← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23596

تأويل مشكل القرآن

ابن قتيبة

Полный текст (307 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مستأسدا ذبّانه في غيطل ... يقلن للرّائد: أعشبت انزل ولم يقل الذباب شيئا من هذا، ولكنه دل على نفسه بطنينه، ودل مكانه على المرعى، لأنه لا يجتمع إلا في عشب، فكأنه قال للرائد: هذا عشب فأنزل. وقال آخر يصف ذئبا «١» : يستخبر الرّيح إذا لم يسمع ... بمثل مقراع الصّفا الموقّع يريد: أنه يشتمم ثم يتّبع الرائحة بخطم كأنه الفأس التي يكسر بها الصخر، فجعل تشممه استخبارا. قال أبو محمد: وقد تبين لمن قد عرف اللغة، أن القول يقع فيه المجاز، فيقال: قال الحائط فمال، وقل برأسك إليّ، أي أمله، وقالت الناقة، وقال البعير. ولا يقال في مثل هذا المعنى: تكلم، ولا يعقل الكلام إلا بالنطق بعينه، خلا موضع واحد وهو أن تتبين في شيء من الموات عبرة وموعظة فتقول خبّر وتكلم وذكّر، لأنه دلّك معنى فيه، فكأنه كلمك، وقال الشاعر «٢» : وعظتك أجداث صمت ... ونعتك ألسنة خفت وتكلمت عن أوجه ... تبلى وعن صور سبت وأرتك قبرك في القبو ... ر وأنت حيّ لم تمت وقال الكميت يمدح رجلا «٣» : أخبرت عن فعاله الأرض واستن ... طق منها اليباب والمعمورا

стр. 72

أراد أنه حفر فيها الأنهار، وغرس الأشجار، وأثّر الآثار، فلما تبيّنت للناظر صارت كأنها مخبرة. وقال عوف بن الخرع يذكر الدار «١» : وقفت بها ما تبين الكلام ... لسائلها القول إلا سرارا يقول: ليست تبين الكلام لمخاطبها، إلا أنّ ظاهر ما يرى دليل على الحال، فكأنه سرار من القول، ولهذا قالت الحكماء: كل صامت ناطق. يريدون أنّ أثر الصنعة فيه يدل على محدثه ومدبّره. ومن هذا قول الله : أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) [الروم: ٣٥] أي أنزلنا عليهم برهانا يستدلون به، فهو يدلهم. ونبيّن له أيضا أن أفعال المجاز لا تخرج منها المصادر ولا توكّد بالتكرار، فتقول: أراد الحائط أن يسقط، ولا تقول: أراد الحائط أن يسقط إرادة شديدة، وقالت الشجرة فمالت، ولا تقول: قالت الشجرة فمالت قولا شديدا. والله تعالى يقول: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [النساء: ١٦٤] فوكّد بالمصدر معنى الكلام، ونفى عنه المجاز. وقال: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) [النحل: ٤٠] فوكّد القول بالتكرار، ووكّد المعنى بإنما. وأما قول من قال منهم: إن قوله للملائكة: اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة: ٣٤، والأعراف: ١١، والإسراء: ٦١، والكهف: ٥٠، وطه: ١١٦] إلهام، وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى: ٥١] أي إلهاما- فما ننكر أنّ القول قد يسمى وحيا، والإيماء وحيا، والرمز بالشفتين والحاجبين وحيا، والإلهام وحيا. وكل شيء دللت به فقد أوحيت به، غير أنّ إلهام النّحل تسخيرها لاتخاذ البيوت، وسلوك السّبل والأكل من كل الثمرات. وقال العجّاج وذكر الأرض «٢» : وحي لها القرار فاستقرّت أي: سخّرها لأن تستقر، فاستقرت:

стр. 73

وأما قوله: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [الشورى: ٥١] فالوحي الأول: ما أراه الله تعالى الأنبياء في منامهم. والكلام من وراء الحجاب: تكليمه موسى. والكلام بالرسالة: إرساله الروح الأمين بالرّوح من أمره إلى من يشاء من عباده. ولا يقال لمن ألهمه الله: كلّمه الله، لما أعلمتك من الفرق بين (الكلام) (والقول) . ولا يجوز أن يكون قوله للملائكة وإبليس، وطول مراجعته إياه في السّجود، والخروج من الجنة، والنّظرة إلى يوم البعث- إلهاما. هذا ما لا يعقل. وإن كان ذلك تسخيرا فكيف يسخّر لشيء يمتنع منه؟. وأما تأويلهم في قوله جل وعزّ للسّماء والأرض: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فصلت: ١١] : إنه عبارة عن تكوينه لهما. وقوله لجهنم: هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق: ٣٠] إنه إخبار عن سعتها- فما يحوج إلى التّعسّف والتماس المخارج بالحيل الضعيفة؟ وما ينفع من وجود ذلك في الآية والآيتين والمعنى والمعنيين- وسائر ما جاء في كتاب الله من هذا الجنس، وفي حديث رسول الله ﷺ ممتنع عن مثل هذه التأويلات؟. وما في نطق جهنم ونطق السماء والأرض من العجب؟ والله ﵎ ينطق الجلود، والأيدي، والأرجل، ويسخّر الجبال والطير، بالتّسبيح. فقال: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) [ص: ١٩] وقال: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [سبأ: ١٠] أي سبّحن معه. وقال: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً [الإسراء: ٤٤] . وقال في جهنم: تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ [الملك: ٨] أي تنقطع غيظا عليهم كما تقول: فلان يكاد ينقدّ غيظا عليك، أي ينشق. وقال: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (١٢) [الفرقان: ١٢] . وروي في الحديث أنها تقول: (قط قط) «١» أي حسبي.

стр. 74

وهذا سليمان ﵇ يفهم منطق الطّير وقول النّمل، والنمل من الحكل، والحكل ما لا يسمع له صوت. قال رؤية «١» : لو كنت قد أوتيت علم الحكل ... علم سليمان كلام النّمل وقال العمانيّ يمدح رجلا «٢» : ويفهم قول الحكل لو أنّ ذرّة ... تساود أخرى لم يفته سوادها والسّواد: السّرار، جعل قولها سرارا، لأنها لا تصوّت. وهذا رسول الله ﷺ ، تخبره الذّراع المسمومة «٣» ويخبره البعير أنّ أهله يجيعونه ويدئبونه «٤» .

стр. 75

في أشباه لهذا كثيرة. وأنكروا مع هذا (السّحر) إلا من جهة الحيلة. وقالوا: منه رقاة التّميمة يفرّق بها بين المرء وزوجه، والكذب تصرف به القلوب عن المحبة إلى البغضة، وعن البغضة إلى المحبة. وقالوا: منه السّموم يسحر بها فتقطع عن النساء، وتحتّ الشّعر وتغيّر الخلق. والله تعالى يقول: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥) [الفلق: ٤، ٥] فأعلمنا أنهن ينفثن- والنّفث كالتّفل- كما ينفث الرّاقي في عقد يعقدها. قال الشاعر «١» : يعقّد سحر البابليين طرفها ... مرارا ويسقينا سلافا من الخمر فأراد أن طرفها يذهب بعقولنا كما يذهب السّحر والراح بالعقل. وقد سحر رسول الله، ﷺ ، وجعل سحره في بئر ذي أروان، واستخرجه (عليّ) منها، وجعل يحلّه عقدة عقدة، فكلما حل عقدة وجد النبي، ﷺ راحة وخفّا، فلما فرغ من حلّه قام النبي، ﷺ ، كأنما أنشط من عقال «٢» . وقال الله تعالى: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [البقرة: ١٠٢] . أفتراهما كانا يعلّمان التّمائم، والكذب وسقي السّموم؟!. وبمثل هذا النظر أنكروا عذاب القبر، ومساءلة الملكين، وحياة الشهداء عند ربهم يرزقون، وأنكروا إصابة العين ونفع الرّقي والعوذ، وعزيف الجنان، وتخبّط الشيطان، وتعوّل الغيلان. فلما رأوا تواطؤ العرب على ذلك، وإكثار الشعراء فيه، كقول: ذي الرّمة «٣» :

