← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23595

بيان المعاني

ملا حويش

Полный текст (3 362 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الآية القرب الزماني، وكل آت قريب، وإن ما بقي من الدنيا نسبة لما مضى منها يسير جدا لا يقدر أن يعارض به أحد وهو أمر مقطوع به، واستعمال القرب في الآية كاستعمال لعل في قوله تعالى (لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً) الآية ٦٣ من الأحزاب في ج ٣ وأن الأمر معلوم عند الله وانشقاق القمر آية ظاهرة على هذا القرب. هذا وقد ذكرت الصحف الأجنبية مقالة عربتها جريدة الإنسان التي كانت بالأستانه حاصلها أنه عثر في ممالك الصين على بناء قديم مكتوب عليه أنه بني عام كذا أي الذي وقع فيه حادث سماوي عظيم، وهو انشقاق القمر نصفين. وقد حرر الحساب فوجد موافقا سنة انشقاقه لسيدنا محمد ﷺ . فينبغي لمن فيه مسكة من عقل ألا يرتاب في شيء مما جاءت به الشريعة الإسلامية. وقد نقل هذا على ورقة التقويم العربي الهاشمي حمزة فتح الله في ١١ جمادى الأولى سنة ١٣٤٨ الموافق ١٣ تشرين الأول سنة ١٩٢٩ قال تعالى: «وَإِنْ يَرَوْا آيَةً» من آيات الله الباهرة الدالة على صدق محمد الصادق الأمين «يُعْرِضُوا» هؤلاء الكفرة عنها ويولوها أدبارهم «وَيَقُولُوا» هذه «سِحْرٌ» سحرنا به محمد وقد قالوا ذلك فيما تقدم من آياته الظاهرة حتى انهم قالوه في هذه الآية بأنها سحر «مُسْتَمِرٌّ ٢» مطرد دائم يأتينا بمثله، وأنه وإن كان استمر وجود هذه الآية بضعة من الزمن فإنها ذاهبة لا تبقى فلا تصدقوا به، وفي تنوين (آية) دلالة على أنهم ينكرون كل الآيات لأن النكرة إذا نونت عمت فتشمل كثيرا من نوعها هذا وما ذكره بعض القصاص من أن القمر حينما انشق دخلت فلقة منه جيب رسول الله وخرجت من كمه وفلقة كللت رأسه ﷺ باطل لا أصل له، إلا أنه شاع أن حضرة الرسول لما طلب منه بعض كفار قريش، العاص بن هشام، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن عبد المطلب، وربيعة بن الأسود، والنضر بن الحارث، واضرابهم المار ذكرهم في الآية ٥ من سورة القيامة المارة أن يظهر لهم آية ليؤمنوا، وكانت ليلة بدر فسأل ربه وأشار إلى القمر بسبابته الشريفة فانشق وبقي لحظات ثم التأم «وَكَذَّبُوا» بعد إظهار هذه الآية الباهرة «وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ» التي زينها لهم الشيطان ولم يصدقوا

стр. 282

بها وقالوا سحر مستمر ولكنه زائل مهما بقي «وَكُلُّ أَمْرٍ» يأتي به الرسول لا يكون سحرا وإنما هو حق ثابت «مُسْتَقِرٌّ ٣» لا يتغير ولا يتبدل ويتبين أنه حق وهذه جملة مستأنفة مسوقة للرد على الكفار بمقابلة قولهم سحر مستمر، وإنما قالوا مستمر ، لأن السحر لا يدوم وهو كذلك ولكنهم لما رأوا آيات الرسول متتابعة قالوا إن ما يأتي به سحر ولكنه مستمر «وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ» أخبار الأمم الماضية التي قصها عليهم والمعجزات التي أظهرها على أيدي رسلهم من غير آيات محمد «ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ٤» منتهى الاتعاظ لو كانوا يؤمنون بمحمد وما أنزل عليه ولكنهم لم يتعظوا وأصل مزدجر مزتجر أبدلت التاء دالا لأنها حرف مهموس والزاي حرف مجهور فأبدل التاء المهموس بالدال المجهور ليتناسبا، وهكذا كل تاء من هذا القبيل ومعناه الزجر والمنع. واعلم أن هذا القرآن وحده «حِكْمَةٌ بالِغَةٌ» واصلة حد الإحكام في الوعظ فاذا لم ينتهوا به «فَما تُغْنِ النُّذُرُ ٥» أي الأنبياء والرسل بعد القرآن «فَتَوَلَّ» يا سيد الرسل «عَنْهُمْ» فانهم لم ينتفعوا بوعظك وإرشادك لأنهم بعد اعراضهم عن إنذار الله لا يغنيهم إنذارك شيئا فاتركهم واذكر لهم «يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ» إسرافيل ﵇ ويناديهم ببوقه في النفخة الثانية من قبورهم يقول لهم هلموا «إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ ٦» فظيع هائل ينكرونه لعدم رؤيتهم مثله قبل وما قيل ان هذه الآية منسوخة لا قيمة له لأنه لم يؤمر بعد بقتالهم بل بإرشادهم تدريجا لأن الحكمة الإلهية اقتضت إنزال الشرائع تدريجا أمرا ونهيا ووعدا ووعيدا وإرشادا وانذارا وتبشيرا وتهديدا، وهكذا من المقدمات التي اقتضتها الحكمة الإلهية ليتعظ من يتعظ، وتحق الكلمة على المصر، وتظهر الحكمة فيمن يؤمن فيقومون من مدافنهم «خُشَّعاً» منصوب بالفعل بعده وفيه معنى الحال «أَبْصارُهُمْ» ذليلة خاضعة خائفة حين «يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ» القبور وما شابهها من مكامنهم وخص الأبصار مع أن كل الأعضاء ترجف وتختلج من شدة الهول، لانها علامة على الحزن والذلة للأشقياء، والفرح والعزة للسعداء، قال:

стр. 283

والعين تعرف من عيني محدثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها فتظهر الكآبة على وجه الفاسق، والصباحة على وجه الطائع لأول وهلة «كَأَنَّهُمْ» في الكثرة «جَرادٌ مُنْتَشِرٌ ٧» يموج بعضهم في بعض حيارى لا يعرفون أين يتوجهون وشبههم بالجراد لانه يركب بعضه بعضا عند سيره لكثرته وتفرقه في كل جهة حالة كونهم «مُهْطِعِينَ» مسرعين خائفين لا ينظرون إلا «إِلَى الدَّاعِ» أي لجهة صوته مادّين أعناقهم شاخصين بأبصارهم مهرولين نحوه وإذ ذاك «يَقُولُ الْكافِرُونَ» بعضهم لبعض «هذا يَوْمٌ عَسِرٌ ٨» شديد الصعوبة وفي تخصيص الكافرين بشارة على أن المؤمنين يكون عليهم سهلا يسرا راجع تفسير الآيتين ٢٥- ٢٦ من سورة الفرقان والآية ١٠ من سورة طه الآتيتين، واعلم يا أكمل الرسل أن قومك لم يبتدعوا التكذيب حيث «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا» نوحا ﵇ وكرره لأنه عاش فيهم مالم يعشه نبي في قومه بالدعوة وعدم الإيمان وكلما كذب أهل قرن تبعه القرن الآخر، إذ كانوا يتواصون أي أن كل جيل يوصي من بعده بعدم اتباعه وتصديقه ويقولون لهم إنه ساحر كذاب قاتلهم الله «وَقالُوا» له مثل ما قال لك قومك «مَجْنُونٌ» ولم يقتصروا على تكذيبه، بل إنهم منعوه عن أداء الرسالة التي كلفه ربه أداءها، بدليل قوله «وَازْدُجِرَ ٩» أي منع وهدد بالقتل عدا السب والشتم الذي فعلوا مثله بك وازدجر مثل مزدجر فعل به ما فعل به، ولما ضاق بالسيد نوح الحال وتأكد عدم ايمانهم زهد فيهم ورفع يديه «فَدَعا رَبَّهُ» وقال في دعائه يا رب «أَنِّي مَغْلُوبٌ» على أمري الذي أمرتني به من جهة قومي ولا قدرة لي عليهم «فَانْتَصِرْ ١٠» لي بنصرك الذي وعدتنيه وانتقم لي منهم وذلك بعد إياسه من قبول دعوته وايحاء الله له بعدم إيمانهم، راجع الآية ٣٦ من سورة هود ج ٢، فأجاب دعاءه قال تعالى (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا) الآية ١١٠ من سورة يوسف في ج ٢، ثم بين كيفية نصره له بقوله «فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ١١» متدفق بشدة انصبابه وعظمة نبعه

стр. 284

وكثرة هطوله المنبئ عنه قوله تعالى «وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً» شققناها عن عيون جارية «فَالْتَقَى الْماءُ» النازل من السماء مع النابع من الأرض «عَلى أَمْرٍ» حال ووقت «قَدْ قُدِرَ ١٢» زمانا ومكانا، حسبما هو مقدر في علم الله وقوعه عليهم بهذه الصورة المقدرة على عدم ايمانهم بأن يخالفوا رسولهم ويموتوا غرقا، فقضى عليهم قضاء مبرما لا مرد له فأهلكوا جميعا غيره ومن آمن به لقوله جل قوله «وَحَمَلْناهُ» أي نوحا وأهله المؤمنين ومن آمن به لأنهم تبع له «عَلى ذاتِ أَلْواحٍ» من الخشب «وَدُسُرٍ ١٣» مسامير «تَجْرِي» بهم تلك السفينة التي أمرنا بصنعها الموصوفة بصفة تقوم مقامها ونعت ينوب منابها، وهو جائز إذا لم يفصل بينها وبين صفتها فاصل كما هنا، وهو ومن فصيح الكلام وبديعه كما تقول حيّ مستقيم القامة عريض الأظفار كناية عن الإنسان، ومنه قوله: مفرشي صهوة الحصان ولكنّ ... قميصي مسرودة من حديد أي أنه درع، وقد يكون من باب حذف الموصوف لدلالة الصفة عليه حسب القواعد النحوية أي سفينة ذات ألواح ودسر، وهو جائز فيما هو معلوم كهذه وجريانها ذلك «بِأَعْيُنِنا» ومرأى منا بحفظنا ورعايتنا، وكان هلاكهم بهذه الكيفية «جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ ١٤» به وهو نوح ﵇ لأنه كان نعمة لهم فكفروا به، وهكذا كل نبي فإنه يرسل نعمة لقومه لينقذهم من الهلاك، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً) الآية ٢٨ من سورة إبراهيم في ج ٢، قال تعالى «وَلَقَدْ تَرَكْناها» أي تلك السفينة وأبقيناها «آيَةً» دالة على قدرتنا ليعتبر بها من رآها ومن يأت بعدهم «فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ١٥» متعظ بها فيعتبر وعود الضمير هنا للسفينة على ما جرينا عليه لسبق ذكرها أولى من عوده إلى الواقعة أي الحادثة نفسها، وهي الفعلة التي فعلها الله بهم وأبقى ذكرها مستمرا تتناقله الأجيال وتذكره الكتب القديمة والحديثة بأن أبقاها بأرض الجزيرة حتى رآها أوائل هذه الأمة، وحتى الآن يشار إلى موضعها فيها. وأصل مدكر مذدكر، أبدلت الدال والتاء دالين وأدغمتا في بعضها، وهكذا كل كلمة من باب افتعل يفعل بها

стр. 285

هكذا، قال تعالى «فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ١٦» بحق المنكرين المكذبين وهذا الاستفهام تعظيم وتعجب أي أنهما كانا على كيفية هائلة لا يحيط بها الوصف وستأتي القصة مفصلة في الآية ٢٥ من سورة هود في ج ٢، «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ» سهلناه لقومك يا محمد بأن جعلناه بلغتهم وشحناه بأنواع المواعظ والعبر والأمثال، وكررنا فيه الوعد والوعيد والقصص والأخبار «لِلذِّكْرِ» التذكر به «فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ١٧» متعظ يعتبر به، وهذه جملة قسم كررها الله في آخر هذه القصة والقصص الثلاث الآتية تقريرا لمضمونها وتنبيها على أن كل منها مستقلة بإيجاب الادكار كافية في الازدجار، وفيها حث على تعليم القرآن ولزوم العمل به لأن الله يسره للكبير والصغير والعربي والعجمي، ولما انتهى من ذكر قصة نوح مع قومه ذكر قصة أخرى فقال «كَذَّبَتْ عادٌ» نبيهم هودا ﵇ «فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ١٨» في هؤلاء المكذبين الآخرين وكيفية عذابهم الفظيع بعد أن وعظناهم ونصحناهم بواسطة رسلنا ولم يؤمنوا «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً» شديدة الهبوب باردة ذات حول هائل «فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ١٩» دائم الشؤم وهو مطلق الزمن لقوله تعالى في الآية ١٦ من سورة فصلت «فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ» وقال جل شأنه في الآية ٧ من سورة الحاقة من ج ٢٩. (سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً) مطلب في أربعاء صفر وعيادة المريض . قيل كان وقوع هذا الريح يوم الأربعاء من آخر شهر صفر قال ابن عباس آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر وأخذ به كثير من الناس وتطيروا منه حتى أنهم تركوا السعي فيه ونسبو لعلي كرم الله وجهه أنه قال: وآخر أربعا في الشهر ترك......... ولكن ابن عباس وسيدنا علي على فرض صحة ما نسب إليهما لم يعيناه في صفر ولكن الناس خصوه فيه، وحتى الآن تراهم يتركون أعمالهم ويخرجون إلى النزهات ويعملون فيه أعمالا واهية كتكسير الجرار والسبح في الماء وغيرها من الترهات

