← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23595

بيان المعاني

ملا حويش

Полный текст (3 362 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

فعلى الرجل الذي يمتحن بمثل ذلك أن يطلب من الله تعالى العافية فهو أحسن وأجدر بالعاقل، ويعلم أن الله قادر على معافاته مما هو فيه فهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وهو الذي يكشف السوء عن عباده، وما قيل انه ﵇ كيف يتمنى اللحاق بالصالحين والصلاح أول درجات المؤمنين، وهو من الأنبياء مردود، لأن القصد بالصالحين آباؤه ﵈، وكلهم أنبياء لا مطلق الصالحين كما جرى عليه بعض المفسرين الذي فتح طريقا لمثل هؤلاء المعترضين، على أنه قد يكون لهضم النفس على طريق استغفار الأنبياء من بعض ما يقع منهم بالنسبة لدرجتهم. واعلم رعاك الله أن الملاذ الدنيوية كلها خسيسة وأهمها الأكل والجماع والرياسة، فلذة الأكل عبارة عن دفع ألم الجوع وهو ترطب الطعام بالبزاق الذي هر مستقذر في نفسه، وأنه عند ما يصل إلى المعدة يتعفن، وقد يشاركه في لذته الحيوان، وأن يتلذذ بالروث تلذذ الإنسان بأكل الفستق مع الحلوى، وقال العقلاء من كان همه ما يدخل في بطنه فقيمته ما يخرج منها، ولذة الجماع عبارة عن دفع الألم الحاصل من الدغدغة المتولدة من حصول المني في أوعيته، فهو إخراج تلك الفضلات المتولدة في الطعام بمعونة جلدة وأعصاب مدبوغة بالبول ودم الحيض والنفاس، مع حركات لو رأيتها من غيرك لأضحكتك ولعبته بها، ولهذا قال الشافعي ﵀ الجماع عبارة عن ساعة جنون، ويكفي الرجل أن يجنّ في السنة مرة واحدة، ويشاركه فيها الحيوان أيضا. ولذة الرياسة عبارة عن دفع ألم الذل وطلب السمعة والشهرة وحب الانتقام، وهذه إذا لم يكن فيها سوى أنها على شرف الزوال في كل آن لكثرة من ينازعه فيها ويحسده عليها لكفى بها هما وغما، لأن صاحبها لا يزال خائفا وجلا مترقبا الحوادث بسببها. فإذا كل ما في الدنيا خسيس، وفي الموت التخلص من الخسيس والرجوع إلى الحسن النفيس، فعلى العاقل أن يعمل صالحا في دنياه لتصلح له عقباه، ويحب لقاء الله، ولله در المعرّي حيث يقول: ضجعة الموت رقدة يستريح ... الجسم فيها والعيش مثل السهاد تعب كلها الحياة فما ... أعجب الا من راغب في ازدياد

стр. 1332

إن حزنا في ساعة الموت أضعا ... ف سرور في ساعة الميلاد فاتق الله أيها الإنسان وارض بما قسم الله لك، واحسن يحسن الله إليك. قال تعالى «ذلِكَ» الذي ذكرناه لك يا أكرم الرسل من هذه القصة البديعة «مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ» الذي «نُوحِيهِ إِلَيْكَ» كأمثاله من الأخبار والقصص الأخرى الماضية والآتية، «ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ» أي أولاد يعقوب ﵈ فيما فعلوا أخيهم ما فعلوا «إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ» على إلقائه في الجبّ بعد إرادة قتله «وَهُمْ يَمْكُرُونَ ١٠٢» به إذ احتالوا عليه وعلى أبيهم لأخذه معهم إلى المرعى كي يمكروا به كما صوروه بينهم، وإنما أخبرناك بتفصيل هذه الحادثة لتخبر بها قومك والسائلين عنها فيتحققوا أنها بإخبار الله تعالى إياك، لا كما يزعمون أنك تلقيتها من الغير سماعا أو تعليما، لأنك أمي وبينك وبينها قرون كثيرة، فلم يكن في زمنك من حضرها، وهذا آخر ما قصّ الله على نبيه من قصة يوسف ووفاته، وليعلم أنه لا يجوز أن يقال ما تقوله العامة (وليد ضاع ووجده أهله) لما فيه من التصغير بحق هذه القصة وعدم المبالاة بشأنها، مع لزوم تعظيمها وإجلالها، لأن الله تعالى سماها أحسن القصص، كما لا يجوز أن يقال أنت أو هذه أقصر من سورة الكوثر، أو هذا ما عنده شيء كالسماء والطارق، أو هذا فارغ كفؤاد أم موسى، إلى غير ذلك لما علمت من وجوب الأدب والاحترام لكلام الله، وإن أقصر آية منه لها معان عظيمة يكل أكبر عالم عن الإحاطة بها «وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ» وبالغت في الجهد على أن يؤمنوا بك فما هم «بِمُؤْمِنِينَ ١٠٣» بك أنك مرسل من لدنا لأنهم مصرون على الكفر والعناد مهما بالغت بالحرص على إيمانهم، «وَما تَسْئَلُهُمْ» أي كفرة قومك «عَلَيْهِ» على تعليم هذا القرآن أو قبول ما فيه أو الإصغاء لأخباره وأحكامه «مِنْ أَجْرٍ» يثفلهم إعطاؤه ليتهموك بأنك إنما تتلو عليهم لطمع نفسي مادّي مما يكن في صدورهم الخبيثة «إِنْ هُوَ» ما هذا القرآن «إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ١٠٤» تذكرهم به مجانا، وتنصحهم وتعظهم لعلهم يرجعون عن عنادهم، فيتذكرون ما ينفعهم ويضرهم، وهذا تسلية لحضرة الرسول ﷺ إذ أنه بعد أن أخبرهم بهذه القصة التي وعدوه أنهم يؤمنوا به إذا

стр. 1333

هو أخبرهم بها كما هي عند أهل الكتاب الذين سألوهم عنها وقد قصها بأوضح من ذلك، فلم تزدهم إلا عتوا ونفورا، قال تعالى «وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ» بينة وعبرة ظاهرة دالة على الإله الواحد وصفاته مما هو موجود «فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» لا يتفكر بها هؤلاء الكفرة ولا يعتبرون بمبدعها «يَمُرُّونَ عَلَيْها» بأسفارهم، لأن آثار الأمم الماضية وأطلالهم فيها أي الأرض ظاهرة للعيان مشاهدة، وقد بلغهم بالتناقل عن كيفية إهلاك أهلها وهم لا يتعظون بها، أما آيات السماء فهي ملازمة لهم يشاهدونها أيضا كل ليلة ويرون اختلاف الليل والنهار، وسير الكواكب فيها، والانتظام العظيم الذي أبدعه الخالق الذي لا ينخرم قيد شعرة على ممر العصور وكرّها، ومع ذلك فلا يتفكرون فيها ولا يستدلون بها على صانعها، لأن الله تعالى طمس على قلوبهم لما فيها من الخبث وأعمى أبصارهم تبعا لبصائرهم، لذلك يقول تعالى قوله «وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ١٠٥» عن ذلك كله وإعراضهم هذا ليس بأعجب من إعراضهم عنك يا حبيبي، فاصبر عليهم، ولا تجزع من أفعالهم «وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ» بأنه هو الذي خلق هذين الفلكين العظمين وما فيها من أنس وجن ووحش وحوت وطير وديدان، وألهم كلا ما ينفعه ويضره، وقدر أرزاقهم لكل بما يناسبه بحكمة عظيمة، ومع هذا فإن كل من كلف بالإيمان به منهم لا يؤمنون «إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ١٠٦» به غيره من الأوثان، لأنهم يعلمون أن الله تعالى الخالق الرازق ويستغيثون به إذا دهمهم أمر، ومع ذلك يعبدون غيره. قال ابن عباس وغيره إن أهل مكة يقولون في تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إلا شريكا وهو لك، تملكه وما ملك! فنزلت هذه الآية، ومن هنا كان ﷺ إذا سمع أحدهم يقول لبيك لا شريك لك يقول له قط قط يكفيك ذلك ولا تزد إلا شريكا هو لك إلخ، قيل إن كفار العرب مطلقا، وقيل هم الذين قالوا إن الملائكة بنات الله، والكل جائز، فكما يجوز نزول آية لأسباب كثيرة يجوز أيضا انطباق أسباب كثيرة على سبب نزول واحد. قال تعالى مهددا لهم «أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ» عقوبة عظيمة مسجّاة محلّلة لا يعلمون ما فيها تشملهم وتغشاهم داهية «مِنْ عَذابِ اللَّهِ»

стр. 1334

فتهلكهم جميعا «أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً» على حين غرة وغفلة تفاجئهم من غير سبق علامة أو أمارة فتأخذهم «وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ١٠٧» بها فيموتون على كفرهم موتة رجل واحد، القائم قائما والقاعد قاعدا، وهكذا بحيث لا يستطيع أحد أن يتغير عن حالته التي هو عليها عند نزول العذاب «قُلْ» يا أكرم الرسل «هذِهِ» الحالة التي أنا عليها من الإيمان بالله وحده والتصديق بما جاء من عند الله والإيمان بالبعث بعد الموت «سَبِيلِي» طريقي ومنهجي «أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ» عباده إليها «عَلى بَصِيرَةٍ» معرفة واضحة تميز الحق عن الباطل أسير عليها «أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي» وصدق بما جئت به من عند ربي، قال ابن مسعود ﵁ من كان مستنّا فليستنّ بأصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمة وأبرّها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، اختارهم الله لصحبة نبيه ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم واسلكوا طريقهم فهو الطريق القويم والسبيل المستقيم، كيف وهم معدن العلم وكنز الإيمان وجند الرحمن، أفضل الناس هداية وأحسنهم طريقة، وقل «وَسُبْحانَ اللَّهِ» أنزهه وأبرئه عن الإشراك «وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٠٨» البتة وهذا لما سبق في الدعوة إلى التوحيد واتباع الطريق التي هو عليها وأصحابه ونفي الإشراك، قال تعالى «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى» مثلك بالنسبة لأهل مكة ومن حولها. وفي هذه الآية ردّ لقول من قال (لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً) الآية ٢٣ من سورة المؤمنين الآتية، وإنما خص أهل القرى في هذه النعمة العظمى لأنهم أكمل عقلا وأفضل علما من أهل البوادي، لأنهم أهل جفاء وقسوة، وأهل المدن أهل لين وعطف غالبا، ولهذا قالوا إن التبدّي مكروه إلا في الفتن، وجاء في الحديث من بدا فقد جفا، ومن اتبع الصيد غفل، قال قنادة ما نعلم أن الله تعالى أرسل رسولا قط إلا من أهل القرى، أي المدن والأمصار. ونقل عن الحسن أنه قال: لم يبعث رسول من أهل البادية ولا من النساء ولا من الجن. وجاء في الخبر من يرد الله به خيرا ينقله من البادية إلى الحاضرة. هذا وإن يعقوب ﵇ تنبأ قبل

стр. 1335

أن ينقل إلى البادية. قال ابن عباس كان يعقوب تحول إلى بدا وسكنها، ومنها قدم يوسف وله بها مسجد تحت جبلها، قال جميل وقيل كثير: وأنت التي حبّبت شعبا إلى بدا ... إليّ وأوطاني بلاد سواهما قال ابن الأنباري: بدا اسم موضع معروف، يقال هو بين شعب وبدا وهما موضعان كما ذكر في البيت، وإنما سميت البادية بادية لأن ما فيها يبدو للناظر لعدم وجود ما يواريه، وهي عبارة عن بسيط من الأرض، وما قيل إن هذه الآية أي قوله تعالى (إِلَّا رِجالًا) إلخ، نزلت في سجاع تميمة بنت المنذر التي يقول فيها الشاعر: أمست نبيّتنا أنثى نطوف بها ... ولم تزل أنبياء الله ذكرانا فلعنة الله والأقوام كلهم ... على سجاح ومن بالإفك أغرانا أعني مسيلمة الكذاب لا سقيت ... أصداؤه ماء مزن أينما كانا قول لا صحة له، لأن ادعاءها النبوة كان بعد وفاة النبي ﷺ ، ولا قرينة تدل على أن هذا من الإخبار بالغيب، وقد أسلمت أخيرا وحسن إسلامها وقصتها مشهورة بالسير والتواريخ، قال في بدء الأمالي: وما كانت نبيا قط أنثى ... ولا عبد وشخص ذو افتعال قال تعالى «أَفَلَمْ يَسِيرُوا» هؤلاء الكفرة «فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» الذين كذبوا رسلهم كيف أهلكناهم فيعتبرون بهم فيؤمنون بالله ويتركون هذه الدار الفانية وما فيها لمن اغتر بها من الكفرة المصرين «وَلَدارُ الْآخِرَةِ» الباقية الحسنة «خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا» الشرك والمعاصي وعملوا الخير ووحّدوا ربهم «أَفَلا تَعْقِلُونَ ١٠٩» ذلك يا أهل مكة فتتركون ما أنتم عليه وتتبعون ما يأمركم به نبيكم لتفلحوا وتفوزوا. مطلب في قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل وأنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من البشر: قال تعالى «حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ» وقطعوا أملهم من إيمان قومهم والنصرة عليهم في الدنيا لتماديهم في الكفر مع توالي نعم الله عليهم «وَظَنُّوا أَنَّهُمْ

