا رهبت فقل: يا صريخ المستصرخين، ويا غوث المستغيثين، ويا مفرج كرب المكروبين، قد ترى مكاني، وتعلم حالي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، فقالها فاستأنس وحفته الملائكة. قال تعالى «وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ» في البئر حال صغره كما أوحينا إلى عيسى ويحيى من بعده في صغرهما، وكان عمره سبعة عشرة سنة كما قدمناه في الآية ٧ المارة «لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا» الذي فعلوه بك وأنت صاحب السلطة عليهم «وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ١٥» أنك أنت يوسف كما أنهم لم يشعروا كيف آنسناك بالبئر وجعلنا ماءه لك طعاما وشرابا، ولا يعلمون حينما يأتونك في مصر ليمتاروا لأهلهم وأنت عامل فيها، ولا يعرفونك إذ يأتونها وأنت ملكها لطول العهد وعدم تصور أذهانهم بما تصير إليه إذ ذاك من علو الشأن وعظمة السلطان ولا يدرون بأنا أعلمناك بأنك ستخبرهم بصنيعهم هذا معك، وفائدة هذا الوحي تطبيب قلبه وإزالة الهم عنه وغم الوحشة تقوية لجنانه، وهذا الوحي إما بواسطة الملك الذي كان معه في البئر أو بإلهام من الله، والأول أولى لما مر.
قالوا ولما أتموا فعلتهم هذه لم يروا ما يعتذرون به إلا ما لقنهم أبوهم، فعمدوا إلى
стр. 1252
ذبح سخلة ولطخوا ثوبه بدمها ليعرضوه إلى أبيهم علامة على صدقهم المموّه قال تعالى «وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً» تأخروا عن موعدهم كل يوم تبريرا لعذرهم وصاروا «يَبْكُونَ ١٦» بأعلى صوتهم عند ما دخلوا الدار، فقال لهم يعقوب ما لكم هل أصاب أغنامكم شيء؟ قالوا لا وإنما أصابنا ما هو أعظم، فأحسّ هنالك وقال أين يوسف «قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ» في العدو والرمي في البادية «وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا» ثيابنا وزهابنا «فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ» حال غفلتنا عنه «وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا» ونعلم أنك لا تصدقنا بهذا «وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ١٧» حقيقة فيما ذكرناه لك من واقع الحال لشدة محبتك له بل قد تتهمنا بالكذب، وقد تقدموا له بعدم تصديقهم لأنهم كاذبون مختلقون ما قالوه، وقالوا له إن الدليل على صدقنا هو هذا المحكي عنهم بقوله تعالى «وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ» دم سخلة، ومما يثبت كذبهم أن القميص غير ممزق ولا يعقل أن ذئبا يأكل إنسانا وهو لابس قميصه ولا يمزقه، كما لا يعقل أنه نزع عنه القميص ثم أكله، لذلك كذبهم «قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً» عظيما أوقعتموه بيوسف، فاذكروا إلي ما هو حقا، قالوا لا غير ذلك، وأنكروا عليه أمره وأصروا على أقوالهم، فأعرض عنهم وقال «فَصَبْرٌ جَمِيلٌ» لا شكوى فيه إلا إلى الله، ولا جزع ولا تحدث بالمصاب لغيره، ولا تزكية للنفس «وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ» به على ما أنا عليه لا أطلب العون من غيره «عَلى ما تَصِفُونَ ١٨» من الكذب في أمر يوسف، قال هذا إظهارا للتجلد وعزما على الصبر، وتفويضا لأمر الله، قال ابن الفارض:
ويحسن إظهار التجلد للعدى ... ويقبح غير العجز عند الأحبة
أي لا يحسن إظهار التجلد والصبر على صدمات الدهر مطلقا، بل يحسن للأعادي، أما عند الأحبة فيحسن العجز، لأن إظهار التجلد عندهم قبيح جدا، قال سحنون يخاطب ربه:
وليس لي في سواك حظ ... فكيفما شئت فاختبرني
قالوا فابتلاه الله تعالى بحصر البول، فاعترف بعجزه، فصار يطوف بسكك
стр. 1253
