← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23595

بيان المعاني

ملا حويش

Полный текст (3 362 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ٣٧» يزرق في الرحم «ثُمَّ كانَ عَلَقَةً» قطعة دم جامد بعد ذلك «فَخَلَقَ» جعل الله تلك العلقة جنينا «فَسَوَّى ٣٨» خلقه وجعله بشرا سويا معتدلا كاملا «فَجَعَلَ مِنْهُ» في أصل البشر وهو آدم ﵇ أو من المني المذكور «الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ٣٩» الصنفين الزوجين: الإنسان والحيوان والطيور والحيتان، وغيرها مما هو مخلوق بحسب التوالد، راجع تفسير الآية ٣ من سورة والليل المارة وللبحث صلة في الآية ٤٥ من سور النور في ج ٣، وإنما ذكر جل شأنه خلقه بخلقهم بسائق ذكر منكري البعث، والمختالين في مشيهم المتكبرين على حضرة الرسول يشير إليهم فيها أن من كان هذا حاله أولا وبيدنا تكوينه، كيف ينكر علينا قدرتنا عليه، وإعادته بعد الموت ويتعاظم ويتجبر على نبينا «أَلَيْسَ ذلِكَ) الذي فعل هذا كله هو الإله العظيم الآلاء، البديع الإنشاء «بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ٤٠» بعد إماتتهم كما بدأهم أول مرة، بلى والله قادر، أخرج أبو داود عن موسى ابن أبي عائشة قال: كان رجل يصلي فوق بيته فكان إذا قرأ (أَلَيْسَ ذلِكَ) قال سبحانك بلى فسألوه عن ذلك فقال: سمعته عن رسول الله ﷺ هذا، والله أعلم، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين إلى يوم الدين. تفسير سورة الهمزة عد ٣٢- ١٠٤ نزلت بمكة بعد القيامة، وهي تسع آيات وثلاثون كلمة، ومائة وثلاثون حرفا، ويوجد سورة المطففين مبدوءة بما بدئت به فقط ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت به، لا ناسخ ولا منسوخ فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال تعالى «وَيْلٌ» هلاك وقبح وحسرة وندامة وذم وسخط، وأصله (وي لفلان) فكثر استعمالها فوصلت والويل جبل أو واد في جهنم «لِكُلِّ» ذي «هُمَزَةٍ» هي كالهزم الكسر بالعين أو بإحدى الجوارح «لُمَزَةٍ ١» هي كالهمز الطعن في عرض الناس وكل ما من شأنه أن يعيبهم بمواجهتهم أو بغيابهم وقيل الهمز يكون باللسان والرأس واللمز بالعين

стр. 247

والحاجب وعلى كل فكل إشارة أو لفظ ما من شأنه إفادة القدح في الناس أو ذمهم داخل في هذا. قال الشاعر: إذ لقيتك عن سخط تكاشرني ... وان تغيبت كنت الهامز اللمزا ومنه: تشير فأدري ما تقول بطرفها ... وأطرق طرفي عند ذاك فتفهم حواجبنا تقضي الحوائج بيننا ... فنحن سكوت والهوى يتكلم وقدمنا في تفسير الآية ١١ من سورة القلم ما يتعلق بهذا وله صلة في الآية ١١ من سورة الحجرات في ج ٣. قال ابو الجوزاء لابن عباس من هؤلاء الذين ذمهم الله بالويل قال المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الاحبة، الناعتون الناس بالمعيب وتتناول كل من يعيب الناس بما يفعلونه جهرا أو بظهر الغيب أو ما يبطنونه ولذلك قال تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ «الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ ٢» مرّة بعد أخرى حبا له وشعفا به ولذلك يستصغر الناس ويهزأ بهم فيهمز هذا ويلمز ذاك، وينم على ذلك ويعيب الآخر «أيَحْسَبُ» هذا للعجب بنفسه «أَنَّ مالَهُ» المتكبر به جعله يسخر بالناس أو أنه «أَخْلَدَهُ ٣» في هذه الدنيا أيضا ويحسب انه لا يموت ولا يبعث ولا يحاسب ولا يقاص «كَلَّا» لا يظن ذلك إذ لا حقيقة لهذا الحسبان فلا شيء يخلد في الدنيا، ولا يبقى شيء بلا جزاء، على أن الذي يخلد الذكرى يتوقع منه الخير، هو العمل الصالح، قال علي كرم الله وجهه: مات خزّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر. ثم أقسم جل شأنه فقال: «لَيُنْبَذَنَّ» ليقذفن هذا الخبيث واضرابه «فِي الْحُطَمَةِ ٤» الدركة الثانية في النار، وسميت حطمة لأنها تحطم العظام لأول وهلة «وَما أَدْراكَ» أيها الإنسان «مَا الْحُطَمَةُ ٥» شيء عظيم هي لا ينالها عقلك، وفيها تهويل وتفظيع لأمرها، لأنها هي «نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ٦» التي لا تخمد أبدا، فويل لك أيها العياب الطّعان المتعظم على الناس بالمال منها، فإنها لشدة إحراقها «تَطَّلِعُ» حال القائك فيها وأمثالك «عَلَى الْأَفْئِدَةِ ٧» فيصل ألمها للقلوب لأنها موطن الكفر والنيات السيئة والعقيدة الفاسدة، أي أن هذه النار تدخل من أفواه المعذبين فتصل إلى صدورهم، فتصلي أفئدتهم من غير أن تحرقها

стр. 248

لأنها لو حرقت لماتوا. والنار كالجنة لا موت فيها كما مر في الاية (١٣) من سورة الأعلى، وإنما خصّ الأفئدة حيث لا ألطف منها في الوجود، وألمها أشد من غيرها لأنها حساسة، فتتألم بأدنى أذى يصيبها حتى الخطرة، فكيف إذا أحاطت بها النار والعياذ بالله. قال ﷺ : إن النار تأكل أهلها حتى إذا طلعت على أفئدتهم انتهت، ثم ان الله تعالى يعيد لحمهم وعظامهم مرة أخرى. وهكذا دواليك، راجع تفسير الآية ٥٥ من سورة النساء في ج ٣ «إِنَّها» أي الحطمة تكون «عَلَيْهِمْ» أي جماعة الكفر كلهم، وذلك لأن النكرة إذا اختصت عمّت «مُؤْصَدَةٌ ٨» مغلقة مطبقة قال: تحنّ إلى جبال مكة ناقتي ... ومن دونها أبواب صنعاء مؤصده وقال الآخر: قوما يعالج حملها أبناؤهم ... وسلاسلا ملسا وبابا مؤصدا وذلك الإيصاد في «عَمَدٍ» غلاظ عظام من وراء أبوابها «مُمَدَّدَةٍ ٩» توصد عليها بها، فلا يمكن أن يفتح بابها، ولا يدخل عليها روح. وقرىء عمد بضمتين وبفتح العين مع كسر الميم مثل أرم وأرم وأريم، وعقم وعقم وعقيم، وهو كل مستطيل من حجر أو خشب أو حديد، وهو جمع عمود على غير واحد، أما ما يجمع على واحد فهو ما ينظم مثل رسل جمع رسول، وزبر جمع زبور، سبل جمع سبيل. وجاء بهذا اللفظ لأن العرب اعتادوا أن يضعوا أحجارا أو أعمدة مستطيلة وراء الباب لئلا تفتح بالدفع جريا على عاداتهم فيدخلون أطرافها بشعوب يجعلونها في ساريتي الباب من الداخل، وإن الأبواب القديمة التي رأيناها في حلب والشام ودرعا وتدمر وبصرى كانت توصد على هذه الطريقة. وفي جهتي الباب من الداخل ثقوب لإدخال العمد فيها، ومنها ما هو موجود حتى الآن، ولكن لا قياس بين الأحجار والعمد التي يجعلها الناس، وبين العمد التي يجعلها ربهم. مطلب الكهرباء من الخوارق: ويؤخذ من هذا لا من حيث التأويل، بل من حيث نفوذ النور ما أحدث

стр. 249

في هذا الزمان الكهرباء وما يسمونه (أشعة رونتجن) إذ أن نورها يطلع على الافئدة وغيرها، ويبين ما فيها ويصورها فيظهر للرائي سلامة الأفكار والأعضاء ومعايبها. وما ندري ما يظهر لنا الزمن من أسرار هذا القرآن الذي قال عنه منزله (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) الآية ٣٨ من الأنعام في ج ٢. وأشار حيث أشارته في الآية ٢٤ من سورة يونس في ج ٢ أيضا، بأن أهل الدنيا يقدرون بتقدير الله على كل ما يتعلق بأمرها، وإن أعمالهم التي ظهرت الآن من طائرات سريعة الطيران وقاذفات تمحق المدن فضلا عن المذياع وشبهه والأوائل التي ينوب عمل يوم منها عن عمل شهر وأشهر تشير إلى قرب الساعة والله أعلم. نزلت هذه السورة في الأخنس بن شريق لكونه اعتاد الغيبة والنميمة والوقيعة في أعراض الناس، إلا أن الوعيد فيها عام يتناول كل من يباشر ذلك الفعل القبيح لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن الغيبة والنميمة والهمز واللمز سنأتي عليها عند كل بحث يتعلق بها. حفظنا الله منها، هذا والله أعلم، واستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى، الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين آمين. تفسير سورة المرسلات عدد ٣٣- ٧٧ نزلت بمكة بعد الهمزة، وهي خمسون آية عدا الآية ٤٨ فإنها نزلت بالمدينة، ومائة وثمانون كلمة، وثمانمائة وستة عشر حرفا، لا يوجد سورة مبدوءة بما بدئت به، وختمت بما ختمت به سورة يوسف فقط، لا ناسخ ولا منسوخ فيها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى مقسما: «وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً ١» الرياح المرسلة المتتابعة الكثيرة تهب بعضها اثر بعض، ومنه طار القطن عرفا أي بعضه خلف بعض، وجاء القوم عرفا أي جماعات بعضهم وراء بعض «فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً ٢» الرياح الشديدة الهبوب تعصف، أي تكسر الأشجار كسرا أو تدحرج الأحجار دحرجة «وَالنَّاشِراتِ نَشْراً ٣» الرياح المنبثة التي تنشر السحاب في السماء

стр. 250

«فَالْفارِقاتِ فَرْقاً ٤» الملائكة الذين يفرقون بين الحق والباطل فيشكرون من يقوم بالأول ويمقتون الثاني، وسمي القرآن فرقانا لأنه يفرق بين الكذب والصدق وقيل هي فارقة السحب الحائلة بين تتابع الهواء كما قيل ان المراد بالناشرات الرياح التي تنشر لأخبار كالمذياع، وعليه ليكون من معجزات القرآن لفقدانه أبان نزوله «فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً ٥» الريح الشديدة المخوفة الملقية في النفوس اللجوء إلى الله تعالى، أو الملائكة الذين يلقون الوحي إلى الأنبياء بما يوحي لهم الله «عُذْراً» للمتقين المتمسكين به «أَوْ نُذْراً ٦» للمبطلين الذين يعرضون عنه أو عذرا من الله إلى خلقه على حد قوله تعالى: (وقالوا لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ) الآية ١٦٤ من الأعراف الآتية، أي لئلا يقولوا ما جاءنا من نذير. هذا، وقد جمع الله بين الرياح والملائكة في هذا القسم لمشابهتهم الرياح في اللطافة وسرعة الحركة، وجواب القسم «إِنَّما تُوعَدُونَ» به أيها الناس على لسان رسلكم «لَواقِعٌ ٧» لا محالة وانه سينزل بكم عند حدوث الآيات التي جعلت علامة على قربه المبينة في قوله تعالى (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ٨» ومحي نورها «وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ ٩» فتحت بالأبواب قال تعالى: (وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً) الآية ١٩ من سورة النبأ في ج ٢ ولا مانع عقلي من ذلك سواء كانت جسما لطيفا أو صلبا، وأدلة استحالة الخرق والالتئام مخروقة هنا لا تشرى ولا تسام، لأنها لا تحول حول خوارق الملك العلام، هذا وسيأتي بحث الخرق والالتئام في تفسير الآية الأولى من سورة الإسراء والأولى من سورة القمر الآتيتين فراجعهما «وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ ١٠» قلعت وفتتت وصارت هباء منثورا راجع تفسير الآية ٥ من سورة القارعة المارة والآية ٨٨ من سورة النمل الآتية «وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ١١» حضّرت للميقات الذي وقته الله لهم للشهادة على أممهم وجمعت لذلك اليوم المشهود وإذا قلتم أيها الكفرة «لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ١٢» وأخرت المواعيد التي توعدنا بها من إنزال العذاب فقل لهم يا سيد الرسل «لِيَوْمِ الْفَصْلِ ١٣» بين الخلائق، ثم أتبع هذا التعجب الذي هو من خصائص ذلك

