← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23599

تفسير آيات الأحكام - السايس

محمد علي السايس

Полный текст (820 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قوله وَفِي الرِّقابِ يريد المكاتبين. وتأكد هذا بقوله تعالى: وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ [النور: ٣٣] . وحجة المالكية أن الرقاب جمع رقبة، وكل موضع ذكرت فيه الرقبة فالمراد عتقها، والعتق والتحرير لا يكون إلا في القن، كما في الكفارات فلا بد من عتق رقبة كاملة ملكا ويدا، وحجة الحنفية أن قوله تعالى: وَفِي الرِّقابِ يقتضي أن يكون للمزكي مدخل في عتق الرقبة، وذلك ينافي كونه تاما فيه. ومن قال بفك الأسارى من سهم الرقاب يرى أن المراد تخليص المسلم من حال النقص وفداء مسلم وتخليصه من أيدي الكفار أولى من عتق مسلم تملكه يد مسلمة. ولا نعلم خلافا في أنه لا يجوز إعطاء المكاتب الكافر، ولا عتق قن كافر. والقائلون بإعطاء المكاتب شرطوا فيه الحاجة، فإن حل عليه نجم ولم يكن معه ما يؤديه أعطي مقدار النجم أو ما يكمله، وإن كان معه ما يفي بالنجم لم يعط شيئا. قال الشافعي وأصحابه: يجوز صرف الزكاة إلى المكاتب بغير إذن سيده، ويجوز الصرف إلى السيد بإذن المكاتب، ولا يجوز الصرف إلى السيد بغير إذن المكاتب، والأولى صرفها للسيد بإذن المكاتب، لأن الله تعالى أضاف الصدقات للأصناف الأربعة الذين تقدّم ذكرهم باللام، ولما ذكر الرقاب أبدل حرف اللام بحرف في فقال: وَفِي الرِّقابِ فلا بد لهذا العدول من فائدة وهي أنّ الأصناف الأربعة الأول يدفع إليهم نصيبهم من الصدقات على أنه ملك لهم، يتصرفون فيه كما شاؤوا. وأما المكاتبون فيوضع نصيبهم في تخليص رقبتهم من الرق، فكان الدفع إلى السادات محققا للصرف في الجهة التي من أجلها استحق المكاتبون سهم الزكاة، وكذلك القول في الغارمين يصرف المال إلى قضاء ديونهم، وفي الغزاة يصرف المال إلى إعداد ما يحتاجون إليه، وابن السبيل يعطي ما يعينه في بلوغ مقصده. الصنف السادس: الغارمون أصل الغرم في اللغة اللزوم، ومنه قوله تعالى: إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً [الفرقان: ٦٥] والغريم يطلق على صاحب الدين، وعلى المدين لملازمة كل منهما صاحبه. وأما الغارم فهو الذي عليه الدين، لأنه التزمه وتكفل بأدائه. ولم يختلف العلماء أن الغارمين هم المدينون، وأما قول مجاهد: الغارم من ذهب السيل بماله أو أصابه حريق فأذهب ماله فمحمول على أنه أراد من ذهب ماله وعليه دين. وأما من ذهب ماله وليس عليه دين فإنّه لا يسمى غريما، وإنما يسمى فقيرا أو مسكينا. وظاهر الآية أن المدين يعطى مطلقا سواء أوجد وفاء لدينه أم لا، وسواء استدان لنفسه أم لغيره، وسواء أكان دينه في معصية أم لا.

стр. 457

ولكن الحنفية يخصصون الغريم بمن لا يملك نصابا فاضلا عن دينه «١» ، وحجتهم في ذلك قوله ﷺ : «وأردها في فقرائكم» فإنّ هذا يدل على أنّ الصدقة لا تعطى إلا للفقراء. وقال الشافعية: إن استدان لنفسه لم يعط إلا مع الفقر، وإن استدان لإصلاح ذات البين أعطي من سهم الغارمين، ولو كان غنيا، لما روى أبو داود «٢» عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين، فتصدّق على المسكين، فأهدى المسكين إليه» . وقال قوم: إذا كان الغريم قد استدان في معصية فإنه لا يدخل في عموم الآية، لأن المقصود من صرف المال المذكور في الآية الإعانة، والمعصية لا تستوجب الإعانة، ومثل هذا لا يؤمن إذا أدّي عنه دينه أن يستدين غيره، فيصرفه في الفساد. الصنف السابع: ما أشار الله إليه بقوله: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ. قال أبو حنيفة ومالك والشافعي ﵏: يصرف سهم سبيل الله المذكور في الآية الكريمة إلى الغزاة الذين لا حقّ لهم في الديوان، وهم الغزاة إذا نشطوا غزوا. وقال أحمد ﵀ في أصح الروايتين عنه: يجوز صرفه إلى مريد الحج. وروي مثله عن ابن عمر. وحجة الأئمة الثلاثة المفهوم في الاستعمال المتبادر إلى الأفهام أن سبيل الله تعالى هو الغزو، وأكثر ما جاء في القرآن الكريم كذلك، وأن حديث أبي سعيد السابق في صنف الغارمين يدل على ذلك، فإنه ذكر ممن تحل له الصدقة الغازي، وليس في الأصناف الثمانية من يعطى باسم الغزاة إلا الذين نعطيهم من سهم سبيل الله تعالى. واستدل لما روى عن أحمد بحديث أبي داود «٣» عن ابن عباس أن رجلا قال لرسول الله ﷺ : إن امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمة الله، وإنها سألتني الحج معك. قالت: أحجّني مع رسول الله ﷺ . فقلت: ما عندي ما أحجك عليه. قالت: أحجني على جملك فلان. فقلت: ذلك حبيسي في سبيل الله. فقال: «أما إنّك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله» .

стр. 458

وأجاب الجمهور بأن الحج يسمى سبيل الله ولكن الآية محمولة على الغزو لما ذكرناه. وفسر بعض الحنفية سبيل الله بطلب العلم، وفسره في «البدائع» «١» بجميع القرب فيدخل فيه جميع وجوه الخير مثل تكفين الموتى، وبناء القناطر، والحصون، وعمارة المساجد، لأن قوله تعالى: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ عام في الكل. وأيّا ما كان الأمر فقد اشترط الحنفية للصرف في سبيل الله الفقر. وقال الشافعية يعطي الغازي مع الفقر والغنى، للخبر الذي ذكرناه في الغارم، ويعطى ما يستعين به على الغزو من نفقة الطريق وما يشتري به السلاح والفرس، فإن أخذ ولم يغز استرجع منه. الصنف الثامن: ابن السبيل ابن السبيل الذي يعطى من الصدقة: هو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ مقصده إلا بمعونة. قال العلماء: وإنما يعطى ابن السبيل بشرط حاجته في سفره، ولا يضر غناه في غير سفره، فيعطى ما يبلغ به مقصده. فإن كان سفره في طاعة كحج وغزو وزيارة مندوبة أعطي بلا خلاف. وإن كان سفره في معصية لم يعط بلا خلاف، لأنّ ذلك إعانة على المعصية. وإن كان سفره في مباح كرياضة فللشافعية فيه وجهان: أحدهما: لا يعطى، لأنه غير محتاج إلى هذا السفر. الثاني: يعطى، لأنّ ما جعل رفقا بالمسافر في طاعة جعل رفقا بالمسافر في مباح كالقصر والفطر. مسألة: هذه مسألة تشترك فيها الأصناف السابقة كلها: قال الرافعي «٢» نقلا عن أصحاب الشافعي: من سأل الزكاة وعلم الإمام أنه ليس مستحقا لم يجز له صرف الزكاة إليه، وإن علم استحقاقه جاز الصرف إليه بلا خلاف، ولم يخرّجوه على الخلاف في قضاء القاضي بعلمه، مع أن التهمة هاهنا مجالا أيضا للفرق بأن الزكاة مبنية على الرّفق والمساهلة، وليس فيها إضرار بمعين، بخلاف قضاء القاضي. وإن لم يعرف حاله فالصفات قسمان: خفية وجلية. فالخفي: الفقر والمسكنة. فلا يطالب مدعيه ببينة لعسرها، فلو عرف له مال وادعى هلاكه لم يقبل إلا ببينة.

стр. 459

وأما الجلي فضربان: أحدهما: يتعلق الاستحقاق فيه بمعنى في المستقبل، وذلك في الغازي وابن السبيل، فيعطيان بقولهما بلا بينة ولا يمين، ثم إن لم يحققا ما ادعيا، ولم يخرجا استردّ منهما ما أخذا. وإلى متى يحتمل تأخير الخروج؟ قال السرخسي: ثلاثة أيام، قال الرافعي: ويشبه أن يكون هذا على التقريب، وأن يعتبر ترصده للخروج، وكون التأخير لانتظار أو للتأهب بأهب السفر ونحوها. الضرب الثاني: يتعلق الاستحقاق فيه بمعنى في الحال، وهذا الضرب يشترك فيه بقية الأصناف، فالعامل إذا ادعى العمل طولب بالبينة، وكذلك المكاتب، والغارم، وأما المؤلف قلبه فإن قال: نيتي ضعيفة في الإسلام قبل قوله، لأن كلامه يصدقه، وإن قال: أنا شريف مطاع في قومي طولب بالبينة. قال الرافعي: واشتهار الحال بين الناس قائم مقام البينة في كل من يطالب بها من الأصناف، لحصول العلم أو الظن بالاستفاضة اه من «مجموع» النووي «١» بتصرف. وقوله تعالى: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ بعد قوله: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ إلخ جار مجرى قوله فرض الله الصدقات لهؤلاء فريضة، فهو زجر عن مخالفة هذا الظاهر، وتحريم لإخراج الزكاة عن هذه الأصناف وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوال الناس ومراتب استحقاقهم حَكِيمٌ لا يشرع إلا ما فيه الخير والصلاح للعباد. قال الله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤) ذكر في تفسير قوله تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [التوبة: ٨٠] ما رواه البخاري «٢» وغيره عن ابن عمر حين أراد النبي ﷺ أن يصلي على عبد الله بن أبي. ونسوق الحديث بتمامه هنا لأنّ فيه ذكر السبب في نزول هذه الآية: قال ابن عمر ﵄: لما توفي عبد الله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله ﷺ ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلّي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر، فأخذ بثوب رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله أتصلّي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلّي

стр. 460

عليه! فقال رسول الله ﷺ : «إنما خيّرني الله فقال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً وسأزيده على السبعين، قال: إنه منافق. قال: فصلّى عليه رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ الآية» . وفي رواية له «١» عن ابن عباس عن عمر أنه قال: فلما أكثرت عليه ﷺ قال: «أخّر عني يا عمر، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها» الحديث. والظاهر أنّ عمر فهم النهي الذي أشار إليه بقوله: تصلي عليه وقد نهاك ربك من قوله تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ الآية، وليس كما قال بعضهم أنه فهم النهي من قوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣] إلخ، إذ لو كان عمر يشير إلى هذه الآية لما طابق الجواب السؤال. وأخرج أبو يعلى وغيره عن أنس أن رسول الله ﷺ أراد أن يصلّي على عبد الله بن أبي، فأخذ جبريل ﵇ بثوبه فقال: وَلا تُصَلِّ ... الآية . فرواية أبي يعلى تدل على أنه ﷺ لم يصل على عبد الله بن أبي. ولكنّ أكثر الروايات تدل على أنّ رسول الله ﷺ صلّى عليه فكان في ذلك تعارض. فبعض العلماء يقول: رواية أبي يعلى لا تعارض رواية البخاري، فالمعوّل عليه رواية البخاري، وبعضهم جمع بين الروايتين حسبما أمكن فقال: المراد في الصلاة في رواية عمر وابنه الصلاة اللغوية بمعنى الدعاء، أو أنّ المراد بقوله: (فصلّى عليه) أنه دعا الناس للصلاة عليه، وتوجّه بهم إلى مكان الميت، فلما همّ بالصلاة عليه صلاة الجنازة أخذ جبريل بثوبه إلخ. والمراد من الصلاة المنهي عنها صلاة الجنازة المعروفة، وفيه دعاء للميت واستغفار واستشفاع. وماتَ ماض بالنسبة إلى سبب النزول وزمان النهي، ولا ينافي عمومه وشموله لمن سيموت. وأَبَداً ظرف متعلق بالنهي. ومعنى وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ النهي عن الوقوف على قبره حين دفنه، أو لزيارته. ومعنى القبر على هذا مدفن الميت. وجوّز بعضهم أن يراد بالقبر: الدفن ويكون المعنى: لا تتول دفنه. إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ تعليل للنهي عن الصلاة والقيام على القبر فإنّ الصلاة

