فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) [الزلزلة: ٧، ٨] كما قال: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ أي جزاء ما عملت من خير أو شر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ في هذه العقوبات، لأنّها مناسبة لأسبابها الواقعة منهم. وهاهنا أمور:
الأول:
نقل عن ابن عباس ﵄ أنّ قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ.. آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ «١» ، لأنه لما حجّ نزلت يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ.. «٢» [النساء: ١٧٦] ثم نزلت وهو واقف بعرفة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي.. «٣» [المائدة: ٣] ثم نزل: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ..
فقال جبريل ﵇: «يا محمد ضعها على رأس ثمانين آية ومائتي آية من البقرة» «٤» .
والثاني: قرأ أبو عمرو تُرْجَعُونَ بفتح التاء، والباقون بضمها، فبالفتح من رجع رجوعا، وهو لازم. وبالضم من رجعه إليه رجعا، وهو متعد، يصحّ بناؤه للمفعول.
الثالث: معنى رجوعهم إلى الله أنهم يرجعون إلى ما أعدّ لهم من ثواب أو عقاب وقيل: معناه أنهم يكونون في يوم البعث بحالة لا يتصرّف فيهم ظاهرا وباطنا إلّا الله تعالى، بخلاف حالتهم في الدنيا، فإنه يتصرف بعضهم في بعض بحسب الظّاهر.
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) التداين: تفاعل، مأخوذ من الدّين، وهو: التبايع بالدين.
стр. 177
وَلْيُمْلِلِ أي يملي، يقال أملّ إملالا إذا كان أملى إملاء.
مناسبة هذه الآية: إنّ الآيات السابقة بيّن الله فيها حكم التعامل بالربا، وشدّد في منعه، فأراد هنا أن يبيّن حالة المداينة الواقعة في المعاوضات الجارية فيما بينهم ببيع السلع بالدين المؤجل بطريقة تحفظ الأموال، وتصونها عن الضياع.
ويمكن أن يقال في المناسبة: إنّه لما بيّن فيما سبق أنّ الإنفاق في سبيل الله مطلوب، وهو يوجب نقص المال، وإن الربا محرّم، وهو يوجب نقص المال أيضا، أراد هنا أن يبيّن كيفية حفظ المال الحلال، وطريق صونه عن الضياع فقال:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ تبايعتم وتعاملتم نسيئة بِدَيْنٍ بما يصحّ فيه الأجل، كبيع سلعة حاضرة بنقود مؤجلة، أو بسلعة أخرى مؤجلة، وكبيع سلعة مؤجلة أي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى مع معرفة الجنس والنوع والقدر بثمن حالّ، وهو السلم، أي إذا تعاملتم ببدل مؤجل فَاكْتُبُوهُ فاكتبوا ما يدلّ على هذا التعامل، مع بيان الأجل بالأيام أو الأشهر أو غيرهما، بطريقة ترفع الجهالة، لا بمثل الحصاد والدياس مما لا يرفعها، لأنّ الكتابة أوثق في ضبط الواقع، وأرفع للنزاع.
ثم أراد أن يبيّن كيفية الكتابة، ويعيّن من يتولاها فقال: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ أي مأمون يكتب بِالْعَدْلِ: وهذا أمر للمتداينين باختيار كاتب فقيه متديّن يقظ، ليكتب بالحق، ويتحاشى الألفاظ المحتملة للمعاني الكثيرة والألفاظ المشتركة، ويوضّح المعاني، ويتجنّب خلاف الفقهاء.
ثم أوصى الكاتب، ونهاه عن الإباء. فقال: وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أي لا يمتنع أحد من الكتاب عن أَنْ يَكْتُبَ وثيقة الدين كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ على الطريقة التي علّمه الله في كتابة الوثائق، أي يكتب كتابة كالتي علمه الله، فالكاف صفة لموصوف محذوف.
أو المعنى: ولا يأب كاتب أن ينفع النّاس بكتابته، كما نفعه الله بتعلّم الكتابة، كما في قوله تعالى: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص: ٧٧] .
ثم قال: فَلْيَكْتُبْ أي تلك الكتابة المعلّمة، فهو توكيد للأمر المستفاد من قوله وَلا يَأْبَ كاتِبٌ إلخ. ويجوز أن يكون توكيدا للأمر الصريح في قوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ إلخ.
ثم أرشد الله تعالى إلى أن الذي يملي على الكاتب هو المدين، فإنّه المكلّف بأداء مضمون الكتابة، فاللازم أن تكون الكتابة كما يراه ويعلمه، ثم أوصاه بتقوى الله، وبألا ينقص من الحق الذي عليه شيئا حيث قال: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ أي لا ينقص مِنْهُ شَيْئاً.
ثم بيّن أنه فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أي ناقص العقل، مبذرا في ماله، أَوْ
стр. 178
ضَعِيفاً
بأن يكون صبيا أو مجنونا، أو شيخا كبيرا لا تساعده قواه العقلية على ضبط الأمور أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ أي يملي بنفسه، بأن كان أخرسا، أو جاهلا أو مصابا بالعمى فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ القيم عليه، أو وكيله بِالْعَدْلِ أي من غير زيادة ولا نقص.
وعبر هنا بصيغة العدل الشاملة لترك الزيادة والنقص، لأنّ المملي هنا يتصوّر منه الزيادة والنقص بمحاباة هذا أو هذا، بخلاف ما إذا كان المملي المدين، فإنّ المتصوّر منه النقص فقط.
ثم أرشد الله تعالى المتداينين إلى أمر آخر مفيد في ضبط الوقائع، وحفظ الأموال فقال: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ أي اطلبوا شهيدين ليحملا الشهادة، ويحفظا الواقع.
وقوله: مِنْ رِجالِكُمْ متعلق باستشهدوا، و (من) ابتدائية، أو متعلّق بمحذوف صفة لشهيدين، و (من) تبعيضية: أي من رجالكم المسلمين الأحرار، فإنّ الكلام في معاملاتهم. فَإِنْ لَمْ يَكُونا
الشهيدان رَجُلَيْنِ فليشهد رجل وامرأتان، أو فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ يكفون في الشهادة.
وشهادة النساء مع الرجال تجوز عند الحنفية في الأموال والطلاق والنكاح والرجعة والعتق، وكل شيء إلا الحدود والقصاص.
وعند المالكية تجوز في الأموال وتوابعها خاصة، ولا تقبل في أحكام الأبدان مثل الحدود، والقصاص والنكاح والطلاق، والرجعة، والعتق. مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ.
الجار الأول، متعلق بمحذوف صفة لرجل وامرأتان: أي كائنون مرضيين عندكم بعدالتهم، وهذا الوصف وإن كان في جميع الشهود، لكنه ذكره هنا للتشدد في اعتباره، لأنّ اتصاف النساء به قليل.
والجار الثاني متعلق بمحذوف حال من الضمير المفعول المقدّر في ترضون، العائد إلى الموصول: أي ممن ترضونهم حال كونهم من بعض الشهداء، لعلمكم بعد التّهم، وثقتكم بهم، وإدراج النساء في الشهداء للتغليب.
وتدل الآية على أن الشهادة نوعان: شهادة رجلين، وشهادة رجل وامرأتين، ولا ثالث لهما، ولهذا قال الحنفية: الشهادة قسمان فقط كما ذكرها الله في هذه الآية، ولم يذكر الشاهد واليمين فلا يجوز القضاء عندهم بالشاهد واليمين، لأنه حينئذ يكون قسما ثالثا للشهادة، مع أن الله لم يذكر لها إلا قسمين.
стр. 179
وقال المالكية والشافعية: يجوز القضاء بشاهد ويمين، لا باعتبار أن هذا قسم ثالث للشهادة، وإنما هو باعتبار أن القضاء باليمين وإسقاط الشاهد ترجيح لجانب المدّعي، وأما عدم ذكر ذلك في القرآن فلا يمنع مشروعيته والعمل به. يدل على ذلك أن القضاء عند الحنفية يجوز بالنكول، وهو قسم ثالث، ليس له في القرآن ذكر.
والضمير في قوله: مِنْ رِجالِكُمْ يعود إلى المخاطبين المسلمين، وهو دليل على أنه لا بد من إسلام الشهود، وهو مذهب مالك والشافعي، وأحمد وأجاز الحنفية قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض. لما
روي أنه ﵊ رجم يهوديين بشهادة اليهود عليهما بالزنى «١» .
ثم أراد تعليل اعتبار العدد في النساء فقال: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى أي إنما اعتبر التعدّد في شهادة النساء لما عسى أن تضلّ إحداهما، فتذكر إحداهما الأخرى. والعلّة في الحقيقة هي التذكير، ولكن الضلال لما كان سببا في التذكير، وكان الشأن في النساء الغفلة والنسيان، نزّل منزلة العلة، كما في قولهم:
أعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه، فإن العلّة هي الدفاع، ولما كان مجيء العدو سببا فيه نزّل منزلته، فهو علة حذف منها لام التعليل.
ويصح أن يكون مفعولا لأجله. أي إرادة أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إلخ.
ويقال في العلة الحقيقية هنا ما قيل في الوجه الأول، والضلال بمعنى النسيان.
وقرأ حمزة: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى بكسر أَنْ وجعلها شرطية مع رفع فتذكر، وتَضِلَّ فعل الشرط. وقوله: فَتُذَكِّرَ مرفوع بالضمة، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
ثم أوصى الشهود، ونهاهم عن الإباء عن الشهادة، كما نهى الكاتب عن الامتناع عن الكتابة فقال: وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا لأداء الشهادة، أو لتحمّلها، ورجّحوا الحمل هنا على التحمّل لأنه منهي عن كتمان الشهادة، أي بالامتناع عن الأداء بقوله:
وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وما زائدة ثم عاد إلى أمر الكتابة فأكّد طلبها حيث قال: وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ أي لا تملّوا من كتابة الدّين، أو الحقّ مهما كثرت معاملاتكم، سواء كان الدين أو الحق صَغِيراً أَوْ كَبِيراً فلا تسأموا من كتابته إِلى أَجَلِهِ أي حال كون الدين أو الحق مستقرا في الذمة إلى أجله، أي إلى وقت حلول الأجل الذي أقرّ به المدين ذلِكُمْ الذي أمرتكم به من الكتابة، والإشهاد
стр. 180
أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ أي أعدل في إصابة حكم الله تعالى، لأنّه متى كتب كان إلى اليقين أقرب، وعن الكذب أبعد، فكان أعدل عند الله.
والقسط: اسم، والإقساط مصدر، يقال: أقسط يقسط إقساطا إذا عدل، فهو مقسط، ومنه إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [المائدة: ٤٢] .
وأما قسط فهو بمعنى جار كما قال تعالى: أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥)
[الجن: ١٥] .
ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ أي أثبت لها، وأعون على إقامتها وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا أي أقرب إلى ارتفاع ريبكم في جنس الدّين ونوعه وقدره وأجله.
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها أي أنكم مأمورون بالكتابة إذا كان التعامل بالدين، لكن إن كانت معاملاتكم تِجارَةً حاضِرَةً بحضور البدلين، تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ أي تتعاملون بالبدلين يدا بيد فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ إثم في عدل الكتابة لبعده حينئذ عن التنازع.
وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ: أي إذا كان التعامل يدا بيد فلا بأس من عدم الكتابة، ولكن ينبغي الإشهاد على هذا التعامل، فإنّ اليد الظاهرة ربما لا تكون محقّة، فالإشهاد أحوط.
وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ أي لا يضارر- بالكسر- كاتب ولا شهيد بترك الإجابة، أو بالتغيير والتحريف في الكتابة والشهادة، أو لا يضار- بالفتح- كاتب إلخ.
أي لا يجوز للطالب أن يضارر- بالكسر- الكاتب والشهيد، بأن يقهرهما على الانحراف في الكتابة والشهادة، ويضغط عليهما للخروج عما حدّ لهما، وَإِنْ تَفْعَلُوا ما نهيتم عنه من الضرار، فَإِنَّهُ أي فعلكم هذا فُسُوقٌ بِكُمْ وخروج عن الطاعة، ملتبس بكم، أو وإن تفعلوا شيئا مما نهيتم عنه على الإطلاق فإنه فسوق إلخ.
وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما حذركم منه من الضرار، أو من ارتكاب شيء مما نهاكم عنه وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ما يصلح لكم أمر الدنيا، كما يعلّمكم ما يصلح أمر الدين وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لا يخفى عليه حالكم الظاهر والباطن، فهو يجازيكم بذلك وكرر لفظ الجلالة في الجمل الثلاثة لتربية المهابة في نفس السامع، وللإشارة إلى استقلال كل منهما بما هو مقصود منه.
