← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23595

بيان المعاني

ملا حويش

Полный текст (3 362 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

حينما اجتمعوا في دار الندوة للتداول في كيفية التخلص من حضرة الرسول كما سنبينه في تفسير الآية ٤١ من سورة العنكبوت في ج ٢، وفي تفسير الآية ٣٠ من سورة الأنفال ج ٣، وقد ذكر الله عنه بأنه قال يوم بدر لكفار قريش (لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ إلخ) الآية ٥١ من سورة الأنفال أيضا. وروي أنه نادى يوم أحد ألا إن محمدا قتل، كما سيأتي في الآية ١٢٢ من آل عمران في ج ٣ أيضا. أما سجود المسلمين فلم يقدح فيهم لأنهم سجدوا مع حضرة الرسول لتحققهم من حاله في ذم الأوثان وأنهم كانوا يحفظون السورة عند تلقيها منه كما أنزلها الله ولم يسمعوا تلك الكلمات لذلك لم يأت ذكرها في الحديثين المارين وأن ما ذكره بعض المفسرين عن ابن عباس عن النبي ﷺ لما تولى عنه قومه وشق عليه بعدهم تمنى أن يأتيه الله بما يقارب بينه وبينهم حرصا على إيمانهم وأنه لما قرأ سورة والنجم بينهم القى الشيطان على لسانه تلك الكلمات فلا عبرة به حيث رواه عنه الكلبي وهو ضعيف جدا لا يعتمد عليه ولم يؤيده أحد من أهل الصحة ولا لسنده ثقة بسند صحيح أو سليم متصل. ومما يدل على توهين هذه الرواية اضطراب رواتها وانقطاع سندها واختلاف ألفاظها، لأن منهم من قال أن النبي ﷺ كان في الصلاة ومنهم من قال أنه كان في نادي قومه وآخر يقول أنه قرأها في حالة سنة من النوم، وغيره يقول أنه حدث بها نفسه، فجرت على لسانه، والبعض قال ان الشيطان قالها على لسانه أو بعض الكفرة تكلم بها أثناء قراءته حتى ظنوها منه، وبعضهم قال انه لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا اقرأتك، مما يدل على تلفيق هذه القصة ولا غرو أن كثيرا من المفسرين والمؤرخين ولعون بنقل كل غريب شاذ، لذلك فانهم ينقلون هذين النوعين بلا ترو لينقل عنهم هكذا مخالفات على حد خالف تعرف. واعلم أن التمني ينحصر في معنيين لا ثالث لهما بمعنى حديث النفس وبمعنى التلاوة فعلى الأخير لا شيء فيه كما علمت، وعلى الأول يكون معنى تمنى خطر بباله وتمنى بقلبه ولا يبعد أنه إذا قوي التمني اشتغل الخطر فحصل السهو في الأفعال الظاهرة، الا أنه يستحيل وقوعه من النبي في كل ما يتعلق بأمر تبليغ الوحي بدليل ما مر

стр. 212

من الآيات المستشهد بها أعلاه، وإذ قامت الدلائل على صدقه ﷺ فضلا عن أن الأمة أجمعت على أنه معصوم من الإخبار بخلاف الواقع من قبل الله لا قصدا ولا سهوا ولا غلطا ولا نسيانا ولا خطأ، كيف وقد قال تعالى: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى) الآية ٣ المارة، وعلى هذا فلا يجوز ذلك عليه إلا زنديق مارق منافق خائن لا حظ له في الآخرة إلا النار، ولا نصيب له في الدنيا إلا العار هذا، والله أعلم، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين. تفسير سورة عبس عدد ٢٤- ٨٠ نزلت بمكة بعد سورة والنجم، وهي اثنتان وأربعون آية، ومائة وثلاثون كلمة وخمسمائة وثلاثون حرفا لا يوجد سورة مبدوءة أو مختومة بما بدئت وختمت به، ويوجد ستة سور في القرآن بدئت بالفعل الماضي هذه والنمل والأنبياء والفرقان والملك والمعارج. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى: «عَبَسَ» تقطب واكفهر وجه الرسول المرسل إليكم أيها الناس «وَتَوَلَّى ١» أعرض وأدبر من «أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ٢» عبد الله بن شريح بن مالك بن أم مكتوم عاتكة بنت عبد الله المخزومي «وَما يُدْرِيكَ» يا حبيبي «لَعَلَّهُ» ذلك الأعمى الذي لم تعبأ به ولم تلق له بالا «يَزَّكَّى ٣» من دون الكفر بما يتعلمه منك فيطهر بطهارة الإيمان «أَوْ يَذَّكَّرُ» بمواعظك القيمة المنزلة إليك من قبلنا «فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ٤» التي يتلقاها منك من وحينا فيكون خيرا من هؤلاء الذين اشتغلت بهم عنه وهم المعنيون بقوله تعالى «أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ٥» بماله وعشيرته عن الإيمان بك والانقياد لما تتلوه من الذكر «فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ٦» تنقصد الإقبال عليه والإصغاء لقوله مكبا بكلك اليه ومجهدا نفسك به حرصا على إيمانه «وَما عَلَيْكَ» فرض والتزام «أَلَّا يَزَّكَّى ٧» من شركه فيطهر ويهتدي للايمان وانما عليك تبليغه وإنذاره فقط قال تعالى: (وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) الآية الاخيرة من سورة ق الآتية

стр. 213

وقال تعالى (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) الآية ٢٢ من الغاشية في ج ٢، «وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ٨» كهذا الأعمى «وَهُوَ يَخْشى ٩» الله واليوم الآخر طائعا مختارا راغبا راهبا «فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ١٠» بغيره ومتشاغل عنه بهم وهم يظهرون الاستغناء عنك «كَلَّا» لا تعد لمثل هذا أبدا كيف تقبل على الخطير وتعرض عن الحقير فكم من حقير عند الله لا يوازيه الف خطير في المنزلة واعلم يا أكمل الرسل «إِنَّها» الآيات المنزلة عليك من لدنك «تَذْكِرَةٌ ١١» عظيمة للناس أجمع لا يختص بها إلا من شملته العناية ولا يعرض عنها إلا من سخط عليه «فَمَنْ شاءَ» أن يتعظ بها ويؤمن بك وبربك «ذَكَرَهُ ١٢» أي ذكر الله ربه منزلها بإلهام منه فاهتدى وهذه الآيات المعبر عنها بالتذكرة مدونة عند الله «فِي صُحُفٍ» عظيمة جليلة «مُكَرَّمَةٍ ١٣» على الله الكريم والتنوين فيها يدل على التفخيم ولذلك وصفها بقوله (مَرْفُوعَةٍ) القدر عالية الاحترام «مُطَهَّرَةٍ ١٤» مقدسة لا يمسها هناك إلا المطهرون من الملائكة الكرام كما أنه لا يمسها في الدنيا إلا المطهرون من البشر كما سيأتي في الآية ٧٩ من سورة الواقعة الآتية «بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ١٥» جمع سفير وذلك أنه عند ما يأمر الله بايجاد شيء منها بوحيه بأن يأمر هذا النوع من الملائكة فيسفرون به بين الله ورسله فيكونون كالسفير بينهما وقد أنشد: وما أدع السفارة بين قومي ... وما أمشي يغش إن مشيت ويقال لكتبة الوحي سفرة أيضا وللكاتب سافر، لأنه يسفر بكتابته عن الأحوال التي يكتبها أي يبينها ويكشفها (كِرامٍ) على الله هؤلاء «بَرَرَةٍ ١٦» أنقياء بارين طائعين لا يخالفونه قيد شعرة، بل لا يعرفون المخالفة وسبب نزول هذه الآيات أن النبي ﷺ بينما كان يدعو أشراف قريش إلى الإسلام ويناجيهم أتاه ذلك الأعمى وقال له علمني يا رسول الله مما علمك ربك وهو مدبر عنه ومقبل على أولئك والأعمى لا يدري بتشاغله في غيره فصار يكرر النداء عليه فكره الرسول قطعه لكلامه وقطب وجهه وأعرض عنه وقال في نفسه لعلي إذا أقبلت عليه

стр. 214

وتركتهم يقولون ما قاله أحزابهم من الصناديد ما تبعه إلا الصبيان والسفلة فصد عنه وأقبل على أولئك يكلمهم، فأنزل الله هذه الآيات يعاتبه فيها، فكان كلما رآه يكرمه ويقول له مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، ويقول له هل لك من حاجة؟ واستخلفه على المدينة مرتين وهو من المهاجرين الأولين وقتل شهيدا في القادسية وواراه أنس وعليه درع ومعه راية سوداء ودفن بدمشق وقبره معروف حتى الآن. ثم أنزل الله في عتبة بن لهب وأضرابه كأمية ابن خلف المتعصبين بالكفر (قُتِلَ الْإِنْسانُ) الذي لم يؤمن بالله ولم يطع رسوله «ما أَكْفَرَهُ ١٧» ما أشد تعنته بالكفر تعجبا من عناده مع كثرة إحسان الله اليه وهي عامة في كل كافر متصلب في كفره، ثم بين الله من أمر هذا الكافر وما ينبغي له أن يعلم «مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ١٨» الله فإذا علم ذلك كان عليه أن يؤمن به لخلقه على الأقل، ثم فسر ماهية خلقه بقوله (مِنْ نُطْفَةٍ) نقطة دموية قليلة حقيرة وهي عبارة عن بعض ماء الرجل المختلط ببعض ماء المرأة فمن هذا (خَلَقَهُ) فسواه بشرا سويا «فَقَدَّرَهُ ١٩» على ما أراد من مخلوقاته وعلى أنواع كثيرة من المصنوعات وعلى الخط والكتابة والقراءة وفضّله على كثير من خلقه وأكرمه بأنواع كراماته «ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ٢٠» له فسهل عليه خروجه من بطن أمه أولا ويسر له سلوك الطريق الموصل اليه ويسره لما خلق له من عمل ورزق مدة حياته (ثُمَّ أَماتَهُ) بأجله المحتوم بعد استيفاء ما قدره له في الدنيا «فَأَقْبَرَهُ ٢١» في الأرض التي خلق أمله منها وتكونت منها نطفته وقد أمر بدفنه كرامة له فلم يجعله كالبهائم تطرح للوحوش ومن فعل معه هذا الفعل بحياته ومماته جدير بأن يطيعه ولكن الإنسان كفور «ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ ٢٢» أحياه للحساب والجزاء بالوقت المقدر لبعثه بعد انتهاء الوقت المقدر له في برزخه (كلا) ردع وزجر لذلك الإنسان المتكبر المتجبّر المترفع المصر على الكفر وإنكار البعث وهو «لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ» ربه من الإيمان به ولم يؤد ما افترضه عليه ولم يقم بشكر ما أنعم به عليه ولم يف بعهده الذي أخذه عليه في عالم الذر كما سيأتي في الآية ١٧٢ من الأعراف الآتية وبقي على حالته تلك من حين ولد إلى أن مات، ثم أنه

стр. 215

تعالى بعد أن بين له ذلك وعلم أنه لم ينجع به ذكره بما لا بدّله منه في دنياه لعله يعتبر فقال «فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ٢٤» كيف يسره له وكيف يأكله وكيف يبقي ما فيه حياته وينتفع به وجوده ويخرج منه فضلاته التي لو بقيت أهلكته وكيف علمه الضار منه فاجتنبه والنافع فأكله مما يحار به العقل، ولهذا كان النبي ﷺ يقول عند خروجه من المستراح الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني ثم بين كيفية خلق طعامه فقال «أَنَّا» نحن الإله المنفرد في ملكوته «صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ٢٥» من السماء على الأرض لتنعش وتربو «ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ٢٦» بالنبات والأشجار الخارجة، ثم بين جل شأنه ثمانية أنواع من النبات فقال «فَأَنْبَتْنا فِيها» أي الأرض بسبب ذلك الماء «حَبًّا ٢٧» يتغذى به الإنسان والحيوان مختلفا لونه وشكله وطعمه ويفيد التنوين التعميم بما يشمل الحنطة والذرة والشعير والعدس وغيرها «وَعِنَباً» يتفكه به كسائر الفواكه الأخرى، لأنه ذكر أمهات الأشياء اكتفاء عما يتفرع عنها «وَقَضْباً ٢٨» في كل ما يقضب ويقطع مرة بعد أخرى كالبقدونس والنعنع والفصة فانها كلما حصد شيء منها ظهر بدله والقضبة الرطبة فإذا يبست تسمى قثا، وقال بعض المفسرين القضب كل ما يعلف للدواب وهو جدير لولا أن تأتي كلمة الأب بعد، فهي أولى بهذا المعنى وهو من خصائص الحيوان لأن الله تعالى ذكر أولا ما يخصّ الإنسان وقد عطف عليه قوله «وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا ٢٩» وهاتان الشجرتان أكثر نفعا من غيرهما لأنهما فاكهة وإدام ويؤكل ثمرهما رطبا ويدخر أيضا «وَحَدائِقَ» جنات وبساتين عظيمة منافعها «غُلْباً ٣٠» غلاظ أشجارها ملتفة على بعضها ثم عمم فقال «وَفاكِهَةً» من كل يتفكه به الإنسان من تفاح وخوخ وإجاص وكمثرى وسفرجل ومشمس وغيرها «وَأَبًّا ٣١» من كل نبات وشجر وحب يتغذى به الحيوان ويتملح به يابسا أو أخضر وما قيل أن الأب بلغة الحبشة الفاكهة وفسرها بها فغير سديد لانها تكون مكررة إذ ذكرت الفاكهة قبله قال تعالى: وجعلنا هذه النباتات «مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ٣٢» الأب خاصة فاشكروا نعمة الله عليكم أيها الناس لأنّا نمتعكم بذلك كله وغيره متاعا زائلا