стр. 251

اليوم المهول بما يدل على تعظيمه وتفخيمه والتخوف من هوله بقوله عز قوله «وَما أَدْراكَ» أيها الإنسان أي شيء أعلمك «ما يَوْمُ الْفَصْلِ ١٤» هو يوم ناهيك به من شدة وبلاء وأسف وعناء انه «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ١٥» به من هلاك وخسار وخطر ودمار فقل يا حبيبي للمكذبين بك وبربك المنكرين يوم المعاد والبعث والحساب والجزاء «أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ١٦» من الأمم الماضية كقوم نوح وعاد وثمود ومن بعدهم لما كذبوا رسلهم وفعلنا بهم ما فعلنا «ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ١٧» الذين سلكوا سبيلهم بالكفر والتكذيب كقوم لوط وفرعون وقوم شعيب ومن بعدهم فإنا دمرناهم كما أهلكنا من قبلهم «كَذلِكَ» مثل ما فعلنا بأولئك من العذاب الفظيع «نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ١٨» من قومك لأن سنتنا ماضية على ذلك «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ١٩» بالبعث من العذاب الذي نوقعه بهم فيه وفي هذه الآيات تهديد لأهل مكة وتخويف لمن لم يؤمن منهم برسوله ولمن بعدهم إلى يوم القيامة ولا تكرار هنا لأن الجملة الأولى لعذاب الآخرة وهذه لعذاب الدنيا فتفكروا أيها الناس واعتبروا «أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ٢٠» قذر قليل «فَجَعَلْناهُ» أي ذلك الماء في قرار» هو الرحم «مَكِينٍ ٢١» ومكنون ثابت لا يطلع عليه أحد ولا يعرف ما فيه غيرنا وأبقيناه «إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ٢٢» هو وقت الولادة المقدر لخروج الجنين المكون من تلك النطفة «فَقَدَرْنا» نحن الإله العظيم أجله عند كماله «فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ٢٣» نحن لتمام خلقه فلم نبقه بعد ذلك ولم نخرجه قبله طرفة عين، ومع هذا تكذبون أيها الناس «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ٢٤» بالفطرة التي فطرنا الناس عليها والقدرة التي قدرناها ولا تكرار أيضا لاختلاف المتعلق «أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً ٢٥» وعاء تضمكم «أَحْياءً وَأَمْواتاً ٢٦» على ظهرها وفي بطنها وقد خلقناكم منها، قال الصمصام بن الطرماح: فأنت اليوم فوق الأرض حيّ ... وأنت غدا تضمك في كفات «وَجَعَلْنا فِيها» الأرض «رَواسِيَ» جبالا ثوابت تثقلها «شامِخاتٍ» عاليات عظيمات لئلا تميد بكم رحمة بكم أيها الناس «وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً ٢٧»

стр. 252

عذبا حلوا وكل حلو فرات وأما نهر الفرات فقد اختص بهذا الاسم لشدة عذوبته بالنسبة لغيره من الأنهر، وقد ثبت بالتحليل أنه أحسن ماء إذا صفي تصفية صحيحة ويليه نهر العاصي وأما ماء الفيجة بدمشق فليس بشيء بالنسبة لها وأخسّ المياه ماء حلب وهذا في محيط سورية إذ قد يوجد ما هو أخس ولا تحديد لخلق الله «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ٢٨» بقدرتنا على الاعادة وانكار نعمتنا المتتابعة وجحود أنبيائنا المرسلين لإرشاد خلقنا وإذ كان متعلق هذه الجملة غير الأول أيضا فلا تكرار، والاستفهام في هذه الجمل كلها للتقدير أي أتنكرون شيئا من ذلك، وإذا كنتم تقرونه فلماذا لا تؤمنون ولا تحذرون أن يقال لكم حين تدنو الشمس من الرؤوس ويلجم الناس العرق لعدم وجود ما يستظلون به «انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ٢٩» من البعث والجزاء والنار التي لم تصدقوا بوجودها حينما خوفكم أنبياؤكم عذابها «انْطَلِقُوا» أيها الفسقة «إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ٣٠» وهو ناشىء من دخان جهنم إذا علا وارتفع وتشعب كالمثلث الطائش وقد فسره بقوله «لا ظَلِيلٍ» يظل من الحر لأنه لا ظل له «وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ٣١» أي لا يرد عنهم لهب جهنم الذي أو شك أن يلتهمهم في الموقف بل يزيدهم حرا على ما هم فيه من الحر، وهكذا كل مثلث هندسي يوشك أن لا يكون له ظل وارف بخلاف بقية الأشكال المربعة والمسدسة والمثمنة والمدورة وغيرها كالمستطيلة والبيضوية والمخمسة فانظر هداك الله انه جلّ شأنه لم يغفلى كتابه حتى من الأمور الهندسية فاحفظوا أنفسكم أيها الناس واحذروا هذه النار «إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ» هو ما يتطاير منها لكنه ليس كشرر نارنا بل إن كل شرارة منها «كَالْقَصْرِ ٣٢» البناء العظيم الشامخ «كَأَنَّهُ» ذلك الشرر المتطاير منها «جِمالَتٌ» جمع جمل والتاء لتأنيث الجمع «صُفْرٌ ٣٣» من حيث اللون قال: دعتهم بأعلى صوتها ورمتهم ... بمثل الجمال الصفر نزاعة الشوى وكانت العرب تسمي الأصفر أسود وقرىء بضم الميم جمع جمال وهو الحبل العظيم من حبال السفن وقلوس الجسور مفرده قلس وهو حبل من ليف أو خوص النخل

стр. 253

وتربط بها السفن وتسحب فيها في البحر والنهر والتشبيه في امتداده والتفافه وقرىء بكسر الجيم جمل أيضا مثل حجر وحجارة «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ٣٤» الذين تغافلوا عن ذلك اليوم وهنا لا تكرر أيضا للعلة السابقة. مطلب مواقف يوم القيامة: ثم يقال لهم عند ما يريدون إبداء أعذارهم «هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ٣٥» بحجة أو برهان يدافعون بهما عن أنفسهم وهذا موقف من مواقف يوم القيامة إذ يختم على أفواههم. وفيها موقف آخر يتكلمون فيه وفيها موقف يتخاصمون فيه فيما بينهم وفيها موقف يتخاصمون فيه مع الملائكة وفيها موقف يخاطبون به ربهم وفيها موقف يتعاتبون فيه بينهم وفيها وفيها وكل ذلك لا ينفعهم حيث تتكلم جوارحهم بما فعلوا فلا يخلصهم من عذاب الله شيء وسيأتي بيان هذه المواقف في الآية ١٦٧ من سورة البقرة في ج ٣ والآية ١٢ من سورة السجدة والآية ١١ من سورة ابراهيم في ج ٢ والآية ٦٠ من سورة ص الآتية وغيرها، ولهذا يقول الله «وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ٣٦» حيث تقدم الله لهم بالاعتذار على لسان رسله في الدنيا وأنذرهم سوء العاقبة إذا أصروا على كفرهم فلم يقبل منهم عذر يعتذرون به في الآخرة فتكم أفواههم «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ٣٧» بذلك اليوم الذي لا قدرة لهم على دفع العذاب فيه ولا يقبل منهم عذر إذ تقول لهم ملائكة العذاب «هذا» اليوم الذي أنتم فيه «يَوْمُ الْفَصْلِ» بين المحق والمبطل لا يوم الاعتذار الذي سبق أو انه لأن من أنذر فقد أعذر لذلك «جَمَعْناكُمْ» فيه بأمر ربنا أنتم يا مكذبين محمد «وَالْأَوَّلِينَ ٣٨» الذين كذبوا الرسل قبلكم «فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ» من حيلة أو مكر في رفع ما نزل بكم من العذاب «فَكِيدُونِ ٣٩» أيها الكفرة بما تقدرون عليه من أصناف الخداع ولستم بقادرين على شيء وهؤلاء الذين كنتم تعبدونهم وتقلدونهم في الدنيا موجودون معكم استصرخوهم إن كانوا ينقذونكم فإنهم أعجز منكم اليوم وأذل وسترونهم معكم في جهنم يعذبون بأشد مما تتعذبون لأن لهم ضعفين من العذاب لإضلالكم وإضلال أنفسهم وأنهم سيتبرءون عن عبادتكم

стр. 254

لهم وينكرونكم أيضا، وهذا نهاية في التوبيخ وغاية في التقريع لأن ذلك اليوم تنقطع فيه الحيل والأعذار ولهذا عقب هاتين الآيتين بقوله «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ٤٠» بعدل الله فيه، ولما انتهى ﷻ من بيان مآل حال الكفرة في هذه السورة شرع يبين ما للمؤمنين عنده فقال «إِنَّ الْمُتَّقِينَ» الإنكار والجحود والتكذيب بما تقدم يكونون يوم القيامة «فِي ظِلالٍ» عند ربهم يظلهم بها يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله، وهذا بمقابلة قوله للكافرين «ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ» وضد الظّل الضحّ وهو أعم من الفيء لأنه يقال لظل الليل وظل الجنة وكل موضع لم تصل إليه ظل ولا يقال الفيء إلا لما زاحت عنه الشمس ويعبر بالظل عن الرفاهية والمعزة والمناعة «وَعُيُونٍ ٤١» من ماء جارية في جنة عالية بدلالة قوله «وَفَواكِهَ» في تلك الجنة ذات الظلال الوافرة «مِمَّا يَشْتَهُونَ ٤٢» من أنواعها وأصنافها يتلذذون بثمارها وتقول لهم الملائكة «كُلُوا وَاشْرَبُوا» من هذه النعم المتنوعة «هَنِيئاً» لكم ومريئا «بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٤٣» في الدنيا من العبادات والخيرات، ونظير هذه الجملة في الآية ٤٥ من سورة الأعراف الآتية والآية ٣٢ من سورة النحل في ج ٢ «إِنَّا كَذلِكَ» بمثل هذا الجزاء «نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ٤٤» لأنفسهم وغيرهم في هذا اليوم جزاء إحسانهم في الدنيا «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ٤٥» بما وعدنا المؤمنين، وهلاك وخسران وحسرة لحرمانهم من هذا النعيم الدائم وتعذيهم بما أوعدناهم به ويقال لهم أيضا «كُلُوا وَتَمَتَّعُوا» أيها الكفار من هذه الدنيا الفانية «قَلِيلًا» لأنها مهما طال أمرها فهي قليلة بالنسبة للآخرة «إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ ٤٦» والمجرم يستحق العذاب والعقاب وقول كلوا وإن كان ظاهره أمرا فهو في المعنى نهي بليغ على حد قوله تعالى «اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ» الآية ٦٧ من سورة فصلّت في ج ٢، ففيه زجر عظيم لانهماكهم في الدنيا وانكبابهم على شهواتهم وإعراضهم عن الآخرة ونبذها وراءهم «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ٤٧» بهذه النعم الدائمة التي غرتهم الدنيا الفانية بزخارفها البالية فأبعدتهم عنها «وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا» لله واخضعوا لعظمته وتواضعوا لجلاله «لا يَرْكَعُونَ ٤٨» أنفة واستكبارا.

стр. 255

مطلب الآية المدنية في هذه السورة: هذا على القول بأن هذه الآية مكية، وعلى القول بأنها مدنية فيكون المراد الركوع في الصلاة الذي هو جزء منها، أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود أن هذه السورة نزلت في غار بمنى وأن هذه الآية نزلت معها دفعة واحدة فإذا صح هذا فتكون مكية ويؤول الركوع فيها على الخشوع لغة، وإذا أريد وقوعه في الركعتين التي فرضت عليه قبل فرض الصلاة في الغداة والعشي فيؤول على معناه الشرعي ومن قال انها مدنية احتج بلفظ الركوع لأن نزولها قبل فرض الصلاة «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ٤٩» بأنبيائهم الجاحدين المنكرين آيات الله الباهرة وهؤلاء إذا لم يؤمنوا بهذا الكتاب المنزل من لدنا على نبيهم الجامع لما في الدنيا والآخرة من خير وشر وقد كررت جملة «فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» عشر مرات كل لمعنى كما علمت «فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ» بعد هذا القرآن المشتمل على سير كتب الأولين كلهم «يُؤْمِنُونَ ٥٠» أي لا يؤمنون البتة. آمنا بالله وحده واتبعنا ما جاءنا به عبده وهذا والله أعلم، واستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه والتابعين أجمعين. تفسير سورة ق عدد ٣٤- ٥٠ نزلت بمكة بعد المرسلات وهي خمس وأربعون آية، عدا الآية ٣٨ فإنها نزلت بالمدينة وثلاثماية وسبع وخمسون كلمة، وألف وأربعمائة وتسعون حرفا، لا يوجد سورة مبدوءة أو مختومة بما بدئت وختمت به. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى: «ق» مفتاح اسمه القادر والقاهر والقريب والقدوس والقيوم والقدير وهي اسم للسورة أيضا والأحسن في معاني هذه الحروف أن يكل أمرها إلى منزلها وتقول الله أعلم بمراده بها وقد ذكرنا في تفسير نون أنها رمز بين المحب والمحبوب لا يعرفه غيرهما وسنذكر أوائل السور المبدوءة بالحروف معاني متفرقة أولا بأول فراجعها ففي كل منها ما ليس في الأخرى، راجع بحث الفرق بين الوحي والإلهام في المقدمة، هذا وقد افتتح جل