стр. 1336

قَدْ كُذِبُوا» قرأ أهل الكوفة وعاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف، أي ظنت أممهم كذبهم فيما أخبروهم به من نصر الله إياهم عليهم وإهلاكهم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بالتشديد، أي أن الرسل أيسوا من إيمانهم وأيقنوا أن أممهم كذبوهم تكذيبا لا يرجى بعده إيمانهم واستبطئوا النصر عليهم. والقراءتان على البناء للمفعول تدبر هذا، واعلم أن من رجع الظن إلى الأنبياء وأراد به ترجيح أحد الجانبين لا ما يخطر بالبال ويهمس بالقلب في شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه الطبيعة البشرية، فقد أخطأ، لأنه لا يجوز على أحد من المسلمين، فكيف يجوز على أعرف الناس بالله وأنه متعال عن خلف الميعاد؟ ويبطل هذا الزعم ما رواه البخاري عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن هذه الآية، قالت بل كذبهم قومهم، فقلت والله لقد استيقنوا بذلك، فقلت لعلهما قد كذبوا أي بالتخفيف، فقالت معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، قلت فما هذه الآية؟ قالت هم اتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوا فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنوا أن اتباعهم كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك. وقيل أن هذا تكذيب لم يحصل من أتباعهم المؤمنين لأنه لو حصل لكان نوع كفر ولكن الرسل ظنت بهم ذلك لبطء النصر. وفي رواية عبد الله بن عبد الله بن أبي مليكة قال قال ابن عباس ﵄ ذهب لها هنالك وتلا (وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) الآية ٢١٤ من سورة البقرة في ج ٣، قال تلقيت عروة ابن الزبير وذكرت له ذلك، فقال قالت عائشة معاذ الله والله ما وعد الله رسوله في شيء قط إلا علم أنه كائن قبل أن يموت، ولكن لم يزل البلاء بالرسل حتى خافوا أن يكون معهم من قومهم من يكذبوهم، فكانت تقرأها، وظنوا أنهم قد كذبوا، بالتشديد مثفلة، أما ما نقله البعض عن ابن عباس من أنه قال وظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أخلفوا ما وعدهم الله به من النصر، قال وكانوا بشرا وتلا قوله تعالى (وَزُلْزِلُوا) الآية المارة من البقرة، لا يصح إلا إذا أراد بالظن ما يخطر بالبال وكما ذكرنا آنفا، لأن الأنبياء منزهون عن الظن بربهم

стр. 1337

بخلف الوعد والوعيد، ويجب علينا تطهيرهم وبراءتهم من مثله تنبه، ولا يخفى أن الظن في القرآن بمعنى اليقين كثير، كفوله تعالى (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ) إلى يتقون الآية ٤٧ من البقرة في ج ٣، هذا. واعلم، أن الخبر في استيئاس الرسل مطلق إذ ليس في الآية ما يدل على تقييده بما وعدوا به وأخبروا يكونه، وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن الله تعالى إذا وعد رسله بنصر مطلق كما هو الغالب في أخباره لم يعين زمانه ولا مكانه ولا صفته، فكثيرا ما يعنقد الناس في الموعود به صفات أخرى لم يدل عليها خطاب الحق جل وعلا، بل اعتقدوها بأسباب أخرى كما أعتقد طائفة من الصحابة رضوان الله عليهم أخبار النبي ﷺ لهم أنهم سيدخلون المسجد الحرام ويطوفون فيه، أن ذلك يكون عام الحديبية، لأن النبي ﷺ خرج معتمرا ورجا أن يدخل مكة ذلك العام ويطوف ويسعى، فما استيأسوا من ذلك العام إذ صدّهم المشركون، ثم عقد الصلح المشهور بقي في قلب بعضهم شيء حتى قال عمر ﵁ ألم تخبرنا يا رسول الله أن ندخل البيت ونطوف به؟ قال بلى أنا خبرتك أنك تدخله هذا العام؟ قال لا، قال انك داخله ومطوف به، وكذلك قال له أبو بكر ﵁ فبين له أن الوعد منه عليه كان مطلقا غير مقيد بوقت، وكونه ﷺ سعى في ذلك العام وقصد مكة لا يوجب تخصيصا بوعد الله بالدخول في تلك السنة، ولعله إنما سعى بناء على الظن أن يكون الأمر كذلك فلم يكن، ولا محذور في ذلك وليس في شرط النبي أن يكون كل ما قصده واقعا بل من تمام نعمة الله عليه أن يأخذ به عما يقصده إلى أمر آخر هو أنفع مما قصده إن كان كما كان في عام الحديبية، ولا يضر أيضا خروج الأمر على خلاف ما يظنه ﵇ فقد روى مسلم في صحيحه أنه ﵊ قال في تأبير النخل أي تلقيحه حيث نهاهم عنه أولا، ولمّا لم يأت بالثمر المطلوب سألهم فقالوا لأنا لم نلقحه أي اتّباعا لأمرك فقال إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذون بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله تعالى، ومن ذلك قوله ﷺ في حديث ذي اليدين حينما سلم على رأس الركعتين في صلاة رباعية حيث قال له أقصرت

стр. 1338

الصلاة يا رسول الله؟ فقال ما قصرت الصلاة ولا نسيت ثم تبين النسيان، ومنه أيضا في قصة الوليد بن عقبة النازل فيها (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) الآية ٦ من سورة الحجرات في ج ٣ كما سنبينها في محلها وقصة ابن البيرق النازل فيها (إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً) الآية ١١٥ من سورة النساء في ج ٣ أيضا كما سنبيّنها في محلها إن شاء الله، وفي هذا كفاية في العلم بأنه ﷺ قد يظن الشيء فيبينه الله تعالى على وجه آخر، لأنه بشر ويجوز عليه ما يجوز على البشر، فإذا كان خاتم الرسل وأفضلهم هكذا فما ظنك بغيره من الرسل الكرام؟ ومما يزيد هذا قوة أن جمهور المحدثين والفقهاء أجمعوا على أنه يجوز للأنبياء ﵈ الاجتهاد في الأحكام الشرعية ويجوز عليهم الخطأ في ذلك، لكن لا يقرون عليه، فإنه لا شك أن هذا دون الخطأ في ظن ما ليس في الأحكام الشرعية من شيء، وإذا تحقق ذلك فلا يبعد أن يقال أن أولئك الرسل ﵈ أخبروا بعذاب قومهم ولم يعين لهم وقت له، فاجتهدوا وعينوا لذلك وقتا حسبما ظهر لهم كما عين أصحاب محمد ﷺ عام الحديبية لدخول مكة، فلما طالت المدة استيأسوا وظنوا كذب أنفسهم وغلط اجتهادهم، وليس في ذلك ظن بكذب وعده تعالى ولا مستلزما له أصلا، فلا محذور، وأنت عليم أن الأوفق بتعظيم الرسل ﵈ والأبعد عن الحوم حول ما يليق بهم القول بنسبة الظن إلى غيرهم كما جاء في حديث عائشة المتقدم وشرحه لابن الزبير، لأن ما جاء به في الردّ والتأويل في غاية الحسن منها ﵂ وعن أبيها والله أعلم. قال تعالى «جاءَهُمْ نَصْرُنا» الذي وعدناهم به فجأة من غير احتساب ولا ترقب «فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ» من العذاب الواقع أي نجّى النبيّ ومن آمن معه ومن شملته إرادة الله وقرأ بعضهم فنجّي بالتشديد ونون العظمة بالباء على الفاعل وقريء بتشديد الجيم وسكون الياء، وهي خطأ إذ لا يجوز إدغام النون بالجيم، والقراءة الصحيحة هي ما عليه المصاحف بالبناء للمفعول «وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا» عذابنا بالإهلاك «عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ١١٠» إذا نزل بهم البتة وفي هذه الآية وعيد وتهديد لمعاصري حضرة الرسول ﷺ بأنهم إذا

стр. 1339

لم يرجعوا عن كفرهم ينزل بهم عذابه، وإذا نزل فلا يرده رادّ. قال تعالى «لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ» أي الأنبياء السابقين وأممهم الماضية الطائعة والعاصية الناجية والهالكة «عِبْرَةٌ» عظيمة وعظة خطيرة «لِأُولِي الْأَلْبابِ» العقول الصحيحة السليمة، أما غيرهم الذين لم ينتفعوا بهذه العبر فلا تكون عظة لهم لعدم سلامة قلوبهم من الرين والصدأ المتكاثف عليها ولذلك لم يعتبروا والعبرة الحالة التي يتوصل بها الإنسان من معرفة المشاهد إلى غيره فيقيس بينهما ويتأمل ويتفكر، فيأخذ ما هو الأحوط والأصوب بالأمر الواقع ويترك الخطأ، وقد بدأ الله تعالى هذه السورة بقوله أحسن القصص وختمها بقوله (فِي قَصَصِهِمْ) مما يدل على أن في هذه السورة الكريمة عبرا كثيرة لمن يعتبر فيها من الأخبار بالغيب والوقائع ما لم يكن بغيرها فضلا عن أنها معجزة عظيمة لسيدنا محمد ﷺ قال تعالى «ما كانَ» هذا القرآن الذي لقبّناه بأحسن القصص يا أيها الناس «حَدِيثاً يُفْتَرى» يختلق من قبل البشر، وإنما هو من عند إله البشر ونزل على خيرهم «وَلكِنْ» كان في الأزل ويكون في الحاضر والمستقبل «تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ» من التوراة والإنجيل وغيرهما مما أنزل الله تعالى من كتب وصحف «وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ» تحتاجه يا سيد الرسل أنت وأمتك الموجودون والآتون إلى يوم القيامة من بيان الحلال والحرام والحدود والأحكام والقصص والأخبار والمواعظ والأمثال في كل ما يتعلق في أمور الدنيا والآخرة وما فيهما فمن عرفه حق معرفته لا يحتاج إلى غيره «وَهُدىً» للناس من الضلال والتيه والزيغ أيضا «وَرَحْمَةً» لهم من العذاب وخيرا ينالون به نعم الدارين «لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ١١١» به ويعتقدون أنّ ما فيه حق لأنهم هم المنتفعون به لا غير، ولا يوجد في القرآن سورة مختومة بهذا الفعل إلا سورة المرسلات فقط هذا، واستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. تفسير سورة الحجر عدد ٤- ٥٤- ١٥ نزلت بمكة بعد سورة يوسف إلا الآية ٨٥ فإنها نزلت بالمدينة وهي تسع وتسعون آية، وستمئة وأربع وخمسون كلمة، وألفان وسبعمئة وستون حرفا.

стр. 1340

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى الر ١» تقدم ما فيه، والله أعلم بما فيه، راجع ما قبلها وما تدلك إليه تجد ما يتعلق في معناه مفصلا «تِلْكَ» إشارة إلى أن ما تضمنته هذه السورة من الآيات بأنها هي «آياتُ الْكِتابِ» المعهود الذي وعد الله به حبيبه محمدا ﷺ بإنزاله عليه «وَقُرْآنٍ مُبِينٍ ١» لكل شيء في الدنيا والآخرة، والتنكير يشعر بالتفخيم والتعظيم لشأن ذلك الكتاب الذي هو القرآن المدون في اللوح المحفوظ، ومن قال إن المراد بالكتاب التوراة أو الإنجيل لأن القرآن عطف عليه والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه لا دليل له على ذلك إذ لم يرد ذكر لهما بعد حتى يشار إليها به، وأن مجيئه بوصفين كان زيادة في إجلاله واحترامه لما فيه من الآيات والأحكام الهامة لهذا المجتمع الإنساني، أما اقتضاء المغايرة فليس على إطلاقه. مطلب كلمة لوما ولولا في ربما وفي كلمات التهكم وعهد الله في حفظ القرآن دون سائر الكتب: «رُبَما» بالتخفيف وتقرأ بالتشديد وهما لغتان في ربّ، وتكون للتقليل والتكثير وهي هنا للتكثير، وزيد عليها ما يليها الفعل لأنها من حروف الجر فلا تدخل وحدها على الأفعال كأن وأخواتها فإنها لا تدخل على الأفعال بدون ما، ولك أن تجعل ما هنا بمعنى شيء فتقول رب شيء، وتختص بالنكرات وتكون ما كافة لها عن العمل، وهي تختص أيضا بالماضي من الأفعال، ودخلت هنا على المضارع لأنه بمنزلة المحقق وقوعه، لأن كل ما هو مترقب من أخبار الله تعالى مقطوع في وقوعه لتحققه فيكون بمنزلة الماضي، وكأنما قيل هنا ربما ودّ «يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا» يوم الجزاء والحساب في ذلك الموقف المهيب الذي ترتعد له الفرائض وتتفطّر له القلوب أي أن الكافرين يتمنون في ذلك اليوم «لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ٢» مؤمنين بالله في الدنيا وذلك حين يشاهدون أهوال أحوال الآخرة أو حين يحل بهم الموت، إذ تتراءي لهم منازلهم ويعلمون أنهم كانوا في ضلال، لهذا يتمنون كثيرا أنهم كانوا مسلمين، ولكن لا فائدة من ذلك التمنّي إذ لا يقبل الإيمان حال اليأس من الحياة، فلئلا يقبل في الآخرة من باب أولى