وهاهنا أمور:
الأول: ذهب قوم إلى أن الكتابة والشهادة على الديون المؤجّلة واجبان بقوله فَاكْتُبُوهُ، وقوله: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ، ثم نسخ الوجوب بقوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ [البقرة: ٢٨٣] .
стр. 181
والجمهور على أن الكتابة والإشهاد مندوبان، وأنّ الأمر بهما للندب، فإنه لم ينقل عن الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار أنّهم كانوا يتشدّدون فيهما، بل كانت تقع المداينات والمبايعات بينهم من غير كتابة ولا إشهاد، ولم يقع نكير منهم، فدل ذلك على أنّ الأمر للندب، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة.
وإنما ندب الله تعالى إلى الكتابة والإشهاد في الديون المؤجلة، لحفظ ما يقع بين المتعاقدين إلى حلول الأجل، لأن النسيان يقع كثيرا في المدة التي بين العقد وحلول الأجل، وكذلك قد تطرأ العوارض: من موت أو غيره، فشرع الله الكتابة والإشهاد لحفظ المال وضبط الواقع.
الثاني: قال أكثر المفسرين: إن المبيعات على أربعة أوجه:
أحدها: بيع العين بالعين: كبيع الكتاب الحاضر بالنقد الحاضر.
والثاني: بيع الدين بالدين: كبيع أردب من القمح مثلا واجب في ذمته لزيد بإردبين من الشعير واجبين على زيد هذا للبائع الأول، وهذا البيع باطل منهيّ عنه، وكلاهما غير داخل في الآية.
والثالث: هو بيع العين بالدين: كبيع كتاب حاضر بثمن مؤجّل.
والرابع: بيع الدين بالعين، وهو السلم، وكلاهما داخل في الآية.
الثالث: قوله تعالى: فَاكْتُبُوهُ ليس المراد أن يكتبه المتعاقدان بأيديهما. وإنما المراد توصلوا إلى كتابة ما وقع، كما يدل عليه قوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ.
وقد اختلفوا في كتابة الكاتب، فقيل: إنها فرض كفاية، وقيل: فرض عين على الكاتب متى طلب منه، وكان في حال فراغه: وقيل: إنه ندب. والصحيح أنه أمر إرشاد، فيجوز له أن يتخلّف عن الكتابة حتى يأخذ أجره.
والاستثناء في قوله: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً منقطع: كما يدل عليه التقرير المتقدم، ويجوز أن يكون متصلا إن جعل استثناء من قوله إِذا تَدايَنْتُمْ إلى قوله: فَاكْتُبُوهُ أي إلا أن تكون تجارة حاضرة، أي الأجل فيها قصير، لا بمعنى حضور البدلين.
أو جعل استثناء من قوله: وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ إلخ أي إلا أن تكون تجارة حاضرة، أي الأجل فيها قصير.
قال الله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) .
الآية المتقدمة ترشد إلى الاحتياط في المبايعات الواقعة بالديون المؤجلة بكتابتها
стр. 182
والإشهاد عليها، والتمكّن من ذلك في الغالب يكون في الحضر.
أما في السفر فالغالب عدم التمكن من ذلك، فأرشد إلى الاحتياط في حالة السفر بالرهان، التي يستوثق بها في الحصول على المؤجل فقال: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ أي مسافرين، ولم تجدوا كاتبا يكتب الدين، فالذي يستوثق به رهان مقبوضة، وتعليق الرهان على السفر ليس لكون السفر شرطا في صحة الرهان، فإنّ التعامل بالرهان مشروع حضرا وسفرا، كما
ورد أنه ﵊ رهن درعه في المدينة من يهودي بثلاثين صاعا من شعير أخذه لأهله»
. وإنما علّق هنا على السفر لإقامة التوثق بالرهان مقام التوثق بالكتابة في السفر الذي هو مظنّة تعسّرها.
ووصف الرهن بكونه مقبوضا ظاهر في أنه ما لم يقبض لا يظهر وجه للتوثّق به، وكونه مقبوضا يستلزم كونه معينا مفرزا، ولهذا قال الحنفية: لا يجوز رهن المشاع بناء على هذا.
وقال المالكية: الرهن كالبيع، وبيع المشاع جائز، فرهن المشاع جائز أيضا، وقد اختلف الأئمة في أن القبض شرط لصحة الرهن أم لتمامه، فقال الحنفية والشافعية: إنه شرط صحة، تمسّكا بقوله تعالى: فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ وبما يظهر من مشروعية الرهن للتوثق، ولا توثق إلا بالقبض.
وقال المالكية والحنابلة: إنه شرط تمام، بمعنى أنّ الرهن يلزم بمجرّد العقد، ويجبر الراهن على الإقباض، ومتى قبض تمّ وكمل قياسا على سائر العقود، فإنها تلزم بمجرّد العقد. والرهان جمع رهن: بمعنى المرهون. وقرئ: فَرِهانٌ بضمتين، وهو جمع رهن أيضا.
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أي إن أمن بعض الدائنين بعض المدينين فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ في رعاية حقوق الأمانة فلا يجحدها، ولا يتأخر عن دفعها. فحيث إن الدائن عوّل على أمانته، ولم يطالبه بوثيقة ولا برهان، ينبغي للمدين أن يعامله بالحسنى.
وبَعْضاً مفعول لأمن، يقال: أمن فلان غيره إذا لم يخف خيانته. وعبّر بالذي أؤتمن بدل التعبير بالمدين للحث على الأداء، فإنّ التعبير عنه بهذه الصيغة مما يورطه ويدفعه إلى حسن الأداء وجميل المعاملة، وجمع بين الألوهية وصفة الربوبية في قوله: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ للمبالغة في التحذير من الخيانة التي تغضب إلهه المعبود بحق، وربّه الذي يربيه، ويلي شؤونه، ويدير مصالحه.
стр. 183
فالله تعالى جعل في هذه الآيات المبايعات على ثلاثة أقسام: بيع بكتابة وشهود، وبيع برهان مقبوضة، وبيع بالأمانة، فلما أمر في الآية الأولى بالكتابة والإشهاد، أشار في الآية الثانية إلى أنه ربما يتعذّر أمر الكتابة والإشهاد في حالة السفر، فذكر نوعا آخر من الاستيثاق: وهو الرهن الذي هو أبلغ في الاحتياط من الكتابة والإشهاد، وأوصي في النوع الثالث بما يليق به ثم قال: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ بعض المفسرين يرى أن هذه الجملة كالتأكيد لقوله: وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا مع ما فيها من زيادة تزعج الشاهد، وتحمله على أداء الشهادة وهي قوله: وَمَنْ يَكْتُمْها إلخ.
وأسند الإثم إلى القلب، لأن الكتمان مما اقترفه، كما يسند الزنى إلى العين والأذن بمثل هذا الاعتبار.
وبعض آخر من المفسرين يصحّح ارتباط هذه الجملة بقوله: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً على معنى أنه إذا أمن الدائن المدين، ولم يكتب، ولم يشهد، ولم يأخذ رهنا لحسن ظنه به، كان من الجائز أن يجحد المدين، وأن يخلف ظنّ الدائن، وكان من الجائز الذي يقع كثيرا أن يطّلع بعض الناس على هذه المعاملة. فهنا ندب الله تعالى من يطّلع على هذه المعاملة ليشهد للدائن بحقه، وحذّره من كتمان الشهادة، سواء أعرف صاحب الحق تلك الشهادة أم لم يعرف، وشدّد فيه بأن جعله آثم القلب إن كتمها، ويدل لصحة هذا المعنى ما
روي عنه ﷺ أنه قال: «خير الشّهود من شهد قبل أن يستشهد» «١»
. وآثِمٌ خبر إنّ، وقَلْبُهُ مرفوع به، ويجوز أن يكون قلبه مبتدأ، وآثِمٌ خبرا مقدما، والجملة خبر إنّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ فيجازيكم به إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فاحذروا من الإقدام على هذا الكتمان، وامتثلوا ما أمركم به، والله سبحانه أعلم. وصلّى الله على محمد وآله وصحبه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 184
من سورة آل عمران
قال الله تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)
بعد أن بيّن الله أنه واهب الملك، المعزّ المذلّ، القادر على جميع الأشياء في الدنيا والآخرة، حيث قال جلّ شأنه: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ [آل عمران: ٢٦] إلى آخره نبّه المؤمنين إلى أنّه لا ينبغي لهم أن يوالوا أعداءه، أو يستظهروا بهم لقرابة أو صداقة قديمة، بل ينبغي أن تكون الرغبة فيما عند الله تعالى وعند أوليائه دون أعدائه.
نزلت هذه الآية في قوم من المؤمنين كانوا يوالون رجالا من اليهود، فقال لهم رفاعة بن المنذر وابن جبير وسعد بن خيثمة: اجتنبوا هؤلاء اليهود، واحذروا لزومهم ومباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم، فأبوا النصيحة «١» .
وقيل نزلت في عبادة بن الصامت البدري النقيب، فقد كان له حلفاء من اليهود، فلما خرج النبي ﷺ يوم الأحزاب قال له عبادة: يا نبي الله إن معي خمسمائة من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي، فاستظهر بهم على العدو، فأنزل الله تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ.
لا ناهية، فالفعل مجزوم، أو نافية فالفعل مرفوع، وتكون الجملة خبرية في معنى النهي.
أَوْلِياءَ جمع ولي، وهو الناصر والمعين، فلا يركن المؤمنون إلى الكفار، ويستعينوا بهم لقرابة أو محبة مع اعتقاده بطلان دينهم، فإنّ ذلك منهيّ عنه، لأنّ الموالاة قد تجرّ إلى استحسان طريقتهم.
وفي هذا المعنى نزلت آيات كثيرة لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ [آل عمران: ١١٨] لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: ٢٢] لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [المائدة: ٥١] لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [الممتحنة: ١]
стр. 185
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [التوبة: ٧١] .
وأما الموالاة بمعنى المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر، مع عدم الرضا عن حالهم فذلك غير منهيّ عنه، والموالاة لهم بمعنى الرضا بكفرهم ومصاحبتهم لذلك كفر، لأنّ الرضا بالكفر كفر، فلا يبقى المرء مؤمنا، مع كونه بهذه الصفة.
مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ حال من الفاعل، أي متجاوزين المؤمنين إلى الكفار استقلالا أو اشتراكا. فالظرف لا مفهوم له، لأنّه لبيان الواقع، فقد ورد في قوم مخصوصين حصلت منهم الموالاة للكفار دون المؤمنين، وقيل: الظرف في حيّز الصفة لأولياء.
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الاتخاذ، وإنما عبّر بالفعل للاختصار، أو لإبهام الاستهجان بذكره، وجواب الشرط فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ وفي الكلام حذف مضاف، أي فَلَيْسَ مِنَ ولاية اللَّهِ فِي شَيْءٍ أو من دين الله، وتنوين شَيْءٍ للتحقير، وذلك لأنّ موالاة المتضادين لا تكاد توجد.
قال الشاعر:
تودّ عدوّي ثمّ تزعم أنّني ... صديقك، ليس النّوك عنك بعازب
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا استثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال، والعامل فيه لا يَتَّخِذِ فلا تتخذوهم أولياء في حال من الأحوال إلا حال اتقائكم.
وقيل: استثناء مفرّغ من المفعول لأجله، فالمعنى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء لشيء من الأشياء إلا للتقية مِنْهُمْ من جهتهم، تُقاةً مفعول به، أي شيئا يتّقى منه، فالجار والمجرور حال من تقاة، حيث تقدّم عليها، والمعنى:
إلا أن تتقوا شيئا يتّقى منه حاصلا من جهتهم، كالقتل وسلب المال مثلا أو تُقاةً بمعنى اتقاء، فتكون مفعولا مطلقا، وتُقاةً متعلقة به في مكان المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف للعلم به، وعدّي بمن، لأنه بمعنى خاف، فالمعنى إلا أن تخافوا منهم ضررا خوفا.
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ إي عقاب نفسه، وفي ذلك تهديد عظيم مشعر بتناهي الاتخاذ في القبح، حيث ربط التحذير بنفسه، لأنه لو حذف وقيل: ويحذركم الله، فإنه لا يفيد صدور العقاب من الله، بل يحتمل أن يكون منه تعالى، وأن يكون من غيره. فلمّا قال: نَفْسَهُ علم أنّه صادر منه تعالى، وذلك أعظم أنواع العقاب لكونه تعالى قادرا على ما لا نهاية له، ولا قدرة لأحد على رفعه أو منعه مما أراد.
وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ المرجع، والإظهار لتربية الروعة والمهابة في النفوس، والجملة مقررة لمضمون ما قبلها.
стр. 186
وفي الآية دليل على أنه لا يجوز الاستعانة بالكفار في الغزو، وإليه ذهب بعض المالكية، وقالت الحنفية والشافعية بالجواز، وأنه يسهم لهم في الغنيمة، لكن بشرط أن تكون الاستعانة على قتال المشركين لا البغاة،
وما ورد عن عائشة ﵂ من رد النبي ﷺ لرجل مشرك كان ذا جرأة ونجدة أراد أن يحارب مع النبي ﷺ يوم بدر وقال له: «ارجع فلن أستعين بمشرك» «١»
فمنسوخ، بدليل استعانته ﷺ بيهود قينقاع وقسمه لهم، واستعانته بصفوان بن أمية في هوازن «٢» .
وذكر بعضهم أنّ جواز الاستعانة مشروط بالحاجة والوثوق، أما بغيرهما فلا يجوز، وهو الراجح. وعلى ذلك يحمل خبر السيدة عائشة، وما كان من السبب الثاني للنزول، ويحصل به أيضا الجمع بين أدلة المنع وأدلة الجواز.
ومن الناس من استدلّ بالآية على أنه لا يجوز جعلهم عمّالا ولا خدما، ولا يجوز التعظيم والتوقير لهم في المجالس، والقيام عند قدومهم، فإنّ دلالته على التعظيم واضحة قوية.
وفي الآية أيضا دليل على مشروعية التقيّة، وعرّفوها: بالمحافظة على النفس أو العرض أو المال من شرّ الأعداء.
ولما كان العدوّ نوعين: عدوا كان الاختلاف في الدين سببا لعدوانه، والثاني ما ثبتت عداوته على الأغراض الدنيوية كالمال والمتاع والإمارة، كانت التقية قسمين:
أما القسم الأول: فكل مؤمن وجد في مكان لا يقدر فيه على إظهار دينه، فهذا تجب عليه الهجرة من ذلك المكان إلى مكان يستطيع إظهار دينه، بشرط ألا يكون من الصبيان أو النساء أو العجزة، فهؤلاء قد رخّص الله تعالى لهم فقال: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) [النساء: ٩٧، ٩٨] .
فإن كان من المستضعفين: وكان التخويف بالقتل ونحوه ممن يظنّ منهم أنهم يفعلون ما خوّفوا به، جاز المكث والموافقة ظاهرا بقدر الضرورة، مع السعي في حيلة للخروج والفرار بدينه.
والموافقة حينئذ رخصة، وإظهار ما في قلبه عزيمة، فلو مات فهو شهيد قطعا،
стр. 187
بدليل ما
يروى أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ فقال لأحدهما: أتشهد أنّ محمدا رسول الله؟ قال: نعم نعم نعم، ثم قال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم. فتركه. ثم دعا الثاني وقال: أتشهد أنّ محمدا رسول الله؟
قال: نعم، فقال له أتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصمّ، قالها ثلاثا، فضرب عنقه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «أمّا هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه، وأخذ بفضيلة فهنيئا له، وأمّا الآخر، فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه» «١» .
والقسم الثاني: من كانت عداوته بسبب المال والإمارة، وقد اختلف العلماء في وجوب هجرة صاحبه، فقال بعضهم: تجب، لقوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥] وبدليل النهي عن إضاعة المال. وبدليل
قوله ﷺ : «من قتل دون ماله فهو شهيد» «٢»
، وقال آخرون: لا تجب، لأنّها لمصلحة دنيوية، ولا يعود من تركها نقصان في الدين، ولكنّ المنصف يرى أن الهجرة قد تجب هنا أيضا إذا خاف هلاك نفسه أو أقاربه، أو هتك عرضه بالإفراط.
قال الله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧)
كان الكلام من أول السورة إلى هنا في إثبات نبوة محمد ﷺ ، مع إثبات التوحيد، ومحاجّة أهل الكتاب في ذلك، وفي بعض ما استحدثوا في دينهم.
وفي هذه الآيات وما قبلها يدفع الله شبهتين من شبههم.
قالوا: إذا كنت يا محمد على ملة إبراهيم والنبيين من بعده فكيف تستحل ما كان محرّما عليه وعليهم كلحم الإبل؟ أما وقد استبحت ما كان محرما عليهم فما يكون لك أن تدّعي أنك مصدّق لهم، وموافق في الدين، ولا أن تقول إنك أولى الناس بإبراهيم.
فرد الله هذه الشبهة بقوله: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ [آل عمران: ٩٣] وأنه لم يحرّم عليهم شيئا إلا ما كان عقوبة لهم، كما جاء في قوله: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء: ١٦٠] .
وأما الشبهة الثانية: فهي أنهم قالوا: إن الله وعد إبراهيم أن تكون البركة في
стр. 188
نسل ولد إسحاق، وجميع الأنبياء من ذرية إسحاق كانوا يعظّمون بيت المقدس، ويصلّون إليه، فلو كنت على ما كانوا عليه لعظّمت ما عظّموا، ولما تحوّلت عن بيت المقدس، وعظّمت مكانا آخر اتخذته مصلّى وقبلة، وهو الكعبة، فخالفت الجميع.
فردّ عليهم بقوله: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) وتقريره أنّ البيت الحرام الذي نستقبله في صلاتنا هو أول بيت للناس يعظّمونه، ويتعبدون الله فيه، بناه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام لأجل العبادة خاصّة، وقد قال إبراهيم: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [إبراهيم: ٣٧] .
ثم بنى سليمان بن داود ﵉ بيت المقدس بعد ذلك بعدة قرون.
فماذا فعل النبي ﷺ غير أن امتثل أمر ربّه، فرجع إلى قبلة أبيه إبراهيم، واتخذها مصلّى. وأوّلية البيت قيل: أولية شرف، وقيل: أولية زمان، ولا مانع من أن يكون كل منهما مرادا، فقد مرّ أن إبراهيم وإسماعيل هما اللذان بنيا البيت المحرّم للعبادة، ثم جاء سليمان وبنى بيت المقدس، فالأولية زمانية، وهي تستلزم أولية الشرف.
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أنه أول بيت وضع على الأرض بالنسبة للبيوت مطلقا، فقالوا: إن الملائكة بنته قبل خلق آدم، وأن بيت المقدس بني بعده بأربعين سنة.
روى البخاري ومسلم من حديث أبي ذر قال: سئل رسول الله ﷺ عن أول بيت وضع للناس؟ فقال: «المسجد الحرام، ثم بيت المقدس» فقيل: كم بينهما؟ قال:
«أربعون سنة» «١» .
وقد يقال: إنّ هناك تعارضا بين ما ذكرنا من أنّ بناء الكعبة كان قبل بناء بيت المقدس بعدة قرون، وأن الذي بناه إبراهيم، وبين ما روي من أن الذي وضعها الملائكة قبل بيت المقدس بأربعين سنة، وقد أجيب بأنّ الوضع غير البناء، وبأنه لعل الذي كان من إبراهيم وسليمان كان إعادة، ومعلوم أن بين إبراهيم وسليمان عدة قرون فلا منافاة.
لَلَّذِي بِبَكَّةَ بكة اسم لمكة كما روي عن مجاهد، وإبدال الميم باء كثير في كلامهم، وقيل: هو بطن مكة حيث الحرم.
مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ بيان لحاله الحسية الحسنة، والمعنوية الشريفة، وأما الأولى فهي ما ساق الله إليه من بركات الأرض، ومن ثمار كل شيء، ومن جميع الأقطار، مع
стр. 189
كونه بواد غير ذي زرع، وأما الثانية فهي جعل أفئدة الناس تهوي إليه، وتتعلّق به، ويأتون للحج والعمرة رجالا، وعلى كل ضامر من كل فج، وتولية وجوههم شطره في الصلاة، وأيّ ساعة تمرّ ليلا أو نهارا وليس فيها من يتجه إلى ذلك البيت يصلي!! فقد أجيبت دعوة إبراهيم على أتمّ وجه رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ.
وقد أشير إلى هاتين الحالتين في قوله تعالى حكاية عن المشركين: وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) [القصص: ٥٧] .
فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ فيه: أي البيت دلائل وعلامات ظاهرة لا تخفى على أحد: منها مقام إبراهيم أي موضع قيامه للصلاة والعبادة، فأيّ دليل أبين من هذا على كون هذا البيت أول بيت وضع ليعبد الناس فيه ربّهم؟ وإبراهيم هو أبو الأنبياء الذين بقي في الأرض أثرهم.
وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً آية ثانية على أنّ البيت الحرام حقيق بالتعظيم، فقد اتفقت قبائل العرب طرّا على احترام هذا البيت وتعظيمه بنسبته إلى الله، وقد اشتدّت مبالغة العرب في ذلك، حتى إن من كان قاتلا، واستباح حرماتهم، ولجأ إلى البيت فإنه يصير آمنا ما دام فيه.
مضى على هذا عمل الجاهلية مع ما بين أهلها من اختلاف المنازع، وتباين الأهواء والمشارب، وتعدّد المعبودات، وكثرة الأضغان والأحقاد، وقد أقرّ الإسلام هذه الميزة للبيت الحرام، وأما ما كان من المسلمين يوم فتح مكة فكان لضرورة تطهيره من الشرك، ولأجل أن يعبد الله وحده، ومع ذلك
فقد قال النبي ﷺ إنها حلّت له ساعة من النهار، ولم تحل لأحد قبله، ولن تحل لأحد بعده «١» .
على أنّ فتح مكة لم يؤثّر على أمر الحرم شيئا، لأنّ
النبي ﷺ أمر مناديه أن ينادي: «من دخل داره، وأغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن» «٢» .
هذا وقد اتفق الفقهاء على أنّ من جنى في الحرم فهو مأخوذ بجنايته، سواء أكانت في النفس أم فيما دونها.
واختلفوا فيمن جنى في غير الحرم، ثم لاذ إليه فقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن زياد إذا قتل في غير الحرم ثم دخل الحرم لم يقتصّ منه ما دام فيه،
стр. 190
ولكنه لا يجالس، ولا يعامل، ولا يؤاكل إلى أن يخرج منه، فيقتصّ منه، وإن كانت جنايته فيما دون النفس في غير الحرم، ثم دخل الحرم اقتصّ منه.
وقال مالك والشافعي: يقتصّ منه في الحرم لذلك كله، وقد روي عن ابن عباس، وابن عمر، وعبيد الله بن عمير، وسعيد بن جبير، وطاووس، والشعبي، فيمن قتل ثم لجأ إلى الحرم أنه لا يقتل.
قال ابن عباس: ولكنه لا يجالس، ولا يؤوى، ولا يبايع حتى يخرج من الحرم، فيقتل، وإن فعل ذلك في الحرم أقيم عليه الحدّ.
وروى قتادة عن الحسن أنه قال: لا يمنع الحرم من أصاب فيه أو في غيره أن يقام عليه، قال: وكان الحسن يقول: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً كان هذا في الجاهلية، لو أنّ رجلا جر كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتعرّض له حتى يخرج من الحرم. أما الإسلام فلم يزده إلا شدة، من أصاب الحد في غيره ثم لجأ إليه أقيم عليه الحد.
وروى هشام عن الحسن وعطاء قالا: إذا أصاب حدا في غير الحرم، ثم لجأ إلى الحرم أخرج عن الحرم، حتى يقام عليه، وروي مثل هذا عن مجاهد، وهذا يحتمل أن يراد به أن يقاطع، فلا يجالس، ولا يعامل، حتى يضطر إلى الخروج، فيقام عليه الحد.
وفيما عدا رواية الحسن فالاتفاق حاصل بين السلف من الصحابة والتابعين أن من دخله لاجئا إليه، وكان قد جنى في غيره أنه يقاطع حتّى يخرج فيقتص منه.
ومثل قوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: ٦٧] وقوله: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً [القصص: ٥٧] وقوله: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً [البقرة: ١٢٥] .
قال أبو بكر الرازي «١» : ولما عبّر الله تارة بالحرم وتارة بالبيت علم أنّ حكم الحرم حكم البيت في باب الأمن ومنع قتل من لجأ إليه.
ولمّا لم يختلفوا أنه لا يقتل من لجأ إلى البيت، لأنّ الله وصفه بالأمن فيه، وجب مثله في الحرم فيمن لجأ إليه.
هذا وقد فسّر بعض العلماء الأمن هنا بالأمن في الآخرة من العذاب، وروى في ذلك آثارا صحيحة، ولا مانع من إرادة العموم، بأن يفسّر بالأمن في الدنيا والآخرة.