стр. 256

شأنه سورا من كتابه ببعض حروف الهجاء على سبيل التحدي والتنبيه لكونه معجزا لا يضاهى، ودلالة على عظمته، أتبعه بالقسم فقال «وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ» العالي الشرف وجواب القسم هذا محذوف تقديره انه لبالغ الإعجاز وإنه جدير أن يؤمن به من يسمعه وأنه لحقيق أن يعذب جاحده، قال ابن عباس ﵄ ق جبل محيط في هذه الدنيا، وقال غيره معناه قضي الأمر بما هو كائن إلى يوم القيامة «بَلْ» إضراب عما تقدم من معنى القسم إلى ما هم عليه من الجهل فقال «عَجِبُوا» أولئك الكفار قوم محمد «أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ» رسول ينذرهم ويخوفهم عاقبة أمرهم إن أصروا على كفرهم وذلك المنذر «مِنْهُمْ» في أنفسهم عرفوا صدقه وأمانته ونسبه ومكانته وآيته في القرآن البليغ الذي هو في لغتهم ومع ذلك أعرضوا «فَقالَ الْكافِرُونَ هذا» الذي جاء به محمد من عند ربه «شَيْءٌ عَجِيبٌ ٢» غريب في بابه ونوعه إذ يقول فيه «أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً» فإنا نحيا مرة ثانية ونسأل عما فعلناه «ذلِكَ» القول الذي يخبرنا به في رجوعنا بعد الموت إلى حالتنا الأولى بعد تفتتها وفنائها «رَجْعٌ بَعِيدٌ» عن العقل لا يوافقه عليه أحد ولا يكاد يصدقه إذ لم يخبرنا به آباؤنا فلا يكون ذلك أبدا وكلامك هذا يا محمد مرجوع عليك لبعد إمكانه قال تعالى ردّا لاستبعادهم ذلك «قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ» من الموتى وما تأكله الأرض من لحومهم وتشربه من دمائهم وترمه من عظامهم بحيث لا يشتبه عليه جزء أحد من الآخر ولا يعزب عن علمه ما تداخل منها في تخوم الأرض وما دخل في بطون الوحوش «وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ٤» بعددهم وأسمائهم وما ينقص منهم وما يبقى في كل لحظة. وفي هذا رد لاستبعادهم النشأة الأخرى، أي فالذي هو كذلك أيها الناس وقد خلقكم من العدم ألا يقدر على إعادتكم؟ بلى قال تعالى (كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) الآية ٢٨ من الأعراف الآتية، ثم اتبع الأضراب عن معنى القرآن باضراب آخر عن مغزى الإعادة فقال «بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ» الحياة بعد الموت الثانية بالبراهين المتلوة عليهم من الأنبياء من لدن آدم بادي الرأي ولأول وهلة دون تفكر وتدبر كما أنكروا الإله والنبوة والقرآن ت (١٧)

стр. 257

والآيات الدالة على صدقها «فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ٥» مضطرب مختلط فكل تكذيب منهم يكون أفظع من الذي قبله، فتارة يكذبون نفس الرسول وأخرى يتهمونه بالسحر والكهانة والجنة والشعر، وطورا يقولون أن ما جاءنا به من أساطير الأولين وخرافاتهم وانه يتعلمه من أهل الكتاب وأنه يتقوله من تلقاء نفسه ومرة يدّعون ألوهية الملائكة والنجوم والأصنام والأوثان فتراهم لا يثبتون على شيء وتقلبهم هذا دليل على كذبهم، قال تعالى موبخا فعلهم ومذكرا لهم بصنعه ببعض حلقه «أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها» بلا عمد يرونها أو بلا عمد أصلا، راجع تفسير الآية ٢ من سورة الرعد في ج ٣ والآية ١٠ من سورة لقمان في ج ٢ «وَزَيَّنَّاها» بأنواع الكواكب والشمس والقمر «وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ ٦» شقوق أو صدوع، فاعجبوا من هذا فإنه أعظم من الإعادة بعد الموت، راجع الآية ٥٧ من سورة غافر «وَالْأَرْضَ مَدَدْناها» على الخلاء لا شيء يمسكها ولا يقلها بشيء «وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ» جبالا عظاما لئلا تتحرك بكم فتزعجكم وهذا دليل على كونها قائمة بالهواء وإلا لما قال ذلك «وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ» صنف ونوع من مأكول وغيره «بَهِيجٍ ٧» نظارة وحسنا ولطافة فكل من يراه يبتهج ويسر، أي اغفلوا عن هذا الذي جعلناه «تَبْصِرَةً» للعاقل يتفكر به «وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ٨» إلى ربه تبصر في بدايع صنعه «وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً» فيه حياة كل شيء «فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ» بساتين يستدلون بها على جنات الآخرة «وَحَبَّ الْحَصِيدِ ٩» البر والشعير والذرة والسمسم والدّخن والعدس والرز وكل ما يقطف ويحصد من مأكول الإنسان والحيوان فهل يجهل أحد صنعنا لهذا «وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ» مرتفعات في السماء طوالا مستويات «لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ ١٠» ثمر متراكب بعضه فوق بعض وهو في أكمامه فإذا خرج من الكم بأن انشق عنه فيكون منضودا ولهذا قال تعالى في حق الموز (وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ) الآية ٢٩ من الواقعة الآتية لأنه يطلع بعضه فوق بعض ولم يخلق في الكم أولا ثم يخرج منه، ولهذا فان ثمر النخيل قبل أن ينشق

стр. 258

عنه الكم يسمى طلعا، وقد جعلنا هذا كله «رِزْقاً لِلْعِبادِ» فضلا من لدنا ورحمة بهم «وَأَحْيَيْنا بِهِ» أي الماء المبارك «بَلْدَةً مَيْتاً» جف نباتها واسودت أرضها «كَذلِكَ» أي كما نحيي الأرض الميتة بانزال الماء وإخراج النبات يكون «الْخُرُوجُ ١١» من المقابر وإحياء الخلق راجع الآية ٥٦ من الأعراف الآتية واعلم يا أكمل الرسل أن قومك ليسوا بأول من كذب الرسل بما جاءوهم من عندنا فقد «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ» نوحا «وَأَصْحابُ الرَّسِّ» شعيبا بعد إرساله إلى أصحاب الأيكة كما سيأتي في الآية ٨٥ من الأعراف الآتية، والرس البئر المطوية كانت لبقية من ثمود كذبوا نبيهم ورسوه في بئر لهم في اليمن قاتلهم الله، وقيل هم قوم باليمامة وأن صاحبهم الذي كذبوه قسطلة بن صفوان وقيل هم أصحاب الأخدود وصاحبهم الغلام الذي مر ذكره في الآية ٤ من سورة البروج المارة «وَثَمُودُ ١٢» كذبت صالحا «وَعادٌ» كذبت هودا «وَفِرْعَوْنُ» كذب موسى وهارون «وَإِخْوانُ لُوطٍ ١٣» كذبوا لوطا وسماهم إخوانا لأن بينه وبينهم نسبا قريبا لأنهم طائفة من قوم إبراهيم ﵇ ومعارفه وهو ابن أخت ابراهيم «وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ» الأشجار الملتفة كذبوا شعيبا أيضا «وَقَوْمُ تُبَّعٍ» أي كرب الحميري حيث آمن وكذبه قومه لذلك خصه الله بالذكر كما خص فرعون نفسه لأنه هو المكذب راجع الآية ٣٧ من سورة الدخان في ج ٢ فكان «كُلٌّ» من هؤلاء الأمم «كَذَّبَ الرُّسُلَ» المرسلين إليهم فلا تحزن يا حبيبي على قومك «فَحَقَّ» على المصرين منهم على الكفر إنقاذ «وَعِيدِ ١٤» فيهم ووعد الرسل بالنصر عليهم، فقل يا سيد الرسل لهؤلاء المنكرين اعادتهم بعد موتهم «أَفَعَيِينا» أعجزنا أم تعبنا «بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ» لهم حتى نتعب باعادتهم ثانيا، كلا وعظمتنا إنما هو بين الكاف والنون، وقل لهم يا أكمل الرسل كيف تعترفون ببداية الخلق وتنكرون الإعادة وليس بشيء أهون علينا منها. وهذا جواب لقولهم (ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) «بَلْ هُمْ» هؤلاء الجاحدون «فِي لَبْسٍ» شك وخلط وشبه ألقاها الشيطان في قلوبهم وأوقع الحيرة منه فيها بتسويله لهم بأن إحياء الموتى محال وأنساهم

стр. 259

التفكر بأن من قدر على الإنشاء لا تعبيه الإعادة بل هو على الإعادة أقدر «مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ١٥» بعد الموت، وقيل إن هذه الآية عامة في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فهي أن الله تعالى يعدم كل موجود في كل لحظة ويحييه وهذا معنى التجدد، وأما في الآخرة فإنه يحيي من أماته إلى الحساب والجزاء ولا يعظم هذا على الله، كيف وهو يقول «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ» من الخطرات والهواجس الحادثة الآن والتي ستحدث بعد في قلبه، لا يخفى علينا شيء من ضمائره، وكيف تخفى علينا «وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ١٦» العرق الذي يجري فيه الدم المتصل بكل جزء من أجزاء الإنسان، وهو بين الحلقوم والمري، ولذلك سمي وربدا، واذكر لهم يا محمد «إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ» الملكان الموكلان بكل نفس يكتبان ما تعمل من الخير والشر ويحفظانه إلى يوم الحساب أحدهما «عَنِ الْيَمِينِ» يكتب الحسنات «وَعَنِ الشِّمالِ» الآخر يكتب السيئات «قَعِيدٌ ١٧» كل منهما بمحله لا يفارقه طرفة عين، وقد اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر كقوله: رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئا ومن أجل الهوان رماني أي وكان والدي بربئا. وقوله: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف أي نحن راضون، وهنا يكون عن اليمين قعيد أيضا إذ الحذف من الأول لدلالة الثاني عليه وبالعكس من أبواب البلاغه وسمي احتباكا وهو فضلا عن أنه لا يخل بالمعنى فلا يخفى على بصير، ولفظ قعيد يدل على الملازمة فهو أبلغ من قاعد ولهذا قال تعالى «ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ» يقوله الإنسان «إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ» يراقبه لا يبرح عنه «عَتِيدٌ ١٨» تهيأ لتدوين ما يخرج من فيه، وهذان الملكان لا يفارقان الإنسان إلا عند الغائط والجماع، ولذلك يكره الكلام في هاتين الحالتين لئلا يؤذيهما في كتابة ما يقع منه فيهما لأنهما لا يهملان شيئا حتى أنينه في المرض ليثيبه الله عليه. روى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي أمامه قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 260

كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين حالا، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ساعات لعله يسبّح أو يستغفر، وهذان غير المعقّبات الآتي ذكرهم في قوله تعالى (لَهُ مُعَقِّباتٌ) الآية ١١ من سورة الرعد في ج ٣ لأن الله وكل في بني آدم ملائكة كثيرين من حين يكون في بطن أمه إلى أن يدفن في قبره، ومن لطفه على عباده أنه يكتب للمريض والمسافر مثل ما كانا يعملان في الصحة والإقامة من الحسنات فقط أما السيئات فلا، لأن العقاب فيها متوقف على الفعل فلو نوى ولم يعمل لا يكتب عليه شيء بل تكتب له حسنة كما سيأتي في تفسير الآية ٨٤ من سورة القصص الآتية. أخرج بن أبي شيبة والدارقطني في الافراد والطبراني والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ما من أحد من المسلمين يبتلى ببلاء في جسده إلا أمر الله تعالى الحفظة فقال اكتبوا لعبدي ما كان يعمل وهو صحيح مادام مشدودا في وثاقي. واخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: قال ﷺ : من مرض أو سافر كتب الله تعالى له ما كان يعمل صحيحا مقيما قال تعالى «وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ» أي شدته المذهبة لعقلة وغمرته التي تغشى المحتضر حالة نزعه إذ تحول بينة وبين عقله فتصيّره كالسكران «بِالْحَقِّ» عند بلوغ الأجل اليوم الذي يتبين به الإنسان من أمري الدنيا والآخرة ويعلم فيه ما يوصل إليه حاله من السعادة والشقاوة ويراه عيانا. واعلم أن الإنسان خلق لشيئين: لعبادة ربه مادام حيا قال تعالى (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الآية ٥٦ من الذاريات في ج ٢، وللموت عند انقضاء أجله قال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) الآية ١٨٥ من آل عمران ج ٣، وهي مكررة في الأنبياء والعنكبوت ٣٥ و ٥٧ الآتيتين ج ٢ وهو لا ينجو منه أحد، قال: مناديه ينادي كل يوم: لدوا للموت وابنوا للخراب ويقال له «ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ» تميل تعدل عن الموت الذي تنفر عنه ولا تريده بحالة من الأحوال، فها هو قد جاءك. أخرج البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عائشة وصححه الحاكم قالت: لقد رأيت رسول الله ﷺ وهو