стр. 1341

فيكثر ندمهم حينذاك ولات حين مندم، ولهذا كانت ربما هنا للتكثير لأنهم كلما شاهدوا هولا من أهوال القيامة وكلما رأوا شفاعة الأنبياء لأتباعهم والمؤمنين بعضهم لبعض وكلما عاينوا رحمة الله بالمسلمين ونكاله في الكافرين والعاصين أمثالهم يتمنون أنهم كانوا مسلمين، ويكونون أكثر أسفا وحسرة وندما على ما فاتهم وخاصة حينما يدخل المؤمنون الجنة والكافرون النار، أجارنا الله منها، ومن قال إنها هنا للتقليل أراد أنه أبلغ في التهديد والزجر، أي قليل التمني والندم كافيك في كونه زاجرا لك عما كنت فيه، فكيف بكثيره؟ ولأن أهوال القيامة تشغلهم عن كثرة التمني وانغماسهم بالعذاب ينسيهم الندم، وإنما يخطر ببالهم عند الأفاقة من سكراته، والأول أنسب بالمقام، إذ لكل مقام مقال. قال تعالى «ذَرْهُمْ» يا أكمل الرسل «يَأْكُلُوا» كما تأكل الأنعام ويتمتعوا بحطام الدنيا البالية «وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ» بكثرة الأموال والأولاد والنعم عن الإيمان بنا ويغويهم الشيطان بالانهماك في الكفر والشهوات والإعراض عن الطاعة لك «فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ٣» سوء صنيعهم إذا عاينوا جزاءه وذاقوا وباله، وفيه تهديد عظيم لمن أخذ حظه من الدنيا وترك نصيبه من الآخرة لأنه صدر الآية بكلمة ذرهم وهي للتهديد أيضا، فمتى يهدأ العيش لمن هو بين تهديدين تضمنا وعيدين إذا كان له قلب لين أو عين رطبة وفكر يقرّب له ما يستعبده غيرة؟ هذا، ولما كان طول الأمل ينسى الآخرة واتباع الهوى يبعد عن الحق والعياذ بالله وهما ليسا من أخلاق المؤمنين قال تعالى «وَما أَهْلَكْنا مِنْ» أهل «قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ٤» أجل مضروب ووقت معين لإهلاكها لا يتقدم ولا يتأخر، ولهذا قال ذرهم إذ لم تنزل آية القتال ولم يؤمر حضرة الرسول بقتالهم وقسرهم على الإيمان، وما قاله بعض المفسرين إن هذه الآية منسوخة بآية السيف لا عبرة في قوله، بل هي محكمة جاءت تقوية للقتال وتمهيدا له وتبيبنا لأسبابه، لأن من أراد أن يبطش بعدوه المخالف له وهو قوي لا يفاجئه ببطشه بل يتقدم له بالإنذار حتى إذا أيس من القبول لما يأمره به وينهاه عنه بطش به، فيكون معذورا، لأن من أنذر فقد أعذر، وهذا من هذا، قال تعالى «ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها» المحتم

стр. 1342

لها في أم الكتاب بل تنتظره حتما «وَما يَسْتَأْخِرُونَ ٥» عنه لحظة واحدة إذا حل أجله وقد أنث أولا وذكر ثانيا باعتبار اللفظ والمعنى «وَقالُوا» كفار مكة لرسولهم محمد ﷺ «يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ» القرآن المذكر للرشد والهدى والحق والصواب «إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ٦» وصموه بما هو براء منه لما يرونه حال نزول الوحي عليه كالمغشي عليه من ثقل ما يلاقي من الهيبة الإلهية ورزانة المنزل مما لا تطيقه الجبال الراسيات، راجع قوله تعالى (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) الآية ٦ من سورة المزمل المارة في ج ١ وقوله تعالى (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) الآية ٢٢ من سورة الحشر في ج ٣، وقولهم له هذا على طريق الاستهزاء إذ يقولون (يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) إلخ فيعترفون أنه ذكره وينسبونه إلى الجنون،، والتعكيس في كلامهم للاستهزاء والتهكم جار شائع، وقد جاء القرآن على ذلك المنوال الذي ألهمه لهم منزله لما هو معلوم في سابق علمه، قال تعالى (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) الآية ٢٧ من سورة آل عمران ج ٣، ومثلها في القرآن كثير، وقال تعالى (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) الآية ٨٧ من سورة هود المارة وقال تعالى (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) الآية ٤٩ من سورة الدخان الآتية، وقد جاءت هذه الآية على حد قوله تعالى حكاية عن فرعون (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) الآية ٢٧ من سورة الشعراء المارة في ج ١ والمعنى أنك تقول قول المجانين بادعائك أن الله نزل عليك الذكر قال تعالى «لَوْ ما» هي لو ركب معها ما، وهي لامتناع الشيء لوجود غيره مثل لولا، فتحتاج للشرط والجواب، ولكنها لا تجزم وإخوانها كذلك وراجع الآية ١١٥ من سورة هود المارة ومعناها هلا، وهذه أصلها هل ركبت مع لا، وتفيد التحضيض وهو طلب الشيء بحث وإزعاج، فعند إرادة المعنى الأخير لا يليها إلا فعل ظاهر أو مضمر كما في الآية، وعند إرادة معنى امتناع الشيء لوجود غيره لا يليها إلا اسم ظاهر أو مقدّر عند البصريين وعليه قول ابن مقبل: لو ما الحياء ولو ما الدين عبتكما ... ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري

стр. 1343

وهذه بخلاف ربما إذ لا تدخل على الأسماء كما بيناه آنفا في الآية الثانية «تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ» ليشهدوا على دعواك رسالة الله لنا كي نصدّقك «إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ٧» بها قال تعالى ردا عليهم «ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ» على طلبكم الواهي وما ننزلهم «إِلَّا بِالْحَقِّ» عند إرادتنا إنزال العذاب بأحد، وعند قبض الروح، وعند إنزال الوحي، وعند اقتضاء أمر تقتضيه حكمتنا «وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ ٨» ممهلين بل لأوقعنا بهم العذاب حالا مع نزول الملائكة، نزلت هذه الآية في كفار مكة القائلين إلى محمد ﷺ أنزل علينا ملائكة ربك الذين تزعم ليشهدوا أنك صادق بوعدك ووعيدك كي نصدقك، قال تعالى «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ» عليك يا سيد الرسل أصدّقوا أم كذّبوا «وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ٩» من كل ما يقدح فيه كالتحريف والتغيير والزيادة والنقص، بحيث لو أن أكبر رجل قرأه بزيادة حرف أو نقصه أو تبديل حركة منه لردّ عليه الصبيان، إذ لا يراعى في لحنه كبير لكبريائه، وهو الموجود بين الدفتين الآن كما كان قبل يكون بعد المتواترة قراءته كما هي فيه، كيف لا وهذا العهد من الله تعالى بحفظه له على الصورة التي أنزلت عليها، وبقائه معمولا به إلى آخر الزمان فلا يقدر أحد على إحداث شيء فيه أو إزالة شيء منه البتة بمقتضى عهده هذا، وهذا من خصائصه، لأن غيره من الكتب السماوية تطرقت إليها الأيدي بالزيادة والنقصان من تحريف وتبديل، وأدخل فيها من ما ليس منها يسبب تسلط بعض الملوك على القسوس والرهبان وأهل العلم من أهل الكتابين، وبسبب الترجمة وأسباب دنيوية وقسرية، لأن التوراة حرفت مرارا وتداولتها أيدي الملوك وعلماء السوء، والإنجيل لم ينزل دفعة واحدة ولم يجمع على عهد المسيح ولم يعلم بصورة صحيحة الذي نفله من السريانية إلى العربية، وأن الأناجيل الأربعة المعمول بها الآن وإن كانت من حيث المعنى على توافق غالبا فإنها مختلفة من حيث اللفظ، وكلام الله لا بدّ وأن يكون موافقا بعضه لبعض حرفيا في اللفظ والمعنى، وكلها مخالفة لإنجيل برنابا الذي هو موافق من حيث المعنى للقرآن العظيم بشأن صون سيدنا عيسى من الصلب وعدم توصل أيدي اليهود القذرة إلى طهارته وقدسيته، وأن المصلوب هو يهوذا الأسخريوطي المنافق الذي دلهم عليه

стр. 1344

ليمسكوه ويقتلوه، فألقى الله شبهه عليه جزاء وفاقا كما سيأتي تفصيله في الآية ١٨٧ من سورة النساء في ج ٣، وقال الله تعالى في حق هذا القرآن (مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ) الآية ٥٠ من آل عمران في ج ٣، بما يعم التوراة والإنجيل وغيرهما، ولذلك تعهد الله بحفظه ولم يشر إلى مثل تلك الآية فيها لعلمه أن يقع فيها ما يقع من التغيير والتبديل، وقد ولى حفظها إلى الربّانيين والأحبار فاختلفوا وذهب كل منهم مذهبا في تأويلها، ففسر كل منها على ما تهواه نفسه، أما القرآن فقد أنزله الله تعالى على النبي العربي الأمي بلغته ولغة قومه وأبقاه كما أنزله وسيبقى على حاله إلى يوم القيامة إذ جعله معجزا مباينا لكلام البشر لا يقدر أحد أن يعارضه في إعجازه وفصاحته وبلاغته ولو زيد فيه حرف أو أنقص منه حرف لتغيّر نظمه ومبناه، ولو غيرت منه كلمة أو بدلت ذهب رونقه ومعناه، ولو قدم أو أخر منه شيء لاختلف المراد من مغزاه، ولو حرف حرف منه لنبدلت أحكامه وقضاياه، فيظهر لكل عاقل بالضرورة أنه ليس من القرآن ويخرج عن كونه كلام الملك الديان، وقد سخر الله تعالى عبادا من خلص عباده يذبّون عنه دواعي المبتدعة والملاحدة وأهل الكتابين المتعصبين بغير الحق، وأبقاهم كذلك إلى اليوم الذي قدر فيه رفعه ممن ليس بأهله، فصانه على هذه الصورة من كل إفساد وإبطال، وأبقاه كما أنزله صادعا بالحرام والحلال والأخبار والأمثال والحمد لله رب العالمين. وقدمنا ما يتعلق بهذا في المقدمة من بحث حفظ القرآن ما به كفاية فراجعه. هذا وما جرينا عليه من عود الضمير في له إلى القرآن أولى وأليق وأحسن من عوده إلى محمد ﷺ بداعي أن الله تعالى ذكر الإنزال والمنزل وكنى به عن المنزل عليه بعود الضمير له وهو محمد صلّى الله عليه وسلم مع أن هذا معلوم بالبداهة، وإن سياق الآية يأبى عود الضمير إليه بل عوده لأقرب مذكور، وهو الذكر أوجب وأصح وأشهر. قال تعالى «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ» يا محمد رسلا كثيرة «فِي شِيَعِ» فرق «الْأَوَّلِينَ ١٠» السابقين «وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ١١» فكذلك قومك قد أساءوا الأدب معك مثلهم، راجع الآية ٣٠ من سور يس المارة في ج ١، والآية ٩ من الزخرف الآتية. أنزل الله هذه

стр. 1345

الآية تسلية لحضرة الرسول عند ما تجرّأ عليه قومه وسلطوا عليه السفهاء والعبيد بعد وفاة عمه أبي طالب وزوجته خديجة ﵂ يخبره فيها أن عادة الكفار قديما التعدي على أنبيائهم وإساءة الأدب معهم، فلك أسوة بهم وعليك أن تصبر على أذاهم وجفاهم كما صبر من قبلك «كَذلِكَ» مثل ما سلكنا الضلال والكفر والتكذيب للرسل والاستهزاء بالذكر في قلوب فرق الأولين، فإنا أيضا «نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ١٢» من قومك لأنهم أشر وأكفر من غيرهم، والشيعة أتباع الرجل وفرقته إذا اتفقوا على مذهب واحد وطريقة واحدة. ومعنى السلك النفاذ وهو إدخال الشيء بالشيء كالخيط بالإبرة. مطلب عدم وجوب الصلاح على الله والبروج ومواقعها ومعانيها: وهذه الآية حجة على المعتزلة القائلين في وجوب خلق الأصلح للعبد على الله تعالى خلافا لاعتقاد أهل السنة والجماعة، قال في جوهرة التوحيد: وما قيل إن الصلاح واجب ... عليه زور ما عليه واجب وقال في بدء الأمالي: وما ان فعل أصلح ذو افتراض ... على الهادي المقدس ذي التعالي وقال الواحدي: قال أصحابنا أضاف الله سبحانه إلى نفسه إدخال الكفر في قلوب الكفار وحسن ذلك منه، فمن آمن بالقرآن فليستحسنه، ومن قال إنه لم يجر للضلال والكفر ذكر في هذا اللفظ، فكيف تضيفون الضمير في نسلكه إليه، هو قول مردود لأنه تعالى قال (وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) فالضمير في به عائد إلى الرسول والضمير في نسلكه عائد إلى الاستهزاء، والاستهزاء بالرسول كفر وضلال، فثبت صحة للقول بأن الذي يسلك في قلوب المجرمين هو الكفر والضلال، وقد بينّا في الآية ١٢ من سورة يونس والآية ١٠٠ من سورة يوسف المارتين ما يتعلق في هذا البحث فراجعهما، وإنما نسلكه في قلوبهم لأنهم «لا يُؤْمِنُونَ» أولئك الكفرة «بِهِ» بالذكر المنزل عليك، وهو القرآن «وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ١٣» التي سنها الله لعباده في عدم إيمان الكافرين الذين سبق في علمه أذلّا أنهم يموتون كفارا وأنهم يهلكون بعذاب منه، لأنهم