بغداد ويقول للأولاد أدعوا لعمكم الكذاب يعني نفسه، فعفا الله عنه. وإنما كذبهم ﵇ لأنهم احتجوا بما قاله لهم، ولأنه وقع في خلده كذبهم، ولأنه يعلم حنقهم عليه، ولذلك فعلوا فعلتهم أول يوم ذهبوا به إذ لم يبق بوسعهم تصوّره، عفا الله عنهم، هلا صبروا عليه يوما أو أسبوعا ليرى صدقهم فيما تعهدوا به، ثم يفعلوا فعلتهم هذه، وإن مغزى قوله تعالى (أَنْ تَذْهَبُوا) وقوله (فذهبوا) ينمّ على ذهابهم به أي إهلاكهم إيّاه، لو قدرهم الله عليه، ولكن منعهم فألقوه في البئر وأوقع في قلوبهم أن هذا الإلقاء هلاك له، وبعد أن رأوا من أبيهم ما رأوا برد صدرهم، وقالوا قضي الأمر بهذه الكلمات وسيزول من صدره أولا بأول، وقد تم ما أردناه وانصرفوا لعملهم، قال تعالى «وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ» الذي يستسقي لهم الماء، قالوا إنه مالك بن ذعر الخزامي من أهل مدين «فَأَدْلى دَلْوَهُ» في ذلك البئر لإخراج الماء لقومه، فتعلق يوسف بالدّلو فلما خرج إلى فمه ورآه الوارد على أحسن صورة من الغلمان، وقد جاء في الخبر أن النبي ﷺ قال أعطي يوسف شطر الحسن، قالوا وكان إذا تبسم رأيت النور في ضواحكه، وإذا تكلم رأيت شعاع النور في ثناياه، فلم يتمالك نفسه من شدة الفرح، إذ «قالَ يا بُشْرى» خاطب أصحابه بعد أن ذهب به إليهم وهم قريب منه بقوله «هذا غُلامٌ» خرج مع الدلو فأمسكته وأتيت به إليكم، أن ناسا خطفوه من أهله «وَأَسَرُّوهُ» خبأوه هنا وجعلوه «بِضاعَةً» ليبيعوه كي لا يعلم به أحد «وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ١٩» لا يخفى عليه شيء من أعمال خلقه، فابتهج به كل السيارة وكل تمنى أن يكون له، قالوا وكان أخوه يهوذا يتعهده الفينة بعد الفينة كلما يأتي قريبا من البئر لأجل المرعى وكان يأتيه بطعام خلسة عن أخوته فيطرحه في البئر، ولم يعلم أنه ليس بحاجة إلى طعامهم، إذ كفاه الله بالماء، وأنه جاء كعادته فنظر في البئر فلم يره، وقد مضى على إلقائه ما يقارب السنة، وإن إخوته الآخرين لم يعلموا يعمل يهوذا ولم يتعاهدوه وظنوا أنه قد هلك من وقته، فلما لم يجده رجع وأخبر إخوته بالأمر، فتحسس دمهم عليه وحدا بهم داعي حب الأخوة فندبهم إلى التحري عنه، فأجابوه وأطاعوه وساروا في طلبه
стр. 1254
يمينا وشمالا، فوجدوه عند السيارة، وتحدثوا بينهم عما يقولون، فاتفقوا على أن قالوا هذا عبدنا أبق ونظروا إليه وهددوه بالقتل إن هو كذبهم، فاعترف لهم بذلك خوفا منهم لما ذاق من ضرهم، لا سيما وقد أشار إليه يهوذا بذلك وهو أرقهم عليه وأرأفهم به، إذ لم ير العطف إلا منه، وهو الذي خلصه من الذبح من يد روبيل، وإذ ظهر للسيارة أنه عبد لهم بسكوته على قول إخوته وسكوته قبلا على قول الذي أخرجه من البئر طلبوا بيعه منهم، فاتفقوا على ذلك.
مطلب جرائم إخوة يوسف وفائدة العفو وصلاح الوالدين وعظيم فضل الله تعالى:
قال تعالى «وَشَرَوْهُ» منهم «بِثَمَنٍ بَخْسٍ» ناقص عن قيمة أمثاله فيما لو فرض أنه عبد أو مبخوس حرام، لأنه حر لا يجوز بيعه «دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ» إشارة إلى قلتها، قالوا هي ثلاثون درهما، لأنهم كانوا يعدون ما دون الأربعين، والأربعون أوقية فيزنونها وزنا، وفي هذا المبلغ عينه دلّ يهوذا الأسخريوطي اليهود على عيسى ليغتالوه، فألقى شبهه عليه، رفداه الله به، فقتل ورفع عيسى إلى السماء كما ستوضحه في الآية ٥٨ من النساء في ج ٣، «وَكانُوا فِيهِ» أي تساهل أخوة يوسف في أمره حتى جعلوه عبدا وباعوه بقيمة بخسة بما يدل على أنهم «مِنَ الزَّاهِدِينَ ٢٠» فيه الراغبين عنه لبقاء حنقهم عليه، قالوا وبعد أن قبضوا ثمنه من السيارة قالوا لهم استوثقوا منه لئلا يهرب منكم كما أبق منا، قالوا وسبب بيعه لهم لأنهم لم يقدروا على أخذه من السيارة لكثرتهم، ولم يقدروا على قتله بعد أن صار بأيديهم، وتأسوا بقولهم قد حصل ما كنا نريده من تغريبه والذين أخذوه من أهل مصر، وهي بعيدة عنا فيكون فيها بحكم المعدوم لعدم إمكان وصول خبره إلى أبيه، فتركوه وذهبوا ولما وصلوا إلى مصر باعوه إلى العزيز خازن ملكها الريان بن الوليد بن يزوان من العماليق بعشرين دينارا وزوج نعل وثوبين، هذا ولم يوقع الله في قلوب أخوته أن بيعه للسيارة قد يفضي إلى مجيئه أو إعلام أبيه به، ولم يوقع في قلوبهم أن ردوه إلى أبيهم واعتذروا له وأزاحوا عن قلبه الغم والهم الذي حل فيه من أجله
стр. 1255