стр. 261

بالموت وعنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول اللهم أعني على سكرات الموت. وجاء في بعض الآثار ما أخرجه ابن سعد عن عروة قال: لما مات الوليد بكت أم سلمة فقالت: يا عين فابكي للوليد بن الوليد بن المغيرة ... كان الوليد أبو الوليد فتى العشيرة فقال ﷺ لا تقولي هكذا يا أم سلمة ولكن قولي (وجاءت سكرة الموت بالحق) وأخرج أحمد وابن جرير عن عبد الله مولى الزبير بن العوام قال: لما حضر أبو بكر الوفاة تمثلت عائشة بهذا البيت: أعاذل ما يغني الحذار عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر فقال أبو بكر، ليس كذلك يا بنية ولكن قولي: (وجاءت سكرة الموت بالحق) وفي رواية لابن المنذر وأبي عبيد أنها قالت: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل فقال ﵁: بل قولي (وجاءت سكرة الموت) إلخ. ولما بين جل شأنه بعضا من حالة الإنسان في حياته ومماته طفق يبين شيئا من أحوال القيامة التي لا بد له منها فقال «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ» النفخة الثانية للبعث بدليل قوله «ذلِكَ» أي وقت هذه النفخة هو «يَوْمُ الْوَعِيدِ ٢٠» للحساب والجزاء الذي وعدكم الله به في الدنيا على لسان رسله وحذركم من هوله لأن النفخة الأولى تكون لإماتة من بقي في الدنيا وبينهما كما قيل أربعون سنة، وفي النفخة الثانية يقوم الخلق من كفاتهم قال تعالى «وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ» برة كانت أو فاجرة «مَعَها سائِقٌ» ملك يسوقها إلى الحشر الذي يقف الناس فيه للحساب «وَشَهِيدٌ ٢١» ملك آخر يشهد عليها بما عملت في الدنيا ويقال له «لَقَدْ كُنْتَ» أيها الإنسان في دنياك وبرزخك مدة طويلة «فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا» اليوم العظيم وقد كنت تنكره وتجحده وتكذب رسلنا الذين أنذروكه «فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ» الذي كان على بصرك والرين الذي كان على بصيرتك، وأزحناه عنك الآن لتنظره عيانا، وأمطنا ما كان على سمعك من الثقل لتسمعه جهرا حقيقة وأجلينا الصدأ الذي على قلبك لتعيه يقينا

стр. 262

«فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ٢٢» قوي جدا يرى ما كان محجوبا عنه في الدنيا بسبب غفلتك عن النظر إلى قدرتنا والسماع لأوامرنا والتفكر في مصيرك ومصنوعاتنا «وَقالَ قَرِينُهُ» الملك الموكل به الشهيد عليه الكاتب لأعماله «هذا ما» أي الديوان الذي «لَدَيَّ» عن سجل أعمالك «عَتِيدٌ» مهيأ ظاهر حاضر فينظر فيه فإذا هو والعياذ بالله جامع لكل شيء، وهو الكتاب المنوه به في الآية ١٤ من الإسراء الآتية، فيقول الله حينذاك، وهو أعلم بما فيه قبل إظهاره لأنه مدون في لوحه للسائل وللمشاهد اللذين جاءا به «أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ٢٤ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ» في الدنيا «مُعْتَدٍ» على نفسه وعلى غيره، يمنع خيره، ويوقع شره وضره «مُرِيبٍ ٢٥» شاك في التوحيد وفي هذا اليوم وهو «الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ» من أصنام وغيرها «فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ ٢٦» الكائن في الطبقة السفلى من طبقات النار أعاذنا الله منها «قالَ قَرِينُهُ» شيطانه الذي قيض له السوء المنوه به في الآية ٣٠ من سورة الزخرف في ج ٢ والوارد ذكره في قوله ﷺ ما من أحد الا وقد وكل به قرينه من الجن قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني الا بخير هذا وإن بعض المفسرين فسر القرين الأول بالشيطان، وبما أن الجمهور على خلافهم فسرناه بالملك لأن سياق الآية بدل عليه، ويأبى الآخر، فانظر ماذا ترى. ولفظ القرين من النوع المبهم أحد أقسام البديع في الكلام، ولهذا فإنه يفسر بنسبة المقام كما جرينا عليه «رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ» أي ما أجبرته على الطغيان ولا أوقعته فيه، وهذا بعد أن سئل وقال أطغاني الشيطان، فيدافع الشيطان عن نفسه معتذرا ثم يقول «وَلكِنْ كانَ» هو يا رب غارقا «فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ٢٧» عن الحق وسبله، إذ اختار بطوعه ورضاه الضلال على الهدى وأكب على الردى، فيقول الكافر يا رب كذب هو الذي سوّل لي الشر وحسّن لي القبيح فأراد الشيطان أن يكذبه ثانيا فقطع الله. عليه كلامه «قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ» الآن اسكتوا لأني أرسلت إليكم رسلا «وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ٢٨» على ألسنتهم وبالكتب

стр. 263

التي أنزلتها عليهم، وقد أنذروكم وحذّروكم هول هذا اليوم وبينوا لكم منافع الإيمان ومضار الكفر فلم تفعلوا فلا فائدة من خصامكم الآن وقد قضي الأمر عليكم بالعذاب «ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ» فلا تطمعوا أن أغيره لأنه حق عليكم «وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ٢٩» لأني لا أعذب أحدا بغير ذنب، وأنا العلام بما وقع منكم قبلا راجع تفسير الآية ٢٢ من سورة ابراهيم في ج ٢ والآية ٣٠ من سورة المرسلات المارة تقف على مواقف القيامة، واذكر يا محمد لقومك «يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ» إيفاء بوعده لها في سابق علمه وانجازا لقوله: «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ» الآية ١١٩ من سورة هود في ج ٢ قال ابن عباس فلما سيق أعداء الله إليها لا يلقى فيها فوج إلا ذهب فيها ولا يملأها شيء فتقول مخاطبة ربها عز علاه، ألست قد أقسمت لتملأني؟ قال فيضع قدمه عليها فيقول هل امتلأت، فتقول قط قط أي حسبي حسبي قد اكتفيت. وفيها ثلاث لغات بإسكان الطاء وكسرها وتنوينها، أي قد امتلأت وليس في مزيد وكانت تقول قبل هذا زدني فيزيدها «وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ٣٠» ولا يقال أن النار معنى وان كانت جسما فلا يأتي منها النطق، ولانها ليست صالحة للخطاب لأن الله الذي أنطق كل شيء في الدنيا وأنطق جوارح الإنسان بما صنعت، والحيوان بما اعتدى، والجماد بما وقع منه وعليه، قادر على إنطاق النار وجعلها صالحة للخطاب بإبداع سر من أسراره فيها، وقد خاطبها الله في غير هذا الموضع في الآية ٧٩ من سورة الأنبياء وخاطب الجبال في الآية ١٠ من سورة سبأ وخاطب النحل في الآية ٦٩ من سورة النحل وخاطب السماء والأرض في الآية ١١ من سورة السجدة في ج ٢ وأمثاله كثير في القرآن العظيم كما نبين كلا في محله ان شاء الله. مطلب في آيات الصفات وما يجب فيها: ولنورد ما يتعلق في هذه الآيات من الأحاديث: روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع ربّ العرش، وفي رواية رب العزة، فيها قدمه فينزوي بعضها إلى

стр. 264

بعض وتقول قط قط بعزتك ولا يزال في الجنة فضل، حتى ينشيء الله لها خلقا فيسكنهم فيها، فتقول الجنة قط قط. ولأبي هريرة بزيادة: ولا يظلم الله من خلقه أحدا. وهذا من أحاديث الصفات التي سبق البحث عنها في الآية ٢١ من سورة الفجر المارة، وذكرنا أن جمهور المتكلمين وطائفة من العلماء يصرفونها عن ظاهرها بالتأويل، فيضعون بدل القدم المقدم أي حتى يضع الله من قدم من أهل النار لقيام الدليل على استحالة الجارحية على الله تعالى، وجمهور من السلف وطائفة من المتكلمين بحروفها على ظاهرها ويؤمنون بها من غير تأويل وهو الأقرب وعليه فيكون معنى الرجل الجماعة كما تقول رجل من جراد أي جماعة منه أي يضع فيها جماعة أو قوما مسميين بلفظ الرجل القدم والإضافة هنا اختصاصية راجع تفسير هذا الحديث في شرحي البخاري ومسلم. وقال البغوي القدم والرجل في هذا الحديث من صفات الله المنزه عن الكيفية والتشبيه، والإيمان بها فرض، والامتناع عن الخوض فيها واجب، فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم، والخائض فيها زائغ والمنكر معطل، والمكيف مشبّه، وهو ليس كمثله شيء هذا والله أعلم قال تعالى «وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ» قربت وهيئت للمتقين المساعدين عما نهوا عنه الفاعلين ما أمروا به «غَيْرَ بَعِيدٍ ٣١» مكان قريب منهم كي يروها وتقر أعينهم بها ويقال لهم «هذا ما تُوعَدُونَ» في الدنيا على لسان رسلكم وهي لكم و «لِكُلِّ أَوَّابٍ» رجاع توأب من الذنوب. «حَفِيظٍ» على حدود الله مبالغ في طاعته وهو «مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ» خافه وأطاعه وصدق رسله «بِالْغَيْبِ» وآمن به من غير أن يراه «وَجاءَ» يوم القيامة الى ربه «بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ٣٣» اليه خاضع له خاشع لهيبته مخلص لعبادته مقبل اليه بكليته فهذا وأمثاله يقال لهم «ادْخُلُوها» أي الجنة التي قرّبت إليكم «بِسَلامٍ» وأمن من زوالها وسلام من الله وملائكته عليكم «ذلِكَ» يوم يدخل أهل الجنة الجنّة، وأهل النار النّار، هو «يَوْمُ الْخُلُودِ ٣٤» لا موت ولا خروج بعده أبدا «لَهُمْ» لأهل الجنة «ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ٣٥» لهم مما لم يخطر على بالهم وهو رؤية

стр. 265

الله إذ لا مزيد عليه لأهل الجنة بعدها، ولهذا فان جمهور المفسرين فسروا المزيد بالجنة كما فسروا الزيادة الواردة بالآية ٢٦ من سورة يونس في ج ٢ بها وبين مزيد وزيادة مناسبة باللفظ وبالآيتين بالمعنى، والقرآن يفسر بعضه، وبعد أن بين تعالى حال أهل النار وحال أهل الجنة للذكرى والاعتبار قال مهددا أهل مكة بما فعله من قبلهم بقوله «وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ» يا محمد من الأمم الماضية الذين لم تنفعهم الذكرى ولم يعتبروا بما وقع عليهم «مِنْ قَرْنٍ» أي قرون كثيرة ممن لم يتعظ بنذرنا «هُمْ» أي المهلكون «أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً» من قومك الذين يزعمون أنهم أشداء كثيرون، وأكثر عددا وعددا، وأعظم سطوة وجولة «فَنَقَّبُوا» طافوا وتقلبوا «فِي الْبِلادِ» شرقا وغربا جنوبا وشمالا ليروا ما يعصمهم من عذاب في الدنيا فلم يجدوا ما يقيهم منه فلينظر قومك «هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ٣٦» مخلص أو مهرب لهم أو مأمن أو ملجأ من عذابي فلم يجدوا وهل وجد أحد من العصور الخالية وزرا مني؟ كلا بل لا بد من الموت والرجوع إلي، قال الحارث بن كلدة: نقبوا في البلاد من حذر الموت ... وجالوا في الأرض كل مجال وقال امرئ القيس: وقد نقّبت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب «إِنَّ فِي ذلِكَ» الذي قصصناه عليكم يا أمة محمد بشير إلى أنكم ومن قبلكم ومن بعدكم صائرون إلينا وإن هو «لَذِكْرى» عظيمة وعبرة باهرة وعظة بالغة «لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» واع وعقل ثابت وفكر ثاقب «أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ» لما يتلى عليه من القرآن، وسمعه سماع قبول لا يحدث نفسه بخلافه مصغيا لإرشاده «وَهُوَ شَهِيدٌ ٣٧» فطن لا غافل ولا نسيان، لأن من لا يحصر ذهنه ولبه وسمعه وبصره لآيات الله لا يدخل في هذه الآية بل يكون في عداد الذين ذكرهم الله في الآية ١٨٧ من الأعراف، الآتية أعاذنا الله من ذلك. مطلب الآية المدنية في هذه السورة وخلق السموات والأرض والتسبيح: وهذه الآية المدنية قال تعالى «وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما»