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
стр. 191
لما ذكر الله فضائل البيت أردفه بذكر إيجاب الحج، وفي قوله: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وجوه من الإعراب لا نتعرض لذكرها.
والمعنى: أن الله جلت قدرته أوجب على عباده أن يحجوا إلى بيته متى تيسّر لهم الوصول إليه، ولم يمنعهم من الوصول إليه مانع، سواء أكان بدنيا أم ماليا أم بدنيا وماليا معا.
فالبدني كالمرض والخوف على النفس من العدو ومن السباع، وعلى الجملة ألا يكون الطريق مأمونا.
والمالي كفقد الزاد والراحلة إذا كان ممن يتعسّر عليهم الوصول إلى البيت إلا بزاد وراحلة، والذي يجمعها فاقد الزاد والراحلة، والمريض، أو الذي لا يأمن الطريق.
وقد اتفق الأكثرون على أنّ الزاد والراحلة شرطان داخلان في الاستطاعة، ويؤيد شرطيتهما ما رواه جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ أنه فسّر استطاعة السبيل بالزاد والراحلة.
فقد روى أبو إسحاق عن الحارث عن علي عن النبي ﷺ أنه قال: «من ملك زادا وراحلة تبلغه بيت الله، ولم يحجّ، فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا» «١»
وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
وروي عن ابن عمر قال سئل رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: قال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قال: «السبيل الزاد والراحلة» «٢» .
وروى عطاء عن ابن عباس قال: السبيل الزاد والراحلة، ولم يحل بينه وبينه أحد.
فأنت ترى من هذه الأخبار أن الزاد والراحلة من السبيل الذي ذكره الله تعالى، ومن شرائط وجوب الحج.
وقد يقول قائل: إنّ الله تعالى يقول: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وقد بيّن النبي ﷺ السبيل أنه الزاد والراحلة، فيلزم ألا يجب الحج على من كان بينه وبين البيت مسافة يسيرة، ويمكنه الذهاب إلى البيت ماشيا.
ولكنا نقول: إن الله لما قال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ وهو عامّ في القريب والبعيد، قد لا يتيسّر له الحج، قال: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا أي أنّ
стр. 192
الوجوب على المستطيع، واقتصار النبيّ ﷺ في البيان على الزاد والراحلة إنما كان للرد على من يزعم أنه يجب الحج على الناس مطلقا، ولو كانوا في بلاد نائية، ويقدرون على المشي، بدليل أنه لم يذكر عدم المرض وأمن الطريق مثلا، مع أنهما شرطان من شروط الاستطاعة اتفاقا، فالنبيّ ﷺ اقتصر على بيان بعض الحالات، والحالات الأخرى تؤخذ من عمومات أخرى، كقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥] وقوله: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨] .
ومعلوم أنّ شرط الزاد والراحلة إنما هو لئلا يشقّ عليه، ويناله ما يضره من المشي، فإذا كان من أهل مكة، أو ما قاربها، ويمكنه الوصول إليه دون مشقة، فهذا مستطيع، ويجب عليه الحجّ.
وإذا كان لا يصل إليه إلا بمشقة فهذا الذي خفّف الله عنه، ولم يلزمه الفرض حتى يكون مستطيعا إليه سبيلا: زادا وراحلة.
ويرى بعض العلماء أنّ وجود المحرم للمرأة من شرائط وجوب الحجّ مستدلا بما
روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي رحم محرم أو زوج» «١» .
وروي عن ابن عباس أنه قال: خطب النبيّ ﷺ فقال: «لا تسافر امرأة إلّا ومعها ذو محرم» .
فقال رجل: يا رسول الله إني قد اكتتبت في غزوة كذا، قد أرادت امرأتي أن تحجّ.
فقال ﵊: «احجج مع امرأتك» «٢» .
وهذا يدل على أن المرأة إذا أرادت الحجّ ليس لها أن تحج إلا مع زوج، أي ذي رحم محرم، من وجوه:
أحدها: أن السائل فهم من قوله:
لا تسافر ...
إلخ ذلك، ولذلك سأله عن امرأته التي تريد الحج ماذا يفعل، وقد اكتتب في الغزو؟ ولم ينكر النبي عليه ذلك.
وثانيها:
أن النبي ﷺ قال: حج مع امرأتك
وفي ذلك دلالة على أنه حين
قال: «لا تسافر امرأة ...
إلخ أراد ما يعم سفر الحج.
ثالثها: أنه أمره بترك الغزو وهو فرض للحج مع امرأته، ولو جاز لها الحج بغير محرم أو زوج لما أمره بترك الغزو.
стр. 193
وفي عدم سؤال النبي ﷺ للرجل عن حج امرأته أفرض هو أم تطوّع دليل على أنه لا فرق بين أن يكون الحج فرضا أو تطوعا.
وقد ورد في السنة ما يؤخذ منه باقي شروط الاستطاعة، كاستمساك من يجد الراحلة عليها.
هذا وقد اختلف في حج الفقير البعيد عن البيت الذي لا يجد الزاد والراحلة. إذا أمكنه المشي، فقال الشافعية والحنفية: لا حج عليه، وإن حج أجزأه ذلك عن حجة الإسلام.
وحكي عن مالك أن عليه الحج إذا أمكنه المشي، وروي عن ابن الزبير والحسن أن الاستطاعة ما تبلّغه كائنا ما كان.
وأنت ترى أن الآية بظاهرها،
وقوله ﷺ : «الاستطاعة الزاد والراحلة»
يدلان على أنّ لا حج عليه، غير أنه متى وصل إلى هناك في أشهر الحج، فكأنه صار من أهل مكة، فيكون حكمه كحكمهم، فإذا فعله أغناه ذلك عن الفرض.
وقد حكى الجصاص «١» الخلاف بين الحنفية والشافعية في العبد إذا حجّ، هل يجزئه أم لا؟
قال الشافعية: يجزئه، واستدلّ الشافعيّ بقياس العبد على الفقير، فإذا قلتم: إن الفقير إذا حجّ فقد أجزأه ذلك، وهو لا يجب عليه، فكذا العبد وأيضا العبد لا تجب عليه الجمعة، وإذا فعلها أجزأته عن الظهر، فكذا إذا فعل الحجّ.
واستدل الحنفية بما
روى أبو إسحاق عن الحارث عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : «من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله، ثمّ لم يحجّ فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا» «٢»
فعلم من ذلك أن شرط الحج ملك الزاد والراحلة، والعبد ليس أهلا للملك بحال، فلا يكون أهلا للخطاب بالحج بحال، فلم يجزئه حجّه، كما إذا حج الصبيّ، فإنه إذا بلغ مستكملا الشروط وجب عليه الحج.
وأجابوا عن القياس على الفقير بأن الفقير أهل لأن يملك، وقد يعرض الملك له في الطريق، فهو بهذه العرضية أهل في الجملة، فإذا وصل إلى مكة وهو لا يملك، فقد سقط هذا الشرط في حقه، لأنه صار من أهل مكة. وأما العبد فالمانع من خطابه رقّه، وهو إنما يفارقه بالعتق.
واستدلوا أيضا بما
روي عن جابر قال رسول الله ﷺ : «لو أن صبيا حجّ عشر حجج، لكانت عليه حجة إن استطاع إليها سبيلا» .
стр. 194
هذا ملخّص كلام الجصّاص.
ولكنّ المعروف في مذهب الشافعي أنّ العبد إذا حجّ لم تجزئه حجته عن حجة الإسلام إذا عتق.
ولعلّ خلاف الشافعي فيمن أحرم بالحج، ثم عتق وهو واقف بعرفة، أو قبل الوقوف بها فإن حجه يجزئه عن حجة الإسلام، خلافا لأبي حنيفة ومالك ﵄. أما إذا كان العتق بعد فوات الحج، فإنه لا يجزئه، قال النووي من الشافعية:
وهذا لا خلاف فيه عندنا، وبه قال العلماء كافة.
ثم إنّ الحج لا يجب إلا مرة واحدة، لأنّه ليس في الآية ما يوجب التكرار،
وقد روي عن ابن عباس أنّ الأقرع بن حابس سأل النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله الحجّ في كل سنة أو مرة واحدة فقال: «بل مرّة، فمن زاد فتطوع» «١» .
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ قيل: إنّ هذا الكلام مستقلّ بنفسه، وهو وعيد عام لكلّ من كفر بالله، ولا تعلّق له بما قبله.
وقيل: إنه متعلّق بما قبله، ومن القائلين بهذا من حمله على تارك الحجّ، ومنهم من حمله على من لم يعتقد وجوبه.
فأما الذين حملوه على تارك الحج فقد عوّلوا على ظاهر الآية، حيث أوجب الله الحجّ، ثم أتبعه بقوله: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ففهم منه أنّ هذا الكفر هو ترك ما تقدم، واستندوا إلى ما
ورد من قوله ﵊: «من استطاع ومات ولم يحجّ فليمت إن شاء يهوديا، وإن شاء نصرانيا» .
وعن سعيد بن جبير: لو مات جار لي وله ميسرة، ولم يحجّ لم أصلّ عليه.
وتأويل هذه الأخبار عند الجمهور أنّ الغرض منها التنفير من ترك الحجّ، والتغليظ على المستطعين، حتى يؤدّوا الفريضة، فهو نظير
قوله ﵊: «من أتى امرأة حائضا في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد» .
واستدلّ الأكثرون لمذهبهم بما
روي عن الضحاك في سبب النزول قال: لما نزلت آية الحجّ، جمع رسول الله ﷺ أهل الملل مشركي العرب والنصارى واليهود والمجوس والصابئين وقال: «إنّ الله كتب عليكم الحجّ فحجوا البيت»
فلم يقبله إلّا المسلمون، وكفرت به خمس ملل قالوا: لا نؤمن به ولا نصلي
стр. 195
إليه ولا نستقبله فأنزل قوله تعالى: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ.
قال الفخر الرازي: هذا القول هو الأقوى.
قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ دعاء عليهم بدوام الغيظ وزيادته بازدياد قوة الإسلام ونصرة أهله حتى يهلكوا به إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بما خفي فيها.
وهو يحتمل أن يكون من تتمة المقول لهم. أي قل لهم: إن الله عليم بما هو أخفى من عض الأنامل إذا خلوتم، فيجازي به.
ويحتمل أن يكون خارجا عن المقول لهم: أي قل لهم ما تقدم، ولا تتعجب من اطلاعي إياك على أسرارهم، فإني عليم بما خفي في ضمائرهم.
إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها المسّ هنا والإصابة بمعنى واحد والمراد بالحسنة هنا النفع الدنيوي: كالصحة، والخصب، والألفة، واجتماع الكلمة، والظفر بالأعداء. والمراد بالسيئة: المحنة كإصابة العدو من المسلمين واختلاف الكلمة فيما بينهم.
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً الكيد هو أن يحتال الإنسان ليوقع غيره في مكروه، وفسره ابن عباس هنا بالعداوة.
والمعنى: أن من صبر على الطاعة واتّقى ما نهى الله عنه كان في حفظ الله، فلا يضره كيد الكائدين، ولا حيل المحتالين، وتحقيق ذلك أنّ الله إنما خلق الخلق للعبادة كما قال: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) [الذاريات: ٥٦] فمن وفّى بعهده العبودية في ذلك فالله أكرم من أن لا يفي بعهد الربوبية في حفظه من كل مكروه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق: ٢، ٣] .
إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ إطلاق لفظ محيط على الله تعالى مجاز، لأن الإحاطة بالشيء من صفات الأجسام، لكنه تعالى لما كان عالما بكل الأشياء، قادرا على كل الممكنات جاز في مجاز اللغة أنّه محيط بها.
والمراد أن جميع أعمالهم معلومة لله تعالى، وسيجازيهم عليها.
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) .
المراد من أكل الربا أخذه، وعبّر به لما أنّه معظم ما يقصد به، ولشيوعه في المأكولات، والأضعاف جمع ضعف، وضعف الشيء مثله معه، وضعفاه مثلاه معه. فإذا قيل: ضعف العشرة لزم أن تجعلها عشرين، لأنّ العشرين أول مراتب تضعيفها. ولو قال:
стр. 196
له عندي ضعف درهم لزمه درهمان، وله عندي ضعفا درهم لزمه ثلاثة دراهم.
كان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم إلى أجل، فإذا حل الأجل، ولم يكن المدين واجدا لذلك المال، قال: زد في المال وأزيدك في الأجل، فربما جعله مائتين، ثم إذا حل الأجل الثاني، فعل مثل ذلك، إلى آجال كثيرة، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها. فهذا هو المراد من قوله تعالى: أَضْعافاً مُضاعَفَةً وليست هذه الحال لتقييد المنهيّ عنه: حتى يكون أصل الربا غير منهي عنه، بل لمراعاة الواقع، وللتشنيع عليهم، بأن في هذه المعاملة ظلما صارخا، وعدوانا مبينا، واحتجّ بهذا نفاة مفهوم المخالفة، القائلون بأن المخصوص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه.
