← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23595

بيان المعاني

ملا حويش

Полный текст (3 362 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

ونسبة بعضها إلى ابن عباس وغيره من خيار الناس افتراء محض وافك خالص وبهت مختلق وكذب مدبر، وحاشاهم من هذه التهم التي لا تقع من أدنى الناس، وقد ألصقها بهم من لا خلاق له في الآخرة، قصد توجيه أنظار الناس إليها للأخذ بها والتصدي لكرامة الأنبياء المعصومين من النقائص المادية والمعنوية، قاتل الله الأفاكين المنافقين، فانظر أيها العاقل حماك الله أن هذه الآيات التي يزعمونها ظهرت إلى السيد يوسف ﵇، ولم يرتدع بها لو وقعت لأكبر زنديق وأفسق فاسق وأشقى شقي وأفجر فاجر وأدنى دنيء وأعصى العصاة وأعتى العتاة وأبغى البغاة وأطغى الطغاة لا نكف عن ذلك الفعل، فكيف يتصور أن يتصور رؤية ذلك كله من قبل السيد يوسف ولم يرتدع وهو نبي الله معصوم بعصمته محفوظ بوقايته؟! واعلم أن مما يفتد هذه الأقوال ويكذبها عدم إسنادها لنقل صحيح أو نص صريح من آية أو حديث. وهاك الشهادات الواقعة ببراءته ﵇ من الآيات: أولا شهادة المرأة نفسها كما حكى الله تعالى عنها بقوله (وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) وقوله تعالى (الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) أي في قوله بريء مما عزي إليه. وثانيا شهادة زوجها فيما حكى الله عنه في قوله (إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) الأمر لا تتكلم به ولا تحدث أحدا فيه، فإني عالم ببراءتك. ثم نظر إليها بغضب وقال (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ) بادعائك على يوسف وإسنادك الفعل إليه. ثالثا شهادة الولد كما حكى الله عنه بقوله (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها) إلخ (إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) . رابعا شهادة يوسف ﵇ بقوله كما ذكر الله عنه (هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) وهو لا ينطق عن هوى لاعتصامه بالنبوة الكاملة المبرأة من كل عيب، وقوله (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) . خامسا شهادة الله تعالى ذاته بقوله عز قوله (كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ) ومن أصدق من الله قيلا، ومن أصدق من الله حديثا، فتنبه رعاك الله، أبعد هذه الشهادات القاطعة يجترىء أحد على مس كرامته ﵇، إلا من

стр. 1262

أعمى الله بصره وأعمه بصيرته، ومن ناصب العداء لأولياء الله؟ هذا، أما ما حكاه الله عنه في قوله (وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي) أي ما أبرىء نفسي من مجرّد الهم النفسي ليس إلّا، على أنه يحتمل أن لا يكون هم نفسي أصلا، وإنما قال ما قال على طريق التواضع والاعتراف بمخالفة النفس لقولها. أما عدم ضربها لدفعها عما همّت به كما يقول بعض المنهوكين فهو لحكمة أرادها الله، ولأنه أوّلا لا يجسر عليها لأنها سيدته بحسب الظاهر وهو تحت تربيتها ونعمتها وإسارتها أيضا، لأن سيدها اشتراه كالعبد، ثانيا لأنه لو ضربها لتسببت في قتله وادعت أنه ضربها لعدم انقيادها له، ثالثا لو دافعها فعلا باليد لمزقت ثيابه من قدام فيكون دللا على اقدامه بخلاف تمزيق ثيابه من خلف لأنه دليل على هروبه وتوليه عنها وتعلقها به مع نفوره منها. هذا، ومن قال إن البرهان هو الآيات التي رآها ورؤيته إباه على الصورة المذكورة، أو أنه صنمها الذي قامت إليه وسترته لئلا يطلع عليها وغير ذلك مما بمجّه القلب، فقد مال عن الحق وتاه عن الرشد وضل الطريق القويم وعدل عن الصراط المستقيم وما البرهان إلا ما ذكرناه وهو مقام النبوة الشريفة التي هي حجة الله وبرهانه، وآيته في تحريم الزنى، والعلم بما يستحقه الزاني من العقاب الدنيوي والأخروي. قالوا وحينما أدخلته الدار الداخلة ضمن دور سبعة وهو لا يعلم ماذا تريد به منه وإنما طاوعها على الدخول لأنه منقاد لأمرها كسائر الخدم، إذ لا يستطيع أحد أن يخالف أمرها، ولما رأى أنها غلّقت الأبواب أي ردتها دون ان تنفلها بالغال ليتم مراد الله بطهارة السيد يوسف، وكلفته بالفعل، امتنع ونفر إلى الباب الأول فنفذ منه، فتبعته فهرب إلى الثاني، وهكذا هو يهرب وهي تتابعه وتجذبه لجانبها وهو يزداد نفورا، حتى خرجا إلى صحن الدار، وكان ما كان عند باب الدار كما سيأتي. هذا وإن نفوس الأنبياء مطهرة من كل خلق ذميم وفعل رذيل وسوء أدب، ومجبولة على الأخلاق الطاهرة والآداب السامية والأفعال المقدسة والأقوال العالية، وبعض هذا يحجزهم عن فعل ما لا يليق، بل عن قربانه، فظهر من هذا ان كل ما نقل عن ابن عباس وعلي ﵃ أو عن غيرهما من أعلام الإسلام بهت صرف لا ظل له من الحقيقة، وحاشاهم أن يقدموا على أقوال هكذا، ولا سيما

стр. 1263

بحق خلص عباد الله تعالى، ولا قصد لهؤلاء اللاصقين هذه الأقوال بهم إلا تقوية حججهم ليأخذ الناس بها، لأنها منسوبة إلى أولئك الأعلام، فينقلونها للخاص والعام كي يصدقوها، ولكن من عنده لمعة من عقل أو ذرة من دين يأنف سماعها فضلا عن نقلها، والقول بها هذا. واعلم أن الهم نوعان هم ثابت مع عزم وقصد وعقيدة ورضى مثل هم امرأة العزيز، ومثل هم عمرو بن صابىء الرجمي في قوله: هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله فهذا النوع يؤاخذ به العبد، ولهذا لمّا أقرّ قائل هذا البيت به أمام الحجاج قتله، وقتله له افراط وتفريط كسائر أفعاله، عليه ما يستحق من الله، لأن مجرد قول هذا البيت لا يستوجب القتل بل التأديب، وهمّ عارض وهو ما يخطر بالقلب أو تحدث به النفس من غير اختيار ولا عزم ولا نية ولا رضى ولا عقيدة كهمّ يوسف ﵇، فالعبد ليس مؤاخذ به ما لم يتكلم أو يعمل، يؤيد هذا ما روي عن أبي هريرة ان رسول الله ﷺ قال: يقول الله ﵎ إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة ولم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له عشرا. هذا لفظ مسلم، وللبخاري بمعناه، على أن يوسف ﵇ لم يقع منه هم البتّة كما مشينا عليه من تفسير الآية، ولأن الله تعالى لم يحك عنه شيئا كما حكى عن آدم ﵇ في قوله (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا) الآية ٢٣ من سورة البقرة ج ٣، وعن داود ﵇ في قوله (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ) الآية ٢٤ من سورة ص في ج ١، وعن موسى ﵇ في قوله (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) الآية ٢٦ من القصص المارة في ج ١، وعن سليمان ﵇ في قوله (رَبِّ اغْفِرْ لِي) الآية ٢٦ من سورة ص أيضا، إلى آخر ما جاء عنهم ﵈ كنوح وذي النون وغيرهم، فيظهر من هذا أنه براء مما نسب إليه من الهم المطلق لأنه لو وقع منه لأتبعه بالتوبة والاستغفار كإخوانه الأنبياء ﵈، ومن هنا يعلم عدم صدور شيء منه البتة، وما قيل إن هذه الحادثة قبل نبوته مردود لما تقدم أن الله ﵎ نبأه في البئر، وينافيه سياق الآية، وسياق إتيانه النبوة على هذه الحادثة يرده أيضا، وإن

стр. 1264

ما جرينا عليه مأخوذ من أقوال السلف الصالح كجعفر الصادق وغيره من كبار المحققين، والآية على حد قوله تعالى (إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها) الآية ١٠ من القصص المارة في ج ١، وعلى هذا يكون معنى الآية لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها واللام ليست بواجبة في جواب لولا إذا كانت بصيغة الماضي كما هنا، فيأتي باللام وبدونها يقال لولا زيد لأكرمتك، فحيث وجد البرهان انتفى الهم، كما أن وجود زيد في المثالين ينفي الإكرام. مطلب في لولا والسبب في نقل ما فيه وهم يوسف ﵇ والأحاديث الموضوعة: ولولا حرف امتناع لوجود، تقول لولا علي لهلك عمر، ولولا عصمة الله لقارفت الذنب، أي امتنعت مقارفة الذنب لوجود العصمة. وهنا امتنع الهم المزعوم لوجود البرهان، قال السيد محمود الآلوسي ﵀ في تفسيره روح البيان بعد الأخذ والرد: نقول للجهلة الذين نسبوا تلك الفعلة الشنيعة إلى يوسف ﵇ إن كانوا من اتباع الله فليقبلوا شهادته على طهارته- يريد بعض ما ذكرنا من الشهادات الخمس التي ذكرناها آنفا- وإن كانوا من اتباع إبليس فليقبلوا شهادته، يريد ما ذكرناه أيضا، وقوله (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) وإذا كان هؤلاء السفلة زادوا على إبليس كما قال الحريري: وكنت امرأ من جند إبليس فانتهى ... بي الحال حتى صار إبليس من جندي فلو مات قبلي كنت أحسن بعده ... طرائق فسق ليس يحسنها بعدي فذاك أمر آخر، فعلم مما مرّ أن ما نقله الواحدي واضرابه من هذه الشبهات الشائنة والشوائب السافلة مصدره القصص والحكايات وكتب أهل الكتاب المحرّفة، أما الصحيح منها فمبرا من ذلك، وقد تصلّف بعض القائلين لهذه الأقوال فقال إن ما ذكرناه نقلناه عن الذين أخذوا التأويل ممن شاهدوا التنزيل، وهو لعمري غير صحيح، وإنما هو من قال وقيل، وان بعض المفسرين الذين اغتروا بما وجدوه من تلك الأقوال الواهية المدونة في كتب غير معتبرة ونقلوها كما وجدوها، ولم ينظروا إلى الأقوال الواردة في تفنيدها، ولم يلقوا لها بالا، كما وقع للإمام

стр. 1265

السيوطي وبعض علماء الحديث إذ نقلوا أحاديث موضوعة لا أصل لها وأثبتوها في كتبهم بناء على سلامة طويتهم وظنهم أن أحدا لا يختار الكذب على حضرة الرسول كما ظن آدم ﵇ أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، فصدق إبليس في قسمه كما حكى الله عنه في قوله (إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ) الآية ٢١ من الأعراف المارة في ج ١، ومن هذا القبيل الإمام البيضاوي ﵀ مع جلالة قدره نقل مائة وأربعة عشر حديثا وأثبتها في أواخر سور القرآن من تفسيره، مع أنها جلها موضوعة، ولا يقال لمثله إنه جاهل بمعرفة الأحاديث، ولكنه نقلها كما رآها عن حسن نية، تجاوز الله عنه وسامحه، وهو نقلها تبعا للثعلبي، وكذلك مفتي الثقلين أبو السعود وجار الله الزمخشري ذكراها على ما هما عليه من العلم الواسع والفضل العميم، وهي في الحقيقة من وضع بعض المتعبدين الجملة الذين يزعمون أن في ذلك قربة، مع أنها فرية عظيمة جرت على ألسنة العوام وتداولوها بينهم حتى الآن، ويسندونها بأقوالهم لحضرة الرسول وهو منها براء، راجع بحث الحديث الموضوع في حاشية لقط الدرر على متن نخبة الفكر للإمام ابن حجر ﵀ تجد ملاك هذا البحث بما يقنعك أنها مكذوبة على حضرة الرسول ولا يجوز نقلها، تدبر. قال تعالى معلنا براءة يوسف ﵇ والثناء عليه بموقفه الذي وقفه أمام سيدته بقوله عز قوله «كَذلِكَ» مثل هذا التثبت ثبتناه حتى عن الهمّ بالسّوء «لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ» أي جنسه وحقيقته بما يشمل الخيانة وغيرها «وَالْفَحْشاءَ» اي الزنى القبيح نصرفه عنه أيضا «إِنَّهُ» السيد يوسف عبدنا ونبينا «مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ٢٤» الذين اخترناهم لعبادتنا وخلافتنا في أرضنا، وفي هذه الجملة معنى التعليل أي صرفنا عنه ذلك لكونه من خلص عبادنا. هذا على القراء بفتح اللام وعلى كسرها يكون معناه الذين أخلصوا لنا فأطاعونا كما أردنا فحفظناهم مما لا نريد وعصمناهم مما يشين، وفي هذه الآية عند من له لب أو ألقى السمع للحق ما ينقطع معه عذر أولئك المتشبثين بأذيال هاتيك الأخبار التي ما أنزل بها من سلطان، ولم يقل بها أحد من أهل الشان، وأن ما زعموه من إلصاقها ببعض الرجال زور وخال عن البرهان، وما لهم عليه من بيان، اللهم إلا اتباع الظن وما تهوى الأنفس، راجع الآية ٢٢