стр. 1346

يصرّون على الكفر، وفيه وعيد وتهديد لأهل مكة بأنهم إذا لم يؤمنوا يكون مصيرهم الهلاك كالأمم السابقة، قال تعالى «وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ» على خلاف العادة ليؤمنوا بك «فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ١٤» يصعدون وينظرون ما فيها من العجائب العظيمة، والمعارج المصاعد وهي قواطع السلم الذي يصعد عليه بها كالدرج، «لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا» حبست عن النظر وتحيّرت وأغشيت بما يمنعها من حقيقة المرأى، أي لأنكروا ما شاهدوه فيها وجعلوه خيالا ولم يتعظوا بشيء من ذلك ولقالوا «بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ١٥» من قبل محمد، إذ موّه وخيل لنا أشياء لا حقيقة لها، والمعنى أن الله تعالى يقول لو جعل لهم ذلك على سبيل الفرض وشاهدوه عيانا لما آمنوا ولقالوا قد سدت أبصارنا عن الحقيقة أو سحرنا محمد، وأصروا على كفرهم، وهؤلاء الذين هم في أزل الله يموتون على كفرهم لا ينتفعون بما آتاهم الله من الهدى والرشد. قال تعالى «وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً» عظاما كالقصور العالية الفخمة في الأرض، من حيث الاسم وإلا فلا يقاس بعظمتها ما في الدنيا كلها، وصيرناها منازل للشمس في سيرها وهي بروج الفلك الاثني عشر، ولكل برج منها ثلاثون درجة، فمجموعها ثلاثمائة وستون درجة وتقطعها الشمس في كل سنة مرة واحدة كل برج في شهر، وبها تتم دورة الفلك، ويقطعها القمر في ثمانية وعشرين يوما، وتنقسم على المواسم الأربعة، ونظير هذه الآية الآية ٦٠ من سورة الفرقان المارة في ج ١، وقد ذكرنا فيهما بعض ما يتعلق في هذا البحث فراجعه، وقد أوضحنا ما هية البروج في سورة البروج المارة في ج ١ أيضا، ولهذا البحث صلة في أوائل سورة تبارك الملك الآتية، أما منازل القمر فهي ثمانية وعشرون منزلة لكل برج منزلتان وثلث، إذ ينزل كل ليلة منزلة وتقيم الشمس في كل منزلة منها ثلاثة عشر يوما، وهي مواقع النجوم التي أقسم الله بها في الآية ٧٥ من سورة الواقعة المارة في ج ١ كما أشرنا إليه في الآية ٤٠ من سورة يس المارة في ج ١ أيضا فراجعها تجد ما تريد وما يخطر ببالك، وقد نسبت العرب إليها الأنواء الممطرة التي وعدنا ببيانها قبل في الآية ٢١ من سورة يونس المارة، وها نحن أولاء نبينها على التفصيل فنقول وبالله التوفيق وهو الملك الجليل:

стр. 1347

المنزلة الأولى الشرطان بفتح الشين والراء مثنى شرط بفتحتين، وهما كوكبان نيّران من القدر الثالث على قرني الحمل معترضان بين الشمال والجنوب، بينهما ثلاثة أشبار بالنسبة لما نراه وبقرب الجدي منهما كوكب صغير، قد سمتها العرب كلها أشراطا ويقولون بسقوطها علامات المطر والريح والقمر يحاذيهما وبقرب الشمال منهما كوكب صغير نيّر وهما الشرطان عند بعض، ويقال الشرطين الناطح أيضا. وأما السرطان بالسين فهو ورم سوداوي يبتدىء مثل اللوزة وأصغر، فإذا كبر ظهر عليه عروق حمر وخضر شبيهة بأرجل السرطان لا مطمع من برئه، وإنما يعالج لئلا ينمو ويزداد، أو داء في رسغ الدابة، أو دابة نهرية كثيرة النفع لنهش الكلب، وبحرية تحرق وتوضع بالأكحال راجع القاموس المحيط في تفاصيلها، ويطلق على البرج السماوي. الثانية البطين تصغير بطن، وهي ثلاثة كواكب صغار كأنهن أنافي خفية من القدر. الخامس على شكل مثلث حاد الزوايا على فخذي الحمل بينه وبين الشرطين قيد رمح بالنسبة لرؤيتها، وهكذا فيما بعده، والقمر يجتاز بها أحيانا. الثالثة الثّريا تصغير ثروى من الثراء وهو الكثرة وتسمى النجم، وهي ستة كواكب مجتمعة كشكل المروحة مقبضها نحو المشرق فيه انحناء من جانب الشمال، وقد شبهها قيس بن الأسلت بعنقود عنب، قال أحيحة بن الجلاح: وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نوّرا والمرصود من كواكبها أربعة من القدر الخامس وموضعها سنام الثور، ويليه الحمل وقد يكسفها القمر. الرابع الدبران بفتحتين سمي به لأنه دبر الثريا وخلفها وهو كوكب أحمر نير من القدر الأول على طرف صورة السبعة من رقوم، ويسمى المجدع وموقعه عين الثور، والذي على طرفه الآخر من القدر الثالث على عينه الأخرى، والثلاثة الباقية وهي من القدر الثالث أيضا على وجهه وزاوية هذا الرقم على خطم النور، وقد بسمى بقلب الثور، وقد يكسفه القمر أيضا. الخامس الهقعة بفتح الهاء وسكون القاف وفتح العين المهملة، وهي ثلاثة كواكب خفقفة من القدر الخامس مجتمعة شبيهة بنقط الثاء كأنها لطخة سحابية شبهت بالدائرة التي تكون في عرض زور الفرس أو بحيث تصيب رجل الفارس أو بلمعة بياض

стр. 1348

تكون في جنب الفرس الأيسر، وتسمى الأثافي جمع أثفية، وهي الأحجار الثلاثة التي يركب عليها القدر حين توضع تحته النار، وهي على رأس الجبار المسمى بالجوزاء والقمر يحافيها ولا يقاربها. السادسة الهنعة بالنون على وزن الهقعة، وهي كوكبان من القدر الرابع والثالث شبهت بسمة في منخفض عنق الفرس وهما على رجل التوأمين مما يلي الشمال بمنكب الجوزاء الأيسر والقمر يمر بهما. السابعة الذراع وهو كوكبان زهراويان من القدر الثاني على رأس التوأمين ويقال لهما ذراع الأسد المبسوطة، لأن المقبوضة هي الشعرى الشامية مع فروعها والقمر يقارب المبسوطة. الثامنة النثرة وهي الفرجة بين الشاربين حيال وثرة الأنف وهو أنف الأسد وهما كوكبان خفيان من القدر الرابع بينهما قدر ذراع ولطخة سحابية وهي على وسط السرطان وبقربهما كوكبان يسميان بالجمارين واللطخة بينهما بالمعلف تشبيها لها بالتبن وبمحنطة الأسد أي موضع استتاره ويكسف القمر كلا منهما. التاسعة الطرف من القوس وهو ما بين السبّة والأنهرين أي قريب من الذراع من كبدها، والأنهران العوا والسماك، وسمي الأنهران لكثرة ما بهما من النجم، وهي كوكبان صغيران من القدر الرابع أيضا أحدهما على رأس الأسد قدام عينيه، والأخر قدام يده المقدمة، والقمر يحاذي أشملهما، ويكسف أجنبهما، ويعنون بالطرف عين الأسد. العاشرة الجبهية أي جبهة الأسد وهي أربعة كواكب على سطر فيه تعريج آخذ من الشمال إلى الجنوب أعظمها على طرف السطر مما يلي الجنوب، وتظهر للرائي واحدة منفردة وثلاثة كالأثافي ويسمى قلب الأسد لكونه في موضعه، ويسمى الملكي أيضا وهو من القدر الأول والقمر يمرّ به وبالذي يليه. الحادية عشرة الزبرة بضم الزاي وسكرن الباء وهي كوكبان نيّران على أثر الجبهية بينهما أرجح من ذراع وهما على زيرة الأسد أي كاهله عند العرب وعند المنجمين عند مؤخره، فزبرة الأسد شعره الذي يزبر عند الغضب في قفاه أجنبهما من القدر الثالث وأشملهما من الثاني، وتسمى ظهر الأسد، والقمر يحاذيهما من جهة الجنوب حتى كأنه نزلهما رأي العين. الثانية عشرة الصرفة سميت بذلك لأن البرد ينصرف عند سقوطه، وهو كوكب واحد على طرف ذنب الأسد، وتسمى ذنب الأسد، والقمر محاذبه من جهة الجنوب.

стр. 1349

الثالثة عشرة العوّي بالقصر وقد تمد وهي خمسة كواكب من القدر الثالث على هيئة لام في الخط العربي تشبه القنا ثلاثة منها آخذة نحو من منكب العذراء الأيسر إلى تحت ثديها الأيسر وهي على سطر جنوبي من الصرفة، وينعطف اثنان منها على سطر يحيط مع الأول بزاوية منفرجة، زعمت العرب أنها كلاب تعوي خلف الأسد، ولذلك سميت العواء، وقيل كأنها تعوي فى أثر البرد، ولذلك تسمى طارودة البرد أو مأخوذة من الانعطاف تقول عوى الشيء إذا عطفه، وتطلق على سافلة الإنسان، وتسمى ورك الأسد، والقمر يخرقها. الرابعة عشرة السماك الأعزل وهو كوكب نيّر من القدر الأول من حيث الضياء وهو يتفاوت ما بين الواحد والواحد والعشرين، إلا أن البشر لا يدرك أكثر من ذوي القدر الخامس، لأن السادس هو السها وقل من يدركه من البشر، لأن بصره لا يتعداه، وهو على كتف العذراء الأبسر، قريب من المنطقة، والقمر يمر به ويكسفه، ويقابله السماك الرامح الذي لم يعد من المنازل، وسمي رامحا لكوكب يقدم كأنه رمحه، وسمي سماكا لأنه سمك أي ارتفع، ومن قال إنه كوكبان نظر إليهما معا تسامحا والصواب ما ذكرناه. الخامسة عشرة الغفر وهي ثلاثة كواكب من الرابع على ذيل العذراء، ورجلها المؤخرة على سطر معوج حدبته إلى الشمال، وقيل أيضا كوكبان والقمر يمر بجنوبهما وقد يحاذي الشمال وهو منزل خير بعد عن شرين مقدم الأسد ومؤخر العقرب، ويقال إنه طالع الأنبياء والصالحين وسميت غفرا لسترها ونقصان نورها، وقيل هي من كواكب الميزان. السادسة عشرة الذّبانا بالضم وهي كوكبان نيران من الثاني متباعدان من الشمال والجنوب بينهما قيد رمح على كفتي الميزان، وقيل إنهما قرنا العقرب والقمر قد يكسف جنوبهما. السابعة عشرة الإكليل وهو ثلاثة كواكب خفية معترضة من الشمال إلى الجنوب على سطر مقوس يشبه شكلهما شكل المغفر، الأوسط منها متقدم والاثنان تاليان، وهي من الرابع والقمر يمر بجميعها، وقيل هي أربعة كواكب برأس العقرب، ولذلك سميت إكليلا الذي معناه في الأصل تاج الملك. الثامنة عشرة القلب وهو قلب العقرب كوكب أحمر ونهر وسط الثلاثة التي على بدن العقرب، على استقامة من الغرب

стр. 1350

إلى الشرق، وهو من الثاني واللذان قبله وبعده من الثالث، ويسميان بناطين، والقمر يمرّ به ويكسفه من المنطقة. التاسعة عشرة الشولة بفتح الشين واللام وتسمى ابرة العقرب عند الحجازيين، وهي كوكبان من الثاني وزهران متقاربان على طرف ذنب العقرب في موضع السحمة والقمر يحاذيهما. العشرون النّعائم وهي أربعة كواكب من الثالث على منحرف تابع للشولة وتسمى النعائم الواردة إلى المجرّة، والقمر يمر باثنين منها ويحاذي الباقية، ويقرب منها أربعة أخرى من الثالث على منحرف، وهي النعائم الصادرة من المجرة وكلها من صورة الرامي، وسميت نعائم تشبيها بالخشبات التي تكون على البئر. الحادية والعشرون البلدة وهي قطعة من السماء خالية من الكواكب مستديرة تقع بين النعائم وبين سعد الذابح فينزلها القمر وقد يعدل عنها فينزل بالقلادة وهي ستة كواكب صغار في برج القوس تنزلها الشمس في أنصر أيام السنة، شبهت ببلدة الثعلب وهي ما يكنّه بذنبه، وتسمى المفازة والفرجة أيضا تشبيها بالفرجة الكائنة بين الحاجبين وموضعها خلف الكواكب التي تسمى بالقلادة، وهي عصابة الرامي. الثانية والعشرون سعد الذابح وهو كوكبان على قرن الجدي بينهما قدر باع بالنظر لما نرى جنوبيهما من الثالث والقمر يقاربه ولا يكسفه، وبقرب الشمال كوكب صغير يكاد يلتصق به يقال إنه شاته التي يريد أن يذبحها، وقيل إنه في مذبحه ولذلك سمي بالذابح. الثالثة والعشرون سعد بلع على وزن زفر وهو كوكبان على كف ساكب الماء اليسرى فوق ظهر الجدي بينهما قدر باع غربيهما من الثالث وشرقيهما من الرابع، وبقرب مقدمهما كوكب صغير كأنه ابتلعه، فلهذا سمي به. وقيل هو كوكبان مستويان في المجرة أحدهما خفي والآخر مضيء يطلعان في آخر ليلة من كانون الثاني ويسقطان بأول ليلة من آب. وسمي بلع لأنه حين يرى أحدهما كأنه يبلع الآخر، وجاء في القاموس أنهما طلعا حين قال الله (يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ) الآية ٤٤ من سورة هود المارة، ولهذا تقول العامة إن الأمطار فيه لا تمكث على سطح الأرض والقمر يقارب اجنبيهما ولا يكسفه. الرابعة والعشرون سعد السعود وهو كوكبان وقيل ثلاثة على خط مقوس بين الشمال والجنوب حدبته إلى المغرب أجبنهما من القدر الخامس على طرف ذنب الجنوبي

