← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23595

بيان المعاني

ملا حويش

Полный текст (3 362 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

«بسم الله الرّحمن الرّحيم» قال تعالى: «أَلَمْ تَرَ» يا سيد الرسل رؤية علم لا رؤية بصر، لانه لم يحضر هذه الحادثة وكانت ولادته في سنتها «كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ ١» عجب الله نبيه لصنعه فيهم وعدم اعتبار كفار العرب الذين شاهدوا تلك الآية العظيمة التي أوقعها الله عليهم وبقيت أخبارها متواترة مستفيضة كأنها مشاهدة رأي العين إذ لا يستطيع أحد إنكارها لوقوعها سنة ٥٧١ من ميلاد عيسى ﵇ وذلك على ملأ من أهل مكة ومجاوريها وكثير منهم ان لم نقل كلهم رآها بأم عينه من غير نكير من أحد ما، ولهذا قال تعالى: «أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ» الذي كادوه وسعيهم الذي جاءوا من أجله لتخريب الكعبة «فِي تَضْلِيلٍ ٢» تضييع وخسران إذ لم يتمكنوا من تنفيذ ما صمموا عليه لأن الله تعالى أبطله باهلاكهم المبيّنة كيفته بقوله «وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ» عند ما وصلوا إلى حرم مكة وجزموا على دخولها وتخريب البيت ولم تنههم حرمثه وتعظيمه ولم يبالوا بسكانه وسدنته «طَيْراً أَبابِيلَ ٣» مثال الخطاف وهو جند من جنود الله صارت «تَرْمِيهِمْ» بما في منقارها وأرجلها «بِحِجارَةٍ» كأنها «مِنْ سِجِّيلٍ ٤» طين متحجر كالآجر أي اللبن المحرق بقصد اشتداد قوته وسمى سجيلا لأن سجيل علم للديوان الذي كتب فيه عذاب الكفّار كما سيأتي في سورة المطففين في ج ٢، أي أن تلك الطير رمت أبرهة وجيشه بعذاب من جملة العذاب المدون لأهل النار «فَجَعَلَهُمْ» ربك يا سيد الرسل «كَعَصْفٍ» زرع وتبن مهشم بوطئه «مَأْكُولٍ ٥» من الدواب ثم راثت به وفرقت أجزاءه، شبه تفرق القوم وتقطع أوصالهم بتفرق الروث بعد فتاته بجامع عدم الاجتماع في كل، أي أنهم صاروا كالروث ولكن لهجنته لم يذكره فجاء به بلفظ آخر يدل عليه على نمط الآداب القرآنية ليتعلم عباده التأديب عن مثلها، ولهذا ترى كثيرا من العارفين ينزهون ألسنتهم عن النطق بما يستهجن. مطلب آداب العارفين وقصة الفيل: وقد شاهدت شيخنا الشيخ بدر الدين الحسني شيخ دار الحديث بدمشق ﵀ حين سأله أحد تلامذته في شهر رمضان سنة ١٣٤٣ عن معنى القذرة إذ مرت ت (١٢)

стр. 177

لنا أثناء الدرس الذي كنا نتلقاه عنه، فقال هي مثل ونيم الذباب، فسأله عنه فقال كرجيع الكلاب، فسأله عنه فقال كخشي البقر، فسأله عنه فقال كزرق الحمام ولم يزل يسأل حتى قال له مثل بعر الغنم والإبل، والروث للحمار والفرس هو الغائط للانسان محاولا بذلك عدم النطق بلفظها المشهور. وأظن أن هذا الطالب أراد إلجاء الشيخ للنطق بها فلم يفلح، وما قيل إن الله سلط عليهم الجدري أو ردهم بما يشبه التسمم (ميكروب) ينافي صراحة الآية وحقيقتها. اللهم إلا أن يقال ان ذلك نشأ عن رميهم والله أعلم، وخلاصة قصة الفيل هي أن أبرهة الحبشي لما ولي اليمن ورأى الناس يتجهزون أيام الموسم لزيارة الكعبة المشرفة، بنى كنيسة في صنعاء ودعا العرب لحجها وكتب الى النجاشي بذلك، فسمع مالك بن كنانة فذهب إليها وتفوط فيها، وزعم مقاتل أن فئة من قريش أجّجوا نارا في يوم عاصف فهاجت الريح واضطرم الهيكل أي في البيعة المذكورة التي بناها أبرهة وسماها القليس، فاغتاظ أبرهة وعزم على هدم الكعبة انتقاما، فسار بجيشه نحوها وكان دليله أبو رغال الثقفي جد الحجاج فمات بالمغمس- محل قريب من مكة على طريق الطائف كان نزل به أبرهة بجيشه ودفن فيه- وصارت العرب ترجم قبره كلما مروا به جزاء لفعله حتى صار مثلا قال جرير: إذا مات الفرزدق فارجموه ... كرجم الناس قبر أبي رغال هذا، وما يقوله البعض من أن رمي الجمار الثلاث بمنى كناية عن رجم قبر المذكور، ليذوم ذكر فعله القبيح على ألسنة الناس فقد اخطأ، لأن الرمي في منى من المواضع التي تمثل بها إبليس عليه اللعنة لسيدنا ابراهيم ﵇ حينما ذهب بابنه إسماعيل ليقربه الى الله تصديقا لرؤياه، والرمي معروف قبل الإسلام وقبل ابرهة لأنه من شعائر الحج، وقبر أبي رغال ليس في محل الرجم في منى، بل هو على طريق الطائف للقادم منه الى مكة وقد أجمع الفقهاء والمحدثون والمفسرون عل هذا وسيأتي لهذا البحث صلة في الآية ١١٣ من سورة الصافات في ج ٢

стр. 178

والآية ٩٧ من آل عمران والآية ٢٥ من الحج في ج ٣ فراجعها ففيها الكفاية. على أن ما بين حادثة ذبح إسماعيل ﵇ وحادث ابرهة وموت أبي رغال ما يقارب الفين وثمنمئة سنة فأي عقل يقبل هذا، وأي عاقل يقول ان الرمي الذي أحدث من زمن الذبح أحدث عند موت ابي رغال، عليك بالمرجفين بإذا الجلال فانا أحلناهم إليك يا الله. هذا ولما دخل ابرهة حرم مكة عسكر بالمحصب بالشعب الذي مخرجه إلى الأبطح قريب من منى وأرسل الأسود بن مسعود فجمع نعم أهل مكة وأتى به اليه ثم أرسل حناطة الحميري ليخبر شريف مكة بأنه لم يأت لقتال بل لهدم الكعبة فقط فجاءه شريفها عبد المطلب بن هاشم جد محمد ﷺ فاحترمه أبرهة ونزل عن كرسيه وجلس معه على البساط لئلا يترفع عليه، ثم انه طلب من ابرهة أن يرد عليه الإبل قبل أن يفاتحه بأمر الكعبة فقال له ابرهة: زهدت فيك لأنك لم تطلب أولا الكف عن التعرض للبيت الذي هو شرفكم وعصمتكم وأعطاه الإبل لأنه يعلم أن مثله لا يرد، ولكن أثرت كلمة ابرهة فيه فقال له: إنك لا تستطيع أن تعمل شيئا في البيت لأن له ربا يحميه منك ومن غيرك، وبما أني رب الإبل طلبتها منك لقدرتك على إتلافها. ثم تركه وذهب إلى البيت وأخذ بحلقة بابه وقال: لا هم أن المرء بمنع رحله فامنع رحالك ... وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك لا يغلبن صليبهم ومحالهم أبدا محالك ... جرّوا جميع بلادهم والفيل كي يسبوا عيالك عمدوا حماك بكيدهم جهلا وما رقبوا جلالك ... إن كنت تاركهم وكعبتنا فأمر ما بدا لك ثم قال: يا رب لا أرجو لهم سواكا ... يا رب فامنع عنهمو حماكا إن عدو البيت من عاداكا ... امنعهمو أن يخربوا فناكا ثم انطلق إلى شعف الجبال ينظر ما الله فاعل بأبرهة وجيشه فأصبح ابرهة وقد تهيأ للدخول إلى مكة ووجه الفيل نحوها وكان نفيل بن حبيب الخثعمي رأس خثعم لما رأى ابرهة متوجها إلى الكعبة بذلك القصد، قاتله مع عشيرته فقهره ابرهة لكثرة عدده وعدده وأخذه معه أسيرا إلى مكة، ولما رأى الفيل توجه نحو الكعبة أخذ

стр. 179

بإذنه وقال له: أبرك أبا محمود وارجع راشدا فإنك ببلد الله الحرام، من حيث لم يعلم ابرهة بذلك، فألقى الله في قلب الفيل البروك، كما ألقى في قلب نفيل أن يقول له ذلك، فبرك واستعصى فضربوه بالمعاول فأبى التوجه نحو الكعبة فوجهوه نحو اليمن فقام يهرول، فوجهوه نحو الشمال فقام يهرول، ثم صعد نفيل إلى الجبل وتركهم يعالجون أمر الفيل فرأى طيرا كثيرا أقبل من نحو البحر، وغشي القوم وصار يرميهم بأحجار من منقاره ورجليه، فتصيب الرجل فتخرقه وتنزل إلى الأرض، ولم يزل ذلك الطير يرميهم حتى بدد الله الجيش بأجمعه وحمى حماه. قالوا إن الأحجار كانت ما بين العدسة والحمّصة وإن من هرب من الجيش عند ما صار الرميء من قبل الطير لم يهتد إلى الطريق فصاروا يصيحون نفيلا ليدلهم عليه فقال نفيل في ذلك: فإنك ما رأيت ولن تراه ... لدى حين المحضب ما رأينا حمدت الله إذ أبصرت طيرا ... وحصب حجارة تلقى علينا وكلهم يسائل عن نفيل ... كأن عليّ للحبشان دينا وقال نفيل وصاروا يتساقطون على الطريق ويهلكون. وأرسل الله على ابرهة داء فتساقطت أنامله ولم يصل إلى صنعاء إلا وهو مثل الطير فانصدع صدره عن قلبه ومات فيه، قال ابن الزبعرى: سائل امير الجيش عنا ما ترى ... ولسوف ينبي الجاهلين عليمها ستون الفا لم يؤبوا أرضهم ... بل لم يعش بعد الإياب سقيمها وقال أمية بن الصلت: إن آيات ربنا ساطعات ... ما يماري فيهن إلا الكفور حبس الفيل بالمغمس حتى ... ظل يعوي كأنه معقور فلما بلغ هذا عبد المطلب رفع رأسه إلى السماء وقال مخاطبا ربه : أنت منعت الجيش والأفياله ... شكرا وحمدا لك ذا الجلالة هذا وإنه جل شأنه لم يفعل ذلك لنصرة قريش لأنهم كانوا كفارا بل صيانة لبيته المعظم مما عزم عليه ابرهة، وتكريما لنبيه المكرم إذ ولد فيه إذ ذاك فهو

стр. 180

أول خير اتي قريشا منه. هذا وإن المغمس المذكور في شعر أمية آنفا دفن فيه أبو رغال المار ذكره، والمحصب الذي نزل فيه ابرهة دار بين مكة ومنى، عن يمينه غار ثور الذي تخبأ به حضرة الرسول وأبو بكر وقت الهجرة وعن يساره غار حراء الذي نزل أول وحي به، ووقعت حادثة الفيل فيه بعد موت أبي رغال. مطلب رمي الجمار بمنى: ورمي الجمار بمواقع مخصوصة في منى، فكيف تلوك بعض الألسن بما هو خلاف المحسوس، قاتل الله أهل السمعة الذين يريدون أن يعرفوا بالمخالفة على حد خالف تعرف. ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت به هذه السورة في القرآن العظيم هذا. وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلّى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. تفسير سورة الفلق عدد ٢٠- ١١٣ نزلت بمكة بعد سورة الفيل، وهي خمس آيات وثلاث وعشرون كلمة، وأربعة وسبعون حرفا، لا ناسخ ولا منسوخ فيها: «بسم الله الرّحمن الرّحيم» . قال تعالى «قُلْ» يا سيد الرسل إذا أردت أن تحترز مما تخاف وتحذر «أَعُوذُ» التجئ واعتصم «بِرَبِّ الْفَلَقِ ١» الّذي فلق ظلمة العدم بنور الإيجاد، والصبح بنور النهار، لأن الليل ينفلق عنه، قال ابن عباس الفلق سجن أو واد في جهنم تستعيذ منه أهل النار، وفيه إشارة إلى أن القادر على إزالة ظلمة الليل عن العالم بفلق الصبح، قادر على أن يدفع عن المستعيذ به ما يخافه ويخشاه، وخصصه بالتعوذ لأنه وقت دعاء المضطرين وإجابة دعوة الملهوفين «مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ ٢» ومن شر كل ذي شر وخاصة فتنة الدجال ومن النار، وإبليس وأعوانه من الجن والإنس لأنهم شر الخلق وفيه تنبيه على أن الذي فلق ظلمة العدم بنور الإيجاد، قادر على أن يجير المستعيذ به من شر خلقه المضلين والضالين «وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ» هو الليل عند اشتداد ظلمته وقد أمر

