← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23599

تفسير آيات الأحكام - السايس

محمد علي السايس

Полный текст (820 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وأصل الإيناس النظر إلى ما يؤنس به من بعد مع وضع اليد على العين، وقيل: أصله الإبصار مطلقا، وقيل: الإحساس، وعلى كل فالمراد به هنا التبيّن: أي علم الرشد بيّنا، والرشد الاهتداء إلى وجوه الخير، والمراد به هنا الاهتداء إلى حفظ الأموال فقط، أو مع صلاح الدين، وإذا متمحضة للظرفية أو شرطية وجوابها الجملة الشرطية بعدها. لمّا أمر الله بإيتاء أموالهم على الإطلاق بقوله: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ شرع في تعيين وقت تسليمهم أموالهم، وبيان شرط ذلك الدفع، فأمر الأولياء باختبار اليتامى في عقولهم وأحوالهم حتّى إذا علموا منهم بعد البلوغ أنّ لهم فهما وعقلا وقدرة في معرفة المصالح والمفاسد دفعوا إليهم أموالهم. واتفق الإمامان أبو حنيفة والشافعي على أنّ هذا الاختبار يكون قبل البلوغ وتشهد لهما الغاية، وقال الإمام مالك: إنه بعد البلوغ. وفرّع أبو حنيفة على ذلك أنّ تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة، لأنّ ذلك الاختبار إنما يحصل إذا أذن له الولي في البيع والشراء مثلا، وذلك يقتضي صحة التصرف، وقال الشافعي: الاختبار لا يقتضي الإذن في التصرف، ولا يتوقف عليه، بل يكون الاختبار دون التصرف، على حسب ما يليق بحال الصبي، فابن التاجر مثلا يختبر في البيع والشراء إلى حيث يتوقف الأمر على العقد، وحينئذ يعقد الولي إن أراد، وعلى هذا القياس. وأنت خبير بأنّه لو جاز إذن الصبي في التصرف بالفعل لجاز دفع المال إليه وهو صبي، لأنّ المعنى الذي من أجله منع عنه ماله هو بعينه يقتضي عدم صحة تصرفه. وأيضا تصرف الصبي في ماله يتوقف على دفعه إليه، ودفعه إليه موقوف على شرطين: بلوغه، ثم رشده. وظاهر قوله تعالى: حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ أنه لا تدفع أموالهم إليهم، ولو بلغوا، ما لم يؤنس منهم الرشد، وهو مذهب الشافعي، وقول الصاحبين «١» ، وبه قال مجاهد، فقد أخرج ابن المنذر وغيره عنه أنه قال: لا يدفع إلى اليتيم ماله وإن شمط، ما لم يؤنس منه رشد، ونسب هذا القول للشعبي. وقال الإمام أبو حنيفة: إذا بلغ خمسا وعشرين سنة دفع إليه ماله، وإن لم يؤنس منه

стр. 212

رشد، وتقدم احتجاجه على ذلك عند الكلام على قوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ. ونزيد على ما تقدّم أن الجصاص وصاحب «الكافي» قالا في الاحتجاج لمذهب الإمام: إنّ الشرط (رشد) نكرة، فإذا صار الشرط في حكم الوجود بوجه وجب جزاؤه، وأوّل أحوال البلوغ قد يقارنه السفه باعتبار أثر الصبا، وإذا امتدّ الزمان وظهرت الخبرة والتجربة لم يبق أثر الصبا، وحدث ضرب من الرشد لا محالة. وأنت تعلم أنّه إذا كان ضرب من الرشد كافيا كان الدفع حينئذ عن إيناس الرشد- وهو مذهب الشافعي والصاحبين- فلا يصحّ أن يقال: إنّ مذهب الإمام وجوب دفع المال إلى اليتيم بعد الخمس والعشرين سنة، سواء أونس منه رشد أم لا، بل يكون الخلاف بين الإمام وغيره في تعيين الرشد الذي اعتبر شرطا للدفع في الآية ماذا هو؟ وذلك أمر آخر وراء ما نقل عن الإمام في هذه المسألة: على أنه إن أريد بهذا الضرب من الرشد الرشد في مصلحة المال، فكونه لا بد أن يحصل في سن خمس وعشرين سنة في حيز المنع، وإن أريد ضرب من الرشد كيفما كان فهو يكاد يكون مصادمة للآية، لأنها كالصريحة في اشتراط الرشد في ضبط الأموال ورعايتها، ألا ترى أن الابتلاء المأمور به في أول الآية هو ابتلاؤهم فيما يتعلق بحفظ المال ورعايته، وقد قال الله تعالى بعد ذلك الأمر: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إلخ فيجب أن يكون المراد فإن آنستم منهم رشدا في رعاية مصالح المال، لا ضربا من الرشد كيفما كان، وإلا تفكك النّظم، وضاع انسجام الكلام. ومخالف الإمام يقوّي الاستدلال بالآية على مذهبه بالقياس الجلي، وذلك أن الصبيّ إنما منع منه ماله لفقدان العقل الهادي إلى حفظ المال وكيفية الانتفاع به، فإذا كان هذا المعنى قائما بالشيخ والشاب كانا في حكم الصبي، فوجب أن يمنع دفع المال إليهما ما لم يؤنس منهما الرشد. قال صاحب «روح المعاني» «١» من الحنفية: ولقوة كلام المخالف في هذه المسألة شنّع ابن حزم- ودأبه التشنيع على الأئمة- على أبي حنيفة ﵁، مع أنّ من تدبر ما ذهب إليه الإمام علم أن نظره في ذلك دقيق، لأن اليتيم إذا بلغ مبلغ الرجال، واعتبر إيمانه وكفره، وسلّم الله إليه نفسه يتصرف فيها حسب اختياره، كان منع ماله عنه أشبه شيء بالظلم، وهذا وإن اقتضى دفع المال إليه بعد البلوغ فورا، إلا أنّنا أخّرنا الدفع إلى هذه المدة للتأديب، ورجاء الرشد والكف عن السفه، وما فيه من تبذير المال وفساده. وسنّ البلوغ ثمانية عشر سنة زيد عليها سبع سنوات، لأنها مدة معتبرة شرعا في

стр. 213

تغيير الأحوال، إذ الطفل يميّز بعدها، ويؤمر بالصلاة كما في الحديث «١» ، وبانضمامها إلى سن البلوغ يكمل لبّه، ويبلغ أشدّه، ألا ترى أنه قد يصير جدا صحيحا في هذه السن، فإذا بلغ هذه السن، ولم يتأدب: انقطع عنه الرجاء غالبا. وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ. الإسراف: مجاوزة الحدّ المباح إلى ما لم يبح. والبدار: المسارعة، والمفاعلة بمعنى أصل الفعل، أو على أنها بأن يبادر الولي أخذ مال اليتيم، واليتيم يبادر نزعه. كبر: يكبر كعلم يعلم، يستعمل في السن، وكبر يكبر كعظم يعظم في القدر والشرف. واستعف عن الشيء كف عنه، وتركه، وهو أبلغ من عف، كأنه طلب زيادة العفة. المعنى: أن الله ينهى الأولياء والأوصياء أن يأكلوا أموال اليتامى مسرفين ومبادرين كبرهم، ويرشدهم إلى أنّ من كان منهم ذا مال فليكفّ نفسه عن مال اليتيم، ولينتفع بما آتاه الله، ومن كان منهم فقيرا فليأكل من مال اليتيم بقدر حاجته الضرورية، من سد الجوعة، وستر العورة. وجملة: وَلا تَأْكُلُوها إلخ، معطوفة على جملة وَابْتَلُوا الْيَتامى ولا يصح عطفها على جواب الشرط قبلها، لفساد المعنى، لأنّ جواب الشرط وهو فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ يكون بعد البلوغ، والأكل إسرافا وبدارا أن يكبروا يكون قبل البلوغ، والنهي عن الأكل- الذي هو أساس الانتفاع، وتكثر الحاجة إليه- يدلّ على أن غيره من سائر الانتفاعات منهيّ عنه بطريق الأولى. وقد استدلّ الجصاص بقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا على أنه لا يجوز للولي إمساك مال اليتيم بعد ما يصير في حد الكبر، قال: ولولا ذلك لما كان لذكر الكبر هاهنا معنى، إذ كان الولي عليه هو المستحق لماله قبل الكبر وبعده، فهذا يدلّ على أنه إذا صار في حد الكبر استحق دفع المال إليه. وجعل أبو حنيفة حد الكبر في ذلك خمسا وعشرين سنة، لأنّ مثله يكون جدا، ومحال أن يكون جدا ولا يكون في حد الكبار. ويقول الشافعية: إنّ المراد من قوله: أَنْ يَكْبَرُوا أن يبلغوا راشدين، عملا بقوله تعالى: حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وعبّر عن ذلك بالكبر لأنّ الغالب أنّ من بلغ حدّ الرجال كان رشيدا.

стр. 214

وظاهر قوله تعالى: وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ يدل على الإذن للوصيّ الفقير في أن ينتفع من مال اليتيم بمقدار الحاجة، ويشهد لذلك قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً فإنّه مشعر بأنّ له أن يأكل بقدر الحاجة، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [النساء: ١٠] ، إنه يدل على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم، والأكل الذي لا يعد ظلما هو الأكل بالمعروف وما أخرجه أحمد وأبو داود والنّسائي وابن ماجه من حديث ابن عمرو أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: ليس لي مال، وإني وليّ يتيم، أفآكل من ماله؟ فقال «كل من مال يتيمك غير مسرف، ولا متأثّل مالا، ومن غير أن تقي مالك بماله» «١» فإنّه يدلّ على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم، والأكل الذي لا يعدّ ظلما هو الأكل بالمعروف، وإلى هذا الظاهر ذهب عطاء وقتادة، وهو إحدى الروايات عن ابن عباس، فقد أخرج ابن المنذر والطبراني عنه أنه قال: يأكل الفقير إذا ولي مال اليتيم بقدر قيامه على ماله، ومنفعته له، ما لم يسرف أو يبذّر «٢» . بقي النظر في هذا الذي يأخذه الولي من مال اليتيم، أيعدّ أجرة أم لا؟ حكى صاحب «روح المعاني» «٣» أنّ مذهب الحنفية أنه ليس بأجرة، ومن ذهب إلى أنه أجرة لم يفرّق بين الغني والفقير كما هو القياس في كل عمل يقابل بأجر، لا فرق فيه بين العامل الغني والعامل الفقير، وحينئذ يكون الأمر في قوله تعالى: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ محمولا على الندب، كما هو اللائق بمحاسن العادات، ولا تزال في مجال الاجتهاد والنظر هذه الأجرة أهي مقدرة بكفاية الولي أم هي أجرة المثل؟ مقتضى القواعد الفقهية أنها تكون مقدرة بأجر المثل، سواء أكفت الولي أم لا. وذهب جماعة من العلماء إلى أنه ليس للوليّ أن ينتفع من مال اليتيم بشيء، وافترق هؤلاء في تأويل قوله تعالى: وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ إلى طائفتين: الأولى تقول: إن له أن يأخذ من مال اليتيم قرضا بقدر ما يحتاج إليه، ثم إذا أيسر قضاه، وهذا قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وأبي العالية «٤» ، وأكثر الروايات عن ابن عباس.

стр. 215

والطائفة الثانية: ذهبت إلى أن ذلك حق اليتيم، ينفق عليه من ماله بحسب حاله، وحكي ذلك عن يحيى بن سعيد، ويميل إليه كلام الجصاص، وهو كما ترى تأويل بعيد كل البعد، لا ينتظم مع قوله تعالى: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ. ومن هذه الطائفة من ادّعى نسخ هذه الآية بقوله تعالى بعدها: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً فقد أخرج أبو داود وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ نسختها إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إلخ. فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً من معاني الحسيب الكافي والمحاسب، وكلاهما محتمل هنا. يأمر الله تعالى الأولياء والأوصياء أن يشهدوا على اليتامى حين يدفعون إليهم أموالهم، بعد رعاية الشرطين السابقين: البلوغ، ثم الرشد، لأنّ ذلك الإشهاد أبعد عن التهمة، وأنفى للخصومة، وأدخل في الأمانة. واختلف العلماء في أنّ الوصي إذا ادّعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع إليه ماله هل يصدّق؟ وكذلك إذا قال: أنفقت عليه في صغره، هل هو مصدّق؟ فقال الإمامان مالك والشافعي: لا يصدق، وقال الإمام أبو حنيفة وأصحابه: يصدّق. واحتج مالك والشافعي بهذه الآية، فإنّ قوله تعالى: فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ أمر، وظاهر الأمر الوجوب، وليس معنى الوجوب هنا أنه يأثم إذا لم يشهد، بل المراد أنّ الإشهاد لا بد منه في براءة ذمته ظاهرا، حتى إذا دفع المال ولم يشهد، ثم طالبه اليتيم، فالقول قول اليتيم بيمينه. وقال الحنفية: إنّ الأمر للندب، وصرفه عن الوجوب أن الوصي أمين، والأمين إذا ادّعى الردّ على من ائتمنه صدّق، وقالوا إن قوله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً يشهد لهم في عدم لزوم البينة، فإنّ معناه أنه لا شاهد أفضل من الله تعالى فيما بينكم وبينهم، روي ذلك عن سعيد بن جبير. واختار جمهور المفسّرين أن المعنى وكفى بالله محاسبا لكم، فلا تخالفوا ما أمرتم به، ولا تتجاوزوا ما حدّ لكم. ولا يخفى موقع المحاسب هنا، وما فيه من الإشارة إلى أن الوصي سيحاسب على ما في يده من مال اليتيم، ثم يجزى على عمله الجزاء الأوفى.

стр. 216

قال الله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧) . هذا شروع في بيان أحكام المواريث بعد بيان الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى التي آلت إليهم بالميراث. كان من عادتهم في الجاهلية ألا يورّثوا النساء ولا الصغار، يقولون: إنما يرث من يحارب ويحمي الحوزة ويجوز الغنيمة. وللرد عليهم نزلت هذه الآية، قال ابن جبير وغيره «١» . وروي أنّ أوس بن ثابت مات، وخلّف بنتين وابنا صغيرا وزوجة، فجاء ابنا عمه، فزويا ميراثه عن أولاده وزوجه، على سنتهم في الجاهلية، فقالت امرأته لهما: تزوّجا البنتين، وكانت بهما دمامة، فأبيا، فأتت رسول الله ﷺ ، فشكت إليه، فقال: ارجعي حتى أنظر ما يحدث الله، فنزلت: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ الآية، فأرسل رسول الله ﷺ إلى ابني العم أن لا يفرّقا من مال أوس شيئا، فإنّه قد أنزل عليّ فيه شيء، أخبرت أنّ للذكر والأنثى نصيبا، ثم نزل: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء: ١١] إلى قوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ [النساء: ١٢] فدعا رسول الله ﷺ بالميراث، فأعطى المرأة الثمن، وقسم ما بقي بين الأولاد، للذكر مثل حظ الأنثيين، ولم يعط ابني العم شيئا «٢» . وفي بعض طرقه أن الميت خلّف زوجه وبنتين وابني عم، فأعطى رسول الله ﷺ الزوجة الثمن، والبنتين الثلثين، وابني العم الباقي. وللعلماء في تفسير هذه الآية أقوال: فمن الناس من أبقاها على ظاهرها، فجعل المراد من الرجال الذكور البالغين، ومن الوالدين الأب والأم بلا واسطة، ومن النساء الإناث البالغات. يكون المعنى حينئذ: للذكور البالغين نصيب مما ترك آباؤهم وأمهاتهم وأقاربهم، كإخوتهم وأخواتهم، وأعمامهم وعماتهم، وللإناث البالغات كذلك نصيب مما ترك آباؤهن إلخ. ويكون الله تعالى قد بيّن في هذه الآية أن الإرث غير مختصّ بالرجال كما هو عادتهم في الجاهلية، بل هو أمر مشترك بين الرجال والنساء، ولا مانع من الاقتصار في الآية على هذا القدر جريا على سنة الله في التشريع الإسلامي من التدرج في الأحكام، إذ كان من عادة القوم توريث الكبار من الرجال دون الصغار والنساء كما علمت، فأراد الله سبحانه أن ينقلهم عن تلك العادة قليلا على التدريج، لأنّ الانتقال من العادة شاقّ ثقيل على الطبع، فإذا كان دفعة عظم وقعه، وصعب على النفوس تلقيه بالقبول، وإذا كان على التدريج سهل أمره، وخفّ على

стр. 217

النفوس تعاطيه، فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذا المجمل أولا ثم أردفه بالتفصيل. وفي اختيار هذا الأسلوب التفصيلي- مع أنه كان يكفي أن يقال: للرجال والنساء نصيب إلخ- اعتناء بشأن النساء، وإيذان بأصالتهن في استحقاق الإرث، ومبالغة في إبطال حكم الجاهلية، بإلغاء ما كانوا يعتبرونه من الأوصاف الخاصة بالرجال سببا مضموما إلى القرابة في استحقاق الميراث، فالله قد أهدر وصف الرجولة في ميراث الإنسان من والديه وأقاربه، وجعل سبب هذا التوارث القرابة فحسب، والرجال والنساء سواء في ذلك، فكما يكون للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، يكون للنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون. ومن العلماء من عمّم في الرجال والنساء، فجعل المراد من الرجال الذكور مطلقا، سواء أكانوا كبارا أم صغارا، والمراد من النساء الإناث كذلك، ويكون المراد التسوية بين الذكور والإناث في أنّ لكل منهما حقا فيما ترك الوالدان والأقربون، ومنهم من حمل الرجال على الصغار من الذكور، وحمل النساء على الصغار من الإناث كذلك، وعلل هذا الاقتصار بأن فيه اعتناء بشأن اليتامى، وردّا صريحا على طريقة الجاهلية في التوريث. وعلى كل حال فظاهر الآية يشهد للحنفية القائلين بتوريث ذوي الأرحام، لأنّ العمات والخالات وأولاد البنات من الأقربين، فوجب دخولهم تحت قوله سبحانه: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ إلخ فثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بهذه الآية، وأما المقدار فمستفاد من دلائل أخر كما هو الحال في غيرهم. وحاول الإمام الرازي «١» الردّ على الحنفية، فادعى أنّ المراد من الأقربين الوالدان والأولاد، وحينئذ لا يدخل فيهم ذوو الأرحام، وعليه يكون عطف الأقربين على الوالدين من عطف العام على الخاص، وهو تأويل ظاهر التكلف. وقوله تعالى: مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ بدل من (ما) الثانية، بإعادة العامل، ويقدّر مثل هذا في الجملة الأولى، والفائدة منه التنصيص على أن التوريث يكون في التركات الضئيلة، كما يكون في التركات العظيمة، وفيه أيضا دفع توهم اختصاص بعض الأموال ببعض الورثة، وبذلك تنقطع طماعية الكبار من الورثة في أن يختصوا بمثل السيف والخاتم والمصحف واللباس البدني. وكلمة نَصِيباً مَفْرُوضاً مصدر مؤكد بتأويله بمعنى العطاء، أو حال، وأصل الفرض الحز في الشيء، ويسمّى الحز في سية القوس فرضا، ثم توسّع فيه، فاستعمل بمعنى القطع والتقدير، وما أوجبه الله تعالى، وأولى المعاني هنا في كلمة مَفْرُوضاً أنها بمعنى مقدّرا.

стр. 218

قال الله تعالى: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٨) المراد بالقسمة: التركة بين الورثة، وأولوا القربى: من لا يرثون، لكونهم محجوبين، أو لكونهم من ذوي الأرحام. يأمر الله بإعطاء من حضر القسمة من هؤلاء ما يجبر خاطرهم، وتطيب به نفوسهم، وقد اختلف العلماء في هذه الآية، أهي محكمة أم منسوخة؟ فذهب ابن المسيّب والضحاك وابن عباس في رواية عطاء عنه إلى أنها منسوخة بآية المواريث يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلخ. وذهب ابن عباس في رواية عكرمة عنه وجمهور المفسرين إلى أنها محكمة، ثم اختلفوا في ذلك الإعطاء، أهو واجب أم مندوب؟ فمن ذهب إلى الوجوب تمسّك بظاهر الأمر، وأوجب على الوارث الكبير وعلى ولي الصغير أن يرضخا لمن حضر القسمة شيئا من المال بقدر ما تطيب به نفسه. ومنهم من قال: على الوارث الكبير الدفع، وعلى ولي الصغير القول المعروف بأن يعتذر إليهم، ويعرّفهم أن أصحاب المال صغار لا يقدّرون ما عليهم من الحق، وإن يكبروا فسيعرفون حقهم. وذهب فقهاء الأمصار إلى أنّ هذا الإعطاء مندوب طولب به الكبار من الورثة، وحجتهم في ذلك أنه لو كان لهؤلاء حقّ معيّن لبينه الله تعالى، كما بيّن سائر الحقوق، وحيث لم يبيّن، علمنا أنه غير واجب، وأيضا لو كان واجبا لتوفّرت الدواعي على نقله، لشدة حرص الفقراء والمساكين، ولو كان ذلك لنقل إلينا على سبيل التواتر، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس بواجب. والضمير المجرور في قوله تعالى: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ يرجع إلى ما ترك الوالدان والأقربون، أو إلى القسمة بمعنى المقسوم باعتبار معناها، لا باعتبار لفظها، كما في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ [يوسف: ٧٦] . والقول المعروف مفسّر كما تقدم بالعدّة الجميلة، وبألا يتبع العطية بالمن والأذى بالقول، وبأن يعتذر لمن لا يعطيه شيئا. قال الله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (٩) أخرج ابن جرير «١» عن ابن عباس ﵄ أنه قال في الآية: يعني بذلك

стр. 219

الرجل يموت وله أولاد صغار ضعاف، يخاف عليهم العيلة والضيعة، ويخاف بعده ألا يحسن إليهم من يليهم. يقول: فإن ولي مثل ذريته ضعافا يتامى فليحسن إليهم، ولا يأكل أموالهم إسرافا وبدارا أن يكبروا، والآية على هذا أمر للأوصياء أن يخشوا ربهم، ويتقوه في اليتامى، الذين يلونهم، فيعاملونهم بمثل ما يحبون أن تعامل به ذريتهم الضعاف بعد وفاتهم، والمقصود حثّ الأولياء، وبعثهم على حفظ أموال اليتامى بتنبيههم على حال أنفسهم وذرياتهم من بعدهم ليتصوروها، ويعرفوا مكان العبرة فيها. ولا شكّ أن ذلك من أقوى البواعث والدواعي في هذا المقصود. والآية على هذا المعنى مرتبطة بما قبلها، لأنّ قوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ إلخ في معنى الأمر للورثة، أي أعطوهم حقهم، وليحفظ الأوصياء ما أعطوه، ويخافوا عليهم كما يخافون على أولادهم. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس أيضا أنه قال في الآية: يعني الرجل يحضره الموت، فيقال: تصدّق من مالك، وأعتق، وأعط منه في سبيل الله، فنهوا أن يأمروا بذلك، يعني أنّ من حضر منكم مريضا عند الموت، فلا يأمره أن ينفق من ماله في العتق، أو في الصدقة أو في سبيل الله، ولكن يأمره أن يبيّن ماله وما عليه من مال، ويوصي من ماله لذوي قرابته الذين لا يرثون، يوصي لهم بالخمس أو الربع. يقول: أليس أحدكم إذا مات وله ولد ضعاف، أي صغار، لا يرضى أن يتركهم بغير مال، فيكونوا عيالا على الناس، فلا ينبغي لكم أن تأمروا بما لا ترضون به لأنفسكم ولأولادكم، ولكن قولوا الحق من ذلك، وعلى هذه الرواية تكون الآية أمرا لمن حضر المريض من العوّاد عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم، أو يخشوا أولاد المريض، ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم، فلا يأمروه بما يضر ورثته. ولم تخرج الآية بهذا التأويل عن أنها واردة في حفظ مال اليتيم والتوصية به، وعلى هذا يكون أول الكلام للأوصياء، وما بعده للورثة، وهذه الآية للأجانب، أمروا ألا يتركوا المريض يضرهم، وألا يأمروه بما يضرهم، فالآية مرتبطة بما قبلها أتمّ الارتباط. وعلى كلا القولين ترى المقصود من الأمر ألا يؤذوا اليتامى، ولا يضيّعوا حقوقهم، حتّى لا يعاقبهم الله في ذريتهم من بعدهم، فيسلّط عليهم من يؤذيهم، ويضيّع حقوقهم، وفي ذلك تهديد لهم بأنهم إن فعلوه أضاع الله أولادهم، ورمز إلى أنهم إن راعوا الأمر حفظ الله ذريتهم من بعدهم. والقول السديد في قوله تعالى: وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً الصواب العدل الموافق للشرع بأن يقول الولي لليتيم ما يقول لولده من القول الجميل الهادي إلى محاسن الآداب، وسنّي الخصال، ويقول عائد المريض ما يذكّره التوبة والنطق الشهادتين وحسن الظن بالله، وما يصده عن الإسراف في الوصية وتضييع الورثة.

стр. 220

قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠) يقال: صلي النار كرضي يصلاها، إذا قاسى حرّها، سواء بالقرب منها أو بالدخول فيها، والمراد هنا سيدخلون سعيرا. والسعير: فعيل، بمعنى مفعول، من سعّرت النار إذا أوقدتها وألهبتها. والآية مسوقة لتأكيد الأوامر والنواهي فيما سبق وتقريرها. وفي تقييد الأكل بحالة الظّلم دلالة على أن مال اليتيم قد يؤكل على وجه الاستحقاق، كالأجرة والقرض مثلا، فلا يكون ذلك ظلما، ولا الآكل ظالما. وذكر البطون مع أن الأكل لا يكون إلا فيها: إما لأنه قد شاع في استعمالهم أن يقولوا: أكل فلان في بطنه، يريدون ملء بطنه، فكأنه قيل: إنما يأكلون ملء بطونهم نارا، حتى يبشموا بها. وإما للتأكيد والمبالغة كما في قوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران: ١٦٧] والقول لا يكون إلا بالفم، وقوله: وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦] والقلوب لا تكون إلا في الصدور، وقوله: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الأنعام: ٣٨] والطير لا يطير إلا بجناحين، فقد قالوا: إنّ الغرض من ذلك كله التأكيد والمبالغة، وفيه على كل حال تبشيع لأكل مال اليتيم في حالة الظلم، وتنفير منه. اختلف المفسرون في كلمة ناراً أهي باقية على معناها، أم مجاز بمعنى ما يفضي إلى النار؟ ذهب إلى الأول عبيد الله بن أبي جعفر، فقد روي عنه أنه قال: من أكل مال اليتيم، فإنه يؤخذ بمشفره يوم القيامة فيملأ فمه جمرا، ويقال له: كل ما أكلته في الدنيا، ثم يدخل السّعير الكبرى. وأخرج ابن جرير «١» وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال: حدّثني النبي ﷺ عن ليلة أسري به، قال: «نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكّل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار، فيقذف في أفواههم حتّى يخرج من أسافلهم، ولهم خوار وصراخ، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما» . والجمهور من المفسرين على أنّ كلمة ناراً مجاز مرسل من ذكر المسبب وإرادة السبب، وحجتهم في ذلك قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً الإشارة فيه إلى أكل واحد، فكان حمله على التوسع أولى.

стр. 221

وظاهر الآية أنّ هذا الحكم عامّ لكل من يأكل مال اليتيم، سواء كان مؤمنا أم كافرا، لكنّ ابن جرير «١» أخرج عن زيد بن أسلم أنه قال: هذه الآية لأهل الشرك حين كانوا لا يوّرثون اليتامى، ويأكلون أموالهم، ولا يخفى أنّه إن أراد أنّ حكم الآية خاصّ بأهل الشرك فهو غير مسلم، وإن أراد أنها نزلت فيهم فلا بأس، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وفي بعض الأخبار أنه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس واحترزوا من مخالطة اليتامى حتى شقّ ذلك على اليتامى أنفسهم، فأنزل الله تعالى: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ «٢» [البقرة: ٢٢٠] . وزعم بعض الجهال أن قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى إلخ منسوخ بقوله تعالى: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وهو قول باطل، لأنّ الآية التي معنا في النهي عن الظلم، وهذا لا يصير منسوخا بحال، بل المقصود أنّ مخالطة اليتامى، إن كانت على سبيل الظلم فهو من أعظم أبواب الإثم، كما في الآية التي معنا، وإن كانت على سبيل التربية والإحسان فهو من أعظم أبواب البرّ كما في قوله تعالى: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ. خاتمة علم الله أنّ اليتامى قد فقدوا بموت آبائهم من يعولهم، ويقوم بكفالتهم، وأنهم لصغرهم عاجزين عن القيام بمصالحهم، فكان من رحمته جلّ شأنه بهم، وكمال عنايته بأمرهم: أن أنزل فيهم تسع آيات تتلى متتابعات من أول سورة النساء إلى آخر الآية السابقة، قرّر فيها جميعا الأمر بحفظ مال اليتيم ورعايته، وأكّد فيها النهي عن أكل ماله، وتضييع حقه، كما أنه أنزل فيهم آيات متفرقات، كلها تدل على العناية بهم، وتحث على حفظ مالهم، وحسن القيام بشؤونهم: فمنها قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام: ١٥٢] وقوله تعالى: وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ [النساء: ١٢٧] وقوله جلّ شأنه فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) [الضحى: ٩] وقوله سبحانه: فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة: ٢٢٠] وكذلك ورد التنويه بشأن من أحسن في كفالتهم بقوله ﷺ : «أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى» «٣» .

стр. 222

فما أدلّ هذا على سعة رحمة الله بالضعفاء وعظيم فضله عليهم! آيات المواريث قال الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١) قد ذكرنا لك فيما تقدم بعض الروايات في أسباب نزول آيات المواريث، ونذكر لك رواية أخرى فنقول: أخرج ابن جرير «١» في سبب نزول آيات المواريث عن السدي يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ أنه قال: كان أهل الجاهلية لا يورّثون الجواري ولا الصغار من الغلمان، لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها: أم كجّة، وترك خمس أخوات، فجاءت الورثة يأخذون ماله، فشكت أم كجّة ذلك إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله ﵎ هذه الآية: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ثم قال فى أم كجّة: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ. من ذلك يعلم الباحث أنّ الشريعة الإسلامية جاءت والعرب تظلم النساء، ولا تعطيهن من ميراث أزواجهن وآبائهن شيئا، بدعوى أنهنّ لا يقاتلن العدوّ، ولا يحزن الغنيمة، فقرّرت الشريعة بهذه الآية لهن حقا في الميراث، وكبر ذلك على العرب، فكانوا يودّون أن ينسخ ذلك الحكم، أو ينسى، لما أنه كان يخالف ما ألفوه، فقد روى ابن جرير «٢» عن ابن عباس قال: إنه لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد، الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس أو بعضهم، وقالوا: تعطى المرأة الربع والثمن، وتعطى الابنة النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم، ولا يجوز الغنيمة، اسكتوا عن هذا الحديث لعلّ رسول الله ينساه، أو نقول له فيغيره، فقال بعضهم: يا رسول الله أنعطي الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس، ولا تقاتل القوم، ونعطي الصبيّ الميراث، وليس يغني شيئا؟ وكانوا

стр. 223

يفعلون ذلك في الجاهلية لا يعطون الميراث إلا من قاتل، ويعطونه الأكبر فالأكبر. هذا شأن الإسلام مع المرأة أخذ بضبعيها، وأناف بها على اليفاع. ورّثها بعد أن لم تكن ترث، وجعل لها نصيبا مفروضا على كره من الرجال، ولكن نبتت نابتة في هذا الزمان يقولون: إن الإسلام بخس المرأة حقها في الميراث، وجعلها على النصف من حظ الرجل، ويريدون تسوية المرأة بالرجل في الميراث. ومن نظر وجد أنّ الشريعة عاملت المرأة بالرأفة، فهي حين أعطتها نصف حظ الرجل جعلت نفقتها ونفقة خدمها وأولادها على الرجل، وحين أعطت الرجل ضعف المرأة كلّفت الرجل بالنفقة على زوجته وأولادها، فنصيب الرجل يشركه فيه الكثير، ونصيبها لها خاصة، فأيّ برّ بالمرأة أعظم من هذا البر، وأيّ رفق بها أكثر من هذا الرفق، هذا إلى ما منحتها إياه من حق الميراث، وقد كانت محرومة هذا الحق. ميراث الأولاد يقول الله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ أي يعهد إليكم في ميراث أولادكم، وهذا إجمال بيانه ما بعده لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ إلخ أي إذا مات الميت، وترك أولادا ذكورا وإناثا، فللذكر مثل حظ الأنثيين، فيكون حظّ الذّكر ضعف حظّ المرأة فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ أي وإن كان المتروكات نساء فوق اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ يقول الله: فإن ترك النساء ليس معهن ذكور، فإن كن ثلاثا فأكثر فلهن الثلثان، وإن كانت واحدة، أي وإن كانت المتروكة واحدة فلها النصف. وقد ذكر الله حكم البنت إذا لم يكن معها أخ ذكر، وحكم البنات إذا انفردن أيضا، ولم يذكر الله حكم البنتين إذا انفردتا عن أخ ذكر، وقد اختلف العلماء في حكمهما، فألحقهما ابن عباس بالبنت الواحدة، وأعطاهما النصف، ووجهه أنّ الله تعالى قال: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ فجعل الثلثين للنساء إذا كن فوق اثنتين، فلا نعطيهما إذا كانتا اثنتين. وقال الجمهور: البنتان لاحقتان بالبنات، فلهما الثلثان كما لهن الثلثان، وهذا أولى لأمور: أولها: قياس البنتين على الأختين، وقد قال الله فيهما: فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ، والبنات أقرب للميت من الأختين، فإذا كان للأختين الثلثان فأولى أن يكونا للبنتين. ثانيهما: أن البنت تأخذ مع أخيها الثلث، فأولى أن تأخذه مع أختها، ويكون لهما الثلثان.

стр. 224

ثالثها: أنه روي عن ابن مسعود في «الصحيح» «١» عن النبي ﷺ أنه قضى في بنت وبنت ابن وأخت: بالسدس لبنت الابن، والنصف للبنت تكملة الثلثين، فجعل لبنت الابن مع البنت الثلثين، فبالأحرى يكون للبنتين الثلثان. وقد يجوز أن يكون معنى قوله: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فإن كنّ نساء اثنتين فما فوق، كقوله: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ [الأنفال: ١٢] أي اضربوا الأعناق فما فوقها. وقد تحصّل أنّ الله ذكر للأولاد في الميراث ثلاث أحوال: ١- أن يترك الميت أولادا ذكورا وإناثا، فهم يرثون المال، للذكر ضعف الأنثى. ٢- أن يترك الميت بنتين فما فوق، وليس معهما أخ ذكر، فلهما أو لهن الثلثان. ٣- أن يترك الميت بنتا واحدة، وليس معها أخ ذكر، فلها النصف. وقد ذكرت السنّة حالة أخرى، وهي: أن يترك الميت بنتا، وبنت ابن، فللبنت النصف، ولبنت الابن السدس. وقال العلماء: إن أولاد الابن وأولادهم يقومون مقام الأولاد إذا عدموا، وإنّ الطبقة العليا تحجب الطبقة السفلى، فإن كان الولد الأعلى ذكرا سقط الأسفل، وإن كان الولد الأعلى أنثى أخذت الأنثى حقها، وبقي الباقي لولد الولد، إن كان ذكرا، وإن كان ولد الولد أنثى أعطيت العليا النصف، وأعطيت السفلى السدس، تكملة الثلثين، لأنا نقدرهما بنتين متفاوتتين في الرتبة، فاشتركتا في الثلثين بحكم البنتية، وتفاوتتا في القسمة بتفاوت الدرجة، وبهذه الحكمة جاءت السنة. وإن كان الولد الأعلى بنتين أخذتا الثلثين، فإن كان الولد الأسفل أنثى لم يكن لها شيء إلا أن يكون بإزائها أو أسفل منها ذكر، فإنّها تأخذ معه ما بقي، للذكر مثل حظ الأنثيين. ميراث الأبوين وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ. يقول: ولكل واحد من أبوي الميت السدس إن كان له ولد، ذكرا أو أنثى، واحدا كان أو جماعة، فإن لم يكن ولد ذكر ولا أنثى، وورثه أبواه، فلأمه الثلث. فإن كان له إخوة، فلأمه السدس، فإخوة الميت ينقصون الأمّ من الثلث إلى

стр. 225

السدس، وإذا شرط الله في حجبها من الثلث إلى السدس الجماعة من الأخوة علم أنّ الأخ الواحد لا يحجبها عن الثلث، فلها معه الثلث. أما الأخوان فقد اختلف فيهما العلماء، أيكونان كالأخوة فهما يحجبان الأم من الثلث إلى السدس، أم يكونان كالأخ الواحد فلا يحجبانها! بالأول قال جمهور الصحابة والعلماء المجتهدين، وبالثاني قال ابن عباس، وحجته أنّ الله قال: إِخْوَةٌ والجمع خلاف التثنية، فمن يحجب من الإخوة الجمع لا الاثنان. وقد أخرج ابن جرير «١» عن ابن عباس أنه دخل على عثمان ﵃ فقال: لم صار الأخوان يردّان الأم إلى السدس، وإنما قال الله: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان ﵁: هل أستطيع نقض أمر كان قبلي، وتوارثه الناس، ومضى في الأمصار؟ وحجة الجمهور أن الإخوة تفيد معنى الجمعية المطلقة بغير كمية، والأخوان جمع واحد إلى واحد، وضمّ له، وقد ورد في اللغة إطلاق الجمع على الاثنين، قال الله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التحريم: ٤] وقال: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) [ص: ٢١] ثم قال: خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ [ص: ٢٢] وهذا سائغ إذا قام الدليل، والدليل أنهم لما رأوا الشارع جعل الأختين كالثلاث في الميراث، والبنتين كالثلاث، جعل الأخوين كالثلاثة في الحجب، ولا فرق في الإخوة بين أن يكونوا ذكورا أو إناثا، أو ذكورا وإناثا، والذكر من الأخوة كالأنثى في هذا الباب. وقد علمنا مما تقدم أن للأم الثلث، ولا يحجبها عنه إلى السدس إلا الفرع الوارث، أو اثنان فصاعدا من الإخوة أو الأخوات. وأن للأب السدس مع الفرع الوارث، فإن كان الفرع الوارث بنتا أخذت النصف، وورث الأب بالفرض والتعصيب. مسألة العمريتين ١- ماتت امرأة وتركت زوجا وأبوين. لو ذهبنا نورّث الأم على حسب ما مضى كان لها الثلث، ومعلوم أنّ للزوج النصف، فيكون الباقي- وهو السدس- للأب، وحينئذ تأخذ الأم- وهي أنثى- ضعف الأب، وهو ذكر. وهذا لم يعهد في الفرائض، فإنه إذا اجتمع ذكر أو أنثى في طبقة كالابن والبنت، والجد والجدة والأب والأم، والأخ والأخت فإما أن يأخذ الذكر ضعف ما تأخذ الأنثى، أو يساويها، وإما أن تأخذ الأنثى ضعف الذكر، فهذا خلاف قاعدة الفرائض.

стр. 226

وقد وقعت هذه المسألة للصحابة، فقال فيها عمر وعثمان وابن مسعود وزيد بن ثابت وجمهور الصحابة: إن للأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوج، وهو السدس، وللأب الثلث. وقد خالف فيها ابن عباس، فقال: للأم ثلث المال، وناظر فيها زيد بن ثابت، وقال: أين في كتاب الله ثلث ما بقي؟ فقال زيد: وليس في كتاب الله إعطاؤها الثلث كله مع الزوجين، وقد أشار زيد إلى جواب المسألة، وهو أنّ الله أعطاها الثلث إن لم يكن ولد، وورثه الأبوان فقط، لأنه قال: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فلو كانت تستحقّ الثلث مطلقا ولو مع وارث آخر لكان قوله: وَوَرِثَهُ أَبَواهُ عديم الفائدة، فعلم أنها تستحقّ الثلث إذا لم يكن معهما وارث. بقيت حالة وهي ألا يكون ولد ولم ينفرد الأبوان بالميراث، وذلك لا يكون إلا مع الزوج والزوجة، فإما أن تعطى الثلث كاملا، وهو خلاف معهود الفرائض، وإما أن تعطى السّدس، والله لم يجعلها لها فرضا إلا في موضعين، مع الولد، ومع الأخوة، وإذا امتنع هذا وهذا، كان الباقي بعد فرض الزوجين هو المال الذي يستحقه الأبوان، ولا يشاركهما فيه مشارك، فهو بمنزلة المال كله إذا لم يكن زوج ولا زوجة، فإذا تقاسماه أثلاثا كان الواجب أن يتقاسما الباقي بعد فرض الزوجين كذلك. ٢- مات رجل، وترك زوجة وأبوين، هذه ثانية العمريتين، وفيها أيضا تأخذ الأم ثلث الباقي في بعد فرض الزوجة، والكلام فيها مثل الكلام في سابقتها سواء بسواء. فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ قال الزمخشري «١» : متعلق بما تقدم من قسمة المواريث كلها، لا بما يليه وحده، كأنه قيل: قسمة هذه الأنصبة من بعد وصية يوصى بها. وقد روي عن رسول الله ﷺ أن الدين مقدّم على الوصية، روى ابن جرير «٢» عن علي ﵁ أنكم تقرءون هذه الآية مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ إنّ رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، فليس لأحد من الورثة، ولا من الموصّى لهم حقّ في التركة إلا بعد قضاء الدين، ولو استغرق الدّين التركة فليس لأحد شيء. وهذا الدّين الذي قدّم على الوصية والميراث تقدّم عليه مؤونة تجهيز الميت، فكما أنه لا سبيل للغرماء إلى قوته وكسوته في حياته، كذلك لا سبيل لهم إلى مؤونة تجهيزه في وفاته. وإنما قدّم الدين على الوصية والميراث، لأن ذمته مرتهنة به، وأداء الدين أولى

стр. 227

من فعل الخير الذي يتقرّب به، والوصية إنما تقدّم على الميراث في بعض المال، وهو الثلث، وإنما كان كذلك لأنه لو منع من الوصية البتة لفاته باب من الخير عظيم. ولو سلّط عليه جميعه لربما أخرجه كله بالوصية، ولم يبق لورثته شيء، فجعل الله له عند موته أن يوصي بالثلث فقط، ليجمع بين خيره وخير ورثته. وإنما قدّم الله الوصية على الدين في الذكر، مع أنه مقدّم عليها، وأولى منها، ولا وصية إلّا بعد وفاء الدين، لأنّ الدين معلوم قوته، قدّم أو لم يقدّم، فأراد أن يقوّي من شأن الوصية، فقدمها في الذكر. على أن أَوْ لا تقتضي الترتيب، وأَوْ هاهنا للإباحة، كما في قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين. والمعنى: من بعد أحدهما، ومن بعدهما إذا اجتمعا. آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً يقول الله تعالى: هؤلاء الذين أوصاكم الله فيهم، وحدّ أنصباءهم، هم آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فحد أنصباءهم ولم يكل ذلك إليكم، لأنكم لا تدرون أيّهم أقرب لكم نفعا. فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ نصب المصدر المؤكد، أي فرض الله ذلك فريضة. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً يعلم بما يصلح خلقه، وهو ذو حكمة في تدبيره، وفيما قسّم من ميراث بعضكم من بعض، وفيما يقضي بينكم من الأحكام، فسلموا قسمته في المواريث، وسلّموا ما قضى به من إعطاء النساء والضعفاء- وقد كنتم تحرمونهم- لأنّه قضاء من لا تخفى عليه مواضع المصلحة. ميراث الأزواج والزوجات قال الله تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ الورثة المذكورون في قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلى قوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ. أقسام ثلاثة، لأنّ الوارث إما أن يكون متصلا بالميت بواسطة، أو بغير واسطة. فالأول هو الكلالة، والثاني إما أن يكون السبب النسب أو الزوجية، فتلك أقسام ثلاثة، وأعلى هذه الأقسام وأشرفها ما كان الاتصال فيه حاصلا ابتداء من جهة النسب، وذلك هو الأولاد والوالدان، فالله تعالى قدم حكم هذا القسم لذلك، ثم عقّبه بالقسم الثاني، وهو ما كان الاتصال فيه حاصلا ابتداء من جهة الزوجية، وهذا القسم متأخر في الشرف عن القسم الأول، لأنّ القسم الأول أصلي، والثاني طارئ، ويلي ذلك القسم

стр. 228

الثالث وهو الكلالة، لأن الاتصال فيه ليس ابتداء، بل بواسطة، ولأن القسمين الأولين لا يعرض لهما السقوط بحال، بخلاف القسم الثالث، فإنه قد يعرض له السقوط بالكلية. وقد جعل الله للزّوج النصف من زوجته إن لم يكن لها ولد، وجعل له الربع منها إن كان لها ولد، سواء أكان ذلك الولد منه أم من غيره، وسواء في ذلك الذكر والأنثى، والواحد والمتعدد، والمباشر وولد الولد. وجعل ميراث الزوجة من زوجها الربع إن لم يكن للزوج ولد، وجعل لها الثمن إن كان له ولد على التعميم السابق، فإن تعددت زوجات الميت اشتركن في الربع، أو في الثمن. وهذا كله من بعد الوصية والدّين كما تقدم. ميراث الكلالة قال الله تعالى: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ. اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في الكلالة. فذهب أبو بكر إلى أنّها من عدا الوالد والولد، أخرج ابن جرير «١» عن الشعبي، قال: قال أبو بكر ﵁: إني رأيت في الكلالة رأيا، فإن كان صوابا فمن الله وحده لا شريك له، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله منه بريء. إن الكلالة ما خلا الوالد والولد. وذهب عمر إلى أنها من عدا الولد، وروي أنّ عمر رجع عن ذلك بعد أن طعن، وقال: كنت أرى أن الكلالة من لا ولد له، وأنا أستحيي أن أخالف أبا بكر، الكلالة من عدا الوالد والولد. وروي عنه أيضا التوقف، وكان يقول: ثلاثة لأن يكون بيّنها الرسول ﷺ لنا أحب إليّ من الدنيا وما فيها: الكلالة، والخلافة، والربا، ويظهر أنّ حجة عمر رضى الله عنه أن الله ذكر الكلالة في آخر السورة فقال: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ [النساء: ١٧٦] والظاهر أن قوله: لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ تفسير للكلالة، والراجح قول أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ويدلّ على ذلك اشتقاق الكلمة فإنّ مادة (كلّ) تدل على الضعف، يقال: كلّ الرجل يكلّ كلالا وكلالة إذا أعيا، وذهبت قوته، ثم استعاروا هذا اللفظ للقرابة، لا من جهة الولادة أي القرابة الضعيفة، وقد علمت أنّ القرابة بالولادة قوية، فلا يطلق عليها كلالة، ويدل على ذلك أنّ الله حكم بتوريث

стр. 229

الأخوة والأخوات إذا ورث كلالة، ولا شكّ أنّ الإخوة والأخوات لا يرثون عند وجود الأب، فوجب ألا يكون الوالد من الكلالة. الكلالة ترد وصفا للميت، ويراد بها من لا يرثه والد ولا ولد، وقد ترد وصفا للوارث، ويراد بها من عدا الوالد. فمن الأوّل قول الشاعر «١» : ورثتم قناة المجد لا عن كلالة عن ابني مناف عبد شمس وهاشم ومن الثاني ما في حديث جابر قال: مرضت مرضا أشفيت منه على الموت، فأتاني النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله إني رجل لا يرثني إلا كلالة، وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد «٢» . والظاهر أنها في الآية وصف للميت، لأنّها حال من نائب فاعل يورث، وهو ضمير الميت، ثم إذا كانت مصدرا قدّر مضافا، أي ذا كلالة، وإن كانت صفة كالهجاجة والفقاقة للأحمق لم يحتج الأمر إلى مضاف. والمراد بالأخوة هنا الأخوة للأم، دون الأخوة الأشقاء، ودون الإخوة للأب، بدليل قراءة سعد بن أبي وقاص (وله أخ أو أخت من أم) «٣» ويدل عليه أيضا غير هذه القراءة أن الله ذكر ميراث الإخوة مرتين هاهنا، ومرة في آخر هذه السورة، فجعل هاهنا للواحد السدس، وللأكثر الثلث شركة، وجعل في آخر السورة للأخت الواحدة النصف، وللاثنتين الثلثين، وللذكر المال، فوجب أن يكون الإخوة لأب وأم أو لأب، فتعيّن أن يكون المراد هنا الإخوة لأم، ويرجحه أنّ الفرض هنا الثلث أو السدس، وهو فرض الأم، فناسب أن يكون فرض الإخوة الذين يدلون بها، وهم الإخوة لأم. وقد تبين أنّ الإخوة لأم لهم حالتان: ١- أخ لأمّ منفرد، أو أخت لأم منفردة، وله أو لها السدس. ٢- أن يتعدد الأخ لأم أو الأخت لأم وفي هذه الحالة يكونون شركاء في الثلث، يقسّم بينهما بالسوية، لأنثاهم مثل ذكرهم، لأن مطلق التشريك يدلّ عليه. ويمنع الإخوة لأمّ من الميراث الوالد والولد، لأنّ الله جعل لهما ذلك النصيب إذا كان الميت يورث كلالة، وقد ذكرنا أنّها من يرثه غير الوالد والولد. وهنا بحث لفظي، وهو أن الله تعالى قال: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ ثم قال: وَلَهُ أَخٌ فكنّى عن الرجل، ولم يكنّ عن المرأة، وهذا في العطف

стр. 230

بأو جائز، ويجوز في مثل هذا الكلام أن تكنّي عن المرأة أو تكنّي عنهما معا، قال الفراء «١» : إذا جاء حرفان في معنى بأو جاز إسناد التفسير إلى أيهما أريد، ويجوز إسناده إليهما أيضا، تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله، يذهب إلى الأخ، أو فليصلها يذهب إلى الأخت ولو قلت: فليصلهما جاز أيضا. مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ. يقول الله: هذه القسمة للإخوة للأم من بعد وصية يوصي بها الميت، أو دين وهو غير مضار الورثة بوصيته أو دينه، والمضارة بالوصية أن يوصي بأكثر من الثلث، أو به فأقل، قاصدا ضرار الورثة دون وجه الله، والمضارّة في الدين أن يقرّ بدين لمن ليس له عليه دين، وعن قتادة كره الله الضرار في الحياة وعند الممات ونهى عنه. وتفيد الآية أن الوصية والدين اللذين قصد بهما الضرار لا يجب تنفيذهما، لأنه شرط في إخراجهما قبل التوريث عدم المضارة. وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ مصدر مؤكد، ناصبه يوصيكم، أي يوصيكم بذلك وصية، أي يعهد إليكم به عهدا وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ يقول: والله ذو علم بمصالح عباده وبمضارهم، وبمن يستحق الميراث ومن لا يستحق، وبمقدار ما يستحقه المستحق حَلِيمٌ لا يعجّل بالعقوبة على من عصاه فظلم عباده، وأعطى الميراث لأهل الجلد والقوة، وحرم الضعفاء من النساء والصغار، فهو معاقبهم، ولكنه يحلم عليهم، فلا يعاجلهم بالعقوبة، فلا يظنوا أنهم سيفلتون فلا يعاقبون. قال الله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) حدّ كل شيء ما فصل بينه وبين غيره، ومنه حدود الدار، وحدود الأرضين، لفصلها بين ما حد بها وبين غيره. فالمعنى: هذه القسمة التي قسمها لكم ربكم، والأنصباء التي جعلها لأحيائكم من أموال موتاكم فصول ما بين طاعته ومعصيته، فالكلام على حذف مضاف، أي حدود طاعته، وإنما ترك لعلمه من الكلام. ومن يطع الله ورسوله بالتزام ما حدّ من المواريث يدخله جنات تجري من تحت أشجارها وزرعها الأنهار، باقين فيها، لا يموتون ولا يفنون، ودخول الجنة الباقية هو الفوز العظيم.

стр. 231

قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤) يقول الله: ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدود ما حدّ من المواريث يدخله نارا باقيا فيها، لا يموت ولا يفنى، وله عذاب مذل، مخز من عذبّ به، وهذا يحمل على الذين تعدّوا حدوده مكذبين بصلاحها. وهنا مسائل لا بد من ذكرها لتعلقها بآيات المواريث: ١- قال الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلخ، وهذا يعمّ أولاد المسلمين والكافرين، والأحرار والأرقاء، والقاتلين عمدا وغير القاتلين، وكذلك يقال فيما بعده، ولكن السنة خصصت البعض من هذا العموم، فأخرجت الكافر، فقد ورد في «الصحيح» «١» عن النبي ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» . وورد أيضا قوله ﷺ : «لا يتوارث أهل ملتين» «٢» ، وقد أخذ الجمهور بظاهر هذين الحديثين، فلم يورّثوا مسلما من كافر، ولا كافرا من مسلم. وذهب بعضهم إلى أنّ الكافر لا يرث المسلم ولكنّ المسلم يرث الكافر، قال الشعبي: قضى معاوية بذلك، وكتب به إلى زياد «٣» ، فأرسل ذلك زياد إلى شريح القاضي وأمره به، وكان شريح قبل ذلك يقضي بعدم التوريث، فلما أمره زياد بذلك كان يقضي به، ويقول: هكذا قضى أمير المؤمنين، وحجتهم ما روي أن معاذا كان باليمن، فذكروا له أن يهوديا مات وترك أخا مسلما، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: «الإسلام يزيد ولا ينقص، وورّثه» «٤» فكأنه خصّص الحديثين الأولين بهذا الحديث الأخير، ثم خصص بهما الآية. وأنت تعلم أن حديث «الإسلام يزيد ولا ينقص» ليس نصا في إرث المسلم من الكافر، فلا يخصّص به، وكما أن الكافر لا يرث المسلم لا يحجبه، وقال ابن مسعود: يحجب، وهذا ليس بظاهر، لأنّ الشريعة جعلته في باب الإرث كالعدم، فكذلك في باب الحجب، لأنه أحد حكمي الميراث، وكما أن الكافر لم يدخل في

стр. 232

قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ كذلك لم يدخل في قوله: إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ. وقد رأوا أيضا أنّ الحرّ والعبد لا يتوارثان، لأن العبد لا يملك، وأن القاتل عمدا لا يرث من قتله، معاملة له بنقيض مقصوده. ٢- قد يترك الميت أصحاب فروض لا تستغرق فروضهم الميراث، ومعهم عاصب، كأن يترك بنتين وعمّا، فللبنتين الثلثان، ويبقى الثلث، ولم يبيّن في آيات المواريث لمن يكون الباقي، وقد بيّنت السنة حكم ذلك. فقد ورد في «الصحيح» «١» أن رسول الله ﷺ قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت فلأولى رجل ذكر» ولأجل ذلك قدم الأقرب في العصبة على الأبعد، كالأخ الشقيق يقدم على الأخ لأب، وابن الأخ الشقيق يقدم على ابن الأخ لأب، ويقدم الأخ للأب على ابن الأخ الشقيق. ٣- قد يحدث أن يجتمع أصحاب فروض لا تستغرق فروضهم الميراث، وليس معهم عاصب، وقد اختلف العلماء في الباقي بعد أنصباء ذوي الفروض، فقال بعضهم: يردّ على ذوي الفروض بقدر حقوقهم. وقال بعضهم: لا يرد عليهم، بل هو لبيت مال المسلمين، وعلى القول الأول عامة الصحابة. وبالثاني قال زيد بن ثابت، وبه أخذ عروة والزهري والشافعي، لكنّ المحققين من الشافعية قالوا: إذا لم ينتظم بيت المال يردّ على ذوي الفروض بنسبة فروضهم، وإلا كان لبيت المال. والقائلون بالرد اختلفوا فيمن يردّ عليه، فالأكثرون على أنه يردّ على جميع ذوي الفروض إلا الزوجين، وهو مذهب الحنفية والشافعية. وألحق ابن عباس بالزوجين الجدة في المنع، وقال عثمان ﵁: يرد على ذوي الفروض جميعا حتى الزوجين. احتج من أبى الردّ بأن الله تعالى قدّر نصيب أصحاب الفرائض بالنص الظاهر، فلا يجوز أن يزاد عليه، لأن الزيادة تعدّ لحدود الله في الميراث، وقد قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤) . وبأنّ الفاضل عن فروضهم مال لا مستحق له فيكون لبيت المال، كما إذا لم يترك وارثا أصلا، اعتبارا للبعض بالكل. واحتج القائلون بالرد بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [الأحزاب: ٦]

стр. 233

أي بعضهم أولى بميراث بعض بسبب الرحم، فهذه الآية دلّت على استحقاقهم جميع الميراث بصلة الرحم، وآية المواريث أوجبت استحقاق جزء معلوم من المال لكل واحد منهم، فوجب العمل بالآيتين، بأن يجعل لكل واحد فرضه بتلك الآية، ثم يجعل ما بقي مستحقا لهم للرحم بهذه الآية، ولهذا لا يرد على الزوجين بوصف الزوجية، لانعدام الرحم في حقهما، إذا لم يكونا من ذوي الأرحام. ٤- قد يجتمع ذوو فروض مقدّرة في كتاب الله، فإذا ذهبنا نعطيهم فروضهم المقدّرة ضاقت التركة عن أنصبائهم، كزوج، وأخت شقيقة، وأم، فلو أخذت الأخت النصف، والزوج النصف، والأمّ الثلث، استغرق النصفان التركة، ولم يبق فيها ثلث، ولم تحدث مسألة كهذه في عهده ﷺ ، وإنما أول ما حدثت في عهد عمر ﵁. وقد اختلف رأيه ورأي ابن عباس، فكان رأي عمر العول، وهو أول من حكم بالعول في الإسلام، وذلك أنّه قسّم التركة على سهامهم، فأدخل النقص عليهم جميعا، تشبيها بالغرماء إذا ضاق المال عن ديونهم، فإنهم يتحاصّون بقدر ديونهم، وذهب ابن عباس إلى أنه يقدّم ما قدم الله، ويؤخّر ما أخر، وهذا الأثر الذي سنتلوه عليك يشرح لك المسألة. ذكر «شارح السراجية» «١» أن أول من حكم بالعول عمر، فإنه وقعت في عهده صورة ضاق مخرجها عن فروضها، فشاور الصحابة فيها، فأشار العباس بالعول، وقال: أعيلوا الفرائض، فتابعوه على ذلك، ولم ينكره أحد إلا ابنه بعد موته، فقيل له: هلا أنكرته زمن عمر، فقال: هبته، وكان مهيبا. وسأله رجل كيف تصنع بالفريضة العائلة؟ فقال أدخل الضرر على من هو أسوأ حالا، وهن البنات والأخوات، فإنهنّ ينقلن من فرض مقدّر إلى فرض غير مقدّر، فقال رجل: ما تغنيك فتواك شيئا، فإنّ ميراثك يقسّم بين ورثتك على غير رأيك فغضب وقال: هلا تجتمعون حتى نبتهل، فنجعل لعنة الله على الكاذبين، إنّ الذي أحصى رمل عالج عددا لم يجعل في مال نصفين وثلثا. ونحن نرى أن هنا أصلين يمكن أن تقاس هذه المسألة على كل منهما: الأصل الأول: إن التركة يقدم فيها الأهم ك (التجهيز) على المهم ك (الدين) ويقدم الدين على الوصية، فكذلك هذه المسألة، وإلى هذا ذهب ابن عباس.

стр. 234

الأصل الثاني: الغرماء، إذا ضاق المال عن ديونهم فإنهم يتحاصّون على قدر مالهم، فيمكن أن تشبه هذه المسألة بها، وإليه ذهب عمر والصحابة ونرى أنه أعدل. قال الله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) اللاتي: جمع التي، وهي تستعمل في جمع من يعقل، أما إذا أريد جمع ما لا يعقل من المؤنث فإنه يقال التي، فتقول: النسوة اللاتي خرجن، والأثواب التي لبست، وبعضهم يسوّي بينهما، فيقول في الجمع المؤنث لمن يعقل: التي، والأول هو المختار. والفاحشة: الفعلة القبيحة، وهي مصدر عند أهل اللغة، كالعافية، يقال: فحش الرجل يفحش فحشا وفاحشة، وأفحش إذا جاء بالقبيح من القول أو الفعل، واتفقوا على أنّ المراد بها هنا الزنى، والإتيان الفعل والمباشرة، يقال: أتى الفاحشة وأتى بها بمعنى. يقول الله: والنساء اللاتي يزنين من نسائكم، فأشهدوا على زناهنّ أربعة من رجالكم، فإن شهدوا بذلك، فاحبسوهن في البيوت حتى يتوفاهنّ ملك الموت، أو يجعل الله لهن مخرجا مما أتين به. وقد كان ذلك في أول الأمر، ثم جعل الله لهن سبيلا: الجلد والرجم. أخرج ابن جرير «١» عن ابن عباس قوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ إلى قوله تعالى أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا فكانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت ثم أنزل الله ﵎ بعد ذلك: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: ٢] فإن كانا محصنين رجما، فهذا سبيلهما الذي جعل الله لهما. وأخرج «٢» أيضا عن عبادة بن الصامت قال: قال نبي الله ﷺ : «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب تجلد مائة وترجم بالحجارة. والبكر جلد مائة ونفي سنة» . وقد ذهبت العلماء إلى أنّ السبيل الذي جعل للثيب هو الرجم دون الجلد، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه رجم ولم يجلد، فاستدلوا بما صح من فعل النبي ﷺ «٣» على قوله: وهو خبر عبادة بن الصامت.

стр. 235

قال الله تعالى: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (١٦) يقول الله: الرجل والمرأة اللذان يأتيان الفاحشة منكم فآذوهما بالقول، وعيّروهما، ووبخوهما على ما أتيا من الفاحشة، وإن تابا وأصلحا فاتركوا إيذاءهما، إن الله كان توابا على عباده، رحيما بهم، وقد اختلف في المراد باللذين يأتيان الفاحشة على أقوال: ١- أنهما الرجل والمرأة البكران، وهو قول السدي وابن زيد. ٢- أنهما الرجلان الزانيان، وهو قول مجاهد. ٣- أنهما الرجل والمرأة لا فرق بين بكر وثيب، وهو قول عطاء. والمختار أنهما الرجل والمرأة البكران، أما أنه لم يرد الرجلين فلأنه قال: واللذان، والعرب تعبّر في مثل هذا إما بالمفرد، وإما بالجمع، ولا تعبر بالتثنية إلا إذا كان الفعل لا يكون إلا من اثنين، كالزنى. وأرادت أن تبين حكم الفاعل والمفعول. وأما أنهما بكران دون الثيبين فلأن الله ذكر حكمين: أحدهما: الحبس في البيوت، والثاني: الإيذاء، ولا شك أن من حكم عليه بالأول خلاف من حكم عليه بالثاني، والشرع يخفف في البكر، ويشدد على الثيّب، ولذلك لما نسخ هذا الحكم، جعل للثيب الرجم، وللبكر الجلد، فجعلنا الحكم الشديد وهو الحبس على الثيب، والحكم الأخف وهو الإيذاء على البكر. وقد نسخ حكم هذه الآية بآية النور، فجعل حكم الزانيين البكرين جلد مائة. أخرج ابن جرير «١» عن الحسن البصري وعكرمة قالا: في قوله تعالى: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما الآية نسخ ذلك بآية الجلد فقال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ. وأخرج أيضا «٢» عن ابن عباس قوله: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فأنزل الله بعد هذا: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ فإن كانا محصنين رجما في سنّة رسول الله ﷺ . وقد علمت من القول المختار أنّ الله ذكر في آيتي النساء حكم الزانيات الثيّبات، وحكم الزاني والزانية البكرين، ولم يذكر حكم الزاني الثيب، ولعلّه تركه لعلمه بالقياس على المرأة الثيب، هذا تفسير السلف في الآيتين.

стр. 236

ولأبي مسلم الأصفهاني تفسير آخر بناه على مذهبه من عدم نسخ شيء من القرآن، وهو أنّ المراد باللاتي يأتين الفاحشة السحاقات، وباللذين يأتيانها اللوطيان، أما حكم الزنى فبيّن في سورة النور، ويرى أنّ هذا أولى لوجوه: أولا: أنه يبقي كلّ آية على حكمها، فلا ينسخ منها شيء. وثانيا: أنّ الآية الأولى خاصة بالنساء، والثانية خاصة بالذكور، فيعلم أنه أراد فاحشة تكون من النساء في الأولى وهي السحاق، وفاحشة تكون من الذكور في الثانية وهي اللواط، ولو أراد الزنى لذكر حكم الزاني والزانية في آية واحدة، كما في سورة النور. وثالثا: أنه على هذا التفسير لا يكون في الآيتين تكرار، أما على القول الآخر فتكون الآيتان في الزنى فيفضي إلى تكرار الشيء في الموضع الواحد مرتين، وقد علمت مما تلوناه عليك من تفسير السلف أنه لا قائل بهذا القول من السلف، وأنه لا تكرار، إذا الحكم الأول في الثيب، والحكم الثاني في البكر. وقد زعم الرازي أنّ مجاهدا من السلف قد قال بهذا القول، ولعله قد ظن أن مجاهدا يريد من الرواية التي تقدمت في الرجلين اللواط، وقد نظرنا فوجدنا أنه يريد الزانيين، بدليل أنه رأى أن آية النور نسختها. قال الله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧) لما ذكر الله في الآية السابقة أنّ توبة اللذين أتيا الفاحشة تفيدهما، ناسب أن يبيّن بعد شروط التوبة ووقتها فقال: إِنَّمَا التَّوْبَةُ ... إلخ. يعني ليس قبول التوبة على الله لأحد من خلقه إلا لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ، وظاهر الآية أنّ من عمل السوء عالما به لا تقبل توبته، وهذا مخالف لما علم من الشريعة، ومن مثل قوله: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: ٥٣] . وإن من عمل السوء عن جهل مؤاخذ، وفي حاجة إلى التوبة، مع أنّه لم يذنب ولمكان هذا ذهب العلماء إلى تأويل الجهالة مذاهب شتى، أقربها أنّ كلّ من عصى الله سمّي جاهلا، وسمّي فعله جهالة، قال الله حكاية عن يوسف: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ [يوسف: ٣٣] وقال: قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [البقرة: ٦٧] وقال: فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [هود: ٤٦] . ووجه تسمية العاصي جاهلا- وإن عصى عن علم- أنه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما عصى ربّه فلما لم يستعمل هذا العلم صار كأنّه لا علم له،

стр. 237

فسمي العاصي جاهلا لذلك، سواء أتى ذلك مع العلم بكونها معصية، أم مع الجهل بذلك، وإلى ذلك ذهب كثير من السلف. أخرج ابن جرير «١» عن قتادة قوله: لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فرأوا أنّ كل شيء عصي به فهو جهالة، عمدا كان أو غيره. وأخرج «٢» أيضا عن مجاهد قال: كل من عمل بمعصية الله فذاك منه بجهل حتى يرجع عنه. وذهب الفخر الرازي إلى أنّ الجهالة على معناها، وأنّ الآية عرضت لمن يجب قبول توبته وجوب تفضل، وذلك ليس إلا لمن عمل السوء عن جهالة، أما من فعل السوء عن علم فليس يجب قبول توبته على الله، والتزم أن بعض من يعملون السوء عن جهل مذنبون كاليهودي الذي لا يعلم بطلان مذهبه. وإنما أوخذ لأنه متمكن من أن يعلم، وهذا فرق بينه وبين الناسي، قوله: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ معنى القرب فيه يعلم من مقابله، وهو قوله: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ. فكل ما كان قبل حضور الموت فهو قريب، وحضور الموت هو وصولهم إلى حالة يغلبون فيها على عقولهم، ويشتغلون بكرب الحشرجة. ومِنْ فيه للتبعيض، والمعنى: ثم يتوبون بعد وقت قريب، وسمّى ما بين وجود المعصية وبين حضور الموت زمنا قريبا ففي أي جزء من هذا أوقع توبته فهو تائب من قريب، وإلا فهو تائب من بعيد. فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفائدة هذه بعد قوله: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ أن يبيّن أن ما أوجبه على نفسه سيفي به، فهذا وعد منه تعالى بذلك. وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بضعف الإنسان أمام الشهوة والغضب حَكِيماً في قبول توبة ذلك الضعيف. قال الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٨) أخبر الله أنه لا توبة للذين يعملون السيئات، حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ، وهذا المعنى قد نطقت به آيات عدة. قال تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [غافر: ٨٥] وقال حكاية عن

стр. 238

فرعون لما أدركه الغرق: آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) [يونس: ٩٠، ٩١] وقال: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها (١٠٠) [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠] . وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ عطف على الذين يعملون السيئات، وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن المراد بهم الذين قرب موتهم، فيكون بيّن بهذا أن الإيمان لا يقبل من الكافر عند حضور الموت. والثاني: أن يكون المراد أنّ الكفار إذا ماتوا على الكفر لا تقبل توبتهم. أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً، أَعْتَدْنا: أعددنا وهيأنا، والإشارة بأولئك إلى الفريقين. قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩) كانت المرأة قبل الإسلام مهضومة الحقّ، يعتدى عليها بأنواع من الاعتداء، فكان ذلك من أنعم الشريعة الإسلامية على المرأة: النعمة الأولى: كان الرجل في الجاهلية إذا مات وجاء ابنه أو بعض ورثته وألقى ثوبه على امرأته: كان أحقّ بها من نفسها، فإن شاء تزوجها، ولم يدفع لها مهرا، وإن شاء زوّجها من أحبّ، وأخذ مهرها، فكانوا يرثونها كما يرثون المال، كأنّهم يظنونها ملكا لمورّثهم بما أصدقها من صداق، فأنزل الله هذه الآية ناهيا عن تلك العادة الذميمة فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً فبين بذلك أنها ليست متاعا يورث. روى ابن جرير «١» عن ابن عباس في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته، إن شاء بعضهم تزوّجها، وإن شاؤوا زوّجوها، وإن شاؤوا لم يزوّجوها، وهم أحقّ بها من أهلها، فنزلت هذه الآية. وأخرج «٢» أيضا عن السدي قال: أما قوله: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً فإن

стр. 239

الرجل في الجاهلية كان يموت أبوه أو أخوه أو ابنه، فإذا مات وترك امرأته، فإن سبق وارث الميت فألقى عليها ثوبه، فهو أحقّ بها أن ينكحها بمهر صاحبه، أو ينكحها فيأخذ مهرها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها فهم أحقّ بنفسها. وعلى ذلك يكون المعنى: لا يحل لكم أن ترثوا آباءكم وأقاربكم نكاح نسائهم وهن لذلك كارهات. وأخرج ابن جرير «١» عن الزهري في قوله: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً قال: نزلت في ناس من الأنصار كانوا إذا مات الرجل منهم فأملك الناس لامرأته وليّه، فيمسكها حتى تموت فيرثها، فنزلت فيهم. على هذا يكون المعنى: لا يحل لكم إذا مات أولياؤكم أن تمسكوا نساءهم حتى يمتن فترثوهن. والظاهر الأول، لأن مآل الثاني بيان أنهم ليسوا من ورثتها، وذلك معلوم من آيات الميراث، فإنها بيّنت من ترث، بخلاف حمله على المعنى الأول، فإنه يؤدي معنى جديدا. وقرئ كرها وكرها بالفتح والضم ومعناهما واحد، وقيل: الكره بالضم المشقة وبالفتح الإكراه. النعمة الثانية من نعم الشريعة الإسلامية على النساء: كانوا إذا تزوج أحدهم امرأة وكرهها حبسها وعضلها، حتى تفتدي منه، فنهوا عن ذلك إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، فيجوز حبسها، والفاحشة قيل: هي الزنى، وقيل النشوز، والأولى أن تعم كل ذلك. وأخرج ابن جرير «٢» عن ابن عباس قوله: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ يقول: لا تقهروهن لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ يعني: الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر، فيضربها لتفتدي. وقال آخرون: إنّ الذين نهوا عن العضل هم أولياء الميت الذين يرثون وقال آخرون: إنهم أولياء المرأة، وهذا ليس بظاهر، لأنّ أولياءها لم يؤتوها شيئا، والله يقول: لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن. وقوله: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ يحتمل أن يكون مجزوما على النهي، ويحتمل أن يكون معطوفا على تَرِثُوا.