стр. 1351

والقمر يقرب منه وأشملهما من الثالث وهو مع الآخر في قول آخر من كواكب القوس، وسمي بذلك لأنه في وقت طلوعه ابتداء ما به يعيش الناس ومواشيهم. الخامس والعشرون سعد الأخبية وهي أربعة كواكب من القدر الثالث ومن كواكب الرامي على يد ساكب الماء اليمنى ثلاثة منها على شكل مثلث حاد الزوايا، والرابع وسطه وهو السعد والثلاثة خباؤه، ولذلك سمي بذلك، وقيل لأنه يطلع قبل الدفء فيخرج فيه من الهوام ما كان مخبأ والقمر يقاربها من ناحية الجنوب وما قيل إنه عبارة عن كواكب مستديره فيه تسامح، قال في القاموس سعود النجوم عشرة الأربعة المذكورة في منازل القمر وسنة ليست بمنازل وهي سعد ناشرة وسعد الملك وسعد العليم وسعد الغمام وسعد البارح وسعد مطر، وكل منها كوكبان بينهما نحو ذراع. السادسة والعشرون فرع الدلو المقدم، ويقال الأعلى، وهو كوكبان نيّران من الثاني بينهما قيد رمح أجنبيهما على متن الفرس الأكبر المجتح، أي ذي الجناحين، وأشملهما على منكبه، والقمر يمرّ بالبعيد منها. السابعة والعشرون فرع الدلو المؤخر ويسمى الأسفل وهو كوكبان نيّران من الثاني بينهما قيد رمح أيضا أجنبيهما على جناح الفرس وأشمليهما مشترك بين سرّته ورأس السلسلة شبهت العرب هذه النجوم الأربعة فيهما بقرع الدلو بفتح الفاء وسكون الراء وهو مصب الماء منه لكثرة الأمطار فيهما. الثامنة والعشرون بطن الحوت وتسمى الرشا بكسر الراء أي رشا الدلو وهو حبله، ويقال له قلب الحوت أيضا، وهو كوكب نير من الثالث على جنب المرأة المسلسلة، يحاذي القمر ولا يقاربه، وسمي به لوقوعه في بطن سمكة عظيمة تحت نحر الناقة تصورها في العرب في سطرين عليهما كواكب خفية بعضها من السلسلة وبعضها من إحدى سكن الحوت. هذا وإن الأربعة عشر الأولى أي من الشرطين إلى السماك تسمى شامية، الأربعة عشر الأخيرة من الغفر إلى بطن الحوت تسمى يمانية والسنّة القمرية عبارة عن اجتماع القمر مع الشمس اثنى عشر مرة، ويتم زمانها في ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما وثماني ساعات وثمان وأربعين دقيقة، ولا يوجد شهر أقل من تسعة وعشرين يوما ولا أكثر من ثلاثين، ولا سنة أقل مما ذكر

стр. 1352

أعلاه ولا أكثر من ثلاثمائة وخمس وخمسين يوما، وقدمنا ما يتعلق بهذا، وفي السنة الشمسية أيضا في سورة البروج بصورة مفصلة في ج ١ فراجعها. ولما ذكر الله تعالى حال منكري النبوة وكانت متفرعة على التوحيد وقال جلّ شأنه لو رأوا الآية المطلوبة من السماء لما آمنوا ولبقوا مصرين على كفرهم عقب ذلك بذكر الدلائل السماوية والأرضية، فقال وأن في السماء لعبرا منصوبة غير هذه، فقال «وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً» هي عبارة عن أجزاء الفلك الأعظم المحدد المسمى بالفلك الأطلس وفلك الأفلاك وسماه الشيخ الأكبر قدس سره فلك البروج ويسمونه الفلك الثامن وفلك التوايت، وقد أوضحنا ما يتعلق فيها أول سورة البروج أيضا في ج ١ فراجعها. قال تعالى «وَزَيَّنَّاها» أي السماء بالشمس والقمر والميزان والثريا والكواكب السبعة والمحيرة وغيرها زينة بديعة «لِلنَّاظِرِينَ ١٦» حديدي النظر في ملكوت الله يستدلون بها على قدرة مكونها ليؤمنوا بخالقها ويرشدوا أقوامهم إلى الإسلام والإيمان «وَحَفِظْناها» أي النجوم، وإنما أعيد الضمير إلى السماء لكون النجوم فيها من إطلاق المحل وإرادة الحال فيه، فالسماء المحل والنجوم حالة فيها «مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ١٧» مرجوم بالشهب ملعون مطرود عنها، كما هو مطرود من رحمة الله «إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ» منها استثناء منقطع أي الذي يقع منه الاستراق يعرض نفسه للهلاك. مطلب استراق السمع والرمي بالنجوم وماهية الأرض وأن كل ما فيها له وزن خاص: لأنه إذا تصدى ذلك فيتبعه ما يحرقه وجاء بالماضي «فَأَتْبَعَهُ» راجع الآية ١٧٢ من الأعراف المارة في ج ١ تجد معنى هذا الفعل «شِهابٌ مُبِينٌ ١٨» أو شعلة ساطعة من نار سمي الكوكب شهابا لما فيه من البريق كشهاب النار. واعلم أن قوله تعالى وزيّناها يعود إلى السماء باعتبار أل فيها للجنس فتشتمل السموات السبع، لأن الكواكب ليست بسماء الدنيا فقط بل فيها كلها يدل على هذا قوله: زحل شرى مرّيخه من شمسه ... فتزاهرت لعطارد الأقمار

стр. 1353

لأن زحل في السابعة والقمر في الأولى والشمس في الرابعة والمريخ في الخامسة والزهرة في الثالثة وعطارد في الثانية، وكل منها معها نجوم لا تعد ولا تحصى، وإن قالوا إنهم أحصوها، وأن قوله تعالى (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ) الآية ٥ من سورة تبارك الملك الآتية بالنسبة لما يبدو لنا وإلا فالتزيين لكل السموات، والمراد بحفظها من الشياطين عدم قربانهم لها كما يحفظ الإنسان داره من العيون والجواسيس، وإلا فهي محفوظة بحفظ الله لا قدرة للشيطان على هدمها وإفساد ما فيها وإنما يحفظها من استراقهم ما يقع فيها من الكلام الذي تتلقاه الملائكة من رب العزّة، راجع تفسير أول سورة الجن المارة في ج ١ وما يأتي عليك الآن روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال إن النبي ﷺ قال إذا قضى الله الأمر في السما حتى ضربت الملائكة أجنحتها خفقانا لقوله كالسلسلة على صفوان إذا فزّع عن قلوبهم (قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا) للذي قال (قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) الآية ٢٢ من سورة سبأ الآتية، فيسمعها مسترقو السمع ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض. ووصف سفيان بكفيه فحدقهما ومدد بين أصابعه فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مئة كذبة، فيقال له أليس قد قال لنا كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء. قال ابن عباس لما ولد عيسى ﵇ منعت الشياطين من ثلاث سموات، ثم منعوا من الكل عند ولادة محمد ﷺ ، والرمي بالنجوم كان موجودا قبل مبعثه وإنما زاد وشدد بعده. وقد جاء له ذكر في الشعر الجاهلي قال بشر بن أبي خازم: فالعير يرهقها الغبار وجحشها ... ينقض خلفها انقضاض الكواكب وقدمنا في بحث أولاد الحيوانات في الآية ١٤٨ من الأعراف المارة في ج ١ أن الجحش ولد الحمار فراجعه. وقال أويس بن حجر الجاهلي: فانقض كالدرّي يتبعه ... نقع يثور تخاله طينا بما يدل على أن الانقضاض لم يكن قبل بمجرد كوفه غير جاهلي، وإذ كنا

стр. 1354

أوضحنا ما يتعلق بهذا أول سورة الجن المارة في ج ١ وأوردنا الحديث الذي رواه ابن عباس وغيره فلا حاجة للإطالة في هذا البحث هنا، وستأتي له صلة في سورة الصافات الآتية الآية ٦ فما بعدها وفي سورة سبأ الآية ٢٤ أيضا ان شاء الله «مَدَدْناها» على وجه الماء أو بسطناها بالنسبة لما نراه، لأن النّملة إذا مشت على البيضة تحسبها مفروشة ممهدة مبسوطة وقال أهل الهيئة بعضها في الماء وبعضها خارج عنه وهو الجزء المعمور، ولعظمها يكون بالنظر كل جزء منها ممدودا مبسوطا، ولا منافاة بين الآية على ما قاله المفسرون وبين قولهم هذا من حيث المعنى كما ذكرنا، لأن الكرة إذا كانت عظيمة كان كل جزء منها سطحا عظيما بالنسبة لمن فوقه «وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ» أراد وهو أعلم بالرواسي الجبال العظام الثوابت حيث ثقلها بها لئلا تتحرك قال تعالى في الآية ١٦ من سورة النمل الآتية (وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) » والآية ٢٢ من سورة الأنبياء الآتية أيضا بمعناها مما يدل على أنها طائفة والقرآن يفسر بعضه فلولا تثقيلها بالجبال لبقيت مضطربة لا يستفاد منها قال ابن عباس أن الله لما بسط الأرض على الماء ما لت كالسفينة فأرساها بالجبال الثقال لئلا تميل بأهلها، وما قاله الإمام الرازي في أنه يجوز أن يكون المراد أنه تعالى فعل ذلك لتكون الجبال دالة على طرق الأرض ونواحيها فلا تحيد الناس عن الجادة المستقيمة، ولا يقعون في الضلال، لا يسوغ الذهاب إليه، لأن الأخبار تأباه، وكان هو ﵀ لم يرض به لتصدير قوله بيجوز، لأن العالم إذا تردد في شيء صدره بكلمة يجوز إعلاما بعدم تحققه لديه لعدم العثور على مايجزم به فيه «وَأَنْبَتْنا فِيها» أي الأرض بما فيها الجبال لأنها منها، وإن أحسن النبات يكون فيها فضلا عن أن أكثر المعادن تكون فيها، وقد يوجد فيها ما لا يوجد في غيرها، كيف لا وهي مخازن المياه، لهذا فإن من قصر عود الضمير على الأرض فقد قصر كما أن تخصيص عود الضمير للجبال فقط غير جائز، ولهذا فإن عود الضمير لكليهما أولى وأوفى بالمرام «مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ١٩» بميزان الحكمة معلوم القدر والثقل، فكل ما ينبت أو يكون في الأرض والجبال والأودية له وزن خاص به سواء

стр. 1355

كان نباتا أو معدنا، لأن المعادن كلها موزونة، ولا يقال إن موزون لا يعود إلى النبات، لأن النبات لا بوزن بل يعود إليه أيضا، ولأن ما يحصل من النبات منه ما هو موزون، وفيه ما هو مكيل والكيل يرجع إلى الوزن. واعلم أن هذه الآية تشير إلى ما يسميه علماء هذا العصر بالثقل النوعي، فالإخبار به في عصر نزول القرآن من المعجزات العظام إذ لا يوجد من يعرف إذ ذاك ممن عاصر حضرة الرسول محمد ﷺ في مكة وحواليها بأن كل شيء يخرج من الأرض والجبال والأودية مائع أو جامد له ثقل مختص به لا يشاركه غيره فيه، فثقل الذهب النوعي ٥/ ١٩ والفضة ٥/ ١٠ والنكل ٢٨/ ٩ والزئبق ٥٩/ ١٢ والراديوم الذي عنصره مثل عنصر الزئبق يشبه ملح الطعام، ولا يوجد منه في العالم كله (كما يزعمون) إلا بضع أوقيات، وقد اهتم العلماء به لأنه يشع حرارة وضوءا لا ينطفىء ولا يبرد مهما مضى عليه من السنين، فكأنه شمس تحتوي على كمية كبيرة منه، ويستخرج من مادة تدعى بنسيلند توجد في مناجم الرصاص والفضة والقصدير، وهلم جرا في بقية الأجسام والمائعات المختلفة في الوزن كما هي مختلفة بالنوع والصفة، وهذا برهان قاطع على علائم نبوته ﷺ وكما يطلق لفظ موزون على ذلك يطلق على الكلام المتناسب. قال عمرو بن ربيعة في هذا: وحديث النوى وهو مما ... تشتهيه النفوس بوزن وزنا وأبواب الشعر لها أوزان مخصوصة أبلغوها إلى ستة عشر عدا الرجز كما هو مبين في علم العروض «وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ» تنمون بها حياتكم «وَمَنْ» ولمن على تقدير الجار، لأنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار، وعليه فلا يكون محل من مجرورا بالعطف على الكاف من لكم فيكون المعنى ومعايش لمن «لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ٢٠» من العيال والخدم والعبيد والدواب والطيور والحيتان والوحوش والديدان وغيرها. مطلب كل شيء من عند الله وبسط الرزق وقبضه لحكمة أرادها ومعنى الريح والرياح: فإن الله تعالى يرزق خلقه كافة، وأنتم تنتفعون من مخلوقاته تلك من غير أن

