← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23599

تفسير آيات الأحكام - السايس

محمد علي السايس

Полный текст (820 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وقيل: إنها حرمات خمس: المشعر الحرام، والمسجد الحرام، والبيت الحرام، والشهر الحرام، والمحرم حتى يحل، وتعظيم هذه الأشياء ظاهر. فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ الضمير الأول راجع إلى التعظيم المأخوذ من يُعَظِّمْ أي أن تعظيم هذه الأشياء ينال به الإنسان مثوبة قد ضمنها الله له، وعلى هذا لا يكون خَيْرٌ أفعل تفضيل. أو نقول: إنه للتفضيل والمفاضلة على سبيل التنزل، وإرخاء العنان، أي على فرض أن ترك التعظيم فيه شيء من الخير، فالتعظيم أفضل منه. وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ المراد حلّ ذبحها وأكلها، ثم إنه ليس المقصود بما يتلى (ما ينزل في المستقبل) ما يعطيه ظاهر الفعل المضارع، بل المراد ما سبق نزوله، مما يدل على حرمة الميتة، وما أهل به لغير الله أو ما يدل على حرمة الصيد في الحرم أو حالة الإحرام. وعلى هذا يكون السر في التعبير بالمضارع التنبيه إلى أن ذلك المتلو ينبغي استحضاره والالتفات إليه، والاستثناء متصل إن أريد من المستثنى ما يكون محرما من خصوص الأنعام. وإن أريد به ما يشمل الدم ولحم الخنزير كان منقطعا. والظاهر الأول، والجملة معترضة لدفع ما عساه يقع في الوهم من أنّ تعظيم حرمات الله في الحج قد يقضي باجتناب الأنعام، كما قضى باجتناب الصيد. فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ، الرجس: القذر، وقوله: مِنَ الْأَوْثانِ بيان له. والأوثان: الأصنام، وسمّاها الله رجسا تقبيحا لها، وتنفيرا منها. والمراد باجتنابها اجتناب عبادتها وتعظيمها. ولتأكيد ذلك أوقع الاجتناب على ذاتها، وهذه الجملة مرتبطة بما قبل الاعتراض، مترتبة على حكمه، أي إذا كان تعظيم حرمات الله فيه الخير وفيه رضا الله تعالى وكان من تعظيم هذه الحرمات اجتناب ما نهى الله عنه، فاجتنبوا الأوثان، ولا تعظموها، ولا تذبحوا لها كما كان يفعل أهل الجاهلية. وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. الزور الكذب والباطل، وسمي زورا لميله عن وجه الحق، من الزور بفتح الواو وهو الميل والانحراف، وإضافة القول إليه بيانية. قيل: المراد بقوله: الزُّورِ خلط أهل الجاهلية في تلبيتهم، وقولهم فيها: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، وهو ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل. وقيل المراد به قولهم في البحائر والسوائب إنّها حرام، وأن تحريمها من الله. والأحسن التعميم في قول الزور حتى يشمل الشهادة الباطلة، فقد أخرج أحمد

стр. 492

وأبو داود وغيرهما عن ابن مسعود «١» أنه ﷺ قال: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» ثلاثا، وتلا هذه الآية. حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ الحنيف المائل عن الديانات الباطلة إلى الدين الحق، مأخوذ من الحنف بالتحريك وهو الميل، وقد اشتهر عند العرب إطلاق الحنيف على كل متمسك بدين إبراهيم ﵊. والمعنى: اجتنبوا الرجس من الأوثان، واجتنبوا قول الزور حال كونكم ثابتين على الدين الحق، مخلصين لله في العبادة، من غير أن تجعلوا لغيره معه شركة فيها. فهما حالان مؤكّدتان لما قبلهما من الاجتناب. وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ. خَرَّ. معناه سقط من علو. فَتَخْطَفُهُ تختلسه بسرعة وقوة. وهذه الجملة مستأنفة مقرّرة لوجوب اجتناب الشرك. والمعنى: أن من جعل لله شريكا فقد حق عليه الخسار والبوار، وهو في شركه شبيه به إذا سقط من جو السماء، فاجتمعت عليه الطيور الجارحة، فمزقته، وذهب كل منها بقطعة منه، فتمّ بذلك هلاكه. وظاهر على هذا أن التشبيه من باب تشبيه التمثيل، ويصح أن يكون تشبيها مفرقا. أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ، هوى يهوي سقط من علو. وهوى به أسقطه. والسحيق: البعيد، ماضيه سحق كبعد. هذا تشبيه ثان لمن أشرك بالله، والعطف فيه إما على قوله: خَرَّ مِنَ السَّماءِ أو على فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ والمعنى أنّ حال المشرك في شركه، وما يؤدي إليه من سوء العاقبة، شبيهة بحاله إذا أخذته ريح عاصفة، فقذفت به في مهوى عميق، لا يكون له منه خلاص ولا نجاة، أو أنّ حاله في ذلك شبيهة بحاله إذا خرّ من السماء، فعصفت به الريح، وهوت به في مكان سحيق. والتشبيه على هذين الوجهين تشبيه تمثيل، ويصح أن يكون تشبيها مفرقا أيضا، فيشبه الشيطان الذي يضله ويغويه بالريح التي تهوي به وترديه، ويشبه الشرك بالوادي