стр. 76

إذا حثّهنّ الرّكب في مدلهمّة ... أحاديثها مثل اصطخاب الضّرائر وكقول زهير «١» : تسمع للجنّ عازفين بها ... تضبح عن رهبة ثعالبها في أشباه لهذا كثيرة- طلبوا الحيلة فقالوا: علّة ما يسمعون من هذا ويرون- انفراد القوم وتوحّشهم في الفلوات والقفار، ومن انفرد فكّر وتوهّم واستوحش وتخيّل، فرأى ما لا يرى، وسمع ما لا يسمع، كما قال حميد بن ثور «٢» : مفزّعة تستحيل الشّخوص ... من الخوف تسمع ما لا ترى وقالوا: ومن أحناش الأرض، وأحناش الطير في المهامة والرمال- ما لا يظهر ولا يصوّت إلا بالليل كالصّدى والضّوع والبوم واليراع، فإذا سمع أحدهم حسيس هامة، أو زقاء بوم، أو رأى لمع يراعة من بعد- وجب قلبه، وقفّ شعره، وذهبت به الظّنون. وقالوا: في النهار ساعات تتغيّر فيها مناظر الأشباح، وتتضاعف أعدادها، وفربما رئي الصغير كبيرا، والكبير صغيرا، والواحد اثنين، وقد يسمع لأصوات الفلا والحرار، مثل الدّويّ، ولذلك قال ذو الرّمة «٣» : إذا قال حادينا لتشبيه نبأة ... صه، لم يكن إلا دويّ المسامع وبهذا سمّيت الفلاة: دوّيّة، كأن الدّوّ حكاية ما يسمعون، ثم نسب المكان إليه، قال الأعشى «٤» : فوق ديمومة تخيّل بالسّفر ... قفارا إلا من الآجال يريد بقوله: تخيّل بالسفر، أنهم يرونها مرّة على هيئة، ومرة على هيئة، قال كعب ابن زهير «٥» : وصرماء مذكار كأنّ دويّها ... بعيد جنان اللّيل مما يخيّل حديث أناسيّ فلمّا سمعته ... إذا ليس فيه ما أبين فأعقل

стр. 77

وقال الأخطل يذكر فلاة رأى الصغير فيها كبيرا «١» : ترى الثّعلب الحوليّ فيها كأنّه ... إذا ما علا نشزا حصان مجلّل وقال النابغة «٢» : وحلّت بيوتي في يفاع ممنّع ... تخال به راعي الحمولة طائرا هذا رأى الكبير صغيرا لأنه في شرف. وقال ابن أحمر أيضا في تضاعف الأعداد: وازدادت الأشباح أخيلة ... وتعلّل الحرباء بالنّقر وأخشى أن يكون معتقدا هذا والقائل به، يرفّق عن صبوح «٣» ، ويسرّ حسوا في ارتغاء «٤» . وما على من آمن بالبعث من الممات: أن يؤمن بعذاب البرزخ، وقد خبّر به رسول الله ﷺ ، وقوله قاض على الكتاب، وبمسائلة الله يوم القيامة: أن يؤمن بمسائلة الملكين في القبر؟!. وما على من آمن بإنّيّة الشيطان: أن يؤمن بتخبّطه؟ ومن صدّق بخلق الجن والغيلان: أن يصدّق بعزيفها وتغوّلها؟!. وما أخرجه إلى تجهيل العرب قاطبة وتكذيبها: وشاهدها على صدق ما تقول كتاب الله تعالى، ورسوله، وكتب الله المتقدمة، وأنبياؤه، وأمم العجم كلها؟!. قد جعل الله الجن أحد الثّقلين، وخاطبهم في الكتاب كما خاطبنا، وسمّاهم رجالا كما سمّانا فقال: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ [الجن: ٦] . وقال في الحور العين: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) [الرحمن: ٧٤] ، فدل على أن الجن تطمث الإنس. وأخبرنا عن طائفة منهم سمعوا القرآن فولّوا إلى قومهم منذرين، وقال:

стр. 78

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: ٢٧٥] ، والمسّ: الجنون، سمّي مسّا، لأنه عن إلمام الشيطان ومسّه، يكون. هذا مع أخبار كثيرة صحاح تؤثر عن الرّسول، ﷺ ، وعن السلف في الرّئيّ والنّجيّ. وما ننكر مع هذا الفلوات قد يعرض فيها ما يذكرون، ولكنّ ذلك لا يدفع به حقائق ما يسمعون ويبصرون. ولم تكن العرب طرّا- مع أفهامها وألبابها- لتتواطأ على تخيّل وظنون، ولا كلّها أسمعه الخوف، وأراه الجبن، فهذا أبو البلاد الطّهويّ، وتأبّط شرّا-: وهما من مردة العرب، وشياطين الإنس. - يصفان الغول، ويحلّيانها ويساورانها. وهذا أبو أيوب الأنصاري يأسرها. وهذا عمر ﵁، يصارع الجنّيّ. وما جاء في هذا أكثر من أن تحيط به. فمن آمن بمحمد، ﷺ ، وبأنّ ما جاء به الحقّ، آمن بجميع هذا، وشرح صدره به. ومن أنكره-: لأنه لا يؤمن إلّا بما أوجبه النظر والقياس على ما شاهد ورأى في الموات والحيوان- فماذا بقي على المسلمين؟ وأيّ شيء ترك للملحدين؟. وذهب (أهل القدر) في قول الله : يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [النحل: ٩٣، وفاطر: ٨] إلى أنه على جهة التسمية والحكم عليهم بالضلالة، ولهم بالهداية. وقال فريق منهم: يضلّهم: ينسبهم إلى الضلالة، ويهديهم: يبيّن لهم ويرشدهم. فخالفوا بين الحكمين، ونحن لا نعرف في اللغة أفعلت الرجل: نسبته. وإنما يقال إذا أردت هذا المعنى: فعّلت: تقول: شجّعت الرجل وجنبّنته وسرّقته وخطّأته، وكفّرته وضلّلته وفسّقته وفجّرته ولحنته. وقرىء: إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ [يوسف: ٨١] ، وأي نسب إلى السّرق. ولا يقال في شيء من هذا كله: أفعلته، وأنت تريد نسبته إلى ذلك. وقد احتج رجل من النحويين كان يذهب إلى (القدر) - لقول العرب: كذّبت

стр. 79

الرجل وأكذبته- بقول الله تعالى: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ [الأنعام: ٣٣] ولا يكذبونك، وذكر أنّ أكذبت وكذّبت جميعا، بمعنى: نسبت إلى الكذب. وليس ذاك كما تأوّل، وإنما معنى أكذبت الرجل: ألفيته كاذبا. وقول الله ﵎: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ بالتخفيف أي: لا يجدونك كاذبا فيما جئت به، كما تقول: أبخلت الرجل وأجبنته وأحمقته، أي وجدته جبانا بخيلا أحمق. وقال عمرو بن معد يكرب لبني سليم: قاتلناكم فما أجبنّاكم، وسألناكم فما أبخلناكم، وهجوناكم فما أفحمناكم أي: لم نجدكم جبناء، ولا بخلاء، ولا مفحمين. وقال الكسائي «١» : العرب تقول: أكذبت الرجل: إذا أخبرت أنه رواية للكذب: وكذّبته: إذا أخبرت أنه كاذب. ففرق بين المعنيين. واحتج أيضا لأفعلت في معنى نسبت، بقول ذي الرّمة يصف ربعا «٢» : وأسقيه حتّى كاد ممّا أبثّه ... تكلّمني أحجاره وملاعبه وتأوّل في أسقيه معنى أسقّيه من طريق النّسبة. ولا أعلم (له) في هذا حجّة، لأنا نقول: قد أرعى الله هذه الماشية، أي: أنبت لها ما ترعاه، فكذلك تقول: أسقى الله الربع، أي أنزل عليه مطرا يسقيه، وأنا أرعى الماشية، وأسقي الربع، أي أدعو لها بالمرعى، وله بالسّقيا. واحتج آخر ببيت ذكر أنه لطرفة «٣» :