بل أوقع في قلوبهم أنه صار بحكم الميت وأن حجتهم التي احتجوا بها لأبيهم تمت لئلا يظهر كذبهم لأمر أراده الله، ولا يكون إلا ما أراده، وقد اشتمل عمل أولاد يعقوب بأخيهم على عدة جرائم: ١- قطيعة الرحم ٢- وعقوق الوالد ٣- وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له ٤- والغدر بالأمانة ٥- وترك الوفاء بالعهد ٦- والكذب ٧- وبيع الحر ٨- والافتراء بأنه عبد أبق منهم ٩ وقصد القتل دون جرم ١٠- واجتماعهم على هذه الخصال التي كل واحدة منها موجبة لغضب الله فضلا عن كذبهم على أبيهم فيما أخبروه به، ومع هذا فإن الله واسع الرحمة عفا عنهم وشرفهم بالنبوة وبارك في ذريتهم وجعل فيها الملك والنبوة، وذلك لصلاح والدهم وعفوه عنهم واستغفاره لهم واستغفار أخيهم لهم وعفوه عنهم حال القدرة، فصلاح الوالدين نافع بالدنيا والآخرة
قال تعالى (أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) الآية ٢٠ من الطور وبمعناها الآية من سورة المؤمن والآية ١٤١ من سورة الكهف الآتيات، ألا فلا يقنط أحد أو بيأس من رحمة الله ولو عمل ما عمل إذا تاب وأصلح ورد المظالم لأهلها، راجع ما قدمناه في الآية ٧٠ من سورة الفرقان ج ١ وهذا من عظيم فضل الله الذي ألمعنا إليه في الآية ١٢ من سورة القصص وقرىء يا بشراي أي على إضافة البشرى لنفسه، أو على كونه اسم غلام عنده، وبعضهم أعاد ضمير (وَشَرَوْهُ) إلى مالك المذكور وبعض رفاقه من السيارة، أي خبأوه وجعلوه بضاعة ليبيعوه ويختصوا بثمنه دون بقية السيارة، وبعضهم فسر (شَرَوْهُ) بباعوه، وما مشبنا عليه أوفق لظاهر القرآن وأنسب للمعنى. قال تعالى «وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ» بعد وصوله إليها واسمه قطفير ويلقب بالعزيز «لِامْرَأَتِهِ» زليخا بنت يمليخا وقيل راعيل بنت رعابيل، ومقول القول «أَكْرِمِي مَثْواهُ» إقامته عندك وقدمي له أحسن الطعام والشراب واكسيه أفخر الحلل وا أمري له بألين الفراش لأن فراستي فيه عظيمة ونحن ليس لنا ولد «عَسى أَنْ يَنْفَعَنا» في مصالحنا أو نربح به إذا أردنا بيعه «أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً» إذا تبين لنا صلاحه، وكان لا يولد لها وذلك لما رأى من سيماه وأخلاقه وما هو عليه من الحسن والأدب، قال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة العزيز في يوسف، وابنة شعيب في موسى،
стр. 1256
وأبو بكر في عمر حين استخلفه على الأمة عند موته ﵁ «وَكَذلِكَ» مثل ما أنجينا يوسف من القتل وأخرجناه من البئر وعطفنا عليه قلب العزيز «مَكَّنَّا» جعلنا قرارا ومكانة ومقاما عظيما كريما «لِيُوسُفَ» الصديق الصابر «فِي الْأَرْضِ» من مصر تمكينا ثابتا، وجعلنا له فيها منزلة راسخة عليه عند عزيزها حتى إنه أمر امرأته بإكرامه وعلمها بكرامته عليه دون سائر حاشيته وغرسنا حبه في قلبه وقلب زوجته حتى صار مقربا عندهما على غيره من الخدم وصارا ينظران إليه بصفة ولد «وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ» بغير الرؤيا التي هي السبب في خلاصه ممّا سيبتلى به من السجن وبراءته مما يتهم به، ونملكه على مصر، إذ أن الملك سيفوضه بكل شيء ويقيمه مقامه كما سيأتي «وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ» الذي شاءه ليوسف ﵇، وهو المتولي عليه لا يكله إلى غيره حتى يبلغ منتهاه من الدارين، وهو الذي يفعل ما يشاء له ولغيره، ويفعل ما يريد لا رافع لأمره ولا راد لقضاه، ولا يغلبه غالب، وهو الذي يبلغه ما قدره له في علمه ويخلصه مما يبتلى به، وأعاد بعض المفسرين ضمير أمره إلى يوسف، ولا مندوحة فيه، لأنه غالب على أمر يوسف وغيره وكافة خلقه «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ٢١» صنع الله في يوسف وما يراد منه أن يكون، وعلم ذلك منوط به وحده، «وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ» تقدم معنى الأشد في الآية ٢١٢ من سورة القصص في ج ١ «آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً» يقضي به بين الناس بحسب شريعة آبائه لا بمقتضى ما يراه من ملكه لأن الأنبياء يلهمون خلقة من حين الولادة، فضلا عن أنه ﵇ نبىء بالبئر كما مر وهو في الثامنة عشرة من عمره، وأدخل في السجن وهو أبن ثلاث وثلاثين، كما نبىء عيسى بالمهد ويحيي في السابعة من عمره، راجع الآيتين ٤١ من سورة مريم، و ١ من سورة طه في ج ١، فالنبوة سابقة لهذا، وما قيل إنه حين ألقي بالجب كان عمره عشر سنين ضعيف إذ يكون بقاءه في الجب ثماني سنين، ولم يقل به أحد، وقيل إن المراد بالحكم هنا الحكمة، وهي في لسان الشرع العلم النافع المؤيد بالعمل، لان العلم بدون العمل لا يعتدّ به، والعمل بخلاف العلم سفه، والمراد بالعلم هنا تأويل الرؤيا، والأولى أن يؤول الحكم