стр. 493

العميق الذي لا ينجو من قذف فيه. ونتيجة هذه التشبيهات واحدة، والغرض من ذلك كله تقبيح حال الشرك، والتنفير منه. ولا يخفى عليك ما يؤخذ من هذه الآية من الأحكام فيما يتعلق بحرمات الله، والانتفاع بالأنعام، والإشراك بالله، وشهادة الزور. وليس في قوله تعالى: وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ما يدل على تعزير شاهد الزور، فإنّ غاية ما أفاده تحريم شهادة الزور، وما روي عن عمر ﵁ من أنه كان يعزّر شاهد الزور، ويأمر فينادى عليه بالأسواق. وإليه ذهب أبو يوسف ومحمد، فإنما ذلك شيء يرجع إلى السياسات الشرعية، فللحاكم أن يفعل من ذلك ما يراه أحفظ لحقوق العامة، وأردع لأهل الفساد. قال الله تعالى: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) الشعائر: العلامات التي تعرف بها الأشياء، فهي تشعر بها وتدل عليها، وقد اختلف في المراد بها هنا: فقيل: إنها الدين كله أوامره ونواهيه، فهي شعائر الله، لأنّ امتثالها والوقوف عند حدودها يدل على الطاعة لله تعالى، والإخلاص له. وقد اضطر من يقول بهذا أن يفسّر البيت العتيق في قوله جلّ شأنه: ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ بالجنة، وهو كما ترى بعيد. وقال ابن عمر ﵄ والإمام مالك والحسن: إنها عرفة، ومنى والصفا والمروة، والبيت الحرام، وغيرها من مواضع الحج، وهو لا يخلو من شيء، فإن الله تعالى قال في شأنها: ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ والمحلّ في الحج قد اشتهر في المكان الذي تذبح فيه الهدايا كما سيأتي. فالظاهر أنّ المراد بالشعائر الأنعام التي تساق هديا للكعبة، كما روي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما وسميت بذلك لأنّها تدل على الحج، أو على طاعة سائقيها لله تعالى، وتعظيمها يكون بأن تختار سمينة حسنة غالية الأثمان. والتقوى هي الخشية التي تبعث على اتباع الأوامر واجتناب المناهي. ولا يخفى عليك أنّ الضمير في كلمة فَإِنَّها عائد على الشعائر، وهي لا تصلح أن تكون بعضا من التقوى إذا كانت (من) للتبعيض، ولا أن تكون ناشئة من التقوى إذا كانت (من) للابتداء، فلا بد من تقدير يصلح لذلك. كما أنك تعلم أنه لا بد من رابط في قوله: فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ يعود على المبتدأ، وهو (من) فيكون مآل الكلام هكذا: ذلك ومن يعظّم شعائر الله فإنّ تعظيمه إياها من تقوى القلوب. هذا ويصحّ في ضمير (فإنها) أن يكون راجعا إلى حالة المعظّم التي يدل عليها الفعل السابق في الآية، وعلى هذا فلا يحتاج إلا إلى الرابط فقط، والمعنى أنّ من

стр. 494

يعظّم الأنعام التي يسوقها للحرم، فيختارها سمانا حسانا، فإن تعظيمه إياها لا محالة ناشئ من التقوى الحقيقية، ودليل على أنه يخشى الله خشية تمكّنت من قلبه، فهو بتعظيمها قد جمع بين مظهر الخشية وحقيقتها، فعمله هذا هو عمل المخلصين، وليس كعمل المنافقين، الذين يأتون بصور الأعمال من غير أن يكون في قلوبهم شيء من الإخلاص. يدل على هذا إضافة التقوى إلى القلوب. ولا شك أن الإخلاص والتقوى والخشية هي غاية ما يتمنى الإنسان أن يدركه في هذه الدنيا، ليصل به إلى سعادة الآخرة. وإخبار الله تعالى بثبوت التقوى لمن عظّم تلك الشعائر من شأنه أن يحرك الناس، ويبعثهم على الاهتمام بأمرها، والعناية بتخيرها، والفرح بسوقها. ويؤكد هذا المعنى إضافة هذه الشعائر إليه تعالى. روي أنه ﷺ أهدى مئة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب أي حلقة من ذهب. وروي أن عمر ﵁ أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار. وكان قد سأل النبي ﷺ أن يبيعها ويشترى بثمنها بدنا فنهاه عن ذلك، وقال: بل أهدها، وكان ابن عمر ﵄ يسوق البدن مجلّلة بالقباطي، فيتصدق بلحومها وجلالها. قال الله تعالى: لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) مَنافِعُ الظاهر أنّ المراد بها المنافع الدنيوية من الركوب والدّر والصوف والوبر، ليكون قوله تعالى: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ مفيدا معنى جديدا. فإنّ الخير ظاهر في ثواب الآخرة، فيكون في الأنعام التي تساق هديا إلى الكعبة منافع دنيوية ومنافع أخروية. أما الأجل المسمى فقد اختلف في معناه، فقال الإمام الشافعي: إنّه وقت نحرها، وهو مروي عن عطاء. وقال الحنفية: إنه وقت تعيينها وتسميتها هديا، كما روي عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد، وقتادة. والمحل بالكسر من حلّ الشيء يحلّ بالكسر حلولا إذا وجب، أو انتهى أجله، وفي الحديث: «حلّت له شفاعتي» «١» وجبت. ويقال: حل الدين: انتهى أجله، فالمحل في الآية مكان الحلول، أي المكان الذي ينتهي فيه أجل تلك الأنعام، أو المكان الذي يجب ذبحها فيه.