стр. 286

مع أنه لم يثبت فيها شيء صحيح يركن اليه، وجزم ابن الجوزي بوضع ما روي عن ابن عباس، وقال ابن رجب لا يصح ورفعه غير متفق عليه. وقال السخاوي طرقه كلها واهية وما جاء في الفردوس عن عائشة ﵂ وعن أبيها لولا أن تكره أمتي لأمرتها أن لا يسافروا يوم الأربعاء إلخ غير معلوم الصحة. وما أخرجه ابن يعلى عن ابن عباس يوم السبت يوم مكر وخديعة، ويوم الأحد يوم غرس وبناء، ويوم الاثنين يوم سفر وطلب رزق، ويوم الثلاثاء يوم حديد وبأس، ويوم الأربعاء لا أخذ ولا عطاء، ويوم الخميس يوم طلب الحوائج والدخول على السلطان، ويوم الجمعة يوم خطبة ونكاح قد ضعفه السخاوي، وضعفوا أيضا خبر الطبراني وهو يوم الأربعاء يوم نحس مستمر، إذ جاء في الأخبار ما يشعر بمدحه فقد جاء في منهاج الحليمي وشعب البيهقي أن الدعاء يستجاب يوم الأربعاء وذكر برهان الإسلام في شرح تعليم المتعلم نقلا عن صاحب الهداية (ما بدأ شيء يوم الأربعاء إلا وتم) ، ولذلك فإن بعض المشايخ يبدأون تدريس طلبتهم فيه وروى عن جابر مرفوعا في غرس الأشجار يوم الأربعاء، وقال سبحان الباعث الوارث آتته أكلها، وهناك أخبار أخر منها ما رواه ابن ماجه، وخرجه الحاكم عن ابن عمرو مرفوعا أيضا لا يبدو جذام ولا برص إلا يوم الأربعاء ومنها ما يفيد النهي عن قص الأظفار فيه وانه يورث البرص وكرّه بعضهم عيادة المريض فيه وفيه يقال: لم يؤت في الأربعاء مريض ... إلا دفناه في الخميس ولهذا فإن أهالي دمشق يتورعون عن عيادة المريض فيه وقد يغضب أهل المريض إذا وقع هذا ممن لا يعرفه ويولولون عند دخوله، لهذا ينبغي التحاشي عن عيادة المريض يوم الأربعاء لمن يعتقد ذلك لما فيه من إلقاء الرعب على أهل المريض والمريض أيضا لأن العائد لم يقصد بعيادته إلا الأجر وسرور المريض واهله، فإذا علم أن ذلك على العكس كان عليه التباعد عنه، حكي أن رجلا قال لأخيه أخرج في حاجة فقال إنه في يوم الأربعاء، فقال له: ولد فيه يونس ﵇، قال قد بانت بركته في اتساع موضعه وحسن كسوته حتى خلصه الله. فقال

стр. 287

فيه ولد يوسف ﵇، قال ما أحسن ما فعل به إخوته حتى طال حبسه وغربته، فقال فيه نصر المصطفى، قال بعد أن زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر هذا وقد نسب الحافظ الوميطي لعلي كرم الله وجهه هذه الأبيات: فنعم اليوم يوم السبت حقا ... لعيد إن أردت بلا امتراء وفي الأحد البناء لأن فيه ... تبدى الله في خلق السماء وفي الإثنين إن سافرت فيه ... سترجع بالنجاح وبالثراء ومن يرد الحجامة فالثلاثا ... ففي ساعاته هرق الدماء وإن شرب امرؤ يوما دواء ... فنعم اليوم يوم الأربعاء وفي يوم الخميس قضاء حاج ... فإن الله يأذن بالقضاء وهذا العلم لا يرويه إلا ... نبيّ أو وصيّ الأنبياء قال الآلوسي لا أظنها تصح عنه، وإن الأيام كلها لا تنفع ولا تضر بذاتها ومن تطيّر بها حاقت به نحوستها، ومن أيقن بأنه لا يضر ولا ينفع إلا الله لم يؤثر فيه شيء، وعلى فرض صحة بعض الأخبار من حضرة الرسول من نحوسة آخر أربعا في الشهر من باب النظير ضرورة أنه ليس من الدين بل من فعل الجاهلية، ولا يبني على قول المخمنين أنه يوم عطارد وهو نحس مع النحوس سعد مع السعود فإنه قول باطل أيضا، ويجوز أن يكون من باب التخويف والتحذير عن مثل ذلك اليوم الذي نزل فيه العذاب ووقع فيه الهلاك أي احذروه وجددوا التوبة فيه خشية أن يلحقكم بؤس كما وقع فيمن قبلكم، وهذا كما قال ﷺ حينما أتى الحجر: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين. وهكذا ينبغي أن لا يقف أحد في كل موضع وقع فيه عذاب الله على بعض خلقه ويتحاشى المرور فيه إلا لقصد الاعتبار وجاءت آثار في غير الأربعاء لم تصح أيضا، منها نعوذ بالله من يوم الأحد فإن له حدا أحد من السيف، ولو فرض صحته فهو في يوم مخصوص علم بالوحي ما يحدث فيه. ومنها ما جاء في الفردوس من حديث ابن مسعود: خلق الله الأمراض يوم الثلاثاء، وفيه أنزل إبليس إلى الأرض، وفيه

стр. 288

خلق الله جهنم، وفيه سلط ملك الموت على أرواح بني آدم، وفيه قتل قابيل هابيل، وفيه توفي موسى وهارون، وفيه ابتلي أيوب. وهذا ان صح لا يدل على نحو سعة، وغاية ما فيه أنه وقع فيه ما وقع، وجاء في رواية مسلم (خلف المنفق) أي ما يقوم به المعاش. يوم الثلاثاء هذا والله أعلم أنه لا اختصاص ليوم أو ساعة بالنحس والسعد فما من يوم أو ساعة إلا وهما على أناس سعد ونحس على آخرين، باعتبار ما يحدث الله تعالى فيهما على خلقه من نعم ونقم. وإذا تتبعت التواريخ وجدت في كل يوم حوادث عظيمة، وناهيك حادثة عاد فإنها استغرقت الأسبوع كله، فإذا كانت النحوسة لذلك فلم يخل يوم منها فعلى العاقل أن لا يتقيد بشيء من ذلك ويتوكل على الله، وليعلم أنه لا دخل للأوقات بما يوقعه الله فيها، وهذا هو الحكم الشرعي في ذلك، نعم جاء لبعض الأوقات فضل لا ينكر كيوم الجمعة والساعة فيه للإجابة ويوم عرفة وشهر رمضان وليلة القدر وليلتي العيدين، وليلة البراءة، والعاشر من المحرم، ولبعضها ذم كالأوقات التي تكره فيها الصلاة والمحال التي وقع فيها العذاب على الكافرين ولأيام التي كان الهلاك فيها بخصوصها لا مثلها، فقد ثبت أن العنكبوت عشش على الغار الذي دخله محمد ﷺ وأبو بكر، فهذا بخصوصه ممدوح أما غيره فلا، فقد جاء عنه ﵊ اقتلوا العنكبوت فإنه شيطان. وقس على هذا قال تعالى في وصف تلك الريح «تَنْزِعُ النَّاسَ» تقلعهم من محالهم فتدق رقابهم بالأرض فتصيرهم «كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ» أي أصولها من غير فروعها «مُنْقَعِرٍ ٢٠» منقلع من مغارسه ساقط على الأرض، أي كل واحد من قوم عاد صار كجذع نخل خاو لا حراك به وإنما شبههم بالنخل لطول قامتهم وعظم أجسادهم «فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ٢١» فانظروا أيها الناس وتفكروا فيه واستعيذوا من مثله بالله وتعجبوا منه «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ٢٢» يتذكر به ويتدبر عاقبة أمره ثم بدأ يذكر القصة الثالثة فقال: «كَذَّبَتْ ثَمُودُ» نبيهم صالحا «بِالنُّذُرِ ٢٣» الرسل وجاء بلفظ الجمع، لأن تكذيب واحد منهم كتكذيبهم كلهم، لأنهم كلهم ت (١٩)

стр. 289

مرسلون من الله، ومتفقون على أصول الدين والتشريع، ولأن ثمود منحدرون من عاد التي كذبت هودا فلما كذبوا صالحا فكأنهم كذبوا هودا أيضا فمن قبله، ثم بين صورة تكذيبهم بقوله: «فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ» أي لا نتبع واحدا منا لأن الاستفهام انكاري ولا يجاب إلا بلا كما أن الاستفهام التقريري لا يجاب إلا ببلى مثل (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) وقالوا «إِنَّا إِذاً» إذا اتبعنا فردا من جنسنا «لَفِي ضَلالٍ» عن الصواب والسداد منحطين عن الحق والهدى «وَسُعُرٍ ٢٤» جنون أو جمع سعير أي في شدة من العذاب وهذه الجملة في الأصل قول صالح ﵇ لهم بأنكم إذا لم تتبعوني تكونوا في ضلال عن الحق في الدنيا وفي سعر النار في الآخرة فعكسوا عليه قوله لتعنتهم وعتوهم المشعر به حكاية الله عنهم وقالوا «أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ» الوحي الذي يزعم أنه نزل «عَلَيْهِ» من ربه «مِنْ بَيْنِنا» وفينا من هو على زعمهم أحق منه به وهذا كقول قريش في الآية ٣١ من سورة الزخرف في ج ٢ «بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ٢٥» متكبر حمله بطره لأن يتعظم علينا مع أن فينا من هو أحسن منه للنبوة، فرد الله عليهم رد تهديد وتخويف بقوله عز قوله: «سَيَعْلَمُونَ غَداً» حين نزول العذاب بهم «مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ٢٦» هم أم هو «إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ» نختبرهم فيها هل يمتثلون أمرنا أم لا «فَارْتَقِبْهُمْ» يا صالح وانظر ماذا يفعلون بها «وَاصْطَبِرْ ٢٧» على أذاهم ولا تعجل عليهم، وأصل اصطبر اصتبر فأبدلت التاء طاء وهكذا كل ما كان فعله افتعل فان تاءه تقلب طاء، وهو مبالغة اصبر «وَنَبِّئْهُمْ» يا رسولي «أَنَّ الْماءَ» الموجود في القرية هو «قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ» يوم للناقة ويوم لهم كلهم «كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ٢٨» في نوبته قال قوم صالح ان كنت نبيا فأخرج لنا من هذه الصخرة ناقة فدعا الله فأجابه وامتحنهم بقسمة الماء فأبوا وأجمعوا على قتلها الدال عليه قوله «فَنادَوْا صاحِبَهُمْ» الذي أجمع رأيهم عليه بأن يتولى قتلها «فَتَعاطى» اجترأ دون اكتراث بأنها آية الله على صدق نبيهم «فَعَقَرَ ٢٩» الناقة بالسيف الذي ناولوه إياه «فَكَيْفَ كانَ عَذابِي

стр. 290

وَنُذُرِ ٣٠» لأمثال هؤلاء أي شيء عظيم هو وبينه بقوله: «إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً» من قبل عبدنا جبرائيل «فَكانُوا» بسببها «كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ٣١» كيبيس الشجر إذا كسر وحطم وصار محتضرا لوم البهائم وقدمنا في الآية ١١ من سورة الشمس ما يتعلق بهذا وله صلة في الآية ١٥٧ من سورة الشعراء الآتية وسنفصل القصة إن شاء الله في الآية ١١٩ من الأعراف الآتية أيضا قال تعالى: «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ٣٢» ثم طفق يبين القصة الرابعة فقال: «كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ٣٣» ثم وصف تعذيبهم بقوله: «إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً» ريحا ممزوجة بالحصى الصغار المسمى حصباء وأمرناها بحصبهم جميعا «إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ ٣٤» إذ أوحينا اليه أن يخرج أهله معه آخر الليل لئلا يصيبهم ذلك وأنعمنا عليهم بالنجاة منه «نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا» نحن إله الكل «كَذلِكَ» مثل هذا الجزاء الحسن «نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ٣٥» نعمنا من عبادنا الطائعين وقرىء نعمة بالرفع على الخبرية، أي وهذا الإنجاء نعمة من لدنا. وبالنصب مفعول مطلق وعليه المصاحف وهو أليق «وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ» نبيهم لوط ﵇ «بَطْشَتَنا» هذه وحذرهم عقوبتنا القاسية ليؤمنوا فلم ينجح بهم بل أصروا على تكذيبه والسخرية به كما يدل عليه قوله «فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ ٢٦» وشكوا بصدقهم بل كذبوهم لأن الفعل يتضمن معنى التكذيب إذ عدي بالياء، ولو كان المراد الشك لعدي بالفاء إذ يقال شك في الأمر وكذب به، تأمل «وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ» أي طلبوا منه أن يفتعلوا بهم وحاولوا فتح الباب ليفجروا بهم وقد عجز عن مقاومتهم «فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ» بصفقة من جناح عبدنا جبريل فصير عيونهم من جملة وجوهم حتى كأنها لم تنشق، ومنعناهم من التعرض لأضيافه بعد أن خالفوه وأرادوا أن يدخلوا داره قسرا عنه ليتعرضوا لأضيافه فنصره ربه وقال «فَذُوقُوا» أيها الفاحشون الخبثاء «عَذابِي» الذي أوقعه عليكم «وَنُذُرِ ٣٧» أي ما أنذرتكم به على لسان نبيكم من العذاب «وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً) هي أخص في الصباح لأنها تطلق على الغدوة أيضا بخلافه «عَذابٌ