وأجيب بأنّ من شرط مفهوم المخالفة ألا يكون للمذكور فائدة غير التخصيص بالحكم، ومتى ظهرت له فائدة سوى التخصيص بالحكم بطل وجه دلالته عليه، والوصف بالتضعيف قد ذكر هنا لبيان الواقع كما تقدم، فظهرت له فائدة غير التخصيص بالحكم، فانتفى شرط العمل بمفهوم المخالفة هنا لذلك.
وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما نهيتم عنه، ومن جملته أكل الربا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ لكي تفلحوا، أو راجين الفلاح، فمن أكل الربا ولم يتق الله لا يرجى فلاحه، وهذا تنصيص على أن الربا من الكبائر لا من الصغائر.
وَاتَّقُوا النَّارَ أي احذروها بالتحرّز عن أكل الربا المفضي إلى دخول النار، الَّتِي أُعِدَّتْ هيئت لِلْكافِرِينَ النار مخلوقة للكافرين معدّة لهم أولا وبالذات وغيرهم من عصاة المؤمنين يدخلها على وجه التبع، وفي ذلك إشارة إلى أن أكلة الربا على شفا حفرة الكافرين. روي عن أبي حنيفة ﵁ أنه كان يقول: إن هذه الآية هي أخوف آية في القرآن، حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدّة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه.
وتدل هذه الآية على أن النار مخلوقة الآن، لأنّ قوله تعالى: أُعِدَّتْ إخبار عن الماضي، فلا بد أن يكون ذلك الشيء المعدّ قد دخل في الوجود.
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) لمّا ذكر الوعيد ذكر الوعد بعده على ما هو العادة المستمرّة في القرآن الكريم.
стр. 197
من سورة النساء
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١)
قوله جلّ شأنه: وَبَثَّ مِنْهُما معناه: نشر، وفرّق منهما على سبيل التناسل والتوالد. وقوله: تَسائَلُونَ بِهِ معناه: يسأل بعضكم بعضا به، مثل: أسألك بالله، وأنشدك الله، والمفاعلة على ظاهرها، أو بمعنى تسألون كثيرا. الرقيب: الحفيظ المطلع العالم.
يأمر الله المكلّفين جميعا بامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، مما يتعلّق بحقوقه، وحقوق عباده، ويتناول ذلك بعمومه ما سيذكر في السورة بعد من صلة الأرحام، ورعاية حال الأيتام والعدل في النكاح والميراث، إلى غير ذلك.
ولقد أكّد الله الأمر بالتقوى بما يحمل المخاطبين على الامتثال، فذكر اسمه بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين، ووصف نفسه بأنه خالقهم، وأنّ مبدأ خلقهم نفس واحدة، وأنه خلق منها زوجها، ونشر من الزوجين رجالا كثيرا ونساء، كلّ ذلك بما يؤيد الأمر، ويؤكّد إيجاب الامتثال، فإنّ الاستعمال جار على أن الوصف الذي علّق به الحكم علة موجبة له، وداعية إليه، ولا شك أنّ ما ذكر يدلّ على القدرة القاهرة، والنعمة الجسيمة، والمنة العظيمة، والقدرة توجب التقوى حذرا من العقاب، والنعمة تدعو إليها طلبا للمزيد، ووفاء بالشكر الواجب.
وفي الامتنان بخلقنا من نفس واحدة ما يوجب الحرص على امتثال الأوامر الآتية، فإنه جلّ شأنه ذكر عقيب الأمر بالتقوى الأمر بالإحسان إلى اليتامى والنساء والضعفاء، وكون الناس بأسرهم مخلوقين من نفس واحدة له أثر في هذا المعنى بليغ، ذلك لأنّ الأقارب لا بد أن يكون بينهم نوع مواصلة ومخالطة توجب مزيد المحبة، ألا ترى أن الإنسان يفرح بمدح أقاربه وأسلافه، ويحزن بذمهم والطعن فيهم،
وقد قال ﵊: «إنما فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها، وينصبني ما أنصبها» «١»
стр. 198
وإذا كان الأمر كذلك فلا جرم إن كان ذكر هذا المعنى سببا في زيادة الشفقة والحنوّ على اليتامى والنساء وذوي الأرحام.
والمراد من النفس الواحدة آدم ﵇، والذي عليه الجماعة من الفقهاء والمحدثين أنه ليس سوى آدم واحد، وهو أبو البشر، والمراد من الزوج حوّاء، وقد خلقت من ضلع آدم ﵇، وأنكر أبو مسلم خلقها من الضلع، لأنه قادر على خلقها من التراب، فأي فائدة في خلقها من الضلع، وزعم أنّ معنى مِنْها من جنسها، على حد قوله تعالى: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً [الشورى: ١١] وهو باطل، إذ لو كان الأمر كما قال. لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة، وهو خلاف النص.
وهو أيضا خلاف ما نطقت به الأخبار الصحيحة عن رسول الله ﷺ ،
روى الشيخان: «استوصوا بالنساء خيرا، فإنهنّ خلقن من ضلع، وإنّ أعوج شيء من الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنّساء خيرا» «١»
وقدرة الله على خلق حواء من تراب لا تمنع عن خلقها من غيره. فقد خلق الناس بعضهم من بعض، مع القدرة على خلقهم كآدم من تراب، ولعلّ الفائدة في خلق حواء من ضلع آدم- سوى الحكمة التي خفيت علينا- إظهار أنه سبحانه قادر على أن يخلق حيا من حي، لا على سبيل التوالد، كما أنه قادر على أن يخلق حيا من جماد كذلك، والله أعلم.
ثم أكد الله الأمر بالتقوى، وكرّره بقوله جل شأنه: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ وفي تعليق الحكم بما في حيز الصلة إشارة إلى نوع آخر من موجبات الامتثال، فإنّ قول الرجل لصاحبه أسألك بالله على سبيل الاستعطاف يقتضي الاتقاء والحذر من مخالفة أوامره ونواهيه.
قرأ غير حمزة من السبعة وَالْأَرْحامَ بالنصب، والمعنى على هذه القراءة، واتقوا الله تعالى واتقوا الأرحام وصلوها ولا تقطعوها، فإن قطعها مما يجب أن يتّقى.
وقرأ حمزة وَالْأَرْحامَ بالجر، وخرّجت في المشهور على العطف على الضمير المجرور، والعطف على الضمير المجرور دون إعادة الجارّ أجازه جماعة من النحاة وأنشد سيبويه في ذلك:
فاليوم قد بتّ تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب
стр. 199
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً في موضع التعليل للأمر ووجوب الامتثال يؤخذ من هذه الآية جواز المسألة بالله تعالى،
وقد روى الليث عن مجاهد عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ : «من سأل بالله فأعطوه وإن شئتم فدعوه» .
ويؤخذ منها أيضا تعظيم حقّ الرّحم، وتأكيد النهي عن قطعها، إذ قرن الله الأرحام باسمه سبحانه، وقال في موضع آخر: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) [محمد: ٢٢] فقرن قطع الرحم إلى الفساد في الأرض،
وأخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله تعالى خلق الخلق حتّى إذا فرغ منهم، قامت الرّحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أنّ أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك» «١» .
وتدل الآية أيضا على تقدير التساؤل بالأرحام، لا سيما على قراءة حمزة:
واعترض على ذلك ابن عطية، وزعم أن الحديث الصحيح يردّه،
فقد أخرج الشيخان عنه ﷺ : «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» «٢»
وأنت تعلم أنّ قول الرجل لصاحبه: أسألك بالرحم أن تفعل كذا، ليس الغرض منه سوى الاستعطاف والتأكيد، فهو إذا ليس بيمين، فلا يكون من متعلّق النهي الذي تضمّنه الأمر «فليحلف بالله» في شيء.
قال الله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢) هذا شروع في تفصيل ما تجب تقوى الله فيه، والخطاب للأوصياء، ما دام المال بأيديهم، واليتامى في حجورهم، واليتيم من الإنسان من مات أبوه، من اليتم وهو الانفراد، والاشتقاق يقتضي صحة إطلاقه على الصغار والكبار، لكنّ الشرع والعرف خصصاه بالصغار،
روى علي كرم الله وجهه وجابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يتم بعد احتلام» «٣» .
لا خلاف بين أهل العلم في أنّ اليتيم لا يعطى ماله قبل البلوغ، لكنّ ظاهر قوله
стр. 200
تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ يوجب إعطاءهم أموالهم قبل البلوغ، فكان ذلك مشكلا، وللعلماء فيه محملان:
الأول: أن يجعل إيتاء الأموال مجازا عن تركها سالمة من غير أن يتعرّض لها بسوء، فالإيتاء مستعمل في لازم معناه، وتبقى كلمة الْيَتامى على حقيقتها، كما هو المتبادر منها شرعا وعرفا.
والمحمل الثاني: أن يكون الإيتاء مستعملا في حقيقته بمعنى الإعطاء بالفعل، وتكون كلمة الْيَتامى مجازا باعتبار ما كان، وأوثر التعبير عن الكبار باليتامى لقرب العهد بالصّغر، وللإشارة إلى وجوب المسارعة والمبادرة بدفع أموالهم إليهم، حتى كأنّ اسم اليتم باق غير زائل، وهذا المعنى يسمى في الأصول بإشارة النص.
ولكل من المحملين ما يؤيده:
فحجة الأول: قوله تعالى بعد آيات وَابْتَلُوا الْيَتامى إلخ فإنه كالدليل على الآية الأولى في الحث على حفظ أموال اليتامى، لتدفع إليهم عند بلوغهم ورشدهم، وأنّ الآية الثانية في الحث على الدفع الحقيقي عند حصول البلوغ والرشد، ولو كان الإيتاء في الآية الأولى باقيا على حقيقته لكان مؤدى الآيتين كالشيء الواحد.
وحجة المحمل الثاني: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه، فخاصمه إلى النبي ﷺ . فنزلت وَآتُوا الْيَتامى إلخ فإن ذلك يدلّ على أن المراد بالإيتاء الإعطاء بالفعل، ولا سيما أنه قد روى الثعلبي «١» والواحدي عن مقاتل والكلبي «٢» أن العمّ لما سمعها قال: أطعنا الله ورسوله، نعوذ بالله من الحوب الكبير «٣» .
وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ تبدّل الشيء بالشيء، واستبدله، إذا أخذ الأوّل بدل الثاني، بعد أن كان حاصلا له، أو على شرف الحصول، ويتعدّيان أبدا إلى الزائل بالباء، وإلى بدله بأنفسهما كما هنا، ومنه قوله تعالى: وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ [البقرة: ١٠٨] وقوله: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [البقرة: ٦١] .
وأما التبديل أو الإبدال فهو التغيير مطلقا، وقد يتعدّى إلى مفعول واحد، فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ [البقرة: ١٨١] وإلى مفعولين بنفسه فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [الفرقان: ٧٠]
стр. 201
فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ [الكهف: ٨١] وإلى أحد المفعولين بنفسه والثاني بالباء سواء في ذلك الزائل وبدله، وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ [سبأ: ١٦] .
وقال طفيل الغنوي لما أسلم:
وبدل طالعي نحسي بسعدي
والمراد بالخبيث والطيب: الحرام والحلال، أي لا تتركوا مالكم الحلال، وتأكلوا الحرام من أموالهم، أو لا تتركوا العمل الحلال، وهو حفظ أموالهم، وتركبوا الحرام، وهو أكل أموالهم، والعمل على اختزالها، وأيا ما كان الأمر فالتعبير عن الحرام والحلال بالخبيث والطيب للتنفير من أكل أموال اليتامى، والترغيب في حفظها وإنمائها.
وقد قال بعض المفسرين: المراد بالخبيث والطيب الرديء والجيّد، وإلى ذلك ذهب النخعي، والزهري، وابن المسيب، والسدي: فقد أخرج ابن جرير «١» عنه أنه قال: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم، ويجعل مكانها الشاة المهزولة ويقول: شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجيد، ويضع مكانه الزائف، ويقول: درهم بدرهم. وتخصيص هذه المعاملة بالنهي لخروجها مخرج العادة، لا لإباحة ما عداها، فلا مفهوم لعدم توفّر شرطه عند القائل به.
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ والمراد من الأكل مطلق الانتفاع، وعبّر عنه بالأكل لأنه أغلب أحواله.
