← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23595

بيان المعاني

ملا حويش

Полный текст (3 362 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

والرخاء، ولفراغ العين تقل البركة فطلبوا الابتياع منه، فباعهم بالسنة الأولى والثانية من السنين المجدبة بالنقود، والثالثة بالحلي والجواهر، والرابعة بالدواب والأنعام، والخامسة بالعبيد والجواري، والسادسة بالضياع والعقارات، والسابعة بأنفسهم وأولادهم، حتى صار جميع ما في مملكته ملكا له، واسترق أهلها فصاروا عبيدا له من جملة حاشيته، ثم ذهب فقابل الملك وقال له كيف رأيت صنع الله فيما خولتني فيه بحسن نيتك وعقيدتك في؟ فقال الملك نعم ما فعلت وحسن ما صنعت، أنا لك تبع والرأي لك فيهم وفي غيرهم، فقال الملك نعم ما فعلت وحسن ما صنعت، أنا لك تبع والرأي لك فيهم وفي غيرهم، فقال إذا، إني أشهدك وأشهد الله على أني أعتقتهم كلهم، ورددت لهم أموالهم وضياعهم، ثم ظهر عليهم وأبلغهم ذلك، فقالوا ما رأينا كاليوم ملكا أجل ولا أعظم ولا أرأف من يوسف، بل ولا سمعنا من آبائنا ملكا تحىّ بصفاته وحبه لرعيته، وكان ﵇ لا يشبع طيلة السنين المجدبة، فقيل له في ذلك، فقال أخاف ان أنا شبعت أن أنسى الجائع، ولهذا فقد آمن به الملك وجميع الناس الذين وقفوا على أخلاقه هذه، وكان لا يبيع أكثر من حمل بعير للواحد لئلا يضيق الطعام على الباقين وكان يلقاهم بوجه طلق ويحسن إليهم ويوفي لهم الكيل ولا يميز بين أحد ويعدهم بأن يبيعهم مرة أخرى كلما نفذ ما عندهم ويقول إن الحبوب كثيرة فلا تخشوا نفادها، وان في الخزائن ما يكفيكم إلى وقت الخصب والحصاد، لذلك لا ترى أحدا إلّا ويدعو له بالخير. قال تعالى (وَكَذلِكَ) كما أنعمنا على يوسف بما تقدم ذكره من تخليصه من إخوته ومن البئر ومن امرأة العزيز ومن السجن «مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ» أقدرناه على أهلها وثبتنا قدمه وجعلناها راسخة في أرض مصر «يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ» لا ينازعه فيها منازع، ولا يعارضه فيها معارض، له الأمر والنهي فيها من بعد الله تعالى وقد أكرمناه بذلك إكراما من لدّنا وقرىء نشاء بالنون لمجانسته قوله تعالى «نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا» عطائنا الواسع في الدنيا من الغنى والملك والنبوة «مَنْ نَشاءُ» من عبادنا المخلصين لنا النّافعين لعبادنا «وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» ٥٦ منهم فيها لأن الإضاعة تكون للعجز أو الجهل أو

стр. 1297

البخل، والكل محال عليه تعالى، فامتنعت الإضاعة وحل الإحسان، وهو يعم أمورا كثيرة وحقيقة الشاهد والعيان، قال ﷺ في حديث جبريل الذي رواه مسلم عن عمر ﵁، قال أخبرني عن الإحسان، قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهذه الرؤية ليست برؤية عيانية بل حالة تحصل عند الرسوخ في كمال الإعراض عما سوى الله، وتمام توجهه إلى حضرته المقدسة بحيث لا يكون لسانه وقلبه وهمه غير الله تعالى، وسميت هذه الحالة مشاهدة لمشاهدة البصيرة إياه تعالى كما أشار إليها بعض العارفين بقوله: خيالك في عيني وذكرك في فمي ... وحبك في قلبي فإين تغيب وقال الكندي: وفي أربع مني حلت منك أربع ... فما أنا أدري أيها هاج لي كربي خيالك في عيني أم الذكر في فمي ... أم النطق في سمعي أم الحب في قلبي قال تعالى: «وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ» من أجر الدنيا مهما كان عظيما وهو مهيء «لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ٥٧» الله تعالى فيأتمرون بأمره وينتهون بنهيه وفيه إشارة إلى أنه كان من المتقين زمن الهم والميل، واعلام بأن الله تعالى أعد ليوسف ﵇ في الآخرة أعظم مما أتاه في الدنيا قالوا ولما اشتد القحط وعم البلاء احتاج أهل البادية إلى الميرة من الحاضرة فأتوا مصر ومن جملتهم أهله حيث كانوا نازلين بالعربات من أرض فلسطين عند ثغور الشام فقال السيد يعقوب ﵇ لأولاده بلغني أن بمصر ملكا صالحا يبيع الطعام فاقصدوه ثم جهزهم وأرسلهم وذلك قوله تعالى «وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ٥٨» جاهلون كونه هو إذ لم يعرفوه البتة، وذلك لأنهم جاءوا عليه على حالتهم البدوية التي تركهم عليها، فعرفهم هو لذلك وهم رأوا ملكا متوجا بتاج الملك بزي ملوك مصر فمن أين يعرفونه، على أن العرفان يخلقه الله تعالى في القلب ولم يخلقه فيهم إذ ذاك ليحقق الله ليوسف ﵇ ما وعده به في قوله (لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) الآية ١٥ المارة.

стр. 1298

مطلب أول من سن التحقيق عن الهوية ومعنى الأخوه وفضلها ومحاسن الأخلاق: قالوا ولما دخلوا عليه حيوه بالعربية فرد عليهم بها، وكلمهم وسألهم، فأخبروه بهويتهم وحالهم ومحلهم والسبب الذي جاء بهم إليه، فقال لهم عليكم جئتم تنظرون عورة بلادي؟ فقالوا ما نحن بجواسيس وإنما نحن أخوة أولاد أب واحد، وكنا اثنى عشر وها نحن عشرة ولنا أخ آخر لأب تركناه عند والدنا حيث كان له أخ أحبنا إلى أبينا وقد هلك بالبرية، فأمسك أخاه يتسلى به، وان مجيئنا للميرة ليس إلا كما ذكرنا. قالوا وبعد إكرامهم أراهم من لين الجانب ما قرت أعينهم به، قال ومن يعرفكم ويعلمنا صدق قولكم؟ قالوا لا أحد لأنا غرباء، قال ائتوني إذا بأخيكم لأبيكم الذي هلك أخوه كما زعمتم ليظهر لي حقيقة قولكم، قالوا ان أباه يحزن لفراقه، قال اتركوا أحدكم عندي رهينة حتى إذا تبين أنكم جواسيس أجريت معه ما يستحقه الجاسوس من الجزاء، لأن هيئتكم تدل على أنكم عيون لا ممتارون كما تزعمون، وإنما قال لهم ذلك مع علمه بخلافه توطئة وتقدمة لأن يستنزلهم لجلب أخيه وإلا فبعيد عليه ﵇ أن يتهمهم بذلك لأن هذا إذا كان على حقيقة يكون من البهت والبهت لا يليق صدوره منه ويصرف هذا عن معناه الحقيقي زيادة إكرامهم وحسن مكالمتهم وايفاؤه الكيل لهم وتزويدهم لما يحتاجون من الطعام في سفرهم وقوله لهم بعد هذا «وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ٥٩» فوافقوه على ما قال وافترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأيا بعد يهوذا، فسلموه إليه قال تعالى «وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ» بفتح الجيم، وكسرها لغة رديئة، إذ حمل لكل منهم بعيرا وبالغ بملاطفتهم وإكرام وفادتهم واحسان ضيافتهم، فلما غادروه «قالَ» لهم «ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ» يطلق على الأخوة لأب بنو الأعيان والإخوة لأم بنو العلّات ويقال للأخوة من أم واحدة وآباء متفرقين بنو الأخياف وللأخوة من أب وأم أشقاء وقد نكر الأخ مبالغة في عدم معرفته لئلا يتهموه بمعرفتهم أو ينتبهوا لها، والأخ قد يكون أكثر شفقة من الابن وقد أثنى الله على الأخوة بقوله جل قوله (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً) الآية ١١٠ من آل

стр. 1299

عمران في ج ٣، وقال «إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ» الآية ٤٨ من سورة الحجر الآتية وقال ﷺ الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها أتلف وما تناكر منها اختلف وقال ﷺ ان روحي المؤمنين يلتقيان في مسيرة يوم، وما رأى أحدهما صاحبه، وقد سنّ الإخاء وندب إليه وآخى بين أصحابه، وجاء في الخبر عنه ﷺ كم أخ لك لم تلده أمك، وقال ﵊ الرجل بلا أخ كشمال بلا يمين. وقال جعفر الصادق عليكم بالإخوان فأنهم عدة الدنيا وعدة الآخرة. وقال الشاعر: أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح وقال زياد خير ما اكتسب المرء الإخوان، فإنهم معونة على حوادث الزمان، ونوائب الحدثان، وعون في السراء والضراء. قال ابن السماك أحق الإخوان ببقاء المودة الوافر دينه، الوافي عقله، الذي لا يملّك على القرب ولا ينساك على البعد ان دنوت منه داناك، وان بعدت عنه راعاك، وان استعنت به عضدك، وان احتجت إليه رفدك، وتكون مودة فعله أكثر من مودة قوله، فهو الذي يواسيك في الشدة أكثر من الرخاء، ويغار عليك كما يغار على نفسه ويساوي حاجتك بحاجته بل تقتضى مروءته تقديمها على حاجته ولو أضرّت به. وفي هذا قيل: دعوى الإخاء على الرخاء كثيرة ... ولدي الشدائد تعرف الإخوان وقال الآخر: إن أخاك الحق من يسعى معك ... ومن يضر نفسه لينفعك ومن إذا ريب الزمان صدعك ... شتّت فيك شمله ليجمعك وقيل لخالد بن صفوان أي اخوانك أحب إليك؟ قال الذي يسد قلّتي، ويغفر زلّتي، ويقبل عثرتي وقيل من لم يوأخ إلا من لا عيب فيه قلّ صديقه، ومن لم يرض من صديقه إلا بايثاره على نفسه دام سخطه، ومن عاتب على كل ذنب ضاع عتبه وكثر تعبه. وقيل في ذلك: إذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه وإن أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه

стр. 1300

وقالوا إذا رأيت من أخيك أمرا تكرهه، أو خلة لا تحبها فانصحه وانهه واضرب له الأمثال على قبح عاقبتها، ولا تهجره رأسا، ولا تقطع صلته ولا تصرم ودّه، ولكن داو كلمته، واستر عورته، وابقه وابرأ من عمله قال تعالى (فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) الآية ٢٦٧ من سورة الشعراء في ج ١، فإن الله لم يأمره بقطعهم بل بالبراءة من سيء عملهم، وقيل: أخاك الذي إن تدعه لملمة ... يجبك كما تبغي ويكفيك من يبغي وان تجفه يوما فليس مكافئا ... فيطمع ذو التزوير والوشي ان يبغي وقالوا ليس سرورا يعدل لقاء الاخوان ولا غم يعدل فراقهم، ولكن من هؤلاء الإخوان فإن اخوان أهل هذا الزمن خوّان، ان أبديت لهم شيئا أحبوك وان منعتهم رفدك بغضوك، وهم كما قالوا شر الإخوان الواصل في الرخاء الخاذل في الشدة، وهذا الصنف منهم كثير، وفيهم يقول القائل: بمن يثق الإنسان فيما ينوبه ... ومن أين للحر الكريم صحاب وقد صار هذا الناس إلا أقلهم ... ذئابا على أجسادهن ثياب وأتى هؤلاء ممن نوه بهم حضرة الرسول بقوله ما تحابّ اثنان في الله الا كان أفضلهما عند الله أشدهما حبا لصاحبه، وما زار أخ أخا في الله شوقا إليه ورغبة في لقائه إلا نادته الملائكة من ورائه طبت وطابت لك الجنة. وما أحسن ما قيل: وزهدني في الناس معرفتي بهم ... وطول اختباري صاحبا بعد صاحب فلم ترني الأيام خلأ تسرني ... مباديه إلا ساءني في العواقب راجع الآية ٢٩ من سورة الفرقان في ج ١ تجد ما يتعلق بهذا البحث، وله صلة في الآية ٦٧ من سورة الزخرف الآتية فراجعها، قال تعالى «أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ» لكم ولغيركم إيفاء مستمرا بدلالة استقبال الفعل لأن هذا الكلام وقع بعد أن كال لهم «وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ٥٩» المقرين للضيف سابقا ولا حقا بدلالة الجملة الاسمية ولم يقل هذا بطريق الامتنان بل قاله حتما لهم على تحقيق ما أمرهم به يدل عليه قوله «فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي» مرة أخرى ففيه إيعاد لهم على عدم الإتيان بأخيهم المتضمن مخالفة أمره وزاد في