стр. 266

من الجن والإنس والملائكة والطير والوحش والمياه وغيرها «فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا» لحقنا ولا أصابنا «مِنْ لُغُوبٍ ٣٨» إعياء أو تعب فكيف تستعظمون علينا إعادتكم أيها الناس وهي لا شيء بالنسبة لهذا الذي لا تفي به القوى لأنه أعظم من الخلق كله راجع الآية ٥٧ من سورة غافر من ج ٢، وهذه الآية أيضا كالمستطردة بالنسبة لما قبلها وبعدها كسائر الآيات المدنيات في المكيات، وسبب نزولها أن اليهود قالوا أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة ثم استراح يوم السبت واستلقى على العرش فلذلك تركوا العمل فيه كما هو موجود في التوراة الموجودة الآن راجع الاصحاح الأول والثاني من التكوين في التوراة، فكذّبهم الله في هذه الآية، نافيا عن ذاته المقدسة التعب والاعياء المستلزمين للراحة. ومما يدل على كذبهم أن الأيام أزمنة مستمرة بعضها بعد بعض فلو كان بدأ خلقها بالأحد كما يزعمون لكان الزمان مخلوقا قبل الأيام مع أن الزمان لا ينفك عن الأجسام فيكون قبل خلق الأجسام لأن اليوم عبارة عن سير الشمس من طلوعها إلى غروبها وقبل خلق السموات والأرض ما كان شمس ولا قمر لأن اليوم يطلق ويراد به الوقت والحين وقد يعبر به عن مدة من الزمن أيّ مدة كانت فبطل قول اليهود وثبت التحريف في التوراة الموجودة الآن بين أيديهم وأن ما ينسبونه إلى الله من الاستراحة والاستلقاء محض زور وبهتان تعالى الله عنهما علوا كبيرا. انتهت الآية المدنية. قال تعالى «فَاصْبِرْ» يا حبيبي «عَلى ما يَقُولُونَ» فيك من التكذيب والبهتان فإني بالمرصاد لهم، يعلمون أنهم يجحدون آياتي بتكذبيك راجع الآية ٣٢ من الأنعام في ج ٢ وإنما أمره ربه بالصبر مع تطاولهم عليه الذي كاد أن يمحق صبره لأنه لم يؤمر بقتالهم بعد «وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ» إنما أمره بالتسبيح فيه لأنه سيفرض عليه وعلى أمته فيه صلاة الصبح كما في أزله وكذلك الأمر في قوله «وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ٣٩» لأنه ستفرض فيه صلاة المغرب وقبله صلاتا الظهر والعصر «وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ» أيضا حيث يفرض فيه صلاة العشاءين وتسمى فيه النافلة والتهجد «وَأَدْبارَ السُّجُودِ ٤٠»

стр. 267

سبحه بعده أيضا والسجود كان يفعله ﷺ قبل فرض الصلاة إذ أنه سجد في آخر اقرأ والنجم وغيرها، والمراد من هذه الآية مطلق التسبيح لأن الصلاة التي فيها التسبيح لم تفرض بعد وقال علي وعمر ﵄: المراد بأدبار السجود الركعتان بعد المغرب (وَإِدْبارَ النُّجُومِ) الآية الأخيرة من سورة الطور في ج ٢ الركعتان قبل الصبح إلا أن هذه بكسر الهمزة إذ يراد بها ذهابها لجهة سيرها الذي تغيب فيه عن يمين الرائي وهناك بفتح الهمزة حيث يراد بالإدبار البعدية المطلقة، أي سبحه بعد كل سجود حين الهدى اليه، لأن التسبيح يكون فيه وهو المراد هنا وإن كان مطلوبا في غيره وفي كل حال، إذ ينبغي للانسان أن لا يغفل عن ذكر الله كما جاء في الآية ١٩١ من آل عمران في ج ٣ وبعض المفسرين يجوزه في هذا أيضا ويقولون ان المراد بآية الطور الركعتان قبل الصبح. روى مسلم عن عائشة ﵂ وعن أبيها أن النبي ﷺ قال: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها. يعني سنة الفجر. وروى البخاري عن ابن عباس قال: أمر رسول الله أن يسبح في أدبار الصلوات كلها. وهذا كله كان بعد فرض الصلاة، ولا يخفى أن عائشة وابن عباس كانا صغيرين دون سن التمييز، حيث كان سن عائشة عند الهجرة سبع سنين، وابن عباس أربع سنين، بما يدل على أن ليس المراد بها السجود في الصلاة ولذلك قال بعضهم المراد بالتسبيح هنا التسبيح بعد الصلاة مستدلا بما رواه مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمد الله ثلاثا وثلاثين وكبر الله ثلاثا وثلاثين فذلك تسعة وتسعون ثم قال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت ذنوبه وان كانت مثل زبد البحر. وفي حديث ابن عباس المتقدم أن هذا جاء بمعرض الثواب لمن لا يقدر على تحصيله من جهة أخرى. يدل على هذا ما رواه البخاري عن أبي هريرة أن نفرا من المسلمين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا يا رسول الله ذهب أهل الوتور بالأجور وفي رواية بالدرجات والنعيم المقيم فقال وما ذاك؟ قالوا صلوا كما صلينا، وجاهدوا كما جاهدنا، وأنفقوا من فضول أموالهم وليست لنا أموال، قال:

стр. 268

أفلا أخبركم بأمر تدركون به من كان قبلكم. وتسبقون من جاء بعدكم ولا يأتي أحد بمثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله؟ تسبحون في دبر كل صلاة عشرا وتحمدون عشرا. وتكبرون عشرا. وفي رواية أبي ذر الغفاري: ان لكم بكل تسبيحة صدقة وبكل تكبيرة صدقة وبكل تحميدة صدقة وفي بضع أحدكم صدقة إلخ قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له بها أجر؟ قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر، قال تعالى «وَاسْتَمِعْ» يا سيد الرسل لما أخبرك به من حال يوم القيامة الذي قصصناه عليك كيف يكون «يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ» أهلها بالنفخة الثانية «مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ٤١» قربا نسبيا من السماء إذ يقف على صخرة بيت المقدس، وهي على ما قيل بمكان أقرب الى السماء من الأرض بثمانية عشر أو اثني عشر ميلا وانها وسط الأرض، فيقول بصوت يسمع فيه أقطار الأرض كلها ولحج البحار وبطون الأودية ورؤس الجبال بدلالة قوله تعالى «يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ» وكيفيّتها أيتها العظام النخرة البالية والأوصال المنقطعة واللحوم الممزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء «بِالْحَقِّ» يوم البعث والجزاء والحشر، ويقال هلموا لهذا فتستجيب تلك الذرات لأمر الرب وتلنئم كلها على بعضها، لا يعزب منها ذرة حتى تكون جسدا كما كانت في الدنيا، وتدبّ فيها الحياة بأمر محيي الموتى، فيا أيها الناس «ذلِكَ» يوم النداء هذا هو «يَوْمُ الْخُرُوجِ ٤٢» أي خروج الأموات من مدافنها والذرات من أماكنها وهو يوم التئامها وتكوينها في بعضها كما كانت في الدنيا، ليعلم هؤلاء المنكرون حقيقته عيانا «إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي» الخلق في الدنيا «وَنُمِيتُ» من نخلقه فيها بعد انقضاء أجله «وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ٤٣» اي الحياة الأخرى في الآخرة «يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ» بالبناء للفاعل وقرىء المفعول وقرىء بتشديد الشين للتكثير وقرىء بتاءين، وهذه كلها جائزة، راجع بحث القراءات في المقدمة. فيخرجون «سِراعاً» إلى أرض الحشر بدليل قوله «ذلِكَ» أي يصير هذا الأمر العظيم «حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ ٤٤» جدا هين بالنسبة لقدرتنا إذ

стр. 269

لا يشغلنا شأن عن شأن، فاترك با أكمل الرسل كفار قومك ولا تجادلهم «نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ» من جحد البعث وانكار الآيات ولا يضرك تكذيبهم لك لأنك لم تؤمر بقتالهم «وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ» الآن «بِجَبَّارٍ» لأنك لم تسلط عليهم بعد وما أنت الآن إلا منذر ومبلغ «فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ ٤٥» لأن الذي لا يخشاه لا تنفعه الذكرى ولا تؤثر فيه الموعظة. قال ابن عباس قالوا لو خوفتنا يا رسول الله، فنزلت هذه الآية مما يدل على أن هذه السورة لم تنزل دفعة واحدة فضلا عن الآية المدنية فيها. هذا، وقد ذكرنا آنفا أن قرب المنادى قربا نسبيا على أنه يمكن ان يكون حقيقيا لأنه إذا كان المذياع يسمع كافة أطراف الأرض وما فيها بآن واحد بلا فرق بين البعيد والقريب منها، وهو من مصنوعات العبيد فلأن يسمع أهل البرزخ كلهم بوق اسرافيل كسماع رجل واحد من باب أولى، ولا تحديد لقدرة الله. هذا، والله أعلم، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين. تفسير سورة البلد عدد ٣٥- ٩٠ نزلت بعد سورة ق، وهي عشرون آية كالمزمّل المارة، واثنتان وثمانون كلمة، وثلاثمائة وثمانون حرفا، لا يوجد سورة مبدوءة أو مختومة بما بدئت وختمت به، لا ناسخ ولا منسوخ فيها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى: «لا أُقْسِمُ» تقدم الكلام في هذا أول سورة القيامة المارة فراجعها ففيها بحث نفيس «بِهذَا الْبَلَدِ ١» مكة شرفها الله «وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ٢» كرره لشرفه تأكيدا، وأقسم به تعظيما لقدره وتكريما لمن ولد فيه وهو محمد ﷺ وان وجوده فيه أكبر تعظيم وتقديس له فلا حاجة إلى القسم به وفي قوله «حِلٌّ» اشارة إلى أنه سيفتحها على يديه

стр. 270

بعد إخراجه منها، وأنه سيحلها له وهذا من الإخبار بالغيب، راجع الآية ١٠ من سورة الأعلى والآية ٣ من سورة التكوير المارتين، لأن الله أخبره بهذا وهو في مكة، وقد أنجز الله له وعده يوم الفتح المبين كما سيأتي في سورة الفتح في ج ٣ حيث أحلها له وقتا من الزمن، وأباح له ان يصنع فيها ما يشاء، حتى انه أمر بقتل ابن حنظل وهو معلق بأستار الكعبة وكذلك مقيس بن حباية وقد أحل دماء قوم وحرم دماء آخرين وأمّن من دخل البيت ودار أبي سفيان ومن أغلق بايه ومن ألقى سلاحه، ثم قال إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض ولم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة قال تعالى: «وَوالِدٍ وَما وَلَدَ ٣» آدم ﵇ فمن بعده من الأنبياء والعالمين، لأن الكفرة والعصاة لا حرمة لهم حتى يقسم بهم، وقيل المراد بالوالد ابراهيم وبالولد إسماعيل ومحمد ﵊، إلا أن الآية عامة وما ذكرناه أليق بعمومها لأن آدم أول والد لنوع الإنسان، وجواب القسم «لَقَدْ خَلَقْنَا» نحن خالق السموات والأرض «الْإِنْسانَ» جنسه وأهله وما تولد منه «فِي كَبَدٍ ٤» شدة ومشقة وتعب وبلاء ومحنة ونصب، لأنه كابد مصائب الدنيا وحمله وولادته ورضاعه وفطامه، وفصاله ومعاشه في الدنيا، وموته وقبره، وحشره ونشره وحسابه يوم الجزاء على ما وقع كله كبد، وفي هذه الآية تسلية لحضرة الرسول عما هو فيه من أذى قومه، وان الإنسان لا يخلو من مقامات الشدائد والمحن، وما أنت يا محمد إلا إنسان ويجري عليك ما يجري عليه، فلا تحزن ولا تجزع، وعليك بالصبر والاحتساب إلى أن يأتيك بالنصر والفتح. قال ابن عباس الكبد الاستقامة والاستواء أي خلقنا الإنسان منتصبا معتدلا لا كسائر الحيوان وليس بشيء في هذا المقام. قال تعالى «أَيَحْسَبُ» الإنسان لإنسان مخصوص ويشمل غيره ممن هو على شاكلته «أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ٥» بما يزعم من قوته (كلّا) نزلت هذه الآية في أسيد ابن كلدة بن جمح المكنّى بأبي الأشد من صناديد قريش الذي كان يضع الأديم العكاظي وهو أقوى أنواعه تحت رجله ويقول من أزالني عنه فله كذا وكذا، فلا