стр. 1257
على ما جرينا عليه كما عليه أكثر المفسرين، والمراد بالعلم الفقه بالدين لأنه ﵇ كان يرجع إليه جل أهل مصر في أمورهم، حتى إن العزيز صار يحيل من يأتي إليه ليتحاكم مع خصمه إلى يوسف لما رأى من حدة عقله وإصابة رأيه، لهذا فإن ما قاله ابن عباس ﵄ إن المراد بالحكم هنا النبوة وبالعلم الشريعة وجيه أما القول برسالته فلا، لأنه أرسل بالسجن، وكذلك القول بأنه أعطي شريعة خاصة أو أنزل عليه كتاب، وهذا يقال
إذا كان هناك نص صريح يستند إليه، وليس فليس، «وَكَذلِكَ» مثل هذا الجزاء الحسن «نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ٢٢» في هذه الدنيا الصابرين على النوائب أمثال يوسف ﵇، وفي الآية إعلام بأنه كان محسنا في أعماله متقنا مسالك التقوى والورع في عنفوان شبابه، ومن هنا قال الحسن من أحسن عبادة الله تعالى في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله، قال تعالى «وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها» خادعته ودعته لنفسها وطلبت منه أن يواقعها، والمراودة مفاعلة من راد يرود، إذا جاء وذهب «عَنْ نَفْسِهِ» الطاهرة الزكية وجيء بعن بدل من دلالة على أن السيدة زليخا زوجة العزيز نازعته في ذلك لما هو عليه من حسن الأدب والصورة، بأن صارت تطلب منه الفعل وهو يطلب الترك، كما تقول جاذبته عن كذا، لأن عن، تدل على البعد، فكأنها تجذبه لنفسها جذبا بالغا وهو يتباعد عنها تباعدا مقصودا. وهذا إعلام بكمال نزاهته وإظهار عفته، لأن عدم ميله إليها مع دوام مشاهدته لحسنها وقربه منها مثبت لذلك، وأن استعصاءه عليها مع كونه تحت يدها يؤذن بأنه في أعلى معارج العفّة ويعلن أنه بأسنى درجات النزاهة، كيف لا وقد شرفه الله بالنبوة وزاده عليها الحكم بين الناس وتعبير الرؤيا؟ ولما رأت عدم رغبته بما طلبته ناشىء عن أمر قلبي كرهه في تنفيذ طلبها غضبت عليه، وجرته لداخل الدار «وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ» عليه، واعلم أن تضعيف الفعل يدل على التكثير، أي أنه ليس بابا واحدا بل أبواب كثيرة، قالوا إنها سبعة، واحد داخل الآخر والتفتت إليه «وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ» تعالى أقبل إلي، فقد هيئت لك، وهي لغة حوارن إذ ذاك، أي هلم أفعل ما آمرك به، وفيها معنى الحث على الفعل، وقيل إن هيت بالعبرانية. بمعنى تعال فعرّبت
стр. 1258
إلى هيت لك، أو أنها في الأصل كلمة عربية وافقت العبرانية كما وافقت لغة العرب لغة الروم في القسطاس، ولغة العرب لغة الفرس بالتنور، ولغة العرب لغة الترك في الغسّاق، ولغة العرب لعة الحبشة في ناشئة الليل من باب توارد اللغات، وقد مر لك تحقيق هذا وغيره من الكلمات المقول فيها أنها أجنبية مفصلا في الآية ١٨٢ من سورة الشعراء في ج ١، وقرىء هيئت لك بالهمز، أي تهيأت، وهو اسم فعل مبني على الفتح كأين، وما قيل إنها سريانية أو قبطية أقوال لا مستند لها إلا استعمالها، وإن استعمالها في اللغات الأخرى لا يدل على أنها منها دلالة قطعية، لأن اللغات متداخلة بعضها في بعض، والأحسن أن يقال عربية استعملها الغير كما أوضحناه هناك. ولما سمع ﵇ منها ذلك ورأى عزمها عليه من حالها وتعليق الأبواب عليه ولا محل للهرب منها، صدّ عنها وولاها ظهره وصارحها بقوله «قالَ مَعاذَ اللَّهِ» اعتصم به وألجأ إليه ممّا دعوتني إليه وتريدينه مني «إِنَّهُ» زوجك العزيز «رَبِّي» ربّاني تربية حسنة وأكرمني و «أَحْسَنَ مَثْوايَ» عنده وأمرك بإكرامي، وقد عظمت منزلتي عنده وجلّ مقامي لديه وفوضني القضاء بين الناس قصدا لعلو شأني عندهم، وأنت زوجته ولك من الحق عليّ مثل ما له، فإن خنته فيك فأنا ظالم من وجهين لإقدامي على ما هو محرم وخيانتي لمن له فضل علي لأني عشت بنعمته «إِنَّهُ» أستعيذ به وألجأ إليه هو الله ربي وربك ورب العالم أجمع «لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ٢٣» عنده ولا يفرزون بالنجاح لديه والزناة يؤوبون إليه بخسران سعادة الدنيا والآخرة. وهذا منه ﵇ اجتناب ما وراءه اجتناب وامتناع ما بعده امتناع، لأنه قد علله من جهات أولا أنه منكر فاحش يجب أن يعاذ منه بالله ويلجأ إليه بالخلاص من قربانه لما علم بتعليم الله إياه من قبحة وسوء عاقبته، ثانيا أن زوجها سيده وقد أحسن إليه وأوصاها بإكرامه فكيف يمكن أن يسيء إليه بالخيانة، وهو سبب ظاهري ذكره لها علّه أن يؤثر فيها وتتأثر منه فتردع وتزجر نفسها مما سولت لها به، ثالثا أن من يفعل هذا الفعل الخبيث يكون ظالما محروم الظفر بالبغية الطيبة والسعادة ورفاه العيش في الدنيا والآخرة. وأن إجابة طلبها في غاية الخسة ونهاية الرذالة تجاه من يتعاهده بالخير ويعطف عليه، وكل هذا