стр. 1301

الوعيد بقوله «وَلا تَقْرَبُونِ ٦٠» البتة إذ يظهر له عدم صحة قولكم هذا على قراءة الكسر، وعلى قراءة الفتح يكون المعنى لا تدخلوا بلادي لأني سأعاملكم معاملة العيون. وتأتوني تقرأ بالهمز وبدونه مثل يأكل ويأكل، أي أنه يعاملهم معاملة الجواسيس فضلا عن عدم الإيفاء بالكيل والإحسان في الضيافة أي لا أمدكم ولا أدخلكم بلادي وسأردكم خائبين وذلك عبارة عن ترهيب وتضييق ووسيلة لاهتمامهم بجلب أخيه «قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ» فنحتال عليه حتى ننتزعه منه ونحضره لك وأكدوا له تنفيذ ما أمرهم به بقولهم «وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ٦١» ما أمرتنا به إذ لا غنى لنا عن العودة لحاجتنا إلى الميرة لأنا آل بيت معروف تطرقه الضيفان من كل مكان وما تصدقت به علينا لا يكفينا، وأذن لهم بالانصراف «وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ» من طعامهم الذي ابتاعوه منه «فِي رِحالِهِمْ» أوعيتهم التي يحملون فيها أشياءهم «لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٦٢» إلينا، لأن ديانتهم وأمانتهم تحملهم على ردها فيحصل المطلوب من قصد حضورهم بأخيهم، وهذا التفسير أولى بالمقام وبسياق الكلام من أن يراد بالبضاعة معرفة كرمه وسخائه لأنهم قد علموا ذلك مما تقدم، أوانه رأى أخذ الثمن من أهله لؤما مع أنه ليس بشيء عنده، وقد صمم على بيعهم إليه أو أنه أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم به عيب فرده إليهم، فهذه الأوجه كلها وان كان يحتملها التفسير إلا أنها بعيدة عن المرمى نائية عن المغزى، والله أعلم. قال تعالى «فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ» قال لهم ولم ذلك قالوا إن ملك مصر أحسن وفادتنا وأكرمنا إكراما لو كان من ولد يعقوب ما فعل بنا مثله، إلا أنه ظن أنّنا جواسيس وعيونا على مملكته لأنا من قطر غير قطره، طلب أولا منا من يعرّفنا بعد أن عرفناه بحالنا ونسبنا فقلنا له إنا غرباء لا يعرفنا أحد، فازداد تنكرّه منا وأخذ أخانا شمعون رهنا على أن نحضر له أخانا بنيامين دلالة على صدقنا إذ ذكرنا له قصتنا وفقد أخينا الذي هو أحبنا لأبينا، وإننا لم نأت به لأن أبانا أبقاه يتسلى به، وقال لنا إن لم تأنوا به فلا أميركم بعد أبدا «فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا

стр. 1302

نَكْتَلْ» ثانيا لأن الزمن زمن قحط وإنا بحاجة للطعام كما تعلم، ولا تخف عليه فاتركه يذهب معنا «وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ٦٣» لا نفرط به البتة، فلم يجب طلبهم، لأنه لما أجاب طلبهم بيوسف فعلوا ما فعلوا به، ولهذا «قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ» أي كيف آمنكم عليه وقد فعلتم في أخيه ما فعلتم وقد قلتم مثل هذا القول المؤكد بأصناف التوكيد وأكثر ثم فرطتم به لا أسلمه لكم ولا آمنكم عليه «فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً» منكم ومني ومن الخلق أجمع «وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ٤٤» بي وبه وبكم وبسائر مخلوقاته ولكن اذهبوا إليه وقولوا له إن أبانا يصلي عليك أي يدعو لك على ما أوليتنا من معروف وهو يجيب طلبكم إن شاء الله، ولما رأوا جزم أبيهم على عدم إرساله سكنوا «وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ» إذ رأوها مدسوسة بين أمتعتهم فدهشوا وعادوا إلى أبيهم «قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي» أيّ شيء نعمل وراء ما فعل بنا من الإحسان ملك مصر وأوفى لنا الكيل وأكبر وفادتنا فما نطلب منه بعد ذلك كله و «هذِهِ بِضاعَتُنا» التي أعطيناها له من ثمن القمح الذي باعه لنا «رُدَّتْ إِلَيْنا» أيضا فلا نحتاج إلى ثمن آخر، فهيء لنا أخانا لنذهب به إليه ثانيا «وَنَمِيرُ» نحمل الطعام ونجلبه من بلد آخر من مار يمير والمصدر الميرة، أي نمير «أَهْلَنا» به «وَنَحْفَظُ أَخانا» من كل ما نخاف عليه مما خطر ببالك ومما لم يخطر حتى نرده إليك سالما «وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ» على السفرة الأولى، لأن الملك لا يعطي الرجل الواحد أكثر من حمل واحد «ذلِكَ» القمح الذي جلبناه في المرة الأولى «كَيْلٌ يَسِيرٌ ٦٥» قليل لا يكفينا وأهلنا فضلا عن الضيفان، وأن الملك يسهل عليه ما يعطينا ولا يتعاظمه علينا لما شاهدنا منه من العطف واللطف «قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ» بالتاء والياء «مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ» عهدا موكدا باليمين «لَتَأْتُنَّنِي بِهِ» سالما كما أخذتموه وتحسنوا رفقته، وهذا اليمين لا أقبله منكم على الانفراد بل من جميعكم، على أن لا تتركوه «إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ» من قبل الأعداء فتغلبوا جميعكم عليه، بحيث لا تقدرون على خلاصه والرجوع به إليّ، بأن تقاربوا الهلاك، في ذلك تقول العرب أحيط بفلان إذا هلك أو قارب الهلاك.

стр. 1303

مطلب تعهد أولاد يعقوب بأخيهم الثاني والإصابة بالعين وسببها وما ينفعها: فقبلوا ما اشترطه عليهم لأنهم رأوا أنفسهم مضطرين لأخذه لما ذكر ولإيفاء وعدهم للملك ولخلاص أخيهم الذي تركوه رهينة عنده، «فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ» على الصورة التي أرادها «قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ ٦٦» في هذا العهد وأذن لهم به وفوض أمره إلى الله وأرسله معهم، ولما خرج يودّعهم ويدعوا لهم ويوصيهم بعضهم ببعض ورأى هيئتهم وكثرتهم خاف عليهم من العين «قالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ» فتتطرق إليكم أعين أهل مصر ولكن تفرقوا «وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ» أي كل ثلاثة أو أربعة من باب، وذلك حرصا عليهم من أعين أهل مصر لما هم عليه من الحسن وعظم القامة، وخوفا من الحسد أيضا لما في هاتين الخصلتين من تشعث القلوب من أنهما يؤثران بالإنسان من ذوي النفوس الخبيثة، ومذهب أهل السنة والجماعة أن العين إنما تفسد أو تهلك عند نظر العاين بفعل الله تعالى، وإذا أخبر الشرع بوقوع شيء وجب اعتقاده، ولا يجوز تكذيبه وإنكاره لأنه من مجوزات العقل، فلا يعتد بقول جساحده، روى أبو داود عن عائشة قالت: يؤمر العاين فيتوضا ثم يغتسل منه المعين وقد ورد بالوضوء لهذا الأمر في حديث سهل بن حنيفة لما أصيب بالعين عند اغتسالة رواه مالك في الموطإ، وقدمنا في الآية ٥٢ من سورة القلم ج ١ ما يتعلق بهذا البحث مفصلا وموثقا بالأدلة فراجعه، وكان ﷺ يعوذ بالحسن والحسين، فيقول أعيذكما بكلمات الله التامة من كل هامة، ومن كل عين لامة. وزعم الطبيعيون أن العاين تنبعث من عينيه قوة سميّة تتصل بالمعان فيفسد أو يهلك كانبعاث قوة سمية من الأفاعي والعقارب فتصل بالملدوغ فيهلك، وإن كان غير محسوس لنا، فهكذا المعان تتصل به من عين العاين قوّة سمية غير مدركة فتصعقه أو تهلكه، إلا أن انبعاث السم من الأفاعي والعقارب يكون بالاتصال وهناك لا اتصال، فلا يحسن التمثيل، إذ لا يقره العقل الذي جعلوه مصدرا للقبول والعدم، ولذلك قال المازني هذا غير مسلم لأنا بينا في كتب الكلام أن لا فاعل إلا الله، وبينا فساد

стр. 1304

القول بالطبائع، وبينا أن المحدث لا يفعل شيئا فيبطل ما قالوه، على أن هذا المنبعث من العين، إما جوهر أو عرض، فباطل أن يكون عرضا، لأنه لا يقبل الانتقال، وباطل أن يكون جوهرا لأن الجواهر متجانسة، فليس لبعضها بأن يكون مفسدا لبعض بأولى من عكسه، فبطل ما قالوه، لكن من تخيل الإسلام منهم قال لا يبعد أن تنبعث جواهر لطيفة غير مرثية من عين العاين فتتصل بالمعين فتتخلل مسام جسمه فيخلق الله تعالى الهلاك عندها كما يخلق الهلاك عند شرب السموم، عادة أجراها الله تعالى، وليست ضرورية، ولا طبيعية الجاء الفعل إليها، ولكون العين حقا شرعت الرّقيا من أجلها، لأنها من جملة الأسباب الدافعة لها، فينبغي لمن عرف نفسه أنه ذو عين أن لا ينظر إلى الأشياء نظر إعجاب، وأن يذكر الله تعالى عند رؤية ما يستحسنه، وعلى السلطان أن يمنع من عرف ذلك منه منى مخالطة الناس، وقالت المالكية: لا فرق بين العاين والساحر، أي أنهما يقتلان إذا قتلا، ويحبسان إذا خيف وقوع ضرر منهما. هذا وينبغي لكل أحد أن يقول كل يوم ما شاء الله لا قوة إلا بالله، حصّنت نفسي بالحي القيوم الذي لا يموت، ودفعت عنها السوء بألف لا حول ولا قوة إلا بالله. وما قيل إن من له نفس شريفة لا تؤثر عينه مدفوع بما رواه القاضي أن نبيّا استكثر قومه فمات منهم في ليلة واحدة مائة ألف، فشكا ذلك إلى الله فقال له سبحانه أنت استكثرتهم فعنتهم، هلا حصّنتهم إذا استكثرتهم، فقال يا رب كيف احصّنهم؟ قال تقول حصنتكم بالحي القيوم إلخ. ومن قال إن يعقوب ﵇ خاف عليهم الاغتيال أو لئلا يفطن عليهم أعداؤهم فيهلكونهم أو يصل بنيامين قبلهم فيتصل بأخيه ينفيه قوله تعالى «وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ» لأن القدر كائن لا محالة لا قدرة لي على دفعه عنكم «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ» وحده، إذ هو تفويض منه ﵇ في أموره كلها إلى ربه دون سواه، ومن جملتها ما خاف عليهم من العين، ولم يخطر بباله اتصال بنيامين بأخيه لأنه لو علم ذلك لما امتنع أولا من إرسال بنيامين معهم، ولما أخفى على أولاده كونه يوسف فيما بالغوا بإكرامه لهم، ولما وقع منهم هذا التفويض الذي ينم عن الأسف

стр. 1305

والحزن على يوسف الدال عليه قوله «عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ٦٧» وفيه إرشاد لأولاده وغيرهم بالتوكل على الله في كل الأمور. قال تعالى «وَلَمَّا دَخَلُوا» أبواب المدينة الأربعة «مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ» أي دخلوا متفرقين في أبواب المدينة تنفيذا لأمر أبيهم، وإلا في الحقيقة التي هي في علم الله «ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ» ذلك التفرق في الدخول «مِنَ اللَّهِ» إذا كان قدر عليهم شيئا من أقداره الأزلية أن يرد عنهم «مِنْ شَيْءٍ» قط كما ذكرنا وفيها إيذان بتصديق قول يعقوب ﵇ وما أغنى إلخ، لأنه بعد أن أمرهم بالدخول من الأبواب خوفا عليهم من العين والحسد رجع ففوض أمره إلى ربه، وما كان ذلك منه يقينا «إِلَّا حاجَةً» هي شفقة الآباء على الأبناء، وقد كانت «فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ» أن يقولها في وصيته لهم، فلما ذكرها لهم وذكرهم فيها «قَضاها» فلم يبق في نفسه ما يوصيهم به، والاستثناء منقطع، وإلا فيه بمعنى لكن «وَإِنَّهُ» يعقوب ﵇ «لَذُو عِلْمٍ» غزير وفهم كثير بأن الحذر لا يغني عن القدر، وأن لا دافع لما أراده الله، ولا مانع «لِما عَلَّمْناهُ» بالوحي الذي أنزلناه عليه عند تشريفه بالنبوة. ويشعر تأكيد الجملة بأن واللام والتنكير وتعليلها بالتعليم المسند إلى ضمير العظمة. إلى جلالة قدر يعقوب ﵇ وعلو شأنه وواسع علمه وعظيم تبجيله «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ٦٨» ما يعلمه يعقوب لأنه على نور من ربه وعلم جليل علمه إياه، وأن جميع ما في الكون علويه وسفليه لا يعلمون شيئا مما يعلمه الله إلا بتعليمه إياهم. قال تعالى «وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ» قالوا له أيها الملك هذا أخونا الذي ذكرنا لك عنه وأمرتنا بإحضاره فشاهده وعرفه، ولكن لئلا يحسو بما أراده ودبره سأله عما قالوه لهم بشأنه وشأن أخيه، فذكر له ما ذكره له اخوته حرفيا فقال لقد تبين لي الآن صدقكم وقد أحسنتم بأن أزلتم الشبهة عن أنفسكم وعن ما كنت أتصوره فيكم، قالوا فزاد في إكرامهم وقراهم وأجلس كل اثنين على مائدة فجلسوا وبقي بنيامين وحده، فتنهّد وقال في نفسه لو كان أخي حيا لجلس معي، فأحسّ يوسف بما جال في خاطره وصار يتفقدهم ويبش في وجوههم ويجلب لهم الأكل والشراب