стр. 291

مُسْتَقِرٌّ ٣٨» ثابت دائم إلى يوم القيامة حتى يقضى بسوقهم إلى النار ويقال لهم فيها «فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ ٣٩» تشديدا للعذاب وزيادة للحسرة «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ٤٠» وفي تكرير هذه الآية معنى آخر وهو حث للسامع على تجديد الاتعاظ وتكرير الانتباه عند سماع تكرار هذه الآية آخر كل قصة لتكون عبرة دائمة في القلوب مستمرا تصورها في الأذهان وكذلك الأمر في تكرار (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) في سورة المرسلات المارة، وجملة فبأي آلاء ربكما تكذبان من سورة الرحمن في ج ٣ قال تعالى «وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ٤١» أي موسى وهرون «كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها» أي الآيات التسع الآتية في سورة الأعراف مفصلة من الآية ١٠٢ فما بعد «فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ٤٢» غالب قهار جبار لا يعجزه شيء ولا يحول دون أمره شيء «أَكُفَّارُكُمْ» يا أمة محمد ويا أهل مكة «خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ» الذين قصصنا عليكم أمرهم وكيفية تعذيبهم في الدنيا وما خبأناه لهم في الآخرة أدهى وأمر وأدوم «أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ» يأمنكم من الإهلاك أخبرتم بها أم نزلت عليكم «فِي الزُّبُرِ ٤٣» الكتب المتقدمة، كلا لا مأمن لكم من العذاب البتة ولستم بأحسن ممن قبلكم ولا أقل كفرا منهم ولم ينزل بأمتكم من عذاب الله شيء وسيصيبكم ما أصابهم إن لم تؤمنوا. مطلب الآيات المدنية وحكم ما تأخر حكمه عن نزوله: وهذه أولى الآيات المدنيات قال تعالى «أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ» الذين حضروا واقعة بدر كما سيأتي بيانها في الآية ٥ من سورة الأنفال في ج ٣ «جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ٤٤» كثيرون أقوياء ممتنعون لا نظلم ولا نرام فردّ عليهم بقوله «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ٤٥» هاربين لا يلوون على أحد، واعلم يا حبيبي أن ليس الأمر كما يقولون ويتوهمون «بَلِ السَّاعَةُ» هذه التي يتوخون النصر فيها هي «مَوْعِدُهُمْ» للقتل والأسر والسبي في الدنيا وهذه من علامات النبوة حيث صدق الله وعده رسوله «وَالسَّاعَةُ» الداهية الدهماء الموعودون بها يوم القيامة «أَدْهى» من عذاب هذه

стр. 292

الساعة الدنيوية «وَأَمَرُّ ٤٦» منها مذاقا وأدوم عذابا من القتل والأسر والسبي. انتهت الآيات المدنيات. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: قال رسول الله وهو في قبة يوم بدر: اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد هذا اليوم أبدا. فأخذ أبو بكر بيده فقال حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك، فخرج وهو في الدرع وهو يقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر. وقد مر في الآية ١٤ من سورة الأعلى المارة أن هذه الآية مما تأخر حكمها عن نزولها وهو الصحيح والله أعلم لأنها إحدى الآيات السبع المبينين هناك أربع منها وهذه الخامسة والسادسة الآية ٥٦ من سورة النور ج ٣ وهي (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) والسابعة قوله (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ) الآية ٢١ من سورة الفتح في ج ٣ أيضا وللبحث صلة في تفسير هاتين الآيتين الأخيرتين بمحلهما إن شاء الله. أما الأربع الأول فقد تقدم في سورة الأعلى بيانها وسببها قال تعالى «إِنَّ الْمُجْرِمِينَ» من الأولين والآخرين «فِي ضَلالٍ» في هذه الدنيا «وَسُعُرٍ ٤٧» في الآخرة «يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ» وتقول لهم زبانية العذاب «ذُوقُوا» أيها المجرمون «مَسَّ سَقَرَ ٤٨» ألمها عند ما تمس جلودكم كما يقال الآن ذق طعم الضرب ومس الحمّى قال تعالى ردا لما يقال من قبل أهل الضلال «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ٤٩» معلوم وتقدير سابق مثبت في اللوح المحفوظ وسنظهره عند إرادتنا له قال ابن عباس كل شيء بقدر حتى وضع يدك على خذك، روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال سمعت رسول الله ﷺ يقول كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال وكان عرشه على الماء، أي قبل خلقهما. راجع الآية ٦ من سورة هود في ج ٢. مطلب في القدر وما يتعلق به: والمراد من هذا تحديد وقت الكتابة في اللوح لا أصل القدر لأنه أزلي لا أول له، وروي أيضا عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى النبي ﷺ يخاصمونه في القدر فنزلت هذه الآية. وروي عن طاووس قال: أدركت أناسا من أصحاب

стр. 293

رسول الله ﷺ يقولون كل شيء بقدر الله تعالى. وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال ﷺ : كل شيء يقدر حتى العجز (عدم القدرة على الفعل) والكيس (النشاط والحذق بالأمور) أي قدر الله ذلك في البشر أيضا وأخرج الترمذي عن علي كرم الله وجهه قال: قال رسول الله: لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، واني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت وبالبعث، ويؤمن بالقدر. وأخرج أيضا عن جابر قال: قال ﷺ : لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر خيره وشره وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وهذا حديث غريب يعرف من طريق عبد الله بن ميمون وهو منكر الحديث. أما الحديث المتفق عليه فهو حديث جبريل ﵇ المشهور الذي فيه، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال صدقت. وهو الذي رواه مسلم عن عمر ﵁، والحديث الآخر الذي رواه الترمذي عن ابن عباس وكلاهما في حديث الأربعين، وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وحسنه ابن ماجه وابن عدي وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال ﷺ صنفان من أمتي ليس لهما نصيب في الإسلام: المرجئة والقدرية، أنزلت فيهم آية في كتاب الله (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ) الآية المارة وإن الذين ينكرون القدر هم خصماء الله لأنهم يقولون لا يقدر الله المعصية على العبد ثم يعذبه عليها ويسمون القدرية لإنكارهم القدر وزعمهم ان الله تعالى لم يتقدم علمه بالأشياء وانه يعلمها بعد وقوعها، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقد أجمعت الأئمة من أهل السنة والجماعة على اثبات القدر وانه تعالى قدر جميع الأشياء في القدم وعلم انها ستقع في أوقات معلومة عنده على صفات مخصوصة فتقع بحسب ما قدرها. والحكم الشرعي هو وجوب اعتقاد ما قرره هذا المذهب الحق وأجمع عليه جمهور المحققين ورفض قول المبتدعة وتفسيقهم. قال امام الحرمين قال رسول الله: القدرية مجوس هذه الأمة رواه ابو حاتم عن ابن عمر عن رسول الله وأخرجه أبو داوود في سننه والحاكم ابو عبد الله في المستدرك على شروط الصحيحين، وقال صحيح على شرط الشيخين ان صح سماع ابي حاتم عن ابن عمر. قال الخطابي: انما جعلهم حضرة الرسول مجوسا لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس لقولهم

стр. 294

بالأصلين النور والظلمة أي الخير في النور والشر في الظلمة، فصاروا ثنوية، وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله والشر إلى غيره مع أنه لا يكون شيء إلا بمشيئة الله فالخير والشر مضافان إلى الله خلقا وإيجادا، وإلى العبد فعلا واكتسابا. ويزعم كثير من الناس ان معنى القضاء والقدر إجبار الله العبد على ما قدره وقضاه عليه، وليس الأمر كذلك بل معناه الاخبار عن تقدم علم الله بما يكون من اكساب العبد وصدورها عن تقدير منه وخلق لها، ومعنى القدر ما صدر مقدرا عن فعل القادر ومعنى القضاء الخلق. قال تعالى (فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ) الآية ١٢ من فصلت في ج ٢ أي خلقهن قال محمد بن قتيبة في كتاب غريب الحديث، وأبو المعالي إمام الحرمين في كتاب الإرشاد في أصول الدين: ان بعض القدرية قالوا لسنا بقدرية بل أنتم يا أهل السنة والجماعة القدرية، لاعتقادكم اثبات القدر، وهذا تمويه من هؤلاء الجهلة ومباهتة وتواقح لأن أهل الحق يفوضون أمورهم إلى الله تعالى ويضيفون القدر والأفعال إلى الله وهم يضيفونه إلى أنفسهم ومدعي الشيء لنفسه ومضيفه إليها اولى بأن ينسب إليه من يعتقده لغيره، وينفيه عن نفسه، والمرجئة الذين يقولون بالتأخير أي يؤخرون حتى ينزل الله فيهم ما يريد فهؤلاء يؤخرون العمل عن الرتبة وعن الاعتقاد أو لأنهم يقولون لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم خمس فرق، ومن أراد أن يطلع على عقائدهم وماهيتهم فليراجع ص ١٩٣ من الجزء الثالث من المواقف ففيه كفاية. قال تعالى «وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ» أي كلمة أو إشارة مفردة إذا أردنا شيئا نقول له «كُنْ» فيكون بين الكاف والنون وليعلم ان الارادة غير الأمر وغير القول والفرق بينهما ان الارادة قدر والقول قضاء وقد يؤمر بالشيء ولا يراد وضدّه النهي وضد القول السكوت، وفي قوله تعالى واحدة اشارة إلى إنفاذ الأمر بلا تكرار القول. ثم بين سرعة ذلك الأمر بالنسبة إلينا وهو عنده دون ذلك فقال إذا رمزنا إلى شيء بالكونية كان حالا ووجد «كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ٥٠» أي بقدر ما يرد أحدكم طرفه وهذا تمثيل لما تقبله عقولنا والا فهو أقل وأقل فالذي جاء بعرش بلقيس من سبأ إلى القدس بلمحة بصر هو عبد من عبيده فكيف برب ذلك العبد الذي أقدره على ذلك راجع الآية ٤٠ من سورة النمل الآتية قال تعالى «وَلَقَدْ أَهْلَكْنا

стр. 295

أَشْياعَكُمْ» أشباهكم في الكفر ونظرائكم في العناد يا قوم محمد ويا أهل مكة المشرفة من الأمم السابقة «فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ٥١» يخاف ويعتبر بمن سلف قبل ان يحل فيه ما حل بهم «وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ» المتقدمون وما يفعله المتأخرون مثل كفار مكة ومن قبلهم وبعدهم الخير والشر كله مدون «فِي الزُّبُرِ ٥٢» من قبل الحفظة في اللوح المحفوظ مما وقع وسيقع إلى يوم القيمة قدره ونوعه وجنسه ومكانه وزمانه وصفته «وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ» من العوالم وأفعالهم «مُسْتَطَرٌ ٥٣» عند الله أزلا لا يعزب شيء منه عنه، الذرة فما فوقها وما دونها «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ٥٤» أنهار كثيرة وإنما جاء بلفظ نهر لموافقة رؤوس الآي وهذه الأنهار من ماء صاف بارد وعسل مصفى وخمر لا غول فيه ولبن خالص واشربة متنوعه ممالذ وطاب مهيئة هذه الأنهار للمتقين «فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ» مجلس لا لغو فيه ومسرح لا فجور فيه ومكان مرضي لا غضب فيه لا نظير له ولا شبيه «عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ٥٥» على كل شيء وتحت ملكه كل شيء عظيم القدرة على كل شيء فأي منزلة أكرم من هذه وأجمع للسعادة والغبطة. وفقنا الله لها بمنه وكرمه وجعلنا من أهلها بجوار حرمه. قال الإمام جعفر الصادق ﵁ وصف الله تعالى المكان بالصدق فلا يقعد فيه إلا أهل الصدق وهو منهم جعلنا الله من أتباعه وقال بعض أهل المعرفة ان الله تعالى أبهم العذبة والقرب ونكر مليكا ومقتدرا اشارة إلى ان ملكه وقدرته لا تدرك الأفهام كنهها، وان قربهم منه سبحانه بمنزلة من الكرامة والسعادة بحيث لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر يجل عنه اللسان وتكل دونه الأذهان. وهذه الآية من المتشابه الذي سبق أن نوهنا به في الآية ٣٠ من سورة ق المارة إذ درجنا فيها ما يتعلق بآيات الصفات وأحاديثها هذا، والله أعلم، واستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، العلي العظيم، وصلّى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين.