стр. 80

وما زال شربي الرّاح حتّى أشرّني ... صديقي وحتّى ساءني بعض ذلك وتوهّم أن قوله: أشرّني، نسبني إلى الشرّ. وليس ذاك كما تأوّل، وإنما أراد شهرني وأذاع خبري، من قولك: أشررت الأقط وشرّرته، إذا بسطته على شيء ليجف. وقال الشاعر وذكر يوم صفّين «١» : وحتى أشرّت بالأكف المصاحف يريد: شهرت وأظهرت. وروى عبد الله بن محمد بن أسماء، عن جويرية، قال: كنت عند قتادة فسئل عن القدر، فقال: ما زالت العرب تثبت القدر في الجاهلية والإسلام. وحدثني أبو حاتم «٢» : سهل بن محمد، عن الأصمعي «٣» قال: قلت لدرواس الأعرابيّ: ما جعل بني فلان أشرف من بني فلان؟ قال: الكتاب. يعني (القدر) ، ولم يقل: المكارم والفعال. وكان الأصمعي ينشد من الشعر أبياتا في القدر ذكرتها وغيرها: قال: أنشدني عيسى بن عمر لبدويّ «٤» : كلّ شيء حتى أخيك متاع ... وبقدر تفرّق واجتماع وقال المرّار بن سعيد الأسديّ «٥» : ومن سابق الأقدار إذ دأبت به ... ومن نائل شيئا إذا لم يقدّر؟

стр. 81

وقال جميل «١» : أقدّر أمرا لست أدري: أناله؟ ... وما يقدر الإنسان؟ فالله قادر وقال ابن الدّمينة «٢» : زوروا بنا اليوم سلمى أيّها النّفر ... ونحن لمّا يفرّق بيننا القدر وقال الفرزدق «٣» : ندمت ندامة الكسعيّ لمّا ... غدت مني مطلّقة نوار ولو ضنّت بها كفّي ونفسي ... لكان عليّ للقدر الخيار وقال القسّ «٤» : قد كنت أعذل في السّفاهة أهلها ... فاعجب لما تأتي به الأيّام فاليوم أعذرهم، وأعلم أنّما ... سبل الغواية والهدى أقسام وقال ابن أحمر حين سقي بطنه «٥» : شربنا وداوينا، وما كان ضرّنا ... إذا الله حمّ القدر- ألّا نداويا وقال الشّمّاخ «٦» : وإنّي عداني عنكما غير ماقت ... نواران مكتوب عليّ بغاهما أي حاجتان عسيرتان. والنّوار: النّفور. مكتوب عليّ أي مقدور عليّ طلبهما. وقال الأعشى «٧» :

стр. 82

في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن ليس يدفع عن ذي الحيلة الحيل يعني: هم موقنون بأن ما قدّر وحتم لا يدفع بالحيلة، فهم موطّنون أنفسهم عليه. وقال أبو زبيد «١» : فلا تك كالموقوص عن ظهر رحله ... تردّت به أسبابه وهو ينظر أسبابه: المقادير، تردّت به وهو ينظر لا يقدر أن يدفع ذلك. والموقوص: الذي قد اندقّت عنقه. وقال الراعي «٢» : وهنّ يحاذرن الرّدى أن يصيبني ... ومن قبل خلقي خطّ ما كنت لاقيا وكائن ترى من مسعف بمنيّة ... يجنّبها أو معصم ليس ناجيا وقال أفنون التّغلبي «٣» : لعمرك ما يدري الفتى كيف يتّقي ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا وقال لبيد بن ربيعة العامري «٤» : إنّ تقوى ربّنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي وعجل من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال، ومن شاء أضل

стр. 83

أفترى لبيدا أراد بقوله: من شاء أضل، أي سمّي ضالا؟ لا لعمر الله ما عرف هذا لبيد ولا وجده في شيء من اللغات. والمعنى في ضلّلت، وأضللت، ويشرح صدره للإسلام، ويجعل صدره ضيّقا حرجا- يمتنع على التأويل المطلوب بالحيلة عند من عرف اللغة. وربما جعلت العرب (الإضلال) في معنى الإبطال والإهلاك، لأنه يؤدّي إلى الهلكة، ومنه قوله تعالى: وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [السجدة: ١٠] ، أي بطلنا ولحقنا بالتراب وصرنا منه. والعرب تقول: ضلّ الماء في اللبن: إذا غلب اللبن عليه فلم يتبيّن. وقال النابغة الذبياني يرثي بعض الملوك «١» : وآب مضلّوه بعين جليّة ... وغودر بالجولان حزم ونائل أي قابروه، سمّاهم مضلّين لأنهم غيّبوه وأفقدوه فأبطلوه. هذا مذهب العرب في (القدر) ، وهو مذهب كل أمة من العجم، وأنّ الله في السماء، ما تركت على الجبلّة والفطرة، ولم تنقل عن ذلك بالمقاييس والتّلبيس. وقد أعلمتك في كتاب (غريب الحديث) أن فريقا منهم يقولون: لا يلزمنا اسم (القدر) من طريق اللغة، لأنه يتأوّل علينا أنا نقول: لا قدر، فكيف ننسب إلى ما نجحد؟. وأن هذا تمويه، وإنما نسبوا إلى (القدر) لأنهم يضيفونه إلى أنفسهم، وغيرهم يجعله لله دون نفسه، ومدّعي الشيء لنفسه أولى بأن ينسب إليه ممن جعله لغيره. وأما الطاعنون على القرآن (بالمجاز) فإنهم زعموا أنه كذب. لأن الجدار لا يريد، والقرية لا تسأل. وهذا من أشنع جهالاتهم، وأدلّها على سوء نظرهم، وقلة أفهامهم. ولو كان المجاز كذبا، وكلّ فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلا- كان أكثر كلامنا فاسدا، لأنا نقول: نبت البقل، وطالت الشّجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل، ورخص السّعر.

стр. 84

وتقول: كان هذا الفعل منك في وقت كذا وكذا والفعل لم يكن وإنما كوّن. وتقول: كان الله. وكان بمعنى حدث، والله، جل وعز: قبل كل شيء بلا غاية، لم يحدث: فيكون بعد أن لم يكن. والله تعالى يقول: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ [محمد: ٢١] وإنما يعزم عليه. ويقول تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة: ١٦] وإنما يربح فيها. ويقول: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [يوسف: ١٨] وإنما كذّب به. ولو قلنا للمنكر لقوله: جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف: ٧٧] كيف كنت أنت قائلا في جدار رأيته على شفا انهيار: رأيت جدارا ماذا؟ لم يجد بدّا من أن يقول: جدارا يهمّ أن ينقضّ، أو يكاد أن ينقضّ، أو يقارب أن ينقضّ. وأيّا ما قال فقد جعله فاعلا، ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من لغات العجم، إلا بمثل هذه الألفاظ. وأنشدني السّجستاني «١» عن أبي عبيدة «٢» في مثل قول الله: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ «٣» : يريد الرّمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل وأنشد الفرّاء «٤» : إنّ دهرا يلفّ شملي بجمل ... لزمان يهمّ بالإحسان والعرب تقول: بأرض فلان شجر قد صاح. أي طال، لمّا تبيّن الشّجر للنّاظر بطوله، ودلّ على نفسه- جعله كأنه صائح: لأن الصائح يدلّ على نفسه بصوته.