стр. 1356

ترزقوها، لأن الله يرزقكم وإياها، فلا تظنوا أنكم الرازقون لها ولما خولكم منها. وكلمة معايش لم تكرر إلا في الآية ٩ من سورة الأعراف المارة في ج ١، «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ» من كل ما يطلق عليه لفظ شيء وتخصيص بعض المفسرين كلمة شيء هنا بالمطر تحكم وتقيبد لا معنى لهما، أي لا يوجد في الكون شيء «إِلَّا عِنْدَنا» نحن إله الكل وخالق الكون بما فيه ورازقه «خَزائِنُهُ» من كل ما يحتاجه البشر والحيوان والطير والحوت والدود وهو جمع خزانة بكسر الخاء، ومن نوادر ما قالوا لا تفتح الخزانة ولا تكسر القصعة وهي اسم للمكان والمحل الذي يحفظ فيه نفائس الأموال والحلي «وَما نُنَزِّلُهُ» من تلك الخزائن الموجودة في علمنا «إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ٢١» معين لكل شيء مما خلقناه لكل منها ما يناسبها بقدر كفايته حسبما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة وتريده المشيئة مع إمكان إنزال ما يزيد على الحاجة، لأن خزائنه تعالى لا تنفد وإمكان ما ينقص عن الحاجة لأمر يريده، راجع الآية ٢٦ من سورة الرعد الآتية. هذا وان ما يرى من كثرة الرزق عند بعض الناس فهو عبارة عن حفظه لديهم لغيرهم، لأنهم لا يرزقون منه إلا بقدر ما قدر لهم منه مما تستوجبه المصلحة، وما يرى من قلته على أناس فهو أيضا بتقديره تعالى لأمر يريده بهم، لأنه يعلم أنه لو نقص على الأول وزاد للآخر لضرّ بهما، قال تعالى (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) الآية ٢٧ من سورة الشورى، وكذلك لو قتّر على بعض عباده لبغى بعضهم على بعض، فقد جاء في الحديث القدسي: ومنهم من إن أعنيته لبغى، ومنهم من إن أفقرته لكفر. ولهذا فإنه تعالى يعطي كلا ما يناسبه كي لا يبغي الفقير ولا يكفر الغني المترتب على الحكمة فقرهم وغناهم، وما قيل إن المراد بالخزائن هنا المطر لأنه سبب الأرزاق لجميع المخلوقات ينفيه لفظ الآية، والمطر داخل فيه لأنه مما يحتاجه الخلق، وقد ضرب الله الخزائن مثلا لاقتداره على كل مقدور، وتطلق الخزانة على الصّندوق الحديدي الذي يخزن فيه الذهب والفضة وغيرها، وعلى الخزانة الخشبية التي تحفظ فيها الألبسة وغيرها، قال تعالى «وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ» حوامل بالسحاب ضد العقيمة لأنها تحمل السحاب في جوفها من بخار الماء ثم تدرّه كما تدر

стр. 1357

اللقحة ثم تمطر، وهو معنى قوله تعالى «فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ» بأن جعلناه لكم ولأنعامكم وأراضيكم، ويدخل فيه جميع مخلوقاته سقيا من نتاج الرياح المذكورة «وَما أَنْتُمْ لَهُ» لهذا الماء أيها الناس «بِخازِنِينَ ٢٢» في ذلك الفضاء الواسع بل نحن نخزنه فيه ونمنعه من الهبوط إلا على المكان الذي نريده، وفي الزمان الذي نشاؤه، وبالقدر الذي خصصناه، ولولا إمساك الله إياه لهبط كما ارتفع، لأن الماء ثقيل ومن طبع الثقيل الهبوط إلى الأسفل، وهذا هو معنى خزنه وادخاره لوقت الحاجة، وهذا من معجزات القرآن العظيم، لأنه يوم نزوله ما كان بشر يعلم أن الرياح تهب حبالى من بخار المياه، وتلد السحاب في جو السماء، وتسقينا من نتاجها الذي تخزنه يد القدرة الإلهية. قال ابن عباس: لواقح للثمر والنبات، فتكون كالفحل. ولم يأت لفظ الرياح في القرآن إلا في الخير، ولا لفظ الريح إلا في الشر حالة الإطلاق، ولكن إذا قيدت تتبع قيدها، قال تعالى (وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) الآية ٢٢ من سورة يونس المارة، يدل على هذا ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا عصفت الريح قال: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به. وروى البغوي بسنده إلى الشافعي أن ابن عباس ﵃ قال: ما هبت ريح قط إلا جنى النبي ﷺ على ركبتيه وقال اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا، اللهم اجعلها ريحا ولا تجعلها ريحا. وقال تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً) الآية ٢٠ من سورة القمر المارة في ج ١، وقال جل قوله (أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ) الآية ٤٢ من الذاريات الآتية. وقال عزّ قوله (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) الآية ٥٧ من الأعراف المارة في ج ١، والرياح اللواقح هي ريح الجنوب لما جاء في بعض الأخبار ما هبت رياح الجنوب إلا وانبعت عينا غدقة، وأخرج بن جرير عن عبيد بن عمير قال: يبعث الله تعالى المبشرة فتقم الأرض قمّا ثم يبعث المثيرة فتنثر السحاب فيجعله كسفا ثم يبعث المؤلفة فتؤلف بينه فتجعله ركاما، ثم يبعث اللواقح فتلقحه فيمطر. ولهذا البحث صلة في الآية ١٦ من سورة النور في ج ٣، وقد مرّ له بحث في

стр. 1358

الآيات المنوه بها أعلاه. قال تعالى «وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي» الأجسام القابلة للحياة بإيجاد الحياة فيها «وَنُمِيتُ» من نحييه عند انقضاء أجله المقدر له بإزالة تلك الحياة التي جعلناها فيه فالحياة صفة وجودية تقتضي الحس والحركة الإرادية، والموت زوال تلك الصفات المادية عنها «وَنَحْنُ الْوارِثُونَ ٢٣» لما نخلق، الباقون بعد فناء ما نخلق قاطبة، المالكون للملك الحقيقي عند زوال الملك المجازي الذي هو في قبضتنا أيضا لأنا نحن الحاكمون في الكل أولا وآخرا. وتفسير الوارث بالباقي نصا على حد قوله ﷺ اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منّا لأن الذهن يصرف معنى الوارث للمتأخر من المتقدم والله تعالى هو الأول والآخر قال تعالى «وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ» ولادة وموتا «مِنْكُمْ» أيها المخلوقون «وَلَقَدْ عَلِمْنَا» أيضا «الْمُسْتَأْخِرِينَ به ٢٤» كذلك إلى النهاية من جميع مخلوقاتنا النامية والجامدة، ونعلم أيضا طائعهم وعاصيهم لا يخفى علينا شيء من أمرهم، والآية عامة، فما روي عن حمزة أنها نزلت في القتال قول لا يصح، لأن الجهاد لم يفرض بعد، وكذلك ما قاله الربيع أنس من أن النبي ﷺ حرّض على الصف الأول في الصلاة فازدحم الناس عليه، وكان بنو عذرة دورهم قاصية عن المسجد، فقالوا نبيع دورنا ونشتري دورا قريبة من المسجد، فأنزل الله هذه الآية، لا يصح أيضا، لأن هذه الآية مكية قولا واحدا، وليس في مكة إذ ذاك إلا الكعبة المشرفة، والمسجد لم يتخذ إلا في المدينة، وكذلك القتال للكفرة لم يؤمر به إلا بالمدينة. هذا وأن ما روي عن ابن عباس ﵁ من أنه كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله ﷺ من أحسن الناس فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون بالصف الأول لئلا يراها ويتأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت أبطيه، فأنزل الله هذه الآية لا يصح أيضا للسبب نفسه، وأن شمولها لما يتعلق بالجهاد وصفوف الصلاة وغيرها بعد نزولها لا يعني أنها سبب للنزول البتة، لأن اللفظ عام ولا يوجد ما يقيده من شيء، ولم يسبق ذكر للجهاد والصلاة، والعبرة دائما لعموم اللفظ إذا كان هناك سبب، فلأن تكون العبرة لعموم اللفظ بلا سبب

стр. 1359

من باب أولى، وفي تكرير لفظ (لَقَدْ عَلِمْنَا) دلالة على تأكيد إحاطة علمه تعالى بالعباد وأحوالهم أولا وآخرا، وأن علمه بالأولين كعلمه بالآخرين لأن الكل مدون في لوحه داخل في علمه قبل إبرازه لخلقه. قال تعالى «وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ» يوم القيامة كلهم على ما ماتوا عليه كما أماتهم على ما عاشوا عليه. ويجازيهم بحسب أعمالهم الدنيوية والأخروية، روى مسلم عن جابر قال قال رسول الله ﷺ يبعث كل عبد على ما مات عليه. وتوسيط الضمير في الآية يفيد الحصر، أي أن الله تعالى هو وحده يحشرهم، وفي إضافة لفظ الرب إلى الضمير العائد لحضرة الرسول دليل على اللطف به والعطف عليه، وقريء يحشرهم بكسر الشين من الباب السادس والأفصح الفتح على أنه من الباب الأول على ما هو في المصاحف «إِنَّهُ حَكِيمٌ» باهر الحكم بالغ منتهى الإتقان في أفعاله «عَلِيمٌ ٢٥» واسع العلم كثيره يعلم ما يستحقه كل منهم من الثواب والعقاب. مطلب خلق الإنسان والجان ونشأة الكون وعمران الأرض: قال تعالى «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ» آدم ﵇ الذي هو أصل الخليقة بدليل قوله «مِنْ صَلْصالٍ» طين يابس تسمع له صوت إذا ضربته كالصلصلة «مِنْ حَمَإٍ» ضارب للسواد وهو صفة الصلصال «مَسْنُونٍ ٢٦» متغير قال تعالى فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنّه الآية ٢٦٠ من البقرة في ج ٣، أي لم يتغير وهو صفة لحمأة، فهذه القيود تعين أن المراد بالإنسان هنا أبو البشر آدم ﵇ لا مطلق انسان لأنه خلق من الماء المعبر عنه بالنطفة الحاصلة من الزوجين وما قيل إن معناه مصور استدلالا بقول حمزة ﵁ في مدح ابن أخيه محمد ﷺ : أغرّ كأن البدر سنّة وجهه ... جلا النعيم عنه ضوءه فتبددا وقول ذي الرّمة: تريك سنة وجه غير مقرفة ... ملساء ليس بها خال ولا ندب لا يستقيم هنا والله أعلم. قال الله تعالى «وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ» أي أبا الجن «مِنْ

стр. 1360

قَبْلُ» خلق آدم «مِنْ نارِ السَّمُومِ» شديد الحرارة تنفذ في المسام، أجارنا الله منها، تؤيد هذه الآية أن الجن كان في الأرض قبل آدم وهو كذلك ولكن لا نعلم مبدأ خلقهم، مما يدل على أن الأرض قديمة قبل آدم بكثير، وقد جاء في الأخبار أنهم لما أفسدوا فيها- كما يدل عليه قوله تعالى (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها) الآية ٢٠ من سورة البقرة في ج ٣- قرضهم الله تعالى، ولم يبق منهم إلا إبليس لما كان عليه من العبادة والزهد فيما يبدو للملائكة، فألحقه بهم مع علمه بنتيجة حاله ليقع عليه اللوم. ثم أعلم رعاك الله أن هذه الأرض التي خلق الله أصلنا منها وقضى بعودتنا إليها وإخراجنا منها ثانيا كما مر في الآية ٦٤ من سورة الأعراف الآية ٥٥ من سورة طه المارتين في ج ١ قد مرّ عليها قرون كثيرة وهلك فيها أقوام لا عداد لهم، وقد شاهدت بعيني حالها من صنوف الحياة العجائب المدهشات، ومهما تاق الإنسان لمعرفة عمرها فلا يقدر أن يتوصل إليه، ولا يزال عاجزا مهما بالغ في التنقيب، لذلك لجأ الكلدانيون أولا لتقدير عمرها بحسب التخمين، فقدروه بمليون سنة، ثم ظهر العالم بطبقاتها زور ولستر سنة ١٩٥٠ وقال إن عمرها لا يزيد على سبعة آلاف سنة، وجاء بعده آثر فقال إن عمرها قبل المسيح بأربعة آلاف سنة أي تكون الآن قريبا من ستة آلاف سنة، فانظر إلى هذه المباينة، واعلم أن كل قول فيها مصدره الحدس وهو لا يغني عن الحق شيئا، لأن هذين القولين لا يمكن أن ينطبقا على عمر الأرض بل قد ينطبقان على نشأة آدم ﵇ فقط، وبعد أن مضى عمر هذين العالمين وضعت على بساط البحث بين الأثريين فقدر علماؤهم أن تحسب المدة اللازمة لترسب سمك خاص من الطبقات الأرضية المنتظمة كالأرض الزراعية، إذ يترسب فيها سنويا مقدار من الغرين بقدر سمك (ميليمتر) واحد، فإذا كان سمك الطبقة مترا فمعنى ذلك أن هذه الطبقة استغرقت على الأقل ألف عام في تكوينها، وقد استخدمت هذه الطريقة في أمريكا الشمالية ولو حظ أن الترسب فيها يقرب من الترسب في أجزاء كثيرة من الكرة الأرضية فقدروا عمرها على ذلك بعشرين مليونا من السنين، ثم عيب على هذه الطريقة عدم انتظام الترسب واختلاف الحبيبات والبواعث الموجبة