стр. 461

على الميت والقيام على قبره احتفال بالميت، وإكرام له واحترام، وليس الكافر من أهل الاحترام والتعظيم. وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ معناه أنّهم مع كفرهم متمردون في دينهم خارجون عن الحد فيه. والظاهر أنّ هذه الآية لا تدل على وجوب الصلاة على موتى المسلمين، بل غاية ما تفيده أنّ الصلاة على الميت مشروعة، والوجوب مستفاد من الأحاديث الصحيحة، كقوله ﷺ : «صلوا على صاحبكم» «١» وقد نقل العلماء الإجماع على ذلك إلا ما حكي عن بعض المالكية أنّه جعلها سنة. وقد دلت الآية على معان: منها حظر الصلاة على موتى الكفار، وحظر الوقوف على قبورهم حين دفنهم، وكذلك تولي دفنهم، وألحق بعض العلماء بذلك تشييع جنائزهم. ومنها مشروعية الوقوف على قبر المسلم إلى أن يدفن، وأن النبي ﷺ كان يفعله «٢» . وقد قام على قبر حتى دفن الميت، وكان ابن الزبير إذا مات له ميت لم يزل قائما على قبره حتى يدفن. وفي «صحيح مسلم» «٣» أنّ عمرو بن العاص ﵁ قال عند موته: إذا دفنتموني فسنوا علي التراب سنا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر الجزور، ويقسّم لحمها حتى أستأنس بكم، وانظر ماذا أراجع به رسل ربي. قال الجصاص: من الناس من جعل قوله تعالى: وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ قيام الصلاة. قال: وهذا خطأ من التأويل، لأنه تعالى قال: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ فنهى عن القيام على القبر كنهيه عن الصلاة على الميت، فغير جائز أن يكون المعطوف هو المعطوف عليه بعينه اه. قال الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) وَتُزَكِّيهِمْ: تنمي حسناتهم وأموالهم. وَصَلِّ عَلَيْهِمْ: ادع لهم، واستغفر لهم. سَكَنٌ من معاني السكن والسكون، وما تسكن النفس إليه وتطمئن من الأهل والمال والوطن. وكلّ من هذين المعنيين يصحّ أن يكون مرادا.

стр. 462

سبب النزول : روي عن ابن عباس ﵄ أن هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم لمّا تاب الله عليهم جاؤوا بأموالهم فقالوا: يا رسول الله! هذه أموالنا التي كانت سببا في تخلفنا، فتصدق بها عنا، واستغفر لنا. فقال ﵊: «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا» فنزلت هذه الآية، فأخذ رسول الله ﷺ من أموالهم الثلث. قال الحسن: وكان ذلك كفارة الذنب الذي حصل منهم. وقد راع كثير من المفسرين سبب النزول، فجعل الضمير في قوله تعالى: خُذْ خاصا بهذه الحادثة، وتكون الصدقة المأخوذة منهم صدقة تطوع معتبرة في كمال توبتهم، وجارية في حقهم مجرى الكفارة، وليس المراد بها الزكاة المفروضة، لأنها كانت واجبة من قبل. وعن الجبائي أن المراد بها الزكاة، وأمر ﷺ بأخذها هنا دفعا لتوهم إلحاقهم ببعض المنافقين، فإنها لم تكن تقبل منهم، كما يشير إليه قوله تعالى: قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ [التوبة: ٥٣] . ومن الناس من لم يجعل سبب النزول حكما على الآية حيث قال: إنّ الضمير في قوله تعالى: مِنْ أَمْوالِهِمْ راجع إلى أرباب الأموال من المؤمنين مطلقا، ويدخل فيهم الذين اعترفوا بذنوبهم، وقد عرف مرجع الضمير بدلالة الحال عليه، كقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) [القدر: ١] وقوله جل شأنه: ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [فاطر: ٤٥] وقوله عزّ اسمه: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: ٣٢] وعلى هذا الرأي أكثر الفقهاء، إذا استدلوا بهذه الآية. على إيجاب الزكاة. قال الجصاص: وهو الصحيح، إذ لم يثبت أن هؤلاء القوم- يعني المعترفين- أوجب الله عليهم صدقة دون سائر الناس سوى زكاة الأموال، وإذا لم يثبت بذلك خبر فالظاهر أنهم وسائر الناس سواء في الأحكام والعبادات، وأنهم غير مخصوصين بها دون غيرهم من الناس، وإذا كان مقتضى الآية وجوب هذه الصدقة على سائر الناس كانت الصدقة هي الزكاة المفروضة، إذ ليس في أموال الناس حقّ واجب يقال له صدقة سوى الزكاة المفروضة. وليس في قوله تعالى: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها دلالة على أنها صدقة مكفرة للذنوب غير الزكاة المفروضة، لأنّ الزكاة المفروضة أيضا تطهّر وتزكي مؤدّيها. وسائر الناس من المكلفين محتاجون إلى ما يطهّرهم ويزكيهم. وقوله تعالى: مِنْ أَمْوالِهِمْ عام في أصناف الأموال، فيقتضي ظاهره أن يؤخذ من كل صنف بعضه، وحكى الجصاص عن شيخه أبي الحسن الكرخي أنه كان يقول:

стр. 463

متى أخذ من صنف واحد فقد قضى عهده الآية، وكذلك يقتضي ظاهر اللفظ، أنه لا يجزئ أخذ القيمة. والمقدار المأخوذ مجمل هنا، قد وكل الله بيانه إلى الرسول ﷺ . وأكثر الآيات التي ذكر الله فيها إيجاب الزكاة ذكرت في مواضع من كتابه بلفظ مجمل مفتقر إلى البيان في المأخوذ والمأخوذ منه، ومقادير النّصب، ووقت الاستحقاق، فكان البيان فيها موكولا إلى بيان السنة، وبعض الآيات نصّ الله فيها على الصنف الذي تجب فيه الزكاة، فيما نصّ الله تعالى عليه من أصناف الأموال التي تجب فيها الزكاة الذهب والفضة بقوله: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [التوبة: ٣٤] ومما نص عليه زكاة الزرع والثمار في قوله جل شأنه: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ إلى قوله: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ [الأنعام: ١٤١] وبينت السنة سائر الأموال التي تجب فيها الزكاة: مثل عروض التجارة والإبل والبقر والغنم السائمة على إختلاف الفقهاء في بعض ذلك. وظاهر قوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ أنّه يجب على الإمام أو نائبه إذا أخذ الزكاة أن يدعو للمتصدق، وبهذا أخذ داود وأهل الظاهر. وأما سائر الأئمة فقد حملوا الأمر هنا على الندب والاستحباب، قالوا: وإن ترك الدعاء جاز، لأنّ النبي ﷺ قال لمعاذ: «أعلمهم أنّ عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وتردّ في فقرائهم» «١» ولم يأمره بالدعاء لهم، ولأنّ الفقهاء جميعا متفقون فيما لو دفع المالك الزكاة إلى الفقراء أنّه لا يلزمهم الدعاء، فيحمل الأمر على الاستحباب قياسا على أخذ الفقراء. وأما صيغة الدعاء فلم يرد فيها تعيين إلا ما رواه الستة «٢» غير الترمذي من قوله ﷺ : «اللهم صلّ على آل أبي أوفى» ومن هنا قال الحنابلة وداود وأهل الظاهر: لا مانع أن يقول آخذ الزكاة اللهم صل على آل فلان، وقال باقي الأئمة: لا يجوز أن يقال: اللهم صل على آل فلان، وإن ورد في الحديث، لأنّ الصلاة صارت مخصوصة في لسان السلف بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، كما أنّ

стр. 464

قولنا: « » مخصوص بالله تعالى، وكما لا يقال: محمد ، وإن كان عزيزا جليلا، ولا يقال: أبو بكر ﷺ أو علي ﷺ ، وإن صح المعنى. قالوا: وإنما أحدث الصلاة على غير الأنبياء مبتدعو الرافضة في بعض الأئمة، والتشبه بأهل البدع منهيّ عنه. ولا خلاف أنه يجوز أن يجعل غير الأنبياء تبعا لهم، فيقال: اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وأتباعه، لأنّ السلف استعملوه، وأمرنا به في التشهد ولأن الصلاة على التابع تعظيم للمتبوع. قالوا: والسلام في حكم الصلاة، لأنّ الله تعالى قرن بينهما، فلا يفرد به غائب غير الأنبياء. وأما استحبابه في مخاطبة الأحياء تحية لهم، وفي تحية الأموات، فهو أمر معروف وردت به السنة الصحيحة. هذا وقد قال الشافعي: وبأي لفظ دعا جاز، وأحبّ أن يقول: آجرك الله فيما أعطيت، وجعله لك طهورا، وبارك لك فيما أبقيت. واحتج مانعو الزكاة في زمان أبي بكر ﵁ بهذه الآية، فقالوا: إنه تعالى أمر رسوله بأخذ الصدقات، ثم أمره بأن يصلّي عليهم، وذكر أن صلاته سكن لهم، فكان وجوب الزكاة مشروطا بحصول ذلك السكن، ومعلوم أنّ غير الرسول لا يقوم مقامه في حصول ذلك السكن، فلا يجب دفع الزكاة إلى أحد غير الرسول ﷺ . وهذه شبهة ضعيفة، فإنّه لو سلم لهم أنّ هذه الآية وردت في وجوب الزكاة المفروضة، فإنّ نائب الرسول- وهو الإمام العادل- قائم مقام الرسول في كل ما يتعلق بأحكام الدين، إلا ما قام الدليل على اختصاص الرسول به، وليس تخصيص الرسول بالخطاب دليلا على اختصاص الحكم به، فإنّ معظم الأحكام الشرعية وردت خطابا للرسول ﵊: وإن سائر الآيات دلت على أنّ الزكاة إنما وجبت دفعا لحاجة الفقير، وإعانة على أبواب من البر في مصلحة الأمة، فنظام الزكاة من النظم الجليلة التي تحقق مصلحة عامة لمجموع الأمة، فهي باقية ما بقيت الأمة. وَاللَّهُ سَمِيعٌ يسمع الاعتراف بالذنب عَلِيمٌ بما في الضمائر من الندم. أو أنه سميع يجيب دعاءك لهم، عليم بما تقتضيه الحكمة في مصالح الناس. قال الله تعالى: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ

стр. 465

طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢) فَلَوْلا للتحضيض، وهي داخلة هنا على الماضي، فتفيد التوبيخ والتنديد على ترك الفعل فيما مضى، والأمر به في المستقبل. والفرقة والطائفة بمعنى، لكنّ سياق الكلام هنا، ومِنْ التبعيضية، يقتضيان أنّ المراد بالفرقة هنا الجماعة الكثيرة، وأن الطائفة جماعة أقل من الفرقة المرادة هنا. وعن السلف في سبب نزول هذه الآية روايتان: فروى الكلبي «١» عن ابن عباس ﵄ أن الله تعالى لما شدّد على المتخلفين قالوا: لا يتخلف منا أحد عن جيش أو سرية أبدا، ففعلوا ذلك، وبقي رسول الله ﷺ وحده، ونزل قوله تعالى: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا الآية. وأخرج ابن جرير «٢» وابن المنذر عن مجاهد أنه قال: إنّ ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا في البوادي، فأصابوا من الناس معروفا، ومن الخصب ما ينتفعون به، ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال لهم الناس: ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا، فوجدوا في أنفسهم من ذلك تحرّجا، وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا إلخ. هاتان روايتان مختلفتان في سبب النزول، فرواية ابن عباس تجعل النفر المنهي عنه هو نفر المؤمنين جميعا للجهاد. نهوا عن ذلك لما يترتب عليه من الإخلال بالتعلم، فكما أنّ الجهاد فرض في الدين، كذلك تلقي العلم عن الرسول ﷺ ، وأخذ الأحكام المتجددة عنه فرض من فروض الدين، فلا ينبغي أن يكون في إقامة أحد الفرضين، إخلال بالآخر ومن الميسور أن نجمع بين الفرضين ونؤدّي كلّا من الواجبين، وطريق ذلك أن تنفر للجهاد طائفة من كل فرقة، وتبقى طائفة أخرى تتفقه في الدين، وتسمع من الرسول ﷺ ، حتى إذا رجع إليهم إخوانهم من الغزو، علموهم ما تلقوه من أحكام الدين. وعلى هذا المعنى: لا يكون قوله تعالى: لِيَتَفَقَّهُوا متعلقا بنفر، لأن النفر للجهاد ليس علة في التفقه. وإنما هو متعلق بفعل مفهوم من الكلام، إذ المعنى لتنفر من كل فرقة طائفة