стр. 1266

من سورة والنجم في ج ١، ومما يؤذن في براءته قوله جل قوله «وَاسْتَبَقَا الْبابَ» هو هربا منها وخلاصا مما تريده، وهي لحاقا به وطلبا له لئلا يفلت من يدها وتفلس مما أرادته عليه، فأدركته فأمسكت قميصه من الخلف وجذبته بشدة لئلا يخرج من الباب وهو جبذ نفسه إلى الأمام ليخرج منه، فلو كان هناك بعض الهم لما وقع منه هذا «وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ» بسبب تلك المجاذبة القوية لأن كلّا منهما بذل غاية قوته فيها، فاجتماع القوتين سبب القدّ، إذ لو تراخى أحدهما لما وقع، وهناك في هذه الحالة صادقا «وَأَلْفَيا سَيِّدَها» أي زوجها لأن العادة في ذلك الزمن تدعو الزوجة زوجها بسيدها، وأهل دمشق الأول كانوا كذلك، وحتى الآن لهم بقية تسمي الزوج سيدا، ولم يقل تعالى سيدهما لأن يوسف ﵇ لم يكن مملوكا حقيقة للعزيز، لأنه حرّ لا يملك فضلا عن أنه نبي كريم «لَدَى الْبابِ» رأياه مقبلا نحوه يباشر فتحه ليدخل، وهذه صدقة لم تتوقعها زليخا وإنها كما غفلت عن تسكير الأبواب على يوسف بالغال غفلت عن إغلاق باب الدار، فهابت زوجها وخافت التهمة، واحتالت لتبرىء ساحتها عنده، وسبقت يوسف بالكلام «قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً» تريد زنى، ثم أنها لشدة حبها بيوسف خافت عليه أن يقتله زوجها لهذه التهمة وتحرم مما هي طامعة فيه منه ومؤملة صدوره ولو بعد حين، فبادرت زوجها قبل أن يتكلم وقالت ليس جزاؤه القتل إذ لم يقع منه فعل ولا جزاء له على المراودة «إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ ٢٥» بأن يضرب ضربا مبرّحا ولم تذكر اسم يوسف بذلك، بل قصدت العموم أي كل من أراد ذلك بأهلك حقه أن يفعل به هكذا، لأنه أبلغ فيما قصدت من تخويفه طعما في أن يوافقها على ما تريده منه ولم تقدر أن تستخدم كلامها بأكثر من ذلك لحراجة الموقف، وإلا فهي لا تريد أن تصم يوسف بشيء أصلا لأنها لم تقطع أملها منه «قال يوسف ﵇ مدافعا عن نفسه لأنها وصمته أولا، ولو سكتت لما كشف أمرها، ولكنها لما قالت ما قالت ولطخت عرضه بمواجهة سيدها وهو بريء فاضطر إلى إزالة التهمة عنه ولم يثنه الخوف فخاطب سيدها بما ذكر الله عنه قال «هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي»

стр. 1267

وأنا لم أرد بها سوءا فالحت علي فأبيت وضايقتني بتغليق الأبواب، فهربت فلحقتني واجتذبتني من الوراء وجذبت نفسي إلى الامام للتخلص منها فأخرج إلى الطريق فقدّ قميصي بسبب تجاذب القوتين كما ترى، فأمعن نظره في كلامها فلم يعرف أيهما أصدق بسائق الميل إلى زوجته، وهناك جاء ابن عم زوجته. مطلب من تكلم في المهد وكيد النساء والحذر من مخالطتهن: قالوا وكان رجلا حكيما وهو المعني بقوله تعالى «وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها» وقيل إنه ابن خالها أو أختها وعلى كل فالمراد به أنه رجل كبير ذو رأي سديد وهناك قول آخر مشى عليه أكثر المفسرين بأنه طفل في المهد من أقاربها استدلالا بما روي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال تكلم في المهد أربعة وهم صغار ابن ماشطة ابنة فرعون وشاهد يوسف وصاحب جريح وعيسى بن مريم. قال الطيبي وهذا الحديث ذكره البغوي بلا سند، فلا يعتمد عليه، ومما يؤيد عدم اعتماده دلالة الحصر في حديث الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم وصاحب جريح وصي كان يرضع من أمه فمر راكب حسن الهيئة فقالت أمه اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الصبي الثدي وقال اللهم لا تجعلني مثله، وردّه الجلال السيوطي فقال هذا منه أي من الطيي على جاري عادته من عدم الاطلاع على طرق الأحاديث، والحديث المتقدم صحيح على شرط الشيخين، أخرجه أحمد في مسنده، وابن حيان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وصححه من حديث بن عباس، ورواه الحاكم من حديث أبي هريرة وقال صحيح على شرط الشيخين، وفي حديث الصحيحين المشار إليه آنفا زيادة على الأربعة وهي الصبي الذي يرضع من أمه المذكور فصاروا خمسة، وهم أكثر من ذلك، ففي صحيح مسلم ﵀ تكلم الطفل في قصة أصحاب الأخدود كما تقدم في سورة البروج في ج ١، وفي الآية ١٣ فما بعدها من سورة ص في ج ١ أيضا، وقد جمع الألوسي من تكلم في المهد فبلغوا أحد عشر صبيا وبينهم بقوله: تكلم في المهد النبي محمد ... ويحيى وعيسى والخليل ومريم

стр. 1268

ومبري جريح ثم شاهد يوسف ... وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم وطفل عليه مر بالأمة التي ... يقال لها تزني ولا تتكلم وما شطة في عهد فرعون طفلها ... وفي زمن الهادي المبارك يختم وقيل إن الطيبي لم يرد الطعن بالحديث المذكور وإنما أراد أن يبين الحديث الدال على الحصر وغيره تعارضا يحتاج إلى التوفيق والله أعلم. وما قيل إن الشاهد هو القميص المقدود ليس بشيء كما لا يخفى، وقد جعل الله تعالى الشاهد من أهلها على كلا القولين أي كبيرا كان أو صغيرا ليكون أدل على نزاهته ﵇ وأنفى للتهمة وألزم لها، فإذا كان كبيرا تكون شهادته بمثابة الحكم أي حكم حاكم من أهلها، وإذا كان صغيرا وقد أنطقه الله الذي أنطق كل شيء فذكر كونه من أهلها لبيان الواقع لأن شهادة الصبي حجة قاطعة لا فرق فيها بين أن يكون قريبا أو بعيدا، وسمي شاهدا لأنه أدى كلامه جهرا لدى الطرفين تأدية الشاهد شهادته لدى الحاكم، ولأنه دل على الشاهد الحسي وهو تمزيق القميص المذكور في قوله تعالى «إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ ٢٦» فيما دافع به عن نفسه وهي صادقة بدعواها «وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ٢٧» في دفاعه وهي كاذبة في دعواها وظاهر الحال يؤيده إذ لا يعقل شق القميص من الوراء من قبل الطالب، وهذه الآية تشير إلى أن الشاهد كان طفلا لأنه لو كان كبيرا وكان معهم على الباب فلا بدّ وأن يطلع على التّمزيق هل هو من أمام أو من خلف، ولم يسأل عن شق القميص، فلو قال القائل بهذا إنه جاء بعد العزيز وأن العزيز حكى له الحالة دون أن يطلع على القميص وأنه حكم بما حكم له بحالة لم يشاهد معها شيئا من ذلك، لكان أقبل للأخذ به. هذا وبعد أن سمع العزيز كلام الشاهد نظر زوجها إليه وعاينه قال تعالى «فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ» أيها الماكرات المحتالات «إِنَّ كَيْدَكُنَّ» أيتها النساء «عَظِيمٌ ٢٨» جدا يعجز عنه الرجال جانحا بهذا إلى تصديق شهادة الشاهد المكذبة لا دعاء زوجته والمحققة صدق دفاع يوسف، وقد خاطبها بلفظ عام بمقابلة خطابها له به إذ قالت

стр. 1269

(ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً) ، وتنبيها إلى أن الكيد خلق لهن عريق، والمكر من شأنهن قديم، والحيل من عاداتهن والخداع دأبهن، والفتنة من ديدنهن، قال أبو تمام: ولا تحسبا هندا لها الغدر وحدها ... سجيّة نفس كل غانية هند وإنما وصف الله كيدهن بالعظم أشدّ تأثيرا في النفس ولأنه منهن يورث العار بخلاف صدور لكونه من الرجال، ولربات القصور منهن القدح المعلّى لأنهن أكثر تفرغا من غيرهنّ، ولأن أحدا لا يجسر على فضيحتهن غالبا. هذا ولعظم كيد النساء اتخذهن إبليس عليه اللعنة وسائل لإغواء من صعب عليه إغوائه، ففي الخبر ما أيس الشيطان من أحد إلا أتاه من جهة النساء، وفي خبر آخر: اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن إبليس طلاع رصاد وما بشيء من فخوخه بأوثق لصيده في الأتقياء بالنساء، قال بعض العلماء إن الشيطان يوسوس مسارقة وهن يواجهنن به. وقال آخر أنا أخاف من النساء أكثر من الشيطان لقوله تعالى (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً) الآية ٧٥ من سورة النساء في ج ٣. وقال هنا (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) وجاء في الحديث: اطلعت إلى النار فوجدت أكثر أهلها النساء إلخ يكفرن العشير. وجاء، النساء حبائل الشيطان. وقال ﵇: لا تطلعوا النساء على حال، ولا تأمنوهن على مال، ولا تذروهن إلا لتدبير العيال، إن تركن وما يردن أوردن المهالك، وأفسدن الممالك، ينسين الخير، ويحفظن الشر، يتهافتن بالبهتان، ويتمادين في الطغيان. وقال سليمان ﵇ امش وراء الأسد ولا تمش وراء المرأة. وقال ﷺ : إياكم ومحادثة المرأة فإنه لا يخلو رجل بامرأة ليس لها محرم إلا هم بها. وقال علي كرم الله وجهه: إياك ومشاورة النساء فإن رأيهنّ إلى أفن (ضعف ونقص) وغرمهن إلى وهن (ضعف في الأمر والعمل والبدن) اكفف أبصارهن بالحجاب، فإن شدة الحجاب خير لهن من الارتياب، وليس خروجهن بأضرّ من دخول من لا يوثق به عليهن، فإن استطعت أن لا يعرفن غيرك فافعل، ويأتي الأفن بمعنى الأحمق ضعيف الرأي قليل التدبير، والوهن الضعف والفتور. وقال أبو بكر ﵁: ذل من أسند أمره إلى امرأة. وقال عمر رضي

стр. 1270

الله عنه: أكثروا لهن من قول لا، فإن نعم تغريهن على المسألة وقال استعيذوا بالله من شر النساء وكونوا من خيارهن على حذر. وجاء في حكمة داود ﵇ وجدت في الرجال واحدا بألف ولم أجد واحدة في جمع النساء. وقال الحكماء لا تثق بامرأة ولا تغتر بمال وإن كثر. وقال النخعي من اقتراب الساعة طاعة النساء، ويقال من أطاع عرسه فقد أضاع نفسه، وقال بعض الحكماء: إياك ومخالطة النساء فإن لحظات المرأة سهم ولفظها مهم. وورد: ما اختلى رجل بامرأة إلا كان الشيطان رسولها إليه ورسوله إليها وللنساء حيل في إتمام مرادهن لا يقدر على بعضه عظام الرجال، فالمرأة إذا أحبتك أكلتك، وإذا أبغضتك أهلكتك، وهي الشر كله فاتقها بكلك. ثم التفت العزيز إلى يوسف وقال يا «يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا» الذي وقع لك مع سيّدتك لا تذكره واطو حديثه، والتفت إليها وقال توبي «وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ» اقترفتيه مضاعفا بتهمتك غلامك من إرادة السوء الذي أنت مصدره، واندمي على تعديك عليه بما رميته به «إِنَّكِ كُنْتِ» بعملك هذا «مِنَ الْخاطِئِينَ ٢٩» لخيانتك زوجك والبهت على غلامك، ولم يقل الخاطئات تغليبا للرجال على النساء. واعلم أن الحكم الماهر بجملته تلك التي حكم بها قد عرف زوجها منها خيانتها من وجوه: لأن يوسف مملوك عندهم والمملوك لا يتجاسر على سيدته، ولأنه شاهدهما هو هارب وهي طالبة والطالب لا يهرب، ولأنه رآها مزينة بأكمل الزينة ويوسف بدرعه لا غير، ولم ير عليه شيئا من علائم الرغبة، بل عليه علامة الرهبة منها والخوف من الله، ولأنه خبره في هذه المدة الطويلة خمس عشرة سنة ووقف على حاله وكمال أدبه وأحاسن أخلاقه وحيائه وخجله وعدم اطلاعه على حالة تناسب إقدامه على مثل تلك الحالة، وقد أيد عدم رغبته قد قميصه من دبر، ولذلك ألصق التهمة فيها، هو وابن عمه على القول بأنه هو الشاهد وبرأه مما عزي إليه، وإذا كان الشاهد صغيرا وهو ما يركن إليه الضمير فإن براءته قطعية لا ظن فيها، لأنها من الله معجزة له ﵇، والله خير الشاهدين، وبما أن الله تعالى لم يبين لنا هذا الشاهد فقد جمعنا بين أقوال المفسرين في هذا الشأن ووكلنا العلم إلى الله، وإنما ملنا إلى القول الثاني لأن الشاهد الكبير ابن عم زوجها والصغير ابن خالها أو أختها، والله تعالى يقول من أهلها، تدبر.