والمعنى: ولا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم، أي لا تسوّوا بينهما، وتنفقوهما معا، وهذا حلال وذاك حرام، وورد النهي على هذا الأسلوب يدل على تقبيح فعلهم، والتشنيع عليهم، حيث كانوا يأكلون أموال اليتامى مع الغنى عنها.
وإذا لا يلزم القائل بمفهوم المخالفة جواز أكل أموالهم وحدها، وظاهر النهي عدم جواز أكل شيء من أموال اليتامى، وقد خص من ذلك مقدار أجر المثل إذا كان الوصيّ فقيرا، لقوله تعالى: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [النساء: ٦] وسيأتي الكلام فيه.
والضمير في قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً للأكل المفهوم من قوله جل شأنه:
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ، وقيل: للتبدل، وقيل: لهما، ويكون حينئذ منزّلا منزلة اسم الإشارة، والحوب: الإثم، وفي تنوينه ووصفه بأنه كبير تهويل لأمره المنهيّ عنه، والتنصيص على أنه من كبائر الذنوب العظيمة.
стр. 202
واحتجّ الجصاص «١» بقوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ على وجوب دفع المال إلى اليتيم إذا بلغ خمسا وعشرين سنة، قال: لم يشترط في هذه الآية إيناس الرشد في دفع المال إليهم، وظاهره يقتضي وجوب دفعه إليهم بعد البلوغ، سواء آنسنا منهم الرشد، أو لم نأنس، إلا أنه قد شرطه في قوله تعالى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [النساء: ٦] فكان ذلك مستعملا عند أبي حنيفة ما بين بلوغ الحلم وبين خمس وعشرين سنة، فإذا بلغها، ولم يأنس منه رشد، وجب دفع المال إليه، لقوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ فيستعمله بعد خمس وعشرين سنة على مقتضاه وظاهره، وفيما قبل ذلك لا يدفعه إلا مع إيناس الرشد، لاتّفاق أهل العلم على أنّ إيناس الرشد قبل بلوغ هذه السن شرط وجوب دفع المال إليه، يعني ولا إجماع على هذا الشرط بعد بلوغ هذه السن، ثم قال: وهذا وجه سائغ من قبل أنّ فيه استعمال كلّ واحدة من الآيتين على فائدتها، ومقتضى ظاهرها، ولو اعتبرنا إيناس الرشد على سائر الأحوال لكان فيه إسقاط حكم الآية الأخرى رأسا، ومعلوم أنّه متى أمكننا استعمال الآيتين على فائدتهما لم يجز الاقتصار بهما على إحداهما وإسقاط فائدة الأخرى.
وأنت تعلم أنّ هذا الاستدلال متوقف على أنّ المراد بالإيتاء الإعطاء والدفع بالفعل، وأنّ المراد باليتامى اليتامى باعتبار ما كان، وهو أحد احتمالين في الآية على ما سبق، ونحن نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية الاحتمال الثاني، وهو أنّ الإيتاء مستعمل في الحفظ والصيانة، واليتامى باق على حقيقته، وحينئذ يكون في هذا التأويل إعمال كلّ من الآيتين على فائدتها، ولو سلمنا قصر الآية على الاحتمال الأول، فالتعارض بينها وبين قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى إلخ وقوله جل شأنه: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ تعارض الخاصّ مع العام، لأنّ الآية الأولى توجب دفع المال إلى اليتامى كلهم، والآيتان بعدها تحرّمان دفع المال إليهم إذا كانوا سفهاء، ولا شكّ أنّ الخاص مقدّم على العامّ، وسيأتي الكلام في وجه اختيار هذه السن عند قوله تعالى:
فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [النساء: ٦] .
قال الله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا (٣) المراد من الخوف العلم، عبّر عنه بذلك إيذانا بكون المعلوم مخوفا محذورا، والإقساط: الإنصاف والعدل، أقسط أزال القسوط: وهو الظلم والحيف، ويقال:
أقسط: أي صار ذا قسط، والقسط العدل.
стр. 203
كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [النساء: ١٣٥] ما طاب: ما مالت إليه نفوسكم واستطابته.
وفي قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ تأويلات منها: ما رواه البخاريّ ومسلم والنسائي والبيهقي في «سننه» وغيرهم عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة ﵂، عن هذه الآية فقالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليّها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصّداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ «١» .
وفي بعض الروايات «٢» هذه الزيادة: قالت عائشة ﵂: ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ [النساء: ١٢٧] قالت: وقوله تعالى: وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ المراد منه هذه الآية: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ.
والمعنى على هذه الرواية: وإن علمتم ألا تعدلوا في نكاح اليتامى اللاتي تلونهنّ، فانكحوا ما مالت إليه نفوسكم من النساء غيرهنّ.
والمقصود في الحقيقة النهي عن نكاح اليتامى عند خوف عدم العدل، إلا أنه أوثر التعبير عنه بالأمر بنكاح الأجنبيات كراهة النهي الصريح عن نكاح اليتيمات، ولما فيه من مزيد اللطف في صرف المخاطبين عن نكاح اليتامى حال العلم بعدم العدل، فكأنه قيل: وإن خفتم ألا تقسطوا في نكاح اليتامى فلا تنكحوهن، ولكم في غيرهن من النساء متسع، فانكحوا ما طاب لكم.
ومنها أنه لما نزلت آية وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ تحرّج الأولياء من ولايتهم، مع أنّهم كانوا لا يتحرّجون من ترك العدل في حقوق النساء، حيث إن تحت الرجل عشر منهن لا يعدل بينهن فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم، فخافوا أيضا ترك العدل بين النساء، وقلّلوا عدد المنكوحات منهن، لأنّ من تحرّج من ذنب وهو مرتكب مثله فهو غير متحرج.
стр. 204
وقيل: كانوا لا يتحرّجون من الزنى، وهم يتحرّجون من ولاية اليتامى، فقيل:
إن خفتم الحوب في حق اليتامى فخافوا الزنى فانكحوا ما طاب إلخ.
والآية على تأويل عائشة تشهد لمن قال: إنّ لغير الأب والجد أن يزوّج الصغيرة أو يتزوجها، لأنها- على هذا التأويل- نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في مالها وجمالها، ولا يقسط لها في الصداق.
وأقرب وليّ تكون اليتيمة في حجره ويجوز له تزوجها هو ابن العم، فقد تضمّنت الآية جواز أن يتزوّج ابن العم اليتيمة التي في حجره، وإذا جاز له أن يتزوجها، فإمّا أن يلي هو النكاح بنفسه، وإمّا أن يزوجه إياها أخوها مثلا، وأيا ما كان الأمر فلغير الأب والجد أن يزوّج الصغيرة.
ومن قال من الأئمة: لا يزوّج الصغيرة إلا الأب أو الجد، يحمل الآية على أحد التأويلين الآخرين، أو يحمل اليتامى على الكبار منهنّ، ويكون التعبير عنهنّ باليتامى باعتبار ما كان، لقرب عهدهن باليتم.
والأمر في قوله تعالى: فَانْكِحُوا للإباحة، مثل قوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا [البقرة: ٦٠] وقيل: للوجوب، أي وجوب الاقتصار على العدد المأخوذ من قوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ لا وجوب أصل النكاح، وتمسك الظاهرية بهذه الآية في وجوب أصل النكاح، وهم محجوجون بقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا إلى قوله تعالى: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ [النساء: ٢٥] فحكم تعالى بأنّ ترك النكاح في هذه الصورة خير من فعله، فدلّ ذلك على أنه ليس بمندوب فضلا عن أنه واجب.
وقوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ حال من فاعل طابَ أو من مرجعه، أو بدل منه، والكلمات الثلاث من ألفاظ العدد، وتدلّ واحدة منها على المكرّر من نوعها، ف مَثْنى تدل على اثنين اثنين، وثُلاثَ تدل على ثلاثة ثلاثة، ورُباعَ تدل على أربعة أربعة. والمراد منها هنا الإذن لكل من يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد المذكور متفقين فيه ومختلفين.
ولو أفردت كان المعنى تجويز الجمع بين هذه الأعداد دون التوزيع، ولو ذكرت (بأو) لذهب تجويز الاختلاف في العدد، وفي هذه الآية دلالة على جواز تعدد الزوجات إلى أربع، وعلى أنه لا يجوز التزوّج بأكثر من أربعة مجتمعات، لأنّ هذا العدد قد ذكر في مقام التوسعة على المخاطبين كما علمت، فلو كان وراء هذا العدد مباح لا قتضى المقام ذكره.
وقد أجمع فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع، ولا يقدح في هذا الإجماع ما ذهب إليه بعض المبتدعة من جواز التزوّج بأي عدد، فإنّ الإجماع قد
стр. 205
وقع، وانقضى عصر المجمعين قبل ظهور هؤلاء الشّذاذ المخالفين.
وتمسّك الإمام مالك بظاهر هذه الآية في مشروعية نكاح الأربع للأحرار والعبيد، فالعبيد داخلون في الخطاب بقوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ إلخ. فيجوز لهم أن ينكحوا أربعا كالأحرار، ولا يتوقف نكاحهم على الإذن، لأنهم يملكون الطلاق، فيملكون النكاح.
وذهب الحنفية والشافعية إلى أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين، لما روى الليث عن الحكم قال: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين، قالوا: والخطاب في قوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ لا يتناول العبيد، لأنه إنما يتناول إنسانا متى طابت له امرأة قدر على نكاحها، والعبد ليس كذلك، لأنه لا يجوز نكاحه إلا بإذن مولاه،
لقوله ﷺ : «أيّما عبد تزوّج بغير إذن مولاه فهو عاهر» «١»
، ولأن في تنفيذ نكاحه تعييبا له، فلا يملكه دون إذن المولى.
وأيضا قوله تعالى بعد: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ لا يمكن أن يدخل فيه العبيد، لعدم الملك، فحيث لم يدخلوا في هذا الخطاب لم يدخلوا في الخطاب الأول، لأن هذه الخطابات وردت متتالية على نسق واحد، فبعيد أن يدخل في الخطاب السابق ما لا يدخل في اللاحق.
وكذلك لا يمكن دخولهم في قوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [النساء: ٤] والعبد لا يأكل ما طابت عنه نفس امرأته من المهر، بل يكون لسيده فيكون الآكل السيّد لا العبد.
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا المراد بالعدل هنا العدل بين الزوجات المتعددات، كما صرّح بذلك في قوله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ [النساء: ١٢٩] كأن الله تعالى لما وسّع عليهم بقوله: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ أنبأهم أنه قد يلزم من الاتساع خوف الميل، فالواجب حينئذ أن يحترزوا بالتقليل، فيقتصروا على الواحدة، والمعنى: فإن خفتم ألا تعدلوا بين النساء المتعددات في عصمتكم، كما خفتموه في حق اليتامى، فاختاروا أو فالزموا واحدة، أو أي عدد شئتم من السراري من غير حصر، لقلّة تبعتهنّ، وخفّة مؤونتهنّ، وعدم وجوب القسم فيهنّ.
وعلى هذا التأويل: يكون المراد من اختيار الإماء اختيارهن بطريق التسرّي، لا
стр. 206
بطريق النكاح، ويشهد له أن الظاهر اتحاد المخاطبين في المعطوف والمعطوف عليه في قوله تعالى: فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وعليه يكون الذي خيّر بين الحرة الواحدة والعدد من الإماء هو مالك الإماء لا غير، ولو كان التخيير واقعا بين أن يتزوج حرّة واحدة، أو يتزوج من شاء من الإماء اللاتي يملكهنّ لاقتضى ذلك ورود النكاح على ملك اليمين.
وقد قالوا: لا يجوز أن يتزوّج المولى أمته، ولا المولاة عبدها، لأنّ للزوجية لوازم تنافي لوازم ملك اليمين، ألا ترى أنّ من لوازم الزوجية حقّ الإخدام على الزوج لزوجته، ومن لوازم الملك حق الاستخدام عليها لسيدها ولمن شاء، ومعلوم أن الإخدام والاستخدام لا يجتمعان- وأنه متى تنافت اللوازم تنافت الملزومات، فلا يجتمع ملك اليمين والزوجية، والآية هنا جارية في الخطاب على خلاف ما جرت عليه الآية الآتية، وهي قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [النساء: ٢٥] فإن المأمورين بالنكاح هنا غير المخاطبين بملك اليمين.
وذلك ظاهر بشهادة قوله: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ وقوله بعد: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ [النساء: ٢٥] وسيأتي عما قريب إيضاح ذلك إن شاء الله.
وقد حاول الجصاص «١» الاستدلال بقوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ على جواز التزوّج بالأمة مع وجود الطول إلى الحرة، وسلك بالآية طريقا لم يرتضه جمهور المفسرين.