стр. 271

يطيق أحد أن يزيله عنه حتى يتقطع الأديم فلا يبقى إلا موضع قدمه، وكان يكابد حضرة الرسول مفتخرا بقوته هذه، وسياق الآية الأولى يدل على نزولها فيه لوجود لفظ كبد لأن الرسول يكابد من هذا الخبيث زيادة على ما كان من أذى قومه وكان ينتهك حرمته وحرمة البيت ويزداد فى تعنته عليه، والتهديد في الآية موجه إليه خاصة والى من يفعل فعله عامة، ولأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وهذا الخبيث من جملة من تولى كيد عداوة الرسول كالوليد بن المغيرة وعمرو بن عبد ود وأبي جهل والحارث بن عامر وأمية بن خلف والأخنس وكان ذلك الملعون المتعاظم بقوته على أضرابه المتفاخر على حضرة الرسول ﷺ «يقول» غير مبال بما بترتب على قوله من طعنه بحضرة الرسول «أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً ٦» كثيرا متراكبا على بعضه في عداوة محمد، ويتباهى على المؤمنين بذلك، ولم يقل أنفقت قاتله الله لعدم الاكتراث به ولأنه لم يرج نفعه بل قال أهلكت وأذهبت وأضعت مالا جسيما في عداوة محمد ﷺ وكان يغري به السفهاء والعبيد ليتطاولوا على حضرة الرسول ويتجاوزوا عليه «أَيَحْسَبُ» هذا الملعون «أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ٧» حينما كان يهدر ماله في سبيل إيذاء الرسول، ألم يعلم أن الله يراه ويقدر على الانتقام منه في الدنيا، وأنه سيسأله عنه في الآخرة مم اكتسبه وفيم أنفقه، ثم شرع يعدد نعمه عليه التي يجب أن يشكرها ويؤمن بمن أنعم بها عليه ويحترم رسوله من أجلها لا أن يكفر ويجحد ويتعدى فقال «أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ٨» يبصر بهما «وَلِساناً» يتكلم به «وَشَفَتَيْنِ ٩» يشد بهما فاه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغيره فضلا عن أنهما زينة له «وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ١٠» طريقي الخير والشر، والحق والباطل، والهدى والضلال، بما منحناه من العقل الذي يميز به بين ذلك ويمتاز به على غيره، وقال ابن عباس هما الثديان لاهتداء الإنسان والحيوان لتناولهما دون تعليم حال خروجه من بطن أمه، والأول أولى وهما داخلان في المعنى لأنهما من الخير الذي وهبه الله له في بداية خلقه، والنجد المكان المرتفع ولذلك سميت نجد نجدا، قال امرؤ القيس:

стр. 272

فريقان منهم جازع بطن نخلة ... وآخر منهم قاطع بطن كبكب قال تعالى «فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ١١» الاقتحام الدخول بسرعة وضغط وشدة بأن يرمي نفسه بالأمر الذي يريده بلا روية ولا تؤدة، والعقبة الطريق الذي فيه صعود، أي الا فعل الخير ولم يقصر في شكر نعم ربه، ولم يتبع نفسه هواها بالأذى والإضرار والمباهاة «وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ ١٢» جاء السؤال هنا على طريق الاستفهام تعظيما لشأنها والجواب، هي شيئان خفيفان على من وفق، الأولى «فَكُّ رَقَبَةٍ ١٣» مملوكة بأن تعين في ثمنها، أو تعتقها ابتغاء مرضاة الله، والثانية «أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ١٤» من أيام احتكار أو مجاعة شديدة عامة والأولى بالإطعام فيها أولا أن يطعم «يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ ١٥» لأنه أولى من غيره ففيه يجمع بين الصدقة والصلة وفيهما من الأجر ما فيهما والقربة مطلق القرابة في النسب، قال الزجاج لا يقال فلان قرابتي لأن القرابة مصدر بل يقال ذو قرابتي، وفيه قيل: يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور أي بنيل إرثه والاستيلاء عليه «أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ ١٦» أي لاصق جنبه بالأرض لشدة فقره ولعدم من ينظر إليه من ذويه وغيرهم، ولا شيء يقيه من التراب لأنه ينام على الأرض. مطلب الحكمة الشرعية من الصدقات: وأفضل الصدقة التي تكون على مثل هؤلاء، أما الذين لهم شيء يعلم به المتصدّق فينبغي ألا يعطيه من فضله بل يصرفه على الأحوج، هذا في الصدقة، أما الهدية فهو بالخيار والحكم الشرعي هو أنه ينبغي على الرجل أن يعطي صدقته إلى الأحوج من أقربائه ثم من جيرانه، ثم من أصدقائه ومعارفه وأن يختار الأتقى وقليل المسألة. قال ﷺ اختاروا لصدقاتكم كما تختارون لنطفكم. أي كما أن الرجل إذ أراد أن يتزوج يختار الأحسن تقى ونسبا إذ قال (عليك بذات الدين) لمن سأله ممن يتزوج، لأن الفقير المتقي يستعين بما يأخذه على تقوى الله، وأما الفاسق فقد يصرفها في المعصية. «ثُمَّ كانَ» هذا الذي وفق لاقتحام العقبة وعمل الخير «مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعملوا الصالحات» يفعلهم ذلك وسيلقى ثوابه عند ت (١٨)

стр. 273

ربه لأن الكافر يعطى جزاء أعماله الحسنة في الدنيا حتى لا يبقى له عند الله شيء يكافئه عليه في الآخرة «وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ» على فعل الطاعة وترك المعصية مع إيمانهم وعملهم الصالح «وَتَواصَوْا» وصّى بعضهم بعضا عند ما يجتمعون ويتفارقون «بِالْمَرْحَمَةِ ١٧» على عباد الله وسائر خلقه «أُولئِكَ» المتواصون والمار وصفهم هم «أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ١٨» المباركون المعنيّون في الآية ١٠٠ من الإسراء الآتية الذين يعطون كتبهم بأيمانهم أو من جهة اليمين وهم السعداء (وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) الآية ٥٩ من سورة يس الآتية فهم الذين يكونون من جهة الشمال ويعطون كتبهم بشمالهم المعنيون بقوله عز قوله «وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا» وماتوا على كفرهم «هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ ١٩» المتموتون المشئومون الذين «عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ ٢٠» قدمنا ما يتعلق في تفسير هذه الجملة في تفسير الآية ٨ من الهمزة المارة فراجعها هذا والله أعلم، واستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. تفسير سورة الطارق عدد ٣٦- ٨٦ نزلت بمكة بعد سورة البلد، وهي سبع عشرة آية، وإحدى وستون كلمة، ومائتان وتسعة وثلاثون حرفا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال تعالى: «وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ١» أقسم جل قسمه بسمائه لأنها مسكن لملائكته الكرام ومعدن أرزاق الناس وغيرهم من خلقه. قال تعالى (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ) الآية ٢٢ من الذاريات في ج ٢ والطارق هو النجم الذي يظهر ليلا، وتنفصل منه الشهب للشياطين الذين يسترقون السمع فتستوحي منه الشياطين ما تقدمه للمنجمين فيعتمدونه في علومهم، مما يخرجون الناس به من نور الإيمان إلى ظلمة الكفر، والرجم هو التكلم بالظن ومنه الرجم بالغيب. راجع الآية ٥ من سورة تبارك، والآية ١٨ من سورة الحجر في ج ٢، وكل من أتاك ليلا فهو طارق، ويطلق على العلو والرفعة قالت هند: نحن بنات طارق نمشي على النمارق. تريد ان أباها نجم في علوه وشرفه. وليعلم ان القسم بهذه الأشياء هو قسم بربها، وعليه يكون المعنى، ورب السماء

стр. 274

ورب الطارق، ورب الشمس، ورب القمر، ورب التين، وهكذا. ثم نوه جلّ شأنه بعظم هذا النجم على سبيل الاستفهام الدال على التفخيم فقال «وَما أَدْراكَ» أيها الإنسان الكامل «مَا الطَّارِقُ ٢» الذي أقسمنا به، هو «النَّجْمُ الثَّاقِبُ ٣» في إضاءته وإنارته المتوهج المتوقد الذي يتقد سناه في الظلام، وسبب نزول هذه السورة هو ان أبا طالب جاء إلى النبي ﷺ ذات ليلة، فأتحفه بخبز ولبن، فبينما هو يأكل إذ انحط نجم فامتلأ ماء ثم نارا ففزع أبو طالب وقال أي شيء هذا؟ فقال ﷺ هذا نجم رمى به وهو آية من آيات الله فعجب أبو طالب ونزلت، وجواب القسم «إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ ٤» من ربها موكل بحفظها من الآفات ويحفظ عليها عملها ويحصيه ويهيء لها رزقها إلى بلوغ أجلها، وإن في صدر الآية نافية بمعنى إلا أي ما كل نفس الا عليها حافظ وقرنت لما بالتخفيف وعليه تكون ان مخففة من الثقيلة، واللام في لما اللام الفارقة بين ان النافية وان المخففة من الثقيلة، وما للتأكيد وعليه يكون المعنى أن كل نفس لعليها حافظ، وكلاهما جائز، والأول أحسن وأبلغ وعليها المصاحف. قال تعالى «فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ» الذي يرى نفسه كبيرا ويتعظم بقوته على غيره، وفي هذه الآية إشارة إلى أبي الأشد المار ذكره في السورة السابقة، وهذا من جملة المناسبات التي قد تأتي بين السور، وهكذا قد يكون بين كل سورة والتي تليها مناسبة على ترتيب النزول، وقد يكون أيضا على ترتيب المصاحف، أي فليتفكر ذلك الإنسان المعجب بقوته «مِمَّ خُلِقَ ٥» أخفى مادة خلقه لكونها لا شيء، ثم صرح بها بقوله «خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ٦» الدفق صب مع دفع أي مصبوب بشدة في الرحم لعظم ما ينتج عنه من هذا الإنسان المنطوي على كمالات لا تعد ولا تحصى ثم بيّن منبع ذلك الماء بقوله «يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ» من الرجل و «التَّرائِبِ ٧» من المرأة وإنما خصّ هذين الموضعين وهو في الأصل يخرج من جميع الأعضاء لأن أكثره من الدماغ فينصب في عروق الظهر من الرجل، وينزل من عروق كثيرة من مقدم المرأة، فيما بين الثديين. ولهذا قال من بين الصلب وهو عظام الظهر: (وليراجع في

стр. 275

هذا الموضوع بحث طبي في مجلة التمدن الإسلامي الدمشقية ص ٦٥٥ من المجلد ٢١ عام ١٣٧٤) والترائب وهي عظام الصدر والنحر ومركز الثديين، ومفرده تريب، قال المثقب العبيدي: ومن ذهب يبين على تريب ... كلون العاج ليس بذي غصون وقال امرؤ القيس: مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسّجنجل أي فمن كان أصله من هكذا شيء مهين، لا يليق به أن يتفاخر ويتباهى ويتطاول، وليعلم أن الذي خلقه مما علم وأماته بانقضاء أجله في الدنيا «إِنَّهُ» ولا شك «عَلى رَجْعِهِ» إحيائه مرة أخرى وإعادته بعد موته كما كان في الدنيا «لَقادِرٌ ٨» حقا حقا واعلموا أيها الناس أن هذا الإحياء له أجل عند الله الحاكم العدل «يَوْمَ تُبْلَى» تختبر «السَّرائِرُ ٩» مكامن القلوب ومخابيها من العقائد والنيات السيئة وهو يوم القيامة يوم تظهر فيه خبايا الناس وتتكشف ضمائرها على ملأ الأشهاد ليعرف من أدى حقوق الله ممن ضيعها، ويتميز الأمين منها عليها من الخائن المقصر فيها، وفي ذلك اليوم العصيب يستسلم العبد لربه «فَما لَهُ» فيه «مِنْ قُوَّةٍ» يمتنع بها من عذاب الله كأبي الأشد وأضرابه المذكورين في الآية ٤ من سورة البلد المارة «وَلا ناصِرٍ ١٠» ينصره من قريب أو حميم ويتباعد عنه أقاربه (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ) الآية ٣٥ من سورة عبس المارة، ثم أقسم جل قسمه فقال «وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ ١١» أي التي ترجع في كل دورة إلى الوضع التي تتحرك منه، أو المطر لأنه من أسمائه حيث يجيء ويرجع قالت الخنساء: يوم الوداع دموعها جارية ... كالرجع في المدجنة السارية أو أنها ترجع إلى ما كانت عليه قبل الفتق قال تعالى (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما) الآية ٣٠ من سورة الأنبياء في ج ٢٠ «وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ ١٢» المتصدعة بالأشجار والأنهار المنشققة بالنّبات والمعادن التي كانت كتلة واحدة مع السماء فانشقت عنها بأمر الله القادر فرفع