стр. 1306

الذي أحضره لهم، ومر في بنيامين فقال له أنت وحدك على مائدة وإخوتك كل اثنين، وجلس معه وصار يأكل، ولما جن الليل هيأ لكل اثنين غرفة وأمرهم أن يناموا فيها، فناموا كذلك وبقي بنيامين وحده في غرفة فيها سريران، فدخل عليه بعد أن تفقدهم أيضا ونام معه في غرفة واحدة، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى «آوى إِلَيْهِ أَخاهُ» قالوا فلما خلا به، قال له ما معنى بنيامين بالعربية لأنها كلمة عبرانية؟ فقال معناها المتوكل، فقال تعرف أخاك الذي قيل إنه هلك بالبرية؟ قال نعم ولكن لا يشبه أحدا من إخوتي ولا من غيرهم، قال تحب أن أكون أنا بدله؟ قال ومن يجد أخا مثل الملك وأنت الذي لا نظير لك في محاسن الأخلاق ومكارم الآداب والبهجة والجمال والكمال، إلا أنه لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف ﵇ وضمه إليه و «قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ» يوسف ابن يعقوب وراحيل «فَلا تَبْتَئِسْ» لا تحزن ولا تأسف «بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ٦٩» بي وبك فيما مضى، والابتئاس اجتلاب الحزن والبؤس، وقالوا قال له لا تخبر إخوتك بهذا واذهب معهم، قال لا أفارقك أبدا، قال افعل ما آمرك وسترى كيف آخذك منهم، قال نعم الأمر إليك قال تعالى «فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ» تقدم مثله، وذلك بأن كال لهم وزودهم ووفى لهم بأحسن مما مر ثم انهم أخبروه ببضاعتهم، الأولى بأنهم وجدوها بين أمتعتهم وأتوا بها إليه قالوا إنا لا نستحل كتمها لأنا أخذنا قمحا بدلها ويحرم علينا في ديننا ذلك وقالوا إن أبانا يدعو لك ويحبك ويصلي عليك، لأنا ذكرنا له حسن وفادتك لنا وإكرامك إيانا، فلمّا سمع منهم ذلك لم يسئلهم كيف وصلت إليهم لأنه عالم بها فقال إذ كان ذلك منكم، وقد توسمت فيكم الخير، فإني أسمع لكم بها لقاء صدقكم وأمانتكم وإتيانكم بأخيكم، وهو قد سمع لهم بها حين وضعها بأمتعتهم، ولكن لقصد وقد حصل، ثم تفكر كيف يتمكن من إبقاء أخيه عنده فتخيل في نفسه أن لا يكون ذلك إلا بتدبير فيه تهمة لذلك «جَعَلَ السِّقايَةَ» علبة الكيل وأصلها مشربة الملك التي كان يشرب فيها وكانت من ذهب وبسبب الغلاء الشديد، وعزة الطعام جعلها صاعا للكيل ووضعها بيده نفسه «فِي رَحْلِ أَخِيهِ» لئلا يحس أحد فيما

стр. 1307

دبره لأخذ أخيه، وقيل أنه أمر الكيالين أو أحدهم بوضعها في حمل أخيه، لأن الملك عادة لا يباشر ذلك بنفسه كما يفهم من قوله وجهزهم، لأن المجهز فتيانه لا هو والله أعلم أي أنه دسه فيه من حيث لا يعلم هو أيضا، ثم أمرهم بنقل متاعهم وودعهم وتركهم يتحادثون في حسن صنيعه لهم دون سائر الممتارين، حتى إذا علم أنهم تجاوزوا عمران المدينة أرسل إليهم فتيانه وأخبرهم بفقد السقاية وأنهم آخر من خرج من حمل الكيل وأمرهم أن يسرعوا ليلحقوهم ويسألوهم عنها، فتبادروا يهرولون حتى قربوا منهم ولذلك عبر بأداة التراخي قال «ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ» نادى مناد منهم عليهم قائلا «أَيَّتُهَا الْعِيرُ» يا أهلها والعير الإبل المحملة «إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ٧٠» وقصد بمناداتهم بلفظ السرقة سرقتهم إيّاه من أبيه، لأنهم لما احتالوا عليه بأخذه للنزهة وكان قصدهم قتله فكأنهم سرقوه، وهذا من المعاريض وفيها مندوحة عن الكذب، وهذا على القول بأن القائل هو يوسف ﵇، وعليه فلم يبق مجال لقول من قال إنه لا يليق به وهو نبي أن يتهمهم بشيء، يعلم أنهم براء منه وعلى القول بأنه أخبر فتيانه الموكلين بالكيل بفقد الصاع وأمرهم أن يتبعوهم لأنهم هم الذين أخذوه ليلحقوهم ويستردوه منهم، ولم يأمرهم بالمناداة عليهم بلفظ السرقة فليس في الأمر شيء من ذلك، والقضية لا تخلو ولكنها للمصلحة، تدبر «قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ» ووقفوا مكانهم حتى وصلوا إليهم وقالوا أيها الفتيان «ماذا تَفْقِدُونَ ٧١» قالوا لهم ألم يكرمكم الملك ويأمر بحسن قراكم ويبيتكم عنده ووفى لكم الكيل ورد عليكم بضاعتكم قالوا بلى وله الشكر وحسن الثناء منا ما حيينا «قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ» فقدناه بعد ذهابكم ولم نكل لغيركم به فردوه إلينا والله يجزيكم خيرا، واعلموا أن الملك تفضل وقال «وَلِمَنْ جاءَ بِهِ» بأن رده من تلقاء نفسه حلوانا من عنده حلالا «حِمْلُ بَعِيرٍ» من الطعام ثم قال المنادي «وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ٧٢» كفيل بإعطائه لمن يعطينا إياه ويكفينا مؤنة التحري عليه، والزعيم الكفيل بلغة اليمن، ويأتي الحميل بمعنى الكفيل أيضا، قال ﷺ الحميل غارم فلما سمعوا بهتوا وردوا عليهم بلسان واحد «قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ» ديانتنا وأمانتنا، وذلك أنهم حينما قربوا من المدينة شدوا أفواه

стр. 1308

رحالهم لئلا تأكل من الزروع والطعام العائد لأهل القرى، ولم يزالوا كذلك حتى دخلوا المدينة، وأنهم ردوا البضاعة حين اطلعوا عليها دون طلب أو سؤال، ثم قالوا «ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ» وذلك لأنه حين قال لهم الملك إنكم جواسيس وأثبتوا له خلافه وأحضروا له أخاهم وشهد له بما ذكروة وتركوا له أخاهم شمعون رهينة حتى ظهر له صدق قولهم، ثم قالوا له «وَما كُنَّا سارِقِينَ ٧٣» السقاية ولا غيرها من قبل حيث لم يصدر هكذا أفعال سيئه منا وهذه الجملة نفي لقولهم أنكم لسارقون ثم قالوا لهم بعد أن أقسموا على تلك الأمور الثلاثة إنا آل يعقوب لا نقدم على شيء مما ذكرتم، وفي الآية قسمان، لأن العرب تجري العلم مجرى القسم، كما أن الشرع أجرى لفظ الشهادة مجرى اليمين، قال قائلهم ولقد علمت لتأتين منيّتي ... ان المنايا لا تطيش سهامها فأجابهم للفتيان عن تقديم السرقة «قالُوا فَما جَزاؤُهُ» أي السارق عندكم بينوه لنا «إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ ٧٤» بحلفكم هذا حتى تجرى عليه ذلك «قالُوا جَزاؤُهُ» عندنا آل يعقوب «مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ» أي الذي يوجد الصاع في حمله «فَهُوَ جَزاؤُهُ» بأن يسلم نفسه لصاحب السرقة ليسترقه سنة كاملة، وهذه سنتنا في كل سارق إنما قال جزاؤه ولم يقل هو، لأن الأنسب الإضمار في مثله، قالوا بل الإظهار أحسن هنا لإزالة اللبس، وعليه قوله: لا أرى الموت يسبق الموت بشيء ... نغص الموت ذا الغني والفقيرا «كَذلِكَ» مثل هذا الشرع الذي ذكرناه لكم أيها الفتيان شرع آل يعقوب ومثل هذا الجزاء «نَجْزِي الظَّالِمِينَ ٧٥» السراق وهذه من جملة كلام أولاد يعقوب ﵇ لا من كلام الفتيان كما قاله بعض المفسرين، لأن الفتيان ليس لهم من الأمر شيء حتى يقولوا نجزي، فقال أصحاب يوسف لا بد لنا حينئذ من تحري أوعيتكم ورحالكم حتى يتقن، قالوا لا بأس دونكم، قالوا ورجعوهم إلى المدينة ليتحروهم أمام الملك، لأنهم لم يجسروا على تحريهم استبدادا من أنفسهم لما رأوا ما لهم من الاحترام عنده دون سائر الناس، وذلك بعد أن ذكروا له ما دار بينهم من الكلام وما اتفقوا عليه من جزاء السارق وأنهم وافقوا على التحري

стр. 1309

براءة لساحتهم، فأمر يوسف كبير أعوانه بذلك «فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ» أي فتش أولا أوعية أخوته لأبيه «قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ» الشقيق بأن أخره بعدهم. مطلب اتهام بنيامين بالسرقة وما وقع لأخوته مع ملك مصر من جراء ذلك: قالوا فلم يروا شيئا، وكانوا كلما فتحوا متاعا أو وعاء لا ينظر إليه يوسف ويستغفر الله ربه تأثرا مما رماهم به حتى لم يبق إلا رحل بنيامين، فأراد الأعراض عنه فقال اخوته لا والله لا نتركك حتى تتحراه أيضا، فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا فأمر بفتحه إجابة لطلبهم، ثم تحروه فوجدوه فيه، وذلك قوله تعالى «ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ» أنت الضمير هنا وذكره آنفا لأن الصواع يذكر ويؤنث أو أنه عند التأنيث يعود للسقاية، وفي التذكير يعود للصواع، قالوا لما رأوه الأخوة بهتوا ونكسوا رءوسهم وأقبلوا على بنيامين يلومونه. ويقولون له يا ابن راحيل فضحتنا وسوّدت وجوهنا، فقال والله ما وضعته ولا سرقته، فقالوا يا ابن راحيل ما زال يأتينا منكم بلاء، فقال لهم بعد أن شددوا عليه بالتأنيب إن ابن راحيل ما زال لهم منكم بلاء ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية، وأقيلتم تؤنبوني على ما لم أعلم، ان الذي وضع الصاع في رحلى هو الذي وضع البضاعة في رحالكم في المرة الأولى، وقصد بهذا يوسف ﵇ لأنه في الحقيقة هو الذي فعل الأمرين بنفسه أو بأمره ولكنه عرض بهم ليفهمهم انكم أنتم جئتم أولا بالبضاعة والآن بالسقاية، فتذكروا إن كنتم تعلمون بمن وضع البضاعة في رحلكم، فأنا أعلم الذي وضع السقاية في رحلي، وإذا كنتم لا تعلمون فأنا أيضا لا أعلم. ولما سمعوا منه هذا القول سكتوا وظنوا أن ما قاله هو الواقع، قالوا فأخذ يوسف بنيامين بمقتضى شرع أبيه الذي ذكره إخوته وأمرهم بالانصراف، قال تعالى «كَذلِكَ» مثل الكيد العظيم «كِدْنا لِيُوسُفَ» وعلمناه إياه والكيد من الناس حيلة ومكر ومن الله تعالى تدبير بالحق، ولولا هذا التعليم والتدبير السديدين «ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ» لأن شريعة ملك مصر أن يغرم السارق مثل ما أخذ ويضرب فقط، لا أن يؤخذ ويسترق «إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» ذلك، لأن هذا كله إنما وقع من يوسف بالهام من الله تعالى ومشيئته، ولولا

стр. 1310

ذلك لما جرى الأمر على ما أراد قال في درر المرتضى إن كدنا تأتي بمعنى أردنا، وعليه أنشد: كادت وكدت وتلك خير إرادة ... لو عاد من لهو الصبابة ما مضى هذا وانا نحن إله السموات والأرض الخافض الرافع «نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ» بالعلم والعمل كما رفعنا رتبة يوسف على إخوانه باقتضاء حكمتنا وما تستدعيه المصلحة «وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ٧٦» من البشر إلى أن ينتهي إلى ربه تعالى مما لا يناله البشر، راجع الآية ٤٣ من النجم المارة في ج ١، ولما رأى الإخوة أن سقط في أيديهم وقد احتفظ الملك بأخيهم وأمرهم بالانصراف أقبلوا عليه كلهم و «قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ» وعرضوا بكلامهم هذا بأن أمهم ليست بامه، قيل إن السرقة التي عزوها ليوسف وعيروا بها أخاه هي ما ذكرناه قبل في قصة المنطقة عند قوله تعالى، (إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) الآية ٣٤ المارة، وما قيل إنه ﵇ كان سرق بيضة أو صنما أوانه كان يسرق الطعام ويعطيه للفقراء أقوال أضعف من القول الذي أخذنا به، لأن هذا وأمثاله مما لم ينبه عليه الله تعالى ولم يوقف على حقيقته أحدا، وإن علمه عند الله وحده، وما ذكر كله على علاته لا يسمى سرقة على فرض صحتها، وإنما سميت سرقة لشبهها بها، وبما أنهم لم يجدوا ما يعدوه عليه عيبا من شيء ظاهر معقول ولا ما يمس بكرامته غير ذلك، عدوه عيبا عليه، من حيث لا يعد إلا على حد قوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فأول من قراع الكتائب قال تعالى «فَأَسَرَّها يُوسُفُ» ﵇ أخفى تلك المقالة التي وصموه بها بالسرقة حيث جعلها مكتومة في سره «وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ» لا قولا ولا فعلا بل صفح عنها حلما وعفوا أو كتم ما أراد ان يجابههم به من القول جوابا على مقالتهم تلك، وهي المعني بها بقوله تعالى «قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً» منزلة ممن رميتموه بالسرقة، أي ذكر هذه الجملة في نفسه ﵇ لما حصل في قلبه من الحزازة الحاصلة من قولهم ذلك، والحزازة وجع القلب من غيظ ونحوه، وقيل أنه ﵇ أراد بقوله لاخوته (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً) لما أقدموا عليه من