стр. 1361

للترسب مما يؤدي إلى خطأ كبير في التقدير، وهو كذلك، ثم انبعثت طريقة أخرى تتوقف على تقدير الأملاح في المحيطات، إذ أن ماء المحيطات بخار كان غلافا للكرة الأرضية أيام انصهارها، فلما بردت تكاثفت تلك الأبخرة وكون ماء المحيطات ولم يكن إذ ذاك ملحا بل أتاه الملح من (الصوديوم) الذي هو مادة الملح، إذ حملته الأنهار من الأرض إلى البحر، فإذا قررت كميّة الملح التي تضاف إلى مياه المحيطات سنويا وقدرت كمية الملح الموجودة فعلا يمكن تقدير عمر الأرض، لأن انتفاء الشرط يؤذن بانتفاء المشروط، وقد تعددت الأبحاث في مختلف بقاع الأرض على طرق اتفقوا عليها فظهر أن عمرها ما بين ثمانين وتسعين مليونا، ثم اكتشف الراديوم سنة ١٩٠٢ فتبين أن هذا العنصر يشع في نفسه باستمرار منتظم من غير تدافع أجزائه وتساقطها نحو المركز، وإن هذه الأجزاء تنحل وتنحول إلى جسم آخر وهو الرصاص، وباستخدام هذه الطريقة قدر عمر الأرض بألف وأربعمائة ألف سنة، ولا زالت الآراء متضاربة، ولا يزال أهلها يحاولون عبثا إدراك مبدأ الكون أي تجمد الأرض، وقال الأستاذ رضوان بن محمد رضوان عند ما تمثل بقوله تعالى (ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ) الآية ٤ من سورة تبارك الملك الآتية بأن عمر الأرض لا يقل عن مائة مليون سنة، وانتقل إلى تاريخ حياة الأرض مستدلا بما كتبه الدهر على صفحات الصخور، أو في أعماق الأرض من بقايا الكائنات الجية، معترقا بأنه دون الحقيقة بالنظر للحوادث التي تعاقبت فبدلت آثارها، ولمرور مصور كثيرة من غير أن تترك أثرا على سطحها، ثم قال يعتقد الأكثرون أن الأرض كانت كتلة غازية بردت تدريجيّا فتصلّبت ثم أحاط بها نطاق من الهواء تكشف ما به من البخار، فهطلت أمطار عزيرة كونت مياه البحار والمحيطات، ثم بدأت الرياح والأمطار تعمل عملها في تغيير معالم اليابس باستمرار، فكثيرا ما ارتفعت سلاسل جبال شامخات ثم تعود الرياح فتفتتها وتفذفها في البحر، وكانت القارات أعظم اتساعا مما هي عليه الآن، إذ كانت تمتد شرقا وغربا أكثر منها شمالا وجنوبا أما الآن فقد تبدل الحال إذ أنمار المحيط على جوانبها فأنقصها. وللعلماء في أصل الأرض نظريات فقد وضع العالم الألماني سنة ١٧٥٥

стр. 1362

نظريته السديمية فقال إن الكون نشأ من كتلة لا شكل لها، وأن الفضاء كان يشغله سديم (هو تركيب في بعض الأجرام السماوية على شكل سحابة صغيرة) عظيم أي سحابة كبيرة مكون من مواد غازية مرتفعة الحرارة (راجع الآية ٦ من سورة هود المارة حيث سمي هذا السديم عماء وتدبر معناه وقسه مع هذا) ثم انقشعت هذه السحابة تدريجيا بتركيز هذه الغارات بالجاذبية حول نقطة معينة أكثر كثافة من أجزاء السديم، فكانت هذه النقطة فيما بعد النجوم الحارة والشموس المختلفة وتعتبر شمسنا هذه أصغرها حجما، وقد اشتق من هذه النظرية المجملة العالم الأفرنسي لابلاس نظرية في أصل الأرض سنة ١٨٤٢ فقال إن المجموعة الشمسية كانت كتلة غازية مضيئة تشغل فراغا عظيما ثم انكمشت تدريجا بسبب تشعّع حرارتها فتركت حلقات غازية انفصلت عنها الواحدة تلو الأخرى، ثم تركزت كل حلقة منها حول نقطة معيّنة أصبحت فيما بعد كوكبا من الكواكب وبذا تكونت الكواكب الثمانية السيارة التي منها الأرض والسيارات السبع وهي زحل والمشتري والمريخ وعطارد والزهرة والقمر، فكل واحدة من هؤلاء في طبقة أعلى من الأخرى على هذا الترتيب، أدناها الأرض، وأعلاها زحل، كما مر في الآية ١٨ من هذه السورة، قالوا وانفصل منها كذلك ما يقرب من ألف كوكب صغير، فتكون الأرض إذا بحسب هذه النظرية مثلها مثل باقي الكواكب الأخرى بدأت حياتها سحابة غازية ثم بردت وتحولت مادة سائلة فتصلّبت قشرتها الخارجية، وأنها تزداد برودة يوما فيوما وتزداد قشرتها سمكا، وقد بقيت هذه النظرية مقبولة مدة طويلة حتى أن التحقيق العلي والمشاهدات الحسية أقاما البرهان على عدم صحتها، لأن قبولها يقتضي أن تكون حرارة الكرة الأرضية في تناقص مستمر والواقع يخالف هذا إذ تبين أن أقدم أنواع الكائنات التي عاشت على سطح الأرض في الأزمان السحيقة لم تكن تتحمل حرارة أكثر مما تتحمله الأحياء الحالية كما أنه ثبت أن أجزاء من الكرة الأرضية كانت تغطيها الجليد. ولما ظهر بطلان نظرية (لابلاس) السديمية ظهرت نظرية (تشجرلن) المسماة الذرات الكوكبية أو الأرض الباردة، فقال أن الشمس كانت أول أمرها سديما أيضا فدنت من

стр. 1363

نجم أكبر منها فحدث من تأثير الجاذبية بينهما أن تفككت الأجزاء الخارجية للشمس واندلعت منها ألسنة نارية حلزونية طويلة مركبة من ذرات معدنية بينها كتل حارة كبيرة، ثم انقشع السديم تدريجبا باجتماع الأجزاء الصغيرة حول الأجزاء الكبيرة بالجاذبية فكانت الكواكب ومنها الأرض، ثم ظهرت نظرية الكوكبيات (لبرل) وهي تشبه النظرية السابقة إلا أن الذرات استبدلت بكوكبات صغيرة لا يزيد قطر الواحدة منها على ٤٨٥ ميلا، فهذه الكوكبيات سقطت على نواة الأرض فنشأ من الاصطدام حرارة فتكونت أرض حارة ذات قشرة منصهرة، وبعد ذلك قل الاصطدام وبدأت الأرض تبرد بالتدريج. ثم اعلم أن كثيرا من العلماء ينسب أصل الجوّ إلى غازات حارة أغلبها بخار الماء ثم قليل من أول وثان أكسيد الكربون وحمض الكلوروديك وبعض الآزوت، أما الأكسجين فلم يكن حرا، ويرجح العلماء أن انطلاق الهواء في الجو يعود إلى عوامل بركانية، أي أن أصل الهواء عبارة عن غازات أو أبخرة لفظتها البراكين والينابيع الحارة من الأعماق البعيدة في باطن الأرض، إذ كانت مكتومة تحت ضغط جبار في المنصهرات الباطنية، فلما خفّ الضغط انطلقت هذه الغازات وملأت الجو وعليه قول القائل: فبطنها محشوة بالنار ... وقشرها قد شق بالبخار ولما كان سطح الأرض تعلوه سجف كثيفة مستديمة بدأت الأمطار تهطل بغزارة شديدة ولكنها قبل ما تصل إلى سطح الأرض تستحيل إلى بخار بسبب الحرارة الشديدة المنبعثة من سطح الأرض فينطلق إلى الجو ويكون سحبا يتراكم بعضها فوق بعض فتهطل الأمطار ثم تعود فتدخر دون أن تصل إلى الأرض وهكذا دواليك فلما بردت الأرض أمكن للأمطار أن تصل إلى سطحها ولكنها لم تمكث بل تتبخر ثانية وقد ظللت الحال كذلك زمنا وجيزا لا يزيد على بضع آلاف من السنين (ان الأزمان الجولوجية تعني ملايين السنين وتعد مليون سنة فترة قصيرة من الوجهة الجولوجية) ثم بدأ يتكون محيط هائل يطم الأرض بأجمعها وكانت مياهه عميقة وهنا بدأت الشمس تمد الأرض بالحرارة وترسل أشعتها خلال السحب

стр. 1364

وبقيت البراكين على حالها في الثوران فتسبب عن إطلاقها المعادن المنصهرة بقوة عظيمة ومقادير هائلة أن غيرت من استواء سطح الأرض فهبطت أجزاء تجمعت فيها المياه فيما بعد وبذا تكونت أحواض المحيطات وأما الأجزاء التي لم تتراكم فوقها الحمم فكونت القارات وعلى هذا فلربما كانت الكائنات المائية هي أولى الكائنات التي ظهرت على وجه البسيطة عند ما تهيأت أسباب الحياة فنشأت في المحيطات أنواع كثيرة من الحيوانات اللافقرية البحرية وقد هاجر بعضها إلى الأنهار وتطورت مع الزمن إلى سمك المياه العذبة ولما كان الجفاف الذي كثيرا ما تتعرض له الأنهار يهدد حياتها بالخطر، لذلك قد أخذت تهيء نفسها للعيش على اليابس فكانت منها الحيوانات الضفدعية وهذه تطورت إلى أنواع أرقى حتى ظهرت الحيوانات الندية ثم خلق الله ﵎ الإنسان فاستخلفه في الأرض قال تعالى (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً الآية ٣٠ من البقرة ج ٣. فظهر مما تقدم أن كل ذلك لم يخرج عن الظن والتخمين كما ذكرنا آنفا لأن أهم الوسائل التي يستندون عليها في عمر الدنيا ومبدأ الحياة فيها هو الحفريات وهي عبارة عن العثور على بقايا حيوانات أو نباتات عاشت في الأزمنه الجولوجية القديمة التي لا توجد في الصخور وليس من الضرورة أن تكون هي البقايا الأصلية للكائنات. وعلى الطبقات المترسبة في الأرض وهي تختلف باختلاف الهواء والمكان والزمان كما علمت فلا تدل على حقيقة راهنة وأن ما يوجد من الصور والتماثيل المنقوشة على الصخر لا يمكن أن يعرف منها الزمن بصورة يثق فيها الإنسان إذ لا يوجد تاريخ قبل التوراة بإجماع أهل العلم الحديث والقديم وعليه فان النقوش وحدها وإن أثبتت وجود ناقشيها ومهارتهم فأنها لا تثبت زمانهم والعبرة في معرفة التاريخ للزمن فضلا عن أنهم قالوا لا يوجد من الكائنات الحية التي اندثرت أجسامها إلا نحو واحد بالمائة لأن جسم الحي يتحلل بتأثير الباكتريا والفطر والديدان فيزول من الوجود وإذا لم يكن محنطا لا يتجاوز محق ومحو هيكله الصلب السبعين سنة أما الأعضاء الرخوة التي لا هيكل لها فتندثر بسرعة بحسب مادة الأرض ولا يبقى لها أثر ما وأنسب الأماكن لحفظ الحفريات هي المحيطات والبحار وأصلح الرواسب هي المواد الجيرية

стр. 1365

الموجودة في البحار. هذا بعض ما يقوله أهل العلم الظاهري في نشأة الكون وأنه قد يكون له نصيب من الصحة وقد لا يكون أما العلماء الرومانيون فلا يعتقدون صحتها اعتقادا جازما لأن الأمور التي تستند إلى الدين الحق لا يطبق عليها نظريات فرضت فرضا مصدرها الظن والتقدير والوهم لأنها لا تستند على شيء حقيقي ثابت ولا على دليل قاطع ولذلك يمكن لكل أحد أن يجادل فيها وينكرها أو يحاول على عدم إثباتها، وكذلك القياس فيها منتف إذ لا يقاس على أقوال لم ترتكز على حقيقة واضحة فضلا عن أصحاب هذه الأقوال فإنك لو سألتهم عنها لا يجيبونك عن أنها صحيحة بضمير مطمئن لمضاربة كل نظرية منها الأخرى وتباينها بعضها مع بعض، وعدم إجماع قائليها على مبدأ واحد كما علمت، أما ما جاء من الإشارة إلى مبدأ لكون بالقرآن العظيم وهو قوله تعالى (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) الآية ٧٠ من سورة الأنبياء الآتية وما بعدها وشبهها من الآيات الدالة على ذلك وعلى أصل الخلقة إجمالا، وما جاء في الأخبار والأحاديث الواردة عن حضرة الرسول التي ذكرنا قسما منها في الآية ٦ من سورة هود المارة وأشرنا فيها إلى المواقع الأخرى منها فلا يستطيع أن ينكره إلا من ختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة. مطلب أقوال الأجانب في بدء الكون ونهايته وشيء من المخترعات الجديدة ونبذة في الروح: وانظر ما يقوله العلامة اسحق نيوتن الفلكي الشهير صاحب القوانين المعروف (في صدد حركات الفلك) : المؤكد أن الحركات الحالية للكواكب لا يمكن أن تأتي مع محض الجاذبية لان هذه القوة تدفع الاجرام نحو الشمس فقط وعليه وجب أن توجد قوة إلهية خارقة لتديرها في مداراتها. وإلى ما يقوله اللورد (كلفن) العالم الشهير الطبيعي: (ولا بد أن يكون للأرض مبدأ وسوف يكون لها نهاية، وهناك قوة إلهية تدبر هذا الكون وهو الخالق الأوحد، هذا ولعل المخترعات الحديثة تظهر لنا غير هذا مما يسوق الناس قهرا إلى الاعتراف بالإله الواحد،