стр. 1259
لم يؤثر فيها لما داخل قلبها من حبه، فأدركته وأقبلت عليه وحرّضته وحذّرته، فلم يفعل وأكد لها
إعراضه، ووعظها بما أوتيه من فصاحة في اللفظ وبلاغة في المعنى وشدة في الخطاب، وهي عن ذلك بمعزل، فرمت نفسها إليه وعكفت بكلها عليه وهذا مغزى قوله تعالى «وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ» عزمت عزما شديدا عليه إلّا أن يفعل وقربت نفسها منه، وهو يدافعها ولم ينجع بها الوعظ ولا غيره، إذ لم يبق عندها المزجر مسمع ولا للتحذير من سوء العاقبة مطمع، وهنا يحسن الوقف ثم الابتداء بقوله تعالى «وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ» وهو النبوة الجليلة، فلولاها ولولا حصول العصمة بها شأن كل نبي لهمّ بها وقاربها، مثل الهم والقربان الله الذي فعلتهما هي، ولكن عهد إليه بالنبوة حال دون ذلك. وقال السيد محمد رشيد رضا في تفسيره المنسوب إلى محمد عبده: أرادت قتله حين امتنع من إجابة طلبها وهو أراد قتلها ليتخلص مما دعته إليه، ولكن القتل أمر عظيم حال دونه مقام النبوة التي تتباعد عن كل مخالفة لما نهى الله. وهو رأي جيد إلا أنه لم يقل به أحد من المفسرين، مع أن الهم قد يأتي بمعنى القتل.
مطلب خلاصة القول بالهم وبطلان أقوال من قال به والشهادات على براءة يوسف ﵇:
هذا وكان الهم منه هم الطباع مع الامتناع لا كهمها هي الذي هو هم السباع المقصود منه إجراء الفعل، ولو كان كذلك وحاشاه من ذلك لما مدحه الله عليه بآخر هذه الآية بقوله (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ) وقيل إنه قصدها بخاطره قصدا غير مختار، وهو من دواعي القلب ولا صنع للعبد فيما يخطر في قلبه، ولا مؤاخذة عليه بل يثاب عليه ويكتب له به حسنات كثيرة، ومن سماء ذنبا فهو بالنسبة لمقامه لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وإلا فالهم الحقيقي منتف في حقه ﵇ بنص قوله تعالى (لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ) وفيه كفاية، ويفهم مما تقدم أن هم النفس لا يؤاخذ عليه البشر مطلقا كما بيناه في الآية ٨٤ من القصص في ج ١، وله صلة في الآية ٢٥٤ من البقرة في ج ٣، وقال إذا وطنت النفس على الهم فهو سيئة وإلا فلا، والقول الحق إن مطلق الهم لم يقع منه، ولم يجل بخاطره، ولم تحدثه
стр. 1260
به نفسه البتة، وحاشا أن تتوطن نفس السيد يوسف على مثل ذلك الهم، وأنى لها ذلك وهي مقدسة في جسد طاهر شريف عصمه الله تعالى من كل شائبة. ومن هنا تعلم سخافة قول من قال إن الشيطان جرى بينهما حتى أخذ بجيده وجيدها وجمع بينهما، وأنى للشيطان من مقاربة من تكفل الله بعصمته بقوله (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ) الآية ٤٣ من سورة الحجر الآتية، وقال تعالى حكاية عن إبليس (إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) الآية ٤١ منها أيضا، وشناعة قول القائل إنه ﵇ وحاشاه جلس منها مجلس الخائن، وقباحة قول الآخر بأنه حل سراويله وصار يعالج ثيابه، كأن هذين الخبيثين كانا ثالثهما والشيطان حاضرين معهما، قاتلهم الله، وكذب من قال أن البرهان المذكور في الآية هو أنه لما أراد مقاربتها رأى كفا مكتوبا عليه (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ) الآية ١٠ فما بعدها من سورة الانفطار الآتية التي كانت في علم الله الأزلي الذي لم يطلع عليه أحد غيره، ولم يعلم بها جبريل مع قربه من ربه، لأنه لا يعلم ما في القرآن، وحتى القرآن لا يعلم ما هو إلا بعد نزوله ووضعه في بيت العزة، فمن أين يا ترى رأوا ذلك الكف فإن كان كما يقول فهو كاذب، وإن كان غيره فلا صحة له. قال فلما رأى ذلك ولى هاربا ثم عاد فرأى (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا) الآية ٣٢ من الإسراء المارة في ج ١، قال فلم ينجع به، ثم رأى الآية ٢٨٤ من سورة البقرة في ج ٣ وهي (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) على ذلك الكف أيضا، ثم انفرج سقف البيت فرأى يعقوب عاضّا على إصبعه يقول له أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في ديوان الأنبياء، وأن جبريل ضربه بصدر الذي فخرجت شهوته من أنامله، وأقوال أخر يأبى القلم كتابتها ويندى الجبين من ذكرها، ويستحي الجاهل من سماعها فضلا عن قبولها، وباليته استشهد بشيء مما نزل على إبراهيم فمن قبله من الأنبياء، لأن هذه الآيات بلفظها نزلت في القرآن العظيم بعد يوسف بقرون كثيرة، واختلاق القائل أقاله الله من رحمته بأنه حل سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهي مستلقية وأنه سمع صوتا يقول إياك وإياها مرتين، وصوتا ثالثا اعرض عنها، فلم ينجع به، فهذه كلها أقوال واهية باطلة منكرة لا نصيب لها من الصحة،
стр. 1261
ونسبة بعضها إلى ابن عباس وغيره من خيار الناس افتراء محض وافك خالص وبهت مختلق وكذب مدبر، وحاشاهم من هذه التهم التي لا تقع من أدنى الناس، وقد ألصقها بهم من لا خلاق له في الآخرة، قصد توجيه أنظار الناس إليها للأخذ بها والتصدي لكرامة الأنبياء المعصومين من النقائص المادية والمعنوية، قاتل الله الأفاكين المنافقين، فانظر أيها العاقل حماك الله أن هذه الآيات التي يزعمونها ظهرت إلى السيد يوسف ﵇، ولم يرتدع بها لو وقعت لأكبر زنديق وأفسق فاسق وأشقى شقي وأفجر فاجر وأدنى دنيء وأعصى العصاة وأعتى العتاة وأبغى البغاة وأطغى الطغاة لا نكف عن ذلك الفعل، فكيف يتصور أن يتصور رؤية ذلك كله من قبل السيد يوسف ولم يرتدع وهو نبي الله معصوم بعصمته محفوظ بوقايته؟! واعلم أن مما يفتد هذه الأقوال ويكذبها عدم إسنادها لنقل صحيح أو
نص صريح من آية أو حديث. وهاك الشهادات الواقعة ببراءته ﵇ من الآيات:
أولا شهادة المرأة نفسها كما حكى الله تعالى عنها بقوله (وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) وقوله تعالى (الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) أي في قوله بريء مما عزي إليه. وثانيا شهادة زوجها فيما حكى الله عنه في قوله (إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) الأمر لا تتكلم به ولا تحدث أحدا فيه، فإني عالم ببراءتك. ثم نظر إليها بغضب وقال (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ) بادعائك على يوسف وإسنادك الفعل إليه.
ثالثا شهادة الولد كما حكى الله عنه بقوله (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها) إلخ (إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) . رابعا شهادة يوسف ﵇ بقوله كما ذكر الله عنه (هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) وهو لا ينطق عن هوى لاعتصامه بالنبوة الكاملة المبرأة من كل عيب، وقوله (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) . خامسا شهادة الله تعالى ذاته بقوله عز قوله (كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ) ومن أصدق من الله قيلا، ومن أصدق من الله حديثا، فتنبه رعاك الله، أبعد هذه الشهادات القاطعة يجترىء أحد على مس كرامته ﵇، إلا من
стр. 1262
أعمى الله بصره وأعمه بصيرته، ومن ناصب العداء لأولياء الله؟ هذا، أما ما حكاه الله عنه في قوله (وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي) أي ما أبرىء نفسي من مجرّد الهم النفسي ليس إلّا، على أنه يحتمل أن لا يكون هم نفسي أصلا، وإنما قال ما قال على طريق التواضع والاعتراف بمخالفة النفس لقولها. أما عدم ضربها لدفعها عما همّت به كما يقول بعض المنهوكين فهو لحكمة أرادها الله، ولأنه أوّلا لا يجسر عليها لأنها سيدته بحسب الظاهر وهو تحت تربيتها ونعمتها وإسارتها أيضا، لأن سيدها اشتراه كالعبد، ثانيا لأنه لو ضربها لتسببت في قتله وادعت أنه ضربها لعدم انقيادها له، ثالثا لو دافعها فعلا باليد لمزقت ثيابه من قدام فيكون دللا على اقدامه بخلاف تمزيق ثيابه من خلف لأنه دليل على هروبه وتوليه عنها وتعلقها به مع نفوره منها.