стр. 296

تفسير سورة ص عدد ٣٨- ٣٨ نزلت بمكة بعد القمر وهي ثمان وثمانون آية، وسبعمائة واثنتان وثلاثون كلمة، وثلاثة آلاف وسبعة وتسعون حرفا، وتسمى سورة داوود، لا يوجد سورة مبدوءة أو مختومة بما بدئت أو ختمت به. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى «ص» ابتدأ تعالى بعض سور كتابه العظيم بحرف من الحروف على سبيل التحدي والبينة والاعجاز وان إتباعه بقسم محذوف الجواب لدلالة التحدي عليه واعجاز البشر عن الإتيان بمثله وقد تسمى السورة بما بدئت به كهذه وسورتي ن وق ويجوز أن يكون مفتاحا لبعض أسمائه الحسنى كالصمد والصادق والصبور والصانع ويقرأ بالسكون وبالكسر اختلاسا ومع التنوين وبالضم، أيضا وهو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذه سورة ص أو مبتدأ لخبر محذوف أي سورة ص هذه سورته المعجزة «وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ١» والموعظة الحسنة وجواب القسم أنك يا محمد لمن المرسلين وأنه ما كفر من كفر بك لخلل وجده فيك أو فيما أنزل عليك «بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ٢» أنفة وخلاف وإنما اخترت أن يكون جواب القسم جملة (لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) لمناسبتها للمقام وموافقتها للمعنى وإن من المفسّرين من قدره بجملة (إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ) الآية الآتية ومنهم من جعل جملة (إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ) الآية الآتية بعد تلك جواب للقسم ومنهم من قال جوابه (كَمْ أَهْلَكْنا) الآية أيضا ومنهم من قدره (بَلِ الَّذِينَ) إلخ الآية المارة وكلها أقوال تعقبت وفندت لعدم انطباقها على المراد في الآية المقسم بها لذلك لم نعتمد شيئا منها ولما كان القرآن يفسر بعضه وتشير بعض آياته إلى بعض وإلى شيء لا يوجد في بعضها وكان مثل هذا الحذف المقدر هنا موجودا في مثل هذه الآية في سورة يس الآتية قدرناه هنا بمثل ما هو هناك، ويقويه ذكر النذارة هناك وهنا أيضا لأن الرسالة تتضمن البشارة والنذارة وعليه

стр. 297

تكون (بَلِ) في الآية المتقدمة بعد القسم للانتقال من القسم والمقسم به والمقسم عليه إلى ذكر أنفة المشركين وغلظتهم ومخالفتهم لما جاء به حضرة الرسول لأن عزتهم تلك عبارة عن حمية جاهلية وتكبر عن الحق الصريح مشاحنة وعداوة به ﷺ ليس إلا قال تعالى «كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ» أي قومك أيها المخاطب النبيل «مِنْ قَرْنٍ» أي أهله من اطلاق الظرف وإرادة المظروف «فَنادَوْا» عند نزول العذاب بهم بالويل والثبور والاستغاثة قصد النجاة منه فلم يجابوا وأرادوا الفرار فلم يقدروا «وَلاتَ حِينَ مَناصٍ ٣» أي ليس الحين حين فرار وخلاص مما نزل بهم وجاء هذا على ما كانت تعتاده كفرة قريش عند مضايقتها في الحروب إذ يقول بعضهم لبعض مناص أي اهربوا وخذوا حذركم والمعنى هنا أن عذاب الله لا مخلص منه. وما قيل إن هذه الآية نزلت في حادثة بدر لا صحة له لأن هذه السورة كلها مكية والآية جارية في معرض ذكر هلاك الأمم الماضية المنوه بها في السورة قبلها وأن سياقها يأبى ذلك «وَعَجِبُوا» هؤلاء الكفرة «أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ» من أنفسهم نسبا وأحسنهم حسبا وأعظمهم مكانة «وَقالَ الْكافِرُونَ» أني بالظاهر بدل المضمر في معرض الذم اعلاما بأنه لا يقدم على هذا إلا المنهمك في الكفر المتوغل في الفسوق «هذا» أي محمد الذي جاءكم يدعي النبوة «ساحِرٌ كَذَّابٌ ٤» مع أنهم يسمونه الأمين قبل أن يكون نبيا، ويعلمون أنه ليس بساحر ولا يوجد بمكة من يعرف السحر إذ ذاك، ولم يخرج من بين أظهرهم فوصمهم لحضرته بالسحر محض افتراء وبهتان. قالوا: لما أسلم عمر بن الخطاب ﵁ شق إسلامه على قريش وفرح المؤمنون به فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم خمسة وعشرون صنديدا امشوا إلى أبي طالب، فأتوه، وبينوا له حال ابن أخيه واستغوائه قريشا واحدا بعد واحد واشرحوا له حالته التي لم يبق بوسعنا السكوت عليها، فأتوه فقالوا أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء (يعنون محمد وأصحابه) وقد أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك وأنك قاضينا فيه وفي غيره. فدعاه فقال: يا ابن أخي إن هؤلاء قومك يسألونك السؤال فلا

стр. 298

تمل كل الميل فقال ﷺ : وماذا يسألون؟ قالوا ارفض آلهتنا وندعك وإلهك. فقال ﷺ : أعطوني كلمة تملكون بها العرب وتدين لكم الأمم. فقال أبو جهل نعطيكها وعشرة أمثالها، فقال: قولوا لا إله إلا الله، فنفروا وقالوا كيف يسع الخلق إله واحد؟ فأنزل الله جل أنزاله «أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا» الذي يقوله محمد «لَشَيْءٌ عُجابٌ ٥» بليغ في العجب والتعجب «وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ» من مجلس ابي طالب قائلين بعضهم لبعض «أَنِ امْشُوا» عنه حيث كان هذا مراد ابن أخيه ولم يصده عنه «وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ» واثبتوا على عبادتها وتحملوا ما يقدح فيها «إِنَّ هذا» الذي قاله محمد وتعليمه على دعوته لإله واحد وما نراه من ازدياد أتباعه يوميا وسكوت عمه عليه وعدم اصغائه لشكايتنا منه «لَشَيْءٌ يُرادُ ٦» بنا بأن يتحكم فينا وفي ذرارينا، ويترفع علينا ويستولي على أموالنا وأملاكنا، ثم قال بعضهم لبعض «ما سَمِعْنا بِهذا» الذي يقوله محمد قبلا ولا «فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ» ملة عيسى ﵇ التي هي آخر الملل وهي ملة غير موحدة إذ يدعون آلهة ثلاثة ومن أدركنا من آبائنا لهم آلهة متعددة «إِنْ هذا» القول بالتوحيد الذي يدعوا اليه محمد ما هو «إِلَّا اخْتِلاقٌ ٧» من تلقاء نفسه لم يسبقه به أحد وانه يريد به التولي علينا وان نكون تبعا له فيما يريد، فيا قومنا أخبرونا «أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ» الذي يدعيه وحيا من ربّه، هل اختص به وحده «مِنْ بَيْنِنا» يتفوق به علينا ويحتفي به دوننا ونحن رؤساء الناس وأشرافهم، وما هي هذه الميزة التي اختص بها وحده. قال تعالى «بَلْ هُمْ» هؤلاء الحسدة لرسولي على ما فضلته به عليهم «فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي» الذي أنزلته عليه المشحون بالتوحيد وهذا دائما من التعجب بتخصيص محمد به «بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ ٨» حتى يزول حسدهم لرسولي ورميهم لذكري فاذا ذاقوه زال ذلك منهم واتعظوا بمن قبلهم واعترفوا برسالته وإلهه وإن ما يقوله حق لا مرية فيه «أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ» يا محمد ليهبوا ما فيها من مفاتح النبوة لمن شاءوا وأرادوا ويصرفوها عنك. قال تعالى «أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ» الآية ٣٢ من سورة الزخرف وبمعناها الآية ١٣٤ من الأنعام في ج ٢

стр. 299

كلا لا دخل لهم بها ولا بشيء من مختارات الإله بل هو من خصائص «الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ٩» القاهر الذي لا يقابلة شيء، كثير المواهب التي من جملتها تخصيصك بالنبوة «أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما» حتى يتداخلوا فيما بستأثر به مالكهما من إعطاء ومنع فإذا كان لهم شيء من ذلك «فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ ١٠» التي توصلهم إلى أقطارها ليديروا أمر العالم وينزلوا الوحي على من يريدونه في الأرض، وهذه الجملة في معرض التهديد إذ ليس لأحد من قدرة على ذلك غيره، واستدل حكماء الإسلام بهذه على ان الاجرام الفلكية وما أودع فيها من خواص وقوى اسباب لحوادث العالم السفلي لأن الله تعالى سمّى الفلكيات أسبابا ومهما كان ذلك، ولهذا فإن ما يزعمه الفلكيون من صعودهم إلى المريخ والقمر وغيرهما من الكواكب زعم بعيد عليهم لم يدركوه ولن يدركوه لأن الله تعالى قال لا تنفذوا إلا بسلطان راجع الآية ٣٢ من سورة الرحمن إذ تحدى بها الجن والإنس وأذلهم ذلك السلطان الذي يتوصلون به إلى النفوذ في أقطار السموات والأرض. هذا ثم وعد نبيه بالنصر على هؤلاء العتاة المعاندين بقوله انهم «جُنْدٌ ما» قبل هذا بالنسبة لمن سبقهم من الجنود الذين تحزبوا على أنبيائهم قبلك وسيكون لك يا حبيبي معهم شأن «هنالك» عند اللقاء الآتي في بدر، عند ما يكون ذلك الجند «مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ ١١» كما هزم من قبلهم فلا يهمنك شأنهم، ولا تكترث بهذيانهم. مطلب الآيات السبع التي تأخر حكمها عن نزولها: وهذا من الإخبار بالغيب لأنها من الآيات السبع التي سبق ذكرها في الآية ٤٦ من سورة القمر المارة وقد أنزلت تسلية لحضرة الرسول داعية لحمل أذاهم مادام في مكة وأن قريشا كغيرها من الأجناد الذين أجمعوا على تكذيب الرسل وأنه سيظهر عليهم ويرى مصارعهم في محل غيهم، وإشارة إلى حادثة بدر الآتية في الآية ٥ من سورة الأنفال في ج ٣ التي حققها الله له وأقر عينيه بها. ثم شرع يعزيه بما لاقى منهم ويقول له ليس أمتك أول من كذبت الرسل ولا أنت أول من سخر به وأوذي فقد «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ ١٢» الذين كانوا أكثر عددا وعددا من قومك الذين ليس بشيء بالنسبة لهم «وَثَمُودُ»

стр. 300

«وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ» أيضا لا يقاسون بقومك من حيث القلة والكثرة، وتقدم تفسير ذي الأوتاد في الآية ١٠ من سورة الفجر وقصته مفصلة كما تقدم بيان قصص الآخرين في الآية ١٢ من سورة ق المارة «أُولئِكَ الْأَحْزابُ ١٣» الذين بضرب بهم المثل «إِنْ كُلٌّ» من أولئك «إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ» المرسلين إليهم «فَحَقَّ عِقابِ ١٤» على كل من الطوائف الأول لتكذيبهم أنبيائهم، لأن كل هؤلاء يا سيد الرسل عملوا برسلهم ما عمل بك قومك وقد أصابهم البلاء لعدم إيمانهم بهم «ما يَنْظُرُ هؤُلاءِ» الذين يجادلونك من قومك إذا لم يؤمنوا «إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً» من ملكنا إسرافيل «ما لَها مِنْ فَواقٍ ١٥» إذا جاءتهم لم تصرف عنهم ولم تتأخر عن الوقت المقرر لها ولو بمقدار فواق الناقة (وهو الزمن بين الحليتين) بل هو أقل من ذلك بكثير، وإنما جاء هذا اللفظ على عادتهم، لأنهم يستقلون هذا الزمن ويضربون به المثل في القلة والسرعة، وفي هذه الآية زجر لهم عظيم، وتهديد وخيم، إذ خوفهم فيها مغبة أمرهم، وقيل معنى فواق رجوع أي إذا جاءت تلك الصيحة لم ترد عنهم بقطع النظر عن الزمن، والمراد بهذه الصيحة الصيحة الثانية لأن سياقها يدل عليها ولأن الصيحة الأولى لا يشاهد هولها، وإنما بصعق فيها من كان حيا من الخلق عند وقوعها حالا، ولا يكون العذاب الموعودون به إذ ذاك واقعا، ولا العذاب المطلق مؤخرا لوقوعها، وما قاله صاحب الغالية بأن النفخات ثلاثة، نفخة الإماتة ونفخة الإحياء ونفخة الفزع المنوه بها آخر سورة النمل الآتية لا يتجه لأن نفخة الفزع هي النفخة الثانية التي يكون فيها الخروج من القبر والحشر والنشر. تدبر، قالى تعالى «وَقالُوا» كفرة قريش عند سماعهم من حضرة الرسول ما وعد الله به المؤمنين وأوعد به الكافرين أمثالهم «رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا» حظنا ونصيبنا من هذا العذاب الذي توعدنا به على لسان محمد «قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ ١٦» على الأعمال، الذي يذكره لنا ويهددنا فيه، وقائل هذا، النضر بن الحارث على سبيل السخرية والاستهزاء، أي أسرع بإنزاله علينا إن كان ما تقوله حقا، قال تعالى يا محمد: «اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» فيك وفي ربك وكتابك «وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ» القوة