стр. 216

سريع الاضمحلال «فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ ٣٣» صيحة القيامة وسميت صاخّة لأنها تصخ الآذان لشدتها وهذه هي الصيحة الثانية بدليل قوله «يَوْمَ» يوم مجيئها «يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ٣٤ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ٣٥ وَصاحِبَتِهِ» زوجته لملازمتها له أكثر من غيره «وَبَنِيهِ ٣٦» لعلمه أنهم لا يغنون عنه شيئا إذ ذاك ولا يخففون عنه ما أثقل ظهره من الذنوب لهذا لا يلتفت إليهم، وهم أيضا لا ينظرون اليه لأنهم لا يتوخون منه نفعا في ذلك اليوم إذ «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ» يوم تكون الصّيحة «شَأْنٌ يُغْنِيهِ ٣٧» عنهم أيا كانوا لشدة الهول والفزع ويشغله عن التواد الذي كان في الدنيا. أما الصيحة الأولى فلا يكون فيها الا موت الخلائق أجمع روى ابن عباس عن النبي ﷺ قال: تحشرون حفاة عراة عزلا فقالت امرأة أينظر أحدنا أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال يا فلانه (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) - أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح- وأخرج بن مردويه والبيهقي مثله وصححه الحاكم وأن السائلة سودة بنت زمعة أم المؤمنين وجاء في رواية الطبراني عن سهل ابن سعد أنه قيل له ﵊ ما شغلهم؟ فقال نشر الصحف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل! ثم ذكر الله تعالى حال الخلائق المكلفين وبدأ بالسعداء فقال: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ٣٨» مضيئة مشرقة من آثار أعمالها الصالحة في الدنيا كغبار الجهاد ومعاملة الناس بالحسنى وآثار الصوم والصلاة والزكاة والصدقة وقيام الليل مستنيرة من آثار السجود والوضوء وغيرها فهي «ضاحِكَةٌ» سرورا وفرحا بثواب الله «مُسْتَبْشِرَةٌ ٣٩» بكرامة الله لها ورضوانه بعد الحساب ثم ذكر أهل الشقاء أجارنا الله منهم وجعلنا من السعداء. بقوله «وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ» أني بعد الفراغ من الحساب تراها منكمشة «عَلَيْها غَبَرَةٌ ٤٠» تعارها والعياذ بالله فتصيرها كدرة مائلة إلى السواد «تَرْهَقُها» تغشاها فتدركها عن قرب بسرعة هائلة «قَتَرَةٌ ٤١» ظلمة كالدخان فلا يرى أوحش منها لاجتماع العبرة والدخان عليها «أُولئِكَ» الذين صنع بهم ذلك من كشف وجوههم وتغيرها «هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ٤٢» لأنهم جمعوا في الدنيا بين الكفر والجحود فجمع الله عليهم في الآخرة

стр. 217

الغبرة والقترة، هذا، والله أعلم، واستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله عليه وسلم على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين صلاة وتسليما إلى يوم الدين. تفسير سورة القدر عدد ٢٥- ٩٧ نزلت بمكة بعد عبس، وهي خمس آيات وثلاثون كلمة، ومائة واثنتان وعشرون حرفا، ويوجد في القرآن سورتا الكوثر ونوح بدأتا بما بدأت به هذه السورة ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت به لا ناسخ ولا منسوخ فيها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى «إِنَّا أَنْزَلْناهُ» أي القرآن العظيم وعود الضمير إلى غير مذكور جائز إذا كان معلوما كما هنا، وقدمنا البحث في هذا عند الآية ١٠ من سورة النجم المارة وفي التعبير بضمير الغائب مع عدم تقدم ذكره تعظيما له وتفخيما بعلو شأنه باعتباره كأنه حاضر عند كل أحد، وكان هذا الإنزال جملة واحدة في اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في سماء الدنيا «فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ١» العظيمة عند الله وسميت بذلك، لأن الآجال والأرزاق والأحكام والأمور كلها مما يكون في السنة التي هي فيها إلى مثلها من السنة الأخرى يقدرها فيها أي يظهر تقديرها وما يقع فيها إلى الملائكة ويأمرهم بإنقاذه وإلا فهو ﷻ عالم فيها قبل في الأزل قيل للحسين ابن الفضيل أليس قد قدر الله المقادير قبل خلق السموات والأرض قال نعم قال فما معنى ليلة القدر؟ قال: سوق المقادير الى المواقيت وتنفيذ القضاء والقدر. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال ﷺ من قام ليلة القدر ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، وهي ليلة سبع وعشرين من رمضان كما تقدم في بحث نزول القرآن في المقدمة، وقد وردت أحاديث كثيرة في فضلها وتعيينها أعرضنا عن إثباتها لمعلوميتها وقد استدل العلماء على كونها ليلة السابع والعشرين بان كلماتها إلى كلمة هي سبع وعشرون وبعضهم بحروفها إي حروف كلمة ليلة القدر المكرمة فيها ثلاث مرات لأنها أيضا سبع وعشرون حرفا ولكل وجهة، ثم أشار الله تعالى منوها بتعظيمها بقوله «وَما أَدْراكَ» يا سيد المرسلين «ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ ٢» استفهام على سبيل التعظيم والتبجيل والتفخيم والتكريم تنويها بفضلها أي لن تبلغ درايتك أيها الإنسان الكامل ما هي لما قدر فيها الإله لعباده من الخير والفضل

стр. 218

وقد جاء في الحديث من أدرك أي من رأى ليلة القدر فليقل اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني، وروى البخاري ومسلم عن عائشة قالت كان رسول الله يجاور العشر الأواخر من رمضان ويقول تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان. وروى مسلم عن رزين بن حبيش قال سمعت أبي بن كعب يقول (وقيل له إن عبد الله ابن مسعود يقول من قام السنة فقد أصاب ليلة القدر) قال أبي والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان يحلف ولا يتسنى فو الله اني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله بقيامها وهي ليلة سبع وعشرين وامارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها لا شعاع لها وهذا أصح ما ورد فيها قالوا والحكمة في اخفائها احياء الليالي الكثيرة لمن يريدها حرصا على أن يخطىء بها كما أخفيت الصلاة الوسطى للمحافظة على سائر الصلوات وأخفيت ساعة الإجابة يوم الجمعة ليستغرق أبعد نهارها بالدعاء أملا بمصادفتها ليسأل ربه ما يسأله فيها وليعلم أن رضاء الله تعالى في الطاعات لترغيب الإنسان بفعلها ليثيبه عليها وان غضب الله في المعاصي ليرهب الناس فيجتنبوها ليرضى عليهم قال تعالى «لَيْلَةُ الْقَدْرِ» يكون العمل فيها «خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ٣» خالية منها ليقوموها فيحصل لهم الاجر المترتب على إحيائها وسبب نزولها ما قاله ابن عباس ذكر لرسول الله رجل من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله الف شهر فتعجب وتمنى ذلك لأمته فقال يا رب جعلت أمتي أقصر الأمم أعمارا وأقلها أعمالا فأعطاه الله ﵎ ليلة القدر، فقال ليلة القدر خير من الألف شهر التي حمل فيها الإسرائيلي السلاح في سبيل الله لك ولأمتك الى يوم القيامة وهي عبارة عن ثلاث وثمانين سنة واربعة أشهر، فالعمل الصالح ليلة القدر يعدل هذه المدة كلها وما جاء بأن هذه السورة وسورة الكوثر نزلتا حين رأى رسول الله بني امية على منبره فساءه ذلك فهو غير صحيح والحديث الوارد فيه قال عنه المزني انه منكر والدليل على عدم صحته ان هاتين السورتين مكيتان ولم يكن بمكة منبر قبل الهجرة ولا قبل الفتح، وانما اتخذ المنبر بالمدينة بعد نزولهما بسنين كثيرة، ثم بين الله تعالى

стр. 219

سبب ارتفاع فضلها بقوله «تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ» جبريل ﵇ أو نوع من الملائكة تدعى بهذا الاسم، وهم ذوات مخلوقة خفية من عالم القوى التي عجز البشر عن ادراكهم وهي تنجسد وتتشكل عند الاقتضاء، وان الإيمان بهم فرض وكذلك الجان كما سيأتي في الآية ٣٧ من سورة عمّ من ج ٢، ينزلون الى سماء الدنيا «فِيها» في ليلة القدر وهذا النزول يكون «بِإِذْنِ رَبِّهِمْ» وقيد بالإذن تعظيما لأمر تنزلهم والا لا يكون الا بإذنه قال تعالى «وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ» الآية ٦٧ من سورة مريم الآتية وإشارة لرغبتهم في أهل الأرض واشتياقهم لرؤية ثواب طاعتهم واستماع حنين الذاكرين وأنين العاصين منهم وقد جاء في الحديث القدسي: لأنين المؤمنين أحب الى من زجل المسبحين «مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ٤» أي أن نزولهم لأجل كل أمر يتعلق به التقدير في تلك السنة من قضاء الله وقدره وهذه الليلة المباركة «سَلامٌ هِيَ» على أولياء الله وأهل طاعته من كل ما يخافون ويرهبون. لما كانت الملائكة رأت أفعال الجن وافسادهم في الأرض وقالوا لربهم حينما قال لهم «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ... أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها» الآية ٣٠ من البقرة من ج ٣، وظهر لهم الأمر بخلاف ما قالوه نزلوا باستيذان من الله الى أهل الأرض ليسلموا عليهم ويعتذروا منهم ويستغفروا لهم جاء في الحديث الذي رواه أنس أن رسول الله قال إذا كانت ليلة القدر نزل جبريل في كيكبة من الملائكة يصلون ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله ويكون هذا دأبهم «حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ٥» من ليلتها، فعلى الراغب بذلك أن يقوم تلك الليلة المباركة ليحظى بما من قدر له فيها الثواب العظيم المعلق على القيام فيها فأين الطالبون لنفحات الله أني الراغبون لعطائه هذا والله أعلم. هذا، واستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 220

تفسير سورة والشمس ٢٦- ٩١ نزلت بمكة بعد القدر، وهي خمس عشرة آية، وأربع وخمسون كلمة، ومائتان وسبعة وأربعون حرفا، لا ناسخ ولا منسوخ فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال تعالى «وَالشَّمْسِ» القرص المعهود «وَضُحاها ١» الوقت المعلوم لأن فيه زيادة ضوئها وقيام سلطانها «وَالْقَمَرِ» المستفاد نوره منها بدليل قوله «إِذا تَلاها ٢» تبعها لأنه دائما يكون بمقابلتها تخلفه ويخلفها أنظر رعاك الله أي فلكي أخبر محمدا ﷺ أن أول شيء تكون من الأجرام هو الشمس حتى أقسم الله بها، ثم أقسم بما يكون بعدها لأن هذه الأمور لم تعرف إلا بعد نزول هذا القرآن ولم يسبق أي نقل فيها عن أحد قبله فهو الذي نور قلوب الناس وعقولهم، فيجب علينا نحن المؤمنين أن نتمسك به ونجيل النظر في معانيه وما يرمي اليه بإمعان لا نظرا سطحيا وأن نلازمه ونجول حول حرمه ليمنّ الله علينا بالوقوف على بعض مغازيه النافعة لنا دينا وأخرى قال تعالى «وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها ٣» أي الشمس فإنها تنجلي وتظهر إذا انبسط النهار وتنجلي فيه ظلمة الليل حيث يغشاه ضياؤه بظهور الشمس «وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها ٤» أي الشمس إذ بغيابها يظلم الأفق ويبسط الظلام سلطانه «وَالسَّماءِ وَما بَناها ٥» قال بعض المفسرين آثر ما، على من، في هذه الآية لارادة الوصفية تفخيما أي والقادر العظيم الذي بناها «وَالْأَرْضِ. وَما طَحاها ٦» دحاها وبسطها من كل جانب ودحاها ومهدها لمنافع الخلق والإنس أن يقال جيء بما في هاتين الآيتين بدل من لتفيد المصدرية ويكون المعنى والسماء وبنائها ومعنى البناء هنا الخلق. مطلب كون السماء مبنية والقوى البشرية: وظاهر لفظ البناء يدل على أن للسماء جرما وهذا كاف للرد على من يقول أن السماء خلاء تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، كيف وقد قال الله (لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) الآية ٥٧ من سورة غافر من ج ٢. فإذا كانت خلاء كما يزعمون فليست بأعظم من خلق الناس إذ لا أعظم من خلقه