هذا، ومن قال إن البرهان هو الآيات التي رآها ورؤيته إباه على الصورة المذكورة، أو أنه صنمها الذي قامت إليه وسترته لئلا يطلع عليها وغير ذلك مما بمجّه القلب، فقد مال عن الحق وتاه عن الرشد وضل الطريق القويم وعدل عن الصراط المستقيم وما البرهان إلا ما ذكرناه وهو مقام النبوة الشريفة التي هي حجة الله وبرهانه، وآيته في تحريم الزنى، والعلم بما يستحقه الزاني من العقاب الدنيوي والأخروي.
قالوا وحينما أدخلته الدار الداخلة ضمن دور سبعة وهو لا يعلم ماذا تريد به منه وإنما طاوعها على الدخول لأنه منقاد لأمرها كسائر الخدم، إذ لا يستطيع أحد أن يخالف أمرها، ولما رأى أنها غلّقت الأبواب أي ردتها دون ان تنفلها بالغال ليتم مراد الله بطهارة السيد يوسف، وكلفته بالفعل، امتنع ونفر إلى الباب الأول فنفذ منه، فتبعته فهرب إلى الثاني، وهكذا هو يهرب وهي تتابعه وتجذبه لجانبها وهو يزداد نفورا، حتى خرجا إلى صحن الدار، وكان ما كان عند باب الدار كما سيأتي.
هذا وإن نفوس الأنبياء مطهرة من كل خلق ذميم وفعل رذيل وسوء أدب، ومجبولة على الأخلاق الطاهرة والآداب السامية والأفعال المقدسة والأقوال العالية، وبعض هذا يحجزهم عن فعل ما لا يليق، بل عن قربانه، فظهر من هذا ان كل ما نقل عن ابن عباس وعلي ﵃ أو عن غيرهما من أعلام الإسلام بهت صرف لا ظل له من الحقيقة، وحاشاهم أن يقدموا على أقوال هكذا، ولا سيما
стр. 1263
بحق خلص عباد الله تعالى، ولا قصد لهؤلاء اللاصقين هذه الأقوال بهم إلا تقوية حججهم ليأخذ الناس بها، لأنها منسوبة إلى أولئك الأعلام، فينقلونها للخاص والعام كي يصدقوها، ولكن من عنده لمعة من عقل أو ذرة من دين يأنف سماعها فضلا عن نقلها، والقول بها هذا. واعلم أن الهم نوعان هم ثابت مع عزم وقصد وعقيدة ورضى مثل هم امرأة العزيز، ومثل هم عمرو بن صابىء الرجمي في قوله:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله
فهذا النوع يؤاخذ به العبد، ولهذا لمّا أقرّ قائل هذا البيت به أمام الحجاج قتله، وقتله له افراط وتفريط كسائر أفعاله، عليه ما يستحق من الله، لأن مجرد قول هذا البيت لا يستوجب القتل بل التأديب، وهمّ عارض وهو ما يخطر بالقلب أو تحدث به النفس من غير اختيار ولا عزم ولا نية ولا رضى ولا عقيدة كهمّ يوسف ﵇، فالعبد ليس مؤاخذ به ما لم يتكلم أو يعمل، يؤيد هذا ما روي عن أبي هريرة ان رسول الله ﷺ قال: يقول الله ﵎ إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة ولم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له عشرا. هذا لفظ مسلم، وللبخاري بمعناه، على أن يوسف ﵇ لم يقع منه هم البتّة كما مشينا عليه من تفسير الآية، ولأن الله تعالى لم يحك عنه شيئا كما حكى عن آدم ﵇ في قوله (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا) الآية ٢٣ من سورة البقرة ج ٣، وعن داود ﵇ في قوله (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ) الآية ٢٤ من سورة ص في ج ١، وعن موسى ﵇ في قوله (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) الآية ٢٦ من القصص المارة في ج ١، وعن سليمان ﵇ في قوله (رَبِّ اغْفِرْ لِي) الآية ٢٦ من سورة ص أيضا، إلى آخر ما جاء عنهم ﵈ كنوح وذي النون وغيرهم، فيظهر من هذا أنه براء مما نسب إليه من الهم المطلق لأنه لو وقع منه لأتبعه بالتوبة والاستغفار كإخوانه الأنبياء ﵈، ومن هنا يعلم عدم صدور شيء منه البتة، وما قيل إن هذه الحادثة قبل نبوته مردود لما تقدم أن الله ﵎ نبأه في البئر، وينافيه سياق الآية، وسياق إتيانه النبوة على هذه الحادثة يرده أيضا، وإن
стр. 1264
ما جرينا عليه مأخوذ من أقوال السلف الصالح كجعفر الصادق وغيره من كبار المحققين، والآية على حد قوله تعالى (إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها) الآية ١٠ من القصص المارة في ج ١، وعلى هذا يكون معنى الآية لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها واللام ليست بواجبة في جواب لولا إذا كانت بصيغة الماضي كما هنا، فيأتي باللام وبدونها يقال لولا زيد لأكرمتك، فحيث وجد البرهان انتفى الهم، كما أن وجود زيد في المثالين ينفي الإكرام.
مطلب في لولا والسبب في نقل ما فيه وهم يوسف ﵇ والأحاديث الموضوعة:
ولولا حرف امتناع لوجود، تقول لولا علي لهلك عمر، ولولا عصمة الله لقارفت الذنب، أي امتنعت مقارفة الذنب لوجود العصمة. وهنا امتنع الهم المزعوم لوجود البرهان، قال السيد محمود الآلوسي ﵀ في تفسيره روح البيان بعد الأخذ والرد: نقول للجهلة الذين نسبوا تلك الفعلة الشنيعة إلى يوسف ﵇ إن كانوا من اتباع الله فليقبلوا شهادته على طهارته- يريد بعض ما ذكرنا من الشهادات الخمس التي ذكرناها آنفا- وإن كانوا من اتباع إبليس فليقبلوا شهادته، يريد ما ذكرناه أيضا، وقوله (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) وإذا كان هؤلاء السفلة زادوا على إبليس كما قال الحريري:
وكنت امرأ من جند إبليس فانتهى ... بي الحال حتى صار إبليس من جندي
فلو مات قبلي كنت أحسن بعده ... طرائق فسق ليس يحسنها بعدي
فذاك أمر آخر، فعلم مما مرّ أن ما نقله الواحدي واضرابه من هذه الشبهات الشائنة والشوائب السافلة مصدره القصص والحكايات وكتب أهل الكتاب المحرّفة، أما الصحيح منها فمبرا من ذلك، وقد تصلّف بعض القائلين لهذه الأقوال فقال إن ما ذكرناه نقلناه عن الذين أخذوا التأويل ممن شاهدوا التنزيل، وهو لعمري غير صحيح، وإنما هو من قال وقيل، وان بعض المفسرين الذين اغتروا بما وجدوه من تلك الأقوال الواهية المدونة في كتب غير معتبرة ونقلوها كما وجدوها، ولم ينظروا إلى الأقوال الواردة في تفنيدها، ولم يلقوا لها بالا، كما وقع للإمام
стр. 1265
السيوطي وبعض علماء الحديث إذ نقلوا أحاديث موضوعة لا أصل لها وأثبتوها في كتبهم بناء على سلامة طويتهم وظنهم أن أحدا لا يختار الكذب على حضرة الرسول كما ظن آدم ﵇ أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، فصدق إبليس في قسمه كما حكى الله عنه في قوله (إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ) الآية ٢١ من الأعراف المارة في ج ١، ومن هذا القبيل الإمام البيضاوي ﵀ مع جلالة قدره نقل مائة وأربعة عشر حديثا وأثبتها في أواخر سور القرآن من تفسيره، مع أنها جلها موضوعة، ولا يقال لمثله إنه جاهل بمعرفة الأحاديث، ولكنه نقلها كما رآها عن حسن نية، تجاوز الله عنه وسامحه، وهو نقلها تبعا للثعلبي، وكذلك مفتي الثقلين أبو السعود وجار الله الزمخشري ذكراها على ما هما عليه من العلم الواسع والفضل العميم، وهي في الحقيقة من وضع بعض المتعبدين الجملة الذين يزعمون أن في ذلك قربة، مع أنها فرية عظيمة جرت على ألسنة العوام وتداولوها بينهم حتى الآن، ويسندونها بأقوالهم لحضرة الرسول وهو منها براء، راجع بحث الحديث الموضوع في حاشية لقط الدرر على متن نخبة الفكر للإمام ابن حجر ﵀ تجد ملاك هذا البحث بما يقنعك أنها مكذوبة على حضرة الرسول ولا يجوز نقلها، تدبر. قال تعالى معلنا براءة يوسف ﵇ والثناء عليه بموقفه الذي وقفه أمام سيدته بقوله عز قوله «كَذلِكَ» مثل هذا التثبت ثبتناه حتى عن الهمّ بالسّوء «لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ» أي جنسه وحقيقته بما يشمل الخيانة وغيرها «وَالْفَحْشاءَ» اي الزنى القبيح نصرفه عنه أيضا «إِنَّهُ» السيد يوسف عبدنا ونبينا «مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ٢٤» الذين اخترناهم لعبادتنا وخلافتنا في أرضنا، وفي هذه الجملة معنى التعليل أي صرفنا عنه ذلك لكونه من خلص عبادنا. هذا على القراء بفتح اللام وعلى كسرها يكون معناه الذين أخلصوا لنا فأطاعونا كما أردنا فحفظناهم مما لا نريد وعصمناهم مما يشين، وفي هذه الآية عند من له لب أو ألقى السمع للحق ما ينقطع معه عذر أولئك المتشبثين بأذيال هاتيك الأخبار التي ما أنزل بها من سلطان، ولم يقل بها أحد من أهل الشان، وأن ما زعموه من إلصاقها ببعض الرجال زور وخال عن البرهان، وما لهم عليه من بيان، اللهم إلا اتباع الظن وما تهوى الأنفس، راجع الآية ٢٢
следующие страницы →