стр. 301

العظيمة واذكر ذلته التي عاتبته عليها مع كرامته عليّ ومعزته عندي وتأسّ به «إِنَّهُ أَوَّابٌ ١٧» أي كثير الرجوع إلى ربه بالتوبة والندم، ثم شرع يقص نعمه على داود فقال «إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ» بتسبيحه إذا سبح «بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ ١٨» صباح مساء، فالعشي من العصر إلى الليل، والإشراق من طلوع الشمس إلى الضحى، قال ابن عباس ما عرفت صلاة الضحى إلا في هذه الآية «وَالطَّيْرَ» تسبح بتسبيحه أيضا «مَحْشُورَةً» حالة كونها مجموعة لديه، قال ابن عباس كان داود إذا سبح جاوبته الجبال واجتمعت إليه الطير «كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ١٩» رجّاع يردد تسبيحه كل منهم «وَشَدَدْنا مُلْكَهُ» قوّيناه بالحرس والجنود، كما قويناه بأمر الدين ولهذا وصفه بكلمة ذي الأيد بما يشمل القوتين، ويدل على الأخير قوله أواب، وعلى الأول وشددنا ملكه «وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ» هي المعرفة بحقائق الأشياء وكنهها وماهيتها وكل كلام وافق الحق فهو حكمة «وَفَصْلَ الْخِطابِ» التمييز بين الحق والباطل والحكم بما يوافق مراد الله، فاجتمعت له القوى الأربع: قوة الدين وقوة الملك وقوة الحكمة وقوة الحكم وقيل فصل الخطاب جملة (أما بعد) لأنه أول من تكلم بها، لأن الأمر الذي له شأن يستفتح فإذا أراد الشروع في الغرض المسوق إليه فصل بين الخطبة وبينه بها والأول أولى، ومن جملة نعم الله على داود إذ أعطاه النبوة والسلطان، راجع نسبه وكيفية إعطائه الملك بتفسير قوله تعالى (وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ) الآية ٢٥٠ من البقرة في ج ٣ وكان قبله الملك في سبط والنبوة في سبط آخر من أسباط يعقوب الاثني عشر أي أولاده ثم طفق يقص على رسوله زلة داوود فقال «وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ» يطلق على الجماعة المتخاصمين «إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ ٢١» بيت عبادة داوود وخلوته مع ربه، إذ كانوا يسمونه محرابا ومنه محراب زكريا ومريم الواردين في الآية ١٥ من مريم الآتية و ٣٧ من آل عمران في ج ٣ ويطلق على صدر المسجد ومحل وقوف الإمام عندنا أي هل بلغك ذلك «إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ» لعدم دخولهم من الباب وقفزهم من أعلى الجدار وعدم استئذانهم إذ لم يحس بهم إلا وهم بين يديه،

стр. 302

فقال لهما: لماذا دخلتما متسورين الجدار ولم تستأذنوا وتدخلوا من الباب وكان عليه علامة الفزع لما رأى من جراءتهما هذه «قالُوا لا تَخَفْ» ولا تظن بنا سوءا انما نحن «خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ» وهذا من معاريض الكلام لا من تحقيق البغي لأنهما جبريل واسرافيل ﵉ أوفدهما الله إلى نبيه داود ليعرفاه زلته وذلك انه ﵇ رأى آباءه إبراهيم ويعقوب وإسحق أفضل منه فسأل ربه عن ذلك، فقال: إنهم ابتلوا فصبروا ففضلوا، فقال يا رب لو ابتليتني لصبرت ولم يسأله العافية مما ابتلاهم طلبا لعلو الدرجات عنده لا اختبارا، فامتحنه الله بما ذكرهنا قال تعالى «فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ» تجر وتحف وتملّ عنه «وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ ٢٢» في هذه الخصومة بان تتبع الحق فيها وتعدل عن الباطل، قال تكلما، فقال أحدهما «إِنَّ هذا أَخِي» في الدين والخلقة لأن الملائكة لا تناسب بينهم ولا تقارب لأنهم خلقوا بلا شهوة ولا توالد بل بطريق التولد بلفظ كن بين الكاف والنون وإذا لم يكن توالد فلا تكون قرابة «لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً» امرأة والعرب تكني عن المرأة بالنعجة، قال ابن عون: أنا أبوهن ثلاث هن ... رابعة في البيت صغراهن ونعجتي خمس توفيهن ... آلا فتى سمح يغذيهن «وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ» وهذا على سبيل التعريض وتصوير المسألة إذ ليس في الواقع هناك نعاج ولا يعني ولا يمنع فعل ذلك على فرض وجوده على الملائكة «فقال» صاحب للتسع والتسعين لصاحب الواحدة «أَكْفِلْنِيها» أعطينها وتنازل عنها واجعلها نصيبي لأن الكفيل النصيب «وَعَزَّنِي» غلبني وفي المثل من عزيز أي تفوّق عليّ وأخذني بفصاحته «فِي الْخِطابِ ٢٣» المخاطبة أو في الخطبة حين طلبها منه وقد صور الملكان الحادثة ومثلاها حرفيّا ولم يتركا منها الا إبدال المرأة بالنعجة قال داود ﵇ بعد أن سأل الخصم الآخر واعترف له بالحادثة كما قررها الخصم الأول، لأنه لا يمكن أن يحكم قبل أخذ الجواب من الخصم ولهذا بين بحكمه سبب الظلم فقال والله انّ هذا «لَقَدْ ظَلَمَكَ» يا صاحب النعجة

стр. 303

الواحدة «بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ» وضمها «إِلى نِعاجِهِ» التسع والتسعين ولكن ليس هذا وحده الباغي «وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ» الشركاء أمثاله الذين يخلطون أموالهم باموال غيرهم وتطلق كلمة الخلطاء على غير المحمودين من الناس ولذلك قال «لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ» بسائق الطمع والحرص وحب التكاثر بالأموال التي تميل بذويها إلى الباطل إن لم يتولّهم الله بلطفه وهم المتشبثون بقوله عز قوله «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» فإنهم لا يبغون ولا يطمعون «وَقَلِيلٌ ما هُمْ» الصالحون المؤمنون المبعدون عن الظلم جدا قليلون ولما فهمهما حكمه هذا نظرا إلى بعضهما وصعدا إلى السماء على مرأى من داود فعرفهما أنهما أنها ملكان بعثهما الله اليه ليذكراه ما وقع منه من الخطيئة، ويروى أن داود حينما سأل المدعى عليه عن سبب أخذه النعجة أجابه بانه يريد إكمال نعاجه مائة بها فقال داود ان رمت ذلك ضربنا منك هذا وأشار إلى أنفه وجبهته، فقال يا داود أنت أحق أن يضرب منك هذا، لأنك فعلت كيت وكيت، ثم نظر داود فلم ير أحدا. فإن صح قول الملك إلى داود هذا الكلام يحمل على ان ذنوب الأنبياء مهما صغرت فهي كبائر بالنظر لعلو شأنهم. والقصد من قوله فعلت كيت وكيت انك كلفت الرجل بالتنازل عن زوجته أو خطيبته لك مع استغناءك عنها تبعا لإرادة نفسك قال ابن عباس: ان داود لما دخل عليه الملكان وقضى على نفسه تحولا في صورتها وعرجا إلى السماء وهما يقولان قضى الرجل على نفسه فعلم أنهما عنياه وانهما ملكان وتنبه لعمله ولهذا قال تعالى «وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ» ابتليناه واختبرناه حتى عرف زلته «فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ» مما وقع منه «وَخَرَّ» سقط على الأرض «راكِعاً» ساجدا لأن الركوع مجاز من السجود ولأن الخرّ السقوط وتقول العرب نخلة راكعة وساجدة إذا رأوها ساقطة على الأرض. قال قائلهم: فخر على وجهه راكعا ... وتاب إلى الله من كل ذنب فمعناه السجود الا انه يعبر عنه أحيانا بالركوع مجازا «وَأَنابَ ٢٤» إلى ربه راجعا عن خطأه تائبا من زلته تعظيما لامتحان ربه واستعطافا لجلب رحمته فقبل

стр. 304

الله منه وسترها عليه وأظهر له قبول توبته بقوله «فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ» الذي وقع منه «وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى» قرية ومكانة حسنة «وَحُسْنَ مَآبٍ ٢٥» مرجع ومعاد فوق المغفرة بسبب اعترافه وندمه الآتي، وهذه السجدة عند أبي حنيفة من عظ ثم السجود لما روى البخاري. قال مجاهد قلت لابن عباس أأسجد في (ص) فقرأ (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ) إلى (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) الآيات ٨٤ الى ٩١ من الأنعام في ج ٢. فقال نبيكم أمران نقتدي بهم فسجدها داود وسجدها محمد صلوات الله عليهم وسلامه. وعند الشافعي، انها سجدة نبيّ لا توجب سجود التلاوة، وقدمنا ما يتعلق بهذا أواخر سورتي والنجم والعلق المارتين فراجعهما ففيهما كفاية. هذا ما قصه الله علينا من زلة داود ﵇، مطلب قصة داود وسجود ابو بكر: ولكن القصاص ذكروا وجوها كثيرة فيما وقع من السيد داود ﵇، أقوالا أعدلها وأقربها إلى المنطق وأصدقها عقلا هو ان داود ﵇ كان رأى زوجة عامله أوريا فأعجبته، وكان في زمانه جواز سؤال الرجل أن يتنازل للغير عن زوجته، وكانت هذه عادة متفشية بينهم فسأله النزول عنها إليه، فلم يسعه أن يرده لما له من الهيبة والوقار في مقام النبوة والملك، فتنازل له عنها ثم تزوجها وأولدها سليمان ﵇، فعتب الله عليه لعظم منزلته عنده وكثرة نسائه ووجود أمثالها في أمته وعدم منع إرادته، وانه لا ينبغي لمثله وعنده النساء الكثيرات وقدرته على تزوج من شاء فيهن أن يسأل رجلا من رعيته ليس له غير امرأة واحدة التنازل عنها له، بل كان عليه أن يغلب هواه ويقهر نفسه ويصبر على ما امتحن به من رؤيتها وإعجابها، وليس في هذا ما يدل على الذنب بمعناه الحقيقي، لأن أهل زمانه لا يرون به بأسا لكثرة وقوعه، إلا أن مقام النبوة أشرف المقامات وأعلاها شرفا، فيطالبون بأكمل الأخلاق وأسمى الأوصاف فإذا نزلوا من ذلك إلى طبع البشر الذين هم دونهم مرتبة ومقاما وعزة عاقبهم الله عقاب معاتبة ليتيقظوا ويتنزهوا عن أمثاله، ثم يغفره لهم. وإن مثل هذا لا يعدّ ذنبا في حق بقية البشر، ألا ترى أن المهاجرين لما نزلوا على الأنصار في المدينة ساووهم بمالهم وتشبهم وتخلوا لهم عن بعض نسائهم، فتزوجوهن ولم يروا بأسا بذلك، ولم ت (٢٠)

стр. 305

يتورعوا عن زواجهن، لأن هذا مما تعورف عند الأعراب، ولا تزال هذه العادة حتى الآن لدى عرب البادية، وإن الرجل منهم قد يأتي إلى الآخر ويقول له على ملأ من الناس (خلّ لي زوجتك) أي تنازل لي عنها طلقها وأعطنيها لأتزوجها فيفعل، وكثيرا ما تقول المرأة لزوجها خلني لفلان فيخليها أي يطلقها فتتزوج به، الا ان الأنبياء لما فضلوا على غيرهم ورفعهم الله بالنبوة لا يليق بمقامهم الشريف التنازل لبعض ما فيه بأس من عادات الناس لأنها تحط بقدرهم، وكذلك الأمثل فالأمثل ينبغي أن لا يقارب أمثال هذا وأن يتورع عنه كل ذي مروءة لأن الزمن هذا غير ذاك، ورحم الله امرأ جب المغيبة عن نفسه، هذا وقيل أن أوريا خطب تلك المرأة وغاب في غزاة فخطبها داود بعده وتزوجها، فاغتم أوريا لذلك، فعاتب الله داود عليه، واستدل صاحب هذا القيل بقوله تعالى (وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ) أي الخطبة، ووجه العتب عليه خطبة على خطبته وقد جاءت شريعتنا بها حيث نهى رسول الله الخطبة على الخطبة والبيع على البيع راجع كتب الفقه بذلك، فالحادث عبارة عن إحدى هاتين وهي موافقة في المعنى لما أخبر الله به عنه وقد اعتمد جهابذة المفسرين، أما ما ذكره بعض الأخباريين، في أنه ﵇ حين رأى المرأة أحبها وبعث زوجها أوريا إلى الغزو أو أمر بإرساله، وأن يتقدم التابوت لا يرجع حتى يقتل بقصد أخذ زوجته، فهو باطل بعيد عن الصحة، تتحاشى غير الأنبياء ومروءتهم عنه، وإن إرشادهم للخلق وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر يحول دون ذلك، ويتباعد مقامهم الشريف عنه، بل غيرهم من الصالحين لا يقدر عليه، ولأنه لو نسب إلى آحاد المؤمنين لاستنكف عن قربه وأنف من إحداهما مثله، فكيف يجوز إذا نسبته إلى صفوة خلق الله وأمينه على الوحي، روى سعيد بن المسيب والحارث الأعور عن علي كرم الله وجهه أنه قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة جلدة مضاعفا. لأن الجلد غايته ثمانون وهذا حد الفرية على الأنبياء، قال القاضي عياض لا يجوز أن يلتفت إلى ما سطر الأخباريون من أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا في مثل حادثة داود وسليمان