стр. 181

بالتعوذ منه لانتشار الآفات فيه، وانعدام الغوث غالبا «إِذا وَقَبَ ٣» اعتكر ظلامه وقيل هو القمر إذا خسف أخرج الترمذي عن عائشة أنها قالت: إن رسول الله نظر إلى القمر فقال لها: استعيذي بالله من شر هذا فإنه الغاسق إذا وقب. والمراد منه، والله أعلم إذا خسف وسقط لأن هذا يكون يوم القيمة وهو جدير بان يتعوذ منه، وهناك أقوال بأنه الحية إذا انقلبت بعد اللسع وغير ذلك، وليست تلك الأقوال بشيء. «وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ» السواحر اللاتي يتفثن «فِي الْعُقَدِ ٤» في الخيط الذي يرقين عليه، والنفث النفخ مع قليل من الريق وقيل بلا ريق، وقيل النفث في العقد إبطال العزائم وآراء الرجال بالحيل استعارة من عقد الحبال لأن حب النساء المتغلغل في قلوب الرجال صيرهن يتصرّفن من رأي إلى رأي ومن عزيمة إلى عزيمة فأمر رسول الله بالتعوذ من كيدهن ومكرهن. قال الإمام الفخر: هذا قول حسن لولا أنه على خلاف رأي أكثر المفسرين «وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ ٥» أظهر حسده وعمل بمقتضاه. مطلب في الحسد والتعاويذ: والحاسد الذي يتمنى زوال نعمة الغير أو يسعى في زوالها، وهو أول ذنب عصي الله فيه في السماء من إبليس، وأول ذنب عصي الله فيه في الأرض من قابل وقصتهما ستأتي، الأولى في الآية ١٠ فما بعدها من سورة الأعراف الآتية وهي مكررة في القرآن كثيرا والثانية في الآية ٢١ من سورة المائدة في ج ٣. واعلم إن دواء المحسود لداء الحاسد هو الصبر لا غير قال: اصبر على مضض الحسود ... فإن صبرك قاتله فالنار تأكل بعضها ... إن لم تجد ما تأكله وهو في الحقيقة اعتراض على الله لأن الحاسد يحسد المحسود على ما أولاه ربه من النعم وحرمه منها، أما الغبطة وهي تمني مثل ما عند الآخر مع بقائها عنده فهي جائزة. روى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار ورجل

стр. 182

آتاه الله مالا فهو ينفق منه آناء الليل وأطراف النهار. والحكم الشرعي أنه يجوز النفخ في الرقى والتعاويذ الشرعية المستحبة بدليل حديث عائشة ﵂ وعن أبيها قالت: كان النبي ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات. وأما التفل فهو منكر. وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال يا محمد اشتكيت؟ قال نعم. قال: بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك. وجاء في حديث آخر، جواز أخذ الأجرة على الرقيا. وقالوا إن العين والحاسد يشتركان في أن كلا منهما تتكيف نفسه وتتوجه نحو من تريد أذاه إلا أن المعاين تتكيف نفسه عند مقابلة المعيون، والحاسد يحصل حسده في الحضور والغيبة وقد مر بحث إصابة العين آخر سورة القلم وكررت كلمة الحسد في الآية ١٠٩ من البقرة والآية ٥٣ من النساء والآية ١٥ من الفتح فقط. هذا، والله أعلم وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا آمين. تفسير سورة الناس عدد ٢١- ١١٤ نزلت بمكة بعد الفلق، وهي ست آيات، وعشرون كلمة، وتسعة وسبعون حرفا. «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» قال تعالى «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١» أي كما أمرناك أن تستعيذ برب الفلق فاستعذ برب الناس وحافظهم مما يضرهم مادة ومعنى، وهو «مَلِكِ النَّاسِ ٢» ومالك أمرهم ومدبر أمورهم وقد وصف جل شأنه نفسه بأنه رب الناس، لأن الرب قد يكون ملكا، وقد لا يكون ملكا، فنبه جل شأنه على أنه ربهم. ثم ان الملك قد يكون إلها وقد لا يكون، فنبه على أنه «إِلهِ النَّاسِ ٣» وأن الإلهية الحقيقية خاصة به، وكرر لفظ الناس لشرفهم على غيرهم من خلقه، وكما ينبغي التعوذ من الناس وأقوالهم وأفعالهم، ينبغي التعوذ أيضا «مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ» الشيطان ومعنى الوسواس والوسوسة الصوت الخفي والهمز، وقد وصفه بقوله «الْخَنَّاسِ ٤» أي الرجاع

стр. 183

لأنه كلما ذكر الله يخنس ويتأخر، ويطلق على المختفي لأنه عند الغفلة ينهض ويوسوس قال سعيد بن جبير: إذا ذكر الإنسان ربه خنس وتأخر وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة ولم تنقل لعدم الوقوف على صحتها، وان كان معناها صحيحا. واعلم أن الوسوسة للانسان من الشيطان تأتيه لقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ) الآية ٢٠٠ من الأعراف الآتية وقال تعالى (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) الآية ٣٥ من الزخرف ج ٢، وبوصفه في قوله تعالى «الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ٥» بإلقاء كلام خفي في قلوبهم يصل مفهومه إليها من غير سماع ولا مانع عقلا في ذلك، لما جاء في الحديث الصحيح أن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم، وأخرج ابن شاهين عن أنس قال سمعت رسول الله يقول: إن للوسواس خطما كخطم الطائر فاذا غفل ابن آدم وضع ذلك المنقار في أذن القلب يوسوس فإن ذكر الله نكص وخنس فلذلك سمى الوسواس الخناس وهو قد يكون «مِنَ الْجِنَّةِ» الأشخاص المتسترين عن أبصار الخلق وهم المعنيون بقوله تعالى (إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ» الآية ٤٦ من سورة الأعراف الآتية «و» يكون من «النَّاسِ ٦» ويفعل فعل الجنّة وأكثر لأن وسوسة الناس بعضهم لبعض مشاهدة بمثابة الناصحين فاذا قبل منه زاد في الوسوسة وإذا كره أمسك عنه وجاءه من طريق آخر قال تعالى (شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً) الآية ١١٣ من الانعام في ج ٢ فقد قدم الأنس على الجن وأمر بالاستعاذة من كليهما قال الإمام الأبوصيري ان بعض الأولياء سأل الله تعالى أن يريه كيف يأتي الشيطان ويوسوس فأراه الله تعالى هيكل الإنسان في صورة بلّور وبين كنفيه شامة سوداء كالعش والوكر فجآء الخنّاس يتجسس من جميع جوانبه وهو في صورة الخنزير له خرطوم كالفيل، فأدخل خرطومه من بين الكتفين من قبل قلبه فوسوس اليه فذكر الله فخنس ورآه، لذلك سمي الخناس لأن نور الذكر ينكصه على عقبه ولهذا السر الإلهي كان

стр. 184

خاتم النبوة في هذا المحل إشارة الى عصمته ﷺ منه. وقال ﷺ أعانني الله عليه فأسلم بالختم وما أسلم قرين آدم فوسوس اليه. هذا على الرواية بأن الفعل فعل ماض، وعلى رواية انه فعل مضارع يكون بمعنى السلامة لا بمعنى الإسلام، تدبر. وكان ﷺ يحتجم من بين الكتفين ويأمر بذلك لتضعيف مادة الشيطان وتضييق مرصده لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم كما مر في الحديث، وقال بعض العارفين أراد برب الناس الأطفال لان معنى الربوبية يدل عليه وبملك الناس الشباب لأنّ لفظ الملك المنبئ عن السياسة يدل عليه، وبإله الناس من الشيوخ لان لفظ الإلهية المنبئ عن العبادة يدل عليه، وبالذي يوسوس إلخ الصالحين لان الشيطان يطمع بإغوائهم وبمن الجنة والناس المفسدين لعطفه على المعوذ منه فهم أكثر من غيرهم لقرب لحوقهم به. اخرج مسلم والترمذي والنسائي ان رسول الله قال أنزلت عليّ الليلة آيات لم أر مثلهن قط: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، وجاء عن عائشة ان رسول الله كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات (الإخلاص، والفلق والناس) وينفث فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيديه رجاء بركتهما، أخرجه مالك في الموطأ وللبخاري ومسلم بمعناه، وروى البخاري ومسلم أن رسول الله كان إذا آوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ المعوذات ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاثا. هذا وما قيل أنه ﷺ سحر من قبل اليهود في المدينة وصار يتعوّذ بهما ولم يزل حتى برىء، فبعيد عن الصحة، لأن هاتين السورتين نزلنا بمكة في أوائل البعثة ولا خلطة له ولا مراجعة مع اليهود حتى يغتاظوا منه فيسحروه وكيف يسحر وهو معصوم بعصمة الله، وقد نفى الله عنه وصفه بالسحر وحماه من السحرة وغيرهم، وعليه فكل ما ورد في هذا لا عبرة به ولا قيمة لناقليه البتة، وما قيل أن المعوذتين نزلتا بالمدينة لا صحة له، لأن القول المعتمد أنهما مكيتان وأن تعوذه بهما استدار للأمر به من سحر وعين وحسد وغيرها له ولأمته الى يوم

стр. 185

القيامة، أما كونه ﷺ سحر في المدينة وصار يتعوذ بهما من السحر فغير صحيح. مطلب في السحر وعدم وقوعه على الأصول: وكل ما نقل في هذا مطعون فيه. والسحر حق لا ينكر وقوعه ولا يجوز نفيه لوروده في القرآن ووروده أنه مما يتعلم وأنه مما يكفر فيه وأنه مما يفرق بين الناس كما سيأتي في سور كثيرة من القرآن، فلا يمكن القول بعدم حقيقة السحر ومذهب أهل السنة والجماعة على ثبوته وأن له حقيقة كغيره من الأشياء الثابتة، ولا يستنكر عقلا لأن الله تعالى يخرق العادة عند النطق بكلام مغلق أو تركيب أجسام أو المزج بين قوى لا يعرفها الا الساحر، فإنه لا فاعل في الحقيقة إلا الله القائل: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) الآية ٩٦ من سورة الصّافات في ج ٢ فما يقع من الساحر عبارة عن عادة أجراها الله على يد من شاء من عباده، وأن كل ما يقع في الوجود بقضاء الله وقدره، والاستشفاء بالرقي والتعوذ من قضاء الله وقدره، يدل على هذا حديث عائشة المتقدم وحديث اسماء الذي ذكرناه آخر سورة القلم المارة وفيه بحث نفيس فراجعه، وما رواه الترمذي عن أبي خزامة عن أبيه قال: سألت رسول الله فقلت يا رسول الله أرأيت رقيا نسترقي بها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال هي من قدر الله. وقال عمر نفر من قدر الله الى قدر الله، وزعم بعض المبتدعة أن ما جاء في حديث عائشة المتفق عليه الذي رواه البخاري ومسلم من أن النبي ﷺ سحر حتى كان يخيل اليه أنه يضع الشيء ولم يضعه إلخ. يحط من منصب النبوة ويشكك فيها وتجويزه يمنع الثقة بالشرع، وهو كذلك فيما يتعلق بالدين فقط لأن الدلائل العقلية والنقلية قامت على صدقه ﷺ وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ والمعجزة شاهدة على ذلك، وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل، أما ما يتعلق بأمور الدنيا مما يعرض للبشر عادة فغير بعيد أنه يخيل اليه حال مرضه من أمور الدنيا مالا حقيقة له، مثل ما يتخيل الإنسان في المنام، إذ أنه ورد في رواية البخاري أنه كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن يبعد أن يتخيل مثل هذا في اليقظة حال المرض من حيث لا حقيقة له ومن قال أنه ﷺ سحر أراد هذا المعنى

стр. 186

لا غير لأن الله نزهه من أن يكون ساحر أو مسحورا فمن أول النّفاثات في سورة الفلق المارة بنيات لبيد بن الأعصم اليهودي وقال أنهن سحرن رسول الله وأن جبريل أخبره بذلك وأن السحر كان على مشاطة منه عقدن عليه أحدى عشرة عقدة ورموها بالبئر، وأن رسول الله حينما نزلت عليه المعوذتان أرسل علينا فأخرج المسحور عليه من تحت صخرة في ذلك البئر وجاء الى حضرة الرسول وقرأ عليه المعوذتين وانه كلما قرأ آية انحلت عقدة لأنها إحدى عشرة آية والعقد إحدى عشرة عقدة إلى آخر ما ذكره المفسرون وجاءت به الأحاديث من كل حدب وصوب، لا اعتماد عليه ولا صحة ولا حقيقة له، إلا أن حضرة الرسول بشر فيصيبه ما يصيب البشر من المرض وغيره ويقع ما يقع منه مثل ما يقع منهم فيما يتعلق بأمور الدنيا، أما بأمور الدين والتبليغ فلا، لأنه معصوم من قبل الله ومحفوظ بحفظه لا يتطرق اليه شيء من ذلك أبدا قال تعالى قل إنما أنا بشر مثلكم الآية ١١١ من الكهف في ج ٢ ومثلها في معناها كثير في القرآن قال القاضي عياض: قد جاء في بعض روايات هذا الحديث (الذي يعتقدون صحته) بنية أن السحر إنما سلط على بدنه وظواهر جوارحه لا على قلبه وعقله واعتقاده وليس في ذلك ما يوجب لبسا في الرسالة ولا طعنا لأهل الزيغ والضلالة، ولو قال ﵀ إن هذا الحديث قالوا بصحته فهو غير صحيح، وإنما اعتمد الجمهور صحته لكونه في الصحيحين، ولعمري ليس كل شيء مما في الصحيحين صحيحا قطعا، فإن فيهما الضعيف والمنكر، وإن البخاري ومسلم رحمهما الله وإن كانا من أحسن الناس نقلا لكنهما نقلا عن أناس قد يطعن فيهم، أو انه دسّ هذا فيما نقلاه، لأننا بعد أن نسمع أن الله عصمه من السحر ومن أن يكون ساحرا وأبطل بحقه سحر السحرة وكيد الفجرة، فكيف يسوغ لنا أن نصدق بأنه سحر، عصمنا الله من ذلك ولهذا البحث صلة في تفسير الآية ٥٩ من سورة طه الآتية فراجعها. هذا، والله أعلم وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى الأصحاب وأتباعهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم.