стр. 495

ومعنى أن محلها إلى البيت العتيق أنّ المكان الذي تذبح فيه الهدايا منته إلى البيت العتيق، ومتصل به، إذ هو الحرم، ولا شك أن الأمر كذلك، فإنّه ليس نفي البيت، ولا ما حوله من المسجد، إذ لا يحل الذبح فيهما، والمحل بهذا المعنى هو المراد في الآيات الأخرى، منها قوله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة: ١٩٦] وقوله جلّ شأنه: وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ [الفتح: ٢٥] وهو المعين في قوله عزّ اسمه: هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: ٩٥] وعلى هذا يكون المعطوف بثم في الآية كلاما تاما أريد به بيان المكان الذي تذبح فيه الهدايا، بعد ما بين حكم تعظيمها والانتفاع بها إلى الأجل المعين، وقيل: إنّ المراد بالمحل نفس الحلول بمعنى الذبح، وقيل أيضا: إنّ المحل زمان الحلول. وعلى هذين القولين يكون محلها معطوفا على منافع، ويكون قوله تعالى: إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ حالا من الضمير في محلها. والتقدير لكم فيها منافع دنيوية إلى أجل مسمى وبعده لكم منفعة دينية مقتضية للثواب الأخروي، وهو وجوب نحرها، أو وقت نحرها، وفي ذلك مبالغة، حيث جعل وقت النحر نفسه منفعة، والظاهر الأول. ما في الآية من الأحكام وأقوال العلماء في ذلك : قد علمت أنّ الشافعية فسّروا الأجل المسمى في الآية بوقت نحر الهدي، وعلى هذا قالوا بجواز الانتفاع بالشعائر بعد سوقها حتى تنحر، وقالوا أيضا: إنما يجوز الانتفاع إذا كانت هناك حاجة تدعو إليه، ولو لم تصل لدرجة الاضطرار: أما الانتفاع بغير حاجة فلا يجوز، فلو احتاج لشيء من لبنها ولو لم يصل إلى درجة المخمصة فله أن يشرب منه، وكذلك إذا كان يعلم أنّ صوفها أو وبرها يضرها، فله أن يجزّه وينتفع به، وليس عليه قيمته للفقراء، قالوا: والأولى أن يتصدق به عليهم. هذا هو المشهور من مذهبهم، وعندهم رواية أخرى عن الإمام الشافعي أنه لا يجوز الانتفاع إلا للمضطر. أما الحنفية فإنهم يفسّرون الأجل المسمى في الآية بوقت سوقها. فلا يجيزون الانتفاع بها بعد السوق إلا في حالة الاضطرار. وقال بعضهم: إنه يجوز الانتفاع بها مطلقا في حالتي الاختيار والاضطرار. ونقل ابن عبد البر عن بعض أهل الظاهر القول بوجوب الركوب. ولمن أجاز مطلقا حجج: ١- قد أثبتت الآية منافع في الشعائر، وأباحت الانتفاع بها، وهي لا تكون شعائر إلا بعد سوقها هدايا، وتعيينها لذلك، فيلزم أن يكون الانتفاع بها بعد السوق أيضا. ٢- ثمّ إنّ الآية لم تقيّد جواز الانتفاع بحالة دون أخرى، فالتقييد بحالة الاضطرار

стр. 496

كما يقول الحنفية، أو بالحاجة كما هو مشهور مذهب الشافعية زيادة ليست في الآية. ٣- ثم إنّ الأحاديث الواردة في ذلك مطلقة أيضا، فقد روي عن أنس ﵁ أنه قال: رأى رسول الله ﷺ رجلا يسوق بدنة، فقال: «اركبها» قال: إنّها بدنة. قال: «اركبها» قال: إنّها بدنة قال: «اركبها» ثلاثا. متفق عليه «١» . وروي عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول- في البدنة-: «اركبها بالمعروف» «٢» فالحديثان مطلقان كالآية فيجوز الانتفاع بالبدنة على كل حال، وإذا فلا يكون فرق بين البدنة والناقة التي لم يسقها، فليس عليه فيما ينتفع به من ذلك ضمان. حجة الشافعية: استدلّ الشافعية بما أورده المجيزون في دليلهم الأول، وبأنّ إطلاق الآية يجب أن يقيّد بما ورد من الأحاديث التي تفيد أنّ الإباحة تثبت للحاجة: من ذلك: ما رواه أحمد والنسائي عن أنس أنه ﵊ رأى رجلا يسوق بدنة، وقد أجهده المشي فقال: «اركبها» قال: إنّها بدنة. قال: «اركبها، ولو كانت بدنة» «٣» . وروي عن جابر أنه ﷺ قال: «اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهرا» «٤» فهذان الحديثان يدلان على أنّ الإباحة إنما كانت لمسيس الحاجة إلى الانتفاع. قالوا: وعلى هذا يجب أن تحمل الآية والأحاديث المطلقة جمعا بين الأدلة. ثم إنه ليس في كل ذلك دليل على وجوب ضمان شيء من منافع الهدي، فلا يضمن المنتفع شيئا منها للفقراء، نعم إذا كان الركوب ينقص قيمتها نقصا بينا فعليه ضمان هذا النقص. حجة الحنفية: قال الحنفية ينبغي أن تحمّل الشعائر في الآية على الأنعام التي يراد سوقها للكعبة، لا على البدن التي سيقت بالفعل، فهي مجاز بقرينة إيقاع التعظيم عليها، فإنّ الآية ندبت إلى تعظيمها. ولا شك أنّ من تعظيمها تخيّرها سمينة حسنة، وذلك إنما يكون قبل سوقها وتعيينها هديا وهذه الأنعام التي تكون هديا بالسوق هي التي أباح الله الانتفاع بها إلى الأجل المسمى.