стр. 276

السماء وأهبط الأرض وهو على كل شيء قدير وجواب القسم «إِنَّهُ» أي هذا القرآن المنزل عليك يا سيد الرسل «لَقَوْلٌ فَصْلٌ ١٣» جزم قاطع بين الحق والباطل وصل بين الهدى والضلال «وَما هُوَ» كما يقول كذبة قومك وغيرهم «بِالْهَزْلِ ١٤» بل حق جد وحق جزم يترفّع قارئه عليكم ان يلم بهزل أو يتفكه بمزاح أو يتهم بتعليم أو نقل. وقد بلغ الغاية القصوى في الصدق والأمانة فمن شأنه أن يهتدي به الغواة وتخضع لهيبته رقاب العتاة ليس بلعب ولا باطل ولا سحر ولا كهانة ولا خرافة وإذا كان قومك لم يزالوا يتمارون بتقولاتهم وترهاتهم تلك، فدعهم يا حبيبي ولا تبال بهم ولا يهمك أمرهم وما يريدونه بك «إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ» ويحيكون لك «كَيْداً ١٥» حقدا ويدبرون لك حيلة تافهة يسيرة ليمكروا بك «وَأَكِيدُ» أنا الملك الجبار قاهر الأكاسرة ومبيد الأمم «كَيْداً ١٦» عظيما لا يقدر قدره البشر جزاء كيدهم بك فأستدرجهم لهوة هلاكهم من حيث لا يعلمون، فأنتقم منهم في الدنيا بالقتل والأسر والذلة والحقار والجلاء وبالآخرة بعذاب لا تطيقه أجسامهم، وإذا كان كذلك وهو واقع لا محالة «فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ» أنظرهم وافسح لهم المجال ولا تستعجل بالدعاء عليهم ودعهم يطيلون أملهم ليزدادوا غرورا وتطاولا في البغي والغي والطغيان. ولمّا كان الإمهال يكون كبيرا بعيدا أو قليلا قريبا نبه عليه بقوله «أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ١٧» شيئا يسيرا ومدة جزئية، فالعذاب آتيهم لا محالة وفيها تهديد عظيم ووعيد بالغ وقد أخذهم الله بعد نزول آية السيف وأمره بقتالهم، ثم فتح الله عليه بلدهم عنوة ومكنه منهم حتى صاروا كلهم من طلقائه وهذه الآية من الإخبار بالغيب المنوه به مما تأخر حكمه عن نزوله، راجع سورة الكوثر المارة وما نرشدك اليه، لأن فيها الماعا لاجتماعهم في دار الندوة وتشاورهم في أمر إهلاكه أهلكهم الله، كما سيأتي تفصيله في بحث الهجرة في سورة العنكبوت في ج ٢. هذا ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت به هذه السورة في اللفظ ولم تكرر في القرآن أيضا، هذا والله أعلم، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله وسلم على سيدنا

стр. 277

ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين. تفسير سورة القمر عدد ٣٧- ٥٤ نزلت بمكة بعد طارق، عدا الآيات ٤٤ و ٤٥ و ٤٦ فانها نزلت بالمدينة، وهي خمس وخمسون آية وثلاثمائة واثنتان وأربعون كلمة، والف وأربعمائة وثلاثة عشر حرفا، وتسمى سورة اقتربت ويوجد سورة الأنباء مبدوءة بلفظ اقترب ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت به في القرآن. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى: «اقْتَرَبَتِ» وفي وقت «السَّاعَةُ» القيامة «وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ١» انشقاقا حقيقيا علامة على قربها ومعجزة لرسول الله، والسبب في نزول هذه الآية، أن قريشا سألت رسول الله أن يريهم آية دالة على صدقه في ادعاء النبوة، لأنهم لم يعتبروا بما نزل في القرآن الذي هو أعظم آية وأدومها ولم يكتفوا به فأراهم انشقاق القمر مرتين، أخرجه البخاري ومسلم عن أنس وزاد الترمذي: فنزلت هذه السورة أي عدا الآيات المدنيات. وقوله مرتين قيد للرؤية وتعددها لا يقتضي تعدد الانشقاق بأن يكون رآه منشقا، فصرف نظره عنه ثم أعاده فرآه كذلك لم يتغير. وفيه إشارة إلى أنها رؤية لا شبهة فيها. وقد فعل نحوه الكفرة لأنهم لما رأوه مسحوا أبصارهم ثم أعادوا النظر فلما رأوه لم يتغير قالوا ما هذا إلا سحر فلو قال أحد هؤلاء رأيته ثلاث مرات أو أكثر صح بلا غبار. قال الأبوصيري ﵀: شق عن صدره وشق له البدر ... ومن شرط كل شرط جزاء مطلب معجزة انشقاق القمر: فتعدد الرؤية لا يقتضي تعدد الانشقاق إذ لم يقل به أحد، وأخرجا عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله شقتين فقال ﷺ اشهدوا: وفي رواية قال: بينما نحن مع رسول الله إذ انفلق القمر فلقتين، فلقة فوق الجبل وفلقة أدناه فقال لنا ﷺ اشهدوا. ولا يعارض هذا ما صح عن أنس أن ذلك كان بمكة

стр. 278

لأنه لم يصرح بأنه كان ليلتئذ بمكة فالمراد أن الانشقاق كان والنبي ﷺ مقيم بمكة أي قبل الهجرة. ولهما عن ابن عباس قال: إن القمر انشق في زمن رسول الله ﷺ . وروى مسلم عن ابن عمر قال: انشق القمر على عهد رسول الله فلقتين فستر الجبل فلقة وكانت فلقة فوق الجبل، فقال ﷺ : اشهدوا. وعن جبير بن مطعم قال: انشق القمر على عهد رسول الله فصار فلقتين فقالت قريش سحر محمد أعيننا فقال بعضهم لئن كان سحرنا أما يستطيع أن يسحر الناس كلهم؟ أخرجه الترمذي، وزاد غيره: فكانوا يتلقون الركبان فيخبرونهم بأنهم قد رأوه فيكذبونهم. وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله فقالت قريش سحركم ابن أبي كبشة فسألوا السفارة فقالوا نعم رأيناه. وقال مقاتل انشق ثم التأم. فهذه الأحاديث مصدق بعضها لبعض وكلها صحاح، قد وردت في هذه المعجزة العظيمة مع شهادة القرآن بها الذي هو أول دليل وأقوى شاهد مثبت لوقوعها، ولا يشكّ فيها مؤمن، وقد أخبر بها الصادق المصدوق، وناهيك باخباره من برهان، فيجب الاعتقاد بوقوعه والإيمان به، وذلك في السنة السادسة من البعثة ولا يقدح في صحة الحديثين المرويين عن ابن عباس وأنس كونهما لم يولدا إذ ذاك لأنهما ثقتان ولا ينقلان إلا عن ثقة كما هو المشهور عنهما وأنهما لم يقولا رأيناه انشق ليقدح في رؤيتهما وإنما يخبران عن الانشقاق الذي بلغهم عن رسول الله وهما أصدق صادق فيما يخبران به، ولا يقال لو كان لما خفي على أهل الأقطار الأخر ولو رأوه لنقلوه متواترا لأن الطباع جبلت على نشر العجائب، إذ يجوز ان الله حجبه عنهم بغيم أو نحوه ولا سيما أنه وقع ليلا حال غفلة الناس لقلة من يتفكر في ملكوت السموات، وكثيرا ما يخسف القمر وتكسف الشمس ويحدث في السماء ليلا من العجائب والبدائع والأنوار والطوالع والشهب العظام، ولا يتحدث بها إلا آحاد الناس لغفلة الآخرين عنها، ولأنها قد تكون في موضع آخر، وكثيرا ما نقرأ الآن في الصحف على سبيل التواتر أن الشمس كسفت في محل كذا والقمر خسف في مكان كذا، ولم نر شيئا من ذلك في بلادنا، تأمل على أن الركبان

стр. 279

والمسافرين الذين قدموا مكة وخرجوا منها إذ ذاك أخبروا بوقوع ذلك كما ثبت بالأحاديث الصحيحة التي درجت آنفا وغيرها مما لم يدرج كثير، ويجوز أن يكون القمر في مجرى ومنزلة يظهر فيه لبعض الأماكن دون بعض كما يكون ظاهرا عند قوم غائبا عند آخرين، هذا ولم ينكر هذه المعجزة المشهورة المشهودة الا المبتدعة والملاحدة الذين أعمى الله أبصارهم كما أعمى بصائرهم وطبع على قلوبهم ولا صحة لهم بعدم معقوليتها لأن العقل يجوزها، إذ أن القمر مخلوق لله يفعل به خالقه ما يشاء، فكما أنه يسلب نوره ويفنيه ويكوره في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، يفلقه في الدنيا معجزة لنبيه على أن المعجزات هي نفسها خوارق للعادات يظهرها الله على أيدي رسله لإيمان البشر وهي فوق العقل، فهل إحياء الموتى وجعل الطين طيرا معقول وإبراء الأكمه والأبرص دون عقاقير يقبله العقل، فان إنكار ذلك يؤدي لإنكار هذا الذي يؤدي إنكاره إلى الكفر والعياذ بالله ومثل انشقاق القمر وكسوف الشمس الثابت بالأحاديث الصحيحة بدعوته ﷺ عليه لعلي كرم الله وجهه حتى صلّى العصر حيث قال ﷺ اللهم انه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد له الشمس فردت وصلّى الوقت فيها. وهذا ثابت بالتواتر، واختار العلامة ابن السبكي أن الأحاديث صحيحة ومتواترة كما جاء في شرح الواقف الشريفي في شرحه مختصر ابن الحاجب قال: الصحيح عندي الانشقاق وأنه متواتر ومنصوص عليه في القرآن ومروى في الصحيحين وغيرهما وقد جاء اخبار الله بلفظ الماضي لأن السورة نزلت بعد إظهار هذه المعجزة تحقيقا لوقوعها ومن قال إن الفعل بمعنى المضارع فقد أخطأ لإجماع المفسرين على خلافه ولأنه شاذ لا يصح، باطل لا يثبت، لان حمل الماضي على المستقبل يفتقر إلى قرينة تنقله أو دليل يدل عليه كما في قوله تعالى (أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) أول سورة النحل في ج ٢ فان جملة فلا تستعجلوه أدت إلى نقله الى المستقبل وهنا لا شيء من ذلك فتصور ذلك هنا بعيد عن الحقيقة وهو من قول المبتدعة والملحدين حتى ان حذيفة قرأ وقد انشق أي افتريت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها أن القمر قد انشق

стр. 280

وذلك تحقيقا لما ثبت عنده من أمر الانشقاق، جعل الجملة حالية تقتضى المقارنة بزيادة قد التحقيق بقراءته من حيث لا وجود لها في القرآن تفسيرا منه لإثبات الانشقاق، هذا وإن ما احتج به المنكر من استحالة الخرق والالتئام على الأجرام العلوية ولأن خرقها يوجب صوتا هائلا يهلك أكثر أهل الأرض ولذهاب قوة التجاذب يلزم بقاؤه منشقا كالجبل إذا انشق مردود أيضا، لإن إرادة الله كافية في الانشاق وفي كل المعجزات الخارقة للعادة، ولو اشترط لكل حادث سبب لزم التسلسل، وقد قامت الأدلة على بطلانه، وكون الخرق يوجب صوتا هائلا ممنوع أيضا فيما نحن فيه، وكذلك التجاذب لأن الأجسام مختلفة من حيث الخواص فلا يلزم اتخاذ جرم القمر والأرض فيها ويمكن أن يكون إحدى القطعتين كالجبل العظيم بالنسبة إلى الأرض إذا ارتفع عنها تعاسر مثلا جذبته اليه إذا لم يخرج عن حد جذبتها على زعمهم. ويلتزم في تلك القطعة عدم الخروج عن حد الجذب. على أننا في غنى عن ذلك كله بعد اثبات الإمكان وشمول قدرة القادر ، وانكار هذا بحجة الخرق والالتئام تستوجب إنكار المعراج أيضا، تدبر ما يحوكه هؤلاء الفسقة المارقون، وأعلم أن غاية الحجة استبعاد هذا الأمر بدون دليل على الاستحالة الذاتية واستبعاد الخوارق جنون قد يؤدي إلى الكفر، إذ لا مجال للعقل فيها أما إنكار الانشقاق نفسه من حيث الكيفية والكمية فلا يكفر فيه لامكان التأويل في الآية فقط فظهر من هذا أنه لا مانع عقلا ولا حسا من أن الله تعالى خلق السرعة في الانشقاق والالتئام بمقدار ما رآه الناس وأمعنوا نظرهم فيه للتأكيد عن صحته مرتين أو أكثر أما ما قاله الحكماء من أن بين الشمس والأرض ثلاثمائة الف فرسخ وأربعين الف فرسخ وأن ضوء الشمس يصل إلى الأرض في ثماني دقائق وثلاث عشرة ثانية، وأن الضوء يقطع في كل ثانية سبعين الف فرسخ، ويستبعدون الانشقاق لهذا السبب، فيقال لهم: أن الذي خلق هذه السرعة في الشمس والضوء ألا يخلقها في الإنشقاق وهو الفعال لما يريد، وهل من مانع يمنعه من ذلك وهو على كل شيء قدير ولا شيء عليه بعزيز. هذا والمراد باقتراب الساعة المنوه به في