стр. 466

وتبقى طائفة ليتفقهوا في الدين، فضمير يتفقهوا وينذروا يعود إلى الطائفة الباقية. ورواية مجاهد تجعل النفر المنهي عنه هو خروجهم جميعا لطلب العلم والتفقه في الدين، نهوا عن ذلك لما فيه من الإخلال بتعاطي أسباب الكسب والابتغاء من فضل الله وخيره بالتجارة والزراعة ووسائل الكسب، فكما أنّ طلب العلم ومعرفة الحلال والحرام من فرائض الدين، كذلك ابتغاء فضل الله بهذه الوسائل من فرائض الدين، فلا ينبغي أن تكون إحدى العبادتين سببا في الإخلال بالأخرى، والجمع بينهما ميسور بأن تنفر من كل فرقة طائفة لتتفقه في الدين، وتعلّم قومها إذا رجعت إليهم، وهذا المعنى هو مقتضى ظاهر الآية، واتساقها، فإنّ النفر على هذا المعنى يكون علة للتفقه في الدين، والطائفة النافرة هي التي تتفقه في الدين، وهي التي تنذر قومها إذا رجعت إليهم. لكن يعكر على هذا المعنى أنّ الآية تكون منقطعة عما قبلها، فإنّ ما قبلها وارد في شأن الجهاد والغزو في سبيل الله، ونصرة دينه، إلا أن يقال: إنه لما بيّن وجوب الهجرة والجهاد، وكل منهما سفر لعبادة، ناسب ذلك أن يذكر السفر الآخر وهو الهجرة لطلب العلم والتفقه في الدين، والآية على كلا الرأيين تدلّ على أن التفقه في الدين من فروض الكفاية. وما روي عن أنس بن مالك أنّ النبي ﷺ قال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» فعلى تسليم صحته يكون محمولا على ما يتوقف عليه أداء الفرائض، فمن لا يعرف حدود الصلاة ومواقيتها فحتم عليه أن يتعلمها، وكذلك الزكاة والصوم والحج وسائر الفروض. أما ما سوى ذلك من الأحكام الدينية التي لا تتوقف عليها صحة عبادته فتعلمها فرض على الكفاية، إذا قام به بعض المسلمين سقط عن الباقين. وتدلّ الآية أيضا على أنّ خبر الواحد حجة، لأنّ الطائفة مأمورة بالإنذار، والإنذار يقتضي فعل المأمور به، وإلا لم يكن إنذارا، ولأنّه سبحانه أمر القوم بالحذر عند الإنذار، لأن معنى قوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ليحذروا. وليس الاستدلال بالآية على حجية خبر الواحد متوفقا على أنّ الطائفة تصدق على الواحد الذي هو مبدأ الأعداد، بل يكفي في ذلك صدقها على ما لم يبلغ حدّ التواتر. وقوله تعالى: مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ عام يقتضي أن ينفر من كل جماعة تفردوا بقرية- قلوا أو كثروا- طائفة.

стр. 467

وكان الظاهر أن يقال بدل وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ليعلّموا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يفقهون، لكنه اختير ما في النظم الجليل للإشارة إلى أنّه ينبغي أن يكون غرض المعلّم الإرشاد والإنذار، وغرض المتعلم اكتساب الخشية لا التبسط والاستكبار. قال حجة الإسلام الغزالي «١» ﵀: كان اسم الفقه في العصر الأول اسما لعلم الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب، ويدل عليه هذه الآية، فما به الإنذار والتخويف هو الفقه، دون تعريفات الطلاق واللعان والسلم والإجارات. وسأل فرقد السبخي الحسن عن شيء فأجابه فقال: إن الفقهاء يخالفونك، فقال الحسن: ثكلتك أمك! هل رأيت فقيها بعينك، إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الورع الكافّ عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لجماعتهم، ولم يقل في جميع ذلك الحافظ لفروع الفتاوى اهـ. قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) الغلظة: الشدة في القتال والعنف في القتل والأسر ونحو ذلك. وروي عن الحسن أنّ هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] . والمحققون على أنه لا نسخ إذ لا تعارض بين هذه الآية والآيات التي زعمها الحسن ناسخة. فقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ورد في الأمر بقتال المشركين جميعا في أي مكان كانوا. والآية التي معنا للإرشاد، ورسم الخطة المثلى في قتل الكفار، إذ من المعلوم أنه لا يمكن قتال جميع الكفار، وغزو جميع البلاد في وقت واحد، فكان أحسن الخطط في قتالهم البدء بقتال الأقرب فالأقرب، حتى يصلوا إلى الأبعد فالأبعد، وبذلك يحصل الغرض من قتال المشركين كافّة.

стр. 468

وقوله تعالى: وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ليس المقصود به أمر الكفار بأن يجدوا في المؤمنين غلظة، بل المراد أمر المؤمنين بالاتصاف بالغلظة على الكفار، حتى يجدهم الكفار متصفين بذلك. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ بالعصمة والنصر. وإذا كان المراد بالمتقين المخاطبين كان التعبير بالمظهر بدل الضمير للتنصيص على أنّ الإيمان والقتال على الوجه المذكور من باب التقوى، والشهادة بكونهم من زمرة المتقين. وإذا كان المراد بالمتقين الجنس كان المخاطبون داخلين فيه دخولا أوليا، والكلام تعليل وتوكيد لما قبله، أي قاتلوهم، وأغلظوا عليهم، ولا تخافوهم، لأنّ الله معكم، أو لأنّكم متقون، والله مع المتقين.

стр. 469

من سورة النحل قال الله تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) ويجوز أن يكون متعلقا بقوله تعالى: تَتَّخِذُونَ، والسكر في الأصل مصدر سكر يضم ويفتح كالرشد والرشد، وقد اختلف السلف في تأويل السكر والرزق الحسن، فروي عن الحسن وسعيد بن جبير السكر: ما حرم منه، والرزق الحسن ما حل منه. وروي عن جماعة منهم النخعي والشعبي أن السكر خمر، وعن ابن شبرمة أنه خمر إلا أنه من التمر. وقد فهم هؤلاء من الامتنان باتخاذه حلّه في الأصل، ثم قالوا: هو منسوخ بتحريم الخمر. وروي عن ابن عباس نحو قول الأولين الذين قالوا: السكر المحرم، والرزق الحسن الحلال. وروي عنه أيضا أنّ السّكر النبيذ، والرزق الحسن الزبيب، وقد يتعلق الحنفية في الاستدلال لأبي حنيفة بهذه الآية في تحليل قليل المسكر من غير الخمر، ويقولون: إنّ الله امتن على عباده باتخاذ السّكر من ثمرات النخيل والأعناب، ولا يقع الامتنان إلا بمحلّل، فيكون ذلك دليلا على جواز شرب ما دون المسكر من النبيذ، فإذا وصل إلى السكر لم يجز. ويعضّدون هذا من السنة بما روي عن النبي ﷺ قال: «حرّم الله الخمر بعينها: القليل منها والكثير. والسّكر من كل شراب» «١» ، وأنت تعلم أن الاستدلال بالامتنان في الآية لا ينهض، فإنه إن كانت الآية قبل تحريم الخمر فهي تدل على أنها غير مرغوب فيها، إذ قد جعل الله السكر غير الرزق الحسن، وذلك كاف في تقبيحها. وقد روي أنّ النبي ﷺ قال عند نزول هذه الآية: «إنّ ربكم ليقدم في تحريم الخمر» «٢» ، على أنّ الآية قد جمع فيها بين اتخاذ السكر والرزق الحسن من ثمرات

стр. 470

النخيل والأعناب، فيجوز أن يكون ذلك جمعا بين العتاب في اتخاذ السكر، والامتنان بالرزق الحسن، ويكون المعنى: أتتخذون منه سكرا ورزقا حسنا. وإن كانت بعد التحريم ففي مقابلة السكر بالرزق الحسن ما يرده إلى المحرم، ويكون ذلك تقريعا شديدا لمن يقدم عليه. والحاصل أنّا نرى أن الآية ليس فيها ما يشهد بالحل، إذ الكلام في الامتنان بخلق الأشياء لمنافع الإنسان، ولم تنحصر المنافع في حل التناول، فقد قال الله في شأن الخمر: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة: ٢١٩] فهل انحصرت منافع السكر على فرض أنه النبيذ في الشرب؟ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ستعملون عقولهم بالنظر والتأمل، فيعلمون أن ربهم بهم رؤوف رحيم، وأنه يجب أن يخصّ بالعبادة وحده. قال الله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) ظاهر الآية جعل الاستعاذة عقب القراءة، وبه قال بعض الظاهرية. والجمهور على أن ذلك على حد قوله: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة: ٦] وقوله: وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا [الأنعام: ١٥٢] وقوله: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الأحزاب: ٥٣] وقوله: إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً [المجادلة: ١٢] الذي تطلب من أجله الاستعاذة- وهو دفع وسوسة الشيطان- يقتضي تحصيل الاستعاذة قبل القراءة، وهذا المعنى يشير إلى قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ [الحج: ٥٢] . وكيفية الاستعاذة عند جمهور القراء أن يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» وقد تضافرت الروايات عن رسول الله ﷺ بهذه الصيغة «١» ، وهناك صيغ أخرى وردت: كأعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم «٢» ، والأمر بها للندب عند الجمهور، وعن الثوري أنها واجبة، وظاهر الآية يؤيده، إذ الأمر للوجوب. والجمهور يقولون: إنه صرفها عن الوجوب ما ورد أنّه ﷺ لم يعلمها الأعرابي «٣» وأيضا فقد روي أنه كان يتركها. ثم هل هي مندوبة في أول الصلاة فقط أو في كل ركعة، خلاف بين الفقهاء يعرف في الفقه، ومبناه على أنّ الاستعاذة قد رتبت على شرط، فتتكرر بتكرره. ثم

стр. 471

بعد ذلك هل الصلاة عمل واحد فيكتفى بالاستعاذة في أولها، فمن راعى أنها عمل واحد مفتتح بقراءة يقول: إنها طلبت في بدء القراءة، وقد قالها، فلا يكررها، لأنّه لم يفرغ من العمل الذي بدأه بها. والآخرون يرون أنها قد رتّبت على القراءة، وكل ركعة فيها فيبدأ قراءته في كل ركعة بالاستعاذة. قال الله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) في قوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ وجوه من الإعراب، أحسنها أنّ (من) مبتدأ محذوف الخبر، يدل عليه قوله بعد ذلك فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ والتقدير: من كفر بالله من بعد إيمانه فعليه غضب إلا من أكره إلخ. والحذف في مثل ذلك كثير، وجوز الرفع على القطع، والنصب على إضمار فعل الذم، واستبعد أبو حيان النصب على الذم. وجوز بعضهم كون (من) بدلا من الذين لا يؤمنون بآيات الله، ورد بأن المبدل منه مطروح من الكلام، وهو حينئذ يقتضي أن لا يفتري الكذب إلا من كفر بعد إيمانه، وأيضا هذا يتنافى مع سياق الآية الأولى، لأنها سيقت للرد على كفار قريش، وهم كفار أصليون. وجوز بعضهم غير ذلك، وأما قوله: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ فهو استثناء متصل من (من) ، لأنّ الكفر أعمّ من أن يكون اعتقادا فقط، أو قولا فقط، أو اعتقادا وقولا، ومن نطق بكلمة الكفر كافر، واطمئنان قلبه بالإيمان أمر مبطن لا اطلاع لأحد عليه، ولذلك صح الاستثناء ظاهرا. وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ أصل الاطمئنان سكون بعد انزعاج، والمراد هنا السكون والثبات على الإيمان بعد الانزعاج الحاصل بالإكراه، وقد يستدلّ بالآية على أن الإيمان هو التصديق بالقلب، حيث اكتفي بوجود الاعتقاد، وهو استدلال واه، إذ إنّ من يقول: إن القول ركن الإيمان لا يعني أنه لا يسقط للضرورة ترخيصا. وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً أنس به، واطمأن إليه، واعتقده، وطابت به نفسه، وانفسح له صدره، و (من) شرطية، وجوابها فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ، والتنوين للتهويل وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يتناسب مع عظيم جرمهم. وقد روي في أسباب نزول هذه الآية أنّ عمار بن ياسر وقوما كانوا أسلموا، ففتنهم المشركون، فثبت على الإسلام بعضهم، وافتتن بعضهم. وقد روي أنّ عمارا أخذه بنو المغيرة، فغطوه في بئر ميمون، وقالوا: اكفر بمحمد، فتابعهم على ذلك وهو كاره، فشكا إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: «كيف تجد قلبك؟» قال: مطمئنا