стр. 497

ثم إنه ينبغي تفسير الأجل المسمى بوقت سوقها لا وقت نحرها، لأنّ صاحبها قد جعلها بالسوق خالصة لله تعالى، فقد خرجت عن ملكه بذلك فلا يجوز له حينئذ أن ينتفع بشيء منها إلا عند الضرورة، وما انتفع به كان حقا للفقراء يجب أن يعوضهم منه مقدار قيمته. يشهد لهذا ما ورد من الأحاديث التي قيّدت جواز الانتفاع بحالة الضرورة، فيجب أن يحمل غيرها عليها جمعا بين الأدلة. من ذلك ما رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن جابر «١» : أنه سئل عن ركوب الهدي فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا» فمن هذا يعلم أن الجواز خاصّ بحالة الضرورة، فإنّ الإلجاء إلى ركوبها هو الاضطرار إليه. وقالوا أيضا: إن ركوبها ينافي تعظيمها، إذ في الركوب امتهان واستهانة ظاهرة، مع أنّ تعظيمها مطلوب بنفس الآية، وإذا فلا يركبها إلا إذا ألجئ. حجة القائلين بالوجوب: استدل القائلون بالوجوب بظاهر الأمر بالركوب فيما سبق من الأحاديث. وقالوا أيضا: إنّ في ركوبه مخالفة لما كان يصنعه أهل الجاهلية من مجانبة البحيرة والسائبة والوصيلة. وهو مردود بأنّ النبي ﷺ لم يركب هديه، ولم يركبه غيره، ولم يأمر الناس جميعا بركوب هداياهم، إلا ذلك المضطر، كما تقدم، فدل ذلك على عدم الوجوب. أما المالكية فالمشهور من مذهبهم أنه يكره الانتفاع بالبدن بركوبها ووبرها ولبنها، ولو كان لبنها فاضلا عن حاجة أولادها، والوجه فيه ظاهر، ومذهبهم على هذا قريب من مذهب الحنفية. وقال النووي من الشافعية والزيلعي من الحنفية: إنّ الإمام مالكا يقول بجواز ركوب البدن، ولو من غير حاجة، فلو صحّ هذا فالحجج المتقدمة ناطقة بخلافه. هذا والظاهر من قوله تعالى: ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أنّ جميع الهدايا يجب أن تذبح في هذا المحل، سواء في ذلك ما تعلّق وجوبه بالإحرام، كما في جزاء الصيد والفدية ودم التمتع ودم الإحصار، وما التزمه الإنسان كما في الدم الذي يتطوّع به إلى الحرم، أو ينذره كذلك. قال الله تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) المنسك: بفتح السين وكسرها: مفعل من النسك، بمعنى العبادة، فيصح أن

стр. 498

يراد به النسك نفسه، ويصح أن يراد به مكان النسك أو زمانه، وعلى كل حال فالظاهر أنّ المراد بالنسك هنا عبادة خاصة، وهي الذبح تقرّبا إلى الله تعالى. فَلَهُ أَسْلِمُوا الإسلام لله الإخلاص له في الطاعة، وامتثال أوامره ونواهيه. وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الإخبات الخشوع، وقيل: التواضع. وقيل: الاطمئنان: مأخوذ من الخبت وهو المطمئن من الأرض، وهي معان متقاربة ويصحّ أن يكون ما ذكر في الآية بعده تفسيرا له. ولا يخفى عليك أنّ قوله تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً معطوف على قوله سبحانه: لَكُمْ فِيها مَنافِعُ وأنّ تقديم المفعول فيه لإفادة الحصر. والمعنى: أنّ الله جلّ شأنه قد شرع نسك الذبح لجميع الأمم التي خلت من قبل، يتقربون به إليه تعالى، ويذكرون اسمه الكريم عند الشروع فيه، وأن ذلك ليس خاصّا بأمة محمد ﷺ ، ولا ببعض الأمم الأولى دون البعض، أو المعنى أنه تعالى قد خصص لكل أمة من الأمم مكانا أو زمنا يذبحون فيه، ولعل سرّ الإخبار بشرع هذا النسك لجميع الأمم من قبل هو تحريك النفوس، وبعثها إلى المسارعة إلى هذا النوع من البر، والاهتمام بهذه القربة، حيث إنّها قربة قد وردت بها الشرائع الأولى، وتتابعت عليها. وفي هذا الإخبار أيضا إشعار بأنّ أهل الجاهلية الذين كانوا يذبحون لأصنامهم، والذين كانوا يخلطون في التسمية على ذبائحهم- إنما كانوا يفعلون ذلك من عند أنفسهم، واتباعا لمحض شهواتهم وأهوائهم، فإنّ شرائع الله كلها قد أجمعت على أنّ التقرب بالذبح إنما يكون لله وحده، وأنّ الشروع في ذلك إنما يكون باسمه وحده، إذ ليس للناس إلا إله واحد، وهو الذي رزقهم، وشرع لهم، وكلّفهم، فليس لهم أن يميلوا بالعبادة إلى غيره، فقوله تعالى: فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ بمثابة العلة لما قبله من تخصيص اسمه الكريم بالذكر، لأنّ تفرده تعالى بالألوهية يقتضي أن لا يذكر على الذبائح غير اسمه، وإنما قيل: فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ولم يقل فإلهكم واحد لإفادة أنه تعالى واحد في ذاته، كما أنه واحد في ألوهيته. وقوله تعالى: فَلَهُ أَسْلِمُوا مرتّب بالفاء على الحكم بوحدانية الإله، فإنّه متى كان الإله واحدا فقد وجب تخصيصه بالعبادة والإذعان له في جميع الأحكام، وإفادة التخصيص ظاهرة من تقديم المعمول. وقوله تعالى: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ فيه توجيه الخطاب إلى النبي ﷺ بعد ما كان متوجها إلى الناس، فالله سبحانه يأمر نبيّه أن يبلغ الناس أنّ من أذعن منهم لله، وأخلص له العمل والاعتقاد، فإنه يكون له أحسن الجزاء.