стр. 281

الآية القرب الزماني، وكل آت قريب، وإن ما بقي من الدنيا نسبة لما مضى منها يسير جدا لا يقدر أن يعارض به أحد وهو أمر مقطوع به، واستعمال القرب في الآية كاستعمال لعل في قوله تعالى (لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً) الآية ٦٣ من الأحزاب في ج ٣ وأن الأمر معلوم عند الله وانشقاق القمر آية ظاهرة على هذا القرب. هذا وقد ذكرت الصحف الأجنبية مقالة عربتها جريدة الإنسان التي كانت بالأستانه حاصلها أنه عثر في ممالك الصين على بناء قديم مكتوب عليه أنه بني عام كذا أي الذي وقع فيه حادث سماوي عظيم، وهو انشقاق القمر نصفين. وقد حرر الحساب فوجد موافقا سنة انشقاقه لسيدنا محمد ﷺ . فينبغي لمن فيه مسكة من عقل ألا يرتاب في شيء مما جاءت به الشريعة الإسلامية. وقد نقل هذا على ورقة التقويم العربي الهاشمي حمزة فتح الله في ١١ جمادى الأولى سنة ١٣٤٨ الموافق ١٣ تشرين الأول سنة ١٩٢٩ قال تعالى: «وَإِنْ يَرَوْا آيَةً» من آيات الله الباهرة الدالة على صدق محمد الصادق الأمين «يُعْرِضُوا» هؤلاء الكفرة عنها ويولوها أدبارهم «وَيَقُولُوا» هذه «سِحْرٌ» سحرنا به محمد وقد قالوا ذلك فيما تقدم من آياته الظاهرة حتى انهم قالوه في هذه الآية بأنها سحر «مُسْتَمِرٌّ ٢» مطرد دائم يأتينا بمثله، وأنه وإن كان استمر وجود هذه الآية بضعة من الزمن فإنها ذاهبة لا تبقى فلا تصدقوا به، وفي تنوين (آية) دلالة على أنهم ينكرون كل الآيات لأن النكرة إذا نونت عمت فتشمل كثيرا من نوعها هذا وما ذكره بعض القصاص من أن القمر حينما انشق دخلت فلقة منه جيب رسول الله وخرجت من كمه وفلقة كللت رأسه ﷺ باطل لا أصل له، إلا أنه شاع أن حضرة الرسول لما طلب منه بعض كفار قريش، العاص بن هشام، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن عبد المطلب، وربيعة بن الأسود، والنضر بن الحارث، واضرابهم المار ذكرهم في الآية ٥ من سورة القيامة المارة أن يظهر لهم آية ليؤمنوا، وكانت ليلة بدر فسأل ربه وأشار إلى القمر بسبابته الشريفة فانشق وبقي لحظات ثم التأم «وَكَذَّبُوا» بعد إظهار هذه الآية الباهرة «وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ» التي زينها لهم الشيطان ولم يصدقوا

стр. 282

بها وقالوا سحر مستمر ولكنه زائل مهما بقي «وَكُلُّ أَمْرٍ» يأتي به الرسول لا يكون سحرا وإنما هو حق ثابت «مُسْتَقِرٌّ ٣» لا يتغير ولا يتبدل ويتبين أنه حق وهذه جملة مستأنفة مسوقة للرد على الكفار بمقابلة قولهم سحر مستمر، وإنما قالوا مستمر ، لأن السحر لا يدوم وهو كذلك ولكنهم لما رأوا آيات الرسول متتابعة قالوا إن ما يأتي به سحر ولكنه مستمر «وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ» أخبار الأمم الماضية التي قصها عليهم والمعجزات التي أظهرها على أيدي رسلهم من غير آيات محمد «ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ٤» منتهى الاتعاظ لو كانوا يؤمنون بمحمد وما أنزل عليه ولكنهم لم يتعظوا وأصل مزدجر مزتجر أبدلت التاء دالا لأنها حرف مهموس والزاي حرف مجهور فأبدل التاء المهموس بالدال المجهور ليتناسبا، وهكذا كل تاء من هذا القبيل ومعناه الزجر والمنع. واعلم أن هذا القرآن وحده «حِكْمَةٌ بالِغَةٌ» واصلة حد الإحكام في الوعظ فاذا لم ينتهوا به «فَما تُغْنِ النُّذُرُ ٥» أي الأنبياء والرسل بعد القرآن «فَتَوَلَّ» يا سيد الرسل «عَنْهُمْ» فانهم لم ينتفعوا بوعظك وإرشادك لأنهم بعد اعراضهم عن إنذار الله لا يغنيهم إنذارك شيئا فاتركهم واذكر لهم «يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ» إسرافيل ﵇ ويناديهم ببوقه في النفخة الثانية من قبورهم يقول لهم هلموا «إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ ٦» فظيع هائل ينكرونه لعدم رؤيتهم مثله قبل وما قيل ان هذه الآية منسوخة لا قيمة له لأنه لم يؤمر بعد بقتالهم بل بإرشادهم تدريجا لأن الحكمة الإلهية اقتضت إنزال الشرائع تدريجا أمرا ونهيا ووعدا ووعيدا وإرشادا وانذارا وتبشيرا وتهديدا، وهكذا من المقدمات التي اقتضتها الحكمة الإلهية ليتعظ من يتعظ، وتحق الكلمة على المصر، وتظهر الحكمة فيمن يؤمن فيقومون من مدافنهم «خُشَّعاً» منصوب بالفعل بعده وفيه معنى الحال «أَبْصارُهُمْ» ذليلة خاضعة خائفة حين «يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ» القبور وما شابهها من مكامنهم وخص الأبصار مع أن كل الأعضاء ترجف وتختلج من شدة الهول، لانها علامة على الحزن والذلة للأشقياء، والفرح والعزة للسعداء، قال:

стр. 283

والعين تعرف من عيني محدثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها فتظهر الكآبة على وجه الفاسق، والصباحة على وجه الطائع لأول وهلة «كَأَنَّهُمْ» في الكثرة «جَرادٌ مُنْتَشِرٌ ٧» يموج بعضهم في بعض حيارى لا يعرفون أين يتوجهون وشبههم بالجراد لانه يركب بعضه بعضا عند سيره لكثرته وتفرقه في كل جهة حالة كونهم «مُهْطِعِينَ» مسرعين خائفين لا ينظرون إلا «إِلَى الدَّاعِ» أي لجهة صوته مادّين أعناقهم شاخصين بأبصارهم مهرولين نحوه وإذ ذاك «يَقُولُ الْكافِرُونَ» بعضهم لبعض «هذا يَوْمٌ عَسِرٌ ٨» شديد الصعوبة وفي تخصيص الكافرين بشارة على أن المؤمنين يكون عليهم سهلا يسرا راجع تفسير الآيتين ٢٥- ٢٦ من سورة الفرقان والآية ١٠ من سورة طه الآتيتين، واعلم يا أكمل الرسل أن قومك لم يبتدعوا التكذيب حيث «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا» نوحا ﵇ وكرره لأنه عاش فيهم مالم يعشه نبي في قومه بالدعوة وعدم الإيمان وكلما كذب أهل قرن تبعه القرن الآخر، إذ كانوا يتواصون أي أن كل جيل يوصي من بعده بعدم اتباعه وتصديقه ويقولون لهم إنه ساحر كذاب قاتلهم الله «وَقالُوا» له مثل ما قال لك قومك «مَجْنُونٌ» ولم يقتصروا على تكذيبه، بل إنهم منعوه عن أداء الرسالة التي كلفه ربه أداءها، بدليل قوله «وَازْدُجِرَ ٩» أي منع وهدد بالقتل عدا السب والشتم الذي فعلوا مثله بك وازدجر مثل مزدجر فعل به ما فعل به، ولما ضاق بالسيد نوح الحال وتأكد عدم ايمانهم زهد فيهم ورفع يديه «فَدَعا رَبَّهُ» وقال في دعائه يا رب «أَنِّي مَغْلُوبٌ» على أمري الذي أمرتني به من جهة قومي ولا قدرة لي عليهم «فَانْتَصِرْ ١٠» لي بنصرك الذي وعدتنيه وانتقم لي منهم وذلك بعد إياسه من قبول دعوته وايحاء الله له بعدم إيمانهم، راجع الآية ٣٦ من سورة هود ج ٢، فأجاب دعاءه قال تعالى (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا) الآية ١١٠ من سورة يوسف في ج ٢، ثم بين كيفية نصره له بقوله «فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ١١» متدفق بشدة انصبابه وعظمة نبعه

стр. 284

وكثرة هطوله المنبئ عنه قوله تعالى «وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً» شققناها عن عيون جارية «فَالْتَقَى الْماءُ» النازل من السماء مع النابع من الأرض «عَلى أَمْرٍ» حال ووقت «قَدْ قُدِرَ ١٢» زمانا ومكانا، حسبما هو مقدر في علم الله وقوعه عليهم بهذه الصورة المقدرة على عدم ايمانهم بأن يخالفوا رسولهم ويموتوا غرقا، فقضى عليهم قضاء مبرما لا مرد له فأهلكوا جميعا غيره ومن آمن به لقوله جل قوله «وَحَمَلْناهُ» أي نوحا وأهله المؤمنين ومن آمن به لأنهم تبع له «عَلى ذاتِ أَلْواحٍ» من الخشب «وَدُسُرٍ ١٣» مسامير «تَجْرِي» بهم تلك السفينة التي أمرنا بصنعها الموصوفة بصفة تقوم مقامها ونعت ينوب منابها، وهو جائز إذا لم يفصل بينها وبين صفتها فاصل كما هنا، وهو ومن فصيح الكلام وبديعه كما تقول حيّ مستقيم القامة عريض الأظفار كناية عن الإنسان، ومنه قوله: مفرشي صهوة الحصان ولكنّ ... قميصي مسرودة من حديد أي أنه درع، وقد يكون من باب حذف الموصوف لدلالة الصفة عليه حسب القواعد النحوية أي سفينة ذات ألواح ودسر، وهو جائز فيما هو معلوم كهذه وجريانها ذلك «بِأَعْيُنِنا» ومرأى منا بحفظنا ورعايتنا، وكان هلاكهم بهذه الكيفية «جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ ١٤» به وهو نوح ﵇ لأنه كان نعمة لهم فكفروا به، وهكذا كل نبي فإنه يرسل نعمة لقومه لينقذهم من الهلاك، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً) الآية ٢٨ من سورة إبراهيم في ج ٢، قال تعالى «وَلَقَدْ تَرَكْناها» أي تلك السفينة وأبقيناها «آيَةً» دالة على قدرتنا ليعتبر بها من رآها ومن يأت بعدهم «فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ١٥» متعظ بها فيعتبر وعود الضمير هنا للسفينة على ما جرينا عليه لسبق ذكرها أولى من عوده إلى الواقعة أي الحادثة نفسها، وهي الفعلة التي فعلها الله بهم وأبقى ذكرها مستمرا تتناقله الأجيال وتذكره الكتب القديمة والحديثة بأن أبقاها بأرض الجزيرة حتى رآها أوائل هذه الأمة، وحتى الآن يشار إلى موضعها فيها. وأصل مدكر مذدكر، أبدلت الدال والتاء دالين وأدغمتا في بعضها، وهكذا كل كلمة من باب افتعل يفعل بها

стр. 285

هكذا، قال تعالى «فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ١٦» بحق المنكرين المكذبين وهذا الاستفهام تعظيم وتعجب أي أنهما كانا على كيفية هائلة لا يحيط بها الوصف وستأتي القصة مفصلة في الآية ٢٥ من سورة هود في ج ٢، «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ» سهلناه لقومك يا محمد بأن جعلناه بلغتهم وشحناه بأنواع المواعظ والعبر والأمثال، وكررنا فيه الوعد والوعيد والقصص والأخبار «لِلذِّكْرِ» التذكر به «فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ١٧» متعظ يعتبر به، وهذه جملة قسم كررها الله في آخر هذه القصة والقصص الثلاث الآتية تقريرا لمضمونها وتنبيها على أن كل منها مستقلة بإيجاب الادكار كافية في الازدجار، وفيها حث على تعليم القرآن ولزوم العمل به لأن الله يسره للكبير والصغير والعربي والعجمي، ولما انتهى من ذكر قصة نوح مع قومه ذكر قصة أخرى فقال «كَذَّبَتْ عادٌ» نبيهم هودا ﵇ «فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ١٨» في هؤلاء المكذبين الآخرين وكيفية عذابهم الفظيع بعد أن وعظناهم ونصحناهم بواسطة رسلنا ولم يؤمنوا «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً» شديدة الهبوب باردة ذات حول هائل «فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ١٩» دائم الشؤم وهو مطلق الزمن لقوله تعالى في الآية ١٦ من سورة فصلت «فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ» وقال جل شأنه في الآية ٧ من سورة الحاقة من ج ٢٩. (سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً) مطلب في أربعاء صفر وعيادة المريض . قيل كان وقوع هذا الريح يوم الأربعاء من آخر شهر صفر قال ابن عباس آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر وأخذ به كثير من الناس وتطيروا منه حتى أنهم تركوا السعي فيه ونسبو لعلي كرم الله وجهه أنه قال: وآخر أربعا في الشهر ترك......... ولكن ابن عباس وسيدنا علي على فرض صحة ما نسب إليهما لم يعيناه في صفر ولكن الناس خصوه فيه، وحتى الآن تراهم يتركون أعمالهم ويخرجون إلى النزهات ويعملون فيه أعمالا واهية كتكسير الجرار والسبح في الماء وغيرها من الترهات
следующие страницы →