стр. 472

بالإيمان، فقال النبي ﷺ : «فإن عادوا فعد» فنزلت هذه الآية «١» . وقد قالوا: إن هذا أصل في جواز إظهار الكفر في حال الإكراه وقالوا أيضا: إنّ الإكراه الذي يبيح ذلك هو أن يبلغ حدّا يخاف معه على نفسه أو بعض أعضائه التلف. إن لم يفعل ما أمر به، فأبيح له في هذه الحالة أن يظهر الكفر. وقد قالوا: يجب أن يجنح إلى التعريض فيما أمر به ما أمكنه، فإن ضيّق عليه حتى لم يكن للتعريض سبيل وسعه أن يفعل، فإن خطر بباله التعريض ولم يعرّض كان كافرا. وأما إن لم يخطر بباله شيء من ذلك بأن كان همه أن يخرج من الإكراه، وانحصر فكره في ذلك فلا شيء عليه. وحكم هذا الترخيص للإكراه كما يجري في الكفر يجري في غيره، غير أنه إذا أكره على قتل إنسان لا يجوز له أن يفعل، وهناك أمور يجب عليه فيها أن يفعل، فإن لم يفعل كان آثما- وهي مبيّنة في الفقه، وفي الأصول عند الكلام على أقسام الرخصة- والذي يعنينا هنا هو الإكراه على الكفر ما حكمه، فقد أمر النبي ﷺ عمارا أن يعود إلى مجاراتهم في القول إن عادوا إلى إكراهه، فما موجب الأمر؟ قالوا: إنه للإباحة، والصارف له عن الوجوب ما روي عن خبيب بن عدي ﵁ لما أراد أهل مكة أن يقتلوه، لأنه لم يعطهم التقية، بل صبر حتى قتل، فكان عند النبي ﷺ خيرا من عمار في إعطائه التقية، أضعف إلى ذلك أنّ في الصبر على المكروه إعزازا للدين، وغيظا للمشركين، فهو بمنزلة من قاتل المشركين حتى قتل، فتأثير الإكراه في هذه الصورة إنما هو إسقاط المأثم فقط. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» «٢» فألحق المكره بالمخطئ والناسي. وقد وقع خلاف بين الفقهاء في طلاق المكره وعتاقه ونكاحه وأيمانه، فذهب الحنفية إلى أنّ الطلاق ونحوه يلزمه، لأن الطلاق يعتمد الاختيار، والإكراه ينفي الرضا، ويحقق الاختيار. وغيرهم يذهب إلى عدم لزومه، استدلالا بالحديث المتقدم والحنفية يحملونه على رفع الحكم الأخروي وهو المأثم، والكلام مستوفى في الفقه، فارجع إليه إن شئت. ومسألة طلاق المكره مسألة خلافية من الصدر الأول، فقد روي القول بالوقوع عن علي وعمر وسعيد بن المسيب وشريح وإبراهيم النخعي والزهري وقتادة.

стр. 473

وروي القول بعدم الوقوع عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير والحسن وعطاء وعكرمة وغيرهم، وروي عن الشعبي تفصيل يرجع إلى من حصل منه الإكراه، إن كان السلطان لم يلزمه الطلاق، وإن كان غيره لزمه. قال الله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) يقول الله ادْعُ يا محمد الناس إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ أي إلى شريعة ربك، وهي الإسلام بِالْحِكْمَةِ أي بالقول المحكم وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ بالعبر التي تؤثّر بها في قلوبهم وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ خاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها، فاصفح عمّا نالوا به عرضك من الشتم والهجاء، ولن لهم في القول، وقابل السوء بالحسنى، وليكن قصدك من الخصومة الوصول إلى الحق، فلا تعمل ما يعمله السفهاء في جدالهم من رفع الصوت، وسب الخصم، والمغالبة باليد والسباب إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وبمن اهتدى إليه، فمجازيهم على ضلالهم واهتدائهم، فله الجزاء لا إليك، وإنما عليك الدعوة والبلاغ. وذهب ابن رشد والفخر الرازي وبعض فلاسفة المسلمين إلى أنّ المراد بالحكمة البرهان الذي يفيد يقينا لا يحتمل النقيض، وبالموعظة الحسنة الخطابة التي تفيد الظن الظاهر والإقناع، والمراد بقوله: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ استعمل معهم أحسن صناعة الجدل، فاستعمل معهم المقدمات المسلّمة عند الجمهور، أو عند المناظر، لتصل إلى الحق ولا تستعمل معهم المقدمات الباطلة، وتروجها عليهم بالسفاهة والشغب والحيل الباطلة. قالوا: وإنما احتيج لهذه الصناعات الثلاثة: البرهان، والخطابة، والجدل، لأن الناس متفاوتون في العقول والأفهام، فمنهم من بلغ رتبة الحكمة، فلا يقنعه إلا البرهان المفيد لليقين الذي لا يحتمل النقيض، لا حالا ولا مآلا. ومنهم الطرف الآخر، المقابل للأول، وهم جمهور الناس، وهؤلاء لا يفيدهم إلا صناعة الخطابة. والبرهان مضرّ بهم، فلا يصلون إليه، وربما أفسد استعماله معهم عليهم أمرهم. القسم الثالث بين بين، فقد ارتفع عن طبقة العامة، ولم يصل إلى طبقة الخاصة، وهؤلاء لا يصلحهم إلا الجدل الحسن، وفي هذا دليل على أن القرآن من عند الله، لأنّ هذه معارف لا يصل إليها إلا الحكماء الذين مارسوا الحكمة وانقطعوا لها! ومحمد ﷺ نشأ أميا، لم يمارس الحكمة، فظهور هذه الحكمة العالية على لسانه دليل على أنّه من عند من علّم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم.

стр. 474

هذا تلخيص ما قالوه، والمعنى حسن في نفسه إلا أن حمل الكلام عليه بعيد، لأنّ الجدل في لسان العرب هو الخصومة، وتخصيصه بالقياس المؤلف من المسلمات اصطلاح منطقي حادث، ولا يسوغ حمل ألفاظ القرآن على الاصطلاحات الحادثة، ولا يصحّ فهمها إلا مراعى فيها معانيها التي وضعتها لها العرب، وما أرادوه يصحّ أن يكون داخلا في الحكمة، فإنّ المراد بها الطريق المحكم في الدعوة، ولا إحكام في الدعوة إلا إذا خوطب الناس بما يفقهون، فلا يخاطب العوام بالجدل والبرهان، ولا كل صنف من الناس إلا بما هو لائق به. ومن ذلك يعلم أن القائم بالدعوة ينبغي أن يكون على حظّ عظيم من علم النفس وعلم الاجتماع وطبائع الأفراد والأمم، فإنّه ليس شيء أنجع في الدعوة من معرفة طبائع الناس وميولهم، وتغذية هذه الطبائع والميول بما يناسبها. ومن الحمق أن يظنّ أن الناس متساوون في القدرة والأفهام فيما إذا خوطبوا على درجة واحدة من الخطاب، وكما أن الأمراض مختلفة، وأدويتها كذلك مختلفة، وليس دواء واحد نافعا لكل مرض ولكل مريض، كذلك أمراض النفوس، تحتاج إلى علاجات مختلفة، وتركيبات متباينة، وربّ دواء أفاد إنسانا، وأضر بآخر، وربما أفاده في وقت، وأضر به في آخر، ومدار الأمر على معرفة الداعي أنّ الغرض من القول الإفهام والتأثير، فيسلك لذلك سبله، وعلى أن يكون عنده عقل مفكر، ولسان مؤثر، سنذكر حديثا يدل على مقدار رفق النبي ﷺ في الدعوة، ومقدار نجاح هذا الرفق. روى أبو أمامة أنّ غلاما شابا أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله، أتأذن لي في الزنى؟ فصاح الناس به، فقال النبي ﷺ : «قرّبوه إذن» فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي ﷺ : «أتحبه لأمك» قال: لا جعلني الله فداك، قال: «كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم. أتحبه لابنتك» قال: لا جعلني الله فداك. قال: «وكذلك الناس لا يحبونه لبناتهم أتحبه لأختك» قال: لا جعلني الله فداك. قال: «وكذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم» فوضع رسول الله ﷺ يده على صدره وقال: «اللهم طهّر قلبه، واغفر ذنبه، وحصّن فرجه» فلم يكن شيء أبغض إليه منه «١» . وينبغي أيضا أن يكون الداعي شجاعا في الحق فلا يهن، صارما في الصدق، فلا يضعف، مخلصا فانيا في مبدئه فلا يبيعه بزخارف الدنيا وزينتها. والمثل الأعلى في ذلك صاحب الدعوة الإسلامية فقد اعترضوا سبيل الدعوة. بكل أنواع الإيذاء، وفتنوا المؤمنين. فلم يثن ذلك رسول الله ﷺ عن عزمه، وصبر كما صبر أولو العزم من الرسل.

стр. 475

ثم جاءت قريش إلى عمه أبي طالب، وعرضوا عليه أن يأخذ محمد ما شاء من مال ويترك ما يدعو إليه، فذكر أبو طالب للنبي ﷺ ذلك فبكى وقال: «يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتى يظهره الله، أو أهلك دونه» «١» . قال الله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) (١٢٦) واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك فى ضيق مما يمكرون (١٢٧) عُوقِبْتُمْ بِهِ أصل العقاب المجازاة على الفعل، فالفعل ابتداء ليس عقابا، وإنما سمّاه الله هنا عقابا على طريق المشاكلة ضَيْقٍ تخفيف الضيق أي في أمر ضيق، ويجوز أن يكون الضيق والضيق مصدرين كالقيل والقول. لما أمره الله بدعوة الناس إلى الإسلام، وكان في ضمن الدعوة تسفيه آرائهم، وإبطال عقائدهم، وتضليل طرائقهم، وهذا مما يدعو إلى الحمية والاعتداء على الداعي بأنواع الاعتداء، وربما حمل ذلك الداعي على مقابلة الشر بأكثر منه، نهى الله هنا عن مقابلة الشر بأكثر منه، فقال: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ، ثم دعا إلى الصبر، وعدم مقابلة الشر بمثله، وحبب فيه فقال: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وقد قيل في سبب نزول هذه الآيات: إنّ النبي ﷺ لما رأى حمزة وقد مثّل به المشركون، قال: «والله لأمثّلن بسبعين منهم مكانك» «٢» فنزل جبريل ﵇ بخواتيم سورة النحل، فكف رسول الله ﷺ عما أراد ، وتكون سورة النحل مكية إلا هذه الآيات. وقيل إنّ هذا كان قبل الأمر بالجهاد العام، حين كان المسلمون لا يقاتلون إلا من قاتلهم، ولا يبدؤون بالقتال، فتكون كقوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) . وحمل الآية على قصة حمزة غير ظاهر لأنّ ذلك يجعل الآيات مفككة لا ارتباط لها، فالظاهر ما حملنا الآية عليه، وقريب منه قول مجاهد وابن سيرين: إن المقصود من هذه الآية نهي المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم، قال ابن سيرين: إن أخذ منك رجل شيئا فخذ منه مثله. والضمير في قوله: لَهُوَ يرجع إلى المصدر في قوله: صَبَرْتُمْ والمصدر إما

стр. 476

أن يراد به الجنس أي وللصبر خير للصابرين، وأنتم منهم إذا صبرتم. وإما أن يراد به صبركم، أي لصبركم خير لكم، فوضع الصابرين موضع لكم ثناء عليهم. وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ أمر الله بالصبر أمرا صريحا بعد أن ذكر حسن عاقبته، ولما كان الصبر شاقا ذكر ما يعين عليه فقال: وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ فالجأ إليه في طلب الصبر، والتثبيت في الأمر وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ يدعوه إلى عدم الجزع والهلع بترك الحزن، والحزن سببه إما فوات محبوب أو توقع مكروه، فبيّن الله ما يستعين به على الصبر، وهو ترك الحزن، فقال: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي على إخوانك المسلمين الذين قتلوا، وهم قتلى أحد، ولا تك في ضيق مما يمكرون، أي ولا يضق صدرك من مكرهم، فإنّ الله ينجيك من مكرهم، لأنّه مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا بالنصر والمعونة، أي هو ولي الذين اجتنبوا المعاصي وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ في أعمالهم، ومن التقوى والإحسان الصبر. وقيل: إن الضمير في قوله: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ يرجع إلى الكافرين، فيكون كقوله: وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [المائدة: ٦٨] روي عن هرم بن حبان أنه قيل له حين احتضر: أوص، فقال: إنما الوصية من المال، ولا مال لي وأوصيكم بخواتيم سورة النحل.

стр. 477

من سورة الإسراء قال الله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (٧٩) أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ أصل الدلوك: الميل والزوال، وهذا المعنى يصح أن يراد منه ميل الشمس عن كبد السماء، وزوالها عنه وقت الظهيرة، ويصح أن يراد منه ميلها وزوالها عن الأفق في وقت الغروب، ولعلّ هذا هو منشأ اختلاف العلماء في تعيين الوقت المأمور فيه بإقامة الصلاة لدلوك الشمس. فقد ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، ومنهم ابن عباس وابن مسعود إلى أنّ المراد من دلوك الشمس غروبها. بل لقد روى ابن جرير «١» عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يقسم على ذلك. فقد أخرج أن أبا عبيدة بن عبد الله كتب إلى عقبة بن عبد الغافر أن عبد الله بن مسعود كان إذا غربت الشمس صلّى المغرب، ويفطر إن كان صائما، ويقسم عليها يمينا ما يقسمه على شيء من الصلوات، بالله الذي لا إله إلا هو إنّ الساعة لميقات هذه الصلاة، ويقرأ فيها تفسيرها من كتاب الله أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ. وأخرج أيضا «٢» عن مجاهد عن ابن عباس قال: دلوك الشمس غروبها. وذهب آخرون إلى أن دلوكها ميلها إلى الزوال، وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر والحسن، وعليه الجمهور، قالوا: والصلاة التي أمر بها ابتداء من هذا الوقت هي صلاة الظهر، وقد أيّدوا هذا القول بوجوه: منها ما روي عن جابر أنه قال: طعم عندي رسول الله ﷺ وأصحابه، ثم

стр. 478

خرجوا حين زالت الشمس، فقال ﷺ : «هذا حين دلكت الشمس» . وهذا الحديث إن صحّ كان هو العمدة في الباب وابن جرير «١» وإن كان من أنصار هذا الرأي ينصّ على أنّ الخبر ونحوه في إسناده شيء، وإن كان لم يعينه. ومن الوجوه أيضا النقل عن أهل اللغة، فقد قالوا: إنّ الدلوك في كلام العرب الزوال، ولذا قيل الشمس إذا زالت دالكة. قال ابن جرير «٢» : وهذا تفسير أهل الغريب أبي عبيدة والأصمعي وأبي عمرو والشيباني وغيرهم، وقالوا أيضا: إنّ أصل الدلوك مأخوذ من دلك العين حين تنظر ما لا تقوى على النظر إليه، وهذا إنما يكون عند الزوال لقوة الشمس فيه، حتى إنّ الناظر لا يستطيع أن ينظر، حتى يضع كفه على حاجبه، يمنع عن عينه شعاع الشمس. على أنّ الدلوك لو كان اسما لمطلق الميل لكان حمله على ميلها إلى الزوال في وقت الظهر أولى، وذلك لأنّ الآية تكون قد دلّت على الأمر بإقامة الصلاة ابتداء من الظهر إلى دخول الظلمة، أو إلى نصف الليل، فتكون قد انتظمت أربع صلوات. وَقُرْآنَ الْفَجْرِ دلت على الصلاة الخامسة، ولو حملنا الدلوك على الغروب تكون الآية قد دلّت على صلاتي المغرب والعشاء: إن لم نقل إنها تدل على صلاة واحدة هي صلاة المغرب. وقد قالوا: كلما كان المدلول عليه كثيرا كان الحمل عليه أولى، فيكون حمل الدلوك على ميل الشمس إلى الزوال في الظهيرة أولى من حمله على الزوال للغروب. واللام في قوله: لِدُلُوكِ الشَّمْسِ لام الوقت والأجل، لأنّ الوقت سبب الوجوب. إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ قيل: غسق الليل سواده وظلمته، وقال بعضهم: غسق الليل دخول أوله. وأصله من غسقت العين إذا هملت بالدمع، والغاسق السائل، فمعنى غسق الليل انصب بظلامه، وذلك أن الظلمة كأنها تنصب على العالم. فمعنى الآية والله أعلم: أدم إقامة الصلاة من الظهيرة إلى وقت هجوم الظلمة، أو إلى غيبوبة الشفق، أو إلى منتصف الليل على ما قيل في تفسير الغسق. وعلى هذا تكون هذه الآية والتي بعدها على ما يجيء قد دلتا على الأمر

стр. 479

بالصلاة من الظهيرة إلى العشاء، وذلك أربع صلوات على حسب البيان الذي وردت به السنة العملية، وعلى الأمر بالصلاة في الفجر، وتلك هي الصلاة الخامسة. ولقد أراد بعضهم أن يفهم من الأمر بإقامة الصلاة من دلوك الشمس إلى غسق الليل أنّ الله قد بين في الآيتين ثلاثة أوقات: وقت الدلوك، ووقت الغسق، ووقت الفجر، ووقت الدلوك فيه صلاتان، وهما: الظهر والعصر، ووقت الغسق فيه صلاتان: المغرب والعشاء، فدلّ ذلك على جواز الجمع بين الظهر والعصر، لأنّ وقتهما الدلوك، وجمع المغرب إلى العشاء، لأنّهما في الغسق، وهو استدلال عجيب، إذ إنّ كل ما في الآية أنّها أمرت بإقامة الصلاة من دلوك الشمس إلى الغسق، فهل هذا أمر يشغل كل هذا الوقت بالصلاة، أو أمر بفعل الصلاة في بعض أجزائه، وما مقدار هذا البعض؟ كل هذا خارج عن مدلول الآية، وقد بينته السنة، فإن كانت قد ورد فيها جمع الصلاتين، أو الصلوات من غير عذر، فبيانها هو الدليل، وإن كان قد ورد فيها أن الجمع بين الصلاتين لا يجوز إلا بشروط، وفي أوقات دون أخرى، كان ذلك هو الدليل على أن الجمع إنما يجوز بهذه الشروط. وحيث إنه قد انجر الكلام إلى الجمع فنقول: قد روي عن ابن مسعود وابن عباس جواز جمع الظهر إلى العصر، والمغرب إلى العشاء مطلقا ولو من غير عذر، والجمهور على خلاف مذهبهما. فالشافعية: يجيزون جمع التقديم والتأخير بشروط تعلم من كتبهم، والحنفية يقولون: لا جمع إلا في الظهر والعصر جمع تقديم يوم عرفة، والمغرب والعشاء جمع تأخير في مزدلفة، ويعرف ذلك من كتبهم أيضا. وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً وَقُرْآنَ معطوف على الصلاة، أي وأقم قرآن الفجر، وقد قال أبو بكر الرازي «١» : إنّ ذلك يدلّ على وجوب القراءة في الصلاة، ووجه الدلالة أن الآية تدلّ على الأمر بقرآن الفجر، ولا نعلم قراءة واجبة في الفجر إلا أن تكون القراءة في صلاة الفجر، وقد حمل بعضهم القرآن في قوله: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ على الصلاة في الفجر. قال أبو بكر الرازي: وهو عدول عن الحقيقة إلى المجاز من غير دليل، وذلك غريب من أبي بكر، فإنّ الدليل هو ما قاله: من أنا لا نعلم قرآنا واجبا في ذلك

стр. 480

الوقت، وإن كان له أن يقول: إن الفجر فيه قرآن واجب، وهو قرآن الفجر، ولكن هذا إن أثبت له ما أراد فهو يثبت وجوب القراءة في الفجر، فمن أين وجبت في كل الصلوات، سيقول من دليل آخر، فنقول: ذلك هو الدليل على وجوب القراءة. على أنا لا نرى أنّ حمل القرآن في قوله: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ على الصلاة يؤدي إلى الغرض الذي أراده الجصاص من هذا، وهو أخذ وجوب القراءة في الصلاة، فإنّ تسمية صلاة الفجر بالقرآن إنما كانت لأن القراءة جزء مهمّ فيها، كما سميت الصلاة بالركوع والسجود. وقد أراد الفخر الرازي أن يأخذ من قوله: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ دليلا على مذهب الشافعية، في استحباب التغليس بالفجر، ويقول في وجه الدلالة: إنّه أمر بإقامة الصلاة في الفجر، والفجر إنما سمي فجرا، لأنّ نور الصبح يفجر ظلمة الليل، قال وظاهر الأمر للوجوب، فمقتضى هذا اللفظ وجوب إقامة الصلاة في أول وقت الفجر، إلا أنا أجمعنا على أنّ الوجوب غير حاصل، فيبقى الأمر للندب. وأنت تعلم أنّ أمر تحديد الصلوات قد ثبت بالسنة في حديث جبريل، الذي بيّن فيه أول الوقت وآخره، فدلّ ذلك على الجواز في كل الوقت، فأفضلية التقديم على التأخير والعكس تحتاج إلى دليل مستقل، ك: «أبردوا بالظهر» «١» ، «ولا تزال أمتي بخير: ما عجّلوا المغرب وأخّروا العشاء» «٢» ، فالتغليس بالفجر والتنوير والإسفار به يحتاج إلى دليل مستقل، فالحكم هو ما يدلّ عليه ذلك الدليل. وقد أخذ الفخر الرازي من تسمية صلاة الفجر بالقرآن الحثّ على تطويل القراءة في الصلاة، وهو وجيه. إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً قالوا: إن معنى ذلك أنّ ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح خلف الإمام. قال الفخر- بعد سوق هذا الكلام- ويحتمل أن يكون المراد من قوله: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً الترغيب في أن تؤدى هذه الصلاة بجماعة، ويكون المعنى: كونها مشهودة بالجماعة الكثيرة، وهو حسن أيضا. وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (٧٩) . وَمِنَ اللَّيْلِ الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره، قم، و (من) للتبعيض، والمعنى: قم بعض الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ الهجود: النوم، ولكنه أريد منه هنا

стр. 481

التيقظ، فقال بعضهم: هو من أسماء الأضداد، حتى قال أبو عبيدة: الهاجد النائم، والهاجد المصلي بليل. وذهب بعضهم إلى أن إطلاق المتهجد على المصلي بليل إطلاق شرعي، كأنه إنما سمّي بذلك لأنه ألقى الهجود، وهو: النوم عن نفسه، كما قيل للعابد: متحنث، لأنّه ألقى الحنث عن نفسه، ومتحرّج ومتأثمّ ومتحوّب لمن ألقى الحرج والإثم والحوب عن نفسه. ويرى بعضهم أن التهجد أخصّ من الصلاة بالليل، فلا يقال لكل من صلّى بالليل: متهجد، وإنما يقال لمن نام، ثم قام فصلّى، ثم رقد، فقام فصلّى، وهو مروي عن الحجاج بن عمر المازني قال: أيحسب أحدكم إذا قام من الليل فصلّى حتى يصبح أنه قد تهجد، إنما التهجد الصلاة بعد الرّقاد، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، هكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ ، وحينئذ فلا يكون إطلاق التهجد على المصلي على هذا النحو مجازيا، لأنّ الهاجد هو النائم، والمتهجد طالب النوم، لأنّه كلما صلّى كان طالبا للنوم بعد الصلاة، فيكون التهجد في هذا المعنى حقيقيا بِهِ بالقرآن نافِلَةً لَكَ النفل الزيادة، وقد اختلف العلماء في معنى كون التهجد زيادة خاصة بالنبي ﷺ لأن صلاة الليل ما تزال لكلّ من صلّى بليل، فذهب ابن جرير «١» في جماعة من السلف إلى أنّ معنى زيادتها له، خاصة أنها فريضة عليه، زيدت على المكتوبات الخمس بالنسبة له خاصّة. وذهب جماعة إلى أنّ معنى كونها نافلة له، أنّ النوافل إنما يحتاج إليها لتكون كفارة لذنوب من يفعلها، والنبي ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه، فهي زائدة له، لأنّ غيره نافلته تكفّر ذنبه، وأما نافلة النبي ﷺ فلا تلاقي ما تكفره، فمن هذا كانت زائدة، وهو مروي عن مجاهد وآخرين. ولم يرتض هذا القول ابن جرير، وقال: نزلت سورة النصر قبل قبض الرسول ﷺ وفيها أمره بالاستغفار وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [النصر: ٣] . وقد روي عنه ﷺ أنه كان يزيد في الاستغفار في اليوم على مئة مرة «٢» ، وكلما اشتد قرب العبد من ربه كلما زاد خوفه منه، وإن كان السيد قد أمنه، وذلك مقام يعرفه أهله. عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً كلمة (عسى) في كلام العرب تفيد التوقع، وهي هنا للوجوب، قالوا: إنما كانت للوجوب لأنّها تفيد الإطماع، ومن أطمع إنسانا

стр. 482

في شيء، ثم حرمه منه كان غارّا، وهذا المعنى مستحيل على الله تعالى، وقد أفاض ابن جرير «١» في بيان هذا المعنى. والمقام المحمود: قال الواحدي: أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة العظمى في إسقاط العقاب. وقد اختلف العلماء بعد هذا اختلافا يقصد منه إلى الكيفيات والتفاصيل، والمدار فيها على الأخبار الواردة، فما ورد منها من طريق صحيح كان المعوّل عليه في بيان كيفية الشفاعة والمقام المحمود، وكل ما تدلّ عليه الآية أن النبيّ عليه أفضل الصلاة والسلام سيبعثه الله مبعثا يحمده الناس عليه حمدا بالغا، وذلك لأنه منقذهم من هول العذاب.

стр. 483

من سورة الحج قال الله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ينبغي قبل تفسير هذه الآيات أن نبيّن حكمة الحجّ، وتاريخ مشروعيته فنقول: أ- حكمة الحج: لعلّك تكون في حاجة إلى إطالة القول في بيان الحكمة في شرح الحج، والسرّ الذي من أجله كتب الله هذه الفريضة على المسلمين، بعد ما عملته في دراساتك السابقة في هذا الشأن، وإذا فيكون تعرّضنا هنا لشيء من هذا البيان إنما نقصد به التذكير على وجه الإجمال، بما سبق لك من التفصيل. شرع الله الحج إلى بيته الكريم لمنافع عظيمة تعود على المسلمين في دينهم ودنياهم: ١- فمناسك الحج من أعظم مظاهر الخشية والإخلاص لله في الذكر والدعاء والعبادة. ٢- وهي كذلك دلائل على التجرّد من زينة الدنيا، وبواعث على عدم التعلق بشهواتها وزخرفها. ٣- وهي بواعث على الرحمة والإحسان، والعدل والمساواة، إذ يكون الناس هناك في مستوى واحد، لا فرق بين أمير ومأمور، ولا بين غني وفقير. ٤- هذا إلى ما يعود على سكان مكة، وجزيرة العرب، والناس جميعا من المنافع المعيشية والتجارية، وما يتهيأ لهم هناك من الاجتماع والتعارف، والاتفاق على ما ينهض بالمسلمين في جميع بقاع الأرض. ب- تاريخ مشروعية الحج: أما تاريخ مشروعيته فأنت تعلم أنّه كان مفروضا في زمن سيدنا إبراهيم ﵊، والآيات التي معنا من أقوى الدلائل على ذلك.

стр. 484

فإذا قلنا: إن فرضيته باقية لم تنسخ في عهد نبي بعده كانت الأوامر الواردة به في شريعتنا تأكيدا لهذه الفرضية، وإذا علمت أن نبينا محمدا ﷺ قد حجّ حجتين قبل الهجرة، وحج بعد الهجرة حجة الوداع في السنة العاشرة، علمت أنّ أولى هذه الحجات وقعت عن فريضة الإسلام. وإن قلنا: إن فرضيته قد نسخت بعد سيدنا إبراهيم، كان وجوبه علينا ثابتا بقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: ٩٧] إذ هي الآية الصريحة في هذا الوجوب. وأما قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة: ١٩٦] عام الوفود على الراجح، وهذا العام هو الذي قدم فيه وفد نجران على رسول الله ﷺ ، وصالحهم فيه على الجزية، ومعلوم أنّ مبدأ مشروعية الجزية كان عام غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة، وعلى هذا يكون مبدأ فرضية الحج في السنة التاسعة، وتكون الحجتان اللتان فعلهما النبي ﷺ قبل ذلك نافلتين، تطوّع بهما على دين سيدنا إبراهيم ﵊. ولقائل أن يقول: فلماذا لم يبادر النبيّ ﷺ بأداء الحج في تلك السنة، وهو أفضل الخلق، وأسبقهم إلى الخيرات، وأسرعهم إلى تأدية فرائض الله، وكيف يرسل أبا بكر ليحج بالناس، ويؤخر هو حجته إلى السنة التي بعدها؟ والجواب على ذلك أنه رؤي أن الوقت الذي خرج فيه أبو بكر ليحج بالناس كان زمن النسيء، ولم يكن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض حتى تعود عشر ذي الحجة إلى مركزها الحقيقي من السنة، وكان النبي ﷺ يعلم أنها ستعود إلى مركزها الحقيقي، وينضبط نظام السنين القمرية في السنة العاشرة فتأخر النبيّ ﷺ إلى السنة العاشرة كان لحكمة عظيمة، كي يقع حجّة الذي سيكون منهاجا للناس جميعا في الوقت الحقيقي الذي فرض الله على الناس أن يقوموا فيه بتلك الشعيرة، وليس على أبي بكر ولا على غيره ممن كانوا معه من حرج في حجهم في ذلك الوقت ما دام أمر الزمان لم يتقرر بعد. ونعود إلى التفسير: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ الأذان والتأذين الإعلام برفع الصوت على نحو ما يكون للصلاة. والمراد هنا النداء في الناس بأنّ الله قد كتب عليهم الحجّ، ودعاهم إلى أدائه. رِجالًا جمع راجل، كقيام جمع قائم، أي ماشين. وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ الضامر النحيف الهزيل، والمراد به هنا الهزيل من مشقة السفر يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يأتين صفة لضامر، لأنه لما دخلت عليه أداة العموم صيّرته بمعنى ضوامر. والمعنى: وعلى ضوامر يأتين.

стр. 485

والفج أصله الطريق بين الجبلين، ثم استعمل في الطريق الواسع مطلقا. وتوسّع فيه حتى صار يستعمل في طريق. والعميق أصله البعيد أسفل، أي بعيد القاع، فاستعمل في البعيد مطلقا، لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ المراد بالمنافع ما يصيبون من خير الدنيا والآخرة: فخير الدنيا ما يصيبون من لحوم الذبائح، وأنواع التجارات، وما تكون في ذلك الاجتماع العظيم من التعارف، وأما خير الآخرة فهو ما يؤدون من تلك الشعائر التي هي سبب رضوان الله عليهم، وشهودها حضورها ونيلها. فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ قيل: هي عشر ذي الحجة. وقيل: هي العاشر واليومان بعده، وقيل: والثلاثة بعده. وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ قيل: المراد بذكر اسم الله حمده وشكره والثناء عليه، و (على) حينئذ للتعليل. واختار الزمخشري «١» أنّ ذكر اسم الله على البهيمة كناية عن ذبحها، و (على) حينئذ للاستعلاء، والبهيمة في الأصل اسم لكل ما له أربع قوائم، والمراد بها هنا ما يكون من الإبل والبقر والغنم. الْبائِسَ الْفَقِيرَ البائس من أصابه بؤس وشدة. والفقير المحتاج، سواء أكان له بلغة من العيش أم لا. ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ التفث القذر والوسخ، وقضاؤه إنهاؤه وإزالته، والمراد ما ينشأ عنه التفث من طول الشعر والأظفار. وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ النذر: ما التزمه الإنسان من أعمال البر. وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ العتيق الكريم، ومنه عتاق الإبل والخيل كرائمها، أو هو القديم، لأنّه أول بيت وضع للناس، أو هو العتيق بمعنى المعتق المتحرر من تسلط الجبارين واستيلائهم، فلا يريده أحد بعدوان إلا رده الله عنه، وجعل عاقبة بيته السلامة والحفظ. المعنى: يأمر الله تعالى نبيه إبراهيم ﵊ بعد ما فرغ من بناء البيت بأن ينادي في الناس، ليعلمهم أنّ الله قد كتب عليهم الحج إلى هذا البيت العتيق، ليدركوا فيه منافع وخيرات كثيرة، تعود عليهم في دينهم ودنياهم، ويؤدّوا شعائر الله، ويذكروا اسمه الكريم على الذبائح التي يذبحونها شكرا لله على توفيقه إياهم وإرشادهم إلى ما يصلحهم، وأنه لا حرج على أصحاب تلك الذبائح أن يأكلوا

стр. 486

منها، بل ينبغي لهم أن يواسوا الفقراء والبائسين، وأن يشاركوهم في الأكل منها، ولا يترفّعوا عليهم، وأنه يجب عليهم أن يتحلّلوا من قيود الإحرام متى فرغوا من المناسك الواقعة قبل الطواف، وأنه يجب عليهم أيضا أن يوفوا بما التزموه بالنذر من ذبح وغيره. وأن يطوفوا بالبيت طواف الإفاضة، أو طواف الوداع على ما قيل. قد يقال: إنه لم يكن حول الكعبة حينذاك أحد يسمع نداء سيدنا إبراهيم، فكيف يؤمر بهذا النداء الذي يذهب في الفضاء؟ والجواب أن الله قد أيدّ رسله بالمعجزات الخارجة عن مجرى العادات، فهو سبحانه قادر على أن يوصل صوت إبراهيم إلى من يشاء في تلك النواحي البعيدة، والأصقاع المترامية. وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس «١» قال: لما فرغ إبراهيم ﵊ من بناء البيت قال: ربّ قد فرغت، فقال: أذّن في الناس بالحج. قال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال تعالى: أذّن وعليّ البلاغ. قال: رب كيف أقول، قال: قل يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه أهل السماء والأرض، ألا ترى أنهم يجيبون من أقصى البلاد، يلبون. على أنا نشاهد اليوم آلات الإذاعة تنشر الأصوات في جميع بقاع الأرض، فلا تحجزها جبال، ولا تضعفها بحار ولا قفار، فمن يشاهد هذه الحقائق التي يستطيعها كل من يزاول علومها، لا يمكنه أن يكابر في معجزات الأنبياء. هذا، وقيل إنّ المخاطب بالتأذين والدعوة إلى الحج هو نبينا محمد ﷺ ، وأنه أمر بذلك حينما عزم على الحج في السنة العاشرة من الهجرة، وأن نظم الآية مع التي قبلها لا يأباه، إذ المخاطب في قوله تعالى قبل هذه الآية: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ هو النبي ﷺ ، ويكون المعنى حينئذ: واذكر يا محمد إذ بوأنا لإبراهيم، وأذن في الناس بالحج، ولكنك ترى أنّ في الآية الأولى أوامر ونواهي كلها متوجهة إلى إبراهيم ﵊، فالظاهر أنّ الأمر بالتأذين أيضا لإبراهيم، إذ الغرض من تطهير البيت إعداده للطائفين والقائمين والركع السجود، فيكون دعاؤه الناس بعد ذلك للحج متناسبا غاية التناسب مع إعداد البيت وتطهيره. وبعض العلماء ردّ احتمال توجيه الخطاب إلى النبي ﷺ بأن سورة الحج مكية، فنزولها قبل حجة الوداع بالضرورة، فلا يستقيم أن يكون المأمور بالدعاء هو النبي ﷺ .