стр. 306

ويوسف وأيوب ﵈ لانهم لم ينقلوها من كتاب صحيح، ولم يتلقوها من ثقة. وإن الله تعالى لم ينص على شيء من ذلك ولا رسوله أخبر به، وقال الإمام فخر الدين الرازي: حاصل ما ذكره القصاص يرجع الى أمرين: السعي إلى قتل رجل مؤمن بغير حق، والطمع في أخذ زوجة ذات زوج، وكلاهما منكر عظيم، فلا يليق بعاقل أن يظن أبدا بداود ﵇ أنه أقدم على ذلك، كيف وإن الله أثنى عليه قبل ذكر القصة المسطورة في القرآن وبعدها، مما يدل على استحالة ما نقله القصاصون ، وكيف يتوهم من له مسكة من عقل، أن يقع ذم بين مدحين في كلام الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، إذ لو وقع مثله بين كلام الناس لاستهجن، ولقال العقلاء للقائل أنت في مدح فكيف تذم من تمدح أثناء مدحك له؟ ومن المعلوم أن الأنبياء أنموذج البشر فلا يقع منهم إلا ما يكون قدوة لهم في الأخلاق والآداب لأنهم كاملون ولا يصدر من الكامل إلا الكامل، وقيل كلام الله ملك الكلام، ورأي العاقل عقل من الآثام. قال تعالى «يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً» عنا «فِي الْأَرْضِ» لتدبير أمر أهلها في معاشهم ومعادهم نيابة عنا وأعلم أن هذه الآية تشير إلى أن التوبة تمحو الذنب كما جاءت الآثار الصحيحة به وإلى أن حالة داود ﵇ بعد التوبة كحالته قبلها فلم يتبدل أو يتغير عليه شيء من الله بدلالة قوله «فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ» الذي شرعته لك لتقوم به بينهم، وبما أوحيه إليك فيما تردد فيه «وَلا تَتَّبِعِ» منه في حكمك «الْهَوى» فنقض بما تراه نفسك لان اتباع هوى النفس لا يكاد يقع من معصوم مثلك، وهذا على سبيل الإرشاد لمقتضى الخلافة وتنبيه لغيره ممن يتولى القضاء بين الناس، ولان الحكم بغير ما شرعه الله غير مناسب لمقامه تعالى، ولهذا كان حضرة الرسول الأعظم عند ما يسأل عن شيء لم ينزل به الله قرآنا، يرجىء الجواب حتى يتلقى الوحي فيه خوفا من أن يفتي بغير مراد الله «فَيُضِلَّكَ» اتباع الهوى في القضاء وغيره «عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» طريقه السوي الذي سنه لعباده. ومما يدل على أن في هذه الآية تنبيه ولاة الأمور على الإطلاق من الوقوع في الخطأ والحكم بالرأي أو العلم قوله جل قوله «إِنَّ الَّذِينَ

стр. 307

يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» في الأحكام وغيرها «لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ» في الآخرة «بِما نَسُوا» غفلوا عما أمروا به في الدنيا، ومن أعظم ذلك عذابا ترك العدل في القضاء «يَوْمَ الْحِسابِ ٢٦» والجزاء لأنهم لو تذكروا عذاب الله في ذلك اليوم العظيم لما فرطوا في الأمر ولما حصلت لهم الغفلة والنسيان والخطأ. كان إسماعيل الساماني إذا قضى بشيء قال: إلهي هذا جهدي وطاقتي ولا أعلم أجنفت أم ظلمت فاغفر لي. وأنا ممن يقول هذا، وأستغفر الله. هذا، وإذا أردت استيفاء هذا البحث فعليك بمراجعة تفسير الآية ٥٨ من النساء في ج ٣ لأنا سنبين فيها إن شاء الله ما تقف عليه مما يتعلق في هذا البحث، قال بعض المفسرين إن ذنب داوود الذي أستغفر منه ليس بسبب أوريا وزوجته، بل بسبب قضائه للخصم قبل سماع كلام الآخر، ولحكمه بالظلم عليه بمجرد الدعوى، وهذا مخالف للعدل، فتاب وقبلت توبته ويستدل بهذا على نزاهة داود ﵇ مما أسند اليه ولكن الأول أولى وأحرى. مطلب الحكم الشرعي في الأحكام: الحكم الشرعي: لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه ولا قبل سماع دفاع الخصم وإن فصل الخطاب في شريعتنا، هو البينة على من أدعى واليمين على من أنكر ويجب عليه أن يتبصر بكلام الطرفين ويسوي بينهما بالمكان والكلام، والنظر ويتروى بالحكم بأن يتحقق من صحة الدعوى، ومطابقة الشهادة لها، ولبعضها، ومن عدالة الشهود وعدم المانع من قبولهم حتى تقطع الخصومة بوجه صحيح يكسر من عزم المنكر وجحوده، وأن يفهم حكمه إلى المحكوم عليه بلين ورفق ويبين له خطأه في إنكاره ويفصل أسباب الحكم وصحة الدعوى ليقع في قلبه عدم الحيف عليه ومنه، فهذا إذا لم يحمل المدعى عليه على الانحراف بالحق يحمله على الاعتراف بعدل الحاكم ويحمل ما يراه من الخطأ حسب زعمه على اجتهاد القاضي، والاجتهاد قد يحتمل الخطأ فيسلك طريق المراجعة إلى محكمة أخرى إذا كان يعتقد الخطأ فيه برضى واختيار وسكينة، راجع حديث البطاقة في الآية ٧ من الأعراف الآتية، وهذا كله يتوقف

стр. 308

على تحري العدل ومعرفه العلم وأصول القضاء، فيا ويل قضاة زماننا- وأنا منهم- إذا لم يسلكوا ما سنه الله لهم ورسوله، ويا ويل من ولاهم إذا كان في رعيته من هو خير منهم، ولا حول عن اجتناب المعصية، ولا قوة على فعل الطاعة إلا بإرادة الله وتوفيقه، قال بعض المفسرين: لما أنتبه داوود إلى خطأه الذي هو من قبيل حسنات الأبرار سيئات المقربين، سجد لله أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا لحاجة أو لصلاة مكتوبة عليه، ثم يعود ساجدا تمام الأربعين يوما لا يأكل ولا يشرب وهو يبكي حتى نبت العشب حول رأسه، وهو ينادي ربه ويسأله قبول توبته وكان من جملة دعائه في سجوده: سبحان الملك الأعظم الذي يبتلي الخلق بما يشاء سبحان خالق النور، سبحان الحائل بين القلوب، إلهي خليت بيني وبينك عدوي إبليس فلم أقم لفتنته إذ نزلت بي، سبحان خالق النور، إلهي أنت خلقتني وكان في سابق علمك ما أنا إليه صائر، سبحان خالق النور، إلهي الويل لداوود يوم يكشف عنه الغطاء، فيقال هذا داوود الخاطئ، سبحان خالق النور، إلهي بأي عين أنظر إليك يوم القيامة، وإنما ينظر الصالحون من طرف خفي، سبحان خالق النور، إلهي بأي قدم أقوم أمامك يوم القيامة يوم تزل فيه أقدام الخائنين ولم يزل كذلك حتى قبل الله توبته، على أن ظاهر القرآن يشعر بقبول توبته آنيا لقوله تعالى: «فَغَفَرْنا لَهُ» والفاء تفيد التعقيب والترتيب وهناك أخبار أخرى من قبول توبته أعرضنا عنها لعدم الوقوف بها اكتفاء بما ذكره الله القائل «وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا» عبثا لعبا ولهوا «ذلِكَ» أي خلقهما باطلا «ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا» ليس إلا «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ٢٧» على ظنهم الباطل هذا لأنا لم نخلق شيئا إلا لحكمة بالغة «أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» الذين يتفكرون في عجائبهما ويمعنون النظر فيما بينهما من الصنع البديع والمخلوقات المتنوعة والانتظام في سير الكواكب وما يحدث عنها من المنافع وكيفية نبات الأرض واختلاف أصنافه وألوانه وأشكاله وما فيها من المياه والأودية والجبال وما خد فيها من الطرق والمغاور والوديان، وما أودعه فيها من المعادن والدواب والحيات والطير

стр. 309

وما أودع فيها من الداء والدواء في نباتها ومعادنها، أي لا نجعل الصالحين المصلحين «كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ» الذين لا يفقهون شيئا من ذلك ولا يتدبرون مراد الله فيهما وما فيهما، وفضلا عن هذا يزعمونها باطلا، كلا لا يجعلهم الله سواء في الدنيا ولا في الآخرة «أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ» ما نهوا عنه الملازمين ما أمروا به لأن الخير كل الخير في التقوى وما أحسن ما قيل فيها: ولست أرى السعادة جمع مال ... ولكن التقيّ هو السعيد وتقوى الله خير الزاد ذخرا ... وعند الله للأتقى مزيد وما لا بدّ أن يأتي قريب ... ولكنّ الذي يمضي بعيد أي لا نجعل هؤلاء المتقين أبدا «كَالْفُجَّارِ ٢٨» في الآخرة وان اتفقا في بعض الأشياء في الدنيا فبينهما في الآخرة بون شاسع، فهذا التقي يكون في عليين، وذلك الشقي في سجين، وهذا منعم، وذاك معذب «وأم» هذه والتي قبلها منقطعة وتقدر ب (بل) لأنها تفيد الإضراب والانتقال، والهمزة لإنكار التسوية بين الفريقين وتعيينها على أبلغ وجه وهذا القرآن العظيم هو «كِتابٌ» كثير البركة والخير «أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ» يا سيد الرسل «مُبارَكٌ» جليل النفع في الدنيا والآخرة فأمر قومك «لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ» فيعرفوا أسرار التكوين والتشريع منها «وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ٢٩» فيه بأنا لم ننزله إلا لهذه الغاية كما انا لم نخلقهم إلا للعبادة ونظير هذه الآية الآية ١٥٥ من الأنعام والآية ٥٠ من الأنبياء في ج ٢. قال تعالى «وَوَهَبْنا لِداوُدَ» زيادة على نعمنا السابقة «سُلَيْمانَ» خلفا له في نبوته وملكه ونعم الهبة الولد الصالح وهو «نِعْمَ الْعَبْدُ» المخصوص بالمدح هو سليمان ﵇ وبعض المفسرين جعل المخصوص بالمدح داود وهو أهل للمدح إلا أن القول به غير سديد لأن سياق الآية ينفيه، وما بعده لا يقتضيه، لأن عود الاختصاص لا قرب مذكور هو المشهور، وإن الله مدح داود قبل، وإن قوله «إِنَّهُ أَوَّابٌ ٣٠» يصلح رجوعه إلى كل منهما وإن كانت بحسب الواقع تنصرف للقريب أيضا، ومعناه كثير الرجوع إلى ربه بالتوبة والندم الذي ديدنه الالتجاء

стр. 310

إلى فضل الله والخضوع لأمره، وهو من أسماء المبالغة أي كل ما بدرت منه بادرة، أو فرط منه شيء تاب منه واستغفر ربه عنه. مطلب صلاة الأوّابين وقصة سليمان وفي حادثة السيد سليمان هذه شرعت صلاة الأوابين وهي من السنن في شريعتنا وتسمّى صلاة الغفلة، لأن سيدنا سليمان غفل عن صلاة العصر بسبب اشتغاله باستعراض الخيل، صلاها بعد المغرب، مع أن المفروض عليه صلاة العصر، فلما غفل عنها صلاها بعد المغرب وقبل العشاء وهو وقت غفلة. وأقلها ركعتان، وغالبها ست وأكثرها عشرون كما في البيجوري علي ابن قاسم، ونقل الطحطاوي عن شرح الوقاية لشيخي زاده أن النبي ﷺ قال أفضل الصلوات عند الله المغرب، لم يحطها عن مسافر ولا مقيم، فتح الله بها صلاة الليل، وختم بها صلاة النهار، فمن صلّى بعد المغرب ركعتين بنى الله له قصرين في الجنة، ومن صلّى بعدها أربعا غفر له ذنوب عشرين سنة، وقال المنادي الصلاة بين العشاءين هي ناشئة الليل المنوه بها في الآية ٦ من المزمل المارة. وقال الغزالي إحياء ما بين العشاءين سنة مؤكدة، ولهذا البحث صلة في الآية ٢٥ من الإسراء الآتية فراجعها، واذكر يا محمد لقومك قصة «إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ» على سليمان قولا واحدا متفق عليه «بِالْعَشِيِّ» هو من العصر إلى الليل «الصَّافِناتُ الْجِيادُ ٣١» سميت الخيل صافنات لأنها تصفن أي تقوم على ثلاث وطرف الرابعة وسميت جيادا لسرعة ركضها وجريها، وما لم يكن كذلك فهي الكدش أي غير الأصيل من الخيل، وبقي يستعرضها حتى غابت الشمس فقال «إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ» سميت الخيل خيرا لسبق الخير فيها لأنها آلة الجهاد، قال تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ) الآية ٦٠ من الأنفال في ج ٣. وقال ﷺ الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة. ومصداق هذا الحديث ظاهر لأنه مع احداث العجلات والسيارات والطيارات وغيرها لم يستغن عن الخيل، أي آثرتها فأشغلتني «عَنْ ذِكْرِ رَبِّي» في صلاة العصر لأنها مكتوبة عليه، وعلى أبيه قبله كتبت صلاة الظهر، ولا زال يستعرضها «حَتَّى تَوارَتْ»