стр. 221

إلا خلقها، ولهذا البحث صلة في تفسير الآية المذكورة والآية ٤٧ من سورة الذاريات من ج ٢ أيضا فراجعها، قال تعالى «وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ٧» أبدعها وأنشأها وعدل أعضائها وسوى خلقها على غير مثال سابق في أحسن صورة هذا على جعل ما مصدريه، لا وصفيه، وهو الصواب ويجوز أن تجعل ما، بمعنى من، وعليه فتقول والذي سواها والذي بناها والذي طحاها وهكذا، ونكّر لفظ النفس للتكثير ولتشمل آدم ومن بعده إذا أريد بالنفس الجسد، وإذا أريد بها المعنى القائم بالجسد فيكون معنى سوّاها أعطاها القوى الكثيرة كالناطقة والسامعة والشامة واللامسة والذائقة والمخيلة والمفكرة والمدبرة والحافظة والباصرة وغيرها من القوى التي أودعها الله فيها ليفكر الإنسان في آلاء الله ويتدبر في مصنوعاته ويعقل كيفية مخلوقاته، هذا ومعنى قوله تعالى «فَأَلْهَمَها» أي فهم أو علم تلك النفس ما يضرها وينفعها وبين لها الحالتين اللتين يؤول الإنسان الى أحدهما «فُجُورَها» وما يؤول اليه من العذاب وثانيتها «وَتَقْواها ٨» وما يوصل اليه من الثواب بحيث عرّفها ما تأتي وما تذر وما تأخذ وما تتقي وعاقبة كل من ذلك روى مسلم عن جابر قال جاء سراحة بن مالك بن خثعم فقال يا رسول الله بيّن لنا ربنا أمر ديننا كأنا خلقنا الآن فيم العمل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أو فيما يستقبل قال لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، قال ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له. راجع تفسير الآية الأولى من سورة القلم المارة فيما يتعلق بها. وروى مسلم عن جابر بمعناه من طريق آخر هذا وقد أقسم الله تعالى في هذه الأشياء لعظم شرفها وجريان منافعها للخلق وما فيها لمصالحهم وجواب القسم «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ٩» أي فاز وسعد من طهّر نفسه وأصلحها من درن الذنوب ووسخ العيوب «وَقَدْ خابَ» خسر «مَنْ دَسَّاها ١٠» دنسها بالمعاصي وأفسدها بالكفر وأغواها بالملاهي فأهلكها وأتلفها، روى مسلم عن زيد بن أرقم قال كان رسول الله يقول اللهم أعوذ بك من العجز والكسل والبخل والهرم وعذاب القبر اللهم آت نفسي تقواها زكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها، اللهم اني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن دعوة لا تستجاب ثم طفق على شأنه يقص على بنيه شيئا من أخبار

стр. 222

الأمم الماضية ليعظ قومه ويحذرهم من مخالفته ويرغبهم بطاعته، فقال «كَذَّبَتْ ثَمُودُ» قوم صالح ﵇ «بِطَغْواها ١١» عليه وتكذيبهم له بعد أن أظهر لهم الناقة التي طلبوها منه معجزة على صدقه «إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها ١٢» قام مسرعا لعقر الناقة أشقى قومه وهو قدار بن سالف، روى البخاري ومسلم عن عبد الله ابن أبى زمعة أنه سمع رسول الله يخطب وذكر الناقة والذي عقرها فقال: انبعث لها رجل عزيز منيع في أهله مثل أبي زمعة ولفظ البخاري عارم أي شديد ممتنع (فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ) صالح ﵇ احذروا «ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها ١٣» لا تعقروها ولا تتعرضوا لها بسوء ولا لمائها في نوبتها ولا تقربوه. وذلك ان الله أمر صالحا أن يجعل الماء الموجود في قريتهم يوما لهم ويوما لها، وأضافها لجلالته تشريفا كبيت الله (فَكَذَّبُوهُ) بما أخبرهم عن ربه من قسمة الماء ولم يكتفوا بمنعها حتى عمدوا إلى الناقة (فَعَقَرُوها) نسب العقر لهم مع أن العاقر واحد لموافقتهم على عقرها قال تعالى (فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ) الآية ٢٩ من سورة القمر الآتية ولما لم يلتفتوا إلى نهي نبيهم استأصلهم بعذابه المنوه به بقوله (فَدَمْدَمَ) دمر وأطبق العذاب (عَلَيْهِمْ) جميعهم لرضاهم بفعل العاقر والراضي بالشيء كفاعله فأهلكم كلهم (رَبُّهُمْ) لمخالفته امره وتكذيبهم لنبيه (بِذَنْبِهِمْ) الذي اقترفوه عمدا وعدوانا وقصدا «فَسَوَّاها ١٤» سوى قراهم بالأرض وعمهم بالدمدمة فلم يفلت منهم أحد «وَلا يَخافُ عُقْباها ١٥» ولا تبعتها كما يخاف الملوك عاقبة أفعالهم لأنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وستأتي القصة مفصلة في الآية ٧٢ من الأعراف الآتية هذا ولا يوجد في القرآن سورة مبدوءة أو مختومة بما بدئت وختمت به هذه السورة من الألفاظ. وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلّى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم.

стр. 223

تفسير سورة البروج عدد ٢٧- ٨٥ نزلت بمكة بعد سورة والشمس، وهي اثنتان وعشرون آية، ومثلها في عدد الآي المجادلة فقط، ومائة وتسع كلمات، واربعمائة وخمسة وستون حرفا، ويوجد سورة الطارق مبدوءة بما بدئت به ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت به، لا ناسخ ولا منسوخ فيها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى: «وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ ١» القصور الاثني عشر ستة منها شمالية، ثلاثة ربيعية وهي الحمل والثور والجوزاء وابتداء الحمل من الاعتدال الربيعي وثلاثة صيفية: السرطان والأسد والسنبلة وابتداء السرطان من نقطة الانقلاب الصيفي والشمال يسار القبلة، وستة جنوبية ثلاثة خريفية وهي الميزان والعقرب والقوس وابتداء الميزان من الاعتدال الخريفي، وثلاثة شتائية: الجدي والدلو والحوت وابتداء الجدي من الانقلاب الشتوي والجنوب يمين القبلة فتكون السنة الشمسية ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وربع يوم وهي مدة دخول الشمس إلى النقطة التي فارقتها من تلك البروج، وكل برج ثلاثون درجة فمجموعها ثلاثمائة وستون درجة، كل درجة بمقدار أربع دقائق، ومجموعها أربع وعشرون ساعة وأن الشمس تقطع هذه البروج كلها مرة في السنة كل برج في شهر، وبها تتم دورة الفلك ويقطعها القمر في ثمان وعشرين يوما وكسور، وسيأتي تفصيلها عند تفسير الآية ٣٩ من سورة يس الآتية ومعناها لغة القصر، والحصن وأصله الأمر الظاهر ثم صار حقيقة للقصر العالي لظهوره ويقال لما ارتفع من سور المدينة برج أيضا وشبهت بالقصور لعلوها ولأن النجوم نازلة فيها والمراد بها هنا اجزاء الفلك الأعظم المسمى بالفلك الأطلس وفلك الأفلاك، وزعموا أنه العرش بلسان الشرع، لكنها لم تكن ظاهرة حساد لّوا عليها بما سامتها وقت تقسيم الفلك الأعلى من الصور المعروفة أي الاثني عشر برجا المار ذكرها لأنها في الفلك الثامن المسمى عندهم بفلك الثوابت أو بالكرسي بلسان الشرع على ما زعموا، فبرج الحمل مثلا ليس إلا جزءا من أثنى عشر جزءا من الفلك الأعلى سامته صورة الحمل من الثوابت وقت

стр. 224

التقسيم وبرج الثور كذلك مسامتة صورة الثور منها في ذلك الوقت أيضا وهكذا وإنما قيل وقت التقسيم لأن كل صورة قد خرجت لحركتها وإن كانت بطيئة عما كانت مسامتة له من تلك البروج حتى كاد يسامت اليوم الحمل برج الثور والثور برج الجوزاء وهكذا، وطول كل برج ثلاثون درجة وعرضه مائة وثمانون درجة منها تسعون في جهة الشمال، وتسعون في جهة القبلة. وقال مجاهد وعكرمة وقتاده المراد بالبروج النجوم. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله حديثا بلفظ الكواكب وأخرج ابن المنذر وعبد بن حميد عن أبي صالح أنها النجوم والكواكب العظام والأول أولى وأنسب بالمقام، وقد أقسم الله بها لما فيها من عظيم حكمته ومرور الكواكب السيارة فيها ومسيرها على قدر معلوم لا يختلف أبدا إلى حلول اليوم المعلوم «وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ٢» لخرابها وبعث الخلق وحسابهم وجزائهم «وَشاهِدٍ» فيه على الأعمال الواقعة من الخلق «وَمَشْهُودٍ ٣» فيه من أهوال وخوارق أقسم الله تعالى بيوم القيامة لعظمة ما فيه، وبأنبيائه الذين يشهدون على أممهم بما وقع منهم قال تعالى: (وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) الآية ٤١ من سورة النساء في ج ٣ وباليوم المشهود لما فيه من العجائب التي يطلع عليها كافة الخلق قال تعالى: «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ» الآية ٣٥ من سورة مريم الآتية وقال تعالى (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) الآية ١٠٣ من سورة هود من ج ٢. وما قيل ان ذلك اليوم هو يوم الجمعة أو يوم التروية أو يوم عرفه الله جل شأنه والمشهود يوم عرفة أو يوم النحر أو آدم ﵇ لا وجه له، وسياق النظم ينافيه وكل ما جاء في هذا من الأحاديث لا عبرة بها لأنها لم تثبت بصورة يصح الإحتجاج بها وجواب القسم (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ ٤) الشقوق المستطيلة في الأرض المعمولة لتعذيب الناس، واعلم أن الذين وصفوا بهذا ثلاثة ولم يعلم المراد به منهم في هذه الآية وهي تنطبق عليهم الأذل أبطاموس الرومي عملها بالشام. والثاني بختنصر بفارس والثالث دو نواس باليمن إلا أن التي بالشام وفارس لم تشتهر عند العرب. ت (١٥)

стр. 225

مطلب قصة أصحاب الأخدود: وإنما المشهور عندهم حادثة اليمن التي وقعت بنجران وهي أقرب إلى مكة ونزل بها القرآن تذكير لكفار قريش وتسلية لأصحاب الرسول ﷺ لحملهم على الصبر مما يلاقونه في قومهم وتحمل المشاق في الدين طلبا لزيادة الثواب، وأصح ما جاء في هذه القصة ما رواه صهيب في رسول الله ﷺ أنه قال كان لبعض الملوك ساحر فلما كبر ضم إليه غلاما ليعلمه السحر لأنه قد يحتاج إليه فيما يتعلق بملكه ورعيته وكان في طريق الغلام عند ما يذهب إلى الساحر راهب فإذا مر به سمع منه فيعجبه كلامه، فرأى ذات يوم بطريقه دابة حبست الناس فأخذ حجرا وقال اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها فضربها فقتلها وصار بعد ذلك مرجعا للناس يبرىء الأكمه والأبرص فعمي جليس الملك فذهب إليه فأبرأه، فقال له الملك من رد عليك بصرك؟ فقال ربي، فغضب من سماع كلمته لزعمه أن لا رب غيره فعذبه وقال له لا أتركك حتى تعلمني من رد عليك بصرك، فقال الغلام، فجاء به فعذبه حتى دله على الراهب فجاء به واراده على الرجوع عن دينه إلى دينه، فلم يفعل، فقصه بالمنشار ثم كلف الغلام بالرجوع فأبى فأمر عونته ان يطرحوه في ذروة الجبل فأخذوه فرجف بهم الجبل فسقطوا ونجا الغلام، فأمر الملك ان يوضع في قرقوب ويلقى وسط البحر، فوضعوه وذهبوا ليقذفوه فانكفأت السفينة فغرقوا ونجا، ثم جيء به امام الملك ليرى كيف يتمكن من قتله فقال له لا تقدر حتى تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جزع وتأخذ سهما من كنانتي ونقول باسم رب الغلام ثم ترميني، ففعل فرماه فمات، فقال الناس آمنا برب الغلام وفي رواية مسلم كررت ثلاثا راجع آخر الجزء الأخير من صحيحه قبل كتاب التفسير، فقيل للملك نزل بك ما كنت تحذر، فأمر بحفر أخدود وأضرمها نارا وأتى بالناس واحدا واحدا فمن رجع عن دين الغلام تركه ومن أصر ألقاه فيه وبقي هكذا حتى جيء له بامرأة معها صبي وهي مصرة على دين الغلام ولما أرادوا طرحها بالأخدود تقاعست فقال لها ابنها لا تتأخري يا أماه فإنك على الحق فصبرت فرماها فيه اه باختصار من الخازن. وفي هذا الحديث الذي أخرجه مسلم إثبات كرامة الأولياء