стр. 487

ولكن هذا الردّ ينهار متى علمت أنّ الراجح هو أن سورة الحج مدنية، ما عدا آية وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى وثلاث آيات بعدها، كما هو مروي عن قتادة، وفي رواية، عن ابن عباس أنّ السورة كلها مدنية، وهو قول الضحاك أيضا. ما في الآيات من الأسرار: إذا كان الغرض من دعاء الناس للحج أن يأتوا إلى البيت الحرام، فالسرّ في العدول عن ذلك إلى التعبير بالإتيان إلى إبراهيم ﵊ أنه هو الداعي، والقدوة لهم فيما يكون بعد. وقوله تعالى: وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ كلمة (كل) فيه للتكثير لا للإحاطة، على حد قوله تعالى: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل: ٢٣] والسر في ذلك إفادة أن الركبان الآتين من الأماكن البعيدة يكونون كثيرين جدا، حتى كأنّهم يمتطون جميع الضوامر. لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ نكّرت المنافع لإفادة عظمتها وكثرتها، أو التنكير فيها للتنويع. وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ اختير هذا الأسلوب مع أنّ الذبح هو المعدود من مناسك الحج، كالذبح للمتعة والقرآن، ليفيد أن ذكر الله وحده خالصا من شوائب الشرك هو المقصود الأعظم، وتوسيط الرزق لبعثهم على الشكر والتقرب بتلك القربة، والتهوين عليهم في الإنفاق، وفي قوله تعالى: فَكُلُوا إلخ التفات إليهم بالخطاب، ليؤكّد لهم إباحة الأكل من تلك الذبائح، فلا يتحرّجوا من ذلك، وليبعثهم على مشاركة البائسين والفقراء ومواساتهم. ما في الآيات من الأحكام : ١- قوله تعالى: يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ فيه دليل على جواز كلّ من المشي والركوب في الحج. ٢- استدل بعض المالكية على أنّ المشي في الحج أفضل من الركوب، بتقديمه عليه في الآية. وإلى هذا ذهب ابن عباس، فقد أخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة، والبيهقي، وجماعة عنه أنه قال: ما آسى على شيء فاتني إلا أني لم أحج ماشيا حتى أدركني الكبر: أسمع الله تعالى يقول: يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ فبدأ بالرجال قبل الركبان. ولكنّك ترى أنّ مجرد التقديم لا يدل على الأفضلية، لجواز أن يكون تقديم الرجال على الركبان للإشارة إلى مسارعة الناس في الامتثال، حتى إن الماشي ليكاد يسبق الراكب، فإذا كان المشي أفضل، فإنما هو لأدلة أخرى. من ذلك ما أخرجه ابن سعد وابن مردويه وغيرهما عن ابن عباس أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن

стр. 488

للحاج الراكب بكل خطوة تخطوها راحلته سبعين حسنة، وللماشي بكل قدم سبعمائة حسنة من حسنات الحرم» قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم. قال: «الحسنة مئة ألف حسنة» «١» . ٣- وفي قوله جل ذكره: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ دلالة على جواز التجارة في الحج، روي عن مجاهد أنه قال: المنافع التجارة، وما يرضي الله من أمر الدنيا والآخرة. وروي مثل ذلك عن ابن عباس، وقد نص الفقهاء على أنّ التجارة جائزة للحاج من غير كراهة، إذا لم تكن هي المقصودة من السفر. ٤- استدلّ المالكية بقوله تعالى: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ على أنّ ذبح الهدي لا يجوز ليلا، لأنّ الله جعل ظرف النحر هو الأيام لا الليالي، وأنت تعلم أنّ اليوم كما يطلق على النهار يطلق على مجموع النهار والليل، وغير المالكية يرى كراهة الذبح ليلا، لاحتمال الخطأ فيه بسبب الظلمة. وقد اختلف العلماء في المراد بالأيام المعلومات، فذهب الإمام مالك وأبو يوسف ومحمد إلى أنها أيام النحر، وهي العاشر من ذي الحجة، واليومان بعده، وهو مروي عن علي وابن عمر. وقال الإمامان أبو حنيفة والشافعي: الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة، وهي معلومات لأنّ شأن المسلمين أن يحرصوا على معرفتها، ويتحرّوا هلال ذي الحجة لما يقع في ذلك من المناسك العظيمة، ولعلهم يقولون: إنّ المراد بالذكر ما يشمل التسمية على الذبائح وغيرها من الحمد والشكر والتكبير، وعلى هذا ينبغي أن تكون (على) في قوله جلّ شأنه عَلى ما رَزَقَهُمْ للتعليل كما في قوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ [البقرة: ١٨٥] . ثم اختلف في أيام النحر، فالحنفية والإمام مالك قالوا: إنها ثلاثة أيام: العاشر وما بعده، وهو مروي عن جمع من الصحابة، منهم: عمر وعلي ، وابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس، وكثير من التابعين. وقال الشافعي: إنها أربعة العاشر وما بعده. وقيل: إلى هلال المحرم، ولعل المذهب الأول أرجح، لأنّ بقية الأقوال لم ينقل ما يؤيّدها عمن يسامي أولئك الصحابة والتابعين. وقد احتج لمذهب الشافعي بما روى البيهقي عن جبير بن مطعم أنّ النبي ﷺ قال في حديث: «وكلّ أيام التشريق ذبح» ولا شك أنّ أيام التشريق ثلاثة بعد يوم

стр. 489

النحر، ولكنّ هذا الحديث ضعيف قال فيه الإمام أحمد: لم يسمعه ابن أبي حسين من جبير بن مطعم، وأكثر روايته عن سهو. وقال البيهقي إنه من رواية سليمان بن موسى الأسدي فقيه أهل الشام، عن جبير، ولم يدركه، ورواه من طرق ضعيفة متصلا. ٥- ظاهر قوله تعالى: فَكُلُوا مِنْها وجوب الأكل من الهدايا، لكنّ هذا الظاهر غير مراد، فإنّ السلف متفقون على أنه لا يجب الأكل من شيء من الهدايا، إذ غاية ما أفاده هذا الأمر أنه رفع ما كان عليه أهل الجاهلية من التحرج عن الأكل من الهدايا، فأباح الأكل منها، أو ندب إليه، لقصد مواساة الفقراء، ومواساتهم في الأكل. فالأمر إما للإباحة أو للندب. ثم إنّ جواز الأكل من الهدايا ليس عاما في كل هدي، فإنّ دم الجزاء لا يجوز الأكل منه اتفاقا، ودم التطوع يجوز الأكل منه اتفاقا أيضا. أما دم القران والتمتع فقال الشافعية: إنه دم جبر، فلا يجوز الأكل منه، والحنفية يقولون: إنه دم شكر، فأباحوا الأكل منه، والظاهر يشهد لهم، فإنّ الآية فيها ترتيب قضاء التفث على الذبح والطواف، ولا دم تترتب عليه هذه الأفعال إلا دم المتعة والقرآن فإن سائر الدماء يجوز ذبحها قبل هذه الأفعال وبعدها، فثبت أنّ المراد في الآية دم المتعة والقران. هذا وقد ثبت أنّ النبي ﷺ أكل من البدن التي ساقها في حجة الوداع، وقد كان قارنا على ما هو الراجح. ونصّ الفقهاء على أنه يلحق بالأكل الانتفاع بجلودها وأصوافها، كما أنّه يجوز إطعام الأغنياء منها، فإنّ الآية أباحت لصاحب الذبيحة أن يأكل منها، ولو كان غنيا، ومتى جاز له أن يأكل وهو غني جاز أن يؤكل غنيا. ٦- ظاهر قوله تعالى: وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ وجوب إطعام الفقراء من الهدايا، وبهذا الظاهر أخذ الشافعيّ، فأوجبوا إطعام الفقراء منها. وقال أبو حنيفة: إنه مندوب، لأنها دماء نسك، فتتحقق القربة فيها بإراقة الدم، أما إطعام الفقراء فهو باق على حكمه العام. ٧- في الاقتصار على الأكل والإطعام دلالة على أنّه لا يجوز بيع شيء من الهدايا، ويشهد لذلك ما روى البخاري ومسلم عن علي ﵁ قال: أمرني النبي ﷺ أن أقوم على بدنه فقال اقسم جلودها وجلالها، ولا تعط الجازر منها شيئا «١» .

стр. 490

فإذا لم يجز إعطاء الجازر أجرته منها فأولى إلا يجوز بيع شيء منها. ٨- في قوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ دلالة على وجوب التحلل الأصغر، وذلك بالحلق أو التقصير. ٩- وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ فيه دلالة على وجوب الوفاء بالنذر، وأداء ما التزمه الإنسان من أعمال البر، سواء أكان من جنسه واجب أم لا. ١٠- وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ فيه دلالة على لزوم هذا الطواف، والمراد به طواف الإفاضة، كما هو مروي عن ابن عباس وجماعة من التابعين، وبهذا قال فقهاء الأمصار. وقيل: الطواف في الآية هو طواف الصدر. وهو بعيد، لأنّ الطواف الذي يلي قضاء التفث إنما هو طواف الإفاضة الذي اتّفق على أنّه ركن، فمن البعيد جدا أن تتعرض الآية لطواف الوداع الذي اختلف في عدّه من المناسك، وتترك ما هو أهم منه وأعظم. هذا والحكم بأنّ وقت هذا الطواف أيام النحر كلها أو اليوم الأول فقط لا يؤخذ من هذه الآية، كما أنه لا يؤخذ منها اشتراط الطهارة وستر العورة فيه، لأنّ اسم الطواف يقع على الدوران حول الكعبة، فعلى أي حالة حصل هذا الدوران فقد حصل مسمى الطواف، ومن اشترط شيئا وراء ذلك فإنما طريقه السنة وعمل النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. قال الله تعالى: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١) اسم الإشارة في مثل هذا الموطن يؤتى به للفصل بين كلامين، كما في قول زهير وقد تقدم له وصف هرم بالشجاعة والكرم: هذا وليس كمن يعيا بخطبته ... وسط الندى إذا ما ناطق نطقا وكما في قوله تعالى: هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) [ص: ٥٥] ويقدر له ما يتم به الكلام، أي الأمر ذلك، أو امتثلوا ذلك. وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ الحرمات جمع حرمة، قيل: هي بمعنى ما حرّمه الله من كلّ منهي عنه، أو من المنهيات في باب الحج فقط، كما روي عن ابن عباس أنّها فسوق، وجدال، وجماع، وصيد. وتعظيمها يكون باجتنابها. وقيل: الحرمات الأشياء التي جعل الله لها احتراما في الحج وغيره، وهي جميع التكاليف وقيل: وهي مناسك الحج خاصّة.

стр. 491

وقيل: إنها حرمات خمس: المشعر الحرام، والمسجد الحرام، والبيت الحرام، والشهر الحرام، والمحرم حتى يحل، وتعظيم هذه الأشياء ظاهر. فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ الضمير الأول راجع إلى التعظيم المأخوذ من يُعَظِّمْ أي أن تعظيم هذه الأشياء ينال به الإنسان مثوبة قد ضمنها الله له، وعلى هذا لا يكون خَيْرٌ أفعل تفضيل. أو نقول: إنه للتفضيل والمفاضلة على سبيل التنزل، وإرخاء العنان، أي على فرض أن ترك التعظيم فيه شيء من الخير، فالتعظيم أفضل منه. وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ المراد حلّ ذبحها وأكلها، ثم إنه ليس المقصود بما يتلى (ما ينزل في المستقبل) ما يعطيه ظاهر الفعل المضارع، بل المراد ما سبق نزوله، مما يدل على حرمة الميتة، وما أهل به لغير الله أو ما يدل على حرمة الصيد في الحرم أو حالة الإحرام. وعلى هذا يكون السر في التعبير بالمضارع التنبيه إلى أن ذلك المتلو ينبغي استحضاره والالتفات إليه، والاستثناء متصل إن أريد من المستثنى ما يكون محرما من خصوص الأنعام. وإن أريد به ما يشمل الدم ولحم الخنزير كان منقطعا. والظاهر الأول، والجملة معترضة لدفع ما عساه يقع في الوهم من أنّ تعظيم حرمات الله في الحج قد يقضي باجتناب الأنعام، كما قضى باجتناب الصيد. فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ، الرجس: القذر، وقوله: مِنَ الْأَوْثانِ بيان له. والأوثان: الأصنام، وسمّاها الله رجسا تقبيحا لها، وتنفيرا منها. والمراد باجتنابها اجتناب عبادتها وتعظيمها. ولتأكيد ذلك أوقع الاجتناب على ذاتها، وهذه الجملة مرتبطة بما قبل الاعتراض، مترتبة على حكمه، أي إذا كان تعظيم حرمات الله فيه الخير وفيه رضا الله تعالى وكان من تعظيم هذه الحرمات اجتناب ما نهى الله عنه، فاجتنبوا الأوثان، ولا تعظموها، ولا تذبحوا لها كما كان يفعل أهل الجاهلية. وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. الزور الكذب والباطل، وسمي زورا لميله عن وجه الحق، من الزور بفتح الواو وهو الميل والانحراف، وإضافة القول إليه بيانية. قيل: المراد بقوله: الزُّورِ خلط أهل الجاهلية في تلبيتهم، وقولهم فيها: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، وهو ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل. وقيل المراد به قولهم في البحائر والسوائب إنّها حرام، وأن تحريمها من الله. والأحسن التعميم في قول الزور حتى يشمل الشهادة الباطلة، فقد أخرج أحمد

стр. 492

وأبو داود وغيرهما عن ابن مسعود «١» أنه ﷺ قال: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» ثلاثا، وتلا هذه الآية. حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ الحنيف المائل عن الديانات الباطلة إلى الدين الحق، مأخوذ من الحنف بالتحريك وهو الميل، وقد اشتهر عند العرب إطلاق الحنيف على كل متمسك بدين إبراهيم ﵊. والمعنى: اجتنبوا الرجس من الأوثان، واجتنبوا قول الزور حال كونكم ثابتين على الدين الحق، مخلصين لله في العبادة، من غير أن تجعلوا لغيره معه شركة فيها. فهما حالان مؤكّدتان لما قبلهما من الاجتناب. وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ. خَرَّ. معناه سقط من علو. فَتَخْطَفُهُ تختلسه بسرعة وقوة. وهذه الجملة مستأنفة مقرّرة لوجوب اجتناب الشرك. والمعنى: أن من جعل لله شريكا فقد حق عليه الخسار والبوار، وهو في شركه شبيه به إذا سقط من جو السماء، فاجتمعت عليه الطيور الجارحة، فمزقته، وذهب كل منها بقطعة منه، فتمّ بذلك هلاكه. وظاهر على هذا أن التشبيه من باب تشبيه التمثيل، ويصح أن يكون تشبيها مفرقا. أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ، هوى يهوي سقط من علو. وهوى به أسقطه. والسحيق: البعيد، ماضيه سحق كبعد. هذا تشبيه ثان لمن أشرك بالله، والعطف فيه إما على قوله: خَرَّ مِنَ السَّماءِ أو على فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ والمعنى أنّ حال المشرك في شركه، وما يؤدي إليه من سوء العاقبة، شبيهة بحاله إذا أخذته ريح عاصفة، فقذفت به في مهوى عميق، لا يكون له منه خلاص ولا نجاة، أو أنّ حاله في ذلك شبيهة بحاله إذا خرّ من السماء، فعصفت به الريح، وهوت به في مكان سحيق. والتشبيه على هذين الوجهين تشبيه تمثيل، ويصح أن يكون تشبيها مفرقا أيضا، فيشبه الشيطان الذي يضله ويغويه بالريح التي تهوي به وترديه، ويشبه الشرك بالوادي

стр. 493

العميق الذي لا ينجو من قذف فيه. ونتيجة هذه التشبيهات واحدة، والغرض من ذلك كله تقبيح حال الشرك، والتنفير منه. ولا يخفى عليك ما يؤخذ من هذه الآية من الأحكام فيما يتعلق بحرمات الله، والانتفاع بالأنعام، والإشراك بالله، وشهادة الزور. وليس في قوله تعالى: وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ما يدل على تعزير شاهد الزور، فإنّ غاية ما أفاده تحريم شهادة الزور، وما روي عن عمر ﵁ من أنه كان يعزّر شاهد الزور، ويأمر فينادى عليه بالأسواق. وإليه ذهب أبو يوسف ومحمد، فإنما ذلك شيء يرجع إلى السياسات الشرعية، فللحاكم أن يفعل من ذلك ما يراه أحفظ لحقوق العامة، وأردع لأهل الفساد. قال الله تعالى: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) الشعائر: العلامات التي تعرف بها الأشياء، فهي تشعر بها وتدل عليها، وقد اختلف في المراد بها هنا: فقيل: إنها الدين كله أوامره ونواهيه، فهي شعائر الله، لأنّ امتثالها والوقوف عند حدودها يدل على الطاعة لله تعالى، والإخلاص له. وقد اضطر من يقول بهذا أن يفسّر البيت العتيق في قوله جلّ شأنه: ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ بالجنة، وهو كما ترى بعيد. وقال ابن عمر ﵄ والإمام مالك والحسن: إنها عرفة، ومنى والصفا والمروة، والبيت الحرام، وغيرها من مواضع الحج، وهو لا يخلو من شيء، فإن الله تعالى قال في شأنها: ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ والمحلّ في الحج قد اشتهر في المكان الذي تذبح فيه الهدايا كما سيأتي. فالظاهر أنّ المراد بالشعائر الأنعام التي تساق هديا للكعبة، كما روي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما وسميت بذلك لأنّها تدل على الحج، أو على طاعة سائقيها لله تعالى، وتعظيمها يكون بأن تختار سمينة حسنة غالية الأثمان. والتقوى هي الخشية التي تبعث على اتباع الأوامر واجتناب المناهي. ولا يخفى عليك أنّ الضمير في كلمة فَإِنَّها عائد على الشعائر، وهي لا تصلح أن تكون بعضا من التقوى إذا كانت (من) للتبعيض، ولا أن تكون ناشئة من التقوى إذا كانت (من) للابتداء، فلا بد من تقدير يصلح لذلك. كما أنك تعلم أنه لا بد من رابط في قوله: فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ يعود على المبتدأ، وهو (من) فيكون مآل الكلام هكذا: ذلك ومن يعظّم شعائر الله فإنّ تعظيمه إياها من تقوى القلوب. هذا ويصحّ في ضمير (فإنها) أن يكون راجعا إلى حالة المعظّم التي يدل عليها الفعل السابق في الآية، وعلى هذا فلا يحتاج إلا إلى الرابط فقط، والمعنى أنّ من

стр. 494

يعظّم الأنعام التي يسوقها للحرم، فيختارها سمانا حسانا، فإن تعظيمه إياها لا محالة ناشئ من التقوى الحقيقية، ودليل على أنه يخشى الله خشية تمكّنت من قلبه، فهو بتعظيمها قد جمع بين مظهر الخشية وحقيقتها، فعمله هذا هو عمل المخلصين، وليس كعمل المنافقين، الذين يأتون بصور الأعمال من غير أن يكون في قلوبهم شيء من الإخلاص. يدل على هذا إضافة التقوى إلى القلوب. ولا شك أن الإخلاص والتقوى والخشية هي غاية ما يتمنى الإنسان أن يدركه في هذه الدنيا، ليصل به إلى سعادة الآخرة. وإخبار الله تعالى بثبوت التقوى لمن عظّم تلك الشعائر من شأنه أن يحرك الناس، ويبعثهم على الاهتمام بأمرها، والعناية بتخيرها، والفرح بسوقها. ويؤكد هذا المعنى إضافة هذه الشعائر إليه تعالى. روي أنه ﷺ أهدى مئة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب أي حلقة من ذهب. وروي أن عمر ﵁ أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار. وكان قد سأل النبي ﷺ أن يبيعها ويشترى بثمنها بدنا فنهاه عن ذلك، وقال: بل أهدها، وكان ابن عمر ﵄ يسوق البدن مجلّلة بالقباطي، فيتصدق بلحومها وجلالها. قال الله تعالى: لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) مَنافِعُ الظاهر أنّ المراد بها المنافع الدنيوية من الركوب والدّر والصوف والوبر، ليكون قوله تعالى: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ مفيدا معنى جديدا. فإنّ الخير ظاهر في ثواب الآخرة، فيكون في الأنعام التي تساق هديا إلى الكعبة منافع دنيوية ومنافع أخروية. أما الأجل المسمى فقد اختلف في معناه، فقال الإمام الشافعي: إنّه وقت نحرها، وهو مروي عن عطاء. وقال الحنفية: إنه وقت تعيينها وتسميتها هديا، كما روي عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد، وقتادة. والمحل بالكسر من حلّ الشيء يحلّ بالكسر حلولا إذا وجب، أو انتهى أجله، وفي الحديث: «حلّت له شفاعتي» «١» وجبت. ويقال: حل الدين: انتهى أجله، فالمحل في الآية مكان الحلول، أي المكان الذي ينتهي فيه أجل تلك الأنعام، أو المكان الذي يجب ذبحها فيه.

стр. 495

ومعنى أن محلها إلى البيت العتيق أنّ المكان الذي تذبح فيه الهدايا منته إلى البيت العتيق، ومتصل به، إذ هو الحرم، ولا شك أن الأمر كذلك، فإنّه ليس نفي البيت، ولا ما حوله من المسجد، إذ لا يحل الذبح فيهما، والمحل بهذا المعنى هو المراد في الآيات الأخرى، منها قوله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة: ١٩٦] وقوله جلّ شأنه: وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ [الفتح: ٢٥] وهو المعين في قوله عزّ اسمه: هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: ٩٥] وعلى هذا يكون المعطوف بثم في الآية كلاما تاما أريد به بيان المكان الذي تذبح فيه الهدايا، بعد ما بين حكم تعظيمها والانتفاع بها إلى الأجل المعين، وقيل: إنّ المراد بالمحل نفس الحلول بمعنى الذبح، وقيل أيضا: إنّ المحل زمان الحلول. وعلى هذين القولين يكون محلها معطوفا على منافع، ويكون قوله تعالى: إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ حالا من الضمير في محلها. والتقدير لكم فيها منافع دنيوية إلى أجل مسمى وبعده لكم منفعة دينية مقتضية للثواب الأخروي، وهو وجوب نحرها، أو وقت نحرها، وفي ذلك مبالغة، حيث جعل وقت النحر نفسه منفعة، والظاهر الأول. ما في الآية من الأحكام وأقوال العلماء في ذلك : قد علمت أنّ الشافعية فسّروا الأجل المسمى في الآية بوقت نحر الهدي، وعلى هذا قالوا بجواز الانتفاع بالشعائر بعد سوقها حتى تنحر، وقالوا أيضا: إنما يجوز الانتفاع إذا كانت هناك حاجة تدعو إليه، ولو لم تصل لدرجة الاضطرار: أما الانتفاع بغير حاجة فلا يجوز، فلو احتاج لشيء من لبنها ولو لم يصل إلى درجة المخمصة فله أن يشرب منه، وكذلك إذا كان يعلم أنّ صوفها أو وبرها يضرها، فله أن يجزّه وينتفع به، وليس عليه قيمته للفقراء، قالوا: والأولى أن يتصدق به عليهم. هذا هو المشهور من مذهبهم، وعندهم رواية أخرى عن الإمام الشافعي أنه لا يجوز الانتفاع إلا للمضطر. أما الحنفية فإنهم يفسّرون الأجل المسمى في الآية بوقت سوقها. فلا يجيزون الانتفاع بها بعد السوق إلا في حالة الاضطرار. وقال بعضهم: إنه يجوز الانتفاع بها مطلقا في حالتي الاختيار والاضطرار. ونقل ابن عبد البر عن بعض أهل الظاهر القول بوجوب الركوب. ولمن أجاز مطلقا حجج: ١- قد أثبتت الآية منافع في الشعائر، وأباحت الانتفاع بها، وهي لا تكون شعائر إلا بعد سوقها هدايا، وتعيينها لذلك، فيلزم أن يكون الانتفاع بها بعد السوق أيضا. ٢- ثمّ إنّ الآية لم تقيّد جواز الانتفاع بحالة دون أخرى، فالتقييد بحالة الاضطرار
следующие страницы →