وذلك أنه يرى أنّ قوله تعالى: أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ معطوف على كلمة النِّساءِ في قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ وبذلك يكون التخيير واقعا بين أربع حرائر وأربع إماء: بعقد النكاح، فيوجب ذلك تخييره بين تزوج الحرة والأمة، وهذا بعيد كل البعد كما ترى.
ويرى أيضا عدم اتحاد المخاطبين في قوله تعالى: فَانْكِحُوا وقوله تعالى: فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ قال: لما أضاف ملك اليمين إلى الجماعة كان المراد نكاح ملك يمين الغير، كقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا إلخ، وقد علمت ما فيه آنفا.
ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا الإشارة إلى اختيار الواحدة والتسرّي.
أَدْنى معناه أقرب. والعول في الأصل الميل المحسوس، يقال: عال الميزان عولا إذا مال، ثم نقل إلى الميل المعنوي، وهو الجور، يقال عال الحاكم إذا جار، والمراد هنا الميل المحظور المقابل للعدل، المعنى أن ما ذكر من اختيار الواحدة
стр. 207
والتسرّي أقرب بالنسبة إلى ما عداهما من ألا يميلوا ميلا محظورا، فإنّ من اختار واحدة فقد انتفى عنه الميل والجور رأسا، ومن تسرّى فقد انتفى عنه خطر الجور والميل، أما من اختار عددا من الحرائر فالميل المحظور متوقّع منه لا محالة.
وقد حكي عن الإمام الشافعي ﵁ أنه فسر أَلَّا تَعُولُوا بألا تكثر عيالكم، وخطّأه في ذلك الجصاص تبعا للمبرّد «١» ، وزعما أنه لا يقال: عال بمعنى كثرت عياله، وإنما يقال: أعال يعيل، ولكنّ صاحب «الكشاف» «٢» ، قال: نقل الكسائي عن فصحاء العرب: عال يعول إذا كثرت عياله، وممن نقله الأصمعي «٣» والأزهري «٤» ، وهذا التفسير نقله ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم، وهو من جلة التابعين، وقراءة طاووس ألا تعيلوا مؤيدة له، فلا وجه لتشنيع من شنّع على الإمام جاهلا باللغات والآثار اهـ.
قال الله تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٤) المراد بالإيتاء: ما يعمّ المناولة والالتزام.
و (الصّدقات) : جمع صدقة بفتح الصاد وضم الدال، وهي كالصداق بمعنى المهر.
والنّحلة: العطية من غير عوض، ومن ذلك النّحلة بمعنى الديانة، لأنها عطية من الله تعالى، وكذلك النحل لما يعطي من العسل، والناحل المهزول، كأنه أعطى لحمه حالا بعد حال بلا عوض، والمنحول من الشّعر المنسوب لغير قائله، ومن فسّر النّحلة هنا بالفريضة نظر إلى أنّ هذه العطية مفروضة من الله محتومة، كما قال تعالى بعد آيات المواريث فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ [النساء: ١١] .
ذهب ابن عباس إلى أن الخطاب في قوله تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ للأزواج، وكان الرجل يتزوّج بلا مهر، يقول: أرثك وترثينني، فتقول: نعم، فأمروا أن يسرعوا إلى إيتاء المهور، وقيل: الخطاب للأولياء: أخرج ابن حميد وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوج أيّما، أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك ونزلت: وَآتُوا النِّساءَ الآية «٥» .
стр. 208
والضمير المجرور بمن في قوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً عائد على الصّدقات، وذكر لإجرائه مجرى الإشارة، وكثيرا ما يشار بالمفرد إلى المتعدد، كأنه قيل: طبن لكم عن شيء من ذلك المذكور، وهو الصدقات، كما قال رؤبة:
فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنّه في الجلد توليع البهق
أراد: كأنّ ذلك، وليس المراد من قوله تعالى: فَكُلُوهُ خصوص الأكل، إنما المراد حلّ التصرف فيه، وخصّ الأكل بالذكر، لأنه معظم وجوه التصرفات المالية، وتقدّم نظيره في قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ [النساء: ٢] والهنيء والمريء صفتان من هنؤ الطعام يهنؤ هناءة، فهو هنيء، ومرؤ يمرؤ مراء، فهو مريء.
قيل: معناهما واحد، وهو خفة الطعام على المعدة، وانحداره عنها بلا ضرر.
وقيل: الهنيء الذي يلذه الآكل، والمريء ما تحمد عاقبته، وقيل: ما ينساغ في مجراه، وهو المريء كأمير، وهو رأس المعدة اللاصق بالحلقوم، سمّي بذلك لمرور الطعام فيه أي انسياغه.
دلت هذه الآية على أمور منها، أن الفروج لا تستباح إلا بصداق ملزم، سواء سمّي ذلك في العقد أو لم يسمّ.
وأن الصداق ليس في مقابلة الانتفاع بالبضع، لأنّ الله تعالى جعل منافع النكاح:
من قضاء الشهوة، والتوالد، مشتركة بين الزوجين، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر، فكان ذلك عطية من الله ابتداء.
وأنه يجوز للزوجة أن تعطي زوجها مهرها، أو جزءا منه، سواء أكان مقبوضا معينا، أم كان في الذمة، فشمل ذلك الهبة والإبراء، وأنه ينبغي للأزواج الاحتياط فيما أعطت نساؤهم، حيث بني الشرط على طيب النفس، فقال: فَإِنْ طِبْنَ ولم يقل: فإن وهبن إعلاما بأنّ المراعى في ذلك هو تجافيها عن المعطى طيّبة به نفسها، من غير أن يكون السبب فيه شراسة خلق الزوج، أو سوء معاشرته.
وأنه يحلّ للزوج أخذ ما وهب زوجته بالشرط السابق من غير أن يكون عليه تبعة في الدنيا والآخرة.
واحتج الجصاص بقوله تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً على إيجاب المهر كاملا للمخلو بها خلوة صحيحة، ولو طلّقت قبل المساس، وأنت تعلم أنّ هذه الآية عامة في كل النساء بسواء المخلوّ بها وغيرها، إلّا أنّ قوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ [البقرة: ٢٣٧] يدل على أنه لا يجب للمخلوّ بها إلا نصف المهر، وهذه الآية خاصّة، ولا شك أن الخاصّ مقدم على العام، فالخلوة الصحيحة لا تقرّر المهر كلّه.
стр. 209
قال الله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٥) أصل السفه: الخفة والحركة. يقال تسفّهت الريح الشجر إذا أمالته، والمراد به هنا خفّة الأحلام، واضطراب الآراء، ومن معاني القيام الانتصاب على القدمين، والاعتدال، وما يعاش به، وهذا الأخير هو المناسب هنا.
واختلف المفسّرون في تعيين المخاطبين بقوله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ كما اختلفوا في المراد من السفهاء على أقوال أشهرها: أن المخاطبين هم أولياء اليتامى، والسفهاء هم اليتامى مطلقا، أو المبذرون بالفعل، والأموال أموالهم، لا أموال الأولياء، وعليه يكون ذكر هذه الآية الكريمة رجوعا لبيان شيء من الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى، وتفصيلا لما أجمل فيما سبق، ويكون ذكر الأحكام المتعلقة بنكاح الأجنبيات ومهورهنّ وهبتهنّ استطرادا، وإنما أضيفت الأموال إلى ضمير الأولياء المخاطبين مع أنها أموال اليتامى للمبالغة في حملهم على المحافظة عليها، بتنزيل أموال اليتامى منزلة أموال الأولياء، لما بين الولي واليتيم من الاتحاد في الجنس والنسب، ونظيره قوله تعالى: فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [النور: ٦١] وقوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩] فإنّ المراد لا يقتل بعضكم بعضا، إلّا أنّه عبّر عن نوعهم بأنفسهم مبالغة في الزجر عن القتل، حتى كأنّ قتلهم قتل أنفسهم، وعلى هذا القياس قوله تعالى: الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً إذ عبّر عن جعل الأموال مناطا لمعاش اليتامى بجعلها مناطا لمعاش الأولياء، وإلى تفسير الآية بما ذكرنا ذهب عكرمة وابن جبير وكثير من متأخري المفسرين.
وروي عن ابن عباس وابن مسعود ﵃ أنّ الخطاب لكلّ عاقل من الناس جميعا، وأنّ المراد من السفهاء النساء والصبيان، والمقصود النهي عن إيتاء المال لمن لا رشد له من هؤلاء، وعليه تكون إضافة الأموال إلى ضمير المخاطبين على حقيقتها.
وقيل: المراد من السفهاء النساء خاصة، سواء أكنّ أزواجا أم أمهات أم بنات.
وقيل: إنّ السفهاء عامّ في كلّ من ليس له عقل يفي بحفظ المال وحسن التصرف فيه، ويدخل فيه الصبيّ والمجنون والمحجور عليه للتبذير.
وعلى أي تأويل ترى في قوله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً دلالة على النهي عن تضييع المال، ووجوب حفظه وتدبيره، وحسن القيام عليه، حيث قد جعله تعالى سببا في إصلاح المعاش وانتظام الأمور، وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن.
стр. 210
وقال بعضهم: لأن أترك مالا يحاسبني الله عليه خير من أن أحتاج إلى الناس.
وقال قيس بن سعد: اللهم ارزقني حمدا ومجدا فإنّه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال.
وقيل لأبي الزناد: لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ فقال: هي إن أدنتني منها فقد صانتني عنها، وفي منثور الحكم: من استغنى فقد كرم على أهله، وكانوا يقولون: اتّجروا واكتسبوا، فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم فيه كان أول ما يأكل دينه.
وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ أي اجعلوا أموالكم مكانا لرزقهم وكسوتهم بأن تتّجروا فيها حتى تكون نفقتهم من الربح لا من صلب المال، لئلا يأكله الإنفاق، وهذا ما يقتضيه جعل الأموال نفسها ظرفا للرزق والكسوة، ولو قيل (منها) لكان الإنفاق من نفس المال.
وفي الآية دلالة على وجوب الحجر على المبذّرين من وجهين:
أحدهما: منعهم من أموالهم:
والثاني: إجازة تصرفنا عليهم في الإنفاق عليهم من أموالهم، وشراء أقواتهم وكسوتهم.
وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً كل ما سكنت إليه النفس لحسنه شرعا أو عقلا من قول أو عمل فهو معروف، وكل ما أنكرته النفس لقبحه شرعا أو عقلا فهو منكر، فالمراد بالقول المعروف هنا الكلام الذي تطيب به نفوسهم، كأن يقول الولي لليتيم: مالك عندي، وأنا أمين عليه، فإذا بلغت ورشدت أعطيتك مالك.
وعن مجاهد وابن جريج أنهما فسرا القول المعروف بعدة جميلة في البر والصلة، وقال القفال: إن كان صبيا فالولي يعرفه أنّ المال ماله. وهو خازن له، وأنه إذا كبر ردّ إليه ماله، وإن كان سفيها وعظه ونصحه، وحثّه على الطاعة، ونهاه عن التبذير والإسراف، وعرّفه أنّ عاقبة الإتلاف فقر واحتياج.
قال الله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦)
الابتلاء: الاختبار.
المراد ببلوغ النكاح هنا وبلوغ الحلم المذكور في قوله تعالى: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ [النور: ٥٩] الوصول إلى حد البلوغ، وهو حد التكليف، والتزام الأحكام، وذلك إما أن يكون بالاحتلام أو الحيض أو بالسن كما هو معروف في كتب الفقه.
стр. 211
وأصل الإيناس النظر إلى ما يؤنس به من بعد مع وضع اليد على العين، وقيل:
أصله الإبصار مطلقا، وقيل: الإحساس، وعلى كل فالمراد به هنا التبيّن: أي علم الرشد بيّنا، والرشد الاهتداء إلى وجوه الخير، والمراد به هنا الاهتداء إلى حفظ الأموال فقط، أو مع صلاح الدين، وإذا متمحضة للظرفية أو شرطية وجوابها الجملة الشرطية بعدها.
لمّا أمر الله بإيتاء أموالهم على الإطلاق بقوله: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ شرع في تعيين وقت تسليمهم أموالهم، وبيان شرط ذلك الدفع، فأمر الأولياء باختبار اليتامى في عقولهم وأحوالهم حتّى إذا علموا منهم بعد البلوغ أنّ لهم فهما وعقلا وقدرة في معرفة المصالح والمفاسد دفعوا إليهم أموالهم.
واتفق الإمامان أبو حنيفة والشافعي على أنّ هذا الاختبار يكون قبل البلوغ وتشهد لهما الغاية، وقال الإمام مالك: إنه بعد البلوغ.
وفرّع أبو حنيفة على ذلك أنّ تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة، لأنّ ذلك الاختبار إنما يحصل إذا أذن له الولي في البيع والشراء مثلا، وذلك يقتضي صحة التصرف، وقال الشافعي: الاختبار لا يقتضي الإذن في التصرف، ولا يتوقف عليه، بل يكون الاختبار دون التصرف، على حسب ما يليق بحال الصبي، فابن التاجر مثلا يختبر في البيع والشراء إلى حيث يتوقف الأمر على العقد، وحينئذ يعقد الولي إن أراد، وعلى هذا القياس.
وأنت خبير بأنّه لو جاز إذن الصبي في التصرف بالفعل لجاز دفع المال إليه وهو صبي، لأنّ المعنى الذي من أجله منع عنه ماله هو بعينه يقتضي عدم صحة تصرفه.
وأيضا تصرف الصبي في ماله يتوقف على دفعه إليه، ودفعه إليه موقوف على شرطين: بلوغه، ثم رشده.
وظاهر قوله تعالى: حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ أنه لا تدفع أموالهم إليهم، ولو بلغوا، ما لم يؤنس منهم الرشد، وهو مذهب الشافعي، وقول الصاحبين «١» ، وبه قال مجاهد، فقد أخرج ابن المنذر وغيره عنه أنه قال: لا يدفع إلى اليتيم ماله وإن شمط، ما لم يؤنس منه رشد، ونسب هذا القول للشعبي.
وقال الإمام أبو حنيفة: إذا بلغ خمسا وعشرين سنة دفع إليه ماله، وإن لم يؤنس منه
стр. 212
رشد، وتقدم احتجاجه على ذلك عند الكلام على قوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ.
ونزيد على ما تقدّم أن الجصاص وصاحب «الكافي» قالا في الاحتجاج لمذهب الإمام: إنّ الشرط (رشد) نكرة، فإذا صار الشرط في حكم الوجود بوجه وجب جزاؤه، وأوّل أحوال البلوغ قد يقارنه السفه باعتبار أثر الصبا، وإذا امتدّ الزمان وظهرت الخبرة والتجربة لم يبق أثر الصبا، وحدث ضرب من الرشد لا محالة.
وأنت تعلم أنّه إذا كان ضرب من الرشد كافيا كان الدفع حينئذ عن إيناس الرشد- وهو مذهب الشافعي والصاحبين- فلا يصحّ أن يقال: إنّ مذهب الإمام وجوب دفع المال إلى اليتيم بعد الخمس والعشرين سنة، سواء أونس منه رشد أم لا، بل يكون الخلاف بين الإمام وغيره في تعيين الرشد الذي اعتبر شرطا للدفع في الآية ماذا هو؟
وذلك أمر آخر وراء ما نقل عن الإمام في هذه المسألة: على أنه إن أريد بهذا الضرب من الرشد الرشد في مصلحة المال، فكونه لا بد أن يحصل في سن خمس وعشرين سنة في حيز المنع، وإن أريد ضرب من الرشد كيفما كان فهو يكاد يكون مصادمة للآية، لأنها كالصريحة في اشتراط الرشد في ضبط الأموال ورعايتها، ألا ترى أن الابتلاء المأمور به في أول الآية هو ابتلاؤهم فيما يتعلق بحفظ المال ورعايته، وقد قال الله تعالى بعد ذلك الأمر: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إلخ فيجب أن يكون المراد فإن آنستم منهم رشدا في رعاية مصالح المال، لا ضربا من الرشد كيفما كان، وإلا تفكك النّظم، وضاع انسجام الكلام.
ومخالف الإمام يقوّي الاستدلال بالآية على مذهبه بالقياس الجلي، وذلك أن الصبيّ إنما منع منه ماله لفقدان العقل الهادي إلى حفظ المال وكيفية الانتفاع به، فإذا كان هذا المعنى قائما بالشيخ والشاب كانا في حكم الصبي، فوجب أن يمنع دفع المال إليهما ما لم يؤنس منهما الرشد.
قال صاحب «روح المعاني» «١» من الحنفية: ولقوة كلام المخالف في هذه المسألة شنّع ابن حزم- ودأبه التشنيع على الأئمة- على أبي حنيفة ﵁، مع أنّ من تدبر ما ذهب إليه الإمام علم أن نظره في ذلك دقيق، لأن اليتيم إذا بلغ مبلغ الرجال، واعتبر إيمانه وكفره، وسلّم الله إليه نفسه يتصرف فيها حسب اختياره، كان منع ماله عنه أشبه شيء بالظلم، وهذا وإن اقتضى دفع المال إليه بعد البلوغ فورا، إلا أنّنا أخّرنا الدفع إلى هذه المدة للتأديب، ورجاء الرشد والكف عن السفه، وما فيه من تبذير المال وفساده.
وسنّ البلوغ ثمانية عشر سنة زيد عليها سبع سنوات، لأنها مدة معتبرة شرعا في
стр. 213
تغيير الأحوال، إذ الطفل يميّز بعدها، ويؤمر بالصلاة كما في الحديث «١» ، وبانضمامها إلى سن البلوغ يكمل لبّه، ويبلغ أشدّه، ألا ترى أنه قد يصير جدا صحيحا في هذه السن، فإذا بلغ هذه السن، ولم يتأدب: انقطع عنه الرجاء غالبا.
وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ.
الإسراف: مجاوزة الحدّ المباح إلى ما لم يبح.
والبدار: المسارعة، والمفاعلة بمعنى أصل الفعل، أو على أنها بأن يبادر الولي أخذ مال اليتيم، واليتيم يبادر نزعه.
كبر: يكبر كعلم يعلم، يستعمل في السن، وكبر يكبر كعظم يعظم في القدر والشرف.
واستعف عن الشيء كف عنه، وتركه، وهو أبلغ من عف، كأنه طلب زيادة العفة.
المعنى: أن الله ينهى الأولياء والأوصياء أن يأكلوا أموال اليتامى مسرفين ومبادرين كبرهم، ويرشدهم إلى أنّ من كان منهم ذا مال فليكفّ نفسه عن مال اليتيم، ولينتفع بما آتاه الله، ومن كان منهم فقيرا فليأكل من مال اليتيم بقدر حاجته الضرورية، من سد الجوعة، وستر العورة.
وجملة: وَلا تَأْكُلُوها إلخ، معطوفة على جملة وَابْتَلُوا الْيَتامى ولا يصح عطفها على جواب الشرط قبلها، لفساد المعنى، لأنّ جواب الشرط وهو فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ يكون بعد البلوغ، والأكل إسرافا وبدارا أن يكبروا يكون قبل البلوغ، والنهي عن الأكل- الذي هو أساس الانتفاع، وتكثر الحاجة إليه- يدلّ على أن غيره من سائر الانتفاعات منهيّ عنه بطريق الأولى.
وقد استدلّ الجصاص بقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا على أنه لا يجوز للولي إمساك مال اليتيم بعد ما يصير في حد الكبر، قال: ولولا ذلك لما كان لذكر الكبر هاهنا معنى، إذ كان الولي عليه هو المستحق لماله قبل الكبر وبعده، فهذا يدلّ على أنه إذا صار في حد الكبر استحق دفع المال إليه.
وجعل أبو حنيفة حد الكبر في ذلك خمسا وعشرين سنة، لأنّ مثله يكون جدا، ومحال أن يكون جدا ولا يكون في حد الكبار.
ويقول الشافعية: إنّ المراد من قوله: أَنْ يَكْبَرُوا أن يبلغوا راشدين، عملا بقوله تعالى: حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وعبّر عن ذلك بالكبر لأنّ الغالب أنّ من بلغ حدّ الرجال كان رشيدا.
стр. 214
وظاهر قوله تعالى: وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ يدل على الإذن للوصيّ الفقير في أن ينتفع من مال اليتيم بمقدار الحاجة، ويشهد لذلك قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً فإنّه مشعر بأنّ له أن يأكل بقدر الحاجة، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [النساء: ١٠] ، إنه يدل على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم، والأكل الذي لا يعد ظلما هو الأكل بالمعروف وما أخرجه أحمد وأبو داود والنّسائي وابن ماجه من
حديث ابن عمرو أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: ليس لي مال، وإني وليّ يتيم، أفآكل من ماله؟ فقال «كل من مال يتيمك غير مسرف، ولا متأثّل مالا، ومن غير أن تقي مالك بماله» «١»
فإنّه يدلّ على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم، والأكل الذي لا يعدّ ظلما هو الأكل بالمعروف، وإلى هذا الظاهر ذهب عطاء وقتادة، وهو إحدى الروايات عن ابن عباس، فقد أخرج ابن المنذر والطبراني عنه أنه قال: يأكل الفقير إذا ولي مال اليتيم بقدر قيامه على ماله، ومنفعته له، ما لم يسرف أو يبذّر «٢» .
بقي النظر في هذا الذي يأخذه الولي من مال اليتيم، أيعدّ أجرة أم لا؟ حكى صاحب «روح المعاني» «٣» أنّ مذهب الحنفية أنه ليس بأجرة، ومن ذهب إلى أنه أجرة لم يفرّق بين الغني والفقير كما هو القياس في كل عمل يقابل بأجر، لا فرق فيه بين العامل الغني والعامل الفقير، وحينئذ يكون الأمر في قوله تعالى: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ محمولا على الندب، كما هو اللائق بمحاسن العادات، ولا تزال في مجال الاجتهاد والنظر هذه الأجرة أهي مقدرة بكفاية الولي أم هي أجرة المثل؟ مقتضى القواعد الفقهية أنها تكون مقدرة بأجر المثل، سواء أكفت الولي أم لا.
وذهب جماعة من العلماء إلى أنه ليس للوليّ أن ينتفع من مال اليتيم بشيء، وافترق هؤلاء في تأويل قوله تعالى: وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ إلى طائفتين:
الأولى تقول: إن له أن يأخذ من مال اليتيم قرضا بقدر ما يحتاج إليه، ثم إذا أيسر قضاه، وهذا قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وأبي العالية «٤» ، وأكثر الروايات عن ابن عباس.
стр. 215
والطائفة الثانية: ذهبت إلى أن ذلك حق اليتيم، ينفق عليه من ماله بحسب حاله، وحكي ذلك عن يحيى بن سعيد، ويميل إليه كلام الجصاص، وهو كما ترى تأويل بعيد كل البعد، لا ينتظم مع قوله تعالى: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ.
ومن هذه الطائفة من ادّعى نسخ هذه الآية بقوله تعالى بعدها: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً فقد أخرج أبو داود وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ نسختها إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إلخ.
فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً من معاني الحسيب الكافي والمحاسب، وكلاهما محتمل هنا.
يأمر الله تعالى الأولياء والأوصياء أن يشهدوا على اليتامى حين يدفعون إليهم أموالهم، بعد رعاية الشرطين السابقين: البلوغ، ثم الرشد، لأنّ ذلك الإشهاد أبعد عن التهمة، وأنفى للخصومة، وأدخل في الأمانة.
واختلف العلماء في أنّ الوصي إذا ادّعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع إليه ماله هل يصدّق؟ وكذلك إذا قال: أنفقت عليه في صغره، هل هو مصدّق؟
فقال الإمامان مالك والشافعي: لا يصدق، وقال الإمام أبو حنيفة وأصحابه:
يصدّق.
واحتج مالك والشافعي بهذه الآية، فإنّ قوله تعالى: فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ أمر، وظاهر الأمر الوجوب، وليس معنى الوجوب هنا أنه يأثم إذا لم يشهد، بل المراد أنّ الإشهاد لا بد منه في براءة ذمته ظاهرا، حتى إذا دفع المال ولم يشهد، ثم طالبه اليتيم، فالقول قول اليتيم بيمينه.
وقال الحنفية: إنّ الأمر للندب، وصرفه عن الوجوب أن الوصي أمين، والأمين إذا ادّعى الردّ على من ائتمنه صدّق، وقالوا إن قوله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً يشهد لهم في عدم لزوم البينة، فإنّ معناه أنه لا شاهد أفضل من الله تعالى فيما بينكم وبينهم، روي ذلك عن سعيد بن جبير.
واختار جمهور المفسّرين أن المعنى وكفى بالله محاسبا لكم، فلا تخالفوا ما أمرتم به، ولا تتجاوزوا ما حدّ لكم. ولا يخفى موقع المحاسب هنا، وما فيه من الإشارة إلى أن الوصي سيحاسب على ما في يده من مال اليتيم، ثم يجزى على عمله الجزاء الأوفى.