стр. 1366

وقد بدأت قديما وستتابع إن شاء الله، فقد اخترع الترياق سنة ١٠٠ والسوائل سنة ٤١٠ ودود القز سنة ٥٠٠ وطواحين الماء سنة ٦٠٠ والورق سنة ٧٠٠ واستخراج السكر سنة ٨٠٠ وصناعة الطباعة سنة ٩٣٩ وعلامات الأصوات الموسيقية سنة ١٠٠٠ والمرائي من الزجاج سنة ١٢٠٤ ونظارات العيون سنة ١٢٧٠ والبارود والساعات الدقاقة سنة ١٢٨٠ والإبر المغنطيسية سنة ١٣١٢ وآلة ضفط الهواء سنة ١٣٤٠ وساعات الجيب سنة ١٥٠٠ وميزان الهواء سنة ١٦٤٣ وميزان السوائل سنة ١٦٩٢ وغيرها كثير، وفي عصرنا هذا اخترعت السيارات والطائرات والدبابات والراديو والهاتف واللاسلكي والقنابل والصواريخ والنفاثات والذرة والأقمار الاصطناعية وللركبات الهوائية وغيرها، وما نعلم ماذا يلهم الله تعالى خلقه من المخترعات الأخرى حتى يتم مراده في قوله عز قوله (حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) الآية ٢٣ من سورة يونس المارة. أللهم إنا نسألك اللطف فيما جرت فيه المقادير والستر والعافية، إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير. قال تعالى «وَ» اذكر يا محمد لقومك «إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ٢٨» تقدم تفسيره في الآية ٢٦ المارة، وما قيل إن مسنون بمعنى مصور أو مصبوب لا قيمة له في هذا المقام، راجع الآية ٢٦ المارة ولا يعد هذا تكرارا لأن الآية الأولى جاءت بمجرى الاخبار، وهذه مخاطب بها حضرة الرسول ليعلمه كيفية بدأ الخلق لأجله، وما نجم عن مخالفة بعض مخلوقاته لأمره والثالثة الآتية حكاية عن قول إبليس يبين فيها بماذا قابل ربه تجاه إنعامه عليه، تدبر. «فَإِذا سَوَّيْتُهُ» عدلته وأتممت خلقه على ما هو في سبق علمي الأزلي «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي» وهذا معنى قوله تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ) الآية ٦٠ من آل عمران في ج ٣، والنفخ في العرف إجراء الريح من الفم أو غيره في تجويف جسم صالح لإمساكها والامتلاء بها، والمراد هنا والله أعلم تمثيل إفاضة مادية الحياة بالفعل على المادة المقابلة لها، وليس هناك نفخ حقيقية بالمعنى الذي نعرفه، وهذا الروح هو جوهر مجرد ليس داخل البدن ولا خارجه، ولا متصل

стр. 1367

به ولا منفصل عنه، وليس بجسم يحل بالبدن حلول الماء في الإناء، ولا هو عرض يحل بالقلب أو الدماغ حلول السّواد في الأسود والعلم في العالم، وقد تقدم هذا البحث مستوفيا في الآية ٨٥ من سورة الإسراء في ج ١ «فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ٢٩» سجود تحية لا سجود عبادة والخطاب للملائكة أو أن السجود لله تعالى يجعل آدم ﵇ بمنزلة القبلة لهم لما ظهر فيه من أعاجيب آثار قدرة الله تعالى وحكمته، وعليه قول حسان ﵁: أليس أول من صلى لقبلتكم ... وأعلم الناس بالقرآن والسنن وفي هذه الآية دليل على جواز تقدم الأمر على وقت الفعل، فيكون حد الأمر بكونه ملابسا للفعل به ليس على إطلاقه «فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ٣٠» تأكيد لعدم تخلف أحد منهم «إِلَّا إِبْلِيسَ» لأنه في الأصل لم يكن من الملائكة، ولهذا كان الاستثناء منقطعا، ومن قال إنه متصل لم يقل إنه من جنس الملائكة كما هو الشرط في تعريف الاستثناء المتصل، بل لأنه كان حين الأمر الإلهي معهم، وقد أمرهم كلهم بالسجود فسجدوا ولم يسجد هو لسابق سقائه، فاستثني منهم على طريق التغليب، لأن أصله من الجن، راجع الآية ٥٣ من سورة الكهف الآتية، أي أنه خرج عن طاعته لأنه «أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ٣١» من الملائكة الذين كان معهم حين الأمر «قال» تعالى موبخا له ومؤنبا سوء صنيعه على امتناعه «يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ٣٢» أخالفت أمري «قال» عليه اللعنة متقدما في حجته الواهية معتذرا عن السجود بعذره السخيف «لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ٣٣» تقدم تفسيره أي وقد خلقتني قبله من النار والنار أفضل من الطين، وهو قياس مغلوط، لأن الفاضل من فضله الله، وليس لأصل الخلقة أو أصل المخلوق دخل في التفضيل، ولو أراد الله هداه لامتثل وما عليه أن يسجد بأمر الله لآدم أو غيره، لأن القصد الامتثال لا غير. راجع مقاييس إبليس في الآية ١٢ من الأعراف المارة في ج ١، «قال» تعالى لإبليس بعد أن أظهر عناده وعتوه وحسده لآدم أمام الملائكة كما هو ثابت في علم الله

стр. 1368

«فَاخْرُجْ مِنْها» أي الجنة ويستلزم الخروج منها الخروج من السماء أيضا، والخروج من زمرة الملائكة الذين كانوا يغبطونه على ما هو عليه من العبادة لله والعلوم والمعارف التي أنتجت ذلك الغلو وانبثقت عن الجهل المفرط الراسخ في قلبه، إذ ظن أن الفضل باعتبار المادة، وما درى أن يكون باعتبار التحلي بالمعارف الرّبانية، قال: فشمال والكأس فيها يمين ... ويمين لا كأس فيها شمال وما عرف أن الأدب هو المقدم الأول في الفضائل كلها ولله در القائل: كن ابن من شئت واكتسب أدبا ... يغنيك محموده عن النسب ولما فضح الله سريرته على ملأ من الملائكة الذين كانوا يحترمونه ويفضلونه على أنفسهم وأبان لهم قريطه، وعلموا أن عبادته ونشر علمه بينهم في مخالطته لهم رياء لنشر السمعة والصيت بينهم بقصد التعاظم عليهم أمره بالخروج من بين الطائعين الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون به من قبله. قال ﷻ مبينا جزاءه الدنيوي على مخالفته هذه واحتجاجه الواهي ومقابلة عظمة ربه بما فاه به على رؤوس الأشهاد وبيّن العلّة في ذلك بقوله عزّ قوله «فَإِنَّكَ» بامتناعك هذا «رَجِيمٌ ٣٤» طريد من الرحمة والكرامة بعيد من العطف واللطف «وأنّ عليك اللّعنة» عقوبة لك في الدنيا مني ومن خلقي مستمرة «إِلى يَوْمِ الدِّينِ ٣٥» يوم الجزاء الذي يكون عليك فيه العذاب المهين الدائم، ولم يجعل الله حدّ ابعاده عن فيض رحمته بضرب هذا الأجل كما يفهمه البعض من معنى إلى النائية، بل جعله غاية في البعد لأنه أي يوم القيامة أبعد ما يضرب الناس المثل في كلامهم إليه من الآجال البعيدة لا أنها أي اللعنة تنقطع عنه بعد ذلك اليوم، كلّا بل تكون في الدنيا مستمرة بلا عذاب حسّي من الله والناس أجمعين، وفي الآخرة دائمة عليه أيضا مع العذاب الأكبر الباقي، ولما عرف الخبيث أن سقط في يده ولم يبق له بدّ من تلافي عصيانه لربه ولا أمل في فيض رحمته، أراد بحسب طويته النجسة أن يتمادى في الضلال والإضلال «قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ٣٦» أي كافة مخلوقاتك، لأنه عارف بالبعث بعد الموت، وأنه لا موت بعد

стр. 1369

البعث، يقصد أن لا يموت أبدا، فينجو من العذاب الأخروي، لأنه إذا بقي يوم البعث يكون حاله حال الخلق بعد البعث لا يموتون أبدا، لأن هذه الحياة حياة موقته مهما طال أجلها وتلك حياة دائمة ما بعدها إلا الخلود في الجنة رزقنا الله إياها، أو الخلود في النار أجارنا الله منها. «قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ٣٧» المؤخرين ولكن «إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ٣٨» أي موت جميع الخلق السابق علمه بأنه سيموت على كفره قال تعالى (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) الآية ٨٨ من القصص المارة في ج ١ وإجابته تعالى له بتأخير أجله لا إكراما له ولا لميزته على غيره، بل زيادة في شقائه، ولو أراد به خيرا لوفقه لطلب العفو عن جرمه وقبول توبته، ولكن حق قوله عليه في الأزل بشقائه، ولا راد لما قدره وقضاه. ولما عرف عدم إجابة طلبه كما أراد وأنه تعالى سيميته على كفره الذي عاش عليه ويبعثه على ما مات عليه وانقطع أمله مما توخّاه، صرح بما أكنه في قلبه من الغلّ والحقد لعباد الله، مطلب جهل إبليس وأن المزين في الحقيقة هو الله، وأن مبنى الأيمان على العرف وخلق الأفعال: «قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ» أي آدم وذريته ما داموا «فِي الْأَرْضِ» وقدمنا في آيات متعددة أن المزيّن في الحقيقة هو الله تعالى لأنه هو أقدر إبليس عليه أي أنه يزين حب الدنيا لهم مدة حياتهم وبقائهم على أرضها، وأحبذ لهم معصيتك «وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ» في زخارفها وشهواتها حتى يضلوا طريقك السوي «أَجْمَعِينَ ٣٩» بحيث لا أترك منهم أحدا إلا صددته عن الهدى، وقد حدى بالملعون سائق الانتقام فأقسم على أن يجتهد في إغواء آدم وذريته من بعده لأنه السبب الظاهري في طرده وعنائه وقد جاء القسم في الآية ٨٢ من سورة ص بلفظ (فَبِعِزَّتِكَ) لأن الحلف على ما قاله العراقيون بصفات الذات كالعزّة والعظمة والقدرة يمين، والحلف بصفات الفعل كالرحمة والسخط والعذاب ليس بيمين، وقد حلف الخبيث بكليهما، على أن الأيمان مبنية على العرف فما تعارف الناس الحلف

стр. 1370

به يكون يمينا، وما لا فلا، وهذه الآية حجة على القائلين في خلق الأفعال وأن حملهم إياها على التسبّب عدول عن الظاهر. وليعلم أن في تمكين إبليس من الإغواء ردّ على القائلين بوجوب رعاية الأصلح من المعتزلة، وردّ على زعم من قال إن حكيما أو غيره يحصر قوما في دار ويرسل فيها النار العظيمة والأفاعي القاتلة الكثيرة ولم يرد أدنى أحد منهم فقد خرج عن الفطرة البشرية، فحينئذ الذي تحكم به الفطرة هو أن الله تعالى أراد بالأنظار إضلال بعض الناس، فسبحانه من إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وقول هذا الزاعم على حد قول قائلهم: ما حيلة العبد والأقدار جارية ... عليه في كل حال أيها الرائي ألقاه في اليم مكتوبا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء الذي رد عليه أهل السنة والجماعة بقوله: إن حفه اللطف لم يمسسه في بلل ... ولم يبال بتكتيف وإلقاء وإن يكن قدر المولى بغرفته ... فهو الغريق وإن أضحى بصحراء والسبب الذي حدى بأهل الاعتزال على هذه الأقوال هو عدم اعترافهم بأن للإنسان جزء اختياريا وهو إقدام العاصي على المعصية عن رغبة ورضى، وأن قولهم أن ما يقع منه مقدر عليه، ولكنه فيما يفعله طائعا مختارا لا يعلم أنه مقدر عليه، وأنه إنما يفعله تبعا لتقدير الله، فلو أن إبليس حينما امتنع عن السجود كان امتناعه تبعا لما هو في علم الله وقد علم ذلك وامتنع لما طرده ربه، ولكن امتناعه كان حسدا لآدم، لأنه بالسجود له يصير مفضلا عليه، وأن نفسه الخبيثة تأبى أن يفضل أحد عليه، وكذلك مقترف المعاصي لو أنه إنما يقترفها لعلمه بأن الله قدرها عليه أو أنه إنما فعلها تنفيذا لأمره لا لشيء آخر لما عذبه الله، ولكن إنما يفعل المعصية لمجرد شهوة نفسه الخبيثة، مع علمه أن الله حرّمها عليه، فلذلك يعاقب ويعذب، تدبر. وهذا الملعون غلط غلطة لا تلافي لها، إذ يجب على المحب امتثال أمر المحبوب مهما كان، أعجز الخبيث أن يكون مثل ابن الفارض الصادق في محبته إذ يقول: لو قال تيها قف على حجر الفضى ... لوقفت ممتثلا ولم أتوقف
следующие страницы →