стр. 85

ومثل قول العجاج «١» : كالكرم إذ نادى من الكافور ويقال: هذا شجر واعد، إذا نوّر، كأنّه نوّر لمّا وعد أن يثمر. ونبات واعد، إذا أقبل بماء ونضرة. قال سويد بن كراع «٢» : رعى غير مذعور بهنّ وراقه ... لماع تهاداه الدّكادك واعد في أشباه لهذا كثيرة، سنذكر ما نحفظ منها في كتابنا هذا مما أتى في كتاب الله، ، وأمثاله من الشعر، ولغات العرب، وما استعمله الناس في كلامهم. ونبدأ بباب الاستعارة، لأن أكثر المجاز يقع فيه.

стр. 86

باب الاستعارة فالعرب تستعير الكلمة فتضعها مكان الكلمة، إذا كان المسمى بها بسبب من الأخرى، أو مجاورا لها، أو مشاكلا. فيقولون للنبات: نوء لأنه يكون عن النوء عندهم. قال رؤية بن العجاج «١» : وجفّ أنواء السّحاب المرتزق أي جفّ البقل. ويقولون للمطر: سماء، لأنه من السماء ينزل، فيقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم. قال الشاعر «٢» : إذا سقط السّماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا ويقولون: ضحكت الأرض: إذا أنبتت، لأنها تبدي عن حسن النبات، وتنفتق عن الزهر، كما يفترّ الضاحك عن الثغر، ولذلك قيل لطلع النخل إذا انفتق عنه كافوره: الضّحك، لأنه يبدو منه للناظر كبياض الثغر. ويقال: ضحكت الطّلعة، ويقال: النّور يضاحك الشمس، لأنه يدور معها.

стр. 87

وقال الأعشى يذكر روضة «١» : يضاحك الشمس منها كوكب شرق ... مؤزّر بعميم النّبت مكتهل وقال آخر «٢» : وضحك المزن بها ثمّ بكى يريد بضحكه انعقاقه «٣» بالبرق، وببكائه: المطر. ويقولون: لقيت من فلان عرق القربة، أي شدّة ومشقّة. وأصل هذا أن حامل القربة يتعب في نقلها حتى يعرق جبينه، فاستعير عرقها في موضع الشّدّة. ويقول الناس: لقيت من فلان عرق الجبين، أي شدّة. ومثل هذا في كلام العرب كثير يطول به الكتاب، وسنذكر ما في كتاب الله تعالى منه. فمن الاستعارة في كتاب الله قوله : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ [القلم: ٤٢] أي عن شدّة من الأمر، كذلك قال قتادة «٤» . وقال ابراهيم «٥» : عن أمر عظيم. وأصل هذا أنّ الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى معاناته والجدّ فيه- شمّر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة. وقال دريد بن الصّمّة «٦» :

стр. 88

كميش الإزار خارج نصف ساقه ... صبور على الجلّاء طلّاع أنجد وقال الهذليّ «١» : وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... أشمّر حتّى ينصف السّاق مئزري ومنه قول الله : وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [النساء: ٤٩] وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً [النساء: ١٢٤] والفتيل: ما يكون في شقّ النّواة. والنّقير: النّقرة في ظهرها. ولم يرد أنهم لا يظلمون ذلك بعينه، وإنما أراد أنهم إذا حوسبوا لم يظلموا في الحساب شيئا ولا مقدار هذين التّافهين الحقيرين. والعرب تقول: ما رزأته زبالا. (والزبال) ما تحمله النّملة بفمها، يريدون ما رزأته شيئا. وقال النابغة الذّبياني «٢» : يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ... ثم لا يرزأ العدوّ فتيلا وكذلك قوله : وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر: ١٣] وهو (الفوقة) التي فيها النّواة. يريد ما يملكون شيئا. ومنه قوله : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) [الفرقان: ٢٣] أي قصدنا لأعمالهم وعمدنا لها. والأصل أنّ من أراد القدوم إلى موضع عمد له وقصده. والهباء المنثور: ما رأيته في شعاع الشمس الداخل من كوّة البيت. والهباء المنبثّ: ما سطع من سنابك الخيل. وإنما أراد أنّا أبطلناه كما أنّ هذا مبطل لا يلمس ولا ينتفع به. ومنه قوله: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ [إبراهيم: ٤٣] يريد أنها لا تعي خيرا، لأن المكان إذا

стр. 89

كان خاليا فهو هواء حتى يشغله الشيء. ومثله قوله : وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ [الكهف: ٢١] يريد أطلعنا عليهم. وأصل هذا أنّ من عثر بشيء وهو غافل نظر إليه حتى يعرفه. فاستعير العثار مكان التّبيّن والظهور. ومنه يقول الناس: ما عثرت على فلان بسوء قطّ. أي ما ظهرت على ذلك منه. ومنه قوله : إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: ٣٢] أراد الخيل، فسمّاها الخير لما فيها من المنافع. قال الرّاجز بعد أن عدّد فضائلها وأسباب الانتفاع بها- «١» : فالخيل والخيرات في قرنين وقال طفيل «٢» : وللخيل أيّام فمن يصطبر لها ... ويعرف لها أيّامها الخير تعقب ومنه قوله أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [الانعام: ١٢٢] . اى كان كافرا فهديناه وجعلنا له ايمانا يهتدى به سبل الخير والنّجاة كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [الأنعام: ١٢٢] أي في الكفر. فاستعار الموت مكان الكفر، والحياة مكان الهداية، والنّور مكان الإيمان. ومنه قوله : وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) [الشرح: ٢] أي إثمك. وأصل الوزر: ما حمله الإنسان على ظهره. قال الله : وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ [طه: ٨٧] أي أحمالا من حليّهم. فشبه الإثم بالحمل، فجعل مكانه، وقال في موضع آخر: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [العنكبوت: ١٣] يريد آثامهم. ومن ذلك قوله: وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا [البقرة: ٢٣٥] أي نكاحا، لأن النكاح يكون سرا ولا يظهر، فاستعير له السرّ. قال رؤبة «٣» : فعفّ عن أسرارها بعد العسق

стр. 90

والعسق: الملازمة: ومنه قوله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [البقرة: ٢٢٣] أي مزدرع لكم كما تزدرع الأرض. ومنه قوله: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ [البقرة: ٢٦٧] أي تترخّصوا. وأصل هذا أن يصرف المرء بصره عن الشيء ويغمضه، فسمّي الترّخّص إغماضا. ومنه يقول الناس للبائع: أغمض وغمّض. يريدون لا تستقص وكمن كأنّك لم تبصر. ومنه قوله: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ [البقرة: ١٨٧] لأنّ المرأة والرجل يتجردان ويجتمعان في ثوب واحد، ويتضامّان فيكون كلّ واحد منهما للآخر بمنزلة اللباس. قال النابغة الجعديّ «١» : إذا ما الضّجيع ثنى جيدها ... تداعت عليه فكانت لباسا ومنه قوله: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) [المدثر: ٤] أي طهّر نفسك من الذنوب، فكنى عن الجسم بالثياب، لأنّها تشتمل عليه. قالت ليلى الأخيلية وذكرت إبلا «٢» : رموها بأثواب خفاف فلا ترى ... لها شبها إلّا النّعام المنفّرا أي ركبوها فرموها بأنفسهم. وقال آخر «٣» :

стр. 91

لا همّ إنّ عامر بن جهم ... أو ذم حجّا في ثياب دسم أي هو متدنّس بالذنوب. والعرب تقول: قوم لطاف الأزر. أي خماص البطون، لأنّ الأزر تلاث عليها. ويقولون: فدى لك إزاري. يريدون: بدني، فتضع الإزار موضع النّفس. قال الشاعر «١» : ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخي ثقة إزاري وقد يكون الإزار في هذا البيت: الأهل. قال الهذليّ «٢» : تبرّأ من دمّ القتيل وبزّه ... وقد علقت دمّ القتيل إزارها أي نفسها. ويقولون للعفاف: إزار، لأنّ العفيف كأنّه استتر لمّا عفّ. وقال عديّ بن زيد «٣» : أجل أنّ الله قد فضّلكم ... فوق ما أحكي بصلب وإزار فالصّلب: الحسب، سمّاه صلبا لأنّ الحسب: العشيرة. والخلق. من ماء الصّلب. والإزار: العفاف. ويجوز أن يكون سمّى العشيرة صلبا لأنّهم ظهر الرجل، والصّلب في الظّهر.