стр. 1271

مطلب أقسام الخطأ ومراتب الحب ومعنى الفتى والمتكأ والإكبار: واعلم أن الخطأ ثلاثة أقسام: الأول أن يريد غير ما تحسن إرادته فيفعله وهذا الخطأ التام المأخوذ به، والثاني أن يريد ما يحسن فعله ولكن يقع منه خلاف ما يريد وهذا أصاب في الإرادة وأخطأ بالعمل، وعليه قوله ﷺ من اجتهد فأخطأ فله أجر، والثالث أن يريد ما لا يحسن فعله ويتفق منه خلافه فهذا مخطئ بالإرادة مصيب بالفعل. وما نحن فيه راجع إلى الأول. قالوا وكان العزيز مع حلمه قليل الغيرة فقد اقتصر على هذا القول وكان عليه بعد أن قنع بخطأ زوجته أن يفعل بها ما يفعل غيره بمثلها من أهل المروءة والشرف، وقد جاء في البحر أن تربة إقليم العزيز أي في زمنه اقتضت ذلك ولكونه وثنيا لا يعبأ به، وأين هذا مما جرى لبعض الملوك في المغرب، وذلك أنه كان مع ندمائه المختصين به في مجلس أنس وجاريته تغتيهم من وراء ستار، فاستعاد بعض خلصائه ببيتين من الجارية كانت غنت بهما، فما لبث أن جيء برأس الجارية مقطوعا في دست، وقال له الملك استعد البيتين من هذا الرأس فأسقط في يده ومرض مدة حياته. ولهذا فإن المصريين تركوا المدينة التي كان فيها العزيز وشيدوا غيرها وسكنوا فيها لما هم عليه من المروءة والشهامة والغيرة، قالوا وشاع الكلام بين خدم القصر وانتقل لغيرهم كما قال الشاعر: وكل سرّ جاوز الاثنين شاع. قال تعالى «وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ» جماعة من النساء لما سمعن الخبر من امرأة الساقي والخباز وامرأة صاحب الدواب وصاحب السجن والحاجب وغيرهن من ملازمي القصر اللاتي أشعن الخبر للنساء اللاتي اتصلن بهن من أهل المدينة، قيل هي الأقصر أو عين الشمس أو غيرهما في ذلك الزمن، وسرى الخبر لأشراف النساء من صنف امرأة العزيز وصرن يتحدثن به بكون «امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا» علقها حبه والشغاف جارة معلقة بالقلب تسمى غلافه ولسانه، يعني أن حبها دخل هذه الجلدة ووصل إلى القلب فأحاط به، فصارت مغرمة به لا تعقل شيئا سواه، وقيل الشغاف سويداء القلب، وقال الحسن باطنه، وقرىء شعفها بالعين أي حرق فؤادها حبه وعليه قول الأعشى:

стр. 1272

يعصي الوشاة وكان الحب آونة ... مما يزيّن للمشعوف ما صنعا وقال بعضهم الشعف الجنون ويأتي الشعف بمعنى البغض وليس مرادا هنا، وللحب مراتب أولها الهوى ثم العلاقة وهي الحب الملازم للقلب، ثم الكلف وهو شدة الحب، ثم العشق وهو اسم لما فضل عن المقدار المسمى بالحب، ثم الشغف وهو احتراق القلب مع لذة يجدها، وكذلك اللوعة واللاعج ثم الشعف بالعين وهو كذلك أيضا، وزيد فيه أن يبلغ الحب شفاف القلب فيخترقه إلى الفؤاد، ثم الجوى وهو الهوى الباطن، ثم اليتم وهو أن يستعبده الحب، ثم النّيل وهو أن يسقمه الحب بأن ينال من قواه فيهلكها، ثم التوله وهو ذهاب العقل من الحب، ثم الهيوم وهو أن يذهب على وجهه لغلبة الهوى عليه فلا يدري أين هو، ولهذا قالوا الهاثم لا يقصر الصلاة لأنه لا جهة له معينة ولا مدة معلومة، قال ابن الفارض: هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل ... فما اختاره مضنى به وله عقل الأبيات، إلى أن قال: فأوله سقم وآخره قتل. راجع هذه القصيدة فقيها ما تريده من معاني الحب وأنواعه ومباديه ونتائجه. وجاء في الآية تراود بالمضارع مع أن المراودة انقطعت والمقام يناسبه الماضي دلالة على دوام المراودة كأنها بقيت مستمرة حتى صارت سجية لها، وهو كذلك، والله أعلم بما في القلوب. والفتى الطري من الشباب والسخي والكريم، ويطلق على المملوك والخادم، رجاء في الحديث لا يقل أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي. ويطلق على الشهم ذي المروءة، وأطلق على يوسف لأنه جامع لهذه الصفات كلها، وإنما عبروا عنه بلفظ فتى مبالغة باللوم عليها، لأن التي لها زوج عظيم مثل زليخا لا يليق بها أن تراود غيره ممن هو دونه في زعمهنّ، لأنه كان يخدمها وليس بينه وبينها كفاءة، يرون أن جنوحها إلى عبدها في غاية الغي ونهاية الضلال، لذلك قلن كما ذكر الله عز ذكره «إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» ٣٠ في إقدامها على ذلك وخيانتها لزوجها الرجل الجليل بمراودتها خادمها، وذلك من الخسة بمكان، قالوا هذا لأنهن لم يعلمن أنه أشرف من على وجه الأرض في زمنه. قال تعالى «فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ» قولهن واغتيابهن لها وسمته مكرا لشبهه له في الإخفاء عنها، لأنهن لم يصارحنها به

стр. 1273

لما بلغهن عن يوسف وأردن بقولهنّ هذا اغضابها تعمدا كي تريهن يوسف لما بلغهن من جماله وكماله حيلة منهن لهذه الغاية، ولذلك «أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ» كي تريهنّ إياه فتقطعن اللوم عنها، وقد عرفت ذلك لأنها تعرف من أمرها ما تعرفه من أمر غيرها عند ما تراه «وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً» أترجا هو نوع من البرتقال، وما قيل إنه تفاح ينفيه قوله تعالى «وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً» لأن التفاح يغسل ويؤكل بقشره لما فيه من النفع الذي لا يوجد بلبّه، والأترج لا يؤكل قشره لأنه مفصول عنه وليس من لونه وطعمه، وهكذا جعل الله تعالى كل قشر لا يؤكل مع اللب مفصول عنه كالموز والرمان وأنواع البرتقال والجوز واللوز والفستق والبندق وأنواعه وما شابهه، وإنما قلنا يغسل لأن القشر قد يحمل جراثيم كثيرة تعرضه الذرات الممتزجة بالهواء والسّم الذي فيه وهي لا تخلو من ضرر للوجود الذي أوجب الله تعالى عليه محافظته، وقد جاء في الخبر: من أكل التراب فقد أعان على قتل نفسه، وجاء في خبر آخر: اتقوا الغبار فإن فيه النسمة وهي ما يعبرون عنها ب (الميكروب) وبما أن قشور الفواكه لا يخلو من التراب وهو قد لا يخلو من النسم فقد اعتادوا تقشيرها زيادة في الترف ووقاية من الضرر، وإذا كان قشر الفاكهة أو الخضرة المتصل بها مخالفا للبّها في اللون أو الطعم كالبطيخ الأخضر والخيار وما يشبههما فإن شاء قشره وإن شاء أكله بقشره لأنه غالبا لا يكون بينه وبين لبه مباينة في الطعم تمنع من الأكل كالباذنجان والقرع والقثاء والعجور وما ضاهى ذلك، وإذا لم يكن عاسيا فطبخه وأكله مع لبه أحسن فائدة للوجود، والبطيخ الأصفر يؤكل بقشره أيضا ويجوز بغيره للمترفين إذ يأكله خدمهم وأنعامهم، روي أن الإمام أحمد بن حنبل ﵁ لم يأكل البطيخ الأصفر إذ لم يبلغه أن حضرة الرسول أكله بقشره أو بغير قشره، لأنه غالبا يكون قشره من لونه وطعمه وليعلم أن تقشير التفاح والإجاص والخوخ والكمثرى والمشمش وما شاكلها يكون من البطر وازدراء النعمة وإظهار العظمة، وقد يكون كسلا عن القيام بغسله غسلا جيدا. هذا وإنما أتتهم بالسكاكين لأنهن مترفات لينات البنان لا يقدرن أن يزلن القشر بأيديهن، وما قيل إن المتكأ هنا كناية عما يتكأ عليه من النمارق والوسائد

стр. 1274

يرده الإتيان بالسكاكين لعدم الحاجة إليها فيه، وقال بعضهم إنه نفس الأكل إذ يقال اتكأنا عند فلان، أي أكلنا عنده، وعليه قول جميل: فظلنا بنعمة واتكأنا ... وشربنا الحلال من قلله وعلى هذا فقد اختلف في نوعه هل كان لحما أو ورقا ملفوفا بجبين أو بلحم أو بلوز، وشبهه من الحلويات التي تقص بالسكين وتؤكل بالشوكة، ولكن الأول أولى وأليق بالمقام، لأن ما يقدم للزائرين عادة فاكهة أو حلو مقطع ناسف لا طعام. ثم تركنهن حتى باشرن بتقشيره وأشغلتهن به وكانت قد ألبست يوسف ﵇ من الديباج الأبيض، لأن الجميل أحسن ما يكون في البياض صيفا والسواد شتاء كما قيل: إذا لبس البياض حسبت بدرا ... وإن ليس السواد سبى العبادا والتفتت إليه بما يتنبهن له «وَقالَتِ اخْرُجْ» للسلام «عَلَيْهِنَّ» فخرج، فإذا هو كالبدر ليلة تمامه «فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ» أعظمته بأعينهن ودهشن لما هو عليه من الحسن والجمال المزينين بحلل الكمال، قالوا إنه كان يشبه آدم ﵇ حين خلقه ربه قبل أكله من الشجرة وإهباطه للأرض، وجاء في الحديث إن الله خلق آدم على صورته، وفي رواية على صورة الرحمن وناهيك بذلك، وما قيل إن أكبرن بمعنى حضن بالاستناد لقول القائل: يأتي النساء على أطهارهن ولا ... يأتي النساء إذا أكبرن إكبارا أي حضن فقد أنكره أبو عبيده وقال لا نعرف ذلك في اللغة، والبيت مصنوع مختلق لا يعرفه العلماء بالشعر. ونقل مثل هذا عن الطبري وابن عطية، وقد أخرج رواية أكبرن بمعنى حضن جرير وابن المنذر من طريق عبد الصمد عن ابن عباس، وهو أي عبد الصمد وإن كان روى ذلك عن أبيه علي عن أبيه ابن عباس، فلا يعول عليه لقولهم إنه عليه الرحمة ليس من رواة العلم. وقال الكميت إن أكبرن بمعنى أمنين، ولعل الكلام فيه كالكلام في الذي قبله، نعم له أصل في اللغة إذ قال المتنبي: خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... إذا لحت حاضت في الخدور العواتق

стр. 1275

إلا أنه لا دليل على ذلك، لأنه قال حاضت ولم يقل أكبرت أو أمنت، ولا يبعد أن تحيض أو تمني المرأة إذا اشتد شبقها، وكذلك الرجل قد يمني بمجرد النظر إلى المرأة، ولكن ما في الآية لا يراد منه ذلك، على أنه لو فرض مجيء أكبرن بمعنى حضن فهو لازم لا يتعدى إلى المفعول به لأنه من الطبائع والنعوت، وكل ما كان كذلك فهو لازم، وما في الآية متعد، فيكون بمعنى أعظم المتعدى كما جرينا عليه، والله أعلم. «وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ» بدلا من الأترج لفرط دهشنهن بطلعته وخروج جوارحهن عن منهاج الاختيار، حتى أنهن لم يحسسن بالألم لا نشغالهن بالنظر إليه «وَقُلْنَ» بلسان واحد تعجبا من قدرة الله الكاملة على صنع ذلك القوام الرائع والحسن البديع «حاشَ لِلَّهِ» بالألف وإسقاطها وهو حرف وضع للاستثناء والتنزيه والتبعد معا، ثم نقل وجعل اسما بمعنى التنزيه وتجرد عن معنى الاستثناء، ولم ينون مراعاة لأصل المنقول عنه، وكثيرا ما يراعون ذلك فيقولون جلست من على يمينه فيجعلون على اسما ولم يعربوه، وكذلك عن في جلست من عن يساره ومن في غدت من عليه، ولم يثبتوا ألف على مع المضمر كما أثبتوا ألف فتى في فتاة، كل ذلك مراعاة للأصل، وقال ابن الحاجب إن (حاشَ لِلَّهِ) اسم فعل بمعنى برىء الله تعالى من السوء وليس بشيء، لأن الحرف لا يكون اسما إلا إذا نقل وسمي به وجعل علما، فجينئذ تجوز فيه الحكاية والإعراب وفيه أقوال كثيرة أعرضنا عنها خشية الإطالة والملالة، ولا طائل تحتها، على أن الذي يعلل الكلمات يرى الكل جائزا بحسب وسعته في اللغة، كما ان الذي له وقوف على العربية لا يكاد يغلط أحدا، إذ يرى لكل وجهة، وغير خاف أن وجوه الإعراب كثيرة ولغات العرب فيها أكثر، أي أن الذي ذكروه لنا بأنه عبد اغترت به زوجة العزيز ما هو عبد بل «ما هذا بَشَراً» أيضا فضلا عن أنه ليس بعبد «إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ٣١» نفين عنه صفة البشرية لما هالهن من جماله، لأنهنن لم يرين بشرا بشبهه بالحسن وقوام الجوارح، وأثبتن له الملكية لما ركز في الطبائع أن لا شيء أحسن من الملك ولو لم يره أحد، كما ركز في