стр. 311

الشمس «بِالْحِجابِ ٣٢» أي غربت ولم تر. وقيل الحجاب جبل دون جبل (ق) بمسيرة سنة تغرب الشمس وراءه وبعض أهل العصر يقولون: ق هو جبل القوقاز وسيقولون غير هذا إذا انكشف لهم غير ما اطلعوا عليه الآن من مكنونات الله تعالى القائل (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) الآية ٨٥ من الإسراء الآتية وعود الضمير إلى غير معهود إذا كان معلوما جائز. راجع تفسير (إِنَّا أَنْزَلْناهُ) المارة لا سيما وذكر العشى قبله ولما رأى ﵇ انه اخطأ بتمادي استعراضه لضياع صلاة العصر، قال لحرسه «رُدُّوها عَلَيَّ» فردوا الخيل عليه «فَطَفِقَ» شرع يضربها «مَسْحاً» ضربا شديدا مبرحا «بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ ٣٣» وكان ذلك جائزا في شريعته لأن فيها، من يتسبب بالذنب يعاقب عليه كفاعله، وهذا مخالف لشريعتنا لأن فيها (جناية العجماء جبار) وجاء في التنزيل (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) الآية ٣٨ من النجم المارة ومثلها في الآية ١٨ من سورة فاطر والآية ١٥ من الإسراء الآتية، وفي الآية ١٦٢ من الأنعام، والآية ٧ من الزّمر في ج ٢. وكان في شريعته يجوز أكل لحم الخيل فلا تترك بعد قتلها عبثا، ولأنه يعتبر أن قتلها كفارة لما فرط منه في شريعته، وشكرا لله حيث ردّ له الشمس وأدى صلاته على قول آخر، مروي عن علي كرم الله وجهه، وقد سبق أن ردت الشمس لسيدنا يوشع ﵇ كما سيأتي بيانه وسببه في تفسير الآية ٢٤ من سورة المائدة في ج ٣. مطلب في رد الشمس لسيدنا محمد وغيره: وقد صارت هذه المعجزة لسيدنا محمد ﷺ ايضا إذ ردت له الشمس حينما شغله المشركون بحفر الخندق يوم الأحزاب، وصلّى العصر، وهي مشهورة متعارفة، وردت لعلي كرم الله وجهه حينما نام المصطفى في حجره كما روى عن أسماء ﵂ وروى الطبراني في معجمه بإسناد حسن، كما حكاه شيخ الإسلام ابن العراقي في شرح التقريب، ورواه ابن مردويه عن أبي هريرة، وكان احمد بن صالح يقول لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء لأنه من علامات النبوة، وفيه بالغ ابن الجوزي وابن تيمية في عدم صحته حتى عدّاه من الموضوع وهذا هو ديدنهما

стр. 312

رحمهما الله، في كل ما كان من شأنه أن يعد كرامة أو خارقا للعادة، على ان انكار هذا قد يؤدي إلى انكار انشقاق القمر وما وقع في الإسراء والمعراج وأن ما أورده من الطعن فيه هو ذاك لا غير فراجعه في أوائل سورة القمر المارة لينشرح صدرك وتتيقن مغالاة النافين له، هذا وما جرينا عليه في تفسير هذه الآية أولى من التفسير بخلافه لأن ظاهر الآية يؤيده وسياق التنزيل يؤكده وهدف العقل يأبى غيره. ثم ان بعض المفسرين أعاد ضمير (توارت) إلى الخيل وهو غير وجيه، ولا يستحسن عود ضميرين إلى كلمة واحدة إذ يصير المعنى حتى توارت الخيل رودا على الخيل وان صاحب هذا القول يعبّر عن الحجاب بالاصطبل، قال الإمام الرازي في تفسيره: احتاج سليمان ﵇ الى الغزو فجلس وأمر بإحضار الخيل وإجرائها أمامه حتى غابت الشمس عن بصره، ثم أمر برد الخيل اليه، وهو قوله تعالى (رُدُّوها عَلَيَّ) فلما عادت طفق يمسح سوقها وأعناقها تشريفا لها لكونها عونا في دفع العدو، وليظهر للناس حيطته لسياسة الملك، حتى انه يباشر هكذا أمرا بنفسه، وانه عالم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها، وقال هذا التفسير ينطبق على لفظ القرآن. على ان مسح تأتي بمعنى ضرب في اللغة الفصحى وعليه يكون ما مشينا عليه من تأويل المسح بالضرب لا يخالف ظاهر القرآن الذي جعلناه أساسا في تفسيرنا هذا وبعض المفسرين أعاد ضمير (رُدُّوها) إلى الملائكة أي ردوا عليّ الشمس أيها الملائكة لأصلي العصر مستدلا بما جاء عن علي كرم الله وجهه أنه قال معنى ردوها علي يقوله للملائكة الموكلين بالشمس ردوها عليّ بأمر الله، فردوها حتى صلّى العصر بوقتها، على أنه لو كان لهذا القول صحة لقال سليمان لرب الملائكة لأنه أعلى رتبة منهم، وأقدم عند ربهم فكان الأجدر أن يخاطب ربه لا الملائكة فضلا عن انه لم يسبق ذكر للملائكة حتى يعود الضمير إليهم. مطلب قصة سليمان ﵇: وقال القصاص والأخباريون: إن سليمان ﵇ غزا أهل دمشق ونصيبين فأصاب ألف فرس وصلّى الظهر وقعد على كرسيه واستعرضها فعرض له تسعمائة رأس ثم تنبه لصلاة العصر عند غروب الشمس، ولم يقدر أحد من رجاله أن يعلمه

стр. 313

بضيق الوقت لعظمة هيبته، فاغتمّ لذلك، وقال ردوها عليّ، فصار يضرب سوقها وأعناقها بالسيف. كفارة لما وقع منه، وتقربا إلى الله تعالى وطلبا لمرضاته، وإعلاما بأنها من حطام الدنيا، وأن الدنيا لا قيمة لها عنده، وان ذلك كان مباحا في شريعته، وبقي منها مائة فرس، وان جلّ ما في أيدي الناس من نسلها، فأبدله الله خيرا منها إذ سخر له الريح وجعلها تحت أمره كما سيأتي. وقد ذكرنا أن أقوال القصاص والأخباريين لا ننقلها ثقة بصحتها لأنهم مولعون بنقل كل غريب من غير تثبيت، ولكن ننقلها على طريق الاستئناس أسوة بأكثر المفسرين للاطلاع عليه، إذ قد يوافق نقلهم الواقع أحيانا كما هي الحال هنا من حيث المعنى على ما نرى، ولا ننقل إلا المعقول منه شرعا، وهذا مما يوافق ما جرينا عليه في التفسير قال تعالى: «وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ» ابتليناه لنختبره كسائر الأنبياء الذين امتحناهم لنظهر له وللناس ما كان معلوما ومدونا في لوحنا من قصة «وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ» المختص بجلوسه للملك «جَسَداً» لا روح فيه «ثُمَّ أَنابَ ٣٤» إلى ربه وندم على ما وقع منه، وخلاصة قصته أنه ولد له ولد فقالت الشياطين لئن عاش لم ننفك عن الخدمة كما هي الحال في زمن أبيه، وتآمروا على قتله، فلما علم بذلك صار يغذيه في السماء خوفا عليه منهم فلم يحس إلا وقد ألقي ميتا على كرسيه فتنبه بأنه لم يتوكل على الله بشأنه، فطلب مغفرة ربه فغفر له، يؤيد هذا ما أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال قال ﵊ قال سليمان: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله، فطاف عليهن فلم تحمل إلا واحدة منهن جاءت بشق رجل فجيء به على كرسيه فوضع في حجره، فو الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون، وجاء مثله في صحيح البخاري عدا أربعين بدل سبعين وزيادة أن الملك قال له إن شاء الله فلم يقل، فالشق هو الجسد الذي ألقي على كرسيه عقوبة له لأنه لم يستثن، وفيه قال المعري: خاف غدر الأنام فاستودع الريح ... سليلا تغذوه درّ العهاد

стр. 314

ومكسور له النجاة وقد يو ... قن أن الحمام بالمرصاد مكسور به على جانب الكر ... سي أم اللهيم أخت الناد أي الميتة الداهية، والعهاد الأمطار المتتابعة، وغاية ما وقع منه ﵇ عدم الاستثناء وهذا عبارة عن خلاف الأولى وليس بذنب، وإنما عده ذنبا لأن ترك الأفضل والأولى وما لا يعد ذنبا عند الغير، وصغار الذنوب أيضا تعدها الأنبياء ذنوبا كبارا بالنسبة لمقامهم، لأنه إذا كانت حسنات الأبرار سيئات المقربين، فمن باب أولى أن تكون هذه من الكبائر عند الأنبياء والمرسلين، ويحتمل أن هذا الشق هو الذي رباه بالسحاب على ما جاء في القصة، أما ما ذكره وهب بن منبه من أنه أمر الشياطين أن تصور له أبا زوجته التي أصابها بالغزو في جزيرة حيدون وصارت هي وجواريها يسجدن عند غيابه حتى أخبره آصف بن برخيا بعد أربعين يوما، ونسي أن شيطانا جاء إلى أم ولده أمينة بصورته وأخذ خاتمه منها وكان ملكه فيه وكان يضعه عندها إذا دخل الخلاء أو أتى إحدى نسائه، وان ذلك الشيطان لبس الخاتم وجلس على كرسيه، وان سليمان جاء إلى أمينة وطلب منها الخاتم فقالت لست بسليمان وقد أعطيته له، وانه إذ ذاك عرف خطيئته، وصارت الناس تحثو عليه التراب كلما قال أنا سليمان، وبقي أربعين يوما ينقل الحيتان لأهل السوق بالأجرة وهي مدة عبادة الصنم في بيته، وأن آصف وعظماء بني إسرائيل أنكروا حاله في التشبيه وسألوا نساءه فقالوا مثل ذلك، ولما علم الشيطان ذلك طار وطرح الخاتم في البحر فبلعته سمكة أعطاها الصيادون لسليمان عن أجرته فبقر بطنها ليشويها فوجد الخاتم فلبسه ووقع ساجدا لله تعالى ورجع كما كان وغير هذا من الترهات كذب محض من أباطيل اليهود أهل الجحود الناقضين للعهود أهل كل شر في الوجود، والعجيب كل العجيب كيف نقلوا هذه الحكاية السخيفة مع ما فيها من الطعن في عصمة الأنبياء المتفق عليها وعلى حصانة نسائهم الطاهرات، قال الحسن ما كان الله سبحانه ليسلط الشيطان على نساء نبيه ﷺ ثم إنه ﵇ سأل ربه المغفرة عما وقع منه، «قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي

стр. 315

لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ٣٥» كثير العطاء غزير المن وهذا لا يقصد التفوق على غيره من الأنبياء لأن الملك يعطى للنبي وغيره بل يقصد المعجزة الخارقة للعادة لان ملكه إذا لم يكن بالغا المنتهى لم يكن معجزة خارقة وأنه ﵇ أراد بدعوته هذه تخصيصه بشيء خاص كما خصص أباه من قبله بإلانة الحديد وغيرها ولم يكن حرصا على الدنيا والانغماسة فيها وانظر لقول المعري: إذا عامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم يرى الجبناء أن الجبن حزم ... وتلك خديعة الطبع اللئيم وروى في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ان عفربتا من الجن انفلت عليّ البارحة ليقطع عليّ صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية المسجد حتى تنظروا إليه كلكم فذكرت دعوة أخي سليمان (في الآية المارة) فرددته خاسئا، فيعلم من هذا أن الله تعالى أعطى حبيبه محمد ﷺ جميع معجزات الأنبياء أي في نوعها كلها وهو كذلك قال تعالى مجيبا لدعوته «فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً» لينة لا تزعج الراكب عليها فتعدمه الراحة إتماما للنعمة فتوصله «حَيْثُ أَصابَ ٣٦» قعد وأراد في الامكنة التي يرومها دون انزعاج «و» سخرنا له أيضا «الشَّياطِينَ» جميعهم ثم خص منهم على طريق البدلية «كُلَّ بَنَّاءٍ» يبتون له ما يشاء من محاريب وقصور «وَ» سخرنا أيضا منهم «كلّ غَوَّاصٍ ٣٧» ماهر في غوص البحار ليخرجوا له الدر واللؤلؤ وغيره «وَآخَرِينَ» من الجن المسخرين تركهم «مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ٣٨» والاغلال بالقيود والجوامع، ومنها الأغلال التي توضع بالأعناق، لان الجوامع لليدين والاغلال لها والرأس ويطلق الغل على العطاء لانه ارتباط للمنعم عليه قال علي كرم الله وجهه من برّك فقد أسرك، ومن جفاك فقد أطلقك، وقال غيره، غل يدا مطلقها وفك رقبة معتقها، قال أبو تمام: هممي معلقة عليك رقابها ... مغلولة إن العطاء إسار