стр. 1311

أخذهم له بطريق الاحتيال وظلمهم بضربه في الأرض والقائه في الجب، وكذبهم على أبيهم بأن الذئب أكله، وبيعهم له بثمن بخس، وبعد هذا كله ومرور الزمن الطويل ترى بقاء الحقد عليه بقلوبهم حتى رموه الآن بالسرقة، وهذا وجيه كله لولا كلمة الحقد لأنه بعد أن شرفهم الله بالنبوة لم يبق في قلوبهم حقد ولا حسد، ولكنها كلمة سبق بها اللسان في مثل هذا الحال، واختطفها القلم فأثبتها «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ ٧٧» به يوسف وأخاه ثم تذكروا موثقهم الذي أعطوه لأبيهم بأن لا يفرطوا به حتى يغلبوا جميعهم كما مر في الآية ٦٦ وعزموا على إيفاء عهدهم لأبيهم وهم أحق ممن يفي بعهده، فالتفتوا إلى يوسف وخاطبوه بما ذكر الله عنهم عزّ ذكره «قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً» في السن والقدر والجاه، وأن من كان كذلك فان ابنه يستوجب العفو والصفح احتراما له فضلا عن أنه لا يصبر على فراقه مدة استرقاقه، إذ أقعدته الكآبة على أخيه الأول وصار يتعزى عنه بهذا، فنرجو منك أيها الملك الصفوح الحليم أن تعفو عنه وإلا «فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ٧٨» للناس عامة ولنا خاصة، وعددوا فضائله التي أجراها لهم «قالَ» يوسف أنا لا أمنّ بإحساني إليكم «ولكن مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ» لم يقل من سرقه تورعا، ولذلك سنّ للشاهد أن يقول أخذ لا سرق درأ له في الحد «إِنَّا إِذاً» إذا أخذنا بدله وتركناه «لَظالِمُونَ ٧٩» مبالغون في الظلم بأخذنا البريء وتركنا المدان بإجابة طلبكم ونحن ما أخذناه إلا على قولكم وفتواكم حسب شريعتكم، ولو تركتمونا وشأننا لعاملناه معاملة رعيتنا بمقتضى شرع البلاد بأن نأخذ منه مثل ما سرق ونضربه ثم نتركه، أما الآن وقد تم ما توافقنا عليه فلا مجال لتركه إذ لا يجوز للملك أن يرجع عن أمر أنفذه إلا بعفو، والسارق ليس بأهل له «فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ» وعرفوا يقينا أنه لا يرده إليهم ولا يقبل فداءه بأحدهم «خَلَصُوا نَجِيًّا» انفردوا عن الناس بأنفسهم يتناجون بينهم ويتشاورون ماذا يفعلون «قالَ كَبِيرُهُمْ» وصاحب مشورتهم يهوذا المنوه به في الآية ١٠ المارة «أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ

стр. 1312

اللَّهِ» بزده إليه إلا أن يحاط بكم فتغلبوا جميعكم عليه ولا يمكنكم تخليصه بصورة من الصور «وَمِنْ قَبْلُ» بنيامين هذا «ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ» قصرتم في شأنه ولم تحفظوا عهد أبيكم فيه والقول بكون ما هنا مصدرية أحسن من كونها زائدة، إذ لا زائد في كتاب الله ومن القول بأنها موصولة لأنه يؤدي لجعل كلمة قبل تكرار، إذ يكون المعنى من قبل الذي فرطتم، وعلى الأول من قبل تفريطكم وهو أحسن، قالوا قال لهم يهوذا انكم حين أخذتم يوسف قلتم لأبيكم إنا له لناصحون، إنا له لحافظون، وإنا إذا لخاسرون، راجع الآيات ١٠ فما بعدها ولم تراعوا محافظة أقوالكم هذه ولم تفوا بوعدكم وعهدكم لما كنتم عليه قبل تشريفكم بالنبوة، أما الآن وقد أكدتم إيمانكم ومواثيقكم أيضا وجزمتم بأنكم لا تتركونه إلا أن تغلبوا أو تقهروا «فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ» هذه ولا أغادرها معكم أبدا «حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي» بمبارحتها فيقبل عذري بعدم التمكن من استخلاص بنيامين لأنه صار بيد الملك، وقدرته محيطة بنا، إذ لا يمكن أن يباري الملك أو يجارى أو يقابل أو يشادد، لأن قدرته محيطة بنا قالوا إن الكبير الذي قال هذا القول هو روبيل وهو الذي تخلف في مصر وقد مر أنه شمعون راجع الآية ٦٢ المارة، والصحيح أن كبيرهم في السن روبيل، وفي الرياسة شمعون، وفي العقل والمشورة يهوذا، والله أعلم وقال أرى أن نخبر أبانا بهذا ونعلمه بأنا قد أقمنا بما يجب علينا إزاء موثقه الذي أخذه علينا، فيعذرنا أو يأمرنا بما يراه «أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي» برد أخي لأبيه، ولو بقيت ما بقيت أو أخرج قسرا من مصر أو أقاتل الملك، فإما أقتل فأعذر أو أستخلص أخي فأكون بارا بوعد أبي، وهذا الذي أبتغيه من الله «وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ٨٠» فلما سمع روبيل قول أخيه يهوذا غضب، وكان إذا غضب لم يقم لغضبه شيء ولم يقاومه أحد، وكان إذا صاح ألقت الحوامل حملهن، ولكن إذا مسه أحد من ولد يعقوب سكن ما فيه، فقال يا إخوتي كم عدد أبواب مصر قالوا عشرة، قال لهم اكفوني الأسواق، وأنا أكفيكم الملك، ثم تقدم إلى الملك فقال أيها الملك لتردنّ أخانا أو لأصيحنّ صيحة لا تبقى بمصر امرأة حاملا إلا وضعت، فنظر إليه وإذا

стр. 1313

كل شعرة منه قائمة ورأى شعر صدره خارجا من ثيابه، فأشار يوسف لابنه الصغير أن يلمسه فذهب إليه وصار الملك يكلمه حتى مسه فسكن غضبه، ونظر إلى اخوته وقال لهم أيكم مسّني قالوا لا أحد، فقال في نفسه ان هذا بذر من بذور يعقوب يريد ابن يوسف لظنه أنه مسه، ثم غضب ثانيا وتطاول على الملك بصوته وكلامه. ولما لم ير يوسف بدا من التخلص منه إلا بمسه تقدم إليه ووكزه برجله فرماه على الأرض وقال له أنتم أيها العبرانيون تزعمون أن لا أحدا أسد منكم قوة، وانما فعل هذا بنفسه ليسكن غضبه بمجرد مسّه، وعرف أنه لو سلط عليه جميع فتيانه لعجزوا عنه ولبطش بهم، فظن اخوته انما سكن غضب أخيهم من شدة وكزة الملك، ووقع على الأرض من قوة تلك الرفسة، فقال بعضهم لبعض لا قدرة لنا على مقابلته، وابتعدوا عنه وقال بعضهم لبعض «ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ» صواع الملك وان الملك ذو بطش وقوة لا طاقة لنا به، وقصّوا له ما حدث بينه وبين كبيرهم روبيل، وتحقق العجز عن تخليصه بمشاهدتنا كلنا «وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا» من ثبوت السرقة بوجود الصاع في رحله فقط، إذ لا شاهد على الفعل، وبما أن وجوده في رحله يحتمل أن دسه فيه وقع ممن لا يعرف طلبنا منه العفو عنه وأن يسدينا معروفا فوق أفضاله السابقة علينا فلم يفعل، لأن السارق لا يعفى عنه بشريعته هذا «وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ٨١» ولو لم تعلم ما قدر عليه من غيب الله ما أعطيناك ذلك الموثق الذي أخذته علينا، بل لما أخذنا معنا، فاذا صدقكم فيها والا قولوا له «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها» أي أهل مصر «وَالْعِيرَ» واسأل أهل العير «الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها» إذ كلوا من كنعان جيران ليعقوب ﵇، وأصل العير قافلة الحمير ثم توسع بها لكل قافلة، لذلك قلنا آنفا في الآية ٧٠ المارة إنها قافلة الإبل وأكدوا قولكم بما شئتم، فقولوا له «وَإِنَّا لَصادِقُونَ ٨٢» فيما ذكرناه لك، وإنما تآمروا على هذا القول الفصل مبالغة في إزالة التهمة عنهم بسبب واقعة يوسف، قالوا فذهبوا وتركوا كبيرهم في السن في مصر ليديم المراجعة بشأن أخيهم ويتعاهده برا بعهدهم

стр. 1314

يحفظه، ولما وصلوا قصّوا له القصة وما تفرع عنها من المناجاة ومكالمة الملك لأخيهم، فقال لهم ومن أعلم الملك بأن السارق عندنا يؤخذ بسرقته لولا أنكم أخبرتموه؟ قالوا إنما أخبرناه حينما سألنا عن جزاء السارق بعد إنكارنا لسرقة الصواع لعلمنا أننا براء من سرقته، فذكرنا له ذلك لئلا يؤثر علينا كذبا، هذا ولا يقال كيف يجوز ليعقوب ﵇ وهو نبي أن يقول هذا القول لما فيه من إخفاء الحكم الشرعي، لأن هذا مشروط فيما إذا كان المسروق منه مؤمنا تابعا لشريعته ومن يعامل معاملة المؤمنين بالمثل، لا إذا كان كافرا، وكان ﵇ يظن أن حكومة مصر كافرة إذ ذاك، قالوا فلم يقبل عذرهم، لذلك «قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً» أردتموه في بنيامين فزينت لكم أنفسكم إيقاع السوء به كما زينته لكم قبلا في يوسف «فَصَبْرٌ جَمِيلٌ» على فعلكم هذا معى بأخويكم، اذهبوا عني «عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً» يوسف وبنيامين وروبيل. قال هذا من قبيل الإلهام الإلهي وحسن الظن بالله، إذ كان حزينا على يوسف فاشتد حزنه على بنيامين وروبيل أيضا وما بعد الشدة إلا الفرج، وأنه ﵇ لم يصدق أولاده بهلاك يوسف وقد وقر في صدره أنه سيرده الله عليه ويرى تأويل رؤيته وهو يترقب ذلك كله، ولذلك قال عسى إلخ «إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ» بحالي ووجدي عليهم «الْحَكِيمُ ٨٣» فيما يدبره ويقضيه من إتيانهم إلي «وَتَوَلَّى عَنْهُمْ» ولا هم ظهره وأعرض عنهم لأنه لما سمع كلامهم ضاق صدره ولم يبق بوسعه مكالمتهم ولم يقدروا أن يعيدوا عليه الكلام لما رأوا من شدة حزنه فانكفوا عنه ثم طلبهم ليوقفهم على حاله «وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ» الأسف أشد الحزن لأن الحزن إذا تقادم وأتاه حزن آخر جدد الأول فكان أوجع للقلب، وأعظم لهيجان الحزن الأول الماكث فيه، قال متمّم ابن نويرة لما رأى قبرا جديدا جدد حزنه على أخيه مالك وصار يبكي ويقول: يقول أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر توى بين اللوى والدكائك فقلت له إن الأسى يبعث الأسى ... فدعني فهذا كله قبر مالك يعني أن الحزن يجدد الحزن، وانما تأسف على يوسف مع أن الحادث مصيبة أخيه،

стр. 1315

لأن رزءه كان قاعدة الارزاء عنده، وقد أخذ بمجامع قلبه فصار لا يزول عن فكره ولا ينساه، وقيل في هذا: ولم تنسني أوفى المصيبات بعده ... ولكن نكاء القرح بالقرح أوجع مطلب جواز البكاء والحزن والأسف بما دون الضجر وتحريم شق الجيب وتحجيم الوجه واللطم وقص الشعر: ولا يقال إن هذه شكاية منه ﵇ ولا يليق بمنصب النبوة صدورها، لأنه ﵇ إنما شكا أمره إلى الله لا إلى غيره، ولم يشتك من الله لأحد لأن باء النداء مختصة بالأسماء، فكأنه قال يا رب ارحم أسفي على يوسف، فكان غير ملوم، وشكواه إليه تعالى، ولا مأثم إذا لم ينطق اللسان بكلام مؤثم «وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ» على أولاده للثلاثة «فَهُوَ كَظِيمٌ ٨٤» الحزن ممتلىء القلب به لأنه لا يبثّه إلى أحد إلا إلى ربه، وقد غشى عينيه بياض من كثرة الدمع لا أنه عمي وفقد النظر فيها، لذلك فلا صحة لقول من قال إنه عمي، لأن العمى عيب والأنبياء مبرأون من جميع العيوب الحسية والمعنوية، وتؤذن هذه الآية بجواز التأسف والبكاء عند المصيبة، لأن الكف عن أمثال ذلك عند حدوث النوائب لا يدخل تحت التكليف، ويخرج عن الوسع والطاقة، فقد قل من يملك نفسه عند الشدائد، روى الشيخاني في حديث أنس ﵁ أنه ﷺ بكى على ولده إبراهيم وقال إن العين تدمع والقلب يخشع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون. وهذا فإن البكاء والحزن والتأسف بما دون الضجر غير منهي عنه شرعا، وإنما المنهي عنه ما يفعله بعض الجهلة من النياحة، ولطم الخدود، وضرب الصدور، وشق الجيوب، والتحمم، وتمزيق الثياب، وقص الشعر، ونثر التراب، وتخميش الوجه، ورويا أيضا من حديث أسامة أنه ﷺ رفع إليه صبيّ لبعض بناته يجرد بنفسه، فأقعده في حجره ونفسه تنقعقع كأنها في شنّ، ففاضت عيناه ﵊، فقال سعد يا رسول الله ما هذا؟ فقال هذه رحمة جعلها الله تعالى فيمن شاء من عباده، وانما يرحم الله من عباده الرحماء. وفي الكشاف: قال يا رسول الله تبكي وقد