стр. 1276

الأذهان أن ليس بشيء أقبح من الشيطان ولم يره أحد أيضا، أي بصورتهما الحقيقية وعليه قول بعض المحدثين: ترك إذا قوبلوا كانوا ملائكة ... حسنا وإن قوتلوا كانوا شياطينا ولا سيما وقد انضم لذلك الجمال الرائق نور النبوة وآثار خضوعها واخباتها لرافع السماء وباسط الأرض من الحالة التي أوقعته فيها مما زاده مهابة ووقارا، فلا غرو أن يصيبهن الدهش والذهول فيصرعهن ويصرف نظرهن عما في أيديهن من الأترج إلى أيديهن، فيغقلن عنه ويقطعن أيديهن بدله، ولم يشعرن بما عملن لأن طلعته البهية ألهبت في قلوبهن ما يمنعهن من الإحساس بألم الموسى، وانهماك انسان أعينهن في التطلع إليه حال دون رؤية الدماء التي سالت من أيديهن على ثيابهن، فلما رأت زليخا ما صنعن بأنفسهن وعلمت أنهن قد أعذرنها بما فعلت، ولو أنهن شاهدنه قبل مثلها واختلطن معه اختلاطها لما لمنها، لأنهن رأينه لحظة فوقع منهن ما وقع، فكيف وهي معه ليل نهار، لهذا تسلطت عليهن و «قالَتْ فَذلِكُنَّ» العبد الذي تتقولن وتتفوهن فيه، والفتى «الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ» ثم صرحت أمامهن بما وقع منها فقالت مقسمة «وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ» امتنع وأبى، والاستعصام مبالغة في الامتناع والتحفظ الشديدين، ثم أقسمت ثانيا فقالت «وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ» به من الوقاع والله والله والله «لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ ٣٢» الأذلاء المهانين مع السراق والسفاك في السجن، قالت ذلك لأنها علمت مما شاهدته من دهشتهنّ به انهن لا يلمنها بعد بل يعذرنها، قالوا ثم قال النساء كلهن يا يوسف أطع مولاتك لئلا تسجن، فلم يصغ لهن وانصرف عنهن قائلا «رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ» أضاف الضمير إليهن كلهن مع أن مولاته وحدها تدعوه لأنهن أمرنه بامتثال أمرها بالفعل، فناجى ربه ملتجئا إليه وآثر السجن لأن مشقته نافذة طلبا إلى راحته الأبدية برضاء الله تعالى، ومن هنا قالوا يختار أهون الشرين، وقد جاء في الخبر أنه ﵇ لما قال هذا أوحى الله إليه يا يوسف أنت جنيت على نفسك ولو قلت العافية أحب إلي لعوفيت، ولهذا قال محمد ﷺ لما سمع رجلا يقول اللهم إني أسألك

стр. 1277

الصبر فقال سألت البلاء فاسأل الله العافية، ثم التجأ إلى ربه فقال «وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ» ومكرهن واحتيالهن أخاف يا رب «أَصْبُ» أميل ميلا قلبيا لا اختيار لي فيه بحسب الطبيعة البشرية قد تحدّت النفس نفسيا ركوني «إِلَيْهِنَّ» ولو تخطرا بالقلب أو هاجا في النفس، وأخاف يا مولاي ان يؤثر (ومعاذ الله يا مولاي) فيّ لأني بشر، وحاشاك يا مولاي أن تريد ذلك مني أو تتغلب على نفسي بشيء من ذلك، وهذا فزع منه ﵇ إلى ألطاف ربه جريا على سنن الأنبياء وطرق العارفين الكاملين في قصر نيل الخيرات والنجاة من الشرور على جناب الله تعالى، وسلب القوى والتصور عن أنفسهم مبالغة في استدعاء عطفه تعالى عليه في صرف كيدهن عنه بإظهار عدم طاقته بالمدافعة إلا بحوله وقوته عز شأنه كقول المستغيث أدركن يا رب وإلا أهلك، وقد لا يهلك، لأنه ﵇ يطلب الالتجاء إلى ربه ليعصم وفي نفسه داعية سوء إن لم يعصمه، كلا وحاشاه من ذلك، وفي هذه الآية جواب استدلال للأشاعرة بأن العبد لا ينصرف عن المعصية إلا إذا صرفه الله تعالى (وأصل إلا) أن الشرطية ولا النافية فأدغمت النون باللام (وأَصْبُ) مضارع صبا إذا مال ومنه ريح الصبا لأن النفوس تميل إليها لطيب نسيمها وروحها والصبابة إفراط الشوق، وفي القاموس صبى بمعنى مال، وصبى بمعنى حنّ، والصبوة جهلة الفتوة، ثم قال منددا من خوف ما سيكون من إحساسات قلبية خشية مغبته باثا سوء نتيجته إلى ربه «وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ٣٣» الذين لا يعلمون ما يعملون، وفي هذه الجملة إشارة إلى أن من يرتكب الذنب فإنما يرتكبه عن جهالة وهو ليس من أهلها، لذلك دعا ربه إنقاذه مما يراد فيه «فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ» كما هو عادته ﷻ في أنبيائه وأوليائه وأحبابه في إجابة أدعيتهم عند الضيق كما سيأتي في الآية ١١٠ من هذه السورة «فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ» وثبته بعصمته وأبقاه على عفته وحال بينه وبين المعصية ودواعيها «إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ» لدعاء عباده المتضرعين إليه «الْعَلِيمُ» بأحوال الداعي ونيته وما يصلح له. وتدل هذه الآية على أن الإنسان لو أتى بكل مكر وحيلة لإزالة ما وقر في صدره من حب وعداوة لعجز، لأن حصولها ليس باختياره ولو كان لتمكن من

стр. 1278

قلب الحب كرها والعداوة صداقة، وبالعكس، ولهذا لجأ يوسف ﵇ إلى ربه ليصرف ما حاك في صدره الشريف، قال المتنبي: يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل ولهذا فإن العاشق كثيرا ما يريد إزالة العشق من قلبه ولكنه يعجز. واعلم أن أكثر ما يوقع في المعصية الجهل والخطأ، ولا تقع إلا بتقدير الله تعالى وقضائه وهي للمغفرة أقرب، أما والعياذ بالله من يوقعها عالما عامدا فقد تؤدي إلى كفره، لأن العلم والعمد دليلان على الاستحلال واستحلال ما حرم الله كفر، قال بعض النادمين على ما فعلوا: وما كانت ذنوبي عن عناد ... ولكن بالشقا حكم القضاء ومن كان كهذا فباب العفو يشمله، قال تعالى «ثُمَّ بَدا لَهُمْ» أي العزيز وأهله وأصحابه رأي آخر بعد ذلك الرأي، إذ أن زليخا قالت لزوجها إن هذا العبد قد فضحني، فإما أن تأذن لي بالخروج لأعتذر إلى الناس، وإما أن تحبسه ليقطع هذا الكلام ويقف عند حده، وذلك بعد ما أيست منه و «مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ» الدالات على براءته وطهارته بما قص الله عنه. قال عكرمة سألت ابن عباس عن هذه الآيات، فقال ما سألني عنها أحد قبلك هي قدّ القميص وأثرها في جسده وشهادة الشاهد وأثر السكين في النساء، وفي قوله من الآيات إيذان بأن هناك آيات أخر لم يذكرها، كما أنه لم يذكر كثيرا من معجزات الأنبياء ﵈، وفاعل بدا ضمير يعود إلى البداء بمعنى الرأي كما ذكرنا وعليه قوله: لعلك والموعود حق لقاؤه ... بدا لك في تلك القلوص بداء مطلب اختيار السجن ليوسف والمتآمرين على اغتيال الملك وتأويل رؤيا السجينين: واما السجن المفهوم من قوله تعالى «لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ٣٥» إلى أن ينسى الناس هذه الحادثة وينقطع ذكرها في المدينة، وإنما اختار الحبس على خروج زوجته واعتذارها من الناس، لأن الاعتذار لا يقطع الإشاعة عن زوجته بل يزيدها، والحبس قد يقطع خبرها بطول الزمن المستفاد من قوله (حَتَّى حِينٍ) ،

стр. 1279

والحين وقت من الزمن يقع على القليل والكثير، قالوا مبدأه خمس وآخره أربعون سنة، وسنأتي على بيانه مفصلا في تفسير سورة الإنسان في ج ٣، وعلى كل في هذه المدة تذهب استفاضة تلك الواقعة، قالوا فأمر به فحمل على حمار وسيق للسجن، قالوا وكانت تتأمل أنه بعد أن يذلل في السجن تلين عريكته وتنقاد لها قرونته فتظفر بما أرادته منه بطوعه بعد أن تصرمت حبال رجائها منه بعرض جمالها بنفسها وبإغوائها وبمالها وبتأثيرها فلم يجد شيئا، قال تعالى «وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ» قالوا إن أحدهما خباز الملك صاحب طعامه، والثاني ساقيه وصاحب شرابه لأنهما أدينا بجرم الموافقة مع جماعة من أشراف مصر أعداء الملك لا غتياله لقاء جعل معلوم على أن يدسا السم في طعامه وشرابه، وأن الخباز قبل الجعل المسمى له والساقي أبى، وقد وصل إلى الملك بأن ما يوضع أمامه من الطعام والشراب مسموم، وحذره من أخبره من تناول شيء منه، وقيل إن الساقي أخبر الملك بأن الطعام الذي هيأه له الخباز مسموم، وأن الخباز قال للملك إن الشراب الذي أحضره لك الساقي مسموم بمقابلة قول الساقي له إن الطعام مسموم، فكلف الملك الساقي أن يشرب ذلك الشراب ففعل ولم يصبه شيء، ثم كلف الخباز أن يأكل الطعام الذي أحضره له فأبى، فأطعمه دابة فماتت لساعتها، فظهرت خيانته فحبسهما معا على توهم أن الساقي تواطأ مع الخباز أي الطاهي قبلا ولم يخبره إلا عند الأكل حتى يظهر التحقيق براءته، ولما كان هذه القصة عظيم من الأهمية فقد يظلم في بدايتها كثير من الناس ثم ينجو من قدر له النجاة. قالوا ولما دخل يوسف السجن صار يعظ الناس وينصحهم ويحذرهم من الموبقات، ويأمرهم بالمعروف، ويحبّذ لهم عمله، وأن يحسنوا لأنفسهم وغيرهم ويتباعدوا عن المنكرات لئلا يقعوا في سوء عواقبها، ويقول لهم من رأى منكم رؤيا فليأت إليّ أعبرها له بما يلهمني الله تعالى مما يدل على خيرها وشرها، فقال الفتيان لنجربنّه ونتراءى له رؤيا، وكان ﵇ يراهما مهمومين، فقال لهما ما شأنكما، فقصا عليه الأمر الذي حبسا من أجله وأتبعا حديثهما بما صوراه من الرؤيا «قالَ أَحَدُهُما» صاحب الشراب «إِنِّي أَرانِي» رأيت نفسي في المنام وعبّر في المضارع لاستحضار الصور الماضية في ذهنه

стр. 1280

«أَعْصِرُ خَمْراً» عنبا سماه بما يؤول إليه، لأن الخمر لا يعصر، وإنما يعصر العنب، والعصر إخراج المائع من الفواكه وغيرها، قالوا وكان اسمه نيو فقال يا سيد إني رأيت في المنام حبلة من كرم حسنة لها ثلاثه أغصان فيها عناقيد عنب فكنت أعصرها وأسقي الملك «وَقالَ الْآخَرُ» صاحب الطعام واسمه مجلّت «إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ» قالوا إنه قال أيها السيد إني رأيت في المنام كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وأنواع الطعام وسباع الطير تنهش منها «نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ» أي تفسير ما رأيناه وما يؤول أمر رؤيانا، وقد عرضنا عليك ذلك لحسن عقيدتنا بك «إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ٣٦» إلى الناس أجمع، لأنك تعود المرضى في السجن وتأخذ من عناء المسجونين بما تسديه إليهم من النصح، وتهديهم إليه من الرشد، وتوسع على فقيرهم وتجمع للمحتاجين ما يسد عوزهم ممن عنده فضل بما ترغبهم به من الثواب، وتجتهد في عبادة ربك ليل نهار، وإنك صبيح يرجى منك الخير ويؤمل منك الفلاح، ولذلك فإنا وكل أهل السجن يحبونك كأنهم يعلمون أن الرؤيا لا تقص إلا على من يحبه الرائي كما أخبر بذلك حضرة الرسول في أحاديث متعددة، وذلك لأنهم مخالطون للملك وليسوا من السوقة، فقال لا تحبوني فما جاءني البلاء إلا من المحبة، فإن عمتي أحبتني وكنت عندها، فطلبني والدي منها فلم تفعل، فلما أصر عليها كان عندها منطقة اسحق ﵇، لأنه أكبر من والدي يعقوب وثوب إبراهيم جدي الذي جاء به إليه جبريل من الجنة، فألبسه إياه حين ألقي في النار لأن اسحق ورثه من إبراهيم أبيه، وهي ورثته منه، وكان التوارث لمثل هذه الآثار للأكبر، فشدتها على بطني وأرسلتني إليه، ثم ادعت فقد المنطقة، وكان في شريعته أن السارق يؤخذ نفسه بما سرق، فتحروا المنطقة فوجدوها عندي، فأخذتني وبقيت عندها حتى ماتت، فدخل علي من حبها بلاء، وأحبني أبي فنشأ من حبه لي حسد اخوتي، فألقوني في الجب، وأحبتني امرأة العزيز فحبست بسبب محبتها، ثم أعرض عنهما كراهية أن يعبرها لهما لما في تعبيرها على أحدهما من الشرّ وهو لا يحب أن يجابه به أحد إلا بالخير، أخرج أبو حاتم عن قتادة قال: لما انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه

стр. 1281

قوما قد انقطع رجاؤهم واشتد بلاؤهم وطال حزنهم، فجعل يقول أبشروا واصبروا تؤجروا إن لكم بهذا لأجرا، فقالوا يا فتى بارك الله فيك ما أحسن وجهك وأحسن خلقك وخلقك لقد بورك لنا في جوارك ما نحب ان كنا في غير هذا منذ جئتنا لما تخبرنا به من الأجر والكفارة والطهارة، فمن أنت؟ قال أنا يوسف ابن صفى الله يعقوب بن ذبيح الله اسحق بن خليل الله ابراهيم، فقال له عامل السجن لو استطعت خليت سبيلك لما أنت عليه من اللطف وما لديك على الناس من العطف وكثرة البر والمجاملة ولكن سأحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت ومن هنا اعتيد تعيين وعاظ للسجون يخففون عن المظلومين بلاءهم ويحبذون للظالمين التوبة والرجوع إلى الله ورد المظالم ويمنونهم بعفو الله عنهم واطردت العادة حتى الآن، ثم إن الفتيين ألحا على يوسف بتعبير رؤياهما فقال أولا لتثقا في قولي فإني أقول لكم «لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ» في حبسكما هذا أو من أهلكما «إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ» بأن أبين لكما ماهيته وكيفيته ومن أين أتاكما ولونه وطعمه ووقت أكله «قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما» وقبل أن ترونه وهذا من معجزاته ﵇ أظهرها إليهم ليركنوا إليه ويأخذوا بقوله أملا بهدايتهم، ونظيرها معجزة سيدنا عيسى ﵇ المبينة في قوله تعالى (وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ) الآية ٥٠ من آل عمران ج ٣، فقالا له هذا من علم الكهنة فمن أين جاءك، قال لست بكاهن وإنما «ذلِكُما» الذي ذكرته لكم «مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي» من جملة العلوم التي منّ بها علي وعلمنيها بوحيه المقدس يشير إلى أن ذلك معجزة له وأنها جزؤ يسير مما أفاضه الله عليه، وكأنه قيل له أنى لك هذا ولماذا علمك ربك هذه العلوم واختصك بتعبير الرؤيا فقال «إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» يريد العزيز وقومه إذ أعرض عنهم وترك رأيهم وما يتعبدون به ويرجونه ولم يوافقهم على ما يريدون لأنهم عبدة أوثان «وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ٣٧» جاحدون البعث بعد الموت منكروا المعاد وأن الجملة الأولى كافية للإشعار بكفرهم وأتى بالثانية تأكيدا وكرر لفظ هم لهذه الغاية، وليس المراد بالملة ملة آبائه كما قد يخطر بالبال السقيم باعتبار ما كانوا عليه قديما كما يقوله بعض الأغبياء لأن الأنبياء عليهم

стр. 1282

السلام من حين ولدوا وظهروا إلى الوجود هم على التوحيد الخالص «وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ» ذكرهم ﵇ ليعلمهم أنه من بيت النبوة وأنه نبي لأن آبائه مشهورون في مصر وغيرها بأنهم أنبياء مرسلون من الله إلى البشر ولعلهم إذا عرفوا نبوته ونسبه يسمعون نصحه وإرشاده ولعلهم يدينون بدينه ويتركون ما هم عليه من عبادة الأوثان وقال هذا ليفهمهم أن ما فاز بما فاز به من النبوة إلا باقتفاء آثارهم وعدم اتباع ملة الكافرين بإنكار الحشر والنشر حينما جئت إلى مصر، وقال إنا نحن قوم أبدا «ما كانَ لَنا» ما صح ولا استقام قط منذ القدم «أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ» أي شيء كان بل نعبده وحده وقد عصمنا من عبادة غيره واختارنا لتحمل وحيه واصطفانا لتبليغ خلقه أوامره ونواهيه يسير بذلك ﵇ أن ما أنتم عليه يا أهل مصر من الإشراك هو كفر محض وأن الله المنفرد بالألوهية لا يقبل ولا يرضى من المشرك عبادته «ذلِكَ» رفضنا عبادة الأوثان وعكوفنا على عبادة الرحمن والإخلاص إليه واختصاصنا بالنبوة كله «مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا» إذ علمنا ما لم نعلم وألهمنا طرق العدل ومسالك الصواب في كل ما يتعلق بنا وبالناس من أمور الدنيا والآخرة «وَ» فضله «عَلَى النَّاسِ» إذ بين لهم مناهج الهدى والرشد وأرسل إليهم من خلص خلقه من يرشدهم ويهديهم «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ٣٨» فضله ونعمه ويشركون بعبادته غيره مما لا يستحق العبادة فيخسرون الدنيا والآخرة ويندمون ولات حين مندم. مطلب مبادئ رسالة يوسف ﵇ وتعبير رؤيا السجينين ومشروعية الرجاء: ثم شرع يدعوهم إلى الإيمان تأدية لأمانة ربه التي وكلها إليه، فقال «يا صاحِبَيِ السِّجْنِ» يا ساكنيه جميعكم، على قراءة الجمع، اسمعوا ما أقول لكم وأطيعوني فيما آمركم به، وتأملوا فيه وتدبروا معناه، وعلى قراءة التثنية، يريد به رفيقيه الذي دخلا معه اللذين يطلبان تأويل رؤياهما، وعلى كل قال لهم «أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ» شتى، من حفر وحديد وخشب ونحاس وفضة وذهب وحجارة وغيرها من صورة صغيرة

стр. 1283

أو كبيرة وبين ذلك، لا تضر ولا تنفع، ولا عن نفسها شرا تدفع، «خَيْرٌ» بأن تتخذوها ربا وتعبدوها «أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ٣٩» لكل شيء القادر على الإحياء والإماتة والإغناء والإفقار، الذي قهر الجبابرة بالخذلان والموت الذي لا يشبهه شيء من خلقه، والمنفرد بالإلهية، المنقطع النظير، والقوي الذي لا يغلبه غالب ولا يطلبه طالب، لا زوجة له ولا ولد، ولا معين، ولا وزير، وهذا الخطاب عام للمخاطبين ولمن هو على دينهما من أهل مصر، وعلى هذا فتكون التثنية باعتبار أنهم جماعة من سلفهم جماعة على حد قوله تعالى (فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ) الآية ٤٥ من سورة النمل في ج ١، ومن هنا تعلم أن هذا يشمل طالبي تعبير الرؤيا وغيرهما، وهذا أحسن في التعبير وأنسب بالمقام راجع تفسير الآية المذكورة، وعليه جاء قوله تعالى «ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ» أربابا وآلهة من الأوثان «إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ» بلفظ اجمع على المعنى الأخير، وكذلك ما تدعون التقرب إلى الله به من عبادة الكواكب والحيوانات والجمادات، كلها إفك «ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ» يؤيد وجودها ولا برهان يثبت عبادتها، ولا يوجد دليل على تسميتها آلهة لأنها ذليلة حقيرة يقدر على إهانتها كل أحد، ويحطمها المرأة والولد، ثم قال مظهرا لهم التأثر على عكوفهم على عبادة ما لا يصلح للعبادة والأسف على الركون إليها وهي لا شيء «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ» أي ما الحكم في أمر العباد والعبادة إلا للإله المنفرد بالحكم الذاتي الذي «أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا» أيها الناس ملكا ولا بشرا ولا جنا ولا إنسا ولا جسما ولا شيئا «إِلَّا إِيَّاهُ» إذ لا معبود بحق غيره «ذلِكَ» تخصيص الإله الواحد القهار بالعبادة والسيادة ونفيهما عن غيره هو «الدِّينُ الْقَيِّمُ» الثابت بالأدلة القطعية والبراهين الساطعة «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» ٤٠ وهذا من مبادئ رسالته ﵊، لأنه نبىء بالبئر وهو ابن ثماني عشرة سنة، وأرسل وهو في السجن وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة على أصح الأقوال بدليل هذه الآية، وقد وصف الأكثر بأنهم لا يعلمون دين الله وأوامره ونواهيه لجهلهم الحجج السماوية والأرضية الدالة على الألوهية وعدم استعمالهم ما منحهم الله به

стр. 1284

من العقل ووقوفهم عند ما ألفوا عليه آباءهم وألفوه، ولما فرغ ﵇ من دعوة الخلق إلى الحق حسبما أمره ربه رجع إلى تعبير رؤياهما فقال «يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما» الساقي فإنه يرجع إلى وظيفته «فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً» إذ تظهر براءته مما عزي إليه من العلم والاشتراك باغتيال الملك «وَأَمَّا الْآخَرُ» الطاهي فيثبت عليه الجرم المعزولة «فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ» لتسببه في اغتيال الملك ومباشرته لها فعلا لعدم امتثال أمر الملك بالأكل وبراءة الأول بالشرب، وهما دليلان كافيان على براءة الأول وحكم الثاني، وقال إن هذا سيكون بعد ثلاثة أيام، وذلك لأن الأول قال ثلاث عناقيد عنب، والآخر قال ثلاث سلال، فقال له ما رأينا شيئا فقال لهما «قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ٤١» ووجب حكم الله تعالى عليكما بما أخبرتكما، رأيتما أو لم تريا، وإنه آتيكم لا محالة بعد ثلاث، ومن هنا قيل البلاء موكل بالمنطق «وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ» تيقن وتحقق «أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي» إذا خرجت من السجن «عِنْدَ رَبِّكَ» سيدك ومولاك لعله يتذكر مظلمتي فيخرجني من السجن، قالوا وبعد ثلاثة أيام خرج الأول وصلب الثاني، وهذا حكم عدل من ملك مصر في براءة الساقي، لانه لم يقبل الجعل على المؤامرة في حق الملك ولم يباشر عملا. أما قتل الطاهي ففيه ما فيه لأنه وإن كان أتم جميع الأسباب إلا أنه لم يقع الفعل كما علمت، ولكن الملوك اعتادت قتل من يتآمر عليها وسنّت بذلك قوانين فهي تعمل بها حتى الآن، قال تعالى «فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ» أي أنسى الشيطان الساقي أن يذكر الملك بيوسف. مطلب في ضمير أنساه ورؤيا ملك مصر الأكبر وخروج يوسف من السجن: وما قيل إن الضمير في أنساه يعود إلى يوسف غير وجيه، لأن المعنى بصير حينئذ أن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله بطلبه الفرج عنه من ملك مصر دونه، وهو محال لما فيه من التعريض إلى الغفلة، والأنبياء بعيدون عنها منزهون منها، لذلك اخترنا ما عليه جل المفسرين من عود الضمير إلى الساقي لأنه أولى وأنسب بالمقام وأوفق للسياق والله أعلم «فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ٤٢» بسبب ذلك، وعلى ما قالوا إنه أتم في

стр. 1285

في السجن سبع سنين، والبضع ما بين الثلاثة والعشرة، روي أن أنسا قال أوحى الله إلى يوسف من استنقذك من القتل حين همّ إخوتك أن يقتلوك؟ قال أنت يا رب، قال من استنقذك من الجب إذ ألقوك فيه؟ قال أنت يا رب، قال فمن استنقذك من المرأة إذ همت بك؟ قال أنت يا رب، قال فما بالك نسيتني وذكرت آدميا غيري؟ قال يا رب كلمة تكلم بها لساني، قال وعزتي وجلالي لأدخلنك في السجن بضع سنين. وروي عن الحسن أنه قال: قال ﷺ رحم الله يوسف لولا كلمته التي قالها أي (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) ولما لبث في السجن ما لبث. ويستدل من قول يوسف عليه أن الاستعانة بالعباد لقضاء الحوائج جائزة لقوله تعالى (وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى) الآية ٣ من سورة المائدة في ج ٣ وقال ﷺ : اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء. وقال ﵊ أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغها، فمن أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه على الصراط يوم القيامة. وقال تعالى (مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها) الآية ٨٥ من سورة النساء في ج ٣، إلا أن هذا يختلف باختلاف الأشخاص، والأليق بمقام الأنبياء تركه لأنفسهم والأخذ بالعزيمة، وهكذا جرت عليه عادتهم، قالوا إن جبريل ﵇ دخل على يوسف في السجن وعاتبه على كلمته تلك. وإن من يتمسك بهذه الأخبار استدل على عود الضمير من أنساه إلى يوسف لا إلى الساقي كما ذكرناه آنفا، ووكلنا علمه إلى الله تبرئة لساحة الأنبياء عما لا ينبغي، ولم نجزم به لأنا لسنا من أهل الترجيح. هذا ولما أراد الله تعالى إخراج يوسف من السجن أرى ملك مصر الأكبر رؤيا عجيبة، وهي ما قصها الله تعالى بقوله «وَقالَ الْمَلِكُ» الريّان بن الوليد لمن عنده من السّحرة والكهنة والمنجمين والمعبّرين «إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ» هزال ضعاف من البقر «وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ» سبع أيضا «يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ» هذه لأنها هالتني وإني لمتخوف منها «إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ ٤٣» تفسرون سمي المفسر معبرا لأنه يعبر من أول الرؤيا إلى آخرها ليستخرج المعنى المراد منها، والتعبير خاص في هذا، أما التأويل فعام فيه وفي غيره. راجع بحثه في المقدمة ج ١ «قالُوا» السحرة وأمثالهم أشراف