стр. 316

وقال المتنبي: وقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا إلا أنهم فرقوا بين الفعل فقالوا صفده قيده وأصفده، أعطاه عكس، وعد وأوعد وقد صفد هذه الطائفة بأمر الله درأ لأذاهم الناس لعلمه تعالى أن ذاك ديدنهم قال تعالى «هذا» العطاء العظيم «عَطاؤُنا» أيها الناس فتعرضوا له نصبكم منه «فَامْنُنْ» به يا عبدنا سليمان إلى من شئت وأحسن به على من أردت فهو غير نافد «أَوْ أَمْسِكْ» امنع من شئت منه من لا تريد إعطاءه وارفع رفدك عنه فأنت مخير بذلك مطلق الارادة «بِغَيْرِ حِسابٍ ٣٩» عليك فيما تعطي وتمنع وهذه خصوصية له ﵇ لانه يؤجر إن أعطى ولا يأثم إذا منع بخلاف غيره «وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا» نحن الإله العظيم المانّ عليه بما ذكر عدا ذلك «لَزُلْفى» قربة وكرامة «وَحُسْنَ مَآبٍ ٤٠» في الآخرة وقد جمع له خيرهما وهو للآخرة أتوق لأنها دار راحة ونعيم دائم وفيها يقول المعري: متى أنا للدار المريحة ضاعن ... فقد طال في دار الفناء مقامي وقد ذقتها ما بين شهد وعلقم ... وخبرتها من صحة وسقام وقال أبو العتاهية: ألم تر ريب الدهر في كل ساعة ... له عارض فيه المنية تلمع أيا باني الدنيا لغيرك تبتني ... ويا جامع الدنيا لغيرك تجمع أرى المرء وثابا على كل فرحة ... وللمرء يوما لا محالة مصرع هذا ومن عرف أن هذا حال الدنيا رغب عنها إلى الآخرة قال تعالى «وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ» في معرض الأنبياء المبتلين أمثالك يا محمد «إِذْ نادى رَبَّهُ» لما اشتد به البلاء فقال يا رب «أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ» اتعاب كثيرة ومشقات «وَعَذابٍ ٤١» أضربي لا طاقة لي عليه يا رب فأعني فأجابه بقوله ﷻ «ارْكُضْ» اضرب الأرض «بِرِجْلِكَ» فضربها فنبعت ماء فقال له ربه «هذا» الماء لك منه «مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ ٤٢» تشرب منه فاغتسل فذهب

стр. 317

ما فيه ظاهرا من آثار المرض، وشرب فذهب ما فيه من آلامه الداخلية «وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ» أي مثل ما فقد له منهم من المال والولد «وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ» على سبيل التفضل «رَحْمَةً مِنَّا» وجزاء لصبره على ابتلائنا وثباته على عبادتنا «وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ٤٣» العقول السليمة والبصائر الحاذقة، ليعلموا أن من صبر على بلائي ولم يضجر وشكر نعمائي ولم يفرح، أعامله معاملة أخصّائي، ثم بين له المخرج من صلفه كما سيأتي في القصة بعد مفصلة في الآية ٨٤ من الأنبياء في ج ٢، وكذلك قصص الأنبياء الآتي ذكرهم فراجعها، ثم قال له «وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً» حزمة حشيش صغيرة بملء اليد. «فَاضْرِبْ بِهِ» امرأتك التي حلفت عليها أن تجلدها «وَلا تَحْنَثْ» بيمينك لأن البرّ به واجب. مطلب التخفيف وكفارة اليمين بحيلة في محله الملائم: وقد حلل الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها شكرا لصبرها عليه مدة مرضه الحكم الشرعي اختلف الفقهاء فيمن حلف أن يضرب عبده مائة سوط فجمعها بيده وضربه بها ضربة واحدة، فقال مالك والليث بن سعد وأحمد لا يبرّ، وقال مجاهد: هذا خاصّ بأيوب ﵇. وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا ضربه بها ضربة واحدة فأصابه كل سوط على حدة فقد برّ بيمينه، استدلالا بهذه الآية. وقال ابن عباس وعطاء ابن أبي رباح إنه يبرّ مطلقا بقطع النظر عن خصوص السبب. وهذا هو الأوفق بالقاعدة وهي العبرة للعام ما لم يقيّد، وهذا إذا استوعبت يد الضارب المائة سوط لا المائة قصلة من الحشيش لأنها خاصة ولا يسقط بها الحنث، ويشترط ان يصيب جسد المضروب كل واحد منها وإلا لا، وسنأتي على بحث كفارة اليمين وما يتعلق بها في الآية ٩٢ من المائدة في ج ٣. قال تعالى مبينا سبب إعطائه ضعفي أهله رماله وولده وتخفيف الكفارة عليه بقوله «إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً» على بلائنا ولم يشك منه ولم يضجر ولم يتوسل بغيرنا على كشفه ولذلك أجبنا دعوته وزدناه على ما طلب لأنه أظهر لعدوه إبليس وللناس أنه يعبدنا لذاتنا لا للمال والولد والأهل وغيرها، وإنما أفتيناه بتخفيف الكفارة لأنه حلف عليها من أجلنا بسبب المحنة

стр. 318

التي قدرناها عليه «نِعْمَ الْعَبْدُ» أيوب الصابر الشاكر «إِنَّهُ أَوَّابٌ ٤٤» رجاع إلينا كثير الأيادي على غيرنا «وَاذْكُرْ» يا أكمل الرسل «عِبادَنا» الصابرين الشاكرين أمثال أيوب «إِبْراهِيمَ» إذ امتحناه بإلقائه بالنار واختبرنا وفاءه بالعهد حينما ألقي فيها، إذ جاءه جبريل ليغيثه فقال: إني عاهدت ربي أن لا أسأل غيره. وقد قال له سله ليكشف عنك فقال: علمه بحالي يغني عن سؤالي «وَإِسْحاقَ» إذ ابتلي بالذبح وهذا على القول بأنه هو الذبيح وليس بشيء كما سنبينه في الآية ٨٨ من يوسف في ج ٢ ولعله ابتلي ببلاء آخر لم نعلمه أو بما كان على أبيه وأخيه إسماعيل ﵈ «ويعقوب» إذ ابتلي بفقد ولده وغشاوة بصره من البكاء عليه «أُولِي الْأَيْدِي» القوة العاملة على الطاعة والعبادة والجهاد والصبر على المصائب وعدم الاستعانة بغير الله، وفي هذه الآية تنديد على أولي البطالة والكسالى بأمر الدين والدنيا لأن الله يبغض العبد البطال وكتبت الأيدي بالياء ويجوز حذفها بلا حاذف كياء (يسر) في الآية ٤ من الفجر المارة وقوله «وَالْأَبْصارِ ٤٥» جمع بصيرة لا جمع بصر لأن البصيرة تجمع على أبصار وبصائر والمراد بها هنا والله أعلم القوة العالمية والمعرفة الحاذفة اللتين يصدر عنهما معرفة الله والعلم بخصائص مكوناته فهؤلاء وأمثالهم «إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ» لعبادتنا «بِخالِصَةٍ» أي خصلة خالصة لا شوب فيها «ذِكْرَى الدَّارِ ٤٦» الدائمة وهي الآخرة أي اصطفيناهم ليذكروا الناس في الآخرة فيعملوا لها يزهدوهم في الدنيا لئلا يتوغلوا فيها «وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا» بسبب صبرهم وشكرهم وتفاديهم في سبيلنا وقيامهم بأوامرنا «لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ ٤٧» المصفّين من الأدناس المختارين من جنسهم «وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ» المبتلين الصابرين أيضا «وكلّ» منهم عندنا «مِنَ الْأَخْيارِ ٤٨» إذ كل منهم امتحن واختبر فرضي وشكر وسنأتي على قصة كل منهم بانفراده عند ذكره إن شاء الله كي لا تتكرر وقد عدد الله تعالى جمعا من رسله المصابين بالبلاء بأجسادهم وأهلهم ومن قومهم تسلية لحضرة محمد ﷺ وتشجيعا له على تحمل أذى قومه وجفاهم له والصبر على سوء أخلاقهم معه إرشادا لأن يسلك طريقهم ويقتفي أثرهم ويفكر بما كان على

стр. 319

هؤلاء الأبرار من أقوامهم الفجار، وكيفية نصرهم عليهم بالوقت الذي قدره، لا الذي أرادوه، وانه سينصره عليهم بالوقت المقدر لذلك في علمه الأزلي. قال تعالى: (فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) الآية ٨٥ من مريم الآتية قال تعالى: «هذا» الذي نتلوه عليك يا محمد «ذِكْرٌ» عظيم شريف جميل يذكر فيه هؤلاء الأنبياء الأبرار مدى الدنيا «وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ» هؤلاء وأمثالهم في الآخرة «لَحُسْنَ مَآبٍ ٤٩» مأوى جليل ومرجع كريم هو «جَنَّاتِ عَدْنٍ» خالدة وحينما يأتونها يرونها «مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ ٥٠» حيث تتقدمهم الملائكة فتفتحها لهم زيادة في إكرامهم لا يكلفون فتحها بأيديهم ومفتحة هنا واقعة حالا كالواو في قوله تعالى: (وَفُتِحَتْ أَبْوابُها) الآية ٧٣ من الزمر في ج ٢ فإنها واو الحال ولهذا البحث صلة في تفسير هذه الآية، هناك يجلسون في تلك الجنان حالة كونهم «مُتَّكِئِينَ فِيها» على الأرائك الطرية القوية زيادة في البسط والتنعم «يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ» متنوعة مختلفة بالطعم واللون والشكل والرائحة «وَشَرابٍ ٥١» كثير يحضر لهم معها وحذفت كلمة كثير هنا لدلالة الأولى عليها راجع الآية ١٧ من ق المارة تجد الشاهد والمثل «وَعِنْدَهُمْ» مع ذلك النعيم العظيم بنات أبكار «قاصِراتُ الطَّرْفِ» على كل منهم دون غيره فكل زوجة مقصور نظرها على زوجها فقط، وفي تمام السرور أنهن «أَتْرابٌ ٥٢» متساوين في السن والحسن والخلق والخلق وكل منهم يتحقق أن زوجته لا مثيل لها وكذلك الزوجة «هذا» الذي أعددناه لكم في الدار الآخرة أيها المتقون هو «ما تُوعَدُونَ» به في كتبنا على لسان رسلنا مهيا لكم «لِيَوْمِ الْحِسابِ ٥» والجزاء على الأعمال «إِنَّ هذا» كله وأضعافه معه «لَرِزْقُنا» الذي قدرناه لكم جزاء أعمالكم «ما لَهُ مِنْ نَفادٍ ٥٤» دائم أبدا إذا أخذت منه شيئا صار مثله مكانه لا ينقص أبدا فهو باق كالدار الآخرة باقية لا نفاد لها ولا يتطرق لما فيها تغيير أو تبديل بخلاف ما في الدنيا فإنه معرض لذلك وللفناء مثلها «هذا» الأمر الذي ذكرناه لمن ذكرنا من عبادنا الخاشعين الخاضعين لأوامرنا، وفي هذه الاشارة تنبيه على هول ما قاله تعالى بعدها وهو

стр. 320

«وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ٥٥» مرجع قبيح ومصير مخزي ومأوى مخجل، وهذا بمقابلة ما للمتقين. ثم بين ذلك المآب بقوله: «جهنم» يجوز أن تكون بدلا من المآب أو عطف بيان وهي منصوبة على الذم «يَصْلَوْنَها» يحرقون فيها حرقا فظيعا «فَبِئْسَ الْمِهادُ ٥٦» جهنم المخصوصة بالذم فهي شر الفراش أعاذنا الله منها «هذا» العذاب الأليم «فَلْيَذُوقُوهُ» الطغاة أعداء الله فهو «حَمِيمٌ» ماء شديد الغليان «وَغَسَّاقٌ ٥٧» ماء آخر شديد البرودة يؤذي كالشديد الحرارة، ألم تر أيها القارئ فعل البرد في الزرع كيف يصيره أسود كأنه محروق بالنار لا بالحر الشديد لأنه يسوده بل ييبسه فقط وقد تصيبه سمرة راجع الآية ٥ من الأعلى المارة قال تعالى: «وَآخَرُ» نوع وجنس آخر من العذاب «مِنْ شَكْلِهِ» أي الحميم والغساق «أَزْواجٌ ٥٨» كثيرة وأضعاف متنوعة ثم يقال للقادة والرؤساء إذا أدخلوا النار وجاءت الزبانية بأتباعهم وزجوهم فيها معهم «هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ» العذاب أيضا كما اقتحموا أسبابه معكم في الدنيا، أي هؤلاء أتباعكم الضلال فيقولون «لا مَرْحَباً بِهِمْ» ضاقت الدار بهم لا وسعت وهذا على ما تعورف عند العرب إذ يقولون للقادم مرحبا أي دارنا رحبة واسعة بمقدمك، وأهلا أي نزلت على أهلك، وسهلا أي ما تطلبه يسر علينا إنفاذه هذا إذا كان خيرا وإذا كان شرا فبالعكس، كما هنا، ويقولون «إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ ٥٩» مثلنا فيردون عليهم بقولهم: «قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ» لأنكم رؤساؤنا بالكفر والشرك والضلال والإضلال لأنكم «أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ» أي العذاب المذكور «لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ ٦٠» الذي أوصلتمونا اليه ثم يبادرون بالدعاء عليهم إذ لم تنفعهم المخاصمة «قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا» العذاب الأليم أي تسبب به «فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ ٦١» لضلالهم أنفسهم وإضلالهم إيانا «وَقالُوا» أي الرؤساء والقادة الطغاة بعضهم لبعض، الأولون والآخرون، ومنهم بغاة قريش «ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ ٦٢» في الدنيا يعنون بذلك أتباع الرسل إذ كانوا يسمونهم في الدنيا أشرارا قال قوم هود لهود ﵇ (ما نَراكَ اتَّبَعَكَ ت (٢١)
следующие страницы →