стр. 1316

نهيتنا عن البكاء؟ قال ما نهيتكم عن البكاء وانما نهيتكم عن صوتين أحمقين: صوت عند الفرح وصوت عند الترح. وعن الحسن أنه بكى على ولد له أو لغيره فقيل له في ذلك فقال ما رأيت الله تعالى جعل الحزن عارا على يعقوب ﵇ وقد ينشأ ذلك عن المحبة الشديدة التي تزيل من القلب الخواطر ويكون صاحبها كثير الرجوع إلى الله تعالى كثير الدعاء والتضرع له وقد يوصل ذلك إلى الكمال ويعد سببا للاستغراق في الله تعالى، قال تعالى «قالُوا» أولاد يعقوب الموجودون عنده لما رأوا شدة تأثره «تَاللَّهِ تَفْتَؤُا» لا تزال «تَذْكُرُ يُوسُفَ» ولا تعتر عن ذكره «حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً» دنفا مشرفا على الموت ذائبا من الهم مضمحلا من الأسى «أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ٨٥» الميتين بسببه، وهذا من قبيل بناء الأمر على غالب الظن لما رأوا من حاله وكظمه غيظه، لأن تردد الحزن في الجوف مما يودي إلى الهلاك غالبا، فلا يقال كيف حلفوا على ما لم يعلموه، وإنما وقع من يعقوب ﵇ هذا لأنه لم يقطع بوفاة يوسف كما ذكرنا آنفا، ولم يصدقهم بوقوع السرقة من بنيامين، وان زيادة صبره على يوسف وطول فراقه قد حزّ قلبه، وزاد في جزعه ما وصم به بنيامين فلا لوم عليه. هذا، وحذف حرف النفي من تفتأ في جواب القسم تخفيفا لمعلوميته موضعها لأن تفتأ تدل على النفي المحض، فإذا دخلت عليها لا النافية صارت متمحضة للإثبات ولذلك قالوا إن نفي النفي إثبات، قال امرؤ القيس: فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي لأن برح وفتيء ودام أخوات متمحضات للنفي، فإذا ادخل عليها حرف النفي تمحضت للإثبات، والحرض معناه في الأصل فساد الجسم والعقل من الحزن والهم حتى يكون مهزولا نحيفا، وهو مصدر حرض بكسر الراء، وجاء أحرض أيضا كما في قوله: اني امرؤ لجّ بي حب فأحرضني ... حتى بليت وحتى شقني السقم ولكونه كذلك لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع، لأن المصدر يطلق على القليل والكثير والمؤنث والمذكر.

стр. 1317

مطلب الصبر الجميل وشبهه وكتاب يعقوب لملك مصر: واعلم ان الصبر الجميل هو الذي لا جزع فيه والهجر الجميل الذي لا حسد فيه، والقول الجميل الذي لا فظاظة فيه والنظر الجميل الذي لا إصابة فيه، والمدح الجميل الذي لا حسد فيه، والشكر الجميل الذي لا شكوى فيه الَ» يعقوب ﵇ ردا لما وصفوه به من عدم التحمل لمقدورات الله ولما ذكروا مما يؤول اليه حاله إذا بقي كذلكِ نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ» لا لكم ولا لغيركم والبث الغمّ الذي لا يطيق صاحبه الصبر عليه ولم يبق في وسعه حمله فيفرقه على من يعنيه مأخوذ من إثارة الشيء وتفريقه تقول بثت الريح الترابَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ٨٦» من عظيم لطفه وكثير رحمته وجليل عطفه، وإني لارجوه ان يرعاني ولا يخيب رجائي، وان يأتيني بالفرح المزيل لما انا فيه من حيث لا أحتسب، وفي هذه الجملة إشارة إلى أنه ﵇ يعلم حياة يوسف ويتوقع رجوعه، ولهذا قال «يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ» اطلبوا خبرهما بحواسكم ومثله تجسسوا بالجيم، إلا أنه في طلب الشرّ قال تعالى ولا تجسسوا الآية ١٣ من سورة الحجرات ج ٣، وإنما نهى الله عنه لانه من أقبح الخصال، لا سيما إذا كان في عورات المسلمين وبلادهم وإخبار العدو بمواقعهم وعددهم، فهو أعظم من القتل، أي تحروا يوسف الذي قلتم إنه هلك، وأخاه الذي قلتم أنه سرق، ولم يذكر روبيل لانه بقي باختياره في مصر انتظارا لما يفعل بقضية أخيه «وَلا تَيْأَسُوا» تقنطوا فنقطعوا أملكم ورجائكم «مِنْ رَوْحِ اللَّهِ» فرجه ورحمته وفضله وتنفيسه، وهو بالفتح يقال أراح الإنسان إذا تنفس، ثم استعير للفرج وقرىء بالضم اشتقاقا من الرحمة لانها سبب الحياة كالروح وأضيفت اليه تعالى لانها منه أي لا تقطعوا أملكم من حي معه روح الله فان من بقيت روحه في جسده يرجى لقياه فالتمسوه وعليه قول عبيد الأبرص. وكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب وقوله وفي غير من وارث الأرض فاطمع، ثم حذرهم ترك العمل بما أمرهم فقال «إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ٨٧» لعدم

стр. 1318

علمهم بالله وصفاته أما المؤمن العارف فلا يقنط بحال من الأحوال لشدة وثوقه بالله قالوا ثم كتب كتابا إلى ملك مصر وعبارته (من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن ابراهيم خليل الله إلى ملك مصر، أما بعد فإنا أهل بيت وكل بنا البلاء، أما جدي ابراهيم فشدت يداه ورجلاه والقي في النار فجعلها الله بردا وسلاما وأما أبي إسحاق فشدت يداه ورجلاه ووضع السكين على قفاه ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب اولادي الي فذهب به اخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخا بالدم وقالوا قد أكله الذئب فصبرت وتوكلت، ثم كان لي ابن آخر وكان أخاه من أمه، فكنت أتسلى به وإنك حبسته وزعمت أنه سرق، وانا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا فإن رددته إلي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك) ثم أعطاهم إياه وأمرهم بالرجوع إلى مصر، فأخذوه وذهبوا وعند ما وصلوا الى مصر واتصلوا بأخيهم روبيل واطلعوه على الكتاب فوقع في قلوبهم قبول الملك لما فيه من الترغيب والترهيب فحملوه جميعا، وتوجهوا نحو الملك، قال تعالى «فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا» لا بدّ وان يكون القائل واحدا، وبما أنهم كلهم دخلوا عليه فكانوا بمثابة الجمع، لان ما يقوله أحدهم يقول به كلهم، لذلك جاء الضمير بلفظ الجمع، والا لا يعقل انهم كلهم قالوا ذلك بلسان واحد لما فيه من عدم مراعاة الأدب «يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ» الملك المنيع الغالب، قالوا وكان ملوك مصر يلقبون بالعزيز قديما قبل لقب فرعون، وبما أن يوسف كان قائما مقام الملك ومفوضا من قبله بكل أمور الدولة لقبوه بلقب الملك، وفي الحقيقة هو بمثابة وزير مالية مفوض ورئيس وزراء برتبة سلفه، وزاد عليه بلقب مفوض عن الملك بالأمور كلها «مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ» الشدّة والفاقة «وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ» رديئة كاسدة لا تنفق إلا بتجوز من البائع وأصل الإزجاء الدفع قليلا قليلا كتزجية الريح اللينة السحاب الكثيف، وقللوا بضاعتهم وصغروها أمام الملك ليستميلوه ويستعطفوه، «فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا» بردّ أخينا، لأن رده إلينا صدقة كما أن توفيتك الكيل لنا صدقة، وليس معناه تصدق علينا بالطعام أو أعطنا مالا كما قاله بعض المفسرين،

стр. 1319

لأن الأنبياء، لا تحل لهم الصدقة، فكيف يليق بهم طلبها؟ وما قيل إن الأنبياء قبل محمد تحل لهم الصدقة لا صحة له فهو قول مجرّد عن الدليل لأن حضرة الرسول محمد ﷺ قال (نحن معاشر الأنبياء» ولم يخص نفسه بذلك، والأنبياء كلهم على طريقة واحدة، وكل منهم يقول لقومه (لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً) فإذا كان لا يطلب على تعليمهم الطريق الموصل إلى الله ونجاتهم من عذابه أجرا، فكيف يطلب الصدقة عفوا؟ وكذلك القول بأن اجعل مسامحتك بأخذ الرديء من الثمن وإعطاء الجيد من الطعام صدقة لا وجه له، لأن الثمن الذي جاءوا به كان متداولا في ذلك الزمن فضلا عن أنهم يأخذون الجيد من الثمن طمعا بابتياعهم الطعام للمحتاجين إليه، لأن الزمن زمن غلاء وقحط، وانما حقروه بالنسبة لمقام الملك، لأن كل كثير عنده حقير «إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ٨٨» بثوابه الجزيل على العمل القليل ولم يقولوا يجزيك لأنهم لم يعلموا إيمانه قالوا ثم أعطوه الكتاب وانتظروا بماذا يجيبهم فلما قرأه اغرورقت عيناه ولم يتمالك نفسه أن «قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ٨٩» في سن الطيش صغار لا تعقلون عواقب الأمر ولا يخفى أن فعلهم بيوسف ظاهر معلوم أما فعلهم بأخيه فهو كناية عما لحقه من الغم على فراق أخيه والهم على افرادهم له عنه واذلاله لديهم حتى صار لا يستطيع أن يكلمهم ومنه ما خاطبوه به عند وجود الصاع في رحله ومن كماله ﵇ تقدم لأخوته بالمعذرة على فعلهم به حيث نسبهم إلى الجهل لأن له حالات تتقدم بالعذر عن فاعلها فهو كالتلقين لهم كي يعتذروا به على حد قوله تعالى ما غرك بربك الكريم الآية ٧ من سورة الانفطار الآتية. مطلب تعريف يوسف نفسه لاخوته وكرم أخلاقه معهم وتبشير يعقوب به: فلما سمعوا ذلك انتبهوا وأقبلوا إليه وتقربوا منه «قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ» على طريق الاستفهام التقريري، ولذلك أكد باللام وأن، لأن التأكيد يقتضي التحقيق الذاتي للاستفهام الحقيقي، وذلك لأنهم لم يعرفوه، لأنه كان في ابّهة الملك وعظمته، إلا أن لهم علامة فيه وهي زائدة كالشامة في فرقه، وهي موجودة في إسحاق ويعقوب وسارة أيضا، وكانت مغطاة بالتاج، فلما خاطبهم

стр. 1320

بذلك القول رفع التاج عن رأسه فظهرت لهم تلك العلامة، وهذا أيضا قوله تعالى (لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) الآية ١٥ المارة، وقيل أنّهم قالوا أولا على سبيل الشك والوهم لتشبيههم ثناياه بثنايا يوسف لشدة بياضها، فلما رفع التاج عن راسه عرفوه يقينا فصرخ و «قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي» ذكر أخاه مع أنه معلوم لأن البحث كان دائرا حوله، وصرح باسمه هو تعظيما لما نزل منهم به، ولما عوضه الله تعالى من الظفر والملك، ثم أكد لهم تعريفه بقوله «قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا» بالألفة بعد الفرقة، والمحبة بعد العداوة، وجمعنا وخلصنا مما وقع بنا، وفضلنا بالدين والدنيا والآخرة «إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ» الله في جميع أموره ويأتمر بأمره وينتهي بنهيه «وَيَصْبِرْ» على ما يصيبه وعلى ما حرمه الله وعلى مشاقّ الطاعة وشهوة المعصية، فإن الله تعالى يعده محسنا ويجزيه الجزاء الأوفى. وذكر الصبر بعد التقوى من ذكر الخاص بعد العام، لأنه مندرج في معناها «فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ٩٠» في هذه الدنيا، وهذا من كماله أيضا ﵇، إذ بدأهم بتذكير نعم الله عليه بالسلامة والكرامة ولم يفاجئهم بالتعنيف والملامة، «قالُوا» كلهم بلسان واحد «تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا» اختارك وفضلك بالعلم والحلم والصبر والتقوى والحسن والعقل والملك والرسالة، ومن قال بالنبوة فقد أخطأ المرمى، لأنهم كلهم أنبياء إذ ذاك، والنبوة من حيث هي متساوية بخلاف الرسالة، لأن منهم من هو من أولي العزم، وتفضيل الأنبياء الوارد في قوله تعالى، ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض الآية ٥٥ من الإسراء المارة في ج ١، إنما ذلك بكثرة الاتباع وما خص به بعضهم من النعم والمعجزات، وما نزل عليهم من الصحف، ثم بادروا بالاعتراف بخطئهم دون تقدم عذر ما بقولهم «وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ ٩١» فيما صنعناه بك عمدا لأن فعل خطأ بمعنى تعمد بخلاف مخطئين فإنه من أخطأ إذا نسى وسها، أي لا جرم أننا لم نتّق الله والإثم فيك، ولم نصبر على ما رأيناه من اصطفاء أبينا لك دوننا حال صغرنا ولهذا فإن الله تعالى أعزك وأجلّك، وسلطك علينا، وأن الله تعالى قدّر سلطانك هذا على فعلنا فيك. وفي اعترافهم بالخطأ استنزال لإحسانه عليهم واستعطاف لعفوه