стр. 499

والسرّ في تحويل الخطاب للنبي ﷺ هو أنّ مقام الأمر والنهي يناسبه أن يتجلّى الإله على العباد بعظمة الألوهية وقهرها وسلطانها، فيوجه أوامره إليهم كأنه يخاطبهم من غير وسيط، ليكون ذلك أدخل للهيبة في قلوبهم، وأبعث على خشوعهم وانقيادهم. فلما انتهى أمر التكليف عطف الخطاب إلى النبي ﷺ فأمره أن يبلّغهم وعد الله للعاملين المخلصين، إذ إنّ عملهم بذلك يكفي فيه أن يحدثهم به النبيّ المعصوم الذي هو الواسطة بينهم وبين خالقهم. ويؤخذ من هذه الآية: وجوب الذكر على الذبيحة حيث كان هو المقصود من الذبح الذي هو واجب، ووجوب اعتقاد أنّ الله واحد، ووجوب الإسلام بمعنى الإخلاص لله في العمل. قال الله تعالى: الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) وصف الله في هذه الآية المخبتين بأربع صفات تجد بعضها مرتبا على بعض أحسن ترتيب: الأولى: الخوف والخشوع عند ذكر الله. والثانية: الصبر على الآلام والمشقات. والثالثة: إقامة الصلاة. والرابعة: الإنفاق مما رزقهم الله. فهؤلاء المخبتون إذا سمعوا ذكر الله تحرّكت قلوبهم، وخفقت لما وقع فيها من الهيبة والخوف من عقاب الله وانتقامه، ولا شك أنّ هذا الخوف يحملهم على الرضا بقضاء الله تعالى، والصبر على ما يريده لهم من الآلام والشدائد، سواء في ذلك ما يكون في التكاليف وأنواع التعبدات، وما يلاقون من المشقات في أسفارهم لطاعة الله كما في الحج، وكل ما يصابون به في أنفسهم وأموالهم، ويحملهم كذلك على إحسان الأعمال، والقيام بما كلفهم الله إياه حقّ القيام. والإنفاق: قيل: إنّ المراد به الزكاة المفروضة، وقيل: إنه صدقة التطوع، وقيل: هو عام يشمل النوعين جميعا، وقد سبق لك شيء من هذا في أكثر من موضع، كما أنّه سبق لك في مثل هذه الآية بيان السر في تخصيص الصلاة والزكاة بالذكر من بين سائر التكاليف، وأنّ الصلاة أهمّ التكاليف البدنية، كما أنّ الزكاة أهمّ التكاليف المالية: لما يترتب عليهما من صلاح النفوس واعتدالها، وسد حاجات الأمة وتقويم فقرائها وضعفائها. وينبغي أن تعلم أنّ قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ معطوف على المقيمي الصلاة باعتبار معناه، أي والذين يقيمون الصلاة، وينفقون مما رزقناهم.

стр. 500

قد يقال: أنّ وصف المخبتين في هذه الآية بأنّهم الذين يجلون عند ذكر الله يخالف ما وصفوا به في قوله عزّ اسمه: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ [الرعد: ٢٨] فما هذا، وكيف يكون التوفيق بين آيتين إحداهما تثبت أنّ ذكر الله موجب للخوف والوجل، والأخرى تصرّح بأن ذكر الله يوجب سكون القلوب واطمئنانها، وزوال ما قد يعتريها من خوف وفزع أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨] . والجواب أن الاطمئنان والوجل أمران يجدهما المؤمن المتقي، ويشعر بهما في قلبه في حالتين متمايزتين، ولسببين مختلفين، فهو إذا استحضر وعيد الله امتلأت نفسه هيبة، واقشعر جلده، ووجف قلبه، وخاف عذاب الآخرة، ثم إذا لمح جانب الوعد الكريم، واستحضر رحمة الله وسعة عفوه اطمأن قلبه، وسكن روعه، وصدق قول الله تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ فالحالة الثانية حالة الوعد والأولى حالة الوعيد، وأيضا فإنّ المؤمن كثيرا ما تصادفه في هذا الدنيا عقبات وشدائد، إذا عرضت لضعيف الإيمان واهن العزيمة اضطرب لها قلبه، وانشعب منها فؤاده، واستولى عليه الفزع والهلع. أما المؤمن الصادق فإنه يرجع بها إلى الله، ويستعين عليها بذكر الله، فيرتاح لكل ما يجري به قضاؤه وقدره، فهذه حالة السكون والاطمئنان إلى ذكر الله. أما خوفه ووجله فهو لكون تقصيره فيما عليه من موجبات العبودية للواحد القهار، وهذا الخوف تلتهب له نفسه، ويرتجف له جنانه. يؤخذ من الآية: أن التقوى، والخشية، والصبر على المكاره، والمحافظة على الصلاة، والرحمة بالفقراء، والإحسان إليهم، من أعظم ما ينال به العبد رضا الله تعالى، لما لها من الشأن العظيم، إذ عليها يقوم صلاح العباد والبلاد. قال الله تعالى: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) (البدن) جمع بدنة، وهي اسم للواحد من الإبل ذكرا أو أنثى، سميت بذلك لعظم بدنها. وقد اشتهر إطلاقها في الشرع على البعير يهدى إلى الكعبة، وقد تطلق البدنة على البقرة أيضا لما أنها تجزئ في الهدي والأضحية عن سبعة كالبعير. قال الحنفية: إن البدنة صارت من قبل المشترك في المعنيين، فمن نذر بدنة أجزأته بقرة. وبذلك قال عطاء وسعيد بن المسيب. روى مسلم «١» عن جابر ﵁ أنه قال: كنّا ننحر البدنة عن سبعة: فقيل: والبقرة؟ قال: وهل هي إلا من البدن.

стр. 501

وعن ابن عمر ﵄ أنّه قال: لا نعلم البدن إلا من الإبل والبقر. أما الشافعية فقالوا: لا تطلق البدن بالحقيقة إلا على الإبل، وإطلاقها على البقر إنما يكون بضرب من التجوّز، فلو نذر بدنة لا تجزئه بقرة، وبهذا قال مجاهد، ويشهد له ما رواه أبو داود «١» عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة» فإنّ العطف يقتضي المغايرة، والظاهر أنّ اسم البدنة حقيقة فيما يكون من الإبل، وأن إطلاقها على البقرة لم يصل إلى مرتبة الحقيقة. فأمّا قول جابر: وهل هي إلا من البدن، وقول ابن عمر: لا نعلم البدن إلا من الإبل والبقر، فقد يحمل على أنهما أرادا اتحاد الحكم فيهما، وهذا شيء غير اشتراك اللفظ بينهما، وعلى كلّ حال فالمراد من البدن في الآية الإبل، وقوله تعالى: صَوافَّ ووَجَبَتْ جُنُوبُها يدل على ذلك، إذ نحر الحيوان قائما لم يعهد إلا في الإبل خاصّة. ولا يؤخذ من هذا أنّ الهدي خاص بالإبل. بل تخصيصها بالذكر لأنّها الأفضل من غيرها في الهدايا. صَوافَّ جمع صافة، وهي ما صفت قوائمها وسوقها واقفة، وقرئ صوافن جمع صافنة، قيل: إنها بمعنى صافة، وقيل: بل بمعنى أنّها قائمة على ثلاث قوائم، والرابعة مرفوعة، وهكذا يفعل بالإبل عند نحرها، مأخوذ من صفن الفرس إذا وقفت على ثلاث وطرف سنبك الرابعة، وقرئ صوافي جمع صافية بمعنى خالصة لله تعالى. وَجَبَتْ جُنُوبُها من معاني الوجوب السقوط، وجب الجدار سقط، ووجبت الشمس غربت، فوجبت جنوبها سقطت على الأرض، والجنوب: جمع جنب، وهو الشق، وسقوط جنوبها كناية عن موتها. الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ: القانع الراضي بما قدّر الله له من الفقر والبؤس، فلا يتعرّض لسؤال الناس، مأخوذ من قنع يقنع كرضي يرضى وزنا ومعنى. المعتر المعترض لسؤال الناس، فإنّ المعترّ كالممعتري هو من يعتري الأغنياء، ويذهب إليهم المرّة بعد المرّة، وقيل بعكس هذا: القانع: السائل، من قنع يقنع بالفتح فيهما. والمعترّ: الذي لا يسأل، كأنّه يدفع عار السؤال بترك السؤال. معنى الآية: أن الله يمتنّ على عباده بأن جعل لهم في البدن يسوقونها إلى مكة قربة عظيمة، حيث جعلها شعيرة من شعائره، وعلما من أعلام

стр. 502

دينه، ودليلا على طاعته، ففي سوقها للحرم، ونحرها هناك، خير عظيم وثواب كبير، يناله أصحابها في الآخرة. وهكذا ترى أننا قد حملنا الخير هنا على الثواب الأخروي. والمنافع فيما تقدم على حظ الدنيا، ليكون الكلام كما قلنا مفيدا فائدة جديدة، وقد رتّب الله الأمر بذبحها، أو الأمر بذكر اسمه الكريم عند الذبح على ما قبله من جعلها شعائر. أو على قوله: لَكُمْ فِيها خَيْرٌ وأنه تعالى يمتنّ أيضا على عباده في هذه البدن، فأباح لهم إذا نحروها أن يأكلوا منها، وأن يتصدقوا على الفقراء، السائل منهم وغير السائل. ثم ختم الله الآية بقوله: كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ومعناه سخرنا هذه البدن، وذللناها لكم، وأخضعناها لتصريفكم مع ضخامتها وقوتها التي بها، كان يمكن أن تتأبّى عليكم فلا تعطيكم قيادها، أو تندّ منكم فتتأبد تأبد الوحوش. فالله جلت قدرته قد سخّرها لكم ذلك التسخير العجيب، وسهل لكم أن تقفوها صواف، وأن تعقلوها، وتضربوا في لباتها، فتقع على جنوبها صريعة، وعلى هذا تكون الكاف صلة في قوله: كَذلِكَ، ويكون مآل القول سخرناها لكم ذلك التسخير البديع. ويصحّ أن تبقى الكاف على معناها مفيدة للتشبيه، ويكون ذلك من تشبيه الشيء بنفسه مبالغة، كأن ذلك التسخير بلغ في عظمه وغرابته مبلغا فاق به كلّ عجيب، حتى إذا أريد تشبيهه بشيء كان لا بدّ أن يردّ إلى نفسه فيشبه بها. وقيل: إنّ المشبه به هو تسخيرها، حين تكون صواف معقولة إحدى القوائم، والمشبه هو تسخيرها من قبل في ركوبها والحمل عليها، وغير ذلك من سائر وجوه الانتفاع. وجملة القول: إنّها نعمة جليلة، ومنّة عظيمة تستوجب من العباد أن يشكروا الله عليها، ويصرفوا ما أنعم به عليهم في الوجوه التي رسمها لهم الدين الحنيف. فقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ تعليل لما قبله. وكلمة (لعل) فيه ليست للرجاء الذي هو توقع الأمر المحبوب، لأنّه مستحيل على الله تعالى من حيث أنه ينبئ عن الجهل بعواقب الأمور. قال ابن الأنباري «١» : إنّ لعلّ ترد بمعنى كي في لسان العرب، واستشهد على ذلك بقول من يراه حجة: فقلتم لنا كّفوا الحروب لعلّنا ... نكفّ ووثقتم لنا كلّ موثق فإنّ توثيق العهد بإنهاء الحرب لا يستقيم معه أن يكون معنى (لعلنا) الرجاء وتوقع الكف، إنما الذي يصلح له ذلك أن تكون لعلّ بمعنى كي.

стр. 503

هذا ويؤخذ من الاقتصار في الآية على البدن مع ورود الشرع بجواز الهدي من بهيمة الأنعام أنّ البدن في الهدايا أفضل من غيرها من البقر والغنم. ويؤخذ من الآية أيضا: الندب إلى نحر الإبل وهي قائمة معقولة إحدى القوائم، وأنه لا يجوز أن يؤكل منها بعد نحرها حتى تفارقها الحياة. ومقتضى الأمر في قوله جلّ شأنه: فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ وجوب ذكر اسم الله حينئذ، وهو يؤيّد بظاهره قول من يرى من الأئمة وجوب التسمية على الذبيحة. ومن يرى ندب التسمية يؤوّل الأمر على الندب، أو يؤول ذكر اسم الله على الشكر والثناء. أما حكم الأكل منها وإطعام الفقراء فقد سبق لك القول فيه. قال الله تعالى: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) النيل: الإدراك والإصابة. والتكبير في الآية: قيل: إنه ما يكون عند الذبح: بسم الله، الله أكبر، والأحسن أن يفسّر بالتعظيم والتقديس والشكر. والإحسان: هو إتقان العمل، والإتيان به على الوجه المطلوب، ومنه قوله ﷺ لما سئل عن الإحسان: «أن تعبد الله كأنّك تراه» «١» . المعنى: بأنّ من يريد رضا الله تعالى فلا يظن أنه يدرك ذلك باللحوم والدماء من حيث إنها لحوم ودماء، وإنما ينال ذلك بالتقوى والإخلاص، في العمل، فإنّ الأعمال دون التقوى والإخلاص كصور أجسام لا روح فيها ولا حياة. وللآية وجه آخر من التفسير- إن صح ما قيل في سبب نزولها- ذلك أنّه روي عن ابن عباس ومجاهد أنّ جماعة من المسلمين كانوا هموا أن يفعلوا في ذبائحهم فعل أهل الجاهلية، يقطعون لحومها، وينشرونها حول الكعبة، وينضحون عليها من دمائها، فنزلت الآية تزجرهم عن هذا الفعل، وترشدهم إلى ما هو الأجدر بهم والأليق بإيمانهم أن يفعلوه في ذبائحهم، حتى يدركوا رضا الله تعالى. وعلى هذا يكون المعنى: أن من يريد رضا الله تعالى، ويرجو أن ينال منه المثوبة بما يقرّب من هدي، فلا يظن أنّه ينال ذلك باللحم يقطعه وينثره، ولا بالدم يلطخ به الكعبة الطاهرة فعل أهل الشرك من الجاهلية، وإنما ينال ذلك بتقوى الله، والبعد عن مثل تلك الأعمال التي تجانب روح الإسلام وطهارته، والتي ليس فيها شيء من الإخلاص لله.

стр. 504

فقوله تعالى: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها هو كما علمت على تقدير الرضا، أو ما في معناه، أي لن ينال رضا الله لحومها ولا دماؤها، ولكن ينال رضاه التقوى منكم. وأنت ترى أنّ الآية قد نفت عن اللحوم والدماء أن تنال رضوان الله، مع أنه ليس من شأنها أن يقال فيها: تنال أو لا تنال، ولكن قصد المبالغة في الأخبار بأنّ أصحابها لا ينالون الرضا والثواب بها وحدها إذا لم يكن معها التقوى والإخلاص هو الذي قضى أن يكون نظم الآية على هذا النحو البديع، كأنه قيل: إذا كان يتصور أن تنال الدماء واللحوم نفسها أجر الله ورحمته صحّ أن يدرك أصحابها بها وحدها شيئا من ذلك، ففي الآية نوع من التجوز. وترى أيضا أنه قد أعيد في الآية حديث تسخير الأنعام، وتذليلها للناس، لأن في الإعادة تذكيرا بالنعمة يبعث على شكرها والثناء على الله من أجلها، والقيام له بما يجب لعظمته وكبريائه، لأنّه تعالى سخر لهم تلك البهائم، وأخضعها لتصريفهم، وأراهم ما يصنعون فيها، وكيف يتقرّبون بها. ومن هذا تعلم أن (على) في الآية الكريمة للتعليل، وأنّ (ما) مصدرية، ويصح أن تكون (ما) نكرة موصوفة، أو اسما موصولا مع مراعاة أن العائد محذوف، وفي صرف الخطاب للنبي ﷺ ، وأمره بتبشير المحسنين أعمالهم الآتين بها على الوجه المطلوب، ووعدهم بأنّ لهم من الله الجزاء الطيب على فعلهم ما علمته آنفا. هذا وفي الآية دلالة على أنّ التقوى وشكر الله تعالى والإحسان في العمل له جلّ شأنه من أهمّ المطالب الشرعية التي لا يجوز لأحد إغفالها أو التهاون فيها. قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) يصحّ أن يكون هذا كلاما متصلا بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وما وقع في البيت- من ذكر مناسك الحج وشعائره، وما فيها من منافع الدنيا والآخرة- استطراد لمزيد تعظيم شأن البيت الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا، وتسجيل قبح صدهم للمسلمين عنه، وإخراج أهله منه ظلما وعدوانا، وتفويت هذه المنافع عليهم، لأنّ الجناية يعظم أمرها بعظم ما يترتب عليها من تفويت المنافع والإيقاع في الأضرار. ولأن خطورة الجناية تدلّ على خطر المجني عليه، وناهيك بجناية تقع على البيت الحرام، مع ما له من قداسة وحرمة، وتفوت على الناس منافع الحج مع ما فيها من خيري الدنيا والآخرة، ويكون قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا رجوعا إلى موضوع السياق، لبيان عاقبة هؤلاء الصادّين عن سبيل الله والمسجد الحرام، من قهرهم، وخذلانهم، وكسر شوكتهم، ونصر المسلمين عليهم، وإزالة صدهم، وتمكين المسلمين من البيت بعد تمكينهم منهم

стр. 505

«إنّ الله ليملي للظالم حتّى إذا أخذه لم يفلته» «١» . ويصحّ أن يكون متصلا بما قبله مباشرة، وذلك أنه تعالى لما بيّن مناسك الحج، وما فيه من المنافع، وكان في ذلك مزيد إلهاب وتشويق لنفوس المسلمين إلى البيت الحرام، والوقوف بالمشاعر العظام، ولكن أنّى لهم ذلك، وقد صدّهم المشركون، ووقفوا سدا منيعا دون إرواء هذه النفوس المتعطشة إلى رؤية هذا الحرم المقدس، الذي عاشوا طوال حياتهم في ظلّه وتحت حمايته، والذي عزّ عليهم فراقه، ولم ينقطع حنينهم إليه، والذي كان قلب الرسول صلوات الله وسلامه عليه معلّقا به، حتى إنه نظر إليه حين خروجه من مكة وقال: «والله إنّك لأحبّ أرض الله إليّ، وإنك لأحبّ أرض الله إلى الله، ولولا أنّ أهلك أخرجوني منك ما خرجت» «٢» وإذا ذاك توجهت قلوبهم إلى ربّ هذا البيت، واستشرفت نفوسهم إلى عون الله ونصره وحماية بيته من عدوان المعتدين، وتخليصه من أيدي الجبابرة الظالمين، وذلك قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا توطينا لنفوسهم، وتقوية لعزائمهم، وإعدادا لهم للجهاد والقتال الذي سيكون به تحقيق آمالهم، وتحرير أوطانهم وعقائدهم. وعلى كلّ فهو وعد من الله ، وبشارة للمؤمنين بنصر الله لهم، وتمكينهم من عدوهم، وكف بوائقه عنهم، وفي ضمنه وعيد شديد، وتهديد للمشركين بقهرهم وخذلانهم وكسر شوكتهم وزوال دولتهم، وفيه تمهيد وتوطئة لمشروعية الجهاد. هذا وصيغة المفاعلة في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ إما للمبالغة في الدفع، أو للدلالة على تكرره فقط، لأنّ صيغة المفاعلة تدلّ على تكرر الفعل وحصوله من الجانبين، وقد تجرّد عن معنى حصوله من الجانبين، فتبقى دلالتها على التكرر من جانب واحد كالممارسة، أي أنه تعالى يبالغ في دفع غائلة المشركين وبأسهم مبالغة لا تدع لهم غائلة من غوائلهم، أو أنه تعالى يدفع بأسهم وغوائلهم مرة بعد مرة حسبما يتجدد ذلك منهم، كقوله تعالى: كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ [المائدة: ٦٤] . قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ نفي المحبة كناية عن البغض، وأوثر (لا يحب) على (يبغض) تنبيها على مكان التعريض، وأن المؤمنين هم أحباء الله وأولياؤه.

стр. 506

ومعنى خَوَّانٍ كَفُورٍ أي خوان في أماناته تعالى، وهي أوامره ونواهيه، أو جميع الأمانات، ونظيره قوله تعالى: لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ [الأنفال: ٢٧] وكفور، أي لنعمه . قيل: إنه تعليل لما في ضمن الوعد الكريم من الوعيد للمشركين في الجملة الأولى، وقيل: تعليل للوعد الكريم نفسه، وضعّف هذا بأنّ قول القائل: دفعت زيدا عن بكر لبغض زيد ليس فيه كثير عناية ببكر، وهذا لا يناسب المقام. وهناك وجه آخر في ربط الجملة الثانية بالأولى، وحاصله أنك عرفت أنّ الجملة الأولى مشتملة على وعد صراحة ووعيد ضمنا، وإذا نظرت إلى الجملة الثانية وجدت أنها مشتملة على ثبوت البغض للمشركين صراحة، وهو يناسب الوعيد الضمني في الجملة الأولى، فيكون علة له، وعلى ثبوت المحبة للمؤمنين ضمنا كما هو قضية إيثار (لا يحب) على (يبغض) وهو يناسب الوعد المصرّح به في الجملة الأولى، فيكون علة له، وعلى هذا يكون منطوق الجملة الثانية علة لمفهوم الجملة الأولى، ومفهومها علة لمنطوقها، ويصير المعنى هكذا: إن الله يدافع عن الذين آمنوا لحبه إياهم، ويخذل المشركين ويقهرهم لبغضه إياهم، وعلى كلّ فإنّ ربط نفي الحب بالخوان الكفور يدلّ على أنّ علّة النفي هي الخيانة والكفر، ويدل بمفهومه على أنّ علة ثبوت المحبة في مقابله هي الأمانة والشكر، اللذان هما من خواص المؤمن. وهنا أمران جديران بالالتفات: الأول: أن صيغة المبالغة في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ لبيان الواقع، وأنهم كانوا كذلك، لا لتقيد البغض بغاية الخيانة والكفر المشعر بمحبة الله تعالى للخائن الكافر، وكثيرا ما تذكر القيود لبيان الواقع، حتى قيل: إنّه الأصل في استعمالها، ومن هذا القبيل قوله تعالى: لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً [آل عمران: ١٣٠] ولا شكّ أنك إذا نظرت إلى هؤلاء المشركين، وما وقع منهم من الأفاعيل المنكرة، عرفت أنهم حقيقة بلغوا الغاية في الخيانة والكفر. الأمر الثاني: أنّ المراد نفي الحب عن كل فرد من الخونة الكفرة، فالمراد عموم السلب وشموله لجميع الأفراد، لا سلب العموم، وقول البيانيين: إنّ تقديم النفي على أداة العموم يفيد سلب العموم فالحق أنه حكم أكثري لا كلي، بدليل قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة: ٢٧٦] وقوله: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) [القلم: ١٠] وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ [لقمان: ١٨] وكذلك ما معناه، فالمعتبر إذا في الحقيقة هو القرائن، فمتى دلّت على عموم السلب كان الكلام لعموم السلب، تقدّم النفي أو تأخّر. ونقل بعضهم عن الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده وجها آخر بناء على أنّ

стр. 507

الحكم كلي، وحاصله أنه قد يعدل بحسب الظاهر عما يدل على عموم السلب إلى ما يفيد سلب العموم ظاهرا، وإن كان السلب عاما بحسب الحقيقة تعريضا بأنّ المخاطبين شرّ هذا النوع، كما جاء في الآية الكريمة: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ تعريضا بما نزلت فيهم من الأعداء بأنّ محبة الله تعالى لا تنالهم بأي وجه من الوجوه، وأنّه لو تعلّقت محبة الله بخائن كافر فإنّها لا تتعلق بأولئك، لأنهم شر هذا النوع، ولا يخفى عليك أن بناء الحكم على أبعد الفروض والاحتمالات أبلغ وأقوى، لأن بناءه على تلك الصورة يجعل السامع لا يتطرق إليه أي احتمال آخر في خلاف الحكم. قال الله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الإذن معناه الترخيص، فهو للإباحة بعد الحظر، وقرئ كلّ من أُذِنَ ويُقاتَلُونَ بالبناء للمفعول وبالبناء للفاعل. هذه هي أول آية نزلت في القتال بعد ما نهي عنه في نيف وسبعين آية، على ما روى الحاكم في «المستدرك» عن ابن عباس ﵄. وأخرجه عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري وكذا النسