مستغنما ببعث كان أو بغير بعث، قبل الظفر أو بعده. والنفل ما كان قبل الظفر أو ما كان بغير قتال، وهو الفيء، أو ما يفضل عن القسم.
إذا تبين هذا فاعلم أن الراجح هنا كون السؤال سؤال استفتاء لا استعطاء، وأنّ المراد بالأنفال الغنائم لا المشروط للغازي زيادة على سهمه، ويؤيد ذلك الراجح أمور:
١- أنّ هذا أول تشريع للغنيمة.
٢- ما تقدّم من سبب النزول.
٣- قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ فإنّه لو كان السؤال طلبا للمشروط لما كان هناك محذور يجب اتقاؤه.
ومن ذهب إلى المرجوح وهو أن السؤال سؤال استعطاء، وأن النفل ما يشترط للغازي فقد التزم زيادة (عن) أو جعلها بمعنى (من) وهو تكلّف لا ضرورة إليه.
ويبعده أيضا الجواب بقوله تعالى: قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فإنّ المراد به اختصاص أمرها وحكمها بالله تعالى ورسوله، فيقسمها النبي ﵊ كما يأمره الله تعالى من غير أن يدخل فيه رأي أحد، ولو كان السؤال سؤال استعطاء، و (عن) زائدة لما كان هذا جوابا له، فإنّ اختصاص حكم ما شرط لهم بالله ورسوله لا ينافي إعطاءه إياهم، بل يحققه، لأنّهم إنما يسألون بموجب شرط الرسول ﵊ الصادر عنه بإذن الله، لا بحكم سبق أيديهم إليه مما يخل بالاختصاص المذكور.
والمعنى: يسألونك يا محمد عن غنائم بدر كيف تقسم ولمن الحكم فيها قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أي قل لهم: الأنفال لله يحكم فيها بحكمه، وللرسول يقسمها بحسب حكم الله تعالى.
وهذه الآية محكمة بيّن فيها إجمالا أنّ الأمر مفوّض لرسول الله، وآية وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ إلخ فصّلت هذا الإجمال ببيان مصارف الغنيمة، فلا تكون ناسخة لها فَاتَّقُوا اللَّهَ أي وإذا كان أمر الغنائم لله ورسوله فاتقوه سبحانه، واجتنبوا ما أنتم فيه من المشاجرة فيها والاختلاف الموجب لشق العصا وسخطه تعالى، أو فاتقوه في كل ما تأتون وتذرون، فيدخل ما هم فيه دخولا أوليا وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ أي أصلحوا نفس ما بينكم، وهي الحال والصلة التي بينكم تربط بعضكم ببعض، وهي رابطة الإسلام، وإصلاحها يكون بالوفاق والتعاون والمواساة وترك الأثرة والتفوق، وبالإيثار أيضا، فذات بمعنى حقيقة الشيء ونفسه مفعول به، وقيل: إنّ (ذات) بمعنى صاحبة، صفة لمفعول محذوف، أي أحوالا ذات بينكم، ولما كانت
стр. 422
الأحوال ملابسة للبين أضيفت إليه، كما تقول: اسقني ذا إنائك أي ما فيه، جعل كأنه صاحبه.
والبين في أصل اللغة يطلق على الاتصال والافتراق، وكل ما بين طرفين كما قال تعالى: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [الأنعام: ٩٤] برفع بين بمعنى الوصل، وبنصبه على الظرفية بمعنى وقع التقطع بينكم. ومن استعمال البين بمعنى الافتراق والوصل قول الشاعر:
فو الله لولا البين لم يكن الهوى ... ولولا الهوى ما حنّ للبين آلف
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ في الغنائم، وفي كل أمر ونهي، وقضاء وحكم، وذكر الاسم الجليل في الأمرين لتربية المهابة وتعليل الحكم. وذكر الرسول مع الله تعالى أولا وآخرا لتعظيم شأنه، وإظهار شرفه، والإيذان بأنّ طاعته ﵊ طاعة الله تعالى: وتوسيط الأمر بإصلاح ذات البين بين الأمر بالتقوى، والأمر بالطاعة لإظهار كمال العناية بالإصلاح، وليندرج الأمر به بعينه تحت الأمر بالطاعة إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ متعلق بالأوامر الثلاثة، والجواب محذوف لدلالة ما تقدّم عليه، أي فامتثلوا الأوامر الثلاثة فإنّ الإيمان يقتضي ذلك كله، أو الجواب نفس ما تقدم على الخلاف.
وأيا ما كان، فالمراد بيان ترتب ما ذكر عليه، لا التشكيك في إيمانهم، وهو يكفي في التعليق بالشرط.
والمراد بالإيمان التصديق، ولا خفاء في اقتضائه ما ذكر على معنى أن من شأنه ذلك، لا أنه لازم له حقيقة.
وقد يراد بالإيمان الإيمان الكامل، والأعمال شرط فيه، أو شطر، فالمعنى إن كنتم كاملي الإيمان فإنّ كمال الإيمان يدور على تلك الخصال الثلاثة: الاتقاء والإصلاح وإطاعة الله تعالى ورسوله ﷺ .
ما يستنبط من الآية
يستفاد منها أمور:
١- حرص الصحابة على السؤال عما يهمهم من أمر دينهم.
٢- إنّ الأحكام مرجعها إلى الله تعالى ورسوله، لا إلى غيرهما.
٣- اهتمام الشارع بإصلاح ذات البين، فهو واجب شرعا لتوقف قوة الأمة عليه وعزتها ومنعتها، ولحفظ وحدتها به.
٤- إن امتثال ما أمر به الشارع من ثمرات الإيمان. والله أعلم.
стр. 423
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)
(الزحف) قال الأزهري: أصل الزحف للصبي، وهو أن يزحف على استه قبل أن يقوم. وشبّه بزحف الصبي مشي الطائفتين اللتين تذهب كل واحدة منهما إلى صاحبتها للقتال، فتمشي كلّ فئة مشيا إلى الفئة الأخرى قبل التداني للضّراب.
وقال الزمخشري «١» : الزحف الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنّه يزحف، أي يدبّ دبيبا، من زحف الصبي إذا دبّ على استه قليلا، سمي بالمصدر، والجمع زحوف.
فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ أي لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم.
إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ المتحرّف للقتال هو الذي يفرّ موهما قرنه أنه منهزم، فإذا تبعه عطف عليه فقتله، وهو باب من خدع الحرب ومكايدها، وهو حال من فاعل يُوَلِّهِمْ والاستثناء مفرّغ، أو منصوب على الاستثناء أي وَمَنْ يُوَلِّهِمْ إلا رجلا متحرفا لقتال.
أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ التحيّز التنحي. والفئة: الجماعة.
نهى الله عن الفرار، وتوعّد عليه أشدّ الوعيد، وهو أن يرجع بغضب من الله، وأنّ مقره في جهنم، ولم يبح الفرار إلا لاثنين:
أحدهما: المتحرّف للقتال، وهو الذي يفرّ، ثم يكرّ مكيدة منه وخدعة.
والثاني: الرجل الذي يرى أنّه كالمنفرد، ويرى جماعة من المسلمين تحميه إذا انحاز إليها.
روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: خرجت سرية وأنا فيهم، ففروا، فلما رجعوا إلى المدينة استحيوا، فدخلوا البيوت، فقلت: يا رسول الله نحن الفرّارون؟ فقال: «بل أنتم العكارون وأنا فئتكم» «٢» والعكارون الكرّارون العطّافون.
وانهزم رجل من القادسية فأتى المدينة إلى عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين! هلكت فررت من الزحف، فقال عمر ﵁: أنا فئتك.
وهذه الآية حرّمت الفرار من القتال، وأما كم عدد العدو الذي يحرم الفرار منه فقد بينته آية الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ [الأنفال: ٦٦] .
стр. 424
قال الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)
هذه الآية بيّنت أن غنائم الحرب تخمّس، فيجعل خمس لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وأربعة الأخماس الباقية بينت السنة أنّها تقسّم على الجيش، للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، أو سهمان على خلاف في الروايات.
وقد اختلف العلماء فيما هي الغنيمة والفيء. فقال بعضهم: الغنيمة ما أخذ عنوة من الكافرين في الحرب، والفيء ما أخذ عن صلح، وقال بعضهم: الغنيمة ما أخذ من مال منقول، والفيء الأرضون. وقال آخرون: الغنيمة والفيء بمعنى واحد، وزعموا أن هذه الآية ناسخة لآية الحشر، فإنّ آية الحشر [٧] جعلت الفيء كلّه لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وهذه الآية جعلت لهم الخمس فقط، فتكون هذه ناسخة لتلك، والظاهر أن الغنيمة والفيء مختلفان ولا نسخ.
وقد ذكرت الآية أنّ الخمس لستة:
أولها: الله ، وقد اختلف المفسرون فيه على قولين:
١- أن قوله: لِلَّهِ خُمُسَهُ مفتاح كلام لم يقصد به أنّ الخمس يقسم على ستة منها الله، فلله الدنيا والآخرة، بل يقسّم الخمس على خمسة للرسول ولذي القربى إلخ. ويكون الغرض من ذكر الله تعليمنا التبرك بذكره، وافتتاح الأمور باسمه.
أو يكون معناه أنّ الخمس مصروف في وجوه القرب إلى الله.
ثم بيّن تلك الوجوه فقال: للرسول ولذي القربى، فأجمل أولا، ثم فصّل.
فإن قيل: لو أراد ذلك لقال: فإنّ لله خمسه للرسول دون (واو) .
قيل: إن العرب قد تذكر الواو والمراد إلغاؤها، كما قال تعالى: فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) [الصافات: ١٠٣] والمراد فلما أسلما تله للجبين، لأنه جواب لما.
وكما قال الشاعر:
لي شيء يوافق بعض شيء ... وأحيانا، وباطله كثير
والمعنى يوافق بعض شيء أحيانا.
٢- إنّ المراد لبيت الله، فسهم الله يصرف في الكعبة نقل عن أبي العالية والظاهر القول الأول لإجماع الحجة عليه.
ثانيها: رسول الله، وقد ذكر بعضهم أنه افتتاح كلام كما قالوه في الله، والغنيمة تقسم على أربعة. وقال الأكثرون: إن الغنيمة تقسم على خمسة أولها سهم الرسول ﷺ يضعه حيث رأى.
стр. 425
ثالثها: ذوو القربى والمراد بها قرابة رسول الله ﷺ ، وقد اختلف في ذوي القربى: فقيل: هم قرابة رسول الله ﷺ من بني هاشم، وقيل: هم قريش كلها، وقيل: هم بنو هاشم وبنو المطلب وهو الراجح،
فقد أخرج ابن جرير «١» عن جبير بن مطعم قال: لما قسم رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى من خيبر على بني هاشم وبني المطلب مشيت أنا وعثمان بن عفان ﵁ فقلنا: يا رسول الله! هؤلاء إخوتك بنو هاشم، لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله به منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» ثم شبّك رسول الله يديه إحداهما بالأخرى.
وقيل: إن سهم ذوي القربى طعمة لرسول الله- هذا كله إذا كان رسول الله حيا- فأما بعد وفاته، فقد اختلف العلماء في سهمه وسهم ذوي قرباه، فقيل: يصرفان في معونة الإسلام وأهله وفي الخيل والسلاح.
وقيل: هما للإمام من بعده روي عن قتادة أنه سئل عن سهم ذوي القربى، فقال: كان طعمة لرسول الله ﷺ ما كان حيّا فلما توفي جعل لولي الأمر من بعده.
وقال العراقيون: سهم رسول الله ﷺ مردود في الخمس، والخمس مقسوم على ثلاثة أسهم على اليتامى والمساكين وابن السبيل، ويقال لهم: سهم رسول الله ﷺ سقط بموته فما الذي أسقط سهم ذوي القربى ولا يلزم من سقوط حق أحد المستحقين سقوط الآخرين.
وقال بعضهم: سهم النبي لقرابة النبيّ ﷺ ، وقال قائلون: سهم القرابة لقرابة الخليفة، ثم اجتمع رأيهم أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، فكانا على ذلك في خلافة أبي بكر وعمر ﵄. وكأنّهما كانا يريان أنّ سهم ذوي القربى كان طعمة لرسول الله ﷺ في حياته، وهو لا يورث «٢» فجعلا هذين السهمين في سبيل الله.
رابعها: اليتامى، وهم أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم.
خامسها: المساكين، وهم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين.
سادسها: ابن السبيل، وهو المجتاز سفرا قد انقطع به.
وقد خالفت المالكية هذه الأقوال المتقدمة جميعها، ورأوا أنّ خمس الغنيمة
стр. 426
يجعل في بيت المال، ينفق منه على من ذكر، وعلى غيرهم، بحسب ما يراه الإمام، وكأنّهم رأوا أن ذكر هذه الأصناف على سبيل المثال، وهو من باب الخاص أريد به العام. وأصحاب الأقوال والمتقدمة رأوا أنه من باب الخاص أريد به الخاص.
روى ابن القاسم وأشهب وعبد الملك «١» عن مالك أن الفيء والخمس يجعلان في بيت المال، ويعطى الإمام قرابة رسول الله ﷺ منهما.
وروى ابن القاسم عن مالك أنّ الفيء والخمس واحد. والذي جعل المالكية يذهبون هذا المذهب أخبار ثبتت في المغازي والسير:
١- روي في «الصحيح» «٢» أن النبيّ ﷺ بعث سرية قبل نجد فأصابوا في سهمانهم اثني عشر بعيرا، ونفلوا بعيرا بعيرا.
٢-
ثبت عنه ﷺ أنه قال في أسارى بدر: لو كان المطعم بن عدي حيّا وكلّمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له «٣» .
٣-
ثبت أنّه ﷺ ردّ سبي هوازن وفيه الخمس «٤» .
٤-
روي في «الصحيح» «٥» عن عبد الله بن مسعود قال: آثر النبيّ ﷺ يوم حنين أناسا في الغنيمة، فأعطى الأقرع بن حابس مئة من الإبل، وأعطى عيينة مئة من الإبل، وأعطى أناسا من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل والله إنّ هذه القسمة ما عدل فيها أو ما أريد بها وجه الله. فقلت: والله لأخبرنّ النبيّ ﷺ فأخبرته، فقال: «يرحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» .
٥-
قال رسول الله ﷺ : «ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم» «٦» .
فمن هذه الأحاديث تعلم أنه قد أعطي من الخمس للمؤلفة قلوبهم وليسوا ممن
стр. 427
ذكر الله في التقسيم، وأنه قد ردّه على المجاهدين بأعيانهم، وأنه قد أعطى بعضه وكله: وهذا يدل على أنّ ذكر هذه الأصناف في الآية بيان لبعض المصارف، لا بيان استحقاق وملك إذ لو كان استحقاقا وملكا لما جعله رسول الله ﷺ في بعض الأحيان في غيرهم إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
يقول الله: أيقنوا أنما غنمتم من شيء فقسمه كما بيّنت لكم، فاقطعوا أطماعكم عما ليس لكم من الخمس إن كنتم آمنتم بالله وبما أنزلنا على عبدنا محمد ﷺ يوم فرّقنا بين الحق والباطل ببدر، فأدلنا للمؤمنين من الكافرين، وذلك يوم التقى الجمعان، جمع المؤمنين وجمع المشركين، والله على ذلك وغيره قدير لا يمتنع عليه شيء أراده.
قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)
كان المؤمنون في عصر النبي ﷺ أربعة أصناف:
الأول: المهاجرون الأولون أصحاب الهجرة الأولى قبل غزوة بدر، وربما تمتد أو يمتد حكمها إلى صلح الحديبية سنة ست.
الثاني: الأنصار.
الثالث: المؤمنون الذين لم يهاجروا.
الرابع: المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية.
وقد بين في هذه الآيات حكم كل منها ومكانتها فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هذا هو الصنف الأول وهو الأفضل الأكمل. وقد وصفهم بالإيمان- والمراد به التصديق- بكل ما جاء به محمد ﷺ ، ووصفهم بالمهاجرة من ديارهم وأوطانهم فرارا بدينهم من فتنة المشركين إرضاء لله تعالى ونصرا لرسوله ﷺ ، ووصفهم بالجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. فالجهاد بذل الجهد بقدر الوسع والطاقة ومصارعة المشاق.
فأما ما كان منه بالأموال فهو قسمان: إيجابي: وهو إنفاقها في التعاون
стр. 428
والهجرة، ثم في الدفاع عن دين الله كصرفها للكراع والسلاح، وعلى المحاويج من المسلمين، وسلبي: وهو سخاء النفس بترك ما تركوه في وطنهم عند خروجهم منه وأما ما كان منه بالنفس فهو قسمان أيضا:
قتال الأعداء وعدم المبالاة بكثرة عددهم وعددهم، وما كان قبل إيجاب القتال من مغالبة الشدائد، والصبر على الاضطهاد، والهجرة من البلاد.
وقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ قيل: هو متعلق بجاهدوا قيد لنوعي الجهاد، ويجوز أن يكون من باب التنازع في العمل بين هاجروا وجاهدوا. ولعل تقديم الأموال على الأنفس لما أن المجاهدة بالأموال أكثر وقوعا وأتم دفعا للحاجة حيث لا يتصور المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة بالمال.
وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا هذا هو الصنف الثاني في الفضل كالذكر. ووصفهم بأنهم الذين آووا الرسول ﷺ ومن هاجر إليهم من أصحابه، ونصروهم، ولولا ذلك لم تحصل فائدة الهجرة، ولم يكن مبدأ القوة والسيادة، فالإيواء يتضمن معنى التأمين من المخافة، إذ المأوى هو الملجأ والمأمن، ومنه إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ [الكهف: ١٠] آوى إِلَيْهِ أَخاهُ [يوسف: ٦٩] وقد كانت يثرب مأوى وملجأ للمهاجرين، شاركهم أهلها في أموالهم، وآثروهم على أنفسهم، وكانوا أنصارا لرسول الله ﷺ ، يقاتلون من قاتله، ويعادون من عاداه، ولذلك جعل الله حكمهم وحكم المهاجرين واحدا في قوله: أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي يتولى بعضهم من أمر الآخرين أفرادا أو جماعات ما يتولونه من أمر أنفسهم عند الحاجة من تعاون وتناصر في القتال، وما يتعلق به من الغنائم، وغير ذلك، لأنّ حقوقهم ومصالحهم مشتركة، حتى إن المسلمين يرثون من لا وارث له من الأقارب.
وقال بعض المفسرين: إن الولاية هنا خاصة بولاية الإرث، لأنّ المسلمين كانوا يتوارثون في أول الأمر بالإسلام، والهجرة دون القرابة، بمعنى أنّ المسلم المقيم في البادية أو في مكة أو غيرها من بلاد الشرك لم يكن يرث المسلم الذي في المدينة وما في حكمها إلا إذا هاجر إليها، فيرث ممن بينه وبينه مؤاخاة من الأنصار، وذلك أنّ المهاجري كان يرثه أخوه الأنصاري إذا لم يكن له بالمدينة ولي مهاجري، ولا توارث بينه وبين قريبه المسلم غير المهاجري، واستمر ذلك إلى أن فتحت مكة، وزال وجوب الهجرة، وغلب حكم الإسلام، فنسخ التوارث بالإسلام المصاحب للهجرة، وهذا التخصيص باطل، والمتعين أن يكون لفظ الأولياء عاما يشمل كل معنى يحتمله كما تقدم.
والمقام الذي نزلت فيه هذه الآية- بل السورة كلها- يأبى أن يكون المراد به حكما مدنيا من أحكام الأموال فقط، فهي في الحرب، وعلاقة المؤمنين بعضهم ببعض،
стр. 429
وعلاقتهم بالكفار. وكل ما يصح في مسألة التوارث أنها داخلة في عموم هذه الولاية.
وقال الأصم: الآية محكمة، والمراد: الولاية بالنصرة والمظاهرة، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا هذا هو الصنف الثالث من أصناف المؤمنين، وهم المقيمون في أرض الشرك تحت سلطان المشركين وحكمهم- وهي دار الحرب والشرك- بخلاف من يأسره الكفار من أهل دار الإسلام، فله حكم أهل هذه الدار.
وكان حكم غير المهاجرين أنه لا يثبت لهم شيء من ولاية المؤمنين الذين في دار الإسلام، إذ لا سبيل إلى نصر أولئك لهم، ولا إلى تنفيذ هؤلاء لأحكام الإسلام فيهم. والولاية حقّ مشترك على سبيل التبادل، ولكنّ الله خص من عموم الولاية المنفية الشامل لما ذكرنا من الأحكام شيئا واحد فقال: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ فأثبت لهم حق نصرهم على الكفار إذا قاتلوهم أو اضطهدوهم لأجل دينهم.
وإن كانوا هم لا ينصرون أهل دار الإسلام لعجزهم، ثم استثنى من هذا الحكم حالة واحدة. فقال: إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ يعني إنما يجب عليكم أن تنصروهم إذا استنصروكم في الدين على الكفار الحربيين، دون المعاهدين، فهؤلاء يجب الوفاء بعهدهم، لأنّ الإسلام لا يبيح الغدر والخيانة بنقض العهود.
وهذا الحكم من أركان سياسة الإسلام الخارجية العادلة وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فلا تخالفوا أمره، ولا تتجاوزوا ما حدّه لكم، كيلا يحل عليكم عقابه.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي في النصرة والتعاون على قتال المسلمين، فهم في جملتهم فريق واحد تجاه المسلمين، وإن كانوا مللا كثيرة يعادي بعضهم بعضا. وقيل: إنّ الولاية هنا ولاية الإرث كما قيل بذلك في ولاية المؤمنين فيما قبلها، وجعلوه الأصل في عدم التوارث بين المسلمين والكفار. وفي إرث ملل الكفر بعضهم لبعض.
وقول بعض المفسرين: إن هذه الجملة تدل بمفهومها على نفي المؤازرة والمناصرة بين جميع الكفار وبين المسلمين، وإيجاب المباعدة والمصارمة وإن كانوا أقارب غير مسلّمين، لأنّ صلة الرحم عامة في الإسلام للمسلم والكافر كتحريم الخيانة. والأصح عند الشافعية أنّ الكافر يرث الكافر، وهو قول الحنفية والأكثر، ومقابله عند مالك وأحمد. وعنهما التفرقة بين الذمي والحربي، وكذا عند الشافعية.
وعن أبي حنيفة «١» لا يتوارث حربي من ذمي، فإن كانا حربيين شرط أن يكونا من دار واحدة.
стр. 430
وعند الشافعية لا فرق. وعندهم وجه كالحنفية، إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ أي إن لم تفعلوا ما ذكر، وهو ما شرع لكم من ولاية بعضكم لبعض، وتناصركم وتعاونكم تجاه ولاية الكفار بعضهم لبعض تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ تحصل فتنة عظيمة فيها: هي ضعف الإيمان، وظهور الكفر بتخاذلكم وفشلكم المفضي إلى ظفر الكفار بكم، واضطهادكم في دينكم، لصدكم عنه وَفَسادٌ كَبِيرٌ وهو سفك الدماء على ما روي عن الحسن، فالمراد فساد كبير فيها. وقيل: مفسدة كبيرة في الدين والدنيا.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا هذا ليس مكررا مع ما تقدم، لأنّ مساق الأول لإيجاب التواصل بينهما، ومساق الثاني الثناء عليهم، والشهادة لهم بأنهم هم المؤمنون حقّ الإيمان وأكمله، دون من أقام بدار الشرك مع حاجة الرسول ﷺ والمؤمنين إلى هجرته، وأعاد وصفهم الأول لأنهم به كانوا أهلا لهذه الشهادة، وما يليها من الجزاء المذكور في قوله: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لا يقدر قدرها وَرِزْقٌ كَرِيمٌ لا تبعة له ولا منة فيه.
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ هذا هو الصنف الرابع من المؤمنين في ذلك العهد، وهم من تأخر إيمانهم وهجرتهم عن الهجرة الأولى، أو عن نزول هذه الآيات. فيكون الفعل الماضي آمَنُوا وما بعده بمعنى المستقبل، وقيل:
عن يوم بدر، وقيل: عن صلح الحديبية، وكان سنة ست. وجعلهم تبعا لهم وعدهم منهم دليل على فضل السابقين على اللاحقين.
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ أولوا الأرحام أصحاب القرابة، وهو جمع رحم ككتف وقفل. وأصله رحم المرأة الذي هو موضع تكوين الولد من بطنها، ويسمّى به الأقارب، لأنهم في الغالب من رحم واحد. وفي اصطلاح علماء الفرائض: هم الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب.
والمعنى المتبادر من نص الآية أنها في ولاية الرحم والقرابة بعد بيان ولاية الإيمان والهجرة. فهو يقول: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ أجدر وأحق من المهاجرين والأنصار الأجانب بالتناصر والتعاون. وكذا التوارث في دار الهجرة في عهد وجوب الهجرة. ثم في كل عهد هم أولى بذلك فِي كِتابِ اللَّهِ أي في حكمه الذي كتبه على عباده المؤمنين، وأوجب به عليهم صلة الأرحام والوصية بالوالدين وذي القرابة في هذه الآية وغيرها.
وجملة القول إنّ أولوية أولي الأرحام بعضهم ببعض هو تفضيل لولايتهم على ما هو أعم منها من ولاية الإيمان وولاية الهجرة في عهدها. فالقريب أولى بقريبه ذي رحمه المؤمن المهاجر والأنصاري من المؤمن الأجنبي. وأما قريبه الكافر فإن كان
стр. 431
محاربا للمؤمنين فالكفر مع القتال يقطعان له حقوق الرحم. ثم ختم الله هذه السورة بقوله: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهو تذييل لجميع أحكام السورة وحكمها، مبيّن أنها محكمة لا وجه لنسخها ولا نقضها.
فالمعنى: أنه شرع لكم هذه الأحكام في الولاية العامة والخاصة والعهود وصلة الأرحام عن علم واسع محيط بكل شيء من مصالحكم الدينية والدنيوية.
ما يستفاد من الآيات
١- ثبوت ولاية النصرة بين المؤمنين في دار الإسلام.
٢- عدم ثبوت ولاية النصرة بين المؤمنين الذين في دار الإسلام والمؤمنين في دار الحرب أو خارج دار الإسلام إلا على من يقاتلهم لأجل دينهم، فيجب نصرهم عليه إذا لم يكن بيننا وبينه ميثاق صلح وسلام بحيث يكون نصرهم عليه نقضا لميثاقه.
٣- ولاية الكفار بعضهم لبعض.
٤- أننا إذا لم نمتثل ما شرعه الله من تحقيق ولاية النصرة بيننا بأن والينا الكفار أدى ذلك إلى ضعفنا، وظهورهم علينا.
٥- أن ما شرعه الله سبحانه من أحكام القتال والغنائم وقواعد التشريع وسنن التكوين والاجتماع، وأصول الحكم المتعلقة بالأنفس ومكارم الأخلاق والآداب ناشئ عن علم واسع شامل محيط بالمصالح الدينية والدنيوية والله تعالى أعلم.
стр. 432
من سورة التوبة
قال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦)
تعاهد النبي ﷺ مع الكفار من مشركي مكة وغيرهم على ألا يصد عن البيت الحرام أحد من الطرفين، ولا يزعج أحد في الأشهر الحرم. وهذا هو العهد العام الذي كان بينه ﵊ وبين أهل الشرك من العرب، وكان من وراء ذلك عهود بينه ﵊ وبين كثير من قبائل العرب إلى آجال مسماة، وقد نقض كثير من المشركين عهودهم مع رسول الله ﷺ .
ولمكانة الدين الإسلامي من مكارم الأخلاق، وللإشارة إلى أنه ليس الغرض من فرض الجهاد سفك الدماء، وإنما المهم الوصول إلى الإيمان وترك الجحود. أرشد الله المؤمنين بقوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ إلخ. إلى أن من جاء من المشركين الذي نقضوا العهد يطلب الأمان ليسمع كلام الله، ويتدبر، ويطلع على حقيقة الدين، يجب تأمينه وحمايته حتى يصل إلى غايته، ولا يجوز قتله، ولا التعدي عليه. ومتى أراد العودة إلى بلاده يجب تيسير الطريق أمامه ليصل إلى مأمنه، أي مسكنه الذي يأمن فيه. ذلك التسامح الذي أمرتكم به من إجارة المستجير منهم، وإبلاغه مأمنه بسبب أن هؤلاء المشركين قوم لا يعلمون حقيقة الإسلام، ومن جهل شيئا عاداه، أو هم قوم جهلة، ليسوا من أهل العلم، فلا بد من إعطائهم الأمان حتى يفهموا الحق، وحينئذ لا تبقى لهم معذرة.
وقد ورد أنه جاء رجل من المشركين إلى علي بن أبي طالب فقال: إن أراد الرجل منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء الأجل لسماع كلام الله، أو لحاجة أخرى فهل يقتل؟ فقال علي: لا، إنّ الله تعالى قال: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ.
وهنا أمور:
الأول: أن المذكور في الآية كون المستجير طالبا لسماع القرآن، ويلحق به كونه طالبا لسماع الأدلة على كون الإسلام حقا، وكونه طالبا للجواب عن الشبهات التي عنده، لأنّ كل هؤلاء يطلبون العلم ويسترشدون عن الحق، ومن كان كذلك تجب إجارته.
стр. 433
الثاني: قيل: المراد من قوله: حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ سماع جميع القرآن، وقيل:
سماع سورة براءة، لأنها مشتملة على كيفية المعاملة مع المشركين، وقيل: سماع كل ما يدل على أن الإسلام حق.
الثالث: نصّ الفقهاء من الحنفية على أن الحربي إذا دخل دار الإسلام مستجيرا لغرض شرعي كسماع كلام الله، أو دخل بأمان لتجارة وجب تأمينه بحيث يكون محروسا في نفسه وماله إلى أن يبلغ داره التي يأمن فيها.
يؤخذ من الآية ما يأتي
١- جواز تأمين الحربي إذا طلب ذلك من المسلمين ليسمع ما يدل على صحة الإسلام.
٢- أنه يجب علينا تعليم كل من التمس منا أن نعلمه شيئا من أمور الدين.
٣- أنه يجب على الإمام أن يحفظ الحربي المستجير، وأن يمنع الناس عن أن ينالوه بشيء من الأذى، لأن هذا هو المقصود من الإجارة والتأمين.
٤- أنه يجب على الإمام أن يبلغه مأمنه بعد قضاء حاجته، فلا يجوز تمكينه من الإقامة في دار الإسلام إلا بمقدار قضاء حاجته، عملا بإشارة قوله تعالى: فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ وقد نص الفقهاء من الحنفية على أنه يجب على الإمام أن يأمره بالخروج متى انتهت حاجته، وأن يعلنه بأنه إن أقام بعد الأمر بالخروج سنة في دار الإسلام فلا يمكّن من الرجوع إلى بلاد الحرب، ويصير ذميا، وتوضع عليه الجزية.
قال الله تعالى: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) شروع في تحقيق حقيقة ما سبق من البراءة وأحكامها المتفرعة عليها، وتبيين الحكمة الداعية إلى ذلك، بأنه إذا ظهروا علينا لا يرقبون فينا إلّا ولا ذمة.
و (كيف) للاستفهام الإنكاري لا بمعنى إنكار الواقع، بل بمعنى إنكار الوقوع.
و (يكون) من الكون التام. و (كيف) محلها النصب على التشبيه بالحال أو الظرف، أو من الكون الناقص، و (عهد) اسمها، وفي خبرها ثلاثة أوجه:
الأول: أنه (كيف) وقدم للاستفهام، و (للمشركين) متعلّق بمحذوف وقع حالا من (عهد) أو متعلق بيكون عند من يجوّز التعلق بالناقص.
والثاني: أن خبر (يكون) هو (للمشركين) و (عند) على هذين ظرف للعهد، أو ليكون، أو صفة للعهد.
стр. 434
والثالث: أن الخبر (عند الله) ، و (للمشركين) حينئذ متعلّق بمحذوف حال من (عهد) أو متعلق بيكون كما تقدم، أو بالاستقرار الذي تعلّق به الخبر، ولا يضرّ تقديم معمول الخبر على الاسم لكونه حرف جر. و (كيف) على الوجهين الثاني والثالث نصب على التشبيه بالظرف أو الحال، كما في صورة الكون التام، والمراد بالمشركين الناكثون للعهد، لأنّ البراءة إنما هي في شأنهم.
والعهد: ما يتفق رجلان أو فريقان من الناس على التزامه بينهما لمصلحتهما المشتركة، فإن أكّداه ووثقاه بما يقتضي زيادة العناية بحفظه والوفاء به سمي ميثاقا، وهو مشتق من الوثاق بالفتح، وهو الحبل والقيد. وإن أكّداه باليمين خاصّة سمي يمينا، وقد يسمّى بذلك لوضع كل من المتعاقدين يمينه في يمين الآخر عند عقده.
وفي توجيه الإنكار إلى كيفية ثبوت العهد من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى ثبوته لأنّ كل موجود يجب أن يكون وجوده على حال من الأحوال قطعا. فإذا انتفت جميع أحوال وجوده، فقد انتفى وجوده على الطريق البرهاني: أي على حال. أو في أي حال يوجد لهم عهد معتدّ به عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ يستحق أن تراعى حقوقه، ويحافظ عليه إلى إتمام المدة، ولا يتعرض لهم بسببه قتلا ولا أخذا، وتكرير كلمة (عند) للإيذان بعدم الاعتداد به عند كل من الله تعالى ورسوله على حدة.
والمعنى: بأية صفة وأية كيفية يثبت للمشركين عهد من العهود عند الله يقره لهم في كتابه وعند رسوله ﷺ يفي لهم به، وتفون به أيها المؤمنون اتباعا له ﷺ ، وحالهم الذي بينتها الآية التالية تأبى ثبوت ذلك لهم إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، في هذا الاستثناء وجهان:
أحدهما: أنه منقطع، أي لكن الذين عاهدتم إلخ.
والثاني: أنه متصل، وفيه حينئذ احتمالان: أحدهما: أنه منصوب على أصل الاستثناء من (المشركين) والثاني أنه مجرور على البدل منهم، لأنّ معنى الاستفهام المتقدم نفي، أي ليس يكون للمشركين عهد إلا الذين لم ينكثوا.
وعلى أنه منقطع فالذين مبتدأ خبره جملة (فما استقاموا) ، وهؤلاء المعاهدون المستثنون هنا هم المذكورون سابقا في قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً إلخ [التوبة: ٤] وإنما أعيد ذكر استثنائهم لتأكيده بشرطه المتضمن لبيان السبب الموجب للوفاء بالعهد. وهو أن تكون الاستقامة عليه مرعية من كل واحد من الطرفين المتعاقدين إلى نهاية مدته.
وهذا زائد على ما هنالك من وصفهم بأنه لم ينقصوا من شروط العهد شيئا، ولم يظاهروا على المسلمين أحدا، واعلم أن قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ
стр. 435
الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
اعتراض بين قوله: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ وقوله المفسّر له: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً.
وقوله: عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ المراد به جميع الحرم كما هي عادة القرآن إلا ما استثني، فالعندية فيه على حذف مضاف، أي عند قرب المسجد الحرام، وكان ذلك العهد يوم الحديبية سنة ست.
فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ أي فمهما يستقم لكم هؤلاء فاستقيموا لهم. أو فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم، إذ لا يجوز أن يكون الغدر ونقض العهد من قبلكم.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ تعليل لوجوب الامتثال، وتبيين على أنّ مراعاة العهد من باب التقوى، وأن التسوية بين الغادر والوفي منافية لذلك وإن كان المعاهد مشركا.
ومما يستفاد من هذه الآية: أن العهد المعتد به عند الله وعند الرسول هو عهد غير الناكثين، وأن من استقام على عهده نعامله بمقتضاه، وأن مراعاة العهد من تقوى الله التي يرضاها لعباده.
قال الله تعالى: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)
لما بدأ الله سورة التوبة بذكر البراءة من المشركين وبالغ في إيجاب ذلك بتعداد فضائحهم وقبائحهم أراد أن يحكي شبهاتهم التي كانوا يحتجون بها في أنّ هذه البراءة غير جائزة، مع الجواب عنها.
ومما
يروى في سبب النزول عن ابن عباس أنه لما أسر العباس يوم بدر عيّره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم، فأغلظ علي له القول، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا، فقال له علي ﵁: ألكم محاسن؟
فقال: نعم، إنّا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة ونسقي الحاج. فأنزل الله ردا على العباس: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ
إلخ «١» والمراد أنها تتضمن الرد على ذلك القول الذي كان يقوله ويفخر به هو وغيره من كبراء المشركين أيضا، لا أنها نزلت عند ما قال ذلك لأجل الرد عليه في أيام بدر، بل نزلت في ضمن السورة بعد الرجوع من غزوة تبوك.
стр. 436
وقوله تعالى: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ إلخ النفي في مثله يسمّى نفي الشأن، وهو أبلغ من نفي الفعل، لأنّه نفي له بالدليل، والعمارة للمسجد كما يؤخذ من نصوص اللغة تطلق على عبادة الله فيه مطلقا، وعلى النسك المخصوص المسمى بالعمرة، وهي خاصّة بالمسجد الحرام، وعلى لزومه والإقامة فيه لخدمته الحسية، وعلى بنيانه وترميمه. وكلّ ذلك مراد هنا، لأنّ اللفظ يدل عليه، والمقام يقتضيه. والمختار عند الحنفية استعمال المشترك في معانيه التي يقتضيها المقام تبعا للشافعي وابن جرير.
وقوله: مَساجِدَ اللَّهِ قرئ بالإفراد، والمتبادر منه إرادة المسجد الحرام، لأنّه المفرد العلم الأكمل الأفضل، وإن كان المفرد المضاف يفيد العموم في الأصل.
ومن قرأ بالجمع فإما أن يراد جميع المساجد، فيشمل المسجد الحرام أيضا، الذي هو أشرفها، وهذا آكد، لأنّ طريقه طريق الكناية، كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله كنت أنفى لقراءته القرآن من تصريحك بذلك.
وإما أن يراد المسجد الحرام، وجمع لأنه قبلة المساجد، أو لأن كل بقعة منه مسجد.
وقوله: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ حال من الواو في (يعمروا) وهو قيد للنفي قبله مبين لعلته. والعلة الحقيقية هي نفس الكفر لا الشهادة به، ونكتة تقييده بها بيان أنه كفر صريح معترف به، لا تمكن المكابرة فيه. والشهادة بالكفر: قيل إنها بإظهار آثار الشرك من نصب الأوثان حول البيت والعبادة لها. وقيل: بقولهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. وقيل: بقولهم كفرنا بما جاء به محمد.
والظاهر شمول الشهادة لذلك كله.
والمعنى: ما كان ينبغي ولا يصح للمشركين، ولا من شأنهم الذي يقتضيه شركهم، أو الذي يشرعه، أو يرضاه الله منهم أو يقرهم عليه، أن يعمروا مسجد الله الأعظم وبيته المحرم بأي نوع من أنواع العمارة المتقدمة في حال كونهم كافرين، شاهدين على أنفسهم بالكفر قولا وعملا، لأنّ هذا جمع بين الضدين، فإنّ عمارة مساجد الله الحسية إنما تكون لعمارتها المعنوية، بعبادته فيها وحده، ولا تصح ولا تقع إلا من المؤمن الموحّد له، وذلك ضد الكفر به.
وهاهنا مسألتان:
الأولى: هل يجوز أن يستخدم المسلم الكافر في بناء المساجد، أو لا يجوز، لأنّه من العمارة الحسية الممنوعة، قيل بالثاني، وفيه نظر، لأنّ الممنوع منها إنما هو الولاية عليها، والاستقلال بالقيام بمصالحها، كأن يكون ناظر المسجد وأوقافه كافرا.
وأما استخدام الكافر في عمل لا ولاية فيه، كنحت الحجارة، والبناء والنجارة، فلا يظهر دخوله في المنع، ولا فيما ذكر من نفي الشأن.
стр. 437
والثانية: يؤخذ من «تفسير المنار» «١» أنه إذا وقع من بعض الحكام والأفراد من غير المسلمين أن من بنى مسجدا للمسلمين أو أوصى بمال لعمارة مسجد لهم لمصلحة له في ذلك، جواز قبولنا مثل هذا المسجد، وهذه الوصية بشرط ألا يكون فيهما ضرر ديني أو سياسي، لأنّه حينئذ يكون كمسجد الضرار.
أُولئِكَ المشركون حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ أي بطلت أجور أعمالهم الخيرية:
كصدقة، وصلة رحم، وقرى ضيف، وإغاثة ملهوف، وغيرهما مما يفخرون به:
كعمارة مسجد، وسقاية حاج، فلا ثواب لهم عليها في الآخرة لعدم شرطها، وهو الإيمان، وإن كانوا يجازون عليها في الدنيا بإعطاء الولد والمال والصحة والعافية.
وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ لعظم ما ارتكبوه. وهذه الجملة قيل: عطف على جملة حَبِطَتْ على أنها خبر آخر لأولئك وقيل: هي مستأنفة كجملة أُولئِكَ حَبِطَتْ وفائدتهما تقرير النفي السابق.
الأولى من جهة نفي استتباع الثواب، والثانية: من جهة نفي استدفاع العذاب.
إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) .
بعد أن بين عدم استحقاق المشركين لعمارة مساجد الله أثبتها للمسلمين الكاملين، وجعلها مقصورة عليهم بالفعل، وهم الجامعون بين الإيمان بالله على الوجه الحق، والإيمان باليوم الآخر الذي فيه الجزاء، وبين إقامة الصلاة المفروضة بأركانها وآدابها، وتدبر تلاوتها وأذكارها، التي تكسب مقيمها مراقبة الله وحبه والخشوع له والإنابة إليه، وإعطاء زكاة الأموال لمستحقيها، وبين خشية الله دون غيره ممن لا ينفع ولا يضر كالأصنام وسائر ما عبد من دون الله خوفا من ضرره، أو رجاء في نفعه.
فالمراد بالخشية الديني منها دون الغريزي، كخشية أسباب الضرر الحقيقية، فإنّ هذا لا ينافي خشية الله.
قيل: ولم يذكر الإيمان بالرسول ﷺ مع الإيمان بالله، لأنه لما ذكر الصلاة وهي لا تتم إلا بالأذان والإقامة والتشهد، وهذه الأشياء تتضمن الإيمان بالرسول ﷺ كان ذلك كافيا.
فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ أي فأولئك الجامعون لهذه الأوصاف هم الذين يرجون بحق أو يرجى لهم بحسب سنن الله في أعمال البشر وتأثيرها في إصلاحهم أن يكونوا من جماعة المهتدين إلى ما يحب الله ويرضى من عمارة مساجده حسا ومعنى.
стр. 438
ومعلوم أنّ الرجاء المستفاد من عسى لا يصح أن يكون صادرا من الله، لأنّ حقيقته ظنّ بحصول أمر وقعت أسبابه، واتخذت وسائله من مبتغيه.
ويستنبط من الآيتين أمور:
١- أنّ أعمال البر الصادرة من المشركين لا تجلب لهم ثوابا في الآخرة، ولا تدفع عنهم عذابا.
٢- أن كل ما اتصف بالإيمان، وما عطف عليه من الأوصاف المتقدمة فهو الجدير دون غيره بأن يقبل الله منه عمارة مساجده.
٣- أخذ بعضهم من قوله تعالى: وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ أنه ينبغي لمن بنى مسجدا أن يخلص لله في بنائه بحيث لا يكون الباعث له على بنائه رياء ولا سمعة.
٤- يؤخذ من التعبير بعسى في جانب المؤمنين قطع طماعية المشركين في الانتفاع بأعمالهم التي استعظموها، وافتخروا بها، حيث بيّن الله تعالى أن حصول الاهتداء لمن آمنوا بالله، ولم يخشوا غيره دائر بين لعل وعسى. وإذا كان حال المؤمنين هكذا فلا يليق بالمشرك أن يرجو لنفسه الهداية والفوز بالخير فضلا عن قطعه بذلك.
٥- التنويه بفضل عمارة المساجد وقد ورد في عمارة المساجد الحسية والمعنوية أحاديث كثيرة:
ومنها ما رواه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه والحاكم وغيرهم من
حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان، وتلا إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ» الآية «١»
وهو نص في العمارة المعنوية، كما أنّ الحديث الأول نص في الحسية.
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)
الأكثرون على أن لفظ المشركين خاصّ بعباد الأوثان. وقال قوم: يتناول جميع الكفار، ويدل لهذا القول قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨] أي لا يغفر أن يكفر به، وهذا هو الظاهر.
стр. 439
والنجس- بفتح الجيم- مصدر.
والعيلة: الفقر والفاقة.
نهى الله المؤمنين عن أن يقرب المشركون المسجد الحرام، أي عن تمكينهم من قربان المسجد الحرام، وعلّل هذا بأنهم نجس، إما لخبث باطنهم، أو لأن معهم الشرك المنزل منزلة النجس الذي يجب اجتنابه، أو لأنهم لا يتطهرون، ولا يغتسلون، ولا يجتنبون النجاسات.
وقوله: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا تفريع على نجاستهم، واختلف العلماء في المراد بالمسجد الحرام فقال عطاء: الحرم كله قبلة ومسجد، فليس المراد خصوص المسجد الحرام، وإنما المراد منعهم من دخول المسجد الحرام ومكة والحرام. وقيل: المراد خصوص المسجد الحرام وهو مذهب الشافعية أخذا بظاهر اللفظ، وقيل المراد المسجد الحرام بالنص، وبقية المساجد تقاس عليه، لأن العلّة، وهي النجاسة، موجودة في المشركين، والحرمة موجودة في كل مسجد- وهو مذهب المالكية- فلا يجوز تمكينهم من دخول المسجد الحرام والمساجد كلها.
وقيل: ليس المراد النهي عن دخول المسجد الحرام، وإنما المراد النهي عن أن يحج المشركون ويعتمروا كما كانوا يعملون في الجاهلية- وهو مذهب الحنفية- ويؤيد ذلك أمور:
١- قوله: بَعْدَ عامِهِمْ هذا فإنّ تقييد النهي بذلك يدل على اختصاص المنهي عنه بوقت من أوقات العام، أي لا يحجوا ولا يعتمروا بعد حج عامهم هذا، وهو العام التاسع من الهجرة.
٢-
قول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حين نادى بسورة براءة: ألا لا يحجّ بعد عامنا هذا مشرك.
٣- قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ فإنّ خشية العيلة تكون بسبب انقطاع تلك المواسم، لمنع المشركين من الحج والعمرة، لأن المؤمنين كانوا ينتفعون بالتجارات التي تروج في مواسم الحج.
٤- إجماع المسلمين على منع المشركين من الحج والوقوف بعرفة والمزدلفة وسائر أعمال الحج، وإن لم تكن في المسجد.
وقوله: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي إن خفتم فقرأ بسبب منعهم من الحج وانقطاع ما كانوا يجلبونه إليكم من الأرزاق والمكاسب، فسوف يغنيكم الله.
وهذا الجزاء إخبار عن غيب في المستقبل وقد وقع الأمر مطابقا لهذا الخبر، فقد أسلم الناس من أهل جدة، وصنعاء وحنين وتبالة وجرش وكثر ترددهم على
стр. 440
مكة بالتجارات وحمل الطعام وما يعاش به، وقد أرسل الله عليهم السماء مدرارا، فكثر خيرهم، واتسعت أرزاقهم، وتوجه الناس إليهم من أقطار الأرض.
والتعبير بالمشيئة في قوله: إِنْ شاءَ لتعليم رعاية الأدب مع الله تعالى كما في قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [الفتح: ٢٧] وللإشارة إلى أنه لا ينبغي الاعتماد على أنّ المطلوب يحصل حتما، بل لا بد من أن يتضرع المرء إلى الله تعالى في طلب الخيرات، وفي دفع الآفات إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بأحوالكم وحَكِيمٌ يعطي ويمنع عن حكمة وصواب.
وهاهنا أمور:
١- أنه علم مما تقدم أنه لا يجوز تمكين المشرك من دخول المسجد الحرام فقط عند الشافعية، ومن دخول المسجد الحرام والمساجد كلها عند المالكية، ويستثنى من ذلك حالة العذر، كدخول الذمي المسجد للتقاضي أمام الحاكم المسلم.
وأباح الحنفية دخول الذمي المساجد كلها.
٢- نقل صاحب «الكشاف» «١» عن ابن عباس أنّ أعيان المشركين نجسة كالكلاب والخنازير تمسكا بهذه الآية، ولكن اتفق الفقهاء على خلاف ذلك، وأن أبدانهم طاهرة للإجماع على أنهم لو أسلموا كانت أجسامهم طاهرة، مع أنّه لم يوجد ما يطهرها من الماء أو النار أو التراب أو مثل ذلك. ويدل له أيضا أنّه ﵊ كان يشرب من أواني المشركين.
٣- قيل الفضل في قوله: يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هو حمل الطعام إلى مكة من البلاد التي أسلم أهلها كجدة وصنعاء كما تقدم، فإنّه سد حاجتهم وأغناهم عما في أيدي المشركين، وقيل: المراد به الجزية، وقيل: الفيء قال الله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩) أمر الله المسلمين في الآيات السابقة بقتال أهل الشرك، وعدم تمكينهم من المسجد الحرام، وفي هذه الآية أمر الله بقتال أهل الكتاب- التوراة والإنجيل- إلى أن يسلموا أو يعطوا الجزية، وبيّن أن العلة في لزوم قتالهم أمور:
الأول: أنّهم لا يؤمنون بالله ما داموا على حالتهم التي هم عليها، فإنّ اليهود يعتقدون أنّ الإله جسم، مع أن الإله الحق منزه عن الجسمية والشبيه، فهم لا يؤمنون بوجود الإله الحق المنزه عن الجسمية.
стр. 441
والأنصاري يعتقدون أن الإله حلّ في عيسى، مع أنّ الإله الحق منزّه عن الحلول في غيره، فهم لا يؤمنون بوجود الإله الحق المنزه عن الحلول في غيره.
الثاني: أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر على الوجه الذي وردت به الآيات والنصوص، فإنهم يعتقدون بعث الأرواح دون الأجسام، ويرون أنّ أهل الجنة لا يأكلون ولا يشربون، ولا يتمتعون بالحور العين، ولا يرون وجود أنهار ولا أكواب ولا أشجار مما وردت به النصوص، ويقولون: إنّ نعيم الجنة وعذاب النار معان تتعلّق بالروح فقط، كالسرور والهم، فهم لا يؤمنون باليوم الآخر على الوجه الذي وردت به النصوص.
الثالث: أنّهم لا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله محمد ﵊ في الكتاب والسنة. وقيل: المراد برسوله الذي يزعمون اتباعه، وهو موسى وعيسى ﵉ لليهود والنصارى، بل حرّفوا التوراة والإنجيل، وأتوا بأحكام من عند أنفسهم، فهم يخالفون أصل دينهم المنسوخ اعتقادا وعملا.
الرابع: أنهم لا يدينون دين الحق، أي لا يتخذون دين الحق دينا يعتقدون ويعملون بأحكامه، وهو الإسلام الناسخ لسائر الأديان بصريح قوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران: ١٩] وقوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: ٨٥] .
والتعبير عن اليهود والنصارى بالاسم الموصول للدلالة على أن الصلة علّة في الحكم، فالعلة في وجوب قتالهم أنه لم يؤمنوا بالله واليوم الآخر إلخ، وقال: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
ليبيّن أنّ المراد بالذين لا يؤمنون بالله إلخ هم أهل الكتاب، والغرض تمييزهم عن المشركين في الحكم، لأنّ الواجب في المشركين القتال إلى أن يسلموا، وأما الواجب في أهل الكتاب فهو القتال أو الإسلام أو الجزية، وقوله: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ غاية لانتهاء القتال.
والجزية: اسم لما يعطيه المعاهد على هذه، مأخوذة من: جزى الرجل العامل أجره يجزيه، إذا أدّى ما وجب عليه للعامل من أجره، فكذلك إذا أدّى المعاهد الجزية فقد أدّى ما وجب عليه. وقوله: عَنْ يَدٍ يحتمل أن يراد باليد يد المعطي أو يد الآخذ. فإن أريد يد المعطي كان المعنى حتى يعطوا الجزية إعطاء لا تمتنع يدهم عن أنّ تمتد به، فيكونون منقادين طائعين، فإنّ من أبى وامتنع لا يعطي يده، ومن انقاد وأطاع أعطى يده.
ولهذا يقول: أعطى يده إذا انقاد وأطاع، ونزع يده إذا خرج عن الطاعة.
ويصح أن يكون المعنى: حتى يعطوا الجزية عن يد المعطي إلى يد الآخذ، والمراد حتى يعطوها بأيديهم نقدا لا نسيئة ولا مبعوثة على يد أحد.
стр. 442
وإن أريد يد الآخذ كان المعنى حتى يعطوا الجزية إعطاء ناشئا عن قهر يد قاهرة مستولية عليهم، وهي يد المسلمين، أو كان المعنى حتى يعطوا الجزية إعطاء ناشئا عن يد، أي عن إنعام عليهم، لأن قبول الجزية منهم، وترك أرواحهم نعمة عظمى تسدى إليهم.
وقوله: وَهُمْ صاغِرُونَ معناه أن يعطوا الجزية وهم بحالة الصّغار والذل، فلا يقبل منهم أن يتأففوا، أو يظهروا السخط على ولاية المسلمين، أو يرموهم بالظلم والاستبداد، ولا يعقل أن يعطى المعاهدون الجزية على هذه الحالة إلا إذا كان ولاة المسلمين على استعداد تام في أمر القوة المادية، بحسب ما يناسب الزمان والمكان، وفي القوة المعنوية، بحيث تكون التربية العامة لجماعة المسلمين مما تربي فيهم ملكة التيقظ والعزة والشجاعة والعصبية والتراحم فيما بين أفراد المسلمين بعضهم مع بعض، إلى آخر ما ورد في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ .
قال الله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)
عدّة القوم جماعتهم، وعدّة المرأة أقراؤها، وأيام إحدادها على زوجها. ومن الأول قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ أي جماعتها، والقيم الذي يتولى إصلاح غيره.
والمستقيم الذي لا عوج فيه. والدين الإسلامي قيم يصلح من تمسك بمبادئه وأحكامه، وهو في ذاته أحكام مستقيمة لا عوج فيها، صالحة لكل زمان ومكان.
كان اليهود والنصارى وغيرهم من الطوائف التي ليست عربية يعتمدون في معاملاتهم وأعيادهم على السنة الشمسية. وكانت السنة الشمسية ثلاثمئة وخمسة وستين يوما وربع يوم. وفي كل أربع سنوات يتكوّن من الكسر عندهم يوم كامل، فتكون السنة ثلاثمئة وستة وستين يوما، وفي كل مئة وعشرين سنة تزيد السنة شهرا كاملا، فتكون السنة ثلاثة عشر شهرا، وتسمى كبيسة.
وكانت الأمة العربية تعتمد في معاملاتها وعبادتها على السنة القمرية، وكانت السنة القمرية ثلاثمئة وأربعة وخمسين يوما وكسرا. ولم يكن للكسر حكم. وقد توارثوا التعامل بذلك عن إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام.
وقد وردت الشريعة الإسلامية بمراعاة السنة القمرية في آيات كثيرة منها هذه الآية التي معنا حيث يقول الله فيها: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ والأشهر الحرم من الشهور القمرية، وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرّم. ومنها قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [يونس: ٥] فجعل
стр. 443
تقدير القمر بالمنازل علة لمعرفة السنوات والحساب، وهو إنما يصح إذا كانت السنة معلقة بدورة القمر، ومنها قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: ١٨٩] ولهذا كانت السنة القمرية وشهورها العربية هي التي يعتد بها عند المسلمين في صيامهم ومواقيت حجهم وأعيادهم ومعاملاتهم وأحكامهم.
وباعتبار نقصان السنة القمرية عن الشمسية أحد عشر يوما تقريبا تنتقل الشهور العربية من فصل إلى فصل، فيكون الحج واقعا في الشتاء مرة وفي الصيف مرة أخرى. وكان الأمر يشق على العرب أيام الجاهلية بهذا السبب، وكذلك كانوا إذا حضروا للحج حضروا للتجارة أيضا، وربما يكون الوقت غير مناسب لحضور التجارات من أطراف البلاد، فيختل بذلك نظام تجارتهم، وكان كثير من العرب يخالط الطوائف الأخرى فتعلموا منهم الاعتماد على السنة الشمسية، فأقدموا على الكبس بتكميل النقص الذي في السنة القمرية لتساوي السنة الشمسية، واعتبروا ذلك مبررا لاعتمادهم على السنة الشمسية، فاختاروا للحج وقتا معينا لمصلحتهم، لينتفعوا بتجاراتهم وعباداتهم ومصالحهم.
وكانوا مع هذا يجعلون شهر المحرم مثلا حلالا عام وحراما في عام آخر، بحسب رغباتهم، وكانوا يؤخّرون الشهور، ويقدمونها بحسب أسمائها تبعا لغايتهم.
فإذا كانوا في حرب، ودخل شهر رجب مثلا، قالوا: نسميه رمضان، ونطلق اسم رمضان على رجب. وهذا الأخير هو النسيء الذي اخترعوه. وهو وإن كان سببا لحصول مصالحهم الدنيوية إلا أنه يستلزم تغيير حكم الله تعالى فيما تعبدهم به.
كما أنهم اخترعوا الكبس بطريقة غير التي كانت عند غيرهم. فكانوا لتكميل النقص الذي في السنة القمرية عن الشمسية يزيدون في كل ثلاث سنوات شهرا، لتكون السنة قمرية شمسية. ولكل هذا استوجبوا الذم العظيم، ونزلت «١» هذه الآية، أي إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ في علمه تعالى: اثْنا عَشَرَ شَهْراً لا أكثر ولا أقل، للرد على ما أقدم على الزيادة، فمن حكم على بعض السنوات بأنها صارت ثلاث عشر شهرا فقد جرى على خلاف حكم الله، وأبطل كثيرا من العبادات المؤقتة.
وهذه العدة للشهور ثابتة في علمه تعالى، وفِي كِتابِ اللَّهِ أي في اللوح المحفوظ الذي كتب فيه ما كان وما يكون. أو فيما كتبه الله وأوجب على عباده الأخذ به، وكذلك هي ثابتة في اليوم الذي خلق الله فيه السموات والأرض.
وقوله: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ- جمع حرام- أي أربعة محرّمة حرّم فيها بعض ما كان مباحا في غيرها، أو هي ذات حرمة تمتاز بها عن بقية الشهور، فقد ورد أنّ
стр. 444
المعصية فيها أشد عقابا، وأنّ الطاعة فيها أعظم ثوابا. ولله تعالى أن يعظّم من الأزمان والأمكنة والناس ما شاء لا معقب لحكمه، فقد ميّز البلد الحرام عن سائر البلاد، وميّز يوم الجمعة ويوم عرفة عن سائر الأيام، وميّز شهر رمضان عن بقية الشهور، وميّز بعض الليالي كليلة القدر، وبعض الأشخاص بإعطائه الرسالة. وهذا غير مستبعد، لأنه لا مانع من أن يعلم الله تعالى أنّ وقوع الطاعة في هذه الأوقات أكثر تأثيرا في طهارة النفوس وأنّ وقوع المعاصي فيها أقوى تأثيرا في خبث النفس.
وأجمع العلماء على أنّ ثلاثة من الأشهر الحرم متوالية وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو رجب. وقد أشير إلى ذلك بقوله ﵊ في خطبة طويلة في حجة الوداع: منها أربعة حرم أولهن رجب مضر، بين جمادى وشعبان، وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.
وقوله: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ تحريم الأشهر الحرم هو الدين القيم. أي الحكم الذي لا التواء فيه ولا اعوجاج، بخلاف ما كان عليه أهل الجاهلية. فمعنى كونه قيّما أنه قائم لا يبدل ولا يغير، ودائم لا يزول، فلا يجوز نقل تحريم المحرم مثلا إلى صفر. وذلك للرد على ما كان يعمله أهل الجاهلية من تقديم بعض أسماء الشهور، وتأخير البعض.
فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أي في الأشهر الحرم أَنْفُسَكُمْ بأن تعملوا النسيء، فتنقلوا الحج من الشهر الذي أمر الله بإقامته فيه، إلى شهر آخر، وتغيّروا حكم الله تعالى.
أو المراد النهي عن جميع المعاصي بسبب ما لهذه الأشهر من مزيد الأثر في تعظيم الثواب والعقاب، كما أشير إلى ذلك بقوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧] . فهذه الأشياء لا تجوز في غير هذه الأشهر، إلا إنه أكّد في المنع منها فيها تنبيها على زيادتها في الشرف.
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً نهاهم الله تعالى عن أن يظلموا أنفسهم في الأشهر الحرم. وأمرهم بقتال المشركين من غير تقييد بزمن، فيدلّ النص بظاهره على أن القتال في الأشهر الحرم مباح، ولهذا نقل عن عطاء الخراساني أنه قال: أحلّت القتال في الأشهر الحرم بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يشير إلى ما فيها من قوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ومن قوله: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وأما آيات البقرة الدالة على تحريم القتال في الأشهر الحرم فهي منسوخة بآيات التوبة، لأنّ سورة التوبة نزلت بعد سورة البقرة بسنتين. ويدل له أنه ﵊ حارب هوازن بحنين وثقيفا بالطائف في شهر شوال وبعض ذي القعدة.
стр. 445
وسئل سعيد بن المسيب هل يصح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟ قال: نعم. وهو المنقول عن قتادة والزهري وسفيان الثوري، ولكل هذا كان القول بإباحة القتال في الأشهر الحرم هو الذي عليه المعوّل.
وقوله: كَافَّةً حال من الفاعل أو من المفعول، والمعنى على الأول: قاتلوا المشركين حال كونكم جميعا متعاونين غير متخاذلين، كما يقاتلونكم مجتمعين متعاونين غير متخاذلين.
والمعنى على الثاني: قاتلوا المشركين حال كونهم جميعا لا فرق بين طائفة وطائفة، ما يقاتلونكم جميعا من غير مراعاة فريق منكم دون فريق.
وكلمة كَافَّةً من الكلمات التي توحد وتؤنث بالهاء لا غير، فلا تثنّى ولا تجمع ولا تذكّر كالخاصة والعامة.
وقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ أي مع أوليائه الذين يخافون من غضبه، ويتخذون وقاية من مخالفة أمره. وهو معهم بالنصر والمعونة فيما يباشرونه من القتال وغيره. ووضع المظهر موضع المضمر للثناء عليهم بالتقوى، ولحثّ القاصرين عليها، وللإشعار بأنها المدار في الفوز والفلاح.
قال الله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧) النَّسِيءُ مصدر بمعنى التأخير، كالنذير والنكير، بمعنى الإنذار والإنكار، من نسأت الإبل عن الحوض إذا أخرتها، أنسؤها نسأ ونساء ونسيئا. والمراد النسيء في الشهور بمعنى تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر ليس له تلك الحرمة، بسبب أنه كان يشق عليهم أداء عبادتهم وتجاراتهم على اعتبار السنة القمرية، حيث كان حجهم يقع مرة في الشتاء ومرة في الصيف، فيتألمون من مشقة الصيف، ولا ينتفعون بتجاراتهم ومرابحاتهم التي كانوا يودون استصحابها في موسم الحج، وربما لا يتيسر لهم ذلك.
وكذلك كانوا أصحاب حروب وغارات، وكانوا يكرهون أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها، فتركوا اعتبار السنة القمرية، واعتمدوا على السنة الشمسية، ولزيادتها عن السنة القمرية احتاجوا إلى الكبس، فكانوا يجعلون بعض السنين ثلاثة عشر شهرا، وكانوا ينقلون الحج من بعض الشهور إلى بعض، ويؤخّرون الحرمة الحاصلة من شهر إلى شهر، ويستبيحون الحروب والغارات في الشهر الذي نقلوا حرمته، واستمروا في ذلك حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم، وحرموا أربعة أشهر من شهور العام اكتفاء بمجرد العدد، فكان هذا التحليل
стр. 446
والتحريم زيادة في كفرهم، الحاصل باعتقاد الشريك لله تعالى وعبادة الأصنام.
وقوله: يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بالبناء للمفعول، أي يوقع الذين كفروا بسبب النسيء في الضلال، أي يوقعهم الله في ضلال زيادة على ضلالهم القديم. وقرئ بالبناء للفاعل، أي يضلهم الله، يحلّون الشهر المؤخر عاما ويحرّمونه عاما آخر.
ثم قيل إنّ أول من عمل النسيء نعيم بن ثعلبة الكناني وكان مطاعا في قومه الذين كانوا يسألونه أن يؤخّر حرمة الشهر إلى شهر آخر ليغيروا فيه على أعدائهم، فيقول قد فعلت، ثم يعملون ما يشاؤون..
وقوله: لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ أي يوافقها في العدد، واللام متعلقة بالفعل الثاني، أو بما دل عليه مجموع الفعلين فيحلوا بهذه المواطأة ما حرمه الله من القتال، زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ أي حسّن الشيطان لهم أعمالهم السيئة، فظنوا ما كان سيئا حسنا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ أي لا يرشد الضالين الذين يختارون السيئات ويستقبحون الأعمال الصالحة.
قال الله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)
أفادت إِنَّمَا حصر الصدقات في هذه الأصناف الثمانية، وأنها تصرف إليهم، ولا تصرف إلى غيرهم.
وقد كان لفظ الصدقة في عرف الشرع في صدر الإسلام يشمل الزكاة الواجبة والصدقة المندوبة. قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [التوبة: ١٠٣]
وقال ﵊: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» «١»
وفي كتاب أبي بكر لأنس بن مالك حين وجهه إلى البحرين:
هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله تعالى بها رسوله ﷺ «٢» .
واتفق العلماء على أن قوله تعالى: الصَّدَقاتُ يشمل الزكاة الواجبة. واختلفوا في الصدقة المندوبة، فمنهم من قال بدخولها في لفظ الآية الكريمة، ومنهم من قال:
لا تدخل، فمن قال بدخولها يرى أن اللفظ عامّ يتناول كل صدقة، سواء الواجبة والمندوبة، بل إنّ المتبادر من لفظ الصدقة هو المندوبة، فإذا أدخلنا فيه الزكاة الواجبة
стр. 447
فلا أقل من أن تدخل فيه أيضا الصدقة المندوبة، وتكون الفائدة بيان أنّ مصارف جميع الصدقات ليس إلا هؤلاء الأصناف الثمانية.
ومن يرى أن المراد بالصدقات هنا هو الزكاة الواجبة يستدل على ذلك بأمور:
الأول: أن (ال) في الصدقات للعهد الذكري، والمعهود هو الصدقات الواجبة التي أشار الله إليها بقوله قبل هذه الآية: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ [التوبة: ٥٨] والصدقات التي كان قوم من المنافقين يعيبون النبي ﷺ فيها وفي تقسيمها هي الزكاة الواجبة، فقد روي أنّ بعض المنافقين كان يعيب الرسول ﷺ في توزيع الصدقة، ويزعمون أنه يؤثر بها من شاء من أقاربه وأهل مودته، وينسبونه إلى أنه لا يراعي العدل فيها، كلّ ذلك كان في الصدقات الواجبة، فلما ورد قوله تعالى عقب ذلك:
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ دلّ على أنّ المراد الصدقات التي سبق الكلام فيها: وهي الصدقات الواجبة.
الثاني: أنّ الصدقات المندوبة يجوز صرفها في غير الأصناف الثمانية باتفاق، مثل بناء المساجد والمدارس والرباطات والقناطر وتكفين الموتى وتجهيزهم ونحو ذلك، فلو كانت الصدقة المندوبة داخلة في الآية لما جاز صرفها في مثل هذه الوجوه.
الثالث: أن الله تعالى جعل للعاملين عليها سهما فيها، ولم يعهد في الشرع نصب عامل لجباية الصدقات المندوبة، فلو كانت الصدقة المندوبة داخلة في الآية لوجب على الإمام أن ينصب العمال لجبايتها حتى يأخذوا سهمهم منها، ولم يقل بذلك أحد.
الرابع: أثبت الله هذه الصدقات بلام التمليك للأصنام الثمانية، والصدقات المملوكة لهم ليست إلا الزكاة الواجبة.
وفي الآية جمعان: بالواو وجمع بالصيغة، فالشافعي يبقيها على ظاهرها في الجمعين معا، فيجب عند صرف جميع الصدقات الواجبة سواء الفطرة وزكاة الأموال، إلى ثمانية الأصناف، لأن الآية أضافت جميع الصدقات إليهم بلام التمليك، وشرّكت بينهم بواو التشريك، فدلك على أن الصدقات كلها مملوكة لهم، مشتركة بينهم، فإن كان مفرّق الزكاة هو المالك أو وكيله سقط نصيب العامل، ووجب صرفها إلى الأصناف السبعة بالسوية، لا يرجح صنف على صنف إن وجدوا، وإلا فللموجود منهم، ولا يجوز أن يصرف لأقل من ثلاثة من كل صنف، لأن أقل الجمع ثلاثة. وإن كان مفرقها الإمام أو نائبه وجب استيعاب الأصناف كلها، بهذا قال عكرمة وعمر بن عبد العزيز والزهري وداود الظاهري.
وقال الأئمة أبو حنيفة «١» ومالك وأحمد ﵏: للمالك صرفها إلى صنف
стр. 448
واحد، قال أبو حنيفة ومالك: له صرفها إلى شخص واحد من أحد الأصناف، واستحب مالك صرفها إلى أمسهم حاجة.
قال إبراهيم النخعي: إن كانت قليلة جاز صرفها إلى صنف، وإلا وجب استيعاب الأصناف.
وما نقل عن الأئمة الثلاثة هو المروي عن عمر وابن عباس وحذيفة والحسن البصري وعطاء وسعيد بن جبير والضحاك والشعبي والثوري، واختار جمع من أصحاب الشافعي جواز دفع صدقة الفطر لثلاثة فقراء أو مساكين، بل ذهب الروياني «١» من الشافعية إلى جواز دفع زكاة المال أيضا إلى ثلاثة من أهل السّهمان، قال: وهو الاختيار لتعذر العمل بمذهبنا، ولو كان الشافعي حيّا لأفتانا به.
وحمل الأئمة الثلاثة وموافقوهم الآية الكريمة على التخيير في هذه الأصناف، ومعناها: لا يجوز صرفها لغير هذه الأصناف، وهو فيه مخير. فالآية لبيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم لا لتعيين الدفع لهم.
ويدلّ له قوله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ٢٧١]
وقوله ﷺ : «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها إلى فقرائكم» «٢»
فإن عموم ذلك يقتضي جواز دفع جميع الصدقات إلى الفقراء حتى لا يعطى غيرهم، بل ظاهر اللفظ يقتضي إيجاب ذلك،
لقوله ﷺ : «أمرت ... »
فدلّ ذلك على جواز الاقتصار على صنف واحد.
وأما دليل جواز الاقتصار على شخص واحد من أحد الأصناف فهو أن الجمع المعرّف بأل حقيقة إما في العهد وإما في الاستغراق. ومجاز في الجنس الصادق بواحد. والحقيقة هنا متعذّرة، لأنّ الاستغراق غير مستقيم، إذ يصير المعنى أن كل صدقة لكل فقير، وهو ظاهر الفساد، وليس هناك معهود ليرتكب العهد. وإذا تعذرت الحقيقة وجب الرجوع إلى المجاز، فيصير المعنى في الآية.
أن جنس الصدقة لجنس الفقير. وجنس الفقير يتحقق بواحد، فيجوز الصرف إلى شخص واحد.
стр. 449
بيان الأصناف الثمانية
الصنفان الأول والثاني: الفقراء والمساكين قال الإمام الشافعي في حد الفقير: إنه من ليس له مال ولا كسب يقع موقعا من حاجته، والمسكين هو الذي يقدر على ما يقع موقعا من كفايته، إلا أنه لا يكفيه، فالفقير أسوأ حالا من المسكين.
وقال الإمامان أبو حنيفة «١» ومالك: إنّ المسكين أسوأ حالا من الفقير، والخلاف في ذلك لا يظهر له فائدة في الزكاة، لأنه يجوز عند أبي حنيفة ومالك صرف الزكاة إلى صنف واحد بل إلى شخص واحد من صنف. لكن يظهر للخلاف فائدة في الوصية للفقراء دون المساكين، أو العكس، وفيمن أوصى بألف للفقراء ومئة للمساكين مثلا.
ومحل الخلاف إنما هو عند ذكر اللفظين معا، أو ذكر أحدهما مع نفي الآخر، أما إذا ذكر أحدهما ولم ينف الآخر، كما إذا قال: أوصيت للفقراء بكذا، فلا خلاف في أنه يجوز أن يعطي المساكين، وهذا معنى قول بعضهم: إنهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، وحجة الشافعي فيما ذهب إليه وجوه:
أولها: أنه تعالى بدأ بذكر الفقراء، وهو جلّ شأنه إنما أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعا لحاجتهم، وتحصيلا لمصلحتهم، وهذا يدلّ على أن الذي وقع الابتداء بذكره يكون أشدّ حاجة، لأن الظاهر تقديم الأهم على المهم.
ثانيها: أن الفقير أصله في اللغة المفقور الذي نزعت فقرة من فقار ظهره، فعيل بمعنى مفعول، فهو ممنوع من التقلب والكسب، ومعلوم أن لا حال في الإقلال والبؤس آكد من هذه الحال.
ثالثها: ما
روي عنه ﷺ أنه كان يتعوّذ من الفقر «٢» وقد قال: «اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين» «٣»
فلو كان المسكين أسوأ حالا لتناقض الحديثان لأنه حينئذ يكون قد تعوذ من الفقر ثم سأل حالا أسوأ منه، أما إذا قلنا إن الفقير أسوأ حالا فلا تناقض البتة. وقد توفي رسول الله ﷺ وهو يملك أشياء كثيرة، فدل ذلك على أن كونه مسكينا لا ينافي كونه مالكا لبعض الأشياء.
رابعها: قوله تعالى: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ [الكهف: ٧٩]
стр. 450
فقد وصف بالمسكنة من له سفينة من سفن البحر، ولم نجد في كتاب الله ما يدل على أن الفقير يملك شيئا، فكان الفقير أسوأ حالا من المسكين.
خامسها: نقل الشافعي وابن الأنباري وخلائق من أهل اللغة أن المسكين الذي له ما يأكل، والفقير الذي لا شيء له، وحجة الحنفية وموافقيهم وجوه:
الأول: ما نقل عن الأصمعي وأبي عمرو بن العلاء ويونس وغيرهم من أهل اللغة أنّ المسكين أسوأ حالا من الفقير.
والثاني: قوله تعالى: أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) [البلد: ١٦] أي ألصق جلده بالتراب ليواري به جسده، وألصق بطنه به لفرط الجوع، فإنه يدل على غاية الضرر والشدة، ولم يوصف الفقير بذلك.
والثالث: أن المسكين هو الذي يسكن حيث يحل، لأجل أنه ليس له بيت يسكن فيه، وذلك يدل على نهاية الضرر والبؤس.
وإذا تأملت في أدلة الطرفين علمت أن لا مقنع في دليل منها إلا في أدلة النقل عن أهل اللغة، والنقلان متعارضان، وأيّا ما كان الأمر فقد اتفق الرأيان على أن الفقراء والمساكين صنفان. وروي عن أبي يوسف ومحمد أنهما صنف واحد، واختاره الجبائي، ويكون العطف بينهما لاختلاف المفهوم.
وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أوصى لفلان وللفقراء والمساكين، فمن قال: إنهما صنف واحد جعل لفلان نصف الموصى به، ومن قال: إنهما صنفان جعل له الثلث من ذلك.
واقتضى ظاهر الآية جواز دفع الزكاة لمن شمله اسم الفقير والمسكين، سواء في ذلك آل البيت وغيرهم، وسواء الأقارب والأجانب، والمسلمون والكفار، إلا أنّ الأحاديث الصحيحة قيّدت هذا الإطلاق،
ففي الصحيحين «١» من رواية ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: أعلمهم أنّ عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فاقتضى ذلك أن الصدقة مقصورة على فقراء المسلمين، فلا يجوز دفع شيء من الزكاة إلى كافر سواء في ذلك الفطرة وزكاة المال.
وحكى النووي في مجموعه عن ابن المنذر أن أبا حنيفة ﵁ يجيز دفع الزكاة إلى الكفار.
وكذلك لا يجوز دفعها إلى من تلزم المزكي نفقته من الأقارب والزوجات من
стр. 451
سهم الفقراء والمساكين، لأن ذلك إنما جعل للحاجة، ولا حاجة بهم مع وجود النفقة لهم، ولأنه بالدفع إليهم يجلب إلى نفسه نفعا، وهو منع وجوب النفقة عليه.
ولا يجوز دفعها إلى هاشمي باتفاق الأئمة، لما
رواه مسلم «١» عن المطلب بن ربيعة أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» .
وقال الشافعي: لا يجوز دفعها إلى مطلبي أيضا لما
رواه البخاري في «صحيحه» «٢» عن جبير بن مطعم أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ بني هاشم وبني المطلب شيء واحد وشبّك بين أصابعه»
ولأنه حكم واحد يتعلق بذوي القربى، فاستوى فيه الهاشمي والمطلبي كاستحقاق الخمس.
هذا وقد اختلف الفقهاء في مقدار ما يعطى للفقير والمسكين، فقال الشافعي: يجوز أن يدفع إلى كل منهما ما تزول به حاجته، ولا يزاد على ذلك، سواء صار بذلك مالكا للنصاب أم لا.
وكره أبو حنيفة «٣» أن يعطى إنسان من الزكاة مئتي درهم، وأي مقدار أعطيه أجزأ، وأبو يوسف يمنع ما زاد على النصاب.
وأما مالك ﵁ فإنه يرد الأمر فيه إلى الاجتهاد.
وقال الثوري: لا يعطى من الزكاة أكثر من خمسين درهما إلا أن يكون غارما.
يرى الشافعي أن الله تعالى أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعا لحاجتهم، وتحصيلا لمصلحتهم، فالمقصود من دفع الزكاة سد الخلة، ودفع الحاجة، فيعطى الفقير والمسكين ما يسد خلته، ويدفع حاجته.
ويرى أبو حنيفة ومالك أن الآية ليس فيها تحديد مقدار ما يعطى كل واحد منهم، وقد علمنا أنه لم يرد بها تفريق الصدقة على الفقراء على عدد الرؤوس لامتناع ذلك وتعذره، فثبت أنّ المراد دفعها، إلى بعض أيّ بعض كان. ومعلوم أنّ كل واحد من أرباب الأموال مخاطب بذلك، فاقتضى ذلك جواز دفع كل واحد منهم جميع صدقته إلى فقير واحد، قلّ المدفوع أو كثر، فثبت بظاهر الآية جواز دفع المال الكثير إلى واحد من الفقراء من غير تحديد للمقدار، وإنما كره أبو حنيفة أن يعطى إنسان مائتي
стр. 452
درهم، لأن المائتين هي النصاب الكامل، فيكون غنيا مع تمام ملك الصدقة، ومعلوم أنّ الله تعالى إنما أمر بدفع الزكوات إلى الفقراء لينتفعوا بها ويتملكوها، فلو أعطى الفقير مئتي درهم فإنّه لا يتمكن من الانتفاع بها إلا وهو غني، فكره أبو حنيفة من أجل ذلك دفع النصاب الكامل إلى إنسان واحد.
الصنف الثالث: العاملون عليها وهم السعاة لجباية الصدقة، ويدخل فيهم الحاشر، والعريف، والحاسب، والكاتب، والقسّام وحافظ المال، ويعطى العامل عند الحنفية والمالكية ما يكفيه ويكفي أعوانه بالوسط مدة ذهابهم وإيابهم ما دام المال باقيا، وإذا استغرقت كفايتهم الزكاة، فالحنفية لا يزيدونهم على النصف.
وعند الشافعية يعطون من سهم العاملين- وهو الثمن- قدر أجرتهم، فإن زادت أجرتهم على سهمهم تمم لهم، قيل: من سائر السهمان، وقيل: من بيت المال.
وهذا الذي ذهب إليه الشافعي هو قول عبد الله بن عمر وابن زيد، وقال مجاهد والضحاك: يعطون الثمن من الصدقات، وظاهر الآية معهما.
وفيما يعطاه العاملون شبه بالأجرة وشبه بالصدقة.
فبالاعتبار الأول حل إعطاء العامل الغني، وسقط سهم العامل إذا أدى الزكاة رب المال إلى الإمام أو إلى الفقراء.
وبالاعتبار الثاني: لا تحل للعامل من آل البيت، ولا لمولاهم، ولا لغير المسلم. فعن ابن عباس أنه قال: بعث نوفل بن الحارث ابنيه إلى رسول الله ﷺ فقال: انطلقا إلى عمكما، لعله يستعملكما على الصدقة، فجاءا فحدثا النبي ﷺ بحاجتهما،
فقال لهما: «لا يحل لكم أهل البيت من الصدقات شيء، لأنها غسالة الأيدي، إن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم أو يكفيكم» «١» .
وروي عن علي أنه قال للعباس: سل النبي ﷺ أن يستعملك على الصدقة، فسأله فقال: «ما كنت لأستعملك على غسالة ذنوب الناس» «٢» .
وأبى رسول الله ﷺ أن يبعث أبا رافع- مولاه- عاملا على الصدقات وقال: «أما علمت أن مولى القوم منهم» «٣» .
стр. 453
وأخذ بعض العلماء من قوله تعالى: وَالْعامِلِينَ عَلَيْها أنه يجب على الإمام أن يبعث السعاة لأخذ الصدقة. وتأكّد هذا الوجوب بعمل النبي ﷺ والخلفاء من بعده.
ففي «الصحيحين» «١» من رواية أبي هريرة أن رسول الله ﷺ استعمل ابن اللتبية على الصدقات.
وروى أبو داود والترمذي «٢» عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: ولّى رسول الله ﷺ رجلا من بني مخزوم على الصدقة فقال: اتبعني تصب منها. فقلت: حتى أسأل رسول الله ﷺ ، فسألته فقال لي: «إن مولى القوم من أنفسهم» .
والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
ويدل على الوجوب أيضا أن في الناس من يملك المال ولا يعرف ما يجب عليه، ومنهم من يبخل، فوجب أن يبعث الإمام من يأخذ الزكاة.
ولا يبعث إلا حرا عدلا فقيها يستطيع أن يجتهد فيما يعرض من مسائل الزكاة وأحكامها.
ويدل قوله تعالى: وَالْعامِلِينَ عَلَيْها على أنّ أخذ الصدقات إلى الإمام وأنه لا يجزئ ربّ المال أن يعطيها المستحقين، لأنه لو جاز لأرباب الأموال أداؤها إلى المستحقين لما احتيج إلى عامل لجبايتها، فيضر بالفقراء والمساكين، فدل ذلك على أن أخذها إلى الإمام، وتأكد هذا بقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً لكن ربما يعارضه قوله تعالى: وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) [المعارج: ٢٤، ٢٥] فإنه إذا كان ذلك الحق حقا للسائل والمحروم وجب أنه يجوز دفعه إليهما ابتداء.
من أجل ذلك ترى للعلماء تفصيلا في أموال الزكاة: فإن كان مال الزكاة باطنا فقد أجمعوا على أن للمالك أن يفرقها بنفسه، كما أنّ له أن يدفعها إلى الإمام، وإن كان مال الزكاة ظاهرا كالماشية والزروع والثمار فجمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار على أنّه يجب دفعها إلى الإمام، فإن فرقها المالك بنفسه لم يحتسب له بما أدى، وهذا هو مذهب الحنفية والمالكية، وقول من قولي الشافعي عملا بظاهر قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ولأن الزكاة مال للإمام فيه حق المطالبة، فوجب الدفع إليه كالخراج والجزية، وقال الشافعي في الجديد: يجوز أن يفرقها بنفسه، لأنها زكاة، فجاز أن يفرقها بنفسه كزكاة الباطن.
стр. 454
الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم قال العلماء: المؤلفة قلوبهم ضربان: مسلمون وكفار، فأما الكفار فقد كانوا يتألفون لاستمالة قلوبهم إلى الدخول في الإسلام، ولكف أذيتهم عن المسلمين،
وقد ثبت أنّ النبي ﷺ أعطى قوما من الكفار يتألف قلوبهم ليسلموا
. ففي «صحيح مسلم» «١»
أنه أعطى صفوان بن أمية من غنائم حنين
، وصفوان يومئذ كافر.
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ لما قسّم من غنائم حنين للمتألفين من قريش وفي سائر العرب وجد هذا الحيّ من الأنصار في أنفسهم، وأنّه قال لهم:
«أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قواما ليسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام» «٢» .
واختلف العلماء في إعطاء الكفار من سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة، فروي عن الحسن وأبي ثور وأحمد أنهم يعطون، وهو قول عند المالكية.
وذهب الحنفية والشافعية وأكثر العلماء: إلى أن إعطاءهم إنما كان في عهد رسول الله ﷺ في أول الإسلام في حال قلة عدد المسلمين، وكثرة عدوهم، وقد أعزّ الله الإسلام وأهله، واستغنى بهم عن تألف الكفار، ولذلك فإنّ الخلفاء الراشدين ﵃ بعد رسول الله ﷺ لم يعطوهم، وقال عمر ﵁: إنا لا نعطي على الإسلام شيئا، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
وأجابوا عن الحديث بأن النبي ﷺ أعطاهم من خمس الخمس وكان ملكا له خالصا يفعل فيه ما يشاء، أما الزكاة فلا حق فيها للكفار.
وأما المسلمون من المؤلفة قلوبهم فهم أصناف: صنف لهم شرف في قومهم يطلب بتألفهم إسلام نظائرهم. وصنف أسلموا ونيتهم في الإسلام ضعيفة، فيتألفون لتقوى نيتهم ويثبتوا.
ففي «صحيح مسلم» «٣»
أن رسول الله ﷺ أعطى أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن لكل واحد منهم مئة من الإبل، وأعطى رسول الله ﷺ الزبرقان بن بدر وعدي بن حاتم أيضا لشرفهما في قومهما.
وصنف ثالث: وهم قوم يليهم جماعة من الكفار إن أعطوا قاتلوهم.
وصنف رابع: وهم قوم يليهم قوم من أهل الزكاة إن أعطوا جبوها منهم. وقد ثبت أن أبا بكر أعطى عدي بن حاتم حين قدم عليه بزكاته وزكاة قومه عام الردة.
стр. 455
وقد اختلف العلماء في المؤلفة قلوبهم من المسلمين، فذهب الحنفية «١» إلى أنّ سهم المؤلفة قلوبهم قد سقط بعد وفاته ﷺ سواء أكانوا من الكفار أم من المسلمين، لأن المعنى الذي لأجله كانوا يعطون قد زال بإعزاز الإسلام واستغنائه عن تأليف القلوب واستمالتها إلى الدخول فيه، وذهب إلى هذا كثير من أئمة السلف، واختاره الروياني وجمع من متأخري أصحاب الشافعي، وعلى هذا يكون عدد الأصناف سبعة لا ثمانية.
والمنقول عن نص الشافعي وأصحابه المتقدمين أن حكم المؤلفة قلوبهم من المسلمين لا يزال معمولا به، وهو قول الزهري وأحمد، وإحدى الروايتين عن مالك.
والآية في ظاهرها يشهد لهم.
واختلف القائلون بسقوط سهم المؤلفة في توجيه رأيهم، مع أن الآية في ظاهرها جعلت للمؤلفة قلوبهم نصيبا من الزكاة، فقال صاحب «الهداية» «٢» من الحنفية: إن هذا الصنف من الأصناف الثمانية قد سقط، وانعقد إجماع الصحابة على ذلك في خلافة الصديق ﵁، وحينئذ يكون هذا الإجماع أو مستنده ناسخا للآية في صنف المؤلفة.
وقال آخرون في وجه سقوطه: إنه من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته، كانتهاء جواز الصوم بانتهاء وقته وهو النهار.
الصنف الخامس: ما أشار إليه بقوله: وَفِي الرِّقابِ في قوله تعالى: وَفِي الرِّقابِ محذوف، والتقدير: وفي فك الرقاب. واختلف أهل العلم في تفسير الرِّقابِ
فقال عليّ كرم الله وجهه وسعيد بن جبير والزهري والليث بن سعد والشافعي وأكثر العلماء: يصرف سهم الرقاب إلى المكاتبين.
وقال مالك وأحمد: يشترى بسهمهم عبيد ويعتقون، ويكون ولاؤهم لبيت المال.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة، ولكن يعطى منها في رقبة، ويعان بها مكاتب.
وقال بعض العلماء: يفدى من هذا السهم الأسارى.
وحجة الشافعي وموافقيه أن قوله تعالى: وَفِي الرِّقابِ كقوله: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وهناك يجب الدفع إلى المجاهدين، فكذا هنا يجب الدفع إلى الرقاب، ولا يمكن الدفع إلى الشخص الذي يراد فك رقبته إلا إذا كان مكاتبا، ولو اشترى بالسهم عبيدا لم يكن الدفع إليهم، وإنما هو دفع إلى سادتهم، وانتفاعهم بالعتق ليس تمليكا، لأنّ العتق إسقاط.
стр. 456
وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قوله وَفِي الرِّقابِ يريد المكاتبين. وتأكد هذا بقوله تعالى: وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ [النور: ٣٣] .
وحجة المالكية أن الرقاب جمع رقبة، وكل موضع ذكرت فيه الرقبة فالمراد عتقها، والعتق والتحرير لا يكون إلا في القن، كما في الكفارات فلا بد من عتق رقبة كاملة ملكا ويدا، وحجة الحنفية أن قوله تعالى: وَفِي الرِّقابِ يقتضي أن يكون للمزكي مدخل في عتق الرقبة، وذلك ينافي كونه تاما فيه.
ومن قال بفك الأسارى من سهم الرقاب يرى أن المراد تخليص المسلم من حال النقص وفداء مسلم وتخليصه من أيدي الكفار أولى من عتق مسلم تملكه يد مسلمة.
ولا نعلم خلافا في أنه لا يجوز إعطاء المكاتب الكافر، ولا عتق قن كافر.
والقائلون بإعطاء المكاتب شرطوا فيه الحاجة، فإن حل عليه نجم ولم يكن معه ما يؤديه أعطي مقدار النجم أو ما يكمله، وإن كان معه ما يفي بالنجم لم يعط شيئا.
قال الشافعي وأصحابه: يجوز صرف الزكاة إلى المكاتب بغير إذن سيده، ويجوز الصرف إلى السيد بإذن المكاتب، ولا يجوز الصرف إلى السيد بغير إذن المكاتب، والأولى صرفها للسيد بإذن المكاتب، لأن الله تعالى أضاف الصدقات للأصناف الأربعة الذين تقدّم ذكرهم باللام، ولما ذكر الرقاب أبدل حرف اللام بحرف في فقال:
وَفِي الرِّقابِ فلا بد لهذا العدول من فائدة وهي أنّ الأصناف الأربعة الأول يدفع إليهم نصيبهم من الصدقات على أنه ملك لهم، يتصرفون فيه كما شاؤوا. وأما المكاتبون فيوضع نصيبهم في تخليص رقبتهم من الرق، فكان الدفع إلى السادات محققا للصرف في الجهة التي من أجلها استحق المكاتبون سهم الزكاة، وكذلك القول في الغارمين يصرف المال إلى قضاء ديونهم، وفي الغزاة يصرف المال إلى إعداد ما يحتاجون إليه، وابن السبيل يعطي ما يعينه في بلوغ مقصده.
الصنف السادس: الغارمون أصل الغرم في اللغة اللزوم، ومنه قوله تعالى: إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً [الفرقان: ٦٥] والغريم يطلق على صاحب الدين، وعلى المدين لملازمة كل منهما صاحبه.
وأما الغارم فهو الذي عليه الدين، لأنه التزمه وتكفل بأدائه. ولم يختلف العلماء أن الغارمين هم المدينون، وأما قول مجاهد: الغارم من ذهب السيل بماله أو أصابه حريق فأذهب ماله فمحمول على أنه أراد من ذهب ماله وعليه دين. وأما من ذهب ماله وليس عليه دين فإنّه لا يسمى غريما، وإنما يسمى فقيرا أو مسكينا.
وظاهر الآية أن المدين يعطى مطلقا سواء أوجد وفاء لدينه أم لا، وسواء استدان لنفسه أم لغيره، وسواء أكان دينه في معصية أم لا.
стр. 457
ولكن الحنفية يخصصون الغريم بمن لا يملك نصابا فاضلا عن دينه «١» ، وحجتهم في ذلك
قوله ﷺ : «وأردها في فقرائكم»
فإنّ هذا يدل على أنّ الصدقة لا تعطى إلا للفقراء.
وقال الشافعية: إن استدان لنفسه لم يعط إلا مع الفقر، وإن استدان لإصلاح ذات البين أعطي من سهم الغارمين، ولو كان غنيا، لما
روى أبو داود «٢» عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين، فتصدّق على المسكين، فأهدى المسكين إليه» .
وقال قوم: إذا كان الغريم قد استدان في معصية فإنه لا يدخل في عموم الآية، لأن المقصود من صرف المال المذكور في الآية الإعانة، والمعصية لا تستوجب الإعانة، ومثل هذا لا يؤمن إذا أدّي عنه دينه أن يستدين غيره، فيصرفه في الفساد.
الصنف السابع: ما أشار الله إليه بقوله: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ.
قال أبو حنيفة ومالك والشافعي ﵏: يصرف سهم سبيل الله المذكور في الآية الكريمة إلى الغزاة الذين لا حقّ لهم في الديوان، وهم الغزاة إذا نشطوا غزوا.
وقال أحمد ﵀ في أصح الروايتين عنه: يجوز صرفه إلى مريد الحج.
وروي مثله عن ابن عمر.
وحجة الأئمة الثلاثة المفهوم في الاستعمال المتبادر إلى الأفهام أن سبيل الله تعالى هو الغزو، وأكثر ما جاء في القرآن الكريم كذلك، وأن حديث أبي سعيد السابق في صنف الغارمين يدل على ذلك، فإنه ذكر ممن تحل له الصدقة الغازي، وليس في الأصناف الثمانية من يعطى باسم الغزاة إلا الذين نعطيهم من سهم سبيل الله تعالى.
واستدل لما
روى عن أحمد بحديث أبي داود «٣» عن ابن عباس أن رجلا قال لرسول الله ﷺ : إن امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمة الله، وإنها سألتني الحج معك.
قالت: أحجّني مع رسول الله ﷺ .
فقلت: ما عندي ما أحجك عليه.
قالت: أحجني على جملك فلان.
فقلت: ذلك حبيسي في سبيل الله.
فقال: «أما إنّك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله» .
стр. 458
وأجاب الجمهور بأن الحج يسمى سبيل الله ولكن الآية محمولة على الغزو لما ذكرناه.
وفسر بعض الحنفية سبيل الله بطلب العلم، وفسره في «البدائع» «١» بجميع القرب فيدخل فيه جميع وجوه الخير مثل تكفين الموتى، وبناء القناطر، والحصون، وعمارة المساجد، لأن قوله تعالى: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ عام في الكل. وأيّا ما كان الأمر فقد اشترط الحنفية للصرف في سبيل الله الفقر.
وقال الشافعية يعطي الغازي مع الفقر والغنى، للخبر الذي ذكرناه في الغارم، ويعطى ما يستعين به على الغزو من نفقة الطريق وما يشتري به السلاح والفرس، فإن أخذ ولم يغز استرجع منه.
الصنف الثامن: ابن السبيل ابن السبيل الذي يعطى من الصدقة: هو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ مقصده إلا بمعونة. قال العلماء: وإنما يعطى ابن السبيل بشرط حاجته في سفره، ولا يضر غناه في غير سفره، فيعطى ما يبلغ به مقصده. فإن كان سفره في طاعة كحج وغزو وزيارة مندوبة أعطي بلا خلاف.
وإن كان سفره في معصية لم يعط بلا خلاف، لأنّ ذلك إعانة على المعصية.
وإن كان سفره في مباح كرياضة فللشافعية فيه وجهان:
أحدهما: لا يعطى، لأنه غير محتاج إلى هذا السفر.
الثاني: يعطى، لأنّ ما جعل رفقا بالمسافر في طاعة جعل رفقا بالمسافر في مباح كالقصر والفطر.
مسألة: هذه مسألة تشترك فيها الأصناف السابقة كلها: قال الرافعي «٢» نقلا عن أصحاب الشافعي: من سأل الزكاة وعلم الإمام أنه ليس مستحقا لم يجز له صرف الزكاة إليه، وإن علم استحقاقه جاز الصرف إليه بلا خلاف، ولم يخرّجوه على الخلاف في قضاء القاضي بعلمه، مع أن التهمة هاهنا مجالا أيضا للفرق بأن الزكاة مبنية على الرّفق والمساهلة، وليس فيها إضرار بمعين، بخلاف قضاء القاضي.
وإن لم يعرف حاله فالصفات قسمان: خفية وجلية.
فالخفي: الفقر والمسكنة. فلا يطالب مدعيه ببينة لعسرها، فلو عرف له مال وادعى هلاكه لم يقبل إلا ببينة.
стр. 459
وأما الجلي فضربان:
أحدهما: يتعلق الاستحقاق فيه بمعنى في المستقبل، وذلك في الغازي وابن السبيل، فيعطيان بقولهما بلا بينة ولا يمين، ثم إن لم يحققا ما ادعيا، ولم يخرجا استردّ منهما ما أخذا. وإلى متى يحتمل تأخير الخروج؟ قال السرخسي: ثلاثة أيام، قال الرافعي: ويشبه أن يكون هذا على التقريب، وأن يعتبر ترصده للخروج، وكون التأخير لانتظار أو للتأهب بأهب السفر ونحوها.
الضرب الثاني: يتعلق الاستحقاق فيه بمعنى في الحال، وهذا الضرب يشترك فيه بقية الأصناف، فالعامل إذا ادعى العمل طولب بالبينة، وكذلك المكاتب، والغارم، وأما المؤلف قلبه فإن قال: نيتي ضعيفة في الإسلام قبل قوله، لأن كلامه يصدقه، وإن قال: أنا شريف مطاع في قومي طولب بالبينة.
قال الرافعي: واشتهار الحال بين الناس قائم مقام البينة في كل من يطالب بها من الأصناف، لحصول العلم أو الظن بالاستفاضة اه من «مجموع» النووي «١» بتصرف.
وقوله تعالى: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ بعد قوله: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ إلخ جار مجرى قوله فرض الله الصدقات لهؤلاء فريضة، فهو زجر عن مخالفة هذا الظاهر، وتحريم لإخراج الزكاة عن هذه الأصناف وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوال الناس ومراتب استحقاقهم حَكِيمٌ لا يشرع إلا ما فيه الخير والصلاح للعباد.
قال الله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤)
ذكر في تفسير قوله تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [التوبة: ٨٠] ما رواه البخاري «٢» وغيره عن ابن عمر حين أراد النبي ﷺ أن يصلي على عبد الله بن أبي.
ونسوق الحديث بتمامه هنا لأنّ فيه ذكر السبب في نزول هذه الآية:
قال ابن عمر ﵄: لما توفي عبد الله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله ﷺ ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلّي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر، فأخذ بثوب رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله أتصلّي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلّي
стр. 460
عليه! فقال رسول الله ﷺ : «إنما خيّرني الله فقال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً وسأزيده على السبعين، قال: إنه منافق. قال: فصلّى عليه رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ الآية» .
وفي رواية له «١» عن ابن عباس عن عمر أنه قال: فلما أكثرت عليه ﷺ قال:
«أخّر عني يا عمر، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها» الحديث.
والظاهر أنّ عمر فهم النهي الذي أشار إليه بقوله: تصلي عليه وقد نهاك ربك من قوله تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ الآية، وليس كما قال بعضهم أنه فهم النهي من قوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣] إلخ، إذ لو كان عمر يشير إلى هذه الآية لما طابق الجواب السؤال.
وأخرج أبو يعلى وغيره عن أنس أن رسول الله ﷺ أراد أن يصلّي على عبد الله بن أبي، فأخذ جبريل ﵇ بثوبه فقال: وَلا تُصَلِّ ... الآية
. فرواية أبي يعلى تدل على أنه ﷺ لم يصل على عبد الله بن أبي.
ولكنّ أكثر الروايات تدل على أنّ رسول الله ﷺ صلّى عليه فكان في ذلك تعارض.
فبعض العلماء يقول: رواية أبي يعلى لا تعارض رواية البخاري، فالمعوّل عليه رواية البخاري، وبعضهم جمع بين الروايتين حسبما أمكن فقال: المراد في الصلاة في رواية عمر وابنه الصلاة اللغوية بمعنى الدعاء، أو أنّ المراد بقوله: (فصلّى عليه) أنه دعا الناس للصلاة عليه، وتوجّه بهم إلى مكان الميت، فلما همّ بالصلاة عليه صلاة الجنازة أخذ جبريل بثوبه إلخ.
والمراد من الصلاة المنهي عنها صلاة الجنازة المعروفة، وفيه دعاء للميت واستغفار واستشفاع.
وماتَ ماض بالنسبة إلى سبب النزول وزمان النهي، ولا ينافي عمومه وشموله لمن سيموت.
وأَبَداً ظرف متعلق بالنهي.
ومعنى وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ النهي عن الوقوف على قبره حين دفنه، أو لزيارته.
ومعنى القبر على هذا مدفن الميت. وجوّز بعضهم أن يراد بالقبر: الدفن ويكون المعنى: لا تتول دفنه.
إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ تعليل للنهي عن الصلاة والقيام على القبر فإنّ الصلاة