стр. 1286

مملكته الذين قصها عليهم هذه «أَضْغاثُ أَحْلامٍ» أخلاطها وأباطيلها، وأصل الضغث الحزمة من أنواع الحشيش والأحلام جمع حلم مما يرى في النوم من وسوسة الشيطان وحديث النفس الخبيثة كما بيناه في الآية ٥ المارة «وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ ٤٤» فقلق الملك وتشوش أكثر من ذي قبل لتوقف الناس عن معرفة تأويل رؤياه، وصار يتعجب منها خاصة قضية تغلب ضعاف البقر على السمان على عكس العادة، لأن القوي من كل دائما يتغلب على الضعيف، وصار يبحث عمن يعبرها له، فتذكر الساقي إذ ذاك حذاقة يوسف في التعبير وشدة اختصاصه به، قال تعالى «وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ» تذكر وتفطن «بَعْدَ أُمَّةٍ» مدة طويلة على تعبير رؤياه ورفيقه في السجن ووقوعها كما عبرها وصيّته له بأن يذكر سيده فيه «أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ» أيها الملك «فَأَرْسِلُونِ ٤٥» لآتيكم بمن يعبرها، ولذلك لم يقل أفتكم وذكر الضمير لعوده على الأمر الذي استصعبه الملك من الرؤيا، قالوا قال هذا بعد أن تمثل أمام الملك بالاستئذان وجثى على ركبتيه احتراما على حسب عادتهم، فأرسله الملك بعد أن فهم مما ذكر له من أحواله ومما قص عليه من أطواره، وأنه من سلالة ابراهيم ﵇ وانه يتمكن من تعبير رؤياه فذهب ودخل السجن وقال «يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ» سماه صديقا لصدقه في تعبير رؤياه وغيرها، «أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ» الملك وأتباعه وأهل مملكته، لأن هذه الرؤيا شاعت لدى العامة ولم يقدر أحد على تعبيرها وصارت شغلهم الشاغل، فبينها لنا مما علمك ربك لنذكرها للملك وملائه «لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ٤٦» تأويلها، ويظهر لهم فضلك فتخلص من محنتك هذه، فسأله عن الرأي لأن له مدخلا في التعبير إذ المعبر يعبر لكل بحسبه وما هو عليه، فقال له الملك الأكبر، «قالَ» قل للملك ومن أهمه شأن هذه الرؤيا هي رؤيا مشؤومة وعاقبتها وخيمة، ولكن إذا أردتم أن تتخلصوا من هولها وتكونوا في مأمن من مغبتها «تَزْرَعُونَ» خبر بمعنى الأمر لأنه فسر البقرات السمان والسنبلات الخضر بسبع سنين مخصبة، والبقرات العجاف

стр. 1287

والسنبلات اليابسة بسبع سنين مجدبة، أي ازرعوا أيها الناس «سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً» بحسب عادتكم لأن الدأب العادة المتمادية، حتى إذا بلغ الزرع الحصاد «فَما حَصَدْتُمْ» منه كل سنة «فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ» لا تدوسوه ولا تذرّوه فإنه يسوس «إِلَّا قَلِيلًا» جدا بأن تدوسوا وتذروا منه بقدر «مِمَّا تَأْكُلُونَ ٤٧» في كل سنة واحتفظوا بالباقي بسنبله واتركوه على حاله إلى السنين المجدبات المنوه بها في قوله «ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ» السبع المخصبات. ولم يؤنث الضمير تفخيما لشأنهن «سَبْعٌ شِدادٌ» مرهقات للناس لأنهن ممحلات مجديات «يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ» أن يأكل الناس فيها ما ادخرتموه من السنين المخصبات ولم يتركوا منه «إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ٤٨» تحززونه للبذر فتبقونه في الحصن ليحفظ فلا يسقع ولا يطرأ عليه ما يفسده، والإحصان هو الاحراز بعينه، كما أن البذر هو البزر «ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ» السبع الممحلات «عامٌ» نون للتعظيم لما فيه من الخير الجسيم، وهو كالسنة إلا أنه يستعمل فيما فيه الرخاء والخصب غالبا كما تستعمل السنة فيما فيه الشدة والجدب، يدل عليه قوله تعالى «فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ» بأمطار كثيرة نافعة «وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ٤٩» الأعناب والزيتون والسمسم وكل ما من شأنه أن يعصر كالبرتقال والليمون والرّمان، وهو كناية عن كثرة الخيرات فيها والبركات الأرضية والسماوية، وقل لهم إذا فعلوا ذلك نجوا من سرها، وإلا فالويل كل الويل لهم، فرجع الساقي فرحا مسرورا وأتحف الملك بذلك، فاستحسنه ورآه مصيبا واعتقد الحكمة في المعبر لإرشاده لما يجب أن يعمل ويحتاط لذلك الأمر العصيب، واشتاق لرؤيته لينعم عليه جزاء لتعبيره هذا، وإراجة فكره من هول تلك الرؤيا، ومن التدبير المستقبل لحفظ رعيته من الهلاك، فالتفت لخدمه وذكر ما قص الله عنه بقوله عزّ قوله «وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ» من سجنه لأنظر اليه وأكافئه، فذهب منهم الاول بدليل قوله «فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ» لأن أل هنا للعهد والمعهود وهو الأول الذي ذهب اليه إجابة لدعوته إذ اشتاق لرؤيته وأخبره بما قال الملك «قالَ» يوسف للرسول لا أذهب معك الآن

стр. 1288

ولا أخرج من السجن بل «ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ» الذي فعلنه بي واحتلن به عليّ «عَلِيمٌ ٥٠» لم يرد ﵇ اخبار الملك بأمر النسوة معه، وانما أراد أن يطلع هو والعزيز على حقيقة ذلك، ولهذا اكتفى ﵇ بذكر تقطيع الأيدي ورمز إلى المراودة التي كلفته بها امرأة العزيز بالكيد الذي وقع منها على طريق المجاملة، واحتراز من سوء المقابلة ولعلهن يتكلمن إلى الملك بواقع الحال، إذ لم يصمهنّ بشيء ظاهرا، وكان ما ظنّ وكان تأنيه بالخروج من السجن إصابة لتظهر براءته عند الناس أجمع كما هو بريء عند الله، وليعلموا أنه سجن ظلما، ومن كرم أخلاقه ﵇ لم يذكر اسم سيذته مع مع السبب في إحضار النسوة، وقد أثنى رسول الله ﷺ على فضله وحسن أناته بما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي وأخرجه الترمذي بزيادة ثم قرأ فلما جاءه الرسول إلخ، وجاء في حديث آخر: لقد عجبت من يوسف وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات السمان والعجاف، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال إرجع إلى ربك إلخ الآية، ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرت الباب ولما ابتغيت العذر، وانه لحليم ذو أناة وهذا من تواضعه ﷺ ، وإلا فحلمه وأناته وتحمله واهتمامه بما يترتب عليه من قول الخلق وامر الحق لا يقاس بغيره، فقد أعطى من كل شيء غايته ومنتهاه وعبر بحرا وقف الأنبياء بساحله الأدنى، فرجع الرسول وأخبر الملك بقوله، فأمر حالا بجمع النسوة واحضارهن ثم خاطبهن بقوله «قالَ ما خَطْبُكُنَّ» ما شأنكن وأمر كن «إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ» خاطبهن جميعا بهذا القول سترا لامرأة العزيز، ولا نهن أمرنه بمطاوعتها «قُلْنَ» للملك بلسان واحد «حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ» ذنب أو خيانة فى شيء ما وقد بالغن في نفي جنس السوء عنه بتكيد لفظ السوء، وزيادة من،

стр. 1289

وابتداء جوابهن بكلمة التبرؤ والتعجب من زيادة عفته، ثم «قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ» بانفرادها للملك «الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ» ظهر ظهورا واضحا بينا «أَنَا» يا حضرة الملك «راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ٥١» بقوله هي راودتني اعترفت هنا اعترافا صريحا علنا، لأن اعترافها الاول في الآية ٣٢ المارة كان بحضور النسوة فقط، فلم يكن كافيا لبراءته عند زوجها والعامة قالوا ثم أمر الملك الرسول أن يخبر يوسف بذلك، فذهب اليه وبشره بالاعتراف العلني العام ببراءته بحضور الملك مما عزى اليه قال يوسف ﵇ «ذلِكَ» عدم خروجي من السجن وامتناعي من اجابة الملك أولا وسبب تثبتي وأناتي هو لظهور براءتي عند العزيز الذي كان أحسن إلي وأكرمني مدة إقامتي عنده «لِيَعْلَمَ» علما حقيقيا «أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ» في زوجته كما لم أخنه في ماله وخدمته ولا بحضوره «وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ٥٢» ولا يسددها ولا يسهل مكرهم ولا يرشدهم لطريق الخلاص، فلو كنت خائنا لما أنقذني من هذه الورطة ولم يوفقني للنجاة منها. وهذه الآية بالنسبة لما قبلها على حد قوله تعالى (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ) من قول ملأ فرعون وقوله بعد (فَماذا تَأْمُرُونَ) من قبل فرعون كما مر في الآية ١١٠ من سورة الشعراء، وما قيل ان (ذلِكَ لِيَعْلَمَ) من قول امرأة العزيز تبعا للآية قبلها فليس بشيء كما أن من قال إن الضمير في ليعلم للملك، وفى لم أخنه له ليس بشيء أيضا، وما جرينا عليه هو الأولى وعليه أكثر المحققين، وكذلك قوله تعالى «وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي» هو من قول يوسف ﵇ لا من قول المرأة كما قاله بعض المفسرين هذا ولما ذكر ﵇ براءته مما عزي اليه قال على طريق هضم النفس والتواضع إلى ربه ولئلا يزكي نفسه على أتم وجه وليبين ما وفق اليه من الأمانة والعصمة التي منّ الله بها عليه قال (وَما أُبَرِّئُ) إلخ من الهم الذي أوطنها عليه لأنه عبارة عن خطرات قلبية جارية عادة في طبيعة البشر مجردة عن القصد والعزم وكذلك لا أبرىء نفسي من الميل المجرد الذي هو من طبع النفس.

стр. 1290

مطلب مراتب النفس ومواقف التهم وحكاية الزمخشري واجتماع يوسف بالملك بعد توليه الوزارة: «إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ» أي جنس النفس طبعها الأمر بالسوء لما فيها من القوى الشهوانية، والسوء لفظ جامع لكل ما يتهم به الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية، أما السيئة فهي الفعلة القبيحة، والنفس من حيث هي واحدة لها صفات منها هذه، ومنها اللوامة ومنها المطمئنة، فإذا دعيت النفس إلى شهواتها ومالت إليها فهي الأمارة بالسوء، فإذا منعتها النفس اللوامة على ما نوته من القبح يحصل لها الندامة فيكون من صفاتها المطمئنة أي أن النفس على الإطلاق تأمر صاحبها بعمل السوء، لأن الإنسان إذا ترك وشأنه كان شريرا بالطبع «إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي» إلا النفس التي رحمها الله وعصمها كنفوس الأنبياء أمثال يوسف ﵇، ولم يخص نفسه تواضعا وهضما لنفسه، وقد تأتي ما بمعنى من كما هنا وكما في قوله تعالى (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) الآية ٣ من سورة النساء في ج ٣، راجع الآية ١٦ من سورة الفرقان في ج ١ وجعل الاستثناء هنا متصلا أولى من جعله منفصلا كما لا يخفى «إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ» لما يعتري النفوس بمقتضى طباعها لأن منه ما لا يكون في طوق البشر دفعه كالهم والميل المجردين عن القصد والنية وهو «رَحِيمٌ ٥٣» بعصمة تلك النفوس من الجري على موجب ذلك لخروجه عن الوسع وإنما تورع ﵇ بالقول ليتوصل إلى ما يحمل الملك على الهداية والإيمان بالله تعالى كما توصل إلى إيقاع الحق لصاحبه بالسجن لهذه الغاية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف مواقفها، قال ﵊: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقف مواقف التهم. وأخرج مسلم من رواية أنس أن رسول الله ﷺ كان مع إحدى نسائه فمرّ به رجل فدعاه وقال هذه زوجتي، فقال يا رسول الله من كنت أظن به فلم أكن أظن بك، فقال ﷺ إن الشيطان يجري من ابن آدم مجري الدم، أي يأخذه لطرق الشرّ من حيث لا يحس ويأتيه من كل جوانبه من كل مسلك كما أن الدم يجري في جميع عروق ابن آدم وهو لا يحس به فهو من قبيل المعلوم غير المحسوس مثل

стр. 1291

حركة الظل وفلكة المهواية والرحى وسريان النار في الفحم والزيت في الزيتون والسمسم وما أشبه ذلك، راجع الآية ١١٢ من سورة هود المارة، وروى الترمذي والنسائي عن أبي محمد الحسن بن علي سبط رسول الله وريحانته ﵃ قال حفظت من رسول الله ﷺ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. أي ما تشك وتشتبه به إلى ما لا تشك ولا تشتبه فيه. وجاء في خبر آخر رحم الله امرأ جبّ المغيبة عن نفسه. أي قطعها بعدم وقوفه ومروره في مواقف التهم وعدم مشيه مع المشبوهين باقتراف المعاصي ومجالستهم ومكاتبتهم فيجب على الإنسان أن يحفظ نفسه وسمعته من كل ذلك. كان جار الله محمود الزمخشري مقطوع الرجل وقد أخذ حكما من قاضي زمانه بأنها قطعت بعاهة لئلا يظن أنها قطعت بسرقة أو فساد في الأرض، وكلما دخل بلدة اظهر لأهلها حكم القاضي بأنها قطعت بعاهة خوفا من تهمة السوء، قيل إنه ذات يوم أمسك عصفورا فكسر رجله فقالت له أمه كسر الله رجلك كما كسرت رجله، وكان ذهب إلى بخارى لطلب العلم وكسرت رجله بسبب وقوعه عن الحمار، فقال هذه دعوة أمي إلا أن الإثبات الذي لديه يدل على أنها تعطلت بالثلج. هذا ولا يبعد أن السيد يوسف ﵇ خشي أن يخرج ساكتا من السجن عن أمره الذي سجن من أجله وشاع خبره لدى العامة ولم تتضح براءته منه بصورة جلية ليطلع عليها الخاص والعام، وقرف به من أن يتسلق به الحاسد إلى تقبيح أمره ذلك، فيكون سلّما إلى الحط من قدره ونظر الناس إليه بعين الاحتقار، فلا يعلق كلامه في قلوبهم وهو بحاجة إلى ذلك لتمهيد دعوته إلى ربه، وقد لا يترتب على دعوته قبولهم فيما لو بقي ساكتا عن إظهار واقعته، لذلك فإنه وضحها للناس على الصورة المذكورة أعلاه، هذا ولما ثبت لدى الملك براءته ورأى علمه وفضله ودرايته وثناء العامة عليه أحبّ أن يصطفيه لنفسه، لأن الصابر العفيف الحسن الكتوم أهل لأن يكون من خواص الملك، وكان ﵇ العفيف الحسن الكتوم أهل لأن يكون من خواص الملك ، وكان ﵇ متحليا بكل وصف حميد، فأراد أن يوليه أمر ملكه وتدبير رعيته المنبئ عنه قوله تعالى «وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي» فذهب الرسول الأول حالا فرحا مسرورا ودخل السجن وبلغه أمر الملك على رؤوس الأشهاد،

стр. 1292

وقال إن الملك أمر بإخراجك من السجن بلا عودة، وطلب مقابلتك ليوليك أمره، فودع أهل السجن ودعا لهم بخير، ولما خرج أسفوا كلهم على فراقه وفرحوا بخروجه، قالوا ولما خرج كتب على باب السجن هذا بيت البلاء، وقبر الأحياء، وشماتة الأعداء، وتجربة الأصدقاء. ثم اغتسل خارجه ولبس ثيابه وتوجه نحو الملك، فلما قرب منه قال حسبي ربّي من دنياي، حسبي ربي من خلقه، عز جارك يا الله وجلّ ثناؤك ولا إله غيرك. ولما وقف بين يديه وأبصره قال اللهم إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بك من شره وشر غيره. وسلم عليه بالعربية، فقال له ما هذا اللسان؟ قال لسان عمي إسماعيل، ثم دعا له بالعبرانية، فقال له ما هذا اللسان؟ قال هذا لسان آبائي، قالوا وكان الملك يحسن سبعين لغة، فكلمه بها كلها، فأجابه بما يكلمه، وزاد عليه بالعبرية والعربية، فأعجب به غاية الإعجاب وقربه وأجلسه بجانبه، قالوا وكان خروجه من السجن بعد بلوغه الأربعين سنة من عمره، لأنه أدخل فيه بعد كمال الثالثة والثلاثين وبقي فيه سبع سنين على أصح الأقوال، وما قيل إنه لبث في السجن خمس سنين قبل أن أوصى ساقي الملك ليعرض أمره على ربه فليس بشيء، لأنه دخل معه وخرج بعد تعبير الرؤيا بثلاثة أيام، ولأنه حين خرج كان عمره أربعين سنة وإذا مشينا على هذا القيل يكون عمره إذ ذاك خمسا وأربعين سنة، ولم يقل به أحد. قال تعالى «فَلَمَّا كَلَّمَهُ» وشاهد منه ما لم يكن بالحسبان وما وقع منه حين مواجهة الملك من الاحترام اللائق به مما أعجب الملك ودهش منه كان بتعليم الله تعالى، لأن الملوك لا يبدأون بالكلام بل بالتحية والدعاء فقط، ثم يسكت أمامهم حتى يكون الملك البادئ ثم يجاب على قدر السؤال، فلما رآه الملك واقفا على هذه الأصول وزيادة لم يرها من غيره أقبل عليه وخاطبه بقوله كما حكى الله عنه «قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ» ذو مكانة عالية ومنزلة سامية «أَمِينٌ ٥٤» ذو مقام مؤتمن على أسرارنا وعلى خزائننا، قالوا وقال الملك يا يوسف أحب أن أسمع منك تأويل الرؤيا فقصّها كما رآها ثم قص له تأويلها كما ذكره أولا، فقال والله ما أخطأت منها شيئا، وإنها كانت عجبا وما سمعته منك أعجب، لأنك أخبرتني عن شيء رأيته أنا وأوّلته

стр. 1293

أنت بشيء لم يخطر على بالي، ثم قال له ماذا ترى نعمل؟ فأشار عليه بما تقدم مع تفصيل وتوضيح، وقال إذا فعلت هذا تؤمن قوت قومك وتأتيك الناس طلبا للميرة من كل مكان، فتبيعهم الفضل فيجتمع عندك خزائن الأرض، وتستعبد الناس بما تضع لهم من معروف بصيانة حياتهم من الموت جوعا وما، تبيعه لهم منة يعدونه صدقة منك لشدة الحاجة إليه، فقال ومن لي بمن يقوم بهذا العمل العظيم الذي فصلته لي لأنه يحتاج إلى جماعة مدرّبين محنكين يعون ما يعملون ويعلمون عاقبة ما يفعلون فيأمنون مما يعتذر منه «قالَ» يوسف ﵇ أنا أكفيك ذلك كلّه أيها الملك «اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ» التي يشملها ملكك وخولني ما فيها من أموال وطعام وأنعام وغيرها من جميع أنواع الخراج الذي قننته عليهم لأقوم لك بذلك كما ينبغي إن شاء الله «إِنِّي حَفِيظٌ» لها أمين عليها «عَلِيمٌ ٥٥» بطرق جبايتها وجمعها وحفظها خبير بوجوه تفريقها وتعيين مواردها وتبين مصالحها وكيفية صرفها، فقال له الملك نعم إني لا أرى أليق منك ولا أحق بذلك، قالوا فولاه واردات دولته ونفقاتها (وزارة المالية) ولا محل للقول هنا بأنه لا يجوز طلب الإمارة فكيف ساغ للسيد يوسف طلبها مع ما هو عليه من النبوة لما جاء في الصحيحين عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها. لأن هذا إذا لم يتعيّن عليه طلبها، فإذا تعين وجب عليه طلبها، وإيضاحا لذلك نضرب مثلا: لو كلف رجل بمنصب القضاء وعرف أنه إذا لم يقبله يعين له من ليس من أهله، وجب عليه قبوله إياه، بل يجب عليه طلبه لما في ذلك من الخطر على مصالح المسلمين وغيرهم وضياع حقوقهم، ولما كان السيد يوسف ﵇ مرسلا لمصالح الخلق ومكلفا برعاية حقوقهم ومحافظة أمورهم، وقد علم بإعلام الله إياه أن غيره لا يتمكن من ذلك كما يجب، لاسيما في هذه القضية، وأن الناس سيترامون بأموالهم وأنفسهم على مصر للميرة منها، وأنه لا بد لهذه الوظيفة من أمين صادق رؤوف على العباد يقوم بها، وجب عليه طلبها لأنه إذا لم يقبلها لا يستطيع أحد القيام بها كما ينبغي ويحافظ على حقوق الأمة ويصونها

стр. 1294

من الهلاك بصورة عادلة لا تفضيل فيها للخطير على الحقير، ولا الغني على الفقير، لذلك طلبها وزكى نفسه أمام الملك بما تقدم لتطمئن نفسه ويستريح ضميره، إذ شغل باله بمن يوليه عنه هذه المهمة ويكفيه مؤنتها ويريحه من هذا الأمر الذي ذكره له على ما هو عليه من الخطورة، ولا يقال أيضا كيف زكى نفسه والله تعالى يقول (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) ؟ الآية ٣٠ من سورة والنجم المارة في ج ١ لأن تزكية النفس إذا قصد بها إيصال الخير والنفع إلى الغير مطلوبة ومحمودة، وانما تكره لا تحرم التزكية للنفس إذا قصد بها التطاول على الناس والتفاخر بما عنده عليهم والتوصل إلى ما لا يحل، وهذه كلها بعيدة عن ساحته ﵇ وغاية تصديه لذلك إنما هي إعلام الملك بما تقدم وايقافه على أنه ليس مختصا بأمور الدين فقط كما ظن الملك به اولا من تعبير الرؤيا والنصح لأهل السجن، وان من كان هذا شأنه بعيدا عن أمور الدنيا لا يعرف ما يلزم لها أو يتعلق بها، بل له علم كامل بها وما يتفرع عنها أيضا، ومن هنا قال أهل هذا العصر بفصل الدين عن السياسة ولم يعلموا أن الواقف على أصول الدين أعلم بالسياسة من غيره، وهذه المصلحة من أمور الدنيا بحسب الظاهر بقطع النظر عما يلزم لها من العدل وما فيها من الثواب العظيم عند الله، فإنه قد علم بتعليم الله تعالى إياه لو تولاها غيره لجار وارتشى وفضل أناسا على آخرين، فأدى إلى هلاك الأمة أو أكثرها فاجابه لذلك، وإنما لم يذكر الله تعالى اجابة الملك إلى توليه يوسف إيذانا بأن ذلك أمر لا غنى له عنه، لأنه لم يقل له يوسف ما قال إلا حينما رآه متحيرا بمن يوليه ذلك الأمر الخطير، قالوا وكان بين طلب توليه وإسنادها اليه سنة واحدة، روى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس قال قال رسول ﷺ يرحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لا ستعمله من ساعته، ولكنه أخّر ذلك سنة وسبب هذا التأخير أن الملك لا يولي أحدا قبل أن يختبره بما يوليه عليه وان السنة كافية للتحقيق عن حال الموظف خارجا وداخلا. مطلب تمرين الموظف وزواج يوسف بزليخا ودخول السنين المجدبة واجتماع يوسف بإخوته: ومن هنا اتخذت الملوك قاعدة التمرين لمدة سنة على الأقل لمن يريدون توليته حتى إذا ظهر لهم خلالها كفاءته عينوه وإلا صرفوه ألم تر أن حضرة الرسول قال

стр. 1295

سودوا قبل أن تسودوا أي صيروا أهلا للسيادة قبل أن تقلّدوها. قالوا ولما انقضت السنة وظهر للملك من اختباره أحوال يوسف من جميع نواحيها أنه ذلك الرجل الذي هو أهل لأن يعتمد عليه في هذه المهمة واطمأن من لباقته ولياقته ووثق من اقتداره وكان العزيز شاخ وهرم فعزله عن العمل وأحاله إلى المعاش ثم أحضر يوسف ﵇ إلى مجلسه بحضور ملائه وقلده الوزارة وبلغه أمر تعيبنه ووشحه بسيف مرصّع وحلاه بخاتمه ووضع له سريرا من ذهب مكللّا بالورد والياقوت وأجلسه عليه وتوجه بتاج الملك، وسلمه خزائنه وفوض اليه أمر الملك كله بصورة فوق العادة الجارية لمن سلف من وزرائه، وتخلى له عن كل شيء وأبلغ ذلك إلى عماله في جميع أقطار مملكته، فدانت له الملوك وأذعنت اليه الأمم وانقادت له أعيان المملكة وشيوخها، وتولى الأمر والنهي بنفسه، وكان عمره إذ ذاك واحدا وأربعين سنة، قالوا وتوفي العزيز في هذه السنة، فزوجه الملك امرأته زليخا، فلما دخل عليها قال أليس هذا أحسن مما كنت تريدينه؟ قالت لا تلمني أيها الصديق فقد كنت غضة طربة ناعمة، في ملك ودنيا كما رأيت، وكان صاحبي شيخا لا يأتي النساء وأنت على ما جعلك الله عليه من الجمال والأخلاق والهيبة والوقار فغلبتني نفسي وعصمك الله، قال ووجدها عذراء وولدت له افرائيم وميشا، قالوا ولما بدأت السنون الخصبة أقام السيد يوسف العدل بين أهالي مصر وغيرهم وأحبه الخاص والعام وهيء محالا لخزن الحبوب، واستحضر ما يؤمن لأهالي مملكته وغيرهم طيلة السنين المجدبة قالوا ولما دخلت السنون المجدبة فأول من أحسّ بالجوع الملك، فأرسل إلى يوسف يقول له الطعام الطعام، نخصص له وحاشيته وله نفسه كل يوم أكلة واحدة وسط النهار، ومن ثم صار غداء الملوك نصف النهار، وحتى الآن وهم سائرون على هذه العادة، وكان ﵇ نبه جميع الأهالي إلى أن يدخروا طعام سبع سنين كما فعل هو، إذ ادخر لأهل مملكته ما يكفيهم تلك المدة، وقد فعلوا ولكنهم استهلكوه بسنة واحدة لعدم انتظامهم في الأكل وعدم اقتصادهم على أكلة واحدة كما فعل هو والملك، ولأن العادة في الغلاء (أعاذنا الله منه) تتغير إذ ان الإنسان يأكل فيه اكثر من زمن الخصب والرخص