стр. 1321

عنهم، فجاوبهم بما يثلج الصدر ويقرّ الأعين إذ «قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ» ، وأصل الكلمة الثرب وهو الشحم الرقيق على الكرش، وفي الجوف، وصيغة التفعيل للسلب أي إزالة الثرب كالتجليد والتقريع بمعنى إزالة الجلد والقرع، واستعير للّوم الذي يخرق الاعراض ويذهب بهاء الوجه، لأنه بإزالة الشحم يبدو الهزال وما لا يرضى، كما أنه باللوم تظهر العيوب، لذلك شبه به، والجامع بينهما طروء النقص بعد الكمال وإزالة ما به الكمال والجمال بكل، وهي اسم لا وخبرها مقدر تقديره كائن متعلق عليكم، واليوم ظرف متعلق بذلك الخبر المقدر أيضا، ولفظ اليوم هنا ليس لا قيد لأنه إذا لم يلمهم أول لقائه واشتعال ناره، فلأن لا يلومهم ولن يعاقبهم بعده بطريق الأولى. وقال المرتضى إن اليوم موضوع للزمان كله، مستدلا بقوله: اليوم يرحمنا من كان يغبطنا ... واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا كأنه أريد بعد اليوم، قال هذا ﵇ تطييبا لخاطرهم، وسدا عن بحث ما سلف منهم، وعلى هذا ينبعي أن يوقف على كلمة اليوم، لأنه راجع للتثريب ومتعلق بما تعلق به خبر لا كما ذكرنا، ويبتدأ بقوله عز قوله «يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ» وهذه جملة دعائية لهم بالمغفرة من الله، لأن فعل الدعاء لا ينصب ما قبله غالبا، وإذا رجعناه لما بعده وعلقناه بقوله تعالى يغفر فينبغي أن يوقف على كلمة عليكم ويبتدأ بكلمة اليوم ويوصلها بما بعدها، وعلى هذا يكون المعنى مبادرته لهم بالبشارة بمغفرة ربهم عما سبق منهم بحقه وحق أخيه، وذلك لما لحقهم من الخجل والحياء، إذ لم يبق لهم بد من اعترافهم بالخطأ وندمهم على فعلهم، ويكون ذلك من قبيل الإخبار بالغيب، وعلى هذا قول ﷺ لقريش عند فتح مكة ما تروني فاعلا بكم؟ قالوا نظن خيرا أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت، فقال أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم، وقولهم هذا فضلا عن اعترافهم بالذنب فإنه توبة أيضا، ولا شك أن الذنب مرض وشفاؤه التوبة، ولهذا قال لهم ما قال، وهو مصدر العفو، ولما جاء أبو سفيان ليسلم قال له العباس اتل على رسول الله لا تثريب عليكم اليوم، ففعل، فقال ﷺ يغفر الله لك ولمن علمك. وهذا قد يصح لأن السورة

стр. 1322

مكية، وأن سنة الفتح وإن كانت في السنة الثامنة وكان حضرة الرسول بالمدينة ولم يأت أبو سفيان إلى المدينة ويسلم، إلا أنه يجوز أنه تعلمها حين نزولها في مكة كالعباس لأنه آخر من هاجر ولم يتعلمها إلا في مكة، هذا والوقف على كلمة اليوم أولى وأحسن وأليق، وان أكثر القراء عليه، وجملة يغفر دعائية إذ يبعد على السيد يوسف أن يقولها بقصد الإخبار بالمغفرة من الله، ولو لم تكن الجملة بقصد الدعاء لقطعوا بالمغفرة لهم بمجرد سماعها من أخيهم الصديق، ولم يقولوا لأبيهم استغفر لنا كما سيأتي، ثم بشرهم بقبول عذرهم وأن الله تعالى سيغفر لهم برحمته بقوله «وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ٩٢» بي وبكم وبالخلق أجمع لأني إذا رحمتكم وأنا الفقير القتور، فبالأحرى أن يرحمكم ربي وهو الغني الغفور المتفضل على التائب بالعفو الشامل والرحمة الواسعة، ومن كرم يوسف ﵇ أنه قدم لهم الطعام وجلس يؤاكلهم فقالوا له إنا نستحي أن نأكل معك بما فرط منا فيك، فقال لا يا إخوتي لأن أهل مصر وإن كنت ملكهم، فإنهم ينظرون إلي بالعين الأولى، لأنهم يعرفونني عبدا للعزيز وخادما له، ولقد شرفت بكم الآن وعظمت في أعينهم، إذ علموا حقيقة ما ذكرته لهم قبلا بأني ابن يعقوب من صلب إبراهيم ﵇. وجاء عن ابن عباس أن الملك قال يوما ليوسف ﵇: أحب أن تخالطني في كل شيء إلا في أهلي، وأنا آنف أن تأكل معي، أي لأنه غلام العزيز وزيره السابق، فغضب يوسف ﵇ وقال: أحق أن آنف أنا ابن إبراهيم خليل الله. وفي التوراة التي في أيدي اليهود اليوم أنه ﵇ لما رأى من إخوته مزيد الخجل أدناهم إليه وقال لا يشق عليكم إذ بعتموني، وإلى هذا المكان أوصلتموني، فإن الله تعالى قد علم ما يقع من القحط والجدب وما ينزل بكم من ذلك ففعل ما أوصلني به إلى هذا المكان والمتكانة ليزيل عنكم بي ما ينزل بكم، ويكون ذلك سببا لبقائكم في الأرض وانتشار ذراريكم فيها. (هذا وقد مضت سنتان من سني الجدب وبقي خمس سنين، إذ ابتدأت المجدبات بعد خروجه من السجن بثلاث سنين وبعد رؤيا الملك بستة وبعد تولية يوسف بسنتين) وقد صيرني الله تعالى مرجعا للعزيز وسيدا لأهله وسلطانا على جميع أهل مصر، فلا يضيق عليكم أمركم ثم سألهم عن حال أبيه

стр. 1323

فذكروا له شأنه كما هو عليه، ففال لهم «اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً» وهذا بوحي من الله ، وهذا القميص قميص إبراهيم ﵇ الذي ألبسه الله إياه حين ألقي بالنار بواسطة جبريل ﵇، إذ ألقي فيها عريانا كما ألمعنا إليه في الآية ٣١/ ١٥ المارتين، لأن فيه ريحه وريح الجنة، وهذا أمر معلوم عقلا، فضلا عما فيه من الكرامة، لأن الحبيب إذا رأى ثوب حبيبه أو شيئا مما يلازمه ينشرح صدره وتزول كآبته، وقيل في هذا المعنى: وإني لأستشفي بكل غمامة ... يهب بها من نحو أرضك ريح حتى إن الرجل وهو في سكرات الموت إذا كان له غائب عزيز وقيل له ها هو جاء يفتح عينيه وتبدو عليه ملامح السرور، حتى إنه إذا جيء له بشيء من ملابسه يضمه ويشمه وقال لإخوته أيضا «وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ٩٣» لينعموا بآثار ملكي كما اغتموا بأخبار هلكي، فأخذوه فرحين مسرورين قاصدين تبشير أبيهم به كما كدروه قبلا بفقده تكفيرا لما وقع منهم عنده، قال تعالى «وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ» عن أرض مصر وتوجهت لأرض كنعان «قالَ أَبُوهُمْ» لأحفاده ومن عنده من أهله «إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ ٩٤» تنسبوني إلى الخرف والهرم وقلة العقل والجهل، وأصل التفنيد ضعف الرأي فقال أفند الرجل إذا خرف وفند إذا جهل، قال الأصمعي: إذا كثر كلام الرجل من خرف فهو التفنيد، أي لولا تنسبوني لذلك لصدقتموني، قالوا إن الريح استأذنت ربها بإيصاله ريح يوسف إلى يعقوب على مدة ثمانين فرسخا ولا يبعد على الله تعالى إيجاد ريح القميص بحاسة يعقوب ﵇، أو أنه أمر ريح الصبا بنقل ريحه إليه حين أعطاه يوسف لإخوته، وما ذلك على الله بعزيز، قال أهل المعاني إن الله تعالى أوصل ريح يوسف عند انقضاء المحنة وحلول وقت السرور من محله إليه بلحظة واحدة ومنع دخول هذا إليه مدة أربعين سنة من نفس المحل، ليعلم خلقه أن كل سهل زمن الإدبار صعب، وكل صعب زمن الإقبال سهل ثم انهم لم يلقوا بالا لكلامه وأكدوا له ما ظنه فيهم إذ «قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ ٩٥» الذي كنت عليه ولا تزال تلهج به من ذكر يوسف،

стр. 1324

ولما سمع ما أجابوه به سكت واستحضر للبشارة مما ذكره، والضلال الذهاب عن طريق الصواب. قال تعالى «فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ» وهو يهوذا المار ذكره، لأنه هو الذي فاجأه بأن يوسف أكله الذئب وأعطاه ثوبه الملطخ بالدم المزيف، فأحب أن يقابل هذه البشارة بتلك الإساءة، قالوا وكان تقدم إخوته لهذه الغاية وأخذ معه سبعة أرغفة زادا، فوصل قبل أن يستوفي أكلها حلال ثمانين فرسخا، لشدة عدوه بالطريق بسائق فرحه وسروره، فبادر والده بالتحية والبشارة بحياة يوسف، وقال له هذا قميصه علامة على صحة قولي، ثم «أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً» بأن عادت له قوة النظر كما كانت، وانقلب ضعفه قوة ووهنه فطنة، وهذا من باب خرق العادة، وليس بدعا في هذا المقام، وقيل إنه انتعش فقري قلبه وازدادت حرارته الغريزية، فأوصل نوره إلى الدماغ وأداه إلى البصر، ومن هذا الباب استشفاء العشاق بما يهبب عليهم من جهة أرض المعشوق، قال: ألا يا نسيم الصبح مالك كلما ... تقربت منا فاح نشرك طيبا كأن سليمى نبئت بسقامنا ... فأعطتك رياها فجئت طبيبا وأن هنا ليست بزائدة لأن الزائد عبث ولا عبث في القرآن لأنها أفادت تحسين اللفظ والتأكيد واستقامة وزن الكلام «قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ٩٦» أنتم ولا غيركم ثم قال لهم كيف تركتم يوسف قالوا هو ملك مصر قال ما أصنع الملك على أي دين هو يعامل الناس هناك قالوا على الإسلام قال الآن تمت النعمة فانبسط وظهر على وجهه السرور «قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا» التي واوقعناها معك ومع أخينا يوسف وأخيه ولا تؤنبنا على ما مضى «إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ ٩٧» معكم ومع الله «قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ٩٨» لعباده التائبين أمثالكم وهو كثير المغفرة لعباده أجمع، واسع الرحمة، جدير بأن يعفو عنكم ولا يعاقبكم عما وقع منكم. قالوا إنه ﵇ أخر طلب المغفرة لوقت السحر في ليلة الجمعة، لأنه أدعى للإجابة، وذكروا أنه قال اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه، واغفر لي ولأولادي مما أتوا إلى أخيهم وما أوقعوه فيه. فأوحى الله إليه

стр. 1325

اني قد غفرت لك ولهم أجمعين، أما ما قاله عطاء الخراساني من أن طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها إلى الشيوخ مستدلا بقول يوسف (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ) إلخ، وقول يعقوب (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ) فهو غير مطّرد، على أن يوسف نفى عنهم اللوم فقط، ووكل أمر المغفرة إلى الله، ويعقوب وعدهم بالاستغفار، لأنه من خصائص الله، وهذا من أدب الرسل، وأن يوسف طلب المغفرة لهم من الله فقط، لأن الوقف في الآية على كلمة اليوم كما نوهنا به آنفا في الآية ٩٢ المارة، ولا عبرة بقول من قال إن الوقف على كلمة عليكم لأن الابتداء بكلمة اليوم يشمّ منه رائحة التحتم على الله بالمغفرة، ولا يتصور صدوره من مثل السيد يوسف والله تعالى لا يفرض عليه شيء بل هو الذي يفرض على خلقه إرادته الأنبياء فمن دونهم، قالوا ثم إن يوسف ﵇ أرسل إلى أبيه مائتي راحلة وجهازا كثيرا مما يكفيه وأهله، وصار يترقب حضورهم، ثم ان أهل مصر صاروا ينظرون إليه بغير النظر الأول بعد أن تبين لهم أنه من آل إبراهيم حقيقة، وعظم بأعينهم، ووقر وقارا عظيما. بعد أن كان ينظر إليه بأنه عبد قيمته ثلاثون درهما، وقد اشتراه العزيز بمايتي درهم أي بعشرين دينارا وكانوا يحترمونه لعلمه وأدبه ومروءته وأخلاقه وكثرة عطفه على الفقراء ولطفه بالعامة وإكرامه الخاصّة بما هم أهله، لذلك تشرب حبه في قلوبهم لتلك المحاسن العالية والمكارم السامية. أما وقد علموا الآن أنه من بيت إبراهيم ﵇ الذائع الصيت الذي يحبه أهل السماء والأرض بصورة لم يبق معها شك أو شبهة، وقد شاع هذا لدى أعاليهم وأدانيهم، فقد ازداد وقاره وتبجيله وتعظيمه وهيبته بأعينهم وقلوبهم، لأن الحاكم إذا كان عريقا في الحكم يعظّم في ثلاث جهات لأصالته ولتوليته ولعدله، وهناك خصلة رابعة هي كمال أخلاقه وعفته. قالوا ثم رحل السيد يعقوب وآله إلى مصر وهم كالجيش العظيم وتهيأ يوسف لاستقبالهم لما علم بخروجهم فخرج هو وفتيانه ووجهاء مصر وقادتها إلى فناء المدينة لملاقاتهم، وأخرج أهله وأولاده، وكان عدد المستقبلين أربعة آلاف نسمة عدا أعوام أهل المدينة وسوقتهم، وكان يوسف ﵇ إذ ذاك رئيس الوزراء لأنه بعد أن ولاه الملك وزارة المالية ودخلت أعوام الغلاء

стр. 1326

ورأى تدبيره وعلو شأنه فوضه بإدارة الملك كله وجعله نائبا عنه. قال تعالى «فَلَمَّا دَخَلُوا» فناء المدينة «عَلى يُوسُفَ» وحاشية المستقبلين، وكان آل يعقوب ثلاثا وسبعين نسمة، عدا الخدم والرعاة والرحالة والمرضعات، وكان يعقوب أمامهم وعند ما أشرف عليهم ترجل، وأقام يهوذا عن يمينه، وروبيل عن يساره يتوكا عليهم، وشمعون وبقية أولاده وأحفاده وراءه صفوفا، فتقدم إليه يوسف، وهذا المراد بقوله تعالى «آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ» فضمهما لنفسه وعانقهما وصافح الباقين، وبعد أن صافحهم الوزراء والأمراء والوجهاء والقادة «قالَ» ﵇ لأهله «ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ٩٩» على أنفسكم وأموالكم وأنعامكم دون جواز لأن الكنعانين كانوا لا يدخلون مصر إلا بجواز من ملوكها، لأنها حكومة على حدة، وآمنين أيضا من مخاوف القحط وهذا الاستثناء في أثناء الكلام كالتسمية في الشروع فيه للتيمن والتبرك، وهو داخل في الأمن لا في الدخول الثاني إلى المدينة والأول لفنائها، والثالث لقصر الملك، قالوا ثم تقدم آل يعقوب بموكب عظيم وسار وراءهم موكب الملك والناس وراءهما حتى دخلوا القصر، وهو معنى قوله تعالى «وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ» السرير الخاص بالملك «وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً» أبواه وأخواته والناس وراءهما، وهذه تحيتهم إذ ذاك وهو خضوع لحد الركوع كما هي تحية الأعاجم الآن، وليس المراد من السجود هنا وضع الجبهة على الأرض، والله أعلم، لأنه تحية العباد لرب العباد خاصة، فلم يكن لأحد قبل، ولا يكون لأحد بعد، وهذا وان كان زعم البعض غير جائز لأن اخوته الأنبياء مثله وأكبر منه سنا وفضلا عن أبويه، إلا أنه يتصور ذلك الزعم إذا كان أمرهم بذلك، أما وانه لم يأمرهم فقد انقضى ذلك الزعم، وقد وقع منهم ذلك بتقدير الله تعالى تحقيقا لرؤياه، فلا يقال كيف أجازه وقبله وكيف أقره ورضي به؟ مما يدل على هذا قوله عز قوله حكاية عنه «وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ» سجودكم هذا والحوادث التي تلتها «قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا» في اليقظة قالوا وكان بين الرؤيا وتصديقها أربعون سنة كما مر في الآيتين ٥٣/ ٧، لأن الرؤيا فى الثانية

стр. 1327

عشرة والسجود في الاثنين والخمسين، وقيل أكثر حتى أوصلها بعضهم إلى ثمانين سنة، راجع الآية ٩٣ في تفسير الإمام الرازي وكلها أقوال، إذ لم يذكر الله ولا رسوله شيئا عن ذلك «وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ» ولم يقل من البئر مع أنه أصعب وأشد من السجن لئلا يخجل أخوته لكريم خلقه وعظيم أدبه معهم، وجليل احترامه لهم، وكثير لطفه بهم، وزيادة عطفه عليهم، ولأن خروجه من الجب أعقبه العبودية وخروجه من السجن أورثه الملوكية «وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ» سمي سكان البادية بدوا كما سمي سكان الحاضرة أي المدن حضرا «مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي» مطلب نسبة النزغ إلى الشيطان مجاز وسبب بلاء يعقوب وإتيان الفرج وحسن الموت: أضاف ﵇ الإحسان إلى الله تعالى والنزغ إلى الشيطان على طريق المجاز وكمال الأدب مع الله تعالى، والا في الحقيقة الكل من الله القائل (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) الآية ٧٨ من سورة النساء ج ٣، لأنه جل شأنه هو الفاعل المطلق المختار فلا يقع في الكون شيء ولا يرفع منه شيء إلا بعلمه وقضائه وقدره وإرادته، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وعليه فلا وجه لاستدلال المبتدعة في هذه الآية من بطلان الجبر، لأنهم يقولون لولا أن يوسف يعلم أن النزغ من فعل الله لما أضافه إلى الشيطان، بل لأضافه لله، كما أضاف الإحسان إليه، وهذا باطل، لأنه يكون حينئذ في الكون فاعلان، ولا فاعل في الحقيقة إلا الله وحده قال تعالى (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) راجع الآية ٢٢ من سورة الأنبياء الآتية، ولهذا وبخ الله تعالى الناسبين لغيره بقوله بعد تلك الآية (فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) فقد نبههم جلت عظمته بأن ليس للشيطان مدخل فيه إلا إلقاء الوسوسة والتحريش لإفساد ذات البين، وهذا أيضا باقداره تعالى إياه وتسليطه على بعض خلقه، فظهر أن الكل من عند الله، راجع الآية ١٢ من سورة يونس المارة تجد هذا البحث، وله صلة في الآية ٣٥ من سورة

стр. 1328

فصلت الآتية فراجعه «إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ» من التدبير وحسن الاستخراج وتسهيل الأمور «إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ» بمصالح عباده يجريها حسب إرادته «الْحَكِيمُ ١٠٠» في جميع أفعاله، فهو الذي يهيء الأسباب ويؤخر الآمال إلى الآجال كما في هذه القضية، فإن أولها كان هما وغما وحزنا وآخرها غدا فرجا وسرورا وانشراحا حتى بلغت أعلى مراتب الدنيا والدين، ولما تم ليوسف الأمر على ما أراده له الله، تحدث بنعمة ربه فقال «رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ» من هنا تبعيضيّة لأنه لم يؤت إلا بعض ملك الدنيا وبعض علم التعبير، وكثير من أحاديث الله لا يعلمها هو ولا غيره، قال هذا ﵇ على طريق إظهار الشكر لربه لذلك طفق يعددها على نفسه، وهذا قبل وفاته بأسبوع كما قيل، إذ انتهت القصة بختام الآية المارة عد ١٠٠، يا «فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ١٠١» من آبائي قالوا وأقام يعقوب وآله بعد التلاقي في مصر أربعا وعشرين سنة في أهنأ عيش وأرغد بال وأحسن حال، وقد حضرت يعقوب الوفاة فأوصى ابنه يوسف أن يحمل جسده إلى الأرض المقدسة ويدفنه مع إسحاق وإبراهيم، فلما توفي وضعه في تابوت من ساج وحمله إلى الشام، فوافق موت أخيه العاص توءمه الذي خرج قبله، وتلاه هو، أي أن يعقوب خرج عقبه ولذلك سميا بهذين الاسمين فأخذه معه ودفنهما في قبر واحد، وكان عمرهما مائة وسبعا وأربعين سنة، وعمر يوسف بعدهما ثلاثا وعشرين سنة، ورجع إلى مصر وسأل الله حسن الخاتمة وقيل عاش ﵇ بعد أبيه وعمه ستين سنة أو أكثر على ما قيل، وهما ابن مائة واثنين وأربعين سنة، ووضع في صندوق من رخام، ودفن في نيل مصر، لأن أهله والمصريين تشاحوا في جسمه المبارك كل يريد دفنه في جبانته طلبا لبركته، ثم اتفقوا على دفنه في وسط النيل كي ينال بركته كل من شرب منه من الإنسان والحيوان والنبات والأرض بسبب جريانه على تابوته، فلا يختص به واحد دون آخر، وبقي تابوت يوسف بالنيل وعمت بركته فيه، ولم يسمى المبارك إلا بعد وضع تابوته فيه كما سيأتي بيانه،

стр. 1329

وكيفية العثور عليه في الآية ٥٠ من سورة البقرة ج ٣، أي زمن موسى ﵇ إذ أخرجه من النيل عند خروج بني إسرائيل ودفنه مع آبائه في الأرض المقدسة. قالوا وانما ابتلى الله يعقوب بهذا البلاء، لأنه ذبح شاة فقام على بابه مسكين صاثم فلم يطعمه منها، أو انه شوى عناقا وأكله ولم يطعم جاره منه بعد أن شم ريح قترها، أو أنه ذبح عجلا بين يدي أمه وهي تخور عليه فلم يرحمها. وهذه روايات لو فرض صحتها فلا تقدح بعصمة الأنبياء لانها ليست بسيئات، إلا أنهم عدوها سيئات إذ يطلب من الأنبياء أعمالا بحسب علو تاجهم وشريف مراتبهم، وكل منهم امتحن وصبر وفوض أمره إلى الله، قالوا والسبب في إتيان الفرج هو أن يعقوب ﵇ كان له أخ في الله فقال له ما الذي أذهب نور بصرك وقوس ظهرك ولم تبلغ في السن ما بلغه أبواك؟ قال البكاء على يوسف والحزن على بنيامين، فأتاه جبريل فقال له إن الله يقرؤك السلام ويقول لك أما تستحي أن تشكوني إلى غيري فقال إنما أشكو بثّي وحزني إلى الله، وانما رجل سألني فأجبته لا على طريق الشكوى، فقال جبريل الله أعلم بما تشكو. فقال يعقوب يا رب تلك خطيئة أخطأتها فاغفرها لي، فقال غفرتها لك، قال يا رب أردد علي ريحانتي ثم اصنع بي ما شئت، فقال جبريل ان الله يقرئك السلام ويقول أبشر فو عزّتي وجلالي لو كانا ميتين لنشرتهما لك أتدري لم وحدت عليك؟ قال لا، قال لأنكم ذبحتم شاة فقام على بابكم فلان المسكين وهو صائم فلم تطعموه منها شيئا، وأن أحب عبادي إلي الأنبياء ثم المساكين، اصنع طعاما وادع إليه المساكين، فصنع طعاما ثم نادى من كان جائعا فليفطر عند آل يعقوب، مطلب أول من سن النداء إلى الطعام وملاذ الدنيا وتمني الموت وقبح الانتحار: وصار بعد ذلك إذا تغدى أو تعشى نادى مناديه من أراد أن يتغدى أو يتعشى فليأت آل يعقوب فهو أول من سن النداء للطعام وجدد هذه السنة السيد هاشم جدّ رسول الله ﷺ ، ولم يشاركه في هذه الخصلة أحد من العرب، وفي عصرنا هذا أحباها الشيخ جدعان بن مهيد من عشائر عنزة، أما الكرم المطلق فيكثر

стр. 1330

في العرب وغيرهم ممن خالطهم، بارك الله فيهم، وأدام الكرام وأسبل عليهم ستره ونشر عليهم خيره، ودرّ عليهم من بركاته ووفقهم لما يحبه ويرضاه. وهنا بحث آخر وهو أنه ﵇ طلب الوفاة قال قتادة لم يسأل نبي من الأنبياء الوفاة غير يوسف ﵇، وأنه توفى بعد هذا التمني بسبعة أيام، وذلك لأنه بعد أن تم له ملك مضر وحواليها وبلغ كل ما تمناه البشر الكامل لا سيما بعد جمع شمله مع أبيه وأهله، وهو يعلم أن مصير الدنيا بما فيها إلى الفناء لا محالة، ولو عمر ما عمر تاقت نفسه الطاهرة إلى الملك الدائم بجوار ربه الكريم، ولا يبعد بالرجل الكامل أن يتمنى ذلك رغبة بالنعيم الذي لا يزول، ولا يمنع من هذا قوله ﷺ لا يتمنى أحدكم الموت لأمر نزل به، وفي رواية لا تمنوا الموت فإن هول المطلع عظيم وان من سعادة المرء أن يطول عمره ويحسن عمله، وعليه فإن الموت عند وجود الضرر ونزول البلاء مكروه، والصبر عليه أولى، لأنه ﵇ لم يتمنّه إبان شدته عند ما كان في الجبّ أو السجن، بل تمنّاه بعد ما تم له كل شيء تتوق النفس إليه، وفيه معنى آخر وهو محبة لقاء الله تعالى، فقد روى الشيخان عن عائشة ﵂ وعن أبيها أن النبي ﷺ قال: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. وقد تمناه إلياس ﵇ كما سيأتي في قصته في الآية ١٢٣ من الصافات الآتية، وروى البخاري في صحيحه حديث عدم تمني الموت، وهو تمناه ﵁، وذلك أن أهل بلدته اختلفوا فيما بينهم حينما رجع إلى بلده بعد غيابه عنها بسبب طلب العلم، فكان منهم من يريد دخوله، ومنهم من لا يريده، ولما رأى خلافهم يؤدي إلى المقاتلة فيما بينهم، ويسبب موت بعضهم، تمنى الموت، فتوفاه الله حالا خشية حصول الفتنة، والإفساد بين أهل بلدته، وهذا لا بأس به أيضا، لهذه الغاية، أما تمنيه للفاقة والفقر وما ضاهاها من البلاء فلا يجوز، إذ عليه أن يلجأ إلى الله وينقي محارمه ونواهيه، ويسأله الفرج، قال تعالى (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) ولو تأمل هذه الآية ٤ من سورة الطلاق الذين ينتحرون والعياذ بالله لضيق ذات يدهم أو لأمر آخر داهمهم أو لمرض مزمن ألم بهم لما انتحروا وعجلوا بأنفسهم إلى النار،