стр. 226

وجواز الكذب للمصلحة لأن الغلام كان يتأخر عند الراهب ويقول للساحر تأخرت عند أهلي، ويقول لأهله تأخرت عند الساحر وفي رواية ابن عباس أن الملك كان بنجران من ملوك حمير يقال له يوسف ذو نواس بن شرحبيل في الفترة قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة وكان الغلام اسمه عبد الله ابن ثامر، وكان أبوه أسلمه إلى الساحر ليعلمه وصار يتردد على الراهب وذكر الحديث، وذكر منبّه نحوه، وقال محمد بن اسحق عن عبد الله بن أبي بكر أن خربة احتفرت في زمن عمر فوجدوا فيها عبد الله بن ثامر واضعا يده على ضربته في رأسه إذا أميطت عنها انبعثت دما وإذا تركت ارتدت مكانها، وفي يده خاتم حديد مكتوب عليه ربي الله فأعادوا عليه حفرته وما ذلك على الله بعزيز. قال تعالى «النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ ٥» بدل من الأخدود ووصفها تعظيما لأمرها وارتفاع لهيبها من الحطب وأجساد الناس «إِذْ هُمْ» الكفرة عونة الملك المأمورون بإلقاء من لم يرجع عن دين الغلام «عَلَيْها» أي الأخدود «قُعُودٌ ٦» على شفريها لئلا ينفلت منهم أحد «وَهُمْ» الكفرة المذكورون «عَلى ما يَفْعَلُونَ» من التعذيب والإلقاء «بِالْمُؤْمِنِينَ» الممتنعين عن الكفر «شُهُودٌ» بأنهم لم يفرطوا بما أمرهم به الملك ويشهد بعضهم لبعض بعدم التقصير في تنفيذ أمره «وَما نَقَمُوا» عابوا وكرهوا «مِنْهُمْ» أي المصرين على دين الغلام شيئا ما «إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا» أي غير إيمانهم «بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ٨» وهذا استثناء مفصح عن براءتهم مما يعاب وينكر وينتقد على منهاج قولهم: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) وما بينهما وما فيهما، وصف الله نفسه المقدسة بكونه عزيزا قادرا غالبا يخشى عقابه وحميدا شكورا منعما يرجى ثوابه، وبأن له عموم الخلق ملكا وعبيدا ومن كان كذلك وجبت طاعته والإيمان برسله وكتبه (وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ٩) بما فعلوه بالمؤمنين وفيه تهديد ووعيد للكافرين وأمان ووعد للمؤمنين (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) وأرادوهم على تغيير دينهم وعذبوهم على امتناعهم في الكفر بالأنبياء (ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا) حال

стр. 227

حياتهم ولم يؤمنوا قبل وفاتهم وماتوا على كفرهم (فَلَهُمْ) في الآخرة (عَذابُ جَهَنَّمَ) لكفرهم بالله وعدم تصديق رسله (وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ.) لتعذيبهم غيرهم أي أن لهم عذابين قال تعالى «الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ» أي المخصص لهم الآية ٨٨ من سورة النحل في ج ٢. أي عذابا لكفرهم وعذابا لصدهم الناس عن الإيمان وفي هذه الآية. دليل على أن توبة القاتل مقبولة بالنسبة لعمومها، وبالنظر لخصوصها لا لأن الإسلام يجب ما قبله تأمل، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) في دنياهم وماتوا لى ذلك (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ) وعد الله فيه (الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ١١» الذي لا أكبر منه لأنه حق ثابت لكل من هذه صفته ولكل من عذّب لأجل دينه من أهل الأخدود وغيرهم، راجع تفسير الآية ١٠ من سورة والليل المارة «إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ١٢» قوي جدا لا يضاهيه بطش أبدا، وهو الأخذ بالعنف فإذا وصف بالشدة فقد تفاقم فيا ويل الظالمين الجبارين من انتقام الله «إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ» خلقهم في الدنيا فيغريهم بالمال والولد ويخدعهم بالجاه والسلطان ويملي لهم بما يشتهون ويؤملون ليختبرهم «وَيُعِيدُ ١٣» خلقهم ثانيا كما كانوا عليه في الدنيا حتى القلقة يعيدها لموضعها ويعرض عليهم أعمالهم حتى الذرة فما فوقها ليجازيهم «وَهُوَ الْغَفُورُ» كثير المغفرة لمن أراد من عباده وهو «الْوَدُودُ ١٤» بهم عظيم الحب لأهل طاعته وهو «ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ١٥» علوه وعظمته وهيبته، يقرأ بالرفع على أنه صفة لله وبالكسر على أنه صفة للعرش «فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ١٦» تكوينه في خلقه ورحمة من يريد رحمته وعذاب من يريد تعذيبه، لا يعجزه شيء ولا يسأل عما يفعل، ثم ذكر نوعا من شدة بطشه وانه لا يمنعه مانع مما يريد فعله تعالى «هَلْ أَتاكَ» يا حبيبي «حَدِيثُ الْجُنُودِ ١٧» الذين تحزبوا على رسلهم ضد حقهم وأخص منهم «فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨» كيف فعلنا بهم حين تجمعوا على أنبيائهم، وإنما خصّ قصتهما لتداولها على ألسنة العرب ومعلوميتها عند أهل مكة لعلهم يتعظون بما حل فيهم، ويرتدعون عما هم عليه، ولكنهم لم ينجع بهم، لذلك أضرب

стр. 228

عن تأميل رسوله بإيمان من لم يقدر له الإيمان من كفرة قومه بقوله «بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ١٩» مستمر لك ولما جئت به من القرآن كما كذب أولئك رسلهم ولم يعتبر قومك بمن أهلكناهم من الأمم السالفة «وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ ٢٠» قادر على إنزال العذاب بهم مثل من تقدمهم لا يفلت منهم أحد لأنهم في قبضته ولا نجاة لهم من بأسه وهذا هو معنى الإحاطة من محيط ومحاط به وفيها تعويذ للكفرة لأنهم نبذوا الله وراء ظهورهم وأقبلوا على شهواتهم واعلم يا سيد الرسل أن الذي تتلوه على قومك ليس بسحر ولا شعر ولا كهانة ولا هو من تلقاء نفسك ولا من خرافات الأولين ولا مما يتقوله الأقدمون ولا من تعليم الغير «بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ٢١» عظيم الشأن عالي البرهان ثابت عندنا ومدون «فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ٢٢» من التبديل والتغيير والتحريف والنقص والزيادة وقرىء بالكسر على أنه صفة للوح وبالرفع على أنه صفة للقرآن مثل لفظ المجيد المتقدم في الآية ١٥ المارة وكلاهما جائز هذا والله أعلم، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. تفسير سورة التين عدد ٢٨- ٩٥ نزلت بمكة بعد البروج وهي ثمان آيات، وأربع وثلاثون كلمة، ومائة وخمسة أحرف، لا يوجد سورة مبدوءة ولا مختومة بما بدأت وختمت به، لا ناسخ ولا منسوخ فيها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى «وَالتِّينِ» أي الجبل الذي عليه دمشق المنبثق بأشجار التين من الفواكه الطيبة الخالصة من الشوائب المنقصة لا عجم فيها تشبه فواكه الجنة مغذ سريع الهضم طيب الرائحة مبارك في بقعة مباركة قال تعالى (وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها) الآية ٧١ من سورة الأنبياء في ج ٢ «وَالزَّيْتُونِ ١» الجبل الذي عليه البيت المقدس المتفطر بأشجار الزيتون

стр. 229

المبارك لما فيه من أدم وغذاء ودهن يؤكل ويدخر ويستفاد به لا يحتاج شجره إلى خدمة بعد نباته يعيش ألوفا من السنين، ترى أشجاره من بقايا الرومان في قضاء الزوية ويسمونه بالروماني لأنه من غرسهم لا يسقط ورقه صيفا ولا شتاء نبت كريم في بقعة كريمة وقد سماه الله في كتابه شجرة مباركة في الآية ٣٥ من سورة النور في ج ٣، وما جرى عليه بعض المفسرين بأن القسم به نفس التين والزيتون لا يستقيم مع قوله تعالى «وَطُورِ سِينِينَ ٢» الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﵇ وسطع عليه نور الإله، ومكانه سيناء وسمي سينين لحسنه وبركته، وكل جبل فيه أشجار مثمرة يسمى سينين وسيناء، هذا والعطف يؤيد ما جرينا عليه وكذلك قوله «وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ٣» مكة حرسها الله حيث يأمن الناس فيها على أهلهم وأموالهم ونفوسهم حتى ان الرجل ليرى قاتل ابنه فلا يتعرض له فيها احتراما لشأنها ولهذا لقب بالأمين وإن تأويل التين بالشام والزيتون بالقدس يناسب ذكر ما بعدها من الطور ومكة وهو من تسميته المحل باسم الحال فيه، ومناسبة المتعاطفات تدل دلالة صريحة على أن المراد بها الأماكن والأشجار، ويؤيد هذا ما أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب أنهما مسجد أصحاب الكهف ومسجد إيلياء لأن الأول قريب من الشام، والثاني قريب من القدس هذا وقد أقسم الله في هذه البقاع المقدسة لما فيها من البركات ولأنها معظمة بحد ذاتها، راجع الآية الأولى من الإسراء والآية ٣١ من سورة القصص الآتيتين، وجواب القسم «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ٤» شكلا وصورة ولونا وتسوية أعضاء واعتدال قامة مزينا بالعلم والحلم والعقل والفهم والنطق والتمييز يأكل بيده جالسا وقائما ومتكئا وغيره مكبا على وجهه يأكل بفمه محروما من القوى التي ألمعنا إليها في الآية ٤ من سورة الشمس المارة وقد متعه الله بما ذكر آنفا في سن الشباب والكهولة والشيخوخة، وقد سوى أصله من التراب ابداعا لا عن سابق مثل ولا من أصل آخر كالقردة كما يتقول به من لاخلاق له ولا إيمان «ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ٥» بعد ما كان عليه من الكمال

стр. 230

إلى أرذل العمر لما توقعه فيه من الهرم والضعف ونقص العقل والسمع والبصر والشم والشهوة وانقطاع صالح العمل بالعجز عن الصيام والصلاة بصورة كاملة، هذا مصيره في الدنيا، وأما في الآخرة فإذا كان غير شاكر ما متعناه به وجحد ما أنعمنا به عليه وكفر بنا وبرسولنا وكتابنا فنرده إلى أسفل دركة من جهنم، وهكذا شأن كل كافر جحود «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ٦» وافيا غير ناقص لأن المؤمن الصالح لا ينحرف غالبا فلا يرد إلى أرذل العمر ولا ينقطع عمله ويدوم عليه أجره وقد شاهدت كثيرا من العلماء العاملين تجاوزوا المائة سنة وهم على أحسن خطة كالشيخ حسين الأزهري مفتي دير الزور والشيخ بدر الدين الحسني مدرس دار الحديث بدمشق رحمهما الله وأتباعهما كثير، على أن الرجل الصالح إذا أصيب بشيء ما يمنعه من ذلك فيكتب له ثواب ما كان يعمله قبل، قال ابن عباس هم نفر ردّوا إلى أرذل العمر على زمن رسول الله فانزل الله عذرهم وأخبرهم أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم، وإذا صح هذا فالسبب خاص والحكم عام وقال عكرمة ما يضرّ هذا الشيخ كبره إذا ختم الله له بأحسن ما كان يعمل، وقال ابن عباس إن الذين آمنوا أي الذين قرأوا القرآن لم يردوا إلى أرذل العمر وهذا يؤيد ما ذكرنا آنفا قال تعالى: «فَما يُكَذِّبُكَ ٧» أيها الإنسان، وهذا التفات من المغيبة إلى الخطاب، وهو من محسنات البيان ومقتضيات البديع «بَعْدُ» أي بعد البيان الذي ذكرناه لك «بِالدِّينِ» الحق والبعث بعد الموت والحساب والجزاء وقد بينا لك البرهان القاطع والحجة الواضحة فما عليك إلا أن تصدق به وتعمل لأجله ليحكم لك بالحسنى من ربك الكريم القوي المتين «أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ ٨» صنعا وتدبيرا وعدلا وإذا كان كذلك، فكيف تتوهمون أنه لا يعيدكم بعد الموت وأن لا حساب ولا عقاب ولا جزاء ولا ثواب لا بل لا بد لكم من ذلك وأن الله سيحكم على كل بما يستحقه حكما عدلا وقضاء مبرما وهذا الاستفهام تقريري وجوابه بلى إنه أقضى القاضين وإنه قادر على ما يريده. جاء عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال من قرأ والتين فليقل