стр. 1296

والرخاء، ولفراغ العين تقل البركة فطلبوا الابتياع منه، فباعهم بالسنة الأولى والثانية من السنين المجدبة بالنقود، والثالثة بالحلي والجواهر، والرابعة بالدواب والأنعام، والخامسة بالعبيد والجواري، والسادسة بالضياع والعقارات، والسابعة بأنفسهم وأولادهم، حتى صار جميع ما في مملكته ملكا له، واسترق أهلها فصاروا عبيدا له من جملة حاشيته، ثم ذهب فقابل الملك وقال له كيف رأيت صنع الله فيما خولتني فيه بحسن نيتك وعقيدتك في؟ فقال الملك نعم ما فعلت وحسن ما صنعت، أنا لك تبع والرأي لك فيهم وفي غيرهم، فقال الملك نعم ما فعلت وحسن ما صنعت، أنا لك تبع والرأي لك فيهم وفي غيرهم، فقال إذا، إني أشهدك وأشهد الله على أني أعتقتهم كلهم، ورددت لهم أموالهم وضياعهم، ثم ظهر عليهم وأبلغهم ذلك، فقالوا ما رأينا كاليوم ملكا أجل ولا أعظم ولا أرأف من يوسف، بل ولا سمعنا من آبائنا ملكا تحىّ بصفاته وحبه لرعيته، وكان ﵇ لا يشبع طيلة السنين المجدبة، فقيل له في ذلك، فقال أخاف ان أنا شبعت أن أنسى الجائع، ولهذا فقد آمن به الملك وجميع الناس الذين وقفوا على أخلاقه هذه، وكان لا يبيع أكثر من حمل بعير للواحد لئلا يضيق الطعام على الباقين وكان يلقاهم بوجه طلق ويحسن إليهم ويوفي لهم الكيل ولا يميز بين أحد ويعدهم بأن يبيعهم مرة أخرى كلما نفذ ما عندهم ويقول إن الحبوب كثيرة فلا تخشوا نفادها، وان في الخزائن ما يكفيكم إلى وقت الخصب والحصاد، لذلك لا ترى أحدا إلّا ويدعو له بالخير. قال تعالى (وَكَذلِكَ) كما أنعمنا على يوسف بما تقدم ذكره من تخليصه من إخوته ومن البئر ومن امرأة العزيز ومن السجن «مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ» أقدرناه على أهلها وثبتنا قدمه وجعلناها راسخة في أرض مصر «يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ» لا ينازعه فيها منازع، ولا يعارضه فيها معارض، له الأمر والنهي فيها من بعد الله تعالى وقد أكرمناه بذلك إكراما من لدّنا وقرىء نشاء بالنون لمجانسته قوله تعالى «نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا» عطائنا الواسع في الدنيا من الغنى والملك والنبوة «مَنْ نَشاءُ» من عبادنا المخلصين لنا النّافعين لعبادنا «وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» ٥٦ منهم فيها لأن الإضاعة تكون للعجز أو الجهل أو

стр. 1297

البخل، والكل محال عليه تعالى، فامتنعت الإضاعة وحل الإحسان، وهو يعم أمورا كثيرة وحقيقة الشاهد والعيان، قال ﷺ في حديث جبريل الذي رواه مسلم عن عمر ﵁، قال أخبرني عن الإحسان، قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهذه الرؤية ليست برؤية عيانية بل حالة تحصل عند الرسوخ في كمال الإعراض عما سوى الله، وتمام توجهه إلى حضرته المقدسة بحيث لا يكون لسانه وقلبه وهمه غير الله تعالى، وسميت هذه الحالة مشاهدة لمشاهدة البصيرة إياه تعالى كما أشار إليها بعض العارفين بقوله: خيالك في عيني وذكرك في فمي ... وحبك في قلبي فإين تغيب وقال الكندي: وفي أربع مني حلت منك أربع ... فما أنا أدري أيها هاج لي كربي خيالك في عيني أم الذكر في فمي ... أم النطق في سمعي أم الحب في قلبي قال تعالى: «وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ» من أجر الدنيا مهما كان عظيما وهو مهيء «لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ٥٧» الله تعالى فيأتمرون بأمره وينتهون بنهيه وفيه إشارة إلى أنه كان من المتقين زمن الهم والميل، واعلام بأن الله تعالى أعد ليوسف ﵇ في الآخرة أعظم مما أتاه في الدنيا قالوا ولما اشتد القحط وعم البلاء احتاج أهل البادية إلى الميرة من الحاضرة فأتوا مصر ومن جملتهم أهله حيث كانوا نازلين بالعربات من أرض فلسطين عند ثغور الشام فقال السيد يعقوب ﵇ لأولاده بلغني أن بمصر ملكا صالحا يبيع الطعام فاقصدوه ثم جهزهم وأرسلهم وذلك قوله تعالى «وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ٥٨» جاهلون كونه هو إذ لم يعرفوه البتة، وذلك لأنهم جاءوا عليه على حالتهم البدوية التي تركهم عليها، فعرفهم هو لذلك وهم رأوا ملكا متوجا بتاج الملك بزي ملوك مصر فمن أين يعرفونه، على أن العرفان يخلقه الله تعالى في القلب ولم يخلقه فيهم إذ ذاك ليحقق الله ليوسف ﵇ ما وعده به في قوله (لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) الآية ١٥ المارة.

стр. 1298

مطلب أول من سن التحقيق عن الهوية ومعنى الأخوه وفضلها ومحاسن الأخلاق: قالوا ولما دخلوا عليه حيوه بالعربية فرد عليهم بها، وكلمهم وسألهم، فأخبروه بهويتهم وحالهم ومحلهم والسبب الذي جاء بهم إليه، فقال لهم عليكم جئتم تنظرون عورة بلادي؟ فقالوا ما نحن بجواسيس وإنما نحن أخوة أولاد أب واحد، وكنا اثنى عشر وها نحن عشرة ولنا أخ آخر لأب تركناه عند والدنا حيث كان له أخ أحبنا إلى أبينا وقد هلك بالبرية، فأمسك أخاه يتسلى به، وان مجيئنا للميرة ليس إلا كما ذكرنا. قالوا وبعد إكرامهم أراهم من لين الجانب ما قرت أعينهم به، قال ومن يعرفكم ويعلمنا صدق قولكم؟ قالوا لا أحد لأنا غرباء، قال ائتوني إذا بأخيكم لأبيكم الذي هلك أخوه كما زعمتم ليظهر لي حقيقة قولكم، قالوا ان أباه يحزن لفراقه، قال اتركوا أحدكم عندي رهينة حتى إذا تبين أنكم جواسيس أجريت معه ما يستحقه الجاسوس من الجزاء، لأن هيئتكم تدل على أنكم عيون لا ممتارون كما تزعمون، وإنما قال لهم ذلك مع علمه بخلافه توطئة وتقدمة لأن يستنزلهم لجلب أخيه وإلا فبعيد عليه ﵇ أن يتهمهم بذلك لأن هذا إذا كان على حقيقة يكون من البهت والبهت لا يليق صدوره منه ويصرف هذا عن معناه الحقيقي زيادة إكرامهم وحسن مكالمتهم وايفاؤه الكيل لهم وتزويدهم لما يحتاجون من الطعام في سفرهم وقوله لهم بعد هذا «وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ٥٩» فوافقوه على ما قال وافترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأيا بعد يهوذا، فسلموه إليه قال تعالى «وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ» بفتح الجيم، وكسرها لغة رديئة، إذ حمل لكل منهم بعيرا وبالغ بملاطفتهم وإكرام وفادتهم واحسان ضيافتهم، فلما غادروه «قالَ» لهم «ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ» يطلق على الأخوة لأب بنو الأعيان والإخوة لأم بنو العلّات ويقال للأخوة من أم واحدة وآباء متفرقين بنو الأخياف وللأخوة من أب وأم أشقاء وقد نكر الأخ مبالغة في عدم معرفته لئلا يتهموه بمعرفتهم أو ينتبهوا لها، والأخ قد يكون أكثر شفقة من الابن وقد أثنى الله على الأخوة بقوله جل قوله (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً) الآية ١١٠ من آل

стр. 1299

عمران في ج ٣، وقال «إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ» الآية ٤٨ من سورة الحجر الآتية وقال ﷺ الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها أتلف وما تناكر منها اختلف وقال ﷺ ان روحي المؤمنين يلتقيان في مسيرة يوم، وما رأى أحدهما صاحبه، وقد سنّ الإخاء وندب إليه وآخى بين أصحابه، وجاء في الخبر عنه ﷺ كم أخ لك لم تلده أمك، وقال ﵊ الرجل بلا أخ كشمال بلا يمين. وقال جعفر الصادق عليكم بالإخوان فأنهم عدة الدنيا وعدة الآخرة. وقال الشاعر: أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح وقال زياد خير ما اكتسب المرء الإخوان، فإنهم معونة على حوادث الزمان، ونوائب الحدثان، وعون في السراء والضراء. قال ابن السماك أحق الإخوان ببقاء المودة الوافر دينه، الوافي عقله، الذي لا يملّك على القرب ولا ينساك على البعد ان دنوت منه داناك، وان بعدت عنه راعاك، وان استعنت به عضدك، وان احتجت إليه رفدك، وتكون مودة فعله أكثر من مودة قوله، فهو الذي يواسيك في الشدة أكثر من الرخاء، ويغار عليك كما يغار على نفسه ويساوي حاجتك بحاجته بل تقتضى مروءته تقديمها على حاجته ولو أضرّت به. وفي هذا قيل: دعوى الإخاء على الرخاء كثيرة ... ولدي الشدائد تعرف الإخوان وقال الآخر: إن أخاك الحق من يسعى معك ... ومن يضر نفسه لينفعك ومن إذا ريب الزمان صدعك ... شتّت فيك شمله ليجمعك وقيل لخالد بن صفوان أي اخوانك أحب إليك؟ قال الذي يسد قلّتي، ويغفر زلّتي، ويقبل عثرتي وقيل من لم يوأخ إلا من لا عيب فيه قلّ صديقه، ومن لم يرض من صديقه إلا بايثاره على نفسه دام سخطه، ومن عاتب على كل ذنب ضاع عتبه وكثر تعبه. وقيل في ذلك: إذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه وإن أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه

стр. 1300

وقالوا إذا رأيت من أخيك أمرا تكرهه، أو خلة لا تحبها فانصحه وانهه واضرب له الأمثال على قبح عاقبتها، ولا تهجره رأسا، ولا تقطع صلته ولا تصرم ودّه، ولكن داو كلمته، واستر عورته، وابقه وابرأ من عمله قال تعالى (فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) الآية ٢٦٧ من سورة الشعراء في ج ١، فإن الله لم يأمره بقطعهم بل بالبراءة من سيء عملهم، وقيل: أخاك الذي إن تدعه لملمة ... يجبك كما تبغي ويكفيك من يبغي وان تجفه يوما فليس مكافئا ... فيطمع ذو التزوير والوشي ان يبغي وقالوا ليس سرورا يعدل لقاء الاخوان ولا غم يعدل فراقهم، ولكن من هؤلاء الإخوان فإن اخوان أهل هذا الزمن خوّان، ان أبديت لهم شيئا أحبوك وان منعتهم رفدك بغضوك، وهم كما قالوا شر الإخوان الواصل في الرخاء الخاذل في الشدة، وهذا الصنف منهم كثير، وفيهم يقول القائل: بمن يثق الإنسان فيما ينوبه ... ومن أين للحر الكريم صحاب وقد صار هذا الناس إلا أقلهم ... ذئابا على أجسادهن ثياب وأتى هؤلاء ممن نوه بهم حضرة الرسول بقوله ما تحابّ اثنان في الله الا كان أفضلهما عند الله أشدهما حبا لصاحبه، وما زار أخ أخا في الله شوقا إليه ورغبة في لقائه إلا نادته الملائكة من ورائه طبت وطابت لك الجنة. وما أحسن ما قيل: وزهدني في الناس معرفتي بهم ... وطول اختباري صاحبا بعد صاحب فلم ترني الأيام خلأ تسرني ... مباديه إلا ساءني في العواقب راجع الآية ٢٩ من سورة الفرقان في ج ١ تجد ما يتعلق بهذا البحث، وله صلة في الآية ٦٧ من سورة الزخرف الآتية فراجعها، قال تعالى «أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ» لكم ولغيركم إيفاء مستمرا بدلالة استقبال الفعل لأن هذا الكلام وقع بعد أن كال لهم «وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ٥٩» المقرين للضيف سابقا ولا حقا بدلالة الجملة الاسمية ولم يقل هذا بطريق الامتنان بل قاله حتما لهم على تحقيق ما أمرهم به يدل عليه قوله «فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي» مرة أخرى ففيه إيعاد لهم على عدم الإتيان بأخيهم المتضمن مخالفة أمره وزاد في
следующие страницы →