стр. 1331

فعلى الرجل الذي يمتحن بمثل ذلك أن يطلب من الله تعالى العافية فهو أحسن وأجدر بالعاقل، ويعلم أن الله قادر على معافاته مما هو فيه فهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وهو الذي يكشف السوء عن عباده، وما قيل انه ﵇ كيف يتمنى اللحاق بالصالحين والصلاح أول درجات المؤمنين، وهو من الأنبياء مردود، لأن القصد بالصالحين آباؤه ﵈، وكلهم أنبياء لا مطلق الصالحين كما جرى عليه بعض المفسرين الذي فتح طريقا لمثل هؤلاء المعترضين، على أنه قد يكون لهضم النفس على طريق استغفار الأنبياء من بعض ما يقع منهم بالنسبة لدرجتهم. واعلم رعاك الله أن الملاذ الدنيوية كلها خسيسة وأهمها الأكل والجماع والرياسة، فلذة الأكل عبارة عن دفع ألم الجوع وهو ترطب الطعام بالبزاق الذي هر مستقذر في نفسه، وأنه عند ما يصل إلى المعدة يتعفن، وقد يشاركه في لذته الحيوان، وأن يتلذذ بالروث تلذذ الإنسان بأكل الفستق مع الحلوى، وقال العقلاء من كان همه ما يدخل في بطنه فقيمته ما يخرج منها، ولذة الجماع عبارة عن دفع الألم الحاصل من الدغدغة المتولدة من حصول المني في أوعيته، فهو إخراج تلك الفضلات المتولدة في الطعام بمعونة جلدة وأعصاب مدبوغة بالبول ودم الحيض والنفاس، مع حركات لو رأيتها من غيرك لأضحكتك ولعبته بها، ولهذا قال الشافعي ﵀ الجماع عبارة عن ساعة جنون، ويكفي الرجل أن يجنّ في السنة مرة واحدة، ويشاركه فيها الحيوان أيضا. ولذة الرياسة عبارة عن دفع ألم الذل وطلب السمعة والشهرة وحب الانتقام، وهذه إذا لم يكن فيها سوى أنها على شرف الزوال في كل آن لكثرة من ينازعه فيها ويحسده عليها لكفى بها هما وغما، لأن صاحبها لا يزال خائفا وجلا مترقبا الحوادث بسببها. فإذا كل ما في الدنيا خسيس، وفي الموت التخلص من الخسيس والرجوع إلى الحسن النفيس، فعلى العاقل أن يعمل صالحا في دنياه لتصلح له عقباه، ويحب لقاء الله، ولله در المعرّي حيث يقول: ضجعة الموت رقدة يستريح ... الجسم فيها والعيش مثل السهاد تعب كلها الحياة فما ... أعجب الا من راغب في ازدياد

стр. 1332

إن حزنا في ساعة الموت أضعا ... ف سرور في ساعة الميلاد فاتق الله أيها الإنسان وارض بما قسم الله لك، واحسن يحسن الله إليك. قال تعالى «ذلِكَ» الذي ذكرناه لك يا أكرم الرسل من هذه القصة البديعة «مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ» الذي «نُوحِيهِ إِلَيْكَ» كأمثاله من الأخبار والقصص الأخرى الماضية والآتية، «ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ» أي أولاد يعقوب ﵈ فيما فعلوا أخيهم ما فعلوا «إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ» على إلقائه في الجبّ بعد إرادة قتله «وَهُمْ يَمْكُرُونَ ١٠٢» به إذ احتالوا عليه وعلى أبيهم لأخذه معهم إلى المرعى كي يمكروا به كما صوروه بينهم، وإنما أخبرناك بتفصيل هذه الحادثة لتخبر بها قومك والسائلين عنها فيتحققوا أنها بإخبار الله تعالى إياك، لا كما يزعمون أنك تلقيتها من الغير سماعا أو تعليما، لأنك أمي وبينك وبينها قرون كثيرة، فلم يكن في زمنك من حضرها، وهذا آخر ما قصّ الله على نبيه من قصة يوسف ووفاته، وليعلم أنه لا يجوز أن يقال ما تقوله العامة (وليد ضاع ووجده أهله) لما فيه من التصغير بحق هذه القصة وعدم المبالاة بشأنها، مع لزوم تعظيمها وإجلالها، لأن الله تعالى سماها أحسن القصص، كما لا يجوز أن يقال أنت أو هذه أقصر من سورة الكوثر، أو هذا ما عنده شيء كالسماء والطارق، أو هذا فارغ كفؤاد أم موسى، إلى غير ذلك لما علمت من وجوب الأدب والاحترام لكلام الله، وإن أقصر آية منه لها معان عظيمة يكل أكبر عالم عن الإحاطة بها «وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ» وبالغت في الجهد على أن يؤمنوا بك فما هم «بِمُؤْمِنِينَ ١٠٣» بك أنك مرسل من لدنا لأنهم مصرون على الكفر والعناد مهما بالغت بالحرص على إيمانهم، «وَما تَسْئَلُهُمْ» أي كفرة قومك «عَلَيْهِ» على تعليم هذا القرآن أو قبول ما فيه أو الإصغاء لأخباره وأحكامه «مِنْ أَجْرٍ» يثفلهم إعطاؤه ليتهموك بأنك إنما تتلو عليهم لطمع نفسي مادّي مما يكن في صدورهم الخبيثة «إِنْ هُوَ» ما هذا القرآن «إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ١٠٤» تذكرهم به مجانا، وتنصحهم وتعظهم لعلهم يرجعون عن عنادهم، فيتذكرون ما ينفعهم ويضرهم، وهذا تسلية لحضرة الرسول ﷺ إذ أنه بعد أن أخبرهم بهذه القصة التي وعدوه أنهم يؤمنوا به إذا

стр. 1333

هو أخبرهم بها كما هي عند أهل الكتاب الذين سألوهم عنها وقد قصها بأوضح من ذلك، فلم تزدهم إلا عتوا ونفورا، قال تعالى «وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ» بينة وعبرة ظاهرة دالة على الإله الواحد وصفاته مما هو موجود «فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» لا يتفكر بها هؤلاء الكفرة ولا يعتبرون بمبدعها «يَمُرُّونَ عَلَيْها» بأسفارهم، لأن آثار الأمم الماضية وأطلالهم فيها أي الأرض ظاهرة للعيان مشاهدة، وقد بلغهم بالتناقل عن كيفية إهلاك أهلها وهم لا يتعظون بها، أما آيات السماء فهي ملازمة لهم يشاهدونها أيضا كل ليلة ويرون اختلاف الليل والنهار، وسير الكواكب فيها، والانتظام العظيم الذي أبدعه الخالق الذي لا ينخرم قيد شعرة على ممر العصور وكرّها، ومع ذلك فلا يتفكرون فيها ولا يستدلون بها على صانعها، لأن الله تعالى طمس على قلوبهم لما فيها من الخبث وأعمى أبصارهم تبعا لبصائرهم، لذلك يقول تعالى قوله «وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ١٠٥» عن ذلك كله وإعراضهم هذا ليس بأعجب من إعراضهم عنك يا حبيبي، فاصبر عليهم، ولا تجزع من أفعالهم «وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ» بأنه هو الذي خلق هذين الفلكين العظمين وما فيها من أنس وجن ووحش وحوت وطير وديدان، وألهم كلا ما ينفعه ويضره، وقدر أرزاقهم لكل بما يناسبه بحكمة عظيمة، ومع هذا فإن كل من كلف بالإيمان به منهم لا يؤمنون «إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ١٠٦» به غيره من الأوثان، لأنهم يعلمون أن الله تعالى الخالق الرازق ويستغيثون به إذا دهمهم أمر، ومع ذلك يعبدون غيره. قال ابن عباس وغيره إن أهل مكة يقولون في تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إلا شريكا وهو لك، تملكه وما ملك! فنزلت هذه الآية، ومن هنا كان ﷺ إذا سمع أحدهم يقول لبيك لا شريك لك يقول له قط قط يكفيك ذلك ولا تزد إلا شريكا هو لك إلخ، قيل إن كفار العرب مطلقا، وقيل هم الذين قالوا إن الملائكة بنات الله، والكل جائز، فكما يجوز نزول آية لأسباب كثيرة يجوز أيضا انطباق أسباب كثيرة على سبب نزول واحد. قال تعالى مهددا لهم «أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ» عقوبة عظيمة مسجّاة محلّلة لا يعلمون ما فيها تشملهم وتغشاهم داهية «مِنْ عَذابِ اللَّهِ»

стр. 1334

فتهلكهم جميعا «أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً» على حين غرة وغفلة تفاجئهم من غير سبق علامة أو أمارة فتأخذهم «وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ١٠٧» بها فيموتون على كفرهم موتة رجل واحد، القائم قائما والقاعد قاعدا، وهكذا بحيث لا يستطيع أحد أن يتغير عن حالته التي هو عليها عند نزول العذاب «قُلْ» يا أكرم الرسل «هذِهِ» الحالة التي أنا عليها من الإيمان بالله وحده والتصديق بما جاء من عند الله والإيمان بالبعث بعد الموت «سَبِيلِي» طريقي ومنهجي «أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ» عباده إليها «عَلى بَصِيرَةٍ» معرفة واضحة تميز الحق عن الباطل أسير عليها «أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي» وصدق بما جئت به من عند ربي، قال ابن مسعود ﵁ من كان مستنّا فليستنّ بأصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمة وأبرّها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، اختارهم الله لصحبة نبيه ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم واسلكوا طريقهم فهو الطريق القويم والسبيل المستقيم، كيف وهم معدن العلم وكنز الإيمان وجند الرحمن، أفضل الناس هداية وأحسنهم طريقة، وقل «وَسُبْحانَ اللَّهِ» أنزهه وأبرئه عن الإشراك «وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٠٨» البتة وهذا لما سبق في الدعوة إلى التوحيد واتباع الطريق التي هو عليها وأصحابه ونفي الإشراك، قال تعالى «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى» مثلك بالنسبة لأهل مكة ومن حولها. وفي هذه الآية ردّ لقول من قال (لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً) الآية ٢٣ من سورة المؤمنين الآتية، وإنما خص أهل القرى في هذه النعمة العظمى لأنهم أكمل عقلا وأفضل علما من أهل البوادي، لأنهم أهل جفاء وقسوة، وأهل المدن أهل لين وعطف غالبا، ولهذا قالوا إن التبدّي مكروه إلا في الفتن، وجاء في الحديث من بدا فقد جفا، ومن اتبع الصيد غفل، قال قنادة ما نعلم أن الله تعالى أرسل رسولا قط إلا من أهل القرى، أي المدن والأمصار. ونقل عن الحسن أنه قال: لم يبعث رسول من أهل البادية ولا من النساء ولا من الجن. وجاء في الخبر من يرد الله به خيرا ينقله من البادية إلى الحاضرة. هذا وإن يعقوب ﵇ تنبأ قبل

стр. 1335

أن ينقل إلى البادية. قال ابن عباس كان يعقوب تحول إلى بدا وسكنها، ومنها قدم يوسف وله بها مسجد تحت جبلها، قال جميل وقيل كثير: وأنت التي حبّبت شعبا إلى بدا ... إليّ وأوطاني بلاد سواهما قال ابن الأنباري: بدا اسم موضع معروف، يقال هو بين شعب وبدا وهما موضعان كما ذكر في البيت، وإنما سميت البادية بادية لأن ما فيها يبدو للناظر لعدم وجود ما يواريه، وهي عبارة عن بسيط من الأرض، وما قيل إن هذه الآية أي قوله تعالى (إِلَّا رِجالًا) إلخ، نزلت في سجاع تميمة بنت المنذر التي يقول فيها الشاعر: أمست نبيّتنا أنثى نطوف بها ... ولم تزل أنبياء الله ذكرانا فلعنة الله والأقوام كلهم ... على سجاح ومن بالإفك أغرانا أعني مسيلمة الكذاب لا سقيت ... أصداؤه ماء مزن أينما كانا قول لا صحة له، لأن ادعاءها النبوة كان بعد وفاة النبي ﷺ ، ولا قرينة تدل على أن هذا من الإخبار بالغيب، وقد أسلمت أخيرا وحسن إسلامها وقصتها مشهورة بالسير والتواريخ، قال في بدء الأمالي: وما كانت نبيا قط أنثى ... ولا عبد وشخص ذو افتعال قال تعالى «أَفَلَمْ يَسِيرُوا» هؤلاء الكفرة «فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» الذين كذبوا رسلهم كيف أهلكناهم فيعتبرون بهم فيؤمنون بالله ويتركون هذه الدار الفانية وما فيها لمن اغتر بها من الكفرة المصرين «وَلَدارُ الْآخِرَةِ» الباقية الحسنة «خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا» الشرك والمعاصي وعملوا الخير ووحّدوا ربهم «أَفَلا تَعْقِلُونَ ١٠٩» ذلك يا أهل مكة فتتركون ما أنتم عليه وتتبعون ما يأمركم به نبيكم لتفلحوا وتفوزوا. مطلب في قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل وأنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من البشر: قال تعالى «حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ» وقطعوا أملهم من إيمان قومهم والنصرة عليهم في الدنيا لتماديهم في الكفر مع توالي نعم الله عليهم «وَظَنُّوا أَنَّهُمْ
следующие страницы →