стр. 92

وقال: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً [الفرقان: ٤٧] : أي سترا وحجابا لأبصاركم. قال ذو الرّمة «١» : ودوّيّة مثل السّماء اعتسفتها ... وقد صبغ اللّيل الحصى بسواد أي لمّا ألبسه الليل سواده وظلمته، كان كأنّه صبغه. وقد يكنون باللباس والثوب عما ستر ووقى، لأنّ اللباس والثوب واقيان ساتران. وقال الشاعر «٢» : كثوب ابن بيض وقاهم به ... فسدّ على السّالكين السّبيلا قال الأصمعي: (ابن بيض) رجل نحر بعيرا له على ثنيّة فسدّها فلم يقدر أحد أن يجوز، فضرب به المثل فقيل: سدّ ابن بيض الطريق «٣» . وقال غير الأصمعي: (ابن بيض) رجل كانت عليه إتاوة فهرب بها فاتّبعه مطالبه، فلما خشي لحاقه وضع ما يطالبه به على الطريق ومضى، فلما أخذ الإتاوة رجع وقال: «سدّ ابن بيض الطريق» أي منعنا من اتباعه حين وفى بما عليه، فكأنه سدّ الطريق «٤» . فكنى الشاعر عن البعير- إن كان التفسير على ما ذكر الأصمعي. أو عن الإتاوة- إن كان التفسير ما ذكر غيره- بالثوب، لأنهما وقيا كما يقي الثوب. وكان بعض المفسرين يقول في قوله : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً [الفرقان: ٤٧] أي سكنا، وفي قوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ [البقرة: ١٨٧] أي سكن لكم. وإنما اعتبر ذلك من قوله: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [يونس: ٦٧] ومن قوله:

стр. 93

وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها [الأعراف: ١٨٩] . ومن الاستعارة: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧) [آل عمران: ١٠٧] يعني جنّته، سمّاها رحمة، لأن دخولهم إيّاها كان برحمته. ومثله قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ [النساء: ١٧٥] . وقد توضع (الرحمة) موضع (المطر) لأنه ينزل برحمته. قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الأعراف: ٥٧] يعني المطر. وقال تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي [الإسراء: ١٠٠] يعني مفاتيح رزقه. وقال تعالى: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها [فاطر: ٢] أي من رزق. ومن الاستعارة: اللسان يوضع موضع القول، لأنّ القول يكون بها. قال الله، ، حكاية عن إبراهيم ﵇: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) [الشعراء: ٨٤] . أي ذكرا حسنا. وقال الشاعر «١» : إنّي أتتني لسان لا أسرّ بها ... من علو لا عجب منها ولا سخر أي أتاني خبر لا أسرّ به. ومنه الذّكر يوضع موضع الشرف، لأنّ الشّريف يذكر قال الله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف: ٤٤] يريد أن القرآن شرف لكم. وقال تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ [الأنبياء: ١٠] أي شرفكم. وقال: بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ [المؤمنون: ٧١] أي أتيناهم بشرفهم. ومنه قوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما [الإسراء: ٢٣] أي لا تستثقل شيئا

стр. 94

من أمرهما، وتضق به صدرا، ولا تغلظ لهما. والناس يقولون لما يكرهون ويستثقلون: أفّ له. وأصل هذا نفخك للشيء يسقط عليك من تراب أو رماد وغير ذلك، وللمكان تريد إماطة الشيء عنه لتقعد فيه. فقيل لكل مستثقل: أفّ لك، ولذلك تحرّك بالكسر للحكاية، كما يقولون: غاق غاق، إذا حكوا صوت الغراب. والوجه أن يسكّن هذا، إلا أنه يحرّك لاجتماع الساكنين، فربما نوّن، وربما لم ينوّن، وربما حرّك إلى غير الكسر أيضا. ومنه قوله تعالى: كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ [المائدة: ٦٤] يريد كلما هاجوا شرّا وأجمعوا أمرا ليحاربوا النبي ﷺ سكّنه الله ووهّن أمرهم. ومنه قوله سبحانه: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ١٥٧] . الإصر: الثّقل الذي ألزمه الله بني إسرائيل في فرائضهم وأحكامهم، ووضعه عن المسلمين. ولذلك قيل للعهد: إصر. قال تعالى: وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران: ٨١] أي عهدي، لأن العهد ثقل ومنع من الأمر الذي أخذ له. وَالْأَغْلالَ: تحريم الله عليهم كثيرا مما أطلقه لأمّة محمد، ﷺ ، وجعله أغلالا لأن التحريم يمنع كما يقبض الغلّ اليد، فاستعير. قال أبو ذؤيب «١» : فليس كعهد الدّار يا أمّ مالك ... ولكن أحاطت بالرّقاب السّلاسل وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل ... سوى العدل شيئا فاستراح العواذل يقول: ليس الأمر كعهدك إذ كنا في الدّار ونحن نتبسّط في كل شيء ولا نتوقّى، ولكن أسلمنا فصرنا من موانع الإسلام في مثل الأغلال المحيطة بالرّقاب القابضة للأيدي. ومن هذا قوله: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا [يس: ٨] ، أي قبضنا أيديهم عن الإنفاق في سبيل الله بموانع كالأغلال.

стр. 95

ومن ذلك قوله: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً [البقرة: ١٣٨] ، يريد الختان، فسماه صبغة، لأن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في ماء ويقولون: هذا طهرة لهم كالختان للحنفاء، فقال الله تعالى، صِبْغَةَ اللَّهِ أي الزموا صبغة الله لا صبغة النصارى أولادهم، وأراد بها ملة إبراهيم ﵇. ومنه قوله: ما لَها مِنْ فَواقٍ [ص: ١٥] أي ما لها من تنظّر وتمكّث إذا بدأت، ولذلك سمّاها ساعة لأنها تأتي بغتة في ساعة. وأصل الفواق أن تحلب الناقة ثم تترك ساعة حتى يجتمع اللبن ثم تحلب فما بين الحلبتين فواق، فاستعير الفواق في موضع الانتظار. ومنه قوله: فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ [الذاريات: ٥٩] ، أي حظّا ونصيبا. وأصل الذّنوب: الدّلو، وكانوا يستقون الماء، فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب، فاستعير في موضع النّصيب، وقال الشاعر «١» : إنّا إذا نازعنا شريب ... لنا ذنوب وله ذنوب والعرب تقول: (أخي وأخوك أيّنا أبطش؟) يريدون: أنا وأنت نضطرع فنطر أيّنا أشدّ؟ فيكنى عن نفسه بأخيه، لأن أخاه كنفسه. وقال العبديّ «٢» : أخي وأخوك ببطن النّسير ... ليس به من معدّ عريب ويكنى عن أخيه بنفسه.