стр. 231

وأنا على ذلك من الشاهدين، أخرجه الترمذي وقال الشافعي ﵀، يقولها حتى في الصلاة هذا والله أعلم، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين. تفسير سورة قريش عدد ٢٩- ١٠٩ نزلت بمكة بعد سورة التين وهي أربع آيات، وسبع وعشرون كلمة، وثلاثة وسبعون حرفا، لا يوجد سورة مبدوءة أو مختومة بما بدئت وختمت به لا ناسخ ولا منسوخ فيها، وتسمى سورة الإيلاف ومثلها في عدد الآي الإخلاص. مطلب في قريش ومن خصهم بالعهد: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى: «لِإِيلافِ» أي عهد «قُرَيْشٍ ١» اسم لعشيرة الرسول ﷺ والعهد بالبداوة شبه الاجازة بالخفارة، وأول من أخذه منهم هاشم جد رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم من ملك الشام كما سيأتي في الآية ٦٧ من سورة العنكبوت في ج ٢ واللام فيه للتعجيب أي أعجبوا أيها الناس بأهل مكة لهذا العهد الذي أخذته قريش بسبب سكناهم في الحرم الشريف وكيف صاروا به آمنين من كل أحد ببركة البيت الحرام وقد كثر خيرهم بسبب «إِيلافِهِمْ» وائتلافهم بصورة دائمة مطردة «رِحْلَةَ الشِّتاءِ» إلى اليمن «وَالصَّيْفِ ٢» إلى الشام ليختاروا منها ويتجروا آمنين في تنقلاتهم هذه والناس يتخطفون من حولهم، وإذا تعرض لهم من لا يعرفهم وقالوا نحن أهل حرم الله تركوهم واحترموهم، وهذه ميزة عظيمة خاصة لهم لم يتحف بها غيرهم فإذا كانوا بعد هذا لا يؤمنون بالله الذي أنعم عليهم بالعقل والسمع والبصر فجدير بهم أن يؤمنوا لهذه النعمة فقط التي خصوا بها دون غيرهم، وإذا كان كذلك «فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي» بسبب وجودهم فيه «أَطْعَمَهُمْ» الله «مِنْ جُوعٍ ٣» وكانوا في غاية الشدة منه قبل هذا العهد «وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ٤» عظيم كانوا عليه قبله والتنكير في الكلمتين يدل على أنهم كانوا في حاجة ماسة للأمن والطعام لأنهم كانوا قبل نزولهم الحرم الشريف وقبل أخذ هذا العهد الممتاز يقاسون الأمرين

стр. 232

فسخر الله لهم هاشما وألقى في قلبه أخذ هذا العهد وسخر له ملك الشام والقى في قلبه إعطاءه له لأنه سادن الكعبة المعظمة وذلك بسبب دعوة إبراهيم ﵇ أولا ووجود المصطفى أخيرا (راجع تفسير الآية ١٢٨ من البقرة في ج ٣) وسبب نزولها أن قريشا لما كذبت محمدا دعا عليهم فقال اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف، فاشتد عليهم القحط فقالوا يا محمد أدع لنا ربك فإنا مؤمنون فدعا فأخصبت بلادهم ثم أصروا على كفرهم. وقريش ولد النضر بن كنانة فمن لم يلده النضر فليس بقريشي. روى مسلم عن وائلة بن الأسقع قال ﷺ إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم وسموا قريشا لشدتهم ومنعتهم تشبيها بالقرش وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن ولا تصاد إلا بالنار وقد يأتي التصغير للتعظيم وكانوا متفرقين فجمعهم الله يواسطته. قص بن كلاب وهو الذي أنزلهم الحرم واتخذوه مسكنا ولذلك سمي مجمعا والتقرش التجمع قال شاعرهم: أبوكم قصي كان يدعى مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر روى البخاري ومسلم أن رسول الله قال إن الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم، وعن جابر أن رسول الله قال: الناس تبع لقريش في الخير والشر، قال الكلبي أول من حمل السمراء (القمح الحنطة) من الشام هاشم بن عبد مناف وفيه يقول شاعرهم: قل للذي طلب السماحة والندى ... هلا مررت بآل عبد مناف هلّا مررت بهم تريد قراهم ... منعوك من حر ومن اكفاف الرائشين وليس يوجد رائش ... والقائلين هلمّ للأضياف والخالطين غنيهم بفقيرهم ... حتى يكون فقيرهم كالكافي والقائمين بكل وعد صادق ... والراحلين برحلة الإيلاف عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف سفرين سنّهما له ولقومه ... سفر الشتاء ورحلة الأصياف

стр. 233

هذا ومما تفاخر به قريش قول القائل: زعمتم أن إخوتكم قريش ... لهم ألف وليس لكم إلاف أولئك أومنوا جوعا وخوفا ... وقد جاعت بنو أسد وخافوا قال ابن عباس ﵄: الناس يتفاضلون بالدنيا بالشرف والبيوتات والإمارات والغنى والجمال والهيئة والمنطق، ويتفاضلون في الآخرة بالتقوى واليقين وأتقاهم أحسنهم يقينا، وأزكاهم عملا، وأرفعهم درجة. واعلم أن ما قاله أبي بن كعب بأن هذه السورة وسورة الفيل واحدة، قول لا قيمة له، كما أن ما قاله غيره من أن أحرف الجر من الإيلاف متعلق بكلمة مأكول من آخر سورة الفيل لأنه يخالف أقوال الجمهور وآرائهم بأنها منفصلة عنها وانها لم تنزل بعدها كما علمت مما تقدم، وهو كالقول بأن الانشراح والضحى واحدة، والأنفال والتوبة واحدة، وانهما نزلنا سوية ولم يفصل بينهما بالبسملة، بل القول المعتمد هو أن كلا من هذه السور الست نزلت منفردة عن الأخرى، وهذه منفردة بالنزول وترتيب القرآن أيضا، ولا يؤيد قول أبي ﵁ قول من جعلهما سورة واحدة بأخبار القرآن كله، كالسورة الواحدة من حيث انه يصدق ويبين بعضه بعضا لإطباق الصحابة على معارضته، وإجماع القراء على مخالفته وعلى الفصل بينهما وأنهما سورتان، وقد مرّ أول الضحى بعض ما يتعلق بهذا وله صلة أول سورة التوبة في ج ٣. هذا، والله أعلم، واستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين. تفسير سورة القارعة عدد ٣٠- ١٠١ نزلت بمكة بعد قريش، وهي إحدى عشرة آية، وست وثلاثون كلمة، ومائة واثنان وخمسون حرفا، لا يوجد سورة مبدوءة ولا مختومة بما بدئت وختمت به، لا ناسخ ولا منسوخ فيها.

стр. 234

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى: «الْقارِعَةُ ١» كناية عن يوم القيامة وقد كررها تهويلا لما يقع فيها فقال «مَا الْقارِعَةُ ٢» أيها الناس شيء عظيم هي وكل قارعة مخوفة، دونها في الفظاعة ثم كررها ثالثا مع الاستفهام على سبيل التعظيم إيذانا بشدة أهوالها فقال «وَما أَدْراكَ» أيها الإنسان العاقل أي شيء أعلمك «مَا الْقارِعَةُ ٣» فإنك مهما بلغت من الإدراك لا تدري كنهها، وانك كيفما قد صورت وصورت فهي فوق ذلك لأنها تقرع القلوب بالفزع قرعا هائلا «يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ» فيه في مشيهم وتراصهم «كَالْفَراشِ» الحشرات التي تتهافت على الضياء والنار فإنها تترامى فوق بعضها لا تتجه إلى جهة واحدة مع أن القصد واحد لذلك وصفها الله بقوله «الْمَبْثُوثِ ٤» المتفرق شبه الله تعالى الخلائق في ذلك اليوم المهول بهذا النوع من الطير الصغير وتهافته على بعضه نحو الضياء لأنهم يوم يبعثون يتبعون صوت الداعي حيارى لا يعرفون أين يذهبون، يموج بعضهم في بعض من شدة الفزع الحاصل من شدة صوت الملك راجع تفسير الآية ٣٠٥ من سورة طه الآتية، فكما أن الفراش يظن أن في الضياء طريقا فيقصده ليمر به ويتهافت عليه فيتراكم بعضه على بعض فكذلك أهل الحشر حين يساقون إليه ولهذا شبههم به «وَتَكُونُ الْجِبالُ) الشامخات فيه أيضا «كَالْعِهْنِ» الصوف «الْمَنْفُوشِ» وقيل المصبوغ ألوانا مستدلا بقوله تعالى: «جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ» الآية ٢٧ من سورة فاطر الآتية، وما جرينا عليه أنسب بالمقام لأن الآية المستدل بها تبين ماهية الطرق في الجبال وأن كل طريق بلون أرضه بمناسبة تعداد نعم الله على خلقه، وهنا يبين كيفية اضمحلال الناس معنى بالنسبة للجملة قبلها المبينة من تشتت الناس والجبال مع عظمتها أما الطرق فلم يسبق لها ذكر ولا مناسبة بينها وبين ما نحن فيه فتنبه أيها القارئ واعتبر، فإذا كان هذا حال الجبال الصلبة في ذلك اليوم تكون هباء وتتطاير كالصوف حالة النّدف. فكيف بك أيها الضعيف عند ما تقرع القارعة. وتأمل ما ذكره الله أول سورة الحج في ج ٣ وابك على نفسك، وقل اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وبك المستغاث وأنت المستعان وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم انه

стр. 235

جل شأنه قسم عباده إلى قسمين فقال «فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ٦» بعمله الصالح وطاشت سيئاته لقلتها «فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ٧» في جنة عالية يرضاها صاحبها برضاء الله «وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ ٨» بعمله الطالح وطاشت. وثقلت أعماله السيئة «فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ٩» في نار حامية يزج فيها ويقال للمأوى أم على التشبيه لأن الولد يفزع لأمه عند ما يخاف والأم تأوى له فإذا كبر لجأ إلى أبيه عند النوائب فإذا كبر لجأ إلى الحاكم فإذا فقه لجأ إلى السلطان، وهكذا يتدرج بسبب انكشاف القوة التي هي أعلى حتى يتم عقله فيلجأ إلى الله حتى يتبين له أن كل أحد عاجز عما يريده إلا الله، وهكذا الناس الآن فلو أنهم لجأوا إلى الله قبل كل شيء بعقيدة راسخة لما احتاجوا لمن هو دونه والهاوية اسم من أسماء النار لا يدرك قعرها يأوي إليها المجرمون أجارنا الله منها. وقال بعض المفسرين المراد بأمه أمّ رأسه لأنهم يطرحون فيها على رؤوسهم، والأول أولى وأن أهل النار يدفعون فيها دفعا وطرحا وزجا على وجوههم ورؤوسهم لا يؤبه بهم لحقارتهم، والحكم أنه لا يقال أن الأعمال أمور معنوية لا يتأتى فيها الوزن لأنها تجسّم يوم القيامة، ولا يستبعد هذا على من يسخر الجوارح بالشهادة على ذويها لأن في القيامة ما لا يخطر على قلب بشر، ولا يتصوره العقل راجع تفسير الآية ٢٣ من سورة الفجر المارة والآيتين ١٠٧ و ١٠٩ في ج ٢ تجد أن القيامة يقع فيها أشياء خارقة للعادة «وَما أَدْراكَ» أيها الإنسان «ما هِيَهْ ١٠» هي داهية دهماء تصفر منها الأعضاء وهي «نارٌ حامِيَةٌ ١١» جدا بلغت حرارتها النهاية وعذابها الغاية، نعوذ بعظمة الله منها ومن أهلها. روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم، وحق لميزان بوضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا، وانما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم، وحق لميزان بوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا. هذا، والله أعلم، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وأصحابه واتباعه أجمعين.