стр. 240

والعضل: الحبس والتضييق، وقرئ مبيّنة بالكسر والفتح فأما الكسر فقد أسند البيان إليها على المجاز. وأما الفتح فعلى معنى أنه بينها غيرها. النعمة الثالثة: كان الرجال يسيئون عشرة النساء، فيغلظون لهنّ القول، ويضارّوهن، فقال الله تعالى: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ قال الزجاج: هو النّصفة بالميت والنفقة، والإجمال في القول. ولو عمل المسلمون بهذا الأمر لسعدت الأسر وشملتها السعادة، لأنّ أسباب شقاء الأسر ترجع إلى سوء العشرة، وافتئات الرجل على المرأة في حقوقها، كأن يخادن عليها، أو يهجرها إلى الخانات والرفقة، ويغلظ لها في القول، فيفسد ما بينهما، وتسوء أخلاق أولادهما من طول النزاع وسوء الأسوة. عن ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ قال: «يا أيها الناس إنّ النساء عندكم عوان، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن حقّ، ولهن عليكم حقّ، ومن حقّكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا، ولا يعصينكم في معروف، وإذا فعلن ذلك فلهنّ رزقهنّ وكسوتهن بالمعروف» «١» . فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فلا تفارقوهن للكراهة وحدها فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً كأن يعطفكم عليهن، فيجعل منهنّ لكم زوجات رضيات، أو يرزقكم منهنّ بأولاد صالحين، فالضمير فيه يرجع إلى شَيْئاً. قال الله تعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١) النعمة الرابعة: كان من ظلم الرجال للنساء أن الرجل إذا أراد طلاق امرأته استردّ ما دفعه من مهر، وربما توسّل إلى ذلك برميها بالفاحشة، أو تهديدها بذلك، فنهى الله عن ذلك في هاتين الآيتين، وجعله بهتانا وإثما مبينا، وأنكر عليهم أخذه، ووبّخهم على ذلك بعد أن أفضوا إليهن، وأخذن منهم ميثاقا غليظا. وقد أخذ من هذه الآية جواز الإغلاء في المهور، لأنّ الله قال: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً ومنع أن يأخذوا منه شيئا، والقنطار: المال الكثير الوزن، وإن كان النبي ﷺ وأصحابه كانوا يقلّلونه. وقد روي عن عمر أنه قال- وهو على المنبر- ألا لا تغالوا في صدقات النساء،

стр. 241

فإنّها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ ، ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر يعطينا الله وتحرمنا أنت، أليس الله سبحانه يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً؟ فقال عمر: امرأة أصابت وأمير أخطأ «١» . وقد احتج أبوبكر الرازي «٢» بهذه الآية على أنّ الخلوة الصحيحة تقرّر المهر قال: وذلك لأنّ الله تعالى منع الزوج أن يأخذ منها شيئا من المهر، وهذا المنع مطلق، ترك العمل به قبل الخلوة، فوجب أن يبقى معمولا به بعد الخلوة. قال: ولا يجوز أن يقال: إنه مخصوص بقوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ [البقرة: ٢٣٧] . وذلك أنّ الصحابة اختلفوا في تفسير المسيس فقال عمر وعلي المراد من المسيس الخلوة، وقال عبد الله: هو الجماع، وإذا صار مختلفا فيه امتنع جعله مخصّصا لعموم هذه الآية. وهذه المسألة خلافية، فقد ذهب الحنفية إلى أن المهر يتقرّر بالخلوة، وذهب الشافعية إلى أنّه يتقرّر بالجماع لا بالخلوة، ولمالك في ذلك ثلاث روايات: إحداهن: يتقرر المهر بالخلوة. وثانيتهن: لا يتقرّر المهر إلا بالوطء. وثالثتهن: يتقرر بالخلوة في بيت الإهداء، والأصح: تقرّره بالخلوة مطلقا، وقد علمت حجة القائلين بتقريره بالخلوة. وقد رأى القائلون بأنّه لا يتقرر بالخلوة أنّ هذه الآية مختصة بما بعد الجماع، بدليل قوله: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وإفضاء بعضهم إلى بعض هو الجماع، لأدلة ستذكر بعد. وأفضى: من الفضاء الذي هو السعة، يقال فضا يفضو فضوا وفضاء: إذا اتسع. قال الليث: أفضى فلان إلى فلان أي وصل إليه، وأصله أنه صار في فرجته وفضائه. وقد اختلف في المراد بإفضاء بعضهم إلى بعض، فذهب الحنفية وآخرون إلى أنه الخلوة الصحيحة. وذهب الشافعية إلى أنه كناية عن الجماع، وهو قول ابن عباس ومجاهد، وقد استدل الشافعية لمذهبهم أنّ الله ذكر هذا في معرض التعجب فقال:

стр. 242

وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ والتعجب إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سببا قويا في حصول الألفة والمحبة، وهو الجماع. وقد ذكر الفخر الرازي وجوها عدة أخرى وأطال فيها «١» . ونحن نرى أن هذه الآية لم تنزل في تقرر الصداق وعدمه، فنزلت فيه آية: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ [البقرة: ٢٣٧] فجعل التنصيف بالطلاق قبل المسيس، فينبغي أن يعلم ما المراد بالمسيس أهو الخلوة أم الدخول وقد تقدم ذلك في سورة البقرة. أما قوله تعالى: أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً فهذا إنكار وتوبيخ للأزواج على ذلك الغصب. والبهتان في اللغة: الكذب الذي يواجه الإنسان به صاحبه على جهة المكابرة. وأصله من بهت الرجل إذا تحيّر، فالبهتان كذب يحير الإنسان لعظمه، وكان مقتضى الظاهر ألا يؤتى بوصف البهتان هنا لعدم ظهور الكذب فيه، بل كان يوصف بالظلم مثلا، ولذلك اختلف العلماء في هذه اللفظة، وتقرير مناسبتها، فقال بعضهم: إنه أطلق على كل باطل يتحيّر من بطلانه بهتان. وقيل: إنه إذا طلقها وأخذ منها ما آتاها- مع أن الله لم يبح ذلك إلا في حالة إتيانها بالفاحشة- أشعر ذلك أنها قد أتت بفاحشة، فكان أخذ المال طعنا فيها من وجه، وظلما لها من وجه آخر، وقيل: المراد أنه رمى امرأته بتهمة ليتوصل إلى أخذ المهر، ووصف الإثم بأنه مبين، لأنه مبين أمر صاحبه أنه ظالم. وأما قوله: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١) فهو إنكار، والميثاق الغليظ الذي أخذته قال مجاهد وقتادة وغيرهما: هو قوله: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا [النساء: ٢٢] وهذا وإن كان ميثاقا من الله فإنه ينسب إليهن، لأنهن السبب. وقيل: هو كلمة النكاح، وهي قوله: نكحت، وقد ثبت عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: «اتقوا الله في النساء، فإنّكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله» «٢» . وقيل: هو الصحبة والعشرة. ووصفه بالغلظة لقوته وعظمته. وقد قالوا: صحبة عشرين يوما قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟

стр. 243

ما يحرم من النساء قال الله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا (٢٢) كانوا في الجاهلية يخلفون آباءهم على نسائهم، فنهاهم الله عن ذلك، وعفا لهم عما قد سلف قبل التحريم، فلا يؤاخذهم، ووصفه بأنه فاحشة، لأن امرأة الأب تشبه الأم، وبأنه مقت، والمقت بغض مقرون باستحقار، ووصف به العقد لأنّه سبب إلى المقت، وكانت العرب تسمي هذا النكاح المقت، وتسمي ولد الرجل من امرأة أبيه مقيتا. وقال: وَساءَ سَبِيلًا وهو معطوف على الخبر، بتقدير مقولا فيه، لأنه إنشاء. أخرج ابن جرير «١» عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يحرّمون ما يحرم إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فأنزل الله: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ. والاستثناء في قوله: إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ استثناء منقطع، والمعنى: لكن ما قد سلف فلا تثريب عليكم فيه، كقوله: لا تلق فلانا إلا ما لقيت، أو هو استثناء متصل مما يستلزمه النهي، ويستوجبه مباشرة المنهي عنه، كأنه قيل: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء، فإنه معاقب عليه إلا ما قد سلف. وقيل: إن إِلَّا هنا بمعنى (بعد) كقوله: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [الدخان: ٥٦] أي بعد الموتة الأولى. وكانَ هنا قيل: إنها زائدة، وقيل: ليست زائدة ولكنها منسلخة عن خصوص الماضي، كقوله: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [النساء: ٩٦] . وقد علمت مما تقدّم أن ما هنا عبارة عن النساء، فقد وقعت على العاقل، وقيل: إنها مصدرية، والمعنى: ولا تنكحوا نكاحا مثل ما نكح آباؤكم من أنكحة الجاهلية الفاسدة. وقد اختلف العلماء فيمن زنى بها الأب أتحرم على ولده كما حرمت عليه زوجته، أم لا تحرم، فيكون الوطء الحرام غير ناشر للحرمة كالوطء الحلال، وكذلك اختلفوا في الزنى بأم الزوجة أو بنتها: أيحرّم الزوجية أم لا يحرمها، وإلى الأول ذهب أبو حنيفة والصاحبان والثوري والأوزاعي وقتادة والحسن، وإلى الثاني ذهب الشافعي والليث والزهري وربيعة.

стр. 244

واختلفت الرواية عن مالك، ففي «الموطأ» عنه مثل قول الشافعي، وروى عنه ابن القاسم مثل أبي حنيفة، وقال سحنون «١» : أصحاب مالك يخالفون ابن القاسم فيها ويذهبون إلى ما في «الموطأ» . وسبب الخلاف الاشتراك في اسم النكاح، فهو يطلق على الوطء، وعلى العقد، فمن قال: إنّ المراد به في الآية الوطء حرّم من وطئت ولو بزنى، ومن قال: المراد به العقد لم يحرّم بالزنى. ونحن سنشرح المسألة بعض الشرح فنقول: نقل الجصاص «٢» عن أبي عمر غلام ثعلب قال: الذي حصّلناه عن ثعلب عن الكوفيين والمبرّد عن البصريين أنّ النكاح في أصل اللغة هو اسم للجمع بين الشيئين، تقول العرب: أنكحنا الفرا فسنرى، هو مثل ضربوه للأمر، يتشاورون فيه، ويجتمعون عليه، ثم ينظر عماذا يصدرون فيه، معناه جمعنا بين الحمار وأتانه، وسمّى الوطء نكاحا، لأنّه جمع بين الرجل والمرأة، وأطلق على العقد نكاح، لأنّه سبب له. وليس يختلف أنه قد أطلق في القرآن ولسان العرب على الوطء مرة، وعلى العقد أخرى، فمن إطلاقه على الوطء، قوله: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠] الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً [النور: ٣] إذ لو كان العقد للزم الكذب. وقوله: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ [النساء: ٦] وقوله ﷺ : «ناكح اليد ملعون» وقول الأعشى: ومنكوحة غير ممهورة ... وأخرى يقال له فادها يقصد المسبية الموطوءة بغير مهر ولا عقد. وقول الآخر: ومن أيّم قد أنكحتها رماحنا ... وأخرى على عمّ وخال تلهّف ومن إطلاقه على العقد قوله تعالى: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [الأحزاب: ٤٩] وقوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [النور: ٣٢] وقوله: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ [النساء: ٣] وقوله ﷺ : «النكاح من سنّتي» «٣» أي العقد، وقوله:

стр. 245

«أنا من نكاح ولست من سفاح» وإنما الخلاف فيما هو الراجح، أهو الوطء أم العقد؟ أن يكون المراد بالنكاح في الآية الوطء، قالوا: لأنه فيه حقيقة، وفي العقد مجاز، والحمل على الحقيقة أولى، حتى يقوم الدليل على الحمل على المجاز، وإذا كان المراد به الوطء فلا فرق بين الوطء الحلال والوطء الحرام. قالوا: ويدلّ عليه من جهة النظر أنّ الوطء آكد في إيجاب التحريم من العقد، لأنّا لم نجد وطأ مباحا إلا وهو موجب للتحريم، كالوطء بملك اليمين، ونكاح الشبهة، وقد وجدنا عقدا صحيحا لا يوجب التحريم، وهو العقد على الأم لا يوجب تحريم البنت، ولو وطئها حرمت، فعلمنا أنّ وجود الوطء، لأنّ التحريم لم يخرجه من أن يكون وطأ صحيحا. وللشافعية أن يقولوا النكاح، وإن كان مجازا في العقد: ولكنه اشتهر فيه حتى صار حقيقة، كالعقيقة، كانت اسما لشعر المولود، ثم أطلقت على الشاة التي تذبح عند حلقه مجازا، واشتهر ذلك، حتى صارت حقيقة فيها، تفهم منها عند الإطلاق. وقد عبّر الله بجانب هذه المحرمات بما يفيد الزوجية كقوله: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ. ويدلّ لهم من جهة النظر أنّ الله جعلها محرما بالمصاهرة تكريما لها، كما جعلها محرما من النسب تكريما للنسب، فكيف يجعل هذه الحرم للزنى وهو فاحشة ومقت، وإنما جعل زوجة الأب محرما، وكذلك زوجة الابن وأم الزوجة وبنتها لشدة الاختلاط بين الأصهار، فجعلن محارم، لتنقطع طماعية المرء منهن، فيقل الفساد، لأنّ الطمع داعية الفساد، وبذلك تسهل الخلطة على الأصهار، ويأمنون مغبتها، وهذا المعنى ليس موجودا في الزنى، وهذا الذي ذكرناه يفهم من كلام الشافعي في «الأم» فقد قال: فإن زنى بامرأة أبيه وابنه أو أم امرأته فقد عصى الله، ولا تحرم عليه امرأته، ولا على أبيه، ولا على ابنه امرأته، لو زنى بواحدة منهما، لأن الله إنما حرّم بحرمة الحلال تعزيزا لحلاله، وزيادة في نعمته بما أباح منه، بأن أثبت به الحرمة التي لم تكن قبله، وأوجب بها الحقوق، والحرام خلاف الحلال. والظاهر ما ذهب إليه الشافعية والقول الراجح عند المالكية عن عدم التحريم بالزنى للعلة التي ذكرت، ويكون مقيسا على النسب، فكما أن النسب لا يثبت بالزنى، كذلك التحريم لا يثبت بالزنى. قال الله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ

стр. 246

وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ أي حرّم نكاحهن، وحذف لدلالة الكلام عليه، كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها، ومن تحريم الميتة تحريم أكلها، ولأنّ قوله: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ يدل عليه. أخرج ابن جرير «١» عن ابن عباس قال: يحرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، ثم قرأ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ إلى قوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ. وأخرج «٢» أيضا عنه قال: حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، ثم قرأ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ حتى بلغ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ قال: والسابعة: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ. السبع اللاتي حرّمن من النسب ١- الأم: وهي كل امرأة لها عليك ولادة، ويرتفع نسبك إليها بالبنوه، سواء أكانت منك على عمود الأب أو على عمود الأم، فتحرم عليك أمك وجداتك وإن علون من جهة الأب، أو من جهة الأم. ٢- البنت: وهي كل امرأة لك عليها ولادة سواء أكانت بنتا مباشرة أو بواسطة، فتشمل البنات، وبنات الأولاد وإن سفلن. ٣- الأخت: وهي كل امرأة شاركتك في أصليك أبيك وأمك، أو في أحدهما، ولا تحرم أخت أختك إذا لم تكن أختا لك، كأن تكون لك أخت من أبيك لها أخت لأمها من رجل آخر. ٤- العمة: كل امرأة شاركت أباك ما علا في أصليه أو في أحدهما. ٥- الخالة: كل امرأة شاركت أمك مهما علت في أصليها أو في أحدهما. ٦- بنت الأخ: كل امرأة لأخيك عليها ولادة. ٧- بنت الأخت: كل امرأة لأختك عليها ولادة. فإن قيل: تحريم الجدّات وبنات الأولاد، هل أخذ من الآية أم من دليل آخر؟

стр. 247

قلنا: إن الأم إذا كانت حقيقة في الأم المباشرة مجازا في الأم غير المباشرة فتحريم الأم من الآية، والجدات من الإجماع. وقال بعضهم: إنّ إطلاق الأم على الأم المباشرة والجدة من باب المشترك المعنوي، وعلى ذلك يكون تحريم الجدات من الآية، وكذا القول فيما ماثله. وقد اختلف في البنت من الزنى أهي داخلة في قوله: وَبَناتُكُمْ فتكون حراما، ولها حرمة البنت الشرعية، أم ليست داخلة، فلا تكون حراما، وليس لها حرمة البنت الشرعية؟ بالأول قال أبو حنيفة، وبالثاني قال الشافعي. ولعل أبا حنيفة نظر إلى الحقيقة، وأنها مختلقة من مائه، وبضعة منه فحرمها عليه. أما الشافعي فنظر إلى أن الشارع لم يعطها حكم البنتية، فلم يورّثها منه، ولم يبح الخلوة بها، ولم يجعل له عليها ولاية، وليس له أن يستلحقها، وقال ﷺ : «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» «١» . والوجه ما ذهب إليه أبو حنيفة من الحرمة قياسا على ولد الزنى، فإنّه تحرم عليه أمه، وليس بينهما إلا أنه متخلق منها، وبضعة منها، فكذلك بنت الزنى مع أبيها، ونفي بعض لوازم البنت عنها للعقوبة لا يقتضي نفي البقية، وجواز نكاحها. السبع المحرمات بغير النسب ١- الأم من الرضاع: وهي كل امرأة أرضعتك، وكذلك كل امرأة انتسبت إلى تلك المرضعة بالأمومة، إما من جهة النسب، أو من جهة الرضاع. ٢- الأخت من الرضاع: وهي ثلاث: أخت لأبيك وأمك، وهي المرأة التي رضعت من أمك بلبن أبيك. أخت لأبيك، وهي المرأة التي أرضعتها امرأة أبيك رضاعا بلبنه. أخت لأمك، وهي المرأة التي أرضعتها أمك بلبن غير لبن أبيك. ولم يذكر من المحرّم بالرضاع في القرآن سوى الأمهات والأخوات، والأم أصل، والأخت فرع، فنبه بذلك على جميع الأصول والفروع.

стр. 248

وأيضا لما سمى المرضعة أما، والمرضعة أختا، فقد نبه بذلك على أنه أجرى الرضاع مجرى النسب، وقد جاءت السنّة مؤكدة بصريح العبارة لهذا المفهوم، فقد ثبت أن النبيّ ﷺ قال: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» «١» . وثبت في «الصحاح» «٢» عن علي أنه قال: قلت يا رسول الله مالك تنوّق في قريش وتدعنا؟ قال: «وعندكم شيء» ؟ قلت: نعم، ابنة حمزة فقال رسول الله ﷺ : «إنها لا تحلّ لي إنّها ابنة أخي من الرضاعة» وذلك لأنّ ثويبة أرضعت حمزة والنبيّ ﷺ . وظاهر قوله: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ يقتضي أنّ مطلق الرضاع محرّم، وبذلك قال مالك وأبو حنيفة. وذهب الشافعي إلى أنه لا تحرّم إلا خمس رضعات، واستدل بما رواه مسلم «٣» وغيره أن النبيّ ﷺ قال: «لا تحرّم المصة ولا المصتان» «٤» «لا تحرّم الإملاجة ولا الإملاجتان» «٥» وبما رواه مالك وغيره عن عائشة قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات، فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهنّ مما يقرأ من القرآن. وهذا الحديث الأخير لا يصحّ الاستدلال به، لاتفاق الجميع أنه لا يجوز نسخ تلاوة شيء من القرآن بعد وفاة الرسول ﷺ ، ولا إسقاط شيء منه، وهذا الحديث يفيد أنه سقط شيء من القرآن بعد وفاته. وأما الحديث الأول، فكان مقتضى مذهب الشافعي أن يحرّم بما زاد على الرضعتين، لأنه يقول بالمفهوم. وقد رأى الحنفية أنه لا يجوز تخصيص آية التحريم هذه بخبر الواحد، لأنها محكمة، ظاهرة المعنى، بينة المراد، لم يثبت خصوصها بالاتفاق، وما كان هذا وصفه، فغير جائز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس.

стр. 249

وقد أخرج أبو بكر الرازي «١» عن طاووس عن ابن عباس أنه سئل عن الرضاع فقلت: إن الناس يقولون: لا تحرّم الرضعة ولا الرضعتان، قال: قد كان ذاك، أما اليوم فالرضعة الواحدة تحرم. فقد عرف ابن عباس خبر العدد في الرضاع، وأنه منسوخ بالتحريم بالرضعة الواحدة. اختلف العلماء في لبن الفحل أيحرّم أم لا يحرّم؟ وصورته: أن يتزوج رجل امرأتين، فتلدا منه، وترضع إحداهما صبية، والأخرى غلاما، فمن ذهب إلى أن لبن الفحل يحرّم حرّم الصبية على الغلام، لأنهما أخوان من الرضاع لأب، وهذا هو المتصوّر، لما ثبت في البخاري «٢» عن عائشة أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن على عائشة بعد أن نزل الحجاب، فقالت عائشة: والله لا آذن لأفلح حتى أسأل رسول الله ﷺ ، فإن أبا القعيس ليس هو الذي أرضعني، إنما أرضعتني المرأة، قالت عائشة: فلما دخل رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله! إن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليّ فأبيت أن آذن له حتى أستأذنك، فقال: «إنه عمك فليلج عليك» وهو مذهب أكثر الأئمة. يقتضي قوله تعالى: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ أنّ الرضاع يحرّم ولو في سن الكبر، إلا أن قوله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [البقرة: ٢٣٣] بيّن زمن الرضاعة، فذهب العلماء إلى أنّ من أرضع خارج الحولين لا يكون ابنا من الرضاعة، وأكد هذا ما روي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء من الثدي، وكان قبل الفطام» رواه الترمذي والنسائي «٣» . وقد رأت عائشة أنّ رضاع الكبير محرّم، للحديث الصحيح «٤» عنها قالت: جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا، وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني فضلا، وقد أنزل الله فيهم ما علمت، فكيف ترى يا رسول الله فيهم؟ فقال النبي ﷺ : أرضعيه خمس رضعات يحرم بها، فكانت تراه ابنا من الرضاعة، فبذلك كانت عائشة تأخذ.

стр. 250

وأباه سائر أزواج النبي ﷺ وقلن: والله ما نرى ذلك إلا رخصة من رسول الله ﷺ لسهلة. ٣- أمهات نسائكم: وهنّ أمهات الزوجات. ٤- ربائبكم: اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن: والرائب جمع ربيبة، فعيلة بمعنى مفعولة، من قولك ربّها يربّها، إذا تولّى أمرها، وهي بنت الزوجة من غيرك، وسميت بذلك لأنّ زوج أمها في الغالب يتولّى أمرها. ومقتضى ظاهر التلاوة أن الربيبة لا تحرم على زوج أمها إلا بشرطين: أولهما: كونها في حجره. ثانيهما: أن يكون دخل بأمها. أما الأول: فلم يشترطه جمهرة العلماء، قالوا: إنه خرج مخرج الغالب، لا أنه قيد في التحريم. والربيبة حرام على زوج أمها سواء أكانت في حجره أو لم تكن في حجره. وروى مالك بن أوس عن علي أنها لا تحرم حتى تكون في حجره، أخذا بظاهر القرآن. ولكنّ سائر الصحابة وعامة الفقهاء على القول الأول. وأما الثاني فهو متفق عليه، إلا أنهم اختلفوا في الدخول فقال الطبري والشافعي: إنه الجماع، وقال مالك وأبو حنيفة: هو التمتع من اللمس والقبلة، وقال عطاء وعبد الملك بن مروان: هو النظر إليها بشهوة. وقد اختلف العلماء في الدخول: أهو شرط في تحريم أمهات النساء، كما هو شرط في الربيبة، أم ليس شرطا فيهن؟ فروي عن علي، وجابر، وابن الزبير، وزيد بن ثابت، ومجاهد، أنه شرط فيهن، فلا تحرم أمّ الزوجة بالعقد، بل بالدخول بها. قال سائر العلماء: إنه ليس شرطا فيهن. وسبب الخلاف اختلافهم في قوله: اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أهو وصف لنسائكم من قوله: مِنْ نِسائِكُمُ فقط أم هو وصف لها ولنسائكم من قوله: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ. وقد احتجّ الأولون بأنه لو كان لهما للزم أن يكون وصفا لمعمولي عاملين مختلفين، لأنّ إحداهما العامل فيها الإضافة، والأخرى العامل فيها حرف الجر، وذلك منعه البصريون كالعطف على معمولي عاملين مختلفين، وهذا الاستدلال لا يصح، لأنّ هذا أجازه الكوفيون.
следующие страницы →