стр. 96

قال الله تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: ١١] ، أي لا تعيبوا إخوانكم من المسلمين، لأنهم كأنفسكم. وقال: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً [النور: ١٢] أي بأمثالهم من المسلمين. وبعض المفسّرين يقول في قوله تعالى: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً [النور: ٦١] ، أي على أهليكم، جعلهم أنفسهم على التّشبيه. وقال: ابن عباس في تفسير ذلك: البيوت: المساجد، إذا دخلتها سلّمت على نفسك وعلى عباد الله الصالحين. وقال تعالى: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤] ، أي إلى الجهاد الذي يحيي دينكم ويعليكم. وقال: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩] ، أي لا تقتلوا إخوانكم، وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [البقرة: ١٨٨] ، أي أموال إخوانكم. وإن جعلته بمعنى لا يأكل بعضكم مال بعض، ولا يقتل بعضكم بعضا- فهو أيضا قريب المعنى من الأوّل. وقال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [الأعراف: ١١] أراد: خلقنا آدم وصوّرناه، فجعل الخلق لهم، إذ كانوا منه. ومنه قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ، [ق: ٣٧] أي عقل لأن القلب موضع العقل، فكنى عنه به. وقوله: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا [الطور: ٣٢] ، أي تدلهم عقولهم عليه لأن الحلم يكون من العقل، فكنى عنه به. ومنه قوله: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) [الفجر: ١٣] لأن التعذيب قد يكون بالسوط. ومنه قوله: وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً [النساء: ١٥٧] يعني العلم، لم يتحقّقوه ويستيقنوه. وأصل ذلك أن القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء وغلبة. يقول: فلم يكن علمهم بقتل المسيح علما أحيط به، إنما كان ظنّا.

стр. 97

ومنه قوله سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام: ١٤٦] أي كلّ ذي مخلب من الطير، وكلّ ذي حافر من الدّواب كذلك قال المفسّرون: وسمّى الحافر ظفرا على الاستعارة، كما قال الآخر وذكر ضيفا طرقه «١» : فما رقد الولدان حتّى رأيته ... على البكر يمريه بساق وحافر فجعل الحافر موضع القدم. وقال آخر «٢» : سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إلى ملك أظلافه لم تشقّق يريد بالأظلاف: قدميه، وإنما الأظلاف للشاء والبقر. والعرب تقول للرجل: (هو غليظ المشافر) تريد الشفتين، والمشافر للإبل. وقال الحطيئة «٣» : قروا جارك العيمان لمّا جفوته ... وقلّص عن برد الشّراب مشافره ومنه قوله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) [الحاقة: ٤٤، ٤٦] . قال ابن عباس: اليمين هاهنا: القوّة. وإنما أقام اليمين مقام القوّة، لأن قوة كل شيء في ميامنه. ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر قد جرى الناس على اعتياده: أن كان الله أراده في هذا الموضع، وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل: خذ بيده وافعل به كذا

стр. 98

وكذا. وأكثر ما يقول السلطان والحاكم بعد وجوب الحكم: خذ بيده واسفع بيده. ونحوه قول الله: لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ [العلق: ١٥، ١٦] أي لنأخذنّ بها، ثم لنقيمنّه ولنذّلنّه إما في الدنيا وإما في الآخرة، كما قال تعالى: فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ [الرحمن: ٤١] أي يجرّون إلى النار بنواصيهم وأرجلهم. ثم قال: ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) [العلق: ١٦] وإنما يعني صاحبها. والناس يقولون: هو مشؤوم الناصية. لا يريدونها دون غيرها من البدن. ويقولون: قد مرّ على رأسي كذا. أي مر عليّ. فكأنه تعالى قال: لو كذب علينا في شيء مما يلقيه إليكم عنّا، لأمرنا بالأخذ بيده، ثمّ عاقبناه بقطع الوتين. وإلى هذا المعنى ذهب الحسن فقال في قوله تعالى: لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) [الحاقة: ٤٥] أي بالميامن، ثم عاقبناه بقطع الوتين، وهو: عرق يتعلق به القلب، إذا انقطع مات صاحبه. ولم يرد أنا نقطعه بعينه، فيما يرى أهل النظر، ولكنّه أراد: ولو كذّب علينا لأمتناه أو قتلناه، فكان كمن قطع وتينه. ومثله قول النبي ﷺ : «ما زالت أكلة خيبر تعادّني، فهذا أوان قطعت أبهري» «١» . والأبهر: عرق يتصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه. فكأنّه قال: فهذا أوان قتلني السّمّ، فكنت كمن انقطع أبهره. ومنه قوله سبحانه: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) [القلم: ١٦] ذهب بعض المفسّرين فيه: إلى أنّ الله يسم وجهه يوم القيامة بالسّواد. وللعرب في مثل هذا اللفظ مذهب نخبر به، والله أعلم بما أراد. تقول العرب للرجل يسبّ الرجل سبّة قبيحة، أو ينثو عليه فاحشة: وقد وسمه بميسم سوء. يريدون: ألصق به عارا لا يفارقه، كما أنّ السّمة لا تنمحي ولا يعفو أثرها. وقال جرير» :

стр. 99

لما وضعت الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث، جدعت أنف الأخطل يريد: أنه وسم الفرزدق وجدع أنف الأخطل بالهجاء، أي أبقى عليه عارا كالجدع والوسم. وقال أيضا «١» : رفع المطيّ بما وسمت مجاشعا ... والزّنبريّ يعوم ذو الإجلال يريد: أن هجاءه قد سارت به المطيّ، وغنّي به في البر والبحر. وقال «٢» : وأوقدت ناري بالحديد فأصبحت ... لها وهج يصلي به الله من يصلي شبّه شعره بالنّار، وهجاءه بمواسم الحديد. وقال الكميت بن زيد يذكر قصيدة له «٣» : تعلّط أقواما بميسم بارق ... وتقطم أوباشا زنيما ومسندا والعلاط: سمة في العنق. وربما استعاروا للهجاء غير الوسم، كقول الهذليّ «٤» :

стр. 100

متى ما أشأ غير زهو الملو ... ك أجعلك رهطا على حيّض وأكحلك بالصّاب أو بالجلا ... ففقّح لكحلك أو غمّض وأسعطك في الأنف ماء الآباء ... ممّا يثمّل بالمخوض جهلت سعوطك: حتى ظننت ... بأن قد أرضت، ولم تؤرض والرّهط: جلد تلبسه المرأة أيام الحيض. والصاب: شجر له لبن يحرق العين. والجلا: كحل يحكّ على حجر ثم يكتحل به. والأباء: القصب، وماؤه شرّ المياه. ويقال: الأباء هاهنا: الماء الذي تشرب منه الأروى، فتبول فيه وتدمّنه. ويثمّل: ينقع. وهذه أمثال ضربها لما يهجوه به. وقال آخر «١» : سأكسوكما يا ابني يزيد بن جعثم ... رداءين من قار ومن قطران في أشباه لهذا كثيرة. وهذه الآية «٢» نزلت في الوليد بن المغيرة، ولا نعلم أن الله وصف أحدا وصفه له، ولا بلغ من ذكر عيوبه ما بلغه من ذكرها منه لأنه وصفه بالخلف، والمهانة، والعيب للناس، والمشي بالنّمائم، والبخل، والظلم، والإثم، والجفاء، والدّعوة. فألحق به عارا لا يفارقه في الدنيا ولا في الآخرة، كالوسم على الخرطوم، وأبين ما يكون الوسم في الوجه. ومما يشهد لهذا المذهب، ما رواه سفيان، عن زكريا، عن الشّعبي في قوله تعالى: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) [القلم: ١٣] أنه قال: العتلّ: الشديد. والزّنيم: الذي له زنمة من الشّرّ يعرف بها، كما تعرف الشاة بالزّنمة. أراد الشّعبي: أنه قد لحقته سبّة من الدّعوة عرف بها كزنمة الشّاة.

стр. 101

ومنه قوله: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) [المسد: ٤، ٥] ، قال ابن عباس: في رواية أبي صالح عنه: الحطب: النّميمة وكانت تنم وتؤرّش بين الناس. ومن هذا قيل: (فلان يحطب عليّ) إذا أغرى به، شبّهوا النّميمة بالحطب، والعداوة والشحناء بالنار، لأنهما يقعان بالنميمة، كما تلتهب النار بالحطب. ويقال: نار الحقد لا تخبو فاستعاروا الحطب في موضع النميمة. وقال الشاعر وذكر امرأة «١» : من البيض لم تصطد على حبل سوأة ... ولم تمش بين الحيّ بالحظر الرّطب أي لم توجد على أمر قبيح، ولم تمش بالنمائم والكذب. والحظر: الشّجر ذو الشّوك يحظر به. وقال آخر «٢» : فلسنا كمن تزجى المقالة شطره بقرف العضاه الرّطب والعبل اليبس وقال بعض المتقدمين: كانت تعيّر رسول الله، ﷺ ، بالفقر كثيرا، وهي تحتطب على ظهرها بحبل من ليف في عنقها. ولست أدري كيف هذا لأنّ الله وصفه بالمال والولد، فقال: ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) [المسد: ٢] . وأما المسد، فهو عند كثير من الناس: اللّيف دون غيره. وليس كذلك، إنما المسد: كلّ ما ضفر وفتل من اللّيف وغيره، يقال: مسدت الحبل مسدا إذا فتلته، فهو مسد. كما تقول: نفضت الشّجرة نفضا وخبطتها خبطا. واسم ما يسقط من ثمرها وورقها: نفض وخبط، ومنه قيل: رجل ممسود الخلق، إذا كان مجدولا مفتولا.

стр. 102

ويدلّك على أن المسد قد يكون من غير الليف، قول الرّاجز «١» : يا مسد الخوص تعوّذ منّي ... إن تك لدنا ليّنا فإنّي ما شئت من أشمط مقسئنّ فجعله هذا من خوص. وقال آخر «٢» : ومسد أمرّ من أيانق ... لسن بأنياب ولا حقائق فجعله هذا من جلود الإبل. وأراد الله، ﵎، بهذا الحبل السلسلة التي ذكرها، فقال: فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ [الحاقة: ٣٢] . كذلك قال ابن عباس. فيجوز أن يكون سمّاها مسدا، وإن كانت حديدا أو نارا أو ما شاء الله أن تكون، بالضّفر والفتل. ومنه قوله سبحانه: لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧) [الأنبياء: ١٧] . قال قتادة والحسن: اللهو: المرأة: وقال ابن عباس: هو الولد. والتفسيران متقاربان، لأن امرأة الرجل لهوه، وولده لهوه ولذلك يقال: امرأة الرجل وولده ريحانتاه. وأصل اللهو: الجماع، فكنّي عنه باللهو، كما كني عنه بالسّرّ، ثم قيل للمرأة لهو لأنها تجامع. قال: امرؤ القيس «٣» :

стр. 103

ألا زعمت بسباسة اليوم أنّني ... كبرت وأ لا يحسن اللهو أمثالي أي النكاح. ويروى أيضا: (وأ لا يحسن السر أمثالي) «١» : أي النكاح. وتأويل الآية: أن النّصارى لما قالت في المسيح وأمّه ما قالت، قال الله جل وعز: لو أردنا أن نتّخذ لهوا، أي صاحبة وولدا، كما يقولون، لاتخذنا ذلك من لدنّا، أي من عندنا، ولم نتّخذه من عندكم لو كنّا فاعلين ذلك، لأنكم تعلمون أن ولد الرجل وزوجه يكونان عنده وبحضرته لا عند غيره. وقال الله في مثل هذا المعنى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ [الأعراف: ٢٠٦] ، يعني الملائكة. ومنه قوله سبحانه: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ [النحل: ١١٢] . وأصل الذّواق: بالفم، ثم قد يستعار فيوضع موضع الابتلاء والاختبار، تقول في الكلام: ناظر فلانا وذق ما عنده، أي تعرّف واختبر، واركب الفرس وذقه. قال الشمّاخ في وصف قوس «٢» : فذاق فأعطته من اللّين جانبا ... كفى ولها أن تعرق السّهم حاجز يريد: أنه ذاق القوس بالنّزع فيها ليعلم أليّنة هي أم صلبة؟ وقال آخر «٣» : وإنّ الله ذاق حلوم قيس ... فلمّا راء خفّتها قلاها

стр. 104

وهذه الآية نزلت في أهل مكة، وكانوا آمنين بها لا يغار عليهم، مطمئنين لا ينتجعون ولا يتنقّلون، فأبدلهم الله بالأمن الخوف من سريا رسول الله ﷺ وبعوثه، وبالكفاية الجوع سبع سنين، حتى أكلوا القدّ والعظام. ولباس الجوع والخوف: ما ظهر عليهم من سوء آثارهما بالضّمر والشّحوب ونهكة البدن، وتغيّر الحال، وكسوف البال. وقال في موضع آخر: وَلِباسُ التَّقْوى [الأعراف: ٢٦] ، أي ما ظهر عنه من السّكينة والإخبات والعمل الصالح، وكما تقول: تعرّفت سوء أثر الخوف والجوع على فلان، وذقت بمعنى: تعرفت واللّباس: بمعنى سوء الأثر- كذلك تقول: ذقت لباس الجوع والخوف، وأذاقني الله ذلك. ومنه قوله: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) [المرسلات: ١] يعني الملائكة، يريد: أنها متتابعة يتلو بعضها بعضا بما ترسل به من أمر الله . وأصل هذا من عرف الفرس، لأنه سطر مستو بعضه في إثر بعض. فاستعير للقوم يتبع بعضهم بعضا. ومنه يقول الناس: هم إليه عرف واحد، إذا كثروا وتتابعوا في توجّههم إليه. ويقال: أرسلت بالعرف أي بالمعروف. ومنه قوله سبحانه: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف: ١٨٢] والاستدراج: أن يدنيهم من بأسه قليلا قليلا من حيث لا يعلمون، ولا يباغتهم ولا يجاهرهم. ومنه يقال: درجت فلانا إلى كذا وكذا، واستدرج فلانا حتى تعرف ما عنده وما صنع. يراد لا تجاهره ولا تهجم عليه بالسؤال، ولكن استخرج ما عنده قليلا قليلا. وأصل هذا من الدّرجة، وذلك أن الراقي فيها النازل منها ينزل مرقاة مرقاة، فاستعير هذا منها. ومنه قوله سبحانه: وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ [التوبة: ٦٧] أي يمسكون عن العطية. وأصل هذا: أن المعطي بيده يمدّها ويبسطها بالعطاء، فقيل لكل من بخل ومنع: قد قبض يده. ومنه قوله: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا [المائدة: ٦٤] أي: ممسكة. ومنه قوله: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ [يونس: ٢٢] : أي دنوا من الهلاك. وأصل