стр. 236

تفسير سورة القيامة عدد ٣١- ٧٧ نزلت بمكة بعد القارعة، وهي أربعون آية، ومثلها في عدد الآي سورة النّبإ وهي تسع وتسعون كلمة، وستمائة واثنان وخمسون حرفا، ويوجد سورة البلد مبدوءة بما بدئت به هذه السورة، ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت به. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى: «لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ» اتفق أكثر المفسرين عن أن المعنى أقسم لأن العرب تدخل لا على أقسامها فتقول لا والله لا وأبيك، والقرآن نزل بلغتهم، قال امرؤ القيس الكندي: لا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم اني أفر ويقولون لا ورب الكعبة، ويريدون وربها وفائدتها التأكيد، ويجوز حذفها في غير القرآن، وما قيل إنها زائدة لا أصل له، فضلا عن ضعفه إذ لا زائد في كتاب الله لأن كل حرف فيه له معنى لا يتأتي الكلام بدونه كاملا، وما استدل من قوله تعالى: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ) الآية الأخيرة من سورة الحديد في ج ٣، مردود لأن لها مغزى هناك ستقف عليه عند تفسيرها، فضلا عن أنها وسط الكلمة لا في أولها كهذه وكونها ليست للقسم لتفيد المعنى المطلوب في هذه التي للقسم، فهي هناك نافية، وقد تأتي زائدة في أقوال العرب لضروره الوزن في نظم أشعارهم كقوله: تذكرت ليلى فاعترتني صبابة ... وكاد ضمير القلب لا يتقطع أما في القرآن فلا، وانظر إلى ما قاله الفراء: إن لا هنا ردّ لانكار المشركين البعث المار ذكره في السورة قبلها لأنه مما يناسب تتابع السور، إذ قد يكون غالبا مناسبة بين الأولى والثانية بعدها من كلمة أو جملة مما ينتبه له من له المام بمعاني كتاب الله فكأنه قيل ليس الأمر كما تزعمون من جحود القيامة وعذابها ثم قال أقسم. وقرأ ابن كثير لأقسم بلام التوكيد ولا يرد على هذا القول من قال ان لام التأكيد لا بدّ وأن يصحبها نون التوكيد لأنها تفارقه أحيانا وكلاهما وجيه، وعلى القول بأنها نافية يكون المعنى أقسم بيوم القيامة «وَلا أُقْسِمُ

стр. 237

بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ٢» إلا إعظاما وتفخيما لهما يكون الغرض إجلال القسم به وتبجيله والأول أولى، وهذا كله تحاشيا عن القول بأنها زائدة إذ ما من حرف في القرآن إلا ويؤدي معنى خاصا، واللوامة النفس التي تلوم صاحبها بعد إيقاعه الفعل المنهي عنه الذي حسنته له والتي تقول له دائما لم فعلت ولم لم تفعل وغيرك يفعل؟ مطلب: على الإنسان أن يتفقد حاله: قال المغيرة بن شعبة: يقولون القيامة، وقيامة أحدهم موته، وهذه القيامة ليست مرادة هنا والله أعلم، وانما هي القيامة الكبرى، لأن سياق الآية يدل عليها ويأبى صرفه لما في قول المغيرة، والأحسن في تفسير اللوامة أن نقول هي التي تلوم صاحبها على مافات منه إن كان خيرا لم لم يزدد منه، وإن كان شرا لم لم يقلع عنه، يدل عليه قوله ﷺ : ما منكم يوم القيامة إلا ندم، إن كان محسنا ندم أن لا ازداد وان كان مسيئا ندم ان لا أقلع، لأن المؤمن لا بد له أن يحاسب نفسه دائما على كل ما يقع منه ويزنه في ميزان الشرع، حتى كلامه المباح وأكله الحلال هل أراد بهما وجه الله والتقوي على طاعته أم لا، وينبغي أن يستحقر أعماله واجتهاده في طاعة الله لأنه كلما رأى نفسه مزدادة فهي مقصرة إذا عقل قوله تعالى: (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الآية ٥٦ من سورة الذاريات في ج ٢ والآية عامة، وما قيل إن المراد بها نفس آدم ﵇، لأنها لمّا تزل تلومه على ما وقع منه، وفرط به لا دليل له عليه، ولا يوجد ما يؤيده، بل هي شاملة لكل نفس، وجواب القسم محذوف تقديره لتكوننّ القيامة ولتبعثنّ فيها وتحاسبون على ما وقع منكم، بدليل قوله عز قوله «أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ» الذي ينكر البعث، ولم يؤمن به جحدا وكفرا «أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ٣» بعد تفرقها وصيرورتها رفاتا، واختلاطها بالتراب ونسفها بالرياح، وبعد أن أكلتها الوحوش والطيور والحيتان، يقول الله تعالى: تستعظم علينا أيها الإنسان هذا كلا لا تستكثره على من خلقك من العدم، «بلى» أيها الكافر نفعل ذلك حالة كوننا «قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ٤» عظام رؤوس أصابعه، وإنما

стр. 238

خصّ هذه العظام لأنها قوالب النفوس، ولا يستوي الخلق إلا باستوائها، وخص رؤوس الأصابع لأنها سلامات صغار كثيرة لطيفة، ومهما كانت الدقة فإنه جل شأنه، يعيدها لأماكنها، ويؤلفها كما كانت، فإعادة كبار العظام القوية الظاهرة من باب أولى، لأن القادر على الإبداء إبداعا، قادر على الإعادة اتباعا، وهو قادر عليه، وله المثل الأعلى. فانظر هداك الله قبل رقي علم التشريح، هل يوجد أحد يعلم أن أقوى شيء درّاك في الإنسان هو أنامله، التي هي جواسيس الدماغ وانها أدق جوارح الإنسان وأهمها، وإن البشر عاجز عن تركيبها كما كانت، إذا اعتراها ما يوهنها، وان الخطوط التي في رؤوسها لا يشبه بعضها بعضا أبدا، ولهذا اختاروا التوقيع بها بدلا من الختم لأنه يقلد، وهذه لا تقلد، ولهذا ولأمر لا نعرفه ذكرنا الله بها، واعلم أن للانسان ثلاثمائة وستين مفصلا، كل واحد منها يسمى سلامى، وقال ﷺ : كل سلامى من الناس عليه صدقة، وفيه تعدل بين اثنين صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة، رواه البخاري ومسلم، فكما أن الله تعالى تصدق بتلك السلامات على عباده فينبغي للعبد أن يتصدق بما استطاع على سبيل الشكر لله تعالى، على عدد مفاصله التي مكنه منها، وتمكّن بسببها من القبض والبسط والمد، واستخدمها بمنافعه ليدفع عنه حدوث البلاء، لأن الصدقة تدفعه وتزيد في العمر، وتمام الحديث: (كل يوم تطلع فيه الشمس) ، أي إن استطاع التصدق كل يوم فليفعل، وفيه وتعين الرجل في دابته فتحمل عليها، وترفع له عليها متاعه صدقة، لأنك إذا لم تفعل ذلك تأخر أخوك المسلم لعدم قدرته بنفسه أن يفعل ذلك، وفيه الكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة أي فمن لم يجد ما ينفق شاكرا على هذا فليفعل ما جاء في هذا الحديث فذلك بمعاملة الصدق بالمال وسبب نزول هذه الآية ان عديا بن ربيعة أو أبا جهل جاء إلى النبي ﷺ فقال له يا محمد حدثني عن القيامة وكيف أمرها وحالها فأخبره ﷺ فقال لو عاينت ذلك لم أصدقك ولم أو من بك فأنزل الله هذه الآية قال تعالى (بَلْ) إضراب وانتقال من معنى لآخر (يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ ٥) بأن

стр. 239

يقدم قبائحه وإذا كان كذلك فدعه ولا تعنفه، وأنى يسمع منك فيرتدع وينزجر وهو يريد الإدمان على الفجور حالا ومستقبلا ولا يريد أن يتوب أو ينزع هما هو عليه ومعنى الفجور في الأصل الميل وسمي الكافر فاجرا لميله عن الحق وكذا الفاسق «يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ ٦» إلى متى يكون استبعادا له فقل له يا حبيبي يكون ذلك لا محالة «فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ ٧» شخص عند الموت لما يشاهد من أهواله وعجائبه قال ذو الرمة: ولو أن لقمان الحكيم تعرضت لعينيه ميّ سافرا كاد يبرق وقرىء برق بكسر الراء أي دهش من شدة الفزع «وَخَسَفَ الْقَمَرُ ٨» ذهب ضوءه بحيلولة الأرض ما بينه وبين الشمس وكذلك كسوف الشمس يكون بحيلولة الأرض بينهما وبين ما تشرق عليه منها. هذا في الدنيا أما بالآخرة وهو المراد هنا فيذهب ضوءه وضوءها ويسقطان يدل عليه قوله «وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ٩» بطلوعهما معا من جهة المغرب وذهاب نورهما ثم يسقطان كسائر الكواكب راجع أول سورة التكوير المارة وللبحث صلة في سورتي الانفطار والانشقاق في ج ٢، وهذا لا يكون بالحيلولة كما يقوله الفلكيون ولا شيء آخر مما يقوله علماء الهيئة حيث تضمحل هناك المعارف والعوارف أما ما قاله الملاحون ان خسوف القمر لا يحصل حال اجتماع الشمس والقمر فهو انكار لقدرة الله القادر أن يجعله منخسفا سواء كانت الأرض متوسطة بينه وبين الشمس أو لم تكن لأن الأجسام متماثلة فيصح على كل منها ما يصح على الآخر، والله قادر على كل الممكنات والمستحيلات، ومن جملة قدرته إزالة ضوء القمر في كل حال، ولهذا لما كسفت الشمس يوم موت إبراهيم، وقال الناس إنها كسفت لأجله لأنهم يزعمون أنها تنكسف لموت عظيم، أو لأمر عظيم وحادث خطير، قال ﷺ : إنهما- أي الشمس والقمر- لا ينكسفان لموت أحد أو حياته، وإنهما آيتان يخوّف الله بهما عباده، الحديث. قال تعالى واصفا ذلك الوقت العصيب الذي يحار فيه اللبيب، ويذهل عنه البعيد والقريب «يَقُولُ الْإِنْسانُ» المكذب لذلك «يَوْمَئِذٍ» يوم وقوع هذه الأشياء «أَيْنَ الْمَفَرُّ» والمهرب والمخلص من هذا فيقال «كَلَّا» انزجر وارتدع «لا وَزَرَ ١١» لا ملجأ

стр. 240

يلجأ إليه ولا واق يقي منه راجع الآية (٢٠) من سورة ابراهيم في ج ٢ تجد ما يتعلق بهذا، واعلم أن الوزر هو الجبل المنيع، وكل ما يتحصّن به ويلجأ إليه. قال كعب بن مالك: الناس آلت علينا ليس فيك لنا ... إلا السيوف وأطراف القنا وزر وقال الآخر: لعمرك ما يلقى من وزر ... من الموت يدركه والكبر وكانوا إذا فزعوا من شيء يلجأون إلى الجبال ولذلك قال ابن نوح ﵇: (سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ) الآية ٤٣ من سورة هود، في ج ٢، فتقدم الله تعالى لهؤلاء بما يقطع أملهم بأن لا شيء هناك يعصبهم من عذاب الله إلا هو، ولهذا قال «إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ١٢» ، أي يكون قرار خلقه يوم فرارهم إليه، وخلاصهم منوط به وحده، لا يشاركه أحد، وهو إما إلى الجنة أو النار لا توسط بينهما، أما أهل الأعراف فسيأتي بيانهم في الآية ٤٦ من سورتهم الآتية، قال تعالى حينذاك «يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ» يوم الحساب والجزاء «بِما قَدَّمَ» من أعماله الحسنة والسيئة «وَأَخَّرَ ١٣» من آثاره كسنة حسنة سنّها أو وصية خير أوصى بها أو وقف، أوقفه في دنياه، فيفهم هل أراد به وجه الله تعالى، فإن كان فيوضع في جملة أعماله الصالحة، وإلا فإن كانت النيّة سيئة والوصية لحب المال، أو كراهية بالورثة أو رياء، فيكون في جملة أعماله الطالحة، ومما يعد مؤخر الولد ان كان صالحا انتفع به وإلا لا، ومما يدل على حسن النية وسوئها قوله عز قوله «بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ» وكافة جوارحه «بَصِيرَةٌ ١٤» شاهد لا يحتاج إلى الإشهاد عليه، فهو يعلم مغزى ما يفعل وما يقدم وما يؤخر، والهاء في بصيرة للمبالغة كعلامة وشهامة فالسمع يشهد بما سمع، والبصر بما ابصر، واليد بما بطشت، والرجل بما مشت، والأنف بما شم، والفم بما ذاق وتكلم، وهكذا فلا يظن انه ينجو إذا كان عمله لغير الله «وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ ١٥» كلها بأنواعها وأجناسها فلا ينفعه ذلك لأن شاهده من نفسه قال تعالى «يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ» الآية ٢٤ من ت (١٦)

стр. 241

سورة النور في ج ٣ ومثلها في فصلت الآية ٢٢ في ج ٢ وقال تعالى «كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً» الآية ١٤ من الإسراء الآتية وانشد الفراء بما يلائم هذا: كأن على ذي العقل عينا بصيرة ... بمجلسه أو منظر هو ناظره يحاذر حتى يحسب الناس كلهم ... من الخوف لا يخفى عليه سرائره وفسر بعضهم المعاذير بالستور وعليه يكون المعنى ولو أرخى ستوره عند ارتكاب المعاصي لئلا يراه أحد فالله يراه وتشهد عليه جوارحه وجاء العذار بمعنى الستر، ومنه سمى الشعر الثابت ما بين الأذن والوجه عذار، ومنه عذار الفرس فانه يستر جزءا من وجهها والأول أولى وأنسب بالمقام، ثم التفت جل شأنه يخاطب رسوله بما يراه يعالجه حين تلقى الوحي فقال «لا تُحَرِّكْ بِهِ» أي القرآن حينما تتلقاه من جبريل «لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ١٦» وتسيء تلاوته على اثر فراغك من سماعه لتوقره في صدرك خشية نسيأنه كلا لا تخف هذا «إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ» وإثباته في لبّك الآن وفي المصاحف بعد، حتى لا يفلت منه حرف «وَقُرْآنَهُ ١٧» وعلينا وبكفالتنا قراءته بلسانك على قومك وان يقرأه من بعدك الى قرب أن نرث الأرض ومن عليها «فَإِذا قَرَأْناهُ» عليك يا حبيبي بواسطة أميننا جبريل «فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ١٨» قراءته واستمع لها وأنصت فهذا الذي عليك «ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ١٩» لك وان كان ﷺ في بدء الوحي يحفظ ما ينزل عليه، الخمس آيات والأقل والأكثر ولما حمي الوحي احتاج إلى شدة اجتهاد به حرصا على ان لا ينسى منه شيئا، وكان لشدة حرصه على وحي ربه حال سماعه يتلوه اثر سماعه وإذا أشكل عليه شيء سأل جبريل عنه فقال له ربه لا تتعب نفسك بشيء تكفلنا لك بحفظه وبيان ما فيه من أحكام وحلال وحرام، هذا (وقرآنه) في الآيتين بمعنى القراءة وهي لغة معروفة عند العرب قال ضحوا بأشمط غوان السجود له ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا أي قراءة. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال كان ﷺ يعالج من التنزيل شدة فكان مما يحرك شفتيه. قال ابن جبير قال ابن عباس أنا أحركهما كما كان ﷺ يحرك شفتيه فحرك شفتيه فأنزل الله هذه الآية، وكان بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع فإذا انطلق قرأه

стр. 242

كما قرأه. وفي رواية كما وعده الله، ورواه البغوي من طريق البخاري بزيادة يحرك لسانه وشفتيه بشدة وكان يعرف منه. وفيه فكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده. لذلك فإن هذه الآية كالمعترضة بين ما قبلها وما بعدها كما ترى «كَلَّا» حقا انكم لا تميلون إلى الآجلة «بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ ٢٠» الفانية فتنهكون فيها «وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ٢١» الباقية فلا تلتفتون إليها وكان الأحرى بكم العكس «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ» يوم تكون الآخرة التي اخترتم الدنيا عليها «ناضِرَةٌ ٢٢» حسنة ناعمة جميلة مضيئة مسرورة بما رأت «إِلى رَبِّها» في جنته العالية «ناظِرَةٌ ٢٣» مبصرة مشاهدة عيانا بلا حجاب ولا كيفية ولا كمية ولا ثبوت جهة أو مسافة. قال في بدء الأمالي: يراه المؤمنون بغير كيف ... وادراك وضرب من مثال فينسون النعيم إذا رأوه ... فيا خسران أهل الاعتزال ومن قال ان ناظرة بمعنى منتظرة، فقد أخطأ لأن العرب لا تقول نظرت إلى الشيء بمعنى انتظرته بل تقول نظرت فلانا أي انتظرته قال الحطيئة: وقد نظرتكم أعشاء صادرة ... للورد طال بها حوري وتنساسي وعليه إذا قلت نظرت إليه فلا يكون إلا بالعين، أما إذا قلت نظر بالأمر احتمل معنى تفكر وتدبر بعقله ولأن الوجه إذا وصف بالنظر لا يحتمل غير الرؤية ولا يعدى بإلى إلا إذا كان بمعنى الرؤية. مطلب رؤية الله في الآخرة: وقد أجمعت أهل السنة والجماعة على جواز رؤية المؤمنين ربهم بالآخرة دون الكافرين، قال تعالى (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) الآية ١٥ من المطففين في ج ٢ فيفهم منها صراحة ان المؤمنين غير محجوبين عن رؤيته، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة واجماع الأئمة الأصحاب فمن بعدهم من السلف الصالح والخلف الناجح على إثبات رؤية الله تعالى وقد روى ذلك أكثر من عشرين صحابيا وان الرؤية

стр. 243

قوة يجعلنها الله فيمن يوفق لها، ولا يشترط فيها اتصال ولا مقابلة ولا سعة ولا غير ذلك ومن أنكرها فجزاؤه حرمانها. روى البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله البجلي، قال كنا عند رسول الله فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال انكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر لا تضامون (بفتح التاء أي لا ينال أحدكم ضيم إذ ترونه جميعكم وبضمها مع تشديد الميم أي لا ينضم بعضكم إلى بعض ولا تزدحمون وقت النظر إليه) في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) الآية ٣٩ من سورة ق الآتية. وروى مسلم عن صهيب ان رسول الله قال إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول ﵎ تريدون شيئا أزيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار قال فيكشف الحجاب فما اعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم والأحاديث في هذا الباب كثيرة عن ابن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وأبي رزين العقيلي وقد خرجها أبو داود والترمذي وغيرهما، واعلم بان الأحاديث التي يتشهد بها على معاني الآيات في هذا التفسير لا نعتي بها أن حضرة الرسول قالها عند نزول الآيات وخاصة المكيات لا وإنما كان ﷺ يقولها عند حدوث سؤال أو وقوع حادثة أو حالة وعظ وخطبة، تدبر. هذا واعلم أن من لم يقنع بهذا فلو أتيته بما في الدنيا لا يصدقه على حد قوله تعالى (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) الآية ١٤٤ من البقرة في ج ٣ وهؤلاء كذلك من هذه الحيثية ولعلهم إن أصروا يدخلون في قوله جل قوله «وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ٢٤» كالحة عابسة مكفهرة مقطبة أجارنا الله (تَظُنُّ) أيها الإنسان وتيقن وتحقق «أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ ٢٥» شيء عظيم يقصم فقار الظهر وذلك حين ترى ما ناله السعداء من نعيم الآخرة ورحمة ربها حينما تمر بين أهل الجنة وأهل النار (كلا) زجر وردع عن إيثار الدنيا على الآخرة وتنبيه الى حالة الموت المبينة بقوله (إِذا بَلَغَتِ) الروح الدال عليها سياق الكلام ويجوز في مثله أن يعود الضمير إلى غير مذكور قال تعالى (حَتَّى

стр. 244

تَوارَتْ بِالْحِجابِ) الآية ٣٢ من سورة ص الآتية أي الشمس لم تذكر ولكن سياق الكلام أو سياق المعنى دل عليها وجاء مثله في قول حاتم: أماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر راجع تفسير سورة إنا أنزلناه المارة واعلم انه إذا وصلت الروح «التَّراقِيَ ٢٦» العظام المكتنفة لثغرة النحر من اليمين والشمال جمع ترقوة قال دريد بن الصمة في هذا: ورب عظيمة دافعت عنها ... وقد بلغت نفوسهم التراقى (وَقِيلَ) أي قال من حضر المحتضر «مَنْ راقٍ ٢٧» أي هل من يرقيه هل من يداويه هل من ينجيه ويخلصه مما هو فيه فيشفيه مما حل فيه كلا لا شيء من ذلك يحول دون موته (وَظَنَّ) ذلك المحتضر فتيقن وتحقق (أنّه) الحال الذي نزل به هو «الْفِراقُ ٢٨» من الدنيا وما فيها من مال وأهل وولد وزوجة وحبيب وان لا نجاة من قضاء الله وقدره ولم تغن عنه الرقيا ولا الأطباء شيئا وانه الموت نفسه قد حضر «وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ٢٩» التوت الساقان على بعضها عند هلع الموت وقلقه فمات ثم لفّ في أكفانه وحمل يتوارى في برزخه الأخير ورمسه المقدر له وإذ ذاك يقال (إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ) يوم الفراق يوم موته «الْمَساقُ ٣٠» إلى غيره وهو يأمر بسوقها إلى الجنة أو إلى النار وفي اضافة السوق اليه تعالى بشارة لمن حسن ظنه بالله ومات على ذلك. قالوا غدا نأت ديار الحمى ... وينزل الركب بمغناهم فقلت لي ذنب فما حيلتي ... بأي وجه أتلقّاهم قالوا أليس العفو من شأنهم ... لا سيما عمّن ترجّاهم وقال أبو بكر الصديق في مرضه: غدا نلقى الأحبة ... محمدا وحزبه وجواب إذا محذوف تقديره وجد الإنسان نتيجة عمله ان خيرا فخير وان شرا فشر، وحذف الجواب في مثل هذا كثير في كلام العرب وهو من محسنات البيان ومقتضيات البديع وهو في المعنى كأنه موجود ولا يخفى على من له المام باللغة قال تعالى (فَلا

стр. 245

صَدَّقَ) ذلك الإنسان المذكور في صدر السورة. رسول الله الذي وعظه وبشّره وأنذره «وَلا صَلَّى ٣١» لربه وسبحه وعزره (وَلكِنْ كَذَّبَ بالله وبما أنزل على رسوله «وَتَوَلَّى ٣٢» عنه ولم يؤمن به «ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى ٣٣» يختال ويتبختر في مشيته لانّها مأخوذة من المط أي يتمطط لأن المتبختر يمد خطاه فقلبت الطاء ياء كراهية اجتماع الأمثال (أَوْلى لَكَ أيها الفاسق الفاجر «فَأَوْلى ٣٤» لك «ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ٣٥» هذا جملة موضوعة للتهديد والوعيد وفي تكرارها ما يدل على شدة ما يراد به وقيل معناه أنك أجدر وأحق بالعذاب القاسي وأولى به من غيرك وهو وجيه، منطبق على المعنى المراد، وقيل في معناها: ويل لك ثم ويل لك دعاء عليه بالهلاك، وعلى كل فهو تهديد ووعيد اليه مكرر من الله المرة بعد المرة، أي أن ذلك الإنسان السيء أجدر بهذا العذاب وأحق به من غيره. قال قتادة: ذكر لنا رسول الله لما نزلت هذه الآية (في حق عدي بن ربيعة حليف بني زهرة ختن الأخنس بن شريق الثقفي الذي كان يقول فيهما حضرة الرسول: (اللهم اكفني جاري السوء بعينهما) أخذ بمجامع ثوب أبي جهل بالبطحاء، وقال له (أَوْلى لَكَ فَأَوْلى) فقال أبو جهل- عليه اللعنة- أتوعدني يا محمد؟ والله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا، وإني لأعزّ من مشى بين جبليها، فلما كان يوم بدر صرعه الله، فأذله وقتله شر قتلة. وكان ﷺ يقول: لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة أبو جهل، وأنزل الله في حقه «ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ» الآية ٣٩ من سورة الدخان ج ٢ أي يقال له هذا عند إدخاله جهنم بمقابلة قوله ذلك قال تعالى «أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ» أل فيه للجنس فيشمل كافة أفراده إذ لم يرد به إنسان مخصوص بل مطلق إنسان «أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ٣٦» هملا مهملا لا يؤمر ولا ينهى ولا يكلف ولا يحاسب ولا يعذّب، (وكلمة سدّى) لم تكرر في القرآن كلا لا يترك بل لا بد له من ذلك، ثم طفق جل شأنه يذكرهم مبدأ الخلقة، ومن أين هي، وما هي؟ وعوده إلى جيفة قذرة، يتذكر الإنسان بها حالة طيشه فقال عز قوله «أَلَمْ يَكُ

стр. 246

نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ٣٧» يزرق في الرحم «ثُمَّ كانَ عَلَقَةً» قطعة دم جامد بعد ذلك «فَخَلَقَ» جعل الله تلك العلقة جنينا «فَسَوَّى ٣٨» خلقه وجعله بشرا سويا معتدلا كاملا «فَجَعَلَ مِنْهُ» في أصل البشر وهو آدم ﵇ أو من المني المذكور «الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ٣٩» الصنفين الزوجين: الإنسان والحيوان والطيور والحيتان، وغيرها مما هو مخلوق بحسب التوالد، راجع تفسير الآية ٣ من سورة والليل المارة وللبحث صلة في الآية ٤٥ من سور النور في ج ٣، وإنما ذكر جل شأنه خلقه بخلقهم بسائق ذكر منكري البعث، والمختالين في مشيهم المتكبرين على حضرة الرسول يشير إليهم فيها أن من كان هذا حاله أولا وبيدنا تكوينه، كيف ينكر علينا قدرتنا عليه، وإعادته بعد الموت ويتعاظم ويتجبر على نبينا «أَلَيْسَ ذلِكَ) الذي فعل هذا كله هو الإله العظيم الآلاء، البديع الإنشاء «بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ٤٠» بعد إماتتهم كما بدأهم أول مرة، بلى والله قادر، أخرج أبو داود عن موسى ابن أبي عائشة قال: كان رجل يصلي فوق بيته فكان إذا قرأ (أَلَيْسَ ذلِكَ) قال سبحانك بلى فسألوه عن ذلك فقال: سمعته عن رسول الله ﷺ هذا، والله أعلم، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين إلى يوم الدين. تفسير سورة الهمزة عد ٣٢- ١٠٤ نزلت بمكة بعد القيامة، وهي تسع آيات وثلاثون كلمة، ومائة وثلاثون حرفا، ويوجد سورة المطففين مبدوءة بما بدئت به فقط ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت به، لا ناسخ ولا منسوخ فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال تعالى «وَيْلٌ» هلاك وقبح وحسرة وندامة وذم وسخط، وأصله (وي لفلان) فكثر استعمالها فوصلت والويل جبل أو واد في جهنم «لِكُلِّ» ذي «هُمَزَةٍ» هي كالهزم الكسر بالعين أو بإحدى الجوارح «لُمَزَةٍ ١» هي كالهمز الطعن في عرض الناس وكل ما من شأنه أن يعيبهم بمواجهتهم أو بغيابهم وقيل الهمز يكون باللسان والرأس واللمز بالعين

стр. 247

والحاجب وعلى كل فكل إشارة أو لفظ ما من شأنه إفادة القدح في الناس أو ذمهم داخل في هذا. قال الشاعر: إذ لقيتك عن سخط تكاشرني ... وان تغيبت كنت الهامز اللمزا ومنه: تشير فأدري ما تقول بطرفها ... وأطرق طرفي عند ذاك فتفهم حواجبنا تقضي الحوائج بيننا ... فنحن سكوت والهوى يتكلم وقدمنا في تفسير الآية ١١ من سورة القلم ما يتعلق بهذا وله صلة في الآية ١١ من سورة الحجرات في ج ٣. قال ابو الجوزاء لابن عباس من هؤلاء الذين ذمهم الله بالويل قال المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الاحبة، الناعتون الناس بالمعيب وتتناول كل من يعيب الناس بما يفعلونه جهرا أو بظهر الغيب أو ما يبطنونه ولذلك قال تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ «الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ ٢» مرّة بعد أخرى حبا له وشعفا به ولذلك يستصغر الناس ويهزأ بهم فيهمز هذا ويلمز ذاك، وينم على ذلك ويعيب الآخر «أيَحْسَبُ» هذا للعجب بنفسه «أَنَّ مالَهُ» المتكبر به جعله يسخر بالناس أو أنه «أَخْلَدَهُ ٣» في هذه الدنيا أيضا ويحسب انه لا يموت ولا يبعث ولا يحاسب ولا يقاص «كَلَّا» لا يظن ذلك إذ لا حقيقة لهذا الحسبان فلا شيء يخلد في الدنيا، ولا يبقى شيء بلا جزاء، على أن الذي يخلد الذكرى يتوقع منه الخير، هو العمل الصالح، قال علي كرم الله وجهه: مات خزّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر. ثم أقسم جل شأنه فقال: «لَيُنْبَذَنَّ» ليقذفن هذا الخبيث واضرابه «فِي الْحُطَمَةِ ٤» الدركة الثانية في النار، وسميت حطمة لأنها تحطم العظام لأول وهلة «وَما أَدْراكَ» أيها الإنسان «مَا الْحُطَمَةُ ٥» شيء عظيم هي لا ينالها عقلك، وفيها تهويل وتفظيع لأمرها، لأنها هي «نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ٦» التي لا تخمد أبدا، فويل لك أيها العياب الطّعان المتعظم على الناس بالمال منها، فإنها لشدة إحراقها «تَطَّلِعُ» حال القائك فيها وأمثالك «عَلَى الْأَفْئِدَةِ ٧» فيصل ألمها للقلوب لأنها موطن الكفر والنيات السيئة والعقيدة الفاسدة، أي أن هذه النار تدخل من أفواه المعذبين فتصل إلى صدورهم، فتصلي أفئدتهم من غير أن تحرقها

стр. 248

لأنها لو حرقت لماتوا. والنار كالجنة لا موت فيها كما مر في الاية (١٣) من سورة الأعلى، وإنما خصّ الأفئدة حيث لا ألطف منها في الوجود، وألمها أشد من غيرها لأنها حساسة، فتتألم بأدنى أذى يصيبها حتى الخطرة، فكيف إذا أحاطت بها النار والعياذ بالله. قال ﷺ : إن النار تأكل أهلها حتى إذا طلعت على أفئدتهم انتهت، ثم ان الله تعالى يعيد لحمهم وعظامهم مرة أخرى. وهكذا دواليك، راجع تفسير الآية ٥٥ من سورة النساء في ج ٣ «إِنَّها» أي الحطمة تكون «عَلَيْهِمْ» أي جماعة الكفر كلهم، وذلك لأن النكرة إذا اختصت عمّت «مُؤْصَدَةٌ ٨» مغلقة مطبقة قال: تحنّ إلى جبال مكة ناقتي ... ومن دونها أبواب صنعاء مؤصده وقال الآخر: قوما يعالج حملها أبناؤهم ... وسلاسلا ملسا وبابا مؤصدا وذلك الإيصاد في «عَمَدٍ» غلاظ عظام من وراء أبوابها «مُمَدَّدَةٍ ٩» توصد عليها بها، فلا يمكن أن يفتح بابها، ولا يدخل عليها روح. وقرىء عمد بضمتين وبفتح العين مع كسر الميم مثل أرم وأرم وأريم، وعقم وعقم وعقيم، وهو كل مستطيل من حجر أو خشب أو حديد، وهو جمع عمود على غير واحد، أما ما يجمع على واحد فهو ما ينظم مثل رسل جمع رسول، وزبر جمع زبور، سبل جمع سبيل. وجاء بهذا اللفظ لأن العرب اعتادوا أن يضعوا أحجارا أو أعمدة مستطيلة وراء الباب لئلا تفتح بالدفع جريا على عاداتهم فيدخلون أطرافها بشعوب يجعلونها في ساريتي الباب من الداخل، وإن الأبواب القديمة التي رأيناها في حلب والشام ودرعا وتدمر وبصرى كانت توصد على هذه الطريقة. وفي جهتي الباب من الداخل ثقوب لإدخال العمد فيها، ومنها ما هو موجود حتى الآن، ولكن لا قياس بين الأحجار والعمد التي يجعلها الناس، وبين العمد التي يجعلها ربهم. مطلب الكهرباء من الخوارق: ويؤخذ من هذا لا من حيث التأويل، بل من حيث نفوذ النور ما أحدث

стр. 249

في هذا الزمان الكهرباء وما يسمونه (أشعة رونتجن) إذ أن نورها يطلع على الافئدة وغيرها، ويبين ما فيها ويصورها فيظهر للرائي سلامة الأفكار والأعضاء ومعايبها. وما ندري ما يظهر لنا الزمن من أسرار هذا القرآن الذي قال عنه منزله (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) الآية ٣٨ من الأنعام في ج ٢. وأشار حيث أشارته في الآية ٢٤ من سورة يونس في ج ٢ أيضا، بأن أهل الدنيا يقدرون بتقدير الله على كل ما يتعلق بأمرها، وإن أعمالهم التي ظهرت الآن من طائرات سريعة الطيران وقاذفات تمحق المدن فضلا عن المذياع وشبهه والأوائل التي ينوب عمل يوم منها عن عمل شهر وأشهر تشير إلى قرب الساعة والله أعلم. نزلت هذه السورة في الأخنس بن شريق لكونه اعتاد الغيبة والنميمة والوقيعة في أعراض الناس، إلا أن الوعيد فيها عام يتناول كل من يباشر ذلك الفعل القبيح لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن الغيبة والنميمة والهمز واللمز سنأتي عليها عند كل بحث يتعلق بها. حفظنا الله منها، هذا والله أعلم، واستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى، الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين آمين. تفسير سورة المرسلات عدد ٣٣- ٧٧ نزلت بمكة بعد الهمزة، وهي خمسون آية عدا الآية ٤٨ فإنها نزلت بالمدينة، ومائة وثمانون كلمة، وثمانمائة وستة عشر حرفا، لا يوجد سورة مبدوءة بما بدئت به، وختمت بما ختمت به سورة يوسف فقط، لا ناسخ ولا منسوخ فيها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى مقسما: «وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً ١» الرياح المرسلة المتتابعة الكثيرة تهب بعضها اثر بعض، ومنه طار القطن عرفا أي بعضه خلف بعض، وجاء القوم عرفا أي جماعات بعضهم وراء بعض «فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً ٢» الرياح الشديدة الهبوب تعصف، أي تكسر الأشجار كسرا أو تدحرج الأحجار دحرجة «وَالنَّاشِراتِ نَشْراً ٣» الرياح المنبثة التي تنشر السحاب في السماء

стр. 250

«فَالْفارِقاتِ فَرْقاً ٤» الملائكة الذين يفرقون بين الحق والباطل فيشكرون من يقوم بالأول ويمقتون الثاني، وسمي القرآن فرقانا لأنه يفرق بين الكذب والصدق وقيل هي فارقة السحب الحائلة بين تتابع الهواء كما قيل ان المراد بالناشرات الرياح التي تنشر لأخبار كالمذياع، وعليه ليكون من معجزات القرآن لفقدانه أبان نزوله «فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً ٥» الريح الشديدة المخوفة الملقية في النفوس اللجوء إلى الله تعالى، أو الملائكة الذين يلقون الوحي إلى الأنبياء بما يوحي لهم الله «عُذْراً» للمتقين المتمسكين به «أَوْ نُذْراً ٦» للمبطلين الذين يعرضون عنه أو عذرا من الله إلى خلقه على حد قوله تعالى: (وقالوا لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ) الآية ١٦٤ من الأعراف الآتية، أي لئلا يقولوا ما جاءنا من نذير. هذا، وقد جمع الله بين الرياح والملائكة في هذا القسم لمشابهتهم الرياح في اللطافة وسرعة الحركة، وجواب القسم «إِنَّما تُوعَدُونَ» به أيها الناس على لسان رسلكم «لَواقِعٌ ٧» لا محالة وانه سينزل بكم عند حدوث الآيات التي جعلت علامة على قربه المبينة في قوله تعالى (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ٨» ومحي نورها «وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ ٩» فتحت بالأبواب قال تعالى: (وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً) الآية ١٩ من سورة النبأ في ج ٢ ولا مانع عقلي من ذلك سواء كانت جسما لطيفا أو صلبا، وأدلة استحالة الخرق والالتئام مخروقة هنا لا تشرى ولا تسام، لأنها لا تحول حول خوارق الملك العلام، هذا وسيأتي بحث الخرق والالتئام في تفسير الآية الأولى من سورة الإسراء والأولى من سورة القمر الآتيتين فراجعهما «وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ ١٠» قلعت وفتتت وصارت هباء منثورا راجع تفسير الآية ٥ من سورة القارعة المارة والآية ٨٨ من سورة النمل الآتية «وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ١١» حضّرت للميقات الذي وقته الله لهم للشهادة على أممهم وجمعت لذلك اليوم المشهود وإذا قلتم أيها الكفرة «لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ١٢» وأخرت المواعيد التي توعدنا بها من إنزال العذاب فقل لهم يا سيد الرسل «لِيَوْمِ الْفَصْلِ ١٣» بين الخلائق، ثم أتبع هذا التعجب الذي هو من خصائص ذلك
следующие страницы →