стр. 187

تفسير سورة الإخلاص عدد ٢٢- ١١٢ نزلت بمكة بعد سورة الناس وهي أربع آيات وخمس عشرة كلمة، وسبعة وأربعون حرفا، لا ناسخ ولا منسوخ فيها. «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» قال تعالى: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ١» أي واحد من حيث العدد بل واحد في الإلهية والربوبية من حيث لا شريك له ولا معين ولا وزير وهو جل شأنه فرد في الكمالية والخالقية، موصوف بصفات العظمة والجلالة، منفرد عن الشريك مبرأ عن الضد والند، منزه عن الشبيه والمثيل والنظير، لا يوصف بالأحدية غيره لأن كلمة أحد من صفاته تعالى استأثر بها نفسه والواحد يدخل في الأحد من غير عكس، ولهذا قال تعالى: إذا أردت يا سيد الرسل أن تنزه ربك الذي اختارك حبيبا، له فقل (هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، روى مسلم عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال إن الله تعالى جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ جزءا من القرآن. وروى أبو هريرة ما بمعناه بلفظ اقرأ عليكم ثلث القرآن أي قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ كما سيأتي وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن رجلا سمع رجلا يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يرددها فلما أصبح جاء الى النبي ﷺ فذكر ذلك له وكأن الرجل يتقللها فقال ﷺ والذي نفسي بيده إنها تعدل ثلث القرآن وذلك أن القرآن أما ارشاد الى معرفة الله أو تقديس أوصافه وأسمائه، أو معرفة أفعاله وسنته مع عباده. ولما اشتملت هذه السورة على التقديس وازنها الرسول بثلث القرآن وسبب نزولها، قال ابن عباس، قالت قريش صف لنا ربك الذي تدعوا اليه فأنزل الله هذه السورة أي أن الذي سألتموني عنه هو الله أحد إلخ «اللَّهُ الصَّمَدُ ٢» الذي يصمد اليه كل مخلوق، الغني عن كل شيء وهو من صفات الكمال، روى البخاري في أفراده عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال الصمد السيد الذي انتهى سؤدده وفي راوية عن ابن عباس السيد الذي كمل فيه جميع أوصاف السؤدد وهو السيد المقصود في جميع الحوائج المرغوب اليه في الرغائب المستعان به عند المصائب وتفريج الكروب. ومعناه لغة هو الذي لا جوف له والشيء

стр. 188

الصمد الصلب الذي ليس فيه رطوبة ولا رخاوة، وهذه من صفات الأجسام تعالى الله عنها، ووجهه على هذا أن الصمد الذي لا يأكل ولا يشرب وهو الغني عن كل شيء فعلى هذا الاعتبار يكون أيضا من صفات الكمال، والقصد من قوله الصمد التنبيه على أنه تعالى بخلاف من أثبتوا، له الإلهية واليه الإشارة بقوله (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ) الآية ٧٥ من سورة المائدة في ج ٣، وقالوا الصمد الذي ليس بأجوف شيئان أحدهما دون الإنسان وأسفل منه وهو سائر الجمادات الصلبة، والثاني أشرف من الإنسان وأعلى وأكمل منه وهو الباري ﷻ ، وقال أبيّ ابن كعب هو الذي «لَمْ يَلِدْ» أحدا «وَلَمْ يُولَدْ» منه أحد، وفيه رد على قول العرب القائلين أن الملائكة بنات الله، وعلى اليهود القائلين أن عزيرا ابن الله وعلى النصارى القائلين ان المسيح ابن الله، راجع تفسير الآية ٢٧ من سورة التوبة في ج ٣ تر تكذيب زعمهم وافترائهم. هذا إذ قالوا، ومن المعلوم أنه إذا لم يكن له ولد ينفى عنه اسم الوالد والصاحبة، لأن الولد يكون منهما أو من أحدهما كآدم وحواء والمسيح، والله تعالى هو الأول الذي لم يتقدمه والد والآخر الذي لا يتفزع عنه ولد ومن كان كذلك صح أن يقال «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ٣» يكافئه في كونه لأن كل ما فيه خلقه ولن يكافيء المخلوق خالقه قال تعالى «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» الآية ١١ من سورة الشورى في ج ٢، ولا يخفى أنه ليس شيء يولد إلا سيموت وليس شيء يموت إلا سيورث والله جل شأنه لا يموت ولا يورث فلا يعوله أو يضاهيه أحد من خلقه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وإني أنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. وقد جاء في فضل هذه السورة وتلاوتها

стр. 189

أحاديث كثيرة أعرضنا عنها لعدم الحاجة ولأن في بعضها مبالغة لم نعتمد صحتها وقد اكتفينا بما ذكرناه مما هو صحيح لاغبار عليه وللشيخ الرئيس أبي الحسين علي بن سينا كراسة لطيفة فسّر بها المعوذتين والإخلاص على طريقة الصوفية أبدع فيها ﵀، وهو في كل فن مبدع فمن أراد الوقوف عليها والتمتع بما فيها من الإبداع الذي تلذّ به الأسماع وينشرح له الصدر، فليراجعها فإني وأمثالي عيال عليه، هذا والله أعلم واستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين إلى يوم الدين. تفسير سورة والنجم عدد ٢٣- ٥٢ نزلت في مكة بعد الإخلاص عدا الآية ٣٢ فإنها نزلت بالمدينة، وهي اثنتان وستون آية، وثلاثمائة وستون كلمة، وألف وأربعمائة وخمسة أحرف، لا يوجد في القرآن سورة مبدوءة ولا مختومة بما بدئت وختمت به. مطلب معنى النجم وأنواع قسم الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. قال تعالى: «وَالنَّجْمِ» خصه أكثر المفسّرين بأنه الثريا لأن العرب تسميها نجما لأنها نجوم مجتمعة سبعة فأكثر على حسب النظر وقوته، وأنّها تطلع وتغرب بمواسم مخصوصة عندهم لأنها تظهر أوائل الشتاء وتغيب أوائل الصيف عند حصاد الزرع، وانهم يتفاءلون بغيابها إذا كان الهواء غربيا وبالعكس إذا كان شرقيا «إِذا هَوى ١» سقط وغاب عن الأبصار، أقسم الله تعالى به لشيء أراده غير ما ذكرناه وهو لا يسأل عما يريد. ويطلق لفظ النجم على الجنس منه فيشمل كل نجم في السماء، وعلى النبات الذي لا ساق له، وعلى القرآن لنزوله نجوما متفرقة، وعلى محمد ﷺ لصعوده السماء ليلة المعراج كالنجم. واعلم أن أقسام الله تعالى تنحصر في ثلاثة أشياء: بذاته المقدسة وبفعله كالسماء والأرض وبمفعوله كالقمر والشمس، وهي إما لفضيلة خاصة كقوله: (وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) أو لمنفعة عامة نحو (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) . والقسم إما ظاهرا كالآيات السبع التي أشرنا إليها في الآية ١٥ من سورة التكوير المارة، وإما مضمرا وهو قسمان قسم دلت

стр. 190

عليه اللام نحو: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ) الآية ١٨٦ من آل عمران في ج ٣، وقسم دل عليه المعنى كقوله تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) الآية ٧١ من سورة مريم الآتية (يا ويلتاه الورود محقق، والخروج مظنون، فلا حول ولا قوة إلا بالله، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) وجواب القسم هنا «ما ضَلَّ» عن الحق ولا زاغ عن الصواب فيما تلاه عليكم من الآيات البينات «صاحِبُكُمْ» محمد بن عبد الله «وَما غَوى» في اتباع الباطل وما جهل قط، لأن الضلال نقيض الهدى والغي ضد الرشد، وهو هاد مهتد راشد مرشد ليس كما تزعمون يا كفار قريش في نسبتكم إياه للضلال والغي والجهل «وَما يَنْطِقُ» قط «عَنِ الْهَوى ٣» من تلقاء نفسه عن لا شيء كلاما «إِنْ هُوَ» الذي يتلوه عليكم «إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ٤» إليه من قبلنا على لسان رسولنا لا من رأيه ولا من قبل الغير «عَلَّمَهُ» إياه ونزل به إليه من لدنا ملك عظيم «شَدِيدُ الْقُوى ٥» هو جبريل ﵇ وقد مرّ شيء من قوته في تفسير الآية ١٩ من سورة التكوير المارة وهو «ذُو مِرَّةٍ» قوّة عظيمة، وبأس شديد، ومنظر حسن، وخلق جميل «فَاسْتَوى ٦» في خلقه على أحسن صورة واعتدل قائما على صورته الحقيقية حينما رآه عبدنا محمد عيانا على غير الصورة التي تمثل بها حين هبوطه بالوحي، إذ كان على صورة دحية الكلبي. مطلب مقر جبريل ومعنى قاب قوسين: ولم يره في صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها غير مرة في الأرض، وهي المشار إليها في سورة التكوير المارّة «وَهُوَ» أي جبريل «بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ٧» الشرقي ومحمد بحراء كما مرّ فيها، ومرة في السماء ليلة المعراج كما سيأتي أول سورة الإسراء الآتية «ثُمَّ دَنا» جبريل من محمد «فَتَدَلَّى ٨» ازداد نزوله فتقرب منه «فَكانَ» جبريل من محمد «قابَ» وقبّ وقيب وقاد وقيس كلها بمعنى المقدار القليل، أي ان مسافة قربه منه «قَوْسَيْنِ» من الأقواس العربية المعروفة عندهم إذ لكل قوس قابان وقاب القوس ما بين وترها ومقبضها «أَوْ أَدْنى ٩» من ذلك وأقرب بحسب تقديركم أيها الناس إذ لا أقرب من هذا عندكم وأما عندنا نحن مولى

стр. 191

الكل وسيذهم فهو أقرب مما تتصوره عقولكم وهو من حيث القلّة (كأف) في زجر الوالدين في الآية ٣٣ من الإسراء الآتية، وفي التحقيق (كأو) في الآية ٤٦ من سورة الصافات في ج ٢، وقد جاء التعدد بالقوس والرمح والذراع والسوط والباع والقدم على حسب لغة العرب واستعمالها، لأن الله خاطبهم بما يفهمون، ومن هذا لا صلاة حتى ترتفع الشمس قدر رمح أو رمحين، ومنه ولقاب قوس أحدكم في الجنة وموضع قدّه أي سوطه خير من الدنيا وما فيها، وفيه اشارة الى ما كانت العرب في الجاهلية تفعله عند مخالفتهم وارادة الصفاء بينهم وتوثيق العهود، فإنهم كانوا يخرجون بقوسين فيلصقانهما حتى يكونا ذا قاب واحد ثم ينتزعونهما ويرمون بكل منها سهما واحدا دلالة على أنهما تظاهرا وتعاقدا وتوافقا على أن يحمي أحدهما الآخر وأن يكون رضى أحدهما وسخطه رضاء الأخر وسخطه قال قل «فَأَوْحى» جبريل ﵇ وأعبد الضمير إليه لأنه أقرب، ولأن سياق الآية يدل عليه وسياق اللفظ يؤيده «إِلى عَبْدِهِ» عبد الله محمد لأن العبودية الحقيقية لا تضاف إلا إليه ولا حاجة لأن يتقدم ذكره لأنه في غاية الظهور ولا لبس فيه مثل قوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) فالضمير فيه يعود للقرآن دون ذكر له لمعلوميته مع أنه لم يسبق له ذكر، وكذلك قوله تعالى (ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ) الآية ٦٢ من سورة النحل في ج ٢، فالضمير يعود إلى الأرض في كلمة ظهرها ولم يسبق لها ذكر للعلة نفسها، ولهذا البحث صلة في تفسير الآية ٣٢ من سورة ص الآتية فراجعه «ما أَوْحى ١» الله إليه أي إلى جبريل فأوحاه جبريل إلى محمد ﷺ بنصه حرفيا، وقد أبهم الموحي به للتفخيم على حد قوله تعالى (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ) الآية ٧٨ من سورة طه الآتية فراجعا، أي شيء عظيم جليل خطير أوحاه الله إليه، ومن المفسرين من أعاد الضمير في أوحى إلى الله وأعاد ضمير دنا فتدلى كذلك وأعاد ضمير عبده إلى محمد وهذا لا يتأتى إلا على القول من أن الإسراء وقع بعد مبعثه ﷺ بخمس سنين أي زمن نزول هذه السورة، وهو قول الزّهري ويعضده قول ابن اسحق، ويؤيده ما جاء في الفتاوى بأنه سنة خمس أو ست من النبوة، أما القول بأنه وقع بعد مبعثه بخمسة عشر شهرا فلا يكاد يعقل فضلا عن عدم وجود ما يؤيده من راو

стр. 192

أو رواية، وأضعف منه قول شريك بأنه وقع قبل أن يوحى اليه، وهذا كله لا ينطبق على ما نحن فيه وقال الحريّ انه قبل الهجرة بسنة، ويقرب من قوله قول النووي انه بعد النبوة بعشر سنين وثلاثة أشهر، وجزم الملا أمين العمري في شرح ذات الشفاء بأنه في السنة الثانية عشرة من البعثة، وادعى ابن حزم الإجماع عليه، وضعف ما في الفتاوى، وكأنهم يريدون بهذا زمن نزول سورة الإسراء، وعليه يقتضي أن يكون نزول هذه السورة بعد سورة الإسراء ولم يقل به أحد، والقول بنزولها قبلها لم يعارض فيه أحد، والمعارضة في نزولها بين سنة خمس أو ست فقط ورجح الأول لأن قول الثاني هو من باب التداخل في عدد السنين ليس إلا والله أعلم، فيظهر من هذا كله أن القول الموافق للحال والمطابق لترتيب نزول السورتين هو قول الزهري وعليه فتكون سورة الإسراء اخبارا عنها. مطلب زمن الإسراء والمعراج والرؤية: واني رغم تتبعي وسؤالي أهل العلم لم أقف على غير هذا، وسأتابع البحث فيه والسؤال عنه حتى إذا وقفت على غيره ذكرته إن شاء الله القائل «ما كَذَبَ الْفُؤادُ» أي قلب الموحى اليه محمد ﷺ «ما رَأى ١١» بعينه وبصره من جبريل أو ما رأى ليلة المعراج من عجائب مكونات ربه وذاته المقدسة «أَفَتُمارُونَهُ» تجادلونه يا كفار قريش، وقرىء أفتمرونه أي تغلبونه أو تجحدونه كما قرىء كذّب بالتشديد «عَلى ما يَرى ١٢» ويعاين من صورة جبريل الحقيقة التي ذكرها لكم أو مما قصه عليكم في ما شاهده في الإسراء والمعراج من العجائب وذلك أنه لما أخبرهم بإسرائه وقالوا له صف لنا بيت المقدس وأخبرنا عن عيرنا فوصفه لهم وأخبرهم عن عيرهم وثبت لهم صدقه ومع هذا كذبوه كما سيأتي أول الإسراء الآتية «وَلَقَدْ رَآهُ» رأى محمد جبريل «نَزْلَةً أُخْرى ١٣» مرة ثانية في صورته الحقيقية حال بلوغه «عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ١٤» الكائنة في السماء السابعة وهي شجرة نبق عن يمين العرش التي ينتهي عندها كل أحد ولا يتجاوزها أحد من الملائكة أو رأى ربه «عِنْدَها أي السدرة التي ت (١٣)

стр. 193

بقربها «جَنَّةُ الْمَأْوى ١٥» التي تأوى إليها أرواح الشهداء في الدنيا والمتقون أجمع في الآخرة «إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ١٦» من تكبير وتعظيم وتهليل وتمجيد من الخلائق المختلفة الدالة على عظمة الخالق مما لا يحيط به الوصف ولا تسعه الأذهان ويعجز عنه النطق به كل لسان «ما زاغَ الْبَصَرُ» من محمد ولا حال عن رؤية ومشاهدة العجائب التي أبدعها المبدع وأمر رسوله برؤيتها حينما عرضها عليه ومكنه من رؤيتها في تلك الحضرة المقدسة لا يمينا ولا شمالا وهو غاية في أدبه ﷺ في ذلك المقام الجليل إذ لم يلتفت اليه وهذا يؤيد كون الذي يغشى السدرة هو نور رب العزة لا الملائكة ولا الفراش الذهبي ولا أنواع المخلوقات وان نظر الرسول ما حال دون رؤية ربه بصعقة أو غشية كما حصل لموسي وابراهيم عليهما وعليه أفضل الصلاة السلام. وقد ثبت في ذلك المقام الذي تحار به العقول وتزل به الأقدام وتشخص فيه الابصار، ولهذا فقد وصفه ربه بالقوة والسكينة في ذلك المقام بقوله جل قوله «ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ١٧» أي ما جاوز بصره غير ما أمر بالنظر اليه وهو المعنى بقوله مقسما «لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى ١٨» التي هي أكبر آية وأعظمها وأجلها وهي رؤية ذاته المقدسة التي لا يضاهيها آية وتصغر دونها كل آية قال الأبوصيري: أرآى من الآيات أكبر آية ... ما زاغ حاشا أن يزيغ المبرأ قال ابن عباس ﵄ رآه بفؤاده وقال الحسن وأنس وعكرمة رآه بعينه حقيقة وسنذكر ما جاء في الأحاديث الواردة بالرؤية القلبية والعينية هنا وما جاء في حق جبريل أيضا، روي عن مسروق أنه قال قلت لعائشة يا أماه هل رأى محمد ربه؟ فقالت لقد قفّ شعري (أي قام من الفزع مثل اقشعر جلدي واشمأزت نفسي عند سماع مالا ينبغي) مما قلت أين أنت من ثلاث من حدثكهن بها فقد كذب، من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت لا تدركه الأبصار الآية ١٠٢ من الانعام في ج ٢ وقرأت (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ) الآية ٥٦ من سورة الشورى في ج ٢ أيضا، ومن

стр. 194

حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب وقرأت (وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً) الآية الأخرى من سورة لقمان ٢٤ ومن حدثك أنه كتم أمرا فقد كذب ثم قرأت (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) الآية ٧٠ من المائدة في ج ٣ ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين أخرجاه في الصحيحين، وروى مسروق بن الأجدع قال قلت لعائشة فأين قوله (ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ) إلخ قالت ذلك جبريل كان يأتيه في صورة الرجل وأنه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته فسدّ الأفق، أخرجاه في الصحيحين. وروى مسلم عن ابي هريرة ولقد رآه نزلة أخرى قال رأى جبريل، وروى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال لقد رأى من آيات ربه الكبرى، قال رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح، وفي رواية مسلم عن مسروق قال كنت متكئا عند عائشة فقالت يا أبا عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية قلت ماهن قالت من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، فجئت فقلت يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني، ألم يقل الله تعالى (وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ) الآية ٤٣ من سورة التكوير، المارة (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى) الآية المارة؟ فقالت انها أول هذه الآية سئل عن ذلك رسول الله ﷺ فقال إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض، الحديث. وروى مسلم عن أبي ذر قال سألت رسول الله هل رأيت ربك؟ قال نور أنى أراه! وفي رواية نورانيّ أراه.، بفتح الراء وكسر النون وتشديد الياء. وروى البخاري عن عبد الله بن مسعود قال لقد رأى من آيات ربه الكبرى الآية قال لقد رأى رفرفا أخضر سدّ أفق السماء. وجاء في الصحيحين من حديث المعراج عن شريك ابن عبد الله بن ابي بحر عن أنس (ودَنا الجبار ذي العزّة فَتَدَلَّى حتى كان قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى) وهي رواية أبي سلمة عن ابن عباس، وروى مسلم عن ابن عباس (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى) (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى) الآيتين قال رآه بفؤاده مرتين. وأخرج أحمد عن ابن عباس انه قال: قال رسول الله رأيت ربي، ذكره

стр. 195

محمد الصالحي الشامي في الآيات البينات وصححه وهو تلميذ الحافظ السيوطي. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال إن محمدا ﷺ رأى ربه مرتين، مرة ببصره ومرة بفؤاده. وجاء عن ابن عباس أتعجبون ان تكون الخلّة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد؟! وعن عكرمة قال سئل ابن عباس هل رأى محمد ربه، قال نعم، وكان الحسن يحلف بأن محمدا رأى ربه. هذا وقد بلغت الرؤية حد الإجماع، وكلام ابن عباس لا يكون إلا بالسماع من رسول الله ولا يشك فيه أحد، كيف لا وهو خير الأئمة وعالمها المرجوع اليه في المعضلات وقد راجعه ابن عمر فأخبره أنه رآه، وهذا إثبات والإثبات مقدم على النفي، على أن عائشة ﵂ لم تقله عن رسول الله وإنما قالته متأولة الآيات التي ذكرتها من قوله تعالى (وَما كانَ لِبَشَرٍ) و (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) والصحابي إذا خالفه مثله لا يكون قوله حجة ولو كان معها شيء عن رسول الله لذكرته فضلا عن انها عند نزول هذه السورة وسورة الاسراء كانت صغيرة دون سن التمييز، وليست هي بأعلم من ابن عباس، على أن الإدراك الوارد بالآية معناه الإحاطة والله تعالى لا يحيط بعلمه أحد ولا يحاط به، وإذا ورد النفي بنفي الإحاطة لا يلزم نفي الرؤية بغير إحاطة، والله تعالى يرى بلا كيفية ولا احاطة فلو كانت الرؤية غير جائزة لما طلبها موسى، أو يلزم مع الرؤية وجود الكلام ليصح الاحتجاج بآية (وَما كانَ لِبَشَرٍ) بل تجرز من غير كلام، فارتفع الاحتجاج بها على أن ما من عموم إلا وخصّ منه البعض، فيمكن أن يقال: نفي الرؤية عام في حق البشر في الدنيا مخصوص بسيدنا محمد ﵇ فيها ثابت بما تقدم من الأدلة، ولهذا فإن ثبوت الرؤية لسيدنا محمد ثابتة قاله كعب واحمد ابن حنبل وابو الحسن الأشعري وجعفر بن محمد ومحمد بن كعب والقاضي عياض والشيخ محي الدين النووي وغيرهم من أكابر السلف والخلف فمن أنكرها فجزاؤه حرمانها واعلم أن في جملة ما زاغ البصر إلخ أخبار من الله تعالى عن حسن أدبه ﷺ لدى الحضرة الإلهية وعن اعتدال قلبه المقدس في الإقبال اليه بكلية والإعراض عن سواه وعدم الالتفات إلى ما في

стр. 196

السموات والأرض وما فيهما، وتركه وراء ظهره، وفيه دلالة على أنه كان معتدل القوى لم تشغله حاسة عن حاسة حال تلقى ما ورد عليه من مقام الروح والقلب المشير اليه قوله (قابَ قَوْسَيْنِ) لذلك كان ثابتا في مقام تجلي الإله صارفا قواه العشرة لما يرد عليه من تلك الحضرة مستظلا بهيبته فلم يتخلف بصره عن بصيرته بل استقام معها حالة التجلي لئلا يتجاوز حده بالسبق لها كما أن البراق لم يتجاوز حافره غاية نظره ﷺ حالة السير به من مكة إلى البيت المقدس، وهذه غاية في الأدب ونهاية في التأدب قال تعالى «أَفَرَأَيْتُمُ» أعلمتم «اللَّاتَ وَالْعُزَّى ١٩ وَمَناةَ» أسماء أصنام انتقوها من أسماء الله، الآله والعزيز والمنان وقيل انها في الأصل اللآت مأخوذة من لوى لأنهم يلوون عليها بعبادتهم وهي صنم من الحجارة يشبه الإنسان ولذلك قال بعضهم انه كان رجلا يلت السويق للحجاج وكان صنما لثقيف، والعزى تأنيث الأعز شجرة كانت لغطفان فقطعها خالد بن الوليد بأمر النبي ﷺ وقال عند قطعها مرتجزا. يا عز كفرانك لا سبحانك ... اني رأيت الله قد أهانك ومناة كانت صنما في مكة أو بقديد لخزاعة وهذيل وقيل لثقيف، وكانوا يستمطرون عندها تبركا بها، وقيل بيت بالمشلل تعبده بنو كعب وسميت مناة لأن دماء النسائك تمنى عندها، وهي عبارة عن صخرة يعظمونها فعاب الله عليهم ذلك على طريق الاستفهام توبيخا وتقريعا، أي أخبرونا عن هذه الأشياء التي تعبدونها هل لها من القدرة والعظمة شيء وكانوا يسمونها والملائكة بنات الله ويزعمون أنها تشفع لهم مع ما هم عليه من وأد البنات واستحلال المحرمات والكفر ثم وصف مناة بقوله: «الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ٢٠» المتأخرة أو أن في الكلام تقديما وتأخيرا أي أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة، ثمّ أنكر عليهم ما ينسبونه اليه تعالى عنه «ألكم» أيها الكفرة «الذَّكَرُ» تختصون به «وَلَهُ» جل شأنه «الْأُنْثى ٢١» مع أنكم تكرهونها قال تعالى (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ) الآية ٥٩، وقوله وإذا بشر أحدهم بالأنثى إلخ الآية ٦٣ من سورة النحل في ج ٢

стр. 197

«تِلْكَ» القسمة التي قسمتموها بينكم وبين ربكم «إِذاً» بعد اختياركم الأحسن «قِسْمَةٌ ضِيزى ٢٢» عوجاء جائرة لم ترضوها لأنفسكم فكيف ترضونها لربكم «إِنْ هِيَ» ما الأصنام المذكورة بشيء البتة «إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ» عفوا من تلقاه أنفسكم ودعيتموها آلهة افتراء على الله وهي ليست بشيء يستحق الذكر «ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ» حجة أو برهان بما تزعمون من آلهيتها «إِنْ» ما «يَتَّبِعُونَ» في ذلك الاتخاذ «إِلَّا الظَّنَّ» والوهم الذي لا حقيقة له «و» ما يتبعون في ذلك الا «ما تَهْوَى الْأَنْفُسُ» وتزينه لهم وتشهيهم بعبادة الأوثان وأتباع الشيطان «وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى ٢٣» بكتابه المنزل على رسوله بأن الأصنام ليست بآلهة ولا أهلا للعبادة وأن العبادة لا تكون الا الله الذي يخذل من يعبد غيره، ويقهر من يكذب آياته فلم يرتدعوا ولم ينتهوا عن ذلك، قال تعالى منّددا صنيعهم ذلك بقوله «أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى ٢٤» استفهام على طريق الإنكار أي أيظن الكافر ان له ما يتمناه ويشتهيه من كل ما يصوره عقله، كلا ليس له ذلك بل لا يكون الا ما يريده الله «فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى ٢٥» كليهما وما فيهما ولا يقع فيهما إلا ما يشاء الله ليس لأحد فيها دخل ولا شيء البتة، ثم قال ردا على ما يزعمون من شفاعته أصنامهم «وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً» لأحد ما لأنهم لا يشفعون «إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ» الشفاعة له ومن يؤهله للتشفع «وَيَرْضى ٢٦» له أن يكون شافعا فكيف إذن تشفع أصنامهم لهم وهم ليسوا بشيء «إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ» ويجحدون كونها ووجودها «لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى ٢٧» بقولهم أنهم بنات الله ولم يقل تسمية الإناث لأن المراد الجنس وهو أليق لمناسبة رؤس الآي وما يسمونه بالروى في النظم «وَما لَهُمْ بِهِ» أي الذين يقولونه «مِنْ عِلْمٍ» يحتجون به في تلك التسمية والعبادة «إِنْ» ما «يَتَّبِعُونَ» في عبادتهم وتسميتهم «إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ٢٨» أبدا لأنه ناشىء عن التقليد والوهم والتخمين، والشيء

стр. 198

لا تدرك حقيقته إلا باليقين، فاذا كان هذا مبلغ علمم «فَأَعْرِضْ» أترك يا حبيبي وصدّ «عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا» الذي أنزلناه عليك لانهم أعرضوا عنه وتولوا عن الايمان به «وَلَمْ يُرِدْ» كل منهم «إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ٢٩» لإنها بغيتهم ولا همّ لهم بالآخرة لانهم لم يؤمنوا بها «ذلِكَ» ظنهم واختيارهم هو «مَبْلَغُهُمْ» وغاية مطلبهم ونهاية ما توصلت اليه عقولهم «مِنَ الْعِلْمِ» الذي لا يحيط ببعضه عقلاؤهم لقلة إدراكهم وشدة توغلهم في الدنيا «إِنَّ رَبَّكَ» يا سيد الرسل «هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ» السوي وطريقه المستقيم الذي يجب أن يسلك دون غيره من السبل المضلة «وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى ٣٠» اليه فيجازى كلا بعمله «وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ» وما بينهما وما فيهما وما تحتهما وفوقهما ملكا وعبيدا. وهذه الجملة معترضة بين ما قبلها وبين قوله «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا» من السوء «وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ٣١» أي الجزاء الحسن وفي الجنة أيضا لقاء عملهم الحسن، لأن الله تعالى لم يخلق الجنة والنار إلا ليكافيء المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. مطلب الآية المدنية ومعنى الكبائر والصغائر: وهذه الآية المدنية المستثناة في هذه السورة قال تعالى «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ» منها المستوجبة للحد الشرعي (إلا اللّمم) صغائر الذنوب، وهذا استثناء منطقع، لأن اللّمم ليس من الكبائر والفواحش، فهو كالقبلة والنظرة والغمزة والشتم بغير اذن وما ضاهى ذلك، وسبب نزولها قول المشركين ان المسلمين بالأمس كانوا يعملون ما نعمل والآن يعيبوننا به. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال ما رأيت أشبه باللمم مما قال ابو هريرة عن النبي ﷺ قال إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي والفرج، يصدق ذلك أو يكذبه. ولمسلم قال كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل

стр. 199

زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه. فهذه الأولى كلها لمم، والأخير من الكبائر والفواحش، فالكبيرة كل شيء نهى الله ورسوله عنه أو أوعد عليه بنار أو غضب أو عذاب أو عقاب أو لعنة أو حد، والصغيرة كل ما لم يذكر الله ورسوله عليه حدّا في الدنيا أو عذابا في الآخرة فيدخل في الكبائر، من غيّر معالم الأرض ومن تزوج امرأة للتحليل، والواشمة والموشومة وكل ما اقترن بلعن من حضرة الرسول كمن أمسك امرأة محصنة ليزني بها غيره، أو قادها للزنى أو أمسك مسلما لمن يقتله، ومن دل الكفار على عورة المسلمين وفضح لهم عددهم وعددهم ومن كذب على إنسان كذبة أدت إلى قتله أو تعطيل عضو منه أو تعذيبه، لأن حد الكبيرة كل شيء كبر وعظم مما يعد ذنبا وكان فعله قصدا، فدلالة المسلم الكفار على مواقع المسلمين مع علمه أنهم سيستأصلونهم أعظم من الفرار عند الزحف، والكذب الموجب للقتل وأخذ المرأة للزنا والمسلم للقتل اكبر من أكل الربى وأكل مال اليتيم وشرب الخمر المعدودة من الكبائر المترتب عليها حد شرعي، وليعلم أن اكبر الكبائر الشرك بالله ثم القتل بغير حق ثم الزنا واللواط ثم شهادة الزور ثم السحر ثم قذف المحصنات ثم عقوق الوالدين، إذ عدها رسول الله من الموبقات أي المهلكات ثم كل ما يدخل تحت الحد وما اقترن باللعن إلخ ما تقدم، والصغيرة ما سوى ذلك على أنها إذا فعلت تهاونا واستخفافا أو اعتيد على ارتكابها جرأة تنقلب كبيرة، ولهذا أبلغوا عدد الكبائر إلى سبعين وبعضهم إلى سبعمائة كما في كتاب الزواجر المستقصى لأنواعها فراجعه، وعلى هذا إذا لم تقترن الفعلة بشيء مما ذكر من الوعيد وغيره وما يقع من فلتات اللسان وشهوات النفس في غير ما نصّ عليه وما ينشيء من فترة مراقبة التقوى فليس من الكبائر بل من الصغائر وهي أقرب للمغفرة ويوشك أن يكفرها الصوم والصلاة والصدقة، وقد يغفرها الله عفوا نكرما منه ويكاد أن يجعلها حسنات إذا اقترنت بالندم والاستغفار راجع الآية ٧١ من سورة الفرقان الآتية وكذلك الكبائر إذا أعقبها بتوبة خالصة وعمل صالح من صوم أو صلاة أو صدقة فيوشك أن يقلبها الله له صغائر ويغفرها

стр. 200

أما ما يتعلق فيه حق الغير من الكبائر والصغائر فلا بد من إرجاع ما أخذ لأهله وإرضائه واستعفائه، وإن لم يقدر على شيء من ذلك فيعود إلى مشيئة الله ويسعها قوله «إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ» لمن تاب وأتاب وحسنت نيته وقد يغفر بدون شيء من ذلك لمن شاء عدا الشرك راجع الآية ٤٨ من سورة النساء في ج ٣ وإذا أراد أن يطمئن على نفسه من عذاب الله وقبول توبته فليجتهد برد المظالم لأهلها أو ورثتهم أو يتصدق بها على الفقراء وينوي ثوابها إليهم، هذا والله تعالى «هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ» أيها المؤمنون وأعلم بما تفعلونه قبل خلقكم «إِذْ أَنْشَأَكُمْ» براكم من النطفة وخلق أباكم آدم «مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ» أي وهو أعلم بأحوالكم حالة كونكم «أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ» وما أنتم صائرون اليه بعد فاعملوا خيرا لدينكم ودنياكم وآخرتكم «فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ» وتمدحوها بالطهارة من الذنوب فانه يعلم كل نفس وما هي صائرة اليه وما تصنعه في الدنيا وما تناله في الآخرة، فلا تفضلوا أنفسكم على غيركم في الحالة التي أنتم فيها لأنكم لا تعلمون العاقبة والله وحده «هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى ٣٢» منكم ومن أذنب فأكتفوا بعلمه عن علم الناس وجزائه عن جزائهم وثنائه عن ثنائهم. روى البخاري ومسلم عن خارجة بن زمعة بن ثابت أن أم العلاء امرأة من الأنصار كانت بايعت النبي ﷺ وأخبرته أنه اقتسم المهاجرون قرعة قالت فطار لنا ابن صفعون فأنزلناه في أبياتنا فوجع وجعه الذي توفي فيه فلما توفي غسل وكفن في أثوابه وصلى عليه رسول الله، فقلت رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك قد أكرمك الله فقال ﷺ : وما يدريك أن الله أكرمه؟ فقلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله فمن يكرمه الله؟ فقال ﷺ : أما هو فقد جاءه اليقين والله اني لارجو له الخير، والله لا أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي. قالت فو الله لا أزكى بعده أحدا قالت: ورأيت لعثمان في النوم عينا تجري، فجئت رسول الله فذكرت له ذلك، فقال: ذلك عمله وهذه الآية نزلت في أناس من المدينة يعملون أعمالا حسنة ثم يتبرمون بها، وهي عامة في كل من يتصف بذلك، هذا وقد سبق أن بينا أن الآيات

стр. 201

المستثناة من السور إذا طويتها وقرأت ما بعدها تبعا لما قبلها يستقيم المعنى والنظم وهذه كذلك، إلا أنه لا يجوز بوجه من الوجوه إسقاط حرف واحد من القرآن أو تغيره عن محله، حتى ان العلماء كرّهت ان يقرأ المصلي آية أو سورة ثم يترك التي تليها ويقرأ ما بعدها، كما كرهوا أن يقرأ القرآن على عكس ترتيبه قال تعالى: «أَفَرَأَيْتَ» يا أكمل الرسل هذا «الَّذِي تَوَلَّى ٣٣» عن الإيمان وعاد الى الكفر «وَأَعْطى قَلِيلًا» مما تعهد به الى من أغواه «وَأَكْدى ٣٤» قطع عطاءه وبخل بما وعد به وأصل الكدي من الكدية وهي حجر يظهر في البئر فيمنع من الحفر، نزلت هذه الآية في الوليد بن المغيرة كان اتبع حضرة الرسول فعيره المشركون بقوله تركت دين الأشياخ وضللت قال أني خشيت الله وعذابه قال فأنا أضمن لك إن أعطيتني كذا من المال ورجعت الى دين آبائك فأتحمل عنك عذاب الله فرجع الوليد الى الشرك واعطى الذي عيره وتعهد له بعض الذي ضمنه له من المال ومنعه الباقي ثم وبخه الله بقوله «أَعِنْدَهُ» اي هذا الذي تولى «عِلْمُ الْغَيْبِ» بأن صاحبه يتحمل عنه ما يخافه من عذاب الله يوم القيامة «فَهُوَ يَرى ٣٥» ما خفى عنه وهل يبصر شيئا من الغيب «أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ» بخبر «بِما فِي صُحُفِ مُوسى ٣٦» أسفاره وتوراته «وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ٣٧» ما أمره به ربه من تبليغ الرسالة وبما فرض عليه فيها من التكاليف التي منها امتثاله الأمر بذبح ولده، قال عطاء بن السائب: عهد ابراهيم على نفسه ان لا يسأل أحدا غير الله فلما قذف في النار قال له جبريل ألك حاجة، قال أما إليك فلا، وفاء بعهده فأنجاه الله ثم أخبر الله عما في صحفهما فقال: «أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ٣٨» اي لا تحمل نفس غير ذنبها كما لا تعاقب الا عليه راجع تفسير الآية ١٩ من سورة الأعلى المارة والمعنى لم يبلغه ذلك قبلا إذا كان لم يبلغه شيء من هذا المعنى الآن قال ابن عباس: كانوا قبل ابراهيم يأخذون الرجل بذنب غيره فيقتلونه بأبيه وأخيه وامرأته وعبده وتعلقاته كما يفعل اعراب البادية الآن إذ جرت عادتهم أن يقتلوا الرجل أو أن يسلبوه بقتل او سلب أحد من أقاربه وكانت الجاهلية

стр. 202

قبل الإسلام تفعل هذا فما يقع الآن منه فهو من بقايا عوائدهم القبيحة فلا حول ولا قوة الا بالله، فنهاهم الله عن ذلك وبلغهم أمره بأن لا تؤاخذ نفس بدل نفس. مطلب ما هو موافق من شرع من قبلنا لشرعنا وما هو مخالف، وعوائد الجاهلية: وعلى هذا شرعنا الذي جاء به رسولنا وهو موافق لشرع جده ابراهيم ومؤيد له وقد مضى على نزول هذه الآية خمس وخمسون سنة وثلاثمائة والف وهي تتلى عليهم ليل نهار ولم يرتدع أولئك الأعراب عن هذه العادة الخبيثة وكان في صحفهما ايضا ما ذكره الله بقوله: «وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ٣٩» اي لا يثاب الإنسان بعمل غيره له كما لا يعاقب ولا يضاعف له الأجر كأنه محمد بل يعطي له أجره بحسب عمله فقط. وهذا مخالف لشريعتنا التي جاءنا بها محمد ﷺ إذ يضاعف لنا الأجر من واحد الى سبعمائة الى ما شاء الله وان سعى الغير لها ينفعها، قال تعالى (مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) الآية ٧٤ من الفرقان الآتية وقال (وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ) الآية ٨٧ من سورة الأنعام من ج ٢، وقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) الآية ٢٠ من سورة الطور والآية ٩ من سورة المؤمن من ج ٢ أيضا، ولهذا البحث صلة في تفسير الآية، ٢ من سورة الرعد في ج ٣، ومن هنا تعلم أن الله تعالى أدخل الأنبياء الجنة بعمل آبائهم الصالحين يؤيده ما ورد عن ابن عباس أن رجلا قال لرسول الله ان أمي توفيت أينفعها ان تصدقت عليها قال نعم. وفي رواية ان سعد ابن عبادة أخا بني سعد وذكر نحوه، وأخرجه البخاري وفي هذا البحث أحاديث كثيرة صحيحة سنأتي بها هناك، وما قيل إن هذه الآية منسوخة بالأحاديث المذكورة أعلاه لا وجه له لان الحديث لا ينسخ القرآن كما بيناه في بحث الشيخ في المقدمة وكما سيأتي في تفسير الآية ١٠ من البقرة من ج ٣ ولأن هذه الآية مما قصه الله علينا من شرع من قبلنا وكل ما شرع للأنبياء أن كان موافقا لشرعنا قبلناه، وإلا فنعمل بما هو لدينا، لأن ذلك من خصائصهم والمقدم لا يسري حكمه على المؤخر قال تعالى «وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ٤٠» يعرض عليه في الآخرة ويوضع

стр. 203

في ميزانه وفي هذه الآية بشارة بأن الله تعالى يري المؤمن أعماله الصالحة ليفرح بها والكافر أعماله الطالحة ليحزن «ثُمَّ يُجْزاهُ» أي يجزى الإنسان بفعله «الْجَزاءَ الْأَوْفى ٤١» الأتم الأكمل ان خيرا فخير كثير وان شرا فشر مثله، راجع الآية ١٦٠ من سورة الانعام من ج ٢ «وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ٤٢» المرجع والمصير بعد هذه الدنيا إذ ينتهي كل شيء يوم القيامة اليه لا لأحد غيره، كما أن الأفكار لا تزال تسير في بدء حقائق الأمور وما هيأتها فتنتقل من بحث إلى بحث ومن برزخ إلى برزخ حتى إذا وصلت الى الله انتهت ووقفت وتعطل سيرها في بحر غيبه، لأن الغيب ما غاب عن الناس وتفرد به ربهم إذ لا غيب عليه، ومن قال ان الله لا يعلم الغيب أراد هذا المعنى يعني لا غيب عليه لأن كل شيء عنده معلوم، غير. أنه لا ينبغي أن يقال لما فيه من نسبة النفي عليه تعالى وتنزه عنه، حتى ان الإمام الرباني لما عرضت عليه هذه المسألة اغتاظ جدا لما فيها من النقص عليه، تنزه عنه، وعليه فإن من يقدم على هكذا أسئلة فإنه في غاية من الفتنة ونهاية من الجهل، وأفظع من هذا من يقول ان الله لا يقدر على أن يخرجني من ملكه في معرض سماعه ان الله على كل شيء قدير، لأنه وإن كان من حيث المعنى صحيح لأنه أينما قذفته فهو في ملكه، إلا أنه لا يقال لما في ظاهره من إيقاع الشك للجاهل، تدبر، وإياك أن تقدم على مثله. مطلب في الغيب وأنه قسمان: واعلم أن الغيب قسمان غيب حقيقي لا يعلمه إلا الله، وغيب اضافي قد يعلمه بعض الخلق بأسباب تختلف باختلاف الاستعداد الفطري والعمل الكسبي، ومن أظهره الله على بعض الغيب الحقيقي من رسله فليس لهم كسب فيه لأنه من خصائص النبوة، والنبوة غير مكتسبة لأحد ولو رقى في العلم أعلى رتبة، راجع ص ٤٢١ إلى ص ٤٦٩ من الجزء السابع وص ٥١٣ من الجزء التاسع في تفسير الأستاذ محمد رشيد رضا المنسوب إلى الإمام محمد عبده. هذا ومن دون الأنبياء خواص قد أوتوا نصيبا من الإشراف على العالم باكتشاف للحجاب وإدراك ما بشيء من تلك

стр. 204

الأنوار قال ﷺ لو كشف الحجاب وفي رواية الغطاء ما ازددت يقينا، وذلك لأن الله تعالى شرح صدره فكان على نور من ربه بلغ به مقام الاطمئنان، ووقع لمن دونه في العرفان، رواية النور العيني عيانا ورأوا الملائكة، عدا أن جبريل كانت رؤيته في صورة دحية الكلبي ووقع لمن دون الآخرين ممن لهم سلامة فطرة أو معالجة النفس بالرياضة، أو طروء مرض يصرف قوى النفس عن الاهتمام بشهوات الجسد، أو من سلطان إرادة قوية على إرادة ضعيفة تصرفها عن حسها وتوجه قواها النفسية إلى ما شاءت أن تدركه لقوتها الخاصة بها، فقد يكون لبعض هؤلاء في بعض الأحوال من قوّة الروح ما يلمحون به بعض الأشياء أو الأشخاص البعيدة عنهم. وتتمثل لهم بعض الأمور قبل وقوعها في عالم الشهادة، فترتسم بخيالهم فيخبرون بها فنقع كما أخبروا، وقد ثبت هذا وذاك عند بعض الماديين في هذا الزمن مما يسمونه قراءة الأفكار، أو مراسلتها، ومن هذا ما ذكرت جريدة المقطّم في ١ صفر سنة ١٣٥٤ (الموافق مايو سنة ١٩٣٥) عن العرافة (مدام ترفران ليلى) أنّها قالت للوزراء والملوك والرؤساء بأنه سيقتل رئيس جمهورية فرنسا. ويعود كارول ملك رومانيا المنفي إلى بلاده، ويصير أحمد زوغو ملكا على ألبانيا، وبصير انقلاب في ألمانيا، ثم وقع ما قالت على علم من قبل الملأ. هذا وإن الأمور التي تكون على غير السنن المعروفة، والعادات المألوفة الخارقة للعادة، نقلتها جميع الأمم في كل العصور نقلا متواترا جنسا لا نوعا. فهذه ليست كلها خوارق حقيقية لأن منها ماله أسباب مجهولة، ومنها ما هو صناعي بتعليم خاص، ومنها ما هو من خصائص قوى النفس في توجهها لمطالبها. وفي تأثير قوى الإرادة على ضعيفها، ويدخل فيها المكاشفة والتنويم المغناطيسي وشفاء بعض المرضى بالأمراض العصبية التي يؤثر فيها الإعتقاد والوهم وبعض أنواع العمى والفالج. ومنه انخداع البصر بالتخيل الذي يحذقه المشعوذون، ومن هذا سحرة فرعون. ومنه انخداع السمع لمن يدعى استخدام الجن ويسمع الناس أصواتا غريبة، أو يتكلمون في بطونهم. فيظن الناس أنه صوت الجن، وقد انفضح كثير من أمثال هؤلاء بالاطلاع على حيلهم، فهذا كله لا يوثق

стр. 205

به، لأنهم لو كانوا صادقين لتنافس فيهم الملوك، ولما كانوا سائلين، راجع المجلد ٢ و ٦ من المنار تجد ما تتبعته وتبتغيه. واعلم أن الذين يخضعون لهؤلاء الدّجالين ويجهلون ما كشفه العلماء من حيلهم فيسلبون أموالهم، ويهتكون أعراضهم، لا سيما الذين يدعون أنها كرامات وهم مشهورون بالجهل واللهو، والذين يدعون معرفة علم الكيمياء من قلب الصفر ذهبا والرصاص فضة، وغير ذلك من هذه الترهات المنشورة في الغرب أكثر منها في الشرق، فيجب على أولي الأمر تنويرهم وتفهيمهم. مطلب الكرامة ومصدرها والشعرى ومن يعبدها: أما المشهورون بالصلاح والفقه والعلم فقد تظهر على أيديهم كرامات، لكن لا كسب لهم بها، كما ان المعجزات لا كسب للأنبياء بها، لأنها قد تكون عفوا من الله. والقاعدة أن كل ما جاز أن يكون معجزة للنبي، جاز أن يكون كرامة للولي. ولو كانت بكسب البشر لما خاف موسى من عصاه حينما تحولت حية، تأمل قوله تعالى «وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» الآية ١٧ من الأنفال في ج ٣، وقوله تعالى «قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا» الآية ٩٢ من الإسراء الآتية، وقوله جل قوله (قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ) الآية ١٠٩ من الانعام في ج ٢، وقد أخبر عمر رضي الله رجل بأنه رأى رجلا يعلم الغيب فقال له: لا يعلم الغيب إلا الله. وقال له: اقبض قبضة من شيء لا تعلم عدده واسأله عنها ليظهر لك كذبه، فذهب اليه وفعل ما أمره به عمر وسأله فلم يعرف عدده ولا نوعه، فرجع إلى عمر وأخبره الخبر فقال له: إذا كنت تعرف شيئا هو راسخ في قلبك، فيمكن أن يعرفه أمثال هؤلاء، إذ يوشك أن ينقله وسواسك إلى وسواسه في قلبه فيخربه. ومن هذا ما يسمونه بقراءة الافكار، ومن أراد أن يطلع على بعض حيل المشعوذين، فليراجع كتاب كشف أسرار المحتالين يجد فيه العجاب طهر الله قلوبنا من الزيغ ووفقنا لمعرفة عيوبنا. قال تعالى: «وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ» العبد بخلق ما يسره ويبهره «وَأَبْكى ٤٣» عبده بخلق ما يسوءه ويحزنه، فأفرح

стр. 206

المؤمن في الجنة بثواب عمله الصالح في الدنيا، وأحزن الكافر في النار بعقاب عمله الطالح في الآخرة. روى البخاري ومسلم عن النبي قال: خطب النبي ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، فغطّى أصحاب رسول الله وجوههم لهم خنين بكاء مع صوت يخرج من الأنف- «وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ» خلقه في الدنيا بعد انتهاء آجالهم فيها «وَأَحْيا ٤٤» من أماته في الآخرة بعد انقضاء أجلهم في البرزخ. وجاء بلفظ الماضي لتحقق وقوعه مثل أتى أمر الله بمعنى يأتي وأعقبه بالجملة قبله، لأن الموت يعقبه البكاء، والولادة أي الإحياء يعقبها الضحك، وقيل في هذا المعنى: ولدتك أمك يا ابن آدم باكيا ... والناس حولك يضحكون سرورا فاجهد لنفسك أن تكون إذا بكوا ... في يوم موتك ضاحكا مسرورا أي عند ربك بما قدمت من عمل صالح، راجع الآية ١١ من سورة غافر في ج ٢. قال تعالى: «وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ» راجع تفسيرها في الآية ٣ من سورة الليل المارة، وكذلك ما يتعلق في قوله: «الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ٤٥» المخلوقين «مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى ٤٦» تقذف وتنصب في الرحم (أما النبات فبالاختلاط والتلقيح ... ) وفي هذا تنبيه عظيم على قدرة القادر وعظمها وكمالها، لأن النطفة واحدة ويكون فيها أنثى وذكر بتقديره، وهذا مما لم يصل إليه الفهم ولم يتصوره العقل بعد، لأنهم حتى بعد تكوينه ووجوده في الرحم لم يعرفوا ما في الرحم هل هو ذكر أم أنثى؟ حتى ولا بعد تمام خلقه، لذلك كان في الخمس التي لا يعلمهن على الحقيقة إلا الله «وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى ٤٧» الإحياء بعد الإماتة للحساب والجزاء كما كان عليه النشأة الأولى للعمل والثواب «وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى» عباده من الذهب والفضة والجواهر، وصنوف الأموال، وإضراب الأعيان، مما يدخر ومما لا «وَأَقْنى ٤٨» خلقه المذكورين من الإبل والبقر والغنم والخيل والحمير والبغال وسائر أصناف النعم والمواشي «وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى ٤٩» هي نجمتان الأولى شامية والأخرى يمانية وتفصل بينهما المجرة، فالأول كوكب يضيء خلف الجوزاء

стр. 207

ويسمى العبور، والأخرى كوكب في ذراع الأسد المبسوط وتسمى العميصاء وهي أخفى من العبور، وسميت عبورا بفتح العين لأنها عبرت المجرة فلقيت سهيلا، وكانت خزاعة تعبدها، وأول من سنّ لهم عبادتها شريفهم أبو كبشة لأن سيرها يخالف سير النجوم لأنها تقطع السماء طولا والنجوم عرضا فأخبرهم الله بأنه هو رب معبودهم، ولذلك لقب أبو جهل غضب الله عليه حضرة الرسول صلوات الله عليه بابن أبي كبشة، لأنه جاءهم على ما يزعم بدين على خلاف دينهم الذي اعتادت العرب عليه تشبها له به في خلافه إياهم كما خالفهم أبو كبشة، وإنما خص الله تعالى الشعرى بالذكر دون غيرها لهذا السبب. ويقول الفلكيون بأنها أعظم من الشمس بملايين وان نورها لا يصل إلى الأرض إلا بمدة اثنتين وعشرين سنة بيد أن نور الشمس يصل إلى الأرض في بضع دقائق ولا يخفى أن هذا من قبيل الظن لأن مبنى مذهبهم في تقدير النجوم وسيره على الحدس إذ غاية ما يعتمدون عليه المكبرات والقياس ولا يخلوان من خطأ (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى ٥٠) هم قوم هود ﵇ وهم أول الخلق هلاكا بريح صرصر بعد قوم نوح ﵇ وصار لهم عقب فسموا عادا الأخرى أهلكهم الله أيضا راجع تفسير الآية ٦ من سورة الفجر المارة تجد قصتهم مفصلة (وثمود) قوم صالح ﵇ أهلكهم بالصيحة «فَما أَبْقى ٥١» منهم أحدا «وَقَوْمَ نُوحٍ» أهلكهم بالغرق من قبل عاد وثمود «إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى ٥٢» ممن تقدمهم من الأمم إذ بقي يدعوهم إلى الله تسعماية وخمسين سنة وهم مكبون على الطغيان لا يصغون لما اليه يدعوهم من الإيمان «وَالْمُؤْتَفِكَةَ» قرى قوم لوط ﵇ «أَهْوى ٥٣» أسقطها بعد أن رفعها جبريل ﵇ إلى السماء «فَغَشَّاها» من البلاء العظيم «ما غَشَّى ٥٤» منه فيه تهويل وتفظيع للعذاب الذي صبه عليهم فكأنه ألبسها إلباسا راجع قصص هؤلاء الأنبياء مع أقوامهم في تفسير الآية ٥٨ فما بعدها من سورة الأعراف الآتية، وفي الآية ٤٤ فما بعدها من سورة هود في ج ٢، قال تعالى «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ» أيها الإنسان «تَتَمارى ٥٥» تشك وتكذب لأنها نعم عظيمه لا تستطيع حصرها قال تعالى (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ

стр. 208

اللَّهِ لا تُحْصُوها) الآية ٣٤ من سورة ابراهيم من ج ٢، فيا أيها الناس «هذا» نبيكم محمد «نَذِيرٌ» لكم بهذا القرآن «مِنَ النُّذُرِ الْأُولى ٥٤» الذين أرسلوا الى أقوامهم لينذروهم بما أوحى إليهم ربهم من الشرائع فعليكم أن تطيعوه وتؤمنوا به ولا تتوانوا إذ «أَزِفَتِ» قربت الساعة «الْآزِفَةُ ٥٧» أي القيامة الموصوفة بالقرب وانها إذ حضرت «لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ ٥٨» أي الحالة التي تقع فيها على الناس لا يقدر أن يزيلها عنهم أحد الا الله إذ كل نفس عاجزة عن ازاحة ما يصيبها ولا يعلم وقتها إلا الله، راجع الآية الأخيرة من سورة لقمان من ج ٢، قال تعالى (لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ) الآية ١٥٦ من الأعراف الآتية «أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ» القرآن القديم المحدث نزوله عليكم في علم الله الأزلى «تَعْجَبُونَ ٥٩» أيها الناس وتنكرون حقيقته «وَتَضْحَكُونَ» منه استهزاء به وبمن أنزل عليه «وَلا تَبْكُونَ ٦٠» خشوعا وخوفا من منزله وتعرضون عما فيه من الوعيد «وَأَنْتُمْ سامِدُونَ ٦١» غافلون لا هون بما لديكم من الدنيا معرضون عن الآخرة. والسمود بلغة اليمن الغناء وفي اللغة رفع الرأس يقال سمد البعير إذا رفع رأسه وجد في السير والسامد اللاهي، أي وأنتم لاهون عنه بالغناء غافلون عن سماعه بلعبكم، فتيقظوا أيها الناس وإذا آمنتم به «فَاسْجُدُوا لِلَّهِ» شكرا على إرسال واحد منكم من قبل ربكم لإرشادكم وهدايتكم لسبيله «وَاعْبُدُوا ٦٢» الله وحده ولا تشركوا به شيئا مما يعبده المشركون الضالون المهلكون. مطلب في السجود وقصة الغرانيق: روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله قرأ سورة النجم فسجد فيها وسجد من كان معه غير أن شيخا من قريش (هو أمية بن خلف) أخذ كفا من حصباء أو تراب فرفعه الى جبهته وقال يكفي هذا، قال عبد الله فلقد رأيته بعد قتل كافرا. وروى البخاري عن ابن عباس أن رسول الله سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس. والحكم الشرعي سجود التلاوة واجب عند الحنفية استدلالا بهذين الحديثين لأن الأمر في هذه الآية للوجوب وبه ت (١٤)

стр. 209

قال سفيان الثوري. وقال الشافعي وأحمد ومالك سنة استنادا لما رواه البخاري ومسلم عن زيد بن ثابت قال: قرأت على رسول الله والنجم فلم يسجد فيها. وهذا لا ينفي الوجوب لأنه عبارة عن واقعة حال إذ يجوز ترك السجود لوقوع القراءة في وقت مكروه أو على غير وضوء لأنهم كانوا يقرأون القرآن عن ظهر الغيب لا بالمصاحف تلقيا وحفظا من رسول الله أو أن الرسول لم يسجد ليبين للناس أن السجود غير واجب على الفور، وهذا محمل حديث عمر المروي في الموطأ من أنه ﵁ قرأ سجدة وهو على المنبر فلما نزل سجد وسجد معه الناس ثم قرأها في جمعة أخرى فتهيأ الناس للسجود فقال على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا إلا ان نشاء، فلم يسجد، ومعنى هذا أن الله لم يفترضها كالصلوات الخمس ولم يوجبها حالة قراءتها ولو أوجبها حالا لما جاز أن يقرأها أحد عن ظهر غيب إلا وهو متوضئ. هذا، ومن أراد زيادة التفصيل في هذا البحث فليراجع ص ٤١٤ من الجزء الأول من الهداية. والسبب في سجود المشركين أن النبي ﷺ كان إذا قرأ يرتل القرآن ويفصل الآي أي يسكت سكتة خفيفة بين الآيتين، ولما قرأ (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى) إلخ بمحضر المسلمين وقريش، ترصد الشيطان تلك السكتة فدسّ فيها ما اختلقه وهو جملة (تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى) محاكيا بها صوت النبي ﷺ فسمعه ممن دنا من الكفار فظنوها من الرسول ورأوه قد سجد هو ومن معه من المؤمنين فسجدوا معه، سرورا بذكر آلهتهم وشاع الخبر في الآفاق حتى ان المسلمين الذين هاجروا الى الحبشة أوائل سنة خمس من البعثة سنة نزول هذه السورة عادوا فرأوا الأمر على خلاف ما سمعوا فمنهم من دخل بجيرة غيره ومنهم من اختبأ ومنهم من عاد لهجرته، ولما عرف رسول الله ذلك حزن وضاق، فأنزل الله عليه مساء ذلك اليوم تسلية له وتعزية عما لحقه من الأسف قوله جل قوله «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ» الآية ٥٢ فما بعدها الى ٥٥ من سورة الحج من ج ٣، ومعنى تمنى قرأ، قال حسان في عثمان بن عفان ﵄ حين قتل وهو يقرأ:

стр. 210

تمنى كتاب الله أول ليلة ... وآخرها لاقى حمام المقادر وقال غيره: تمنى كتاب الله أول ليلة ... تمني داود الزبور على رسل ومعنى «فِي أُمْنِيَّتِهِ» قراءته كما سيأتي في تفسير تلك الآيات في محلها ان شاء الله، ولهذا ظن بعض المفسرين أن سورة الحج مكية والحال أنها مدنية عدا هذه الآيات، ولما تحقق عند حضرة الرسول ذلك أخبر المسلمين وقريشا بأن تلك الكلمات من الشيطان القاها أثناء سكوته بين الآيتين، أما من قال ان تلك الكلمات صدرت عن حضرة الرسول فقد أخطأ وزاغ، لأنه إذا قال تكلم بها عمدا فقد كفر لأنه يعد مادحا للأصنام التي ذمها الله وبعثه لأجل تحطيمها ومنع الناس من عبادتها فكيف يتصور منه مدحها؟ وإذا قال أجراها على لسانه سهوا أو غفلة فمردود لأنه لا يجوز وجود الغفلة والسهو حال تبليغ الوحي لأنه يسبب عدم الاعتماد على قوله ولأن الله تعالى وصف القرآن بقوله «لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ» الآية ٤٢ من سورة فصلت ج ٢ وقال جل شأنه «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» الآية ٩ من سورة الحجر من ج ٢ أيضا فعليه لا يجوز أن يدخل في التزيل شيء من ذلك، وإذا قال ان الشيطان أجرى تلك الكلمات على لسان الرسول جبرا بحيث لا يقدر أن يمتنع منه فهو ممتنع أيضا لأن الشيطان عاجز عن ذلك في حق الغير فكيف في حق الرسول، وقال تعالى (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ) الآية ٦٥ من سورة الإسراء الآتية وقال (إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) الآية ٤٠ من سورة الصافات الآتية أيضا، إذا لم يبق الا ان حضرة الرسول سكت عند قوله تعالى «وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى» كما هو شأنه بين الآيات فتكلم الشيطان بتلك الكلمات متصلا بقراءته فوقع عند البعض أن النبي تكلم فيها وهذا معنى الإلقاء في هذه الآية المارة الذكر من سورة الحج، ولا يخفى أن الشيطان كان زمن الرسول ومن قبله من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه يظهر بصورة الإنسان ويتكلم ويسمع كلامه كسائر البشر كما هو ثابت في الكتب القديمة وفي حادثة قريش

стр. 211

حينما اجتمعوا في دار الندوة للتداول في كيفية التخلص من حضرة الرسول كما سنبينه في تفسير الآية ٤١ من سورة العنكبوت في ج ٢، وفي تفسير الآية ٣٠ من سورة الأنفال ج ٣، وقد ذكر الله عنه بأنه قال يوم بدر لكفار قريش (لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ إلخ) الآية ٥١ من سورة الأنفال أيضا. وروي أنه نادى يوم أحد ألا إن محمدا قتل، كما سيأتي في الآية ١٢٢ من آل عمران في ج ٣ أيضا. أما سجود المسلمين فلم يقدح فيهم لأنهم سجدوا مع حضرة الرسول لتحققهم من حاله في ذم الأوثان وأنهم كانوا يحفظون السورة عند تلقيها منه كما أنزلها الله ولم يسمعوا تلك الكلمات لذلك لم يأت ذكرها في الحديثين المارين وأن ما ذكره بعض المفسرين عن ابن عباس عن النبي ﷺ لما تولى عنه قومه وشق عليه بعدهم تمنى أن يأتيه الله بما يقارب بينه وبينهم حرصا على إيمانهم وأنه لما قرأ سورة والنجم بينهم القى الشيطان على لسانه تلك الكلمات فلا عبرة به حيث رواه عنه الكلبي وهو ضعيف جدا لا يعتمد عليه ولم يؤيده أحد من أهل الصحة ولا لسنده ثقة بسند صحيح أو سليم متصل. ومما يدل على توهين هذه الرواية اضطراب رواتها وانقطاع سندها واختلاف ألفاظها، لأن منهم من قال أن النبي ﷺ كان في الصلاة ومنهم من قال أنه كان في نادي قومه وآخر يقول أنه قرأها في حالة سنة من النوم، وغيره يقول أنه حدث بها نفسه، فجرت على لسانه، والبعض قال ان الشيطان قالها على لسانه أو بعض الكفرة تكلم بها أثناء قراءته حتى ظنوها منه، وبعضهم قال انه لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا اقرأتك، مما يدل على تلفيق هذه القصة ولا غرو أن كثيرا من المفسرين والمؤرخين ولعون بنقل كل غريب شاذ، لذلك فانهم ينقلون هذين النوعين بلا ترو لينقل عنهم هكذا مخالفات على حد خالف تعرف. واعلم أن التمني ينحصر في معنيين لا ثالث لهما بمعنى حديث النفس وبمعنى التلاوة فعلى الأخير لا شيء فيه كما علمت، وعلى الأول يكون معنى تمنى خطر بباله وتمنى بقلبه ولا يبعد أنه إذا قوي التمني اشتغل الخطر فحصل السهو في الأفعال الظاهرة، الا أنه يستحيل وقوعه من النبي في كل ما يتعلق بأمر تبليغ الوحي بدليل ما مر

стр. 212

من الآيات المستشهد بها أعلاه، وإذ قامت الدلائل على صدقه ﷺ فضلا عن أن الأمة أجمعت على أنه معصوم من الإخبار بخلاف الواقع من قبل الله لا قصدا ولا سهوا ولا غلطا ولا نسيانا ولا خطأ، كيف وقد قال تعالى: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى) الآية ٣ المارة، وعلى هذا فلا يجوز ذلك عليه إلا زنديق مارق منافق خائن لا حظ له في الآخرة إلا النار، ولا نصيب له في الدنيا إلا العار هذا، والله أعلم، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين. تفسير سورة عبس عدد ٢٤- ٨٠ نزلت بمكة بعد سورة والنجم، وهي اثنتان وأربعون آية، ومائة وثلاثون كلمة وخمسمائة وثلاثون حرفا لا يوجد سورة مبدوءة أو مختومة بما بدئت وختمت به، ويوجد ستة سور في القرآن بدئت بالفعل الماضي هذه والنمل والأنبياء والفرقان والملك والمعارج. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى: «عَبَسَ» تقطب واكفهر وجه الرسول المرسل إليكم أيها الناس «وَتَوَلَّى ١» أعرض وأدبر من «أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ٢» عبد الله بن شريح بن مالك بن أم مكتوم عاتكة بنت عبد الله المخزومي «وَما يُدْرِيكَ» يا حبيبي «لَعَلَّهُ» ذلك الأعمى الذي لم تعبأ به ولم تلق له بالا «يَزَّكَّى ٣» من دون الكفر بما يتعلمه منك فيطهر بطهارة الإيمان «أَوْ يَذَّكَّرُ» بمواعظك القيمة المنزلة إليك من قبلنا «فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ٤» التي يتلقاها منك من وحينا فيكون خيرا من هؤلاء الذين اشتغلت بهم عنه وهم المعنيون بقوله تعالى «أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ٥» بماله وعشيرته عن الإيمان بك والانقياد لما تتلوه من الذكر «فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ٦» تنقصد الإقبال عليه والإصغاء لقوله مكبا بكلك اليه ومجهدا نفسك به حرصا على إيمانه «وَما عَلَيْكَ» فرض والتزام «أَلَّا يَزَّكَّى ٧» من شركه فيطهر ويهتدي للايمان وانما عليك تبليغه وإنذاره فقط قال تعالى: (وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) الآية الاخيرة من سورة ق الآتية

стр. 213

وقال تعالى (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) الآية ٢٢ من الغاشية في ج ٢، «وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ٨» كهذا الأعمى «وَهُوَ يَخْشى ٩» الله واليوم الآخر طائعا مختارا راغبا راهبا «فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ١٠» بغيره ومتشاغل عنه بهم وهم يظهرون الاستغناء عنك «كَلَّا» لا تعد لمثل هذا أبدا كيف تقبل على الخطير وتعرض عن الحقير فكم من حقير عند الله لا يوازيه الف خطير في المنزلة واعلم يا أكمل الرسل «إِنَّها» الآيات المنزلة عليك من لدنك «تَذْكِرَةٌ ١١» عظيمة للناس أجمع لا يختص بها إلا من شملته العناية ولا يعرض عنها إلا من سخط عليه «فَمَنْ شاءَ» أن يتعظ بها ويؤمن بك وبربك «ذَكَرَهُ ١٢» أي ذكر الله ربه منزلها بإلهام منه فاهتدى وهذه الآيات المعبر عنها بالتذكرة مدونة عند الله «فِي صُحُفٍ» عظيمة جليلة «مُكَرَّمَةٍ ١٣» على الله الكريم والتنوين فيها يدل على التفخيم ولذلك وصفها بقوله (مَرْفُوعَةٍ) القدر عالية الاحترام «مُطَهَّرَةٍ ١٤» مقدسة لا يمسها هناك إلا المطهرون من الملائكة الكرام كما أنه لا يمسها في الدنيا إلا المطهرون من البشر كما سيأتي في الآية ٧٩ من سورة الواقعة الآتية «بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ١٥» جمع سفير وذلك أنه عند ما يأمر الله بايجاد شيء منها بوحيه بأن يأمر هذا النوع من الملائكة فيسفرون به بين الله ورسله فيكونون كالسفير بينهما وقد أنشد: وما أدع السفارة بين قومي ... وما أمشي يغش إن مشيت ويقال لكتبة الوحي سفرة أيضا وللكاتب سافر، لأنه يسفر بكتابته عن الأحوال التي يكتبها أي يبينها ويكشفها (كِرامٍ) على الله هؤلاء «بَرَرَةٍ ١٦» أنقياء بارين طائعين لا يخالفونه قيد شعرة، بل لا يعرفون المخالفة وسبب نزول هذه الآيات أن النبي ﷺ بينما كان يدعو أشراف قريش إلى الإسلام ويناجيهم أتاه ذلك الأعمى وقال له علمني يا رسول الله مما علمك ربك وهو مدبر عنه ومقبل على أولئك والأعمى لا يدري بتشاغله في غيره فصار يكرر النداء عليه فكره الرسول قطعه لكلامه وقطب وجهه وأعرض عنه وقال في نفسه لعلي إذا أقبلت عليه

стр. 214

وتركتهم يقولون ما قاله أحزابهم من الصناديد ما تبعه إلا الصبيان والسفلة فصد عنه وأقبل على أولئك يكلمهم، فأنزل الله هذه الآيات يعاتبه فيها، فكان كلما رآه يكرمه ويقول له مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، ويقول له هل لك من حاجة؟ واستخلفه على المدينة مرتين وهو من المهاجرين الأولين وقتل شهيدا في القادسية وواراه أنس وعليه درع ومعه راية سوداء ودفن بدمشق وقبره معروف حتى الآن. ثم أنزل الله في عتبة بن لهب وأضرابه كأمية ابن خلف المتعصبين بالكفر (قُتِلَ الْإِنْسانُ) الذي لم يؤمن بالله ولم يطع رسوله «ما أَكْفَرَهُ ١٧» ما أشد تعنته بالكفر تعجبا من عناده مع كثرة إحسان الله اليه وهي عامة في كل كافر متصلب في كفره، ثم بين الله من أمر هذا الكافر وما ينبغي له أن يعلم «مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ١٨» الله فإذا علم ذلك كان عليه أن يؤمن به لخلقه على الأقل، ثم فسر ماهية خلقه بقوله (مِنْ نُطْفَةٍ) نقطة دموية قليلة حقيرة وهي عبارة عن بعض ماء الرجل المختلط ببعض ماء المرأة فمن هذا (خَلَقَهُ) فسواه بشرا سويا «فَقَدَّرَهُ ١٩» على ما أراد من مخلوقاته وعلى أنواع كثيرة من المصنوعات وعلى الخط والكتابة والقراءة وفضّله على كثير من خلقه وأكرمه بأنواع كراماته «ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ٢٠» له فسهل عليه خروجه من بطن أمه أولا ويسر له سلوك الطريق الموصل اليه ويسره لما خلق له من عمل ورزق مدة حياته (ثُمَّ أَماتَهُ) بأجله المحتوم بعد استيفاء ما قدره له في الدنيا «فَأَقْبَرَهُ ٢١» في الأرض التي خلق أمله منها وتكونت منها نطفته وقد أمر بدفنه كرامة له فلم يجعله كالبهائم تطرح للوحوش ومن فعل معه هذا الفعل بحياته ومماته جدير بأن يطيعه ولكن الإنسان كفور «ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ ٢٢» أحياه للحساب والجزاء بالوقت المقدر لبعثه بعد انتهاء الوقت المقدر له في برزخه (كلا) ردع وزجر لذلك الإنسان المتكبر المتجبّر المترفع المصر على الكفر وإنكار البعث وهو «لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ» ربه من الإيمان به ولم يؤد ما افترضه عليه ولم يقم بشكر ما أنعم به عليه ولم يف بعهده الذي أخذه عليه في عالم الذر كما سيأتي في الآية ١٧٢ من الأعراف الآتية وبقي على حالته تلك من حين ولد إلى أن مات، ثم أنه

стр. 215

تعالى بعد أن بين له ذلك وعلم أنه لم ينجع به ذكره بما لا بدّله منه في دنياه لعله يعتبر فقال «فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ٢٤» كيف يسره له وكيف يأكله وكيف يبقي ما فيه حياته وينتفع به وجوده ويخرج منه فضلاته التي لو بقيت أهلكته وكيف علمه الضار منه فاجتنبه والنافع فأكله مما يحار به العقل، ولهذا كان النبي ﷺ يقول عند خروجه من المستراح الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني ثم بين كيفية خلق طعامه فقال «أَنَّا» نحن الإله المنفرد في ملكوته «صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ٢٥» من السماء على الأرض لتنعش وتربو «ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ٢٦» بالنبات والأشجار الخارجة، ثم بين جل شأنه ثمانية أنواع من النبات فقال «فَأَنْبَتْنا فِيها» أي الأرض بسبب ذلك الماء «حَبًّا ٢٧» يتغذى به الإنسان والحيوان مختلفا لونه وشكله وطعمه ويفيد التنوين التعميم بما يشمل الحنطة والذرة والشعير والعدس وغيرها «وَعِنَباً» يتفكه به كسائر الفواكه الأخرى، لأنه ذكر أمهات الأشياء اكتفاء عما يتفرع عنها «وَقَضْباً ٢٨» في كل ما يقضب ويقطع مرة بعد أخرى كالبقدونس والنعنع والفصة فانها كلما حصد شيء منها ظهر بدله والقضبة الرطبة فإذا يبست تسمى قثا، وقال بعض المفسرين القضب كل ما يعلف للدواب وهو جدير لولا أن تأتي كلمة الأب بعد، فهي أولى بهذا المعنى وهو من خصائص الحيوان لأن الله تعالى ذكر أولا ما يخصّ الإنسان وقد عطف عليه قوله «وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا ٢٩» وهاتان الشجرتان أكثر نفعا من غيرهما لأنهما فاكهة وإدام ويؤكل ثمرهما رطبا ويدخر أيضا «وَحَدائِقَ» جنات وبساتين عظيمة منافعها «غُلْباً ٣٠» غلاظ أشجارها ملتفة على بعضها ثم عمم فقال «وَفاكِهَةً» من كل يتفكه به الإنسان من تفاح وخوخ وإجاص وكمثرى وسفرجل ومشمس وغيرها «وَأَبًّا ٣١» من كل نبات وشجر وحب يتغذى به الحيوان ويتملح به يابسا أو أخضر وما قيل أن الأب بلغة الحبشة الفاكهة وفسرها بها فغير سديد لانها تكون مكررة إذ ذكرت الفاكهة قبله قال تعالى: وجعلنا هذه النباتات «مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ٣٢» الأب خاصة فاشكروا نعمة الله عليكم أيها الناس لأنّا نمتعكم بذلك كله وغيره متاعا زائلا
следующие страницы →