стр. 105

هذا: أن العدوّ إذا أحاط بقوم أو بلد فحاصره فقد دنا أهله من الهلكة. وقال في موضع آخر: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [الكهف: ٤٢] . ومنه قوله: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) [الدخان: ٢٩] تقول العرب إذا أرادت تعظيم مهلك رجل عظيم الشأن، رفيع المكان، عامّ النفع، كثير الصنائع: أظلمت الشمس له، وكسف القمر لفقده، وبكته الرّيح والبرق والسماء والأرض. يريدون المبالغة في وصف المصيبة به، وأنها قد شملت وعمّت. وليس ذلك بكذب، لأنّهم جميعا متواطئون عليه، والسّامع له يعرف مذهب القائل فيه. وهكذا يفعلون في كل ما أرادوا أن يعظّموه ويستقصوا صفته. ونيّتهم في قولهم: أظلمت الشمس، أي كادت تظلم، وكسف القمر، أي كاد يكسف. ومعنى كاد: همّ أن يفعل ولم يفعل. وربما أظهروا كاد، قال ابن مفرّغ الحميريّ يرثي رجلا «١» : الرّيح تبكي شجوه ... والبرق يلمع في غمامه وقال آخر «٢» : الشّمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك، نجوم اللّيل والقمرا أراد: الشمس طالعة تبكي عليك، وليست مع طلوعها كاسفة النجوم والقمر، لأنّها مظلمة، وإنما تكسف بضوئها، فنجوم الليل بادية بالنهار. وهذا كقوله النابغة وذكر يوم حرب «٣» :

стр. 106

تبدوا كواكبه والشمس طالعة ... لا النّور نور ولا الإظلام إظلام ونحوه قول طرفة في وصف امرأة «١» : إن تنوّله فقد تمنعه ... وتريه النّجم يجري بالظّهر يقول: تشقّ عليه حتى يظلم نهاره فيرى الكواكب ظهرا. والعامة تقول: أراني فلانّ الكواكب بالنّهار، إذا برّح به. وقال الأعشى «٢» : رجعت لما رمت مستحسرا ... ترى للكواكب ظهرا وبيصا أي: رجعت كئيبا حسيرا، قد أظلم عليك نهارك، فأنت ترى الكواكب تعالي النّهار بريقا. وقد اختلف الناس في قول الله : فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ [الدخان: ٢٩] . فذهب به قوم مذاهب العرب في قولهم: بكته الريح والبرق. كأنه يريد أنّ الله حين أهلك فرعون وقومه وغرّقهم وأورث منازلهم وجنّاتهم غيرهم- لم يبك عليهم باك، ولم يجزع جازع، ولم يوجد لهم فقد. وقال آخرون: أراد: فما بكى عليهم أهل السماء ولا أهل الأرض. فأقام السماء والأرض مقام أهلهما، كما قال تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] ، أراد أهل القرية. وقال: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها [محمد: ٤] ، أي يضع أهل الحرب السّلاح. وقال ابن عباس: لكل مؤمن باب في السماء يصعد فيه عمله، وينزل منه رزقه، فإذا مات بكى عليه الباب، وبكت عليه آثاره في الأرض ومصلّاه. والكافر لا يصعد له عمل، ولا يبكي له باب في السماء ولا أثره في الأرض. ومن هذا الباب قول الله : وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ [القلم: ٥١] يريد أنهم ينظرون إليك بالعداوة نظرا شديدا يكاد يزلقك من شدّته، أي يسقطك.

стр. 107

ومثله قول الشاعر «١» : يتقارضون إذا التقوا في موطن ... نظرا يزيل مواطىء الأقدام أي ينظر بعضهم إلى بعض نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء، يزيل الأقدام عن مواطئها. فتفهّم قول الله : وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ أي يقاربون أن يفعلوا ذلك، ولم يفعلوا. وتفهّم قول الشاعر: (نظرا يزيل) ولم يقل: يكاد يزيل، لأنه نواها في نفسه. وكذلك قول الله : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) [مريم: ٩٠] إعظاما لقولهم. وقوله جل وعز: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ [إبراهيم: ٤٦] . إكبارا لمكرهم. وقرأها بعضهم: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ [إبراهيم: ٤٦] . وأكثر ما في القرآن من مثل هذا فإنه يأتي بكاد، فما لم يأت بكاد ففيه إضمارها، كقوله: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب: ١٠] ، وأي كادت من شدّة الخوف تبلغ الحلوق:. وقد يجوز أن يكون أراد: أنها ترجف من شدّة الفزع وتجف ويتصل وجيفها «٢» بالحلوق، فكأنها بلغت الحلوق بالوجيب. وهم يصفون القلوب بالخفقان، والنّزو عند المخافة والذّعر. قال الشاعر في وصف مفازة تنزو من مخافتها قلوب الأدلّاء «٣» : كأنّ قلوب أدلّائها ... معلّقة بقرون الظّباء وهذا مثل قوله امرئ القيس «٤» :

стр. 108

ولا مثل يوم في قدار ظللته ... كأنّي وأصحابي على قرن أعفرا أي كأنّا من القلق على قرن ظبي، فنحن لا نستقر ولا نسكن. وكان بعض أهل اللغة يأخذ على الشعراء أشياء من هذا الفنّ، وينسبها فيه إلى الإفراط وتجاوز المقدار. وما أرى ذلك إلا جائزا حسنا على ما بيّنّاه من مذاهبهم.. كقول النابغة في وصف سيوف «١» : تقدّ السّلوقيّ المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفاح نار الحباحب ذكر أنها تقطع الدّروع التي هذه حالها، والفارس حتى تبلغ الأرض فتورى النار إذا أصابت الحجارة. وقول النّمر بن تولب في صفة سيف «٢» : تظلّ تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والسّاقين والهادي يقول: رسب في الأرض بعد أن قطع ما ذكر، واحتاج أن يحفر عنه ليستخرجه من الأرض. ومثله قوله مهلهل «٣» : ولولا الرّيح أسمع أهل حجر ... صليل البيض تقرع بالذّكور

стр. 109

وقال قيس بن الخطيم يصف طعنة «١» : ملكت بها كفّي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها وقال أيضا «٢» : لو أنّك تلقي حنظلا فوق بيضنا ... تدحرج عن ذي سامة المتقارب يقول: تراصّ القوم في القتال حتى لو أن ملقيا ألقى على بيضهم حنظلا لجرى عليها كما يجري على الأرض ولم يسقط لشدّة تراصفهم. و (عن) بمعنى (على) . وذو سامه: بيضه المذهب. والسّام: عروق الذّهب. وقول عنترة «٣» : وأنا المنيّة في المواطن كلها ... والطّعن منّي سابق الآجال وقال بشار «٤» : إذا ما غضبنا غضبة مضريّة ... هتكنا حجاب الشّمس أو قطرت دما وقال طريح الثقفي «٥» : لو قلت للسّيل: دع طريقك وال ... موج عليه بالهضب يعتلج

стр. 110

لارتدّ أوساخ أو لكان له ... في سائر الأرض عنك منعرج وقال ابن ميّادة «١» : ولو أنّ قيسا قيس عيلان أقسمت ... على الشّمس لم تطلع عليك حجابها وقال الطرمّاح «٢» : ولو أنّ حرقوصا على ظهر قملة ... يكرّ على صفّي تميم لولّت وقال آخر بذكر حديث امرأة «٣» : حديث لو أنّ اللّحم يصلى بحرّه ... غريضا أتى أصحابه وهو منضج وقال أبو النجم يذكر سيلا «٤» : كأنّ فوق الأكم من غثائه ... قطائف الشّام على عبائه والشّيح يهديه إلى طحمائه يقول: صار الجبل والسهل واحدا، وصار الغثاء على رؤوس الأكم. والطّحماء: شجر ينبت في الجبال. والشّيح ينبت في السّهول، فأراد أنّه حمل نبت السهل إلى الجبل. وقال وذكر ظليما يعدو ويطير «٥» : هاو تضلّ الطّير في خوائه والخواء: ما بين قوائمه وبطنه، وبين الأرض إذا عدا وطار. يريد أن الطير يطير بينه وبين الأرض حتى يضلّ. وقد يروى «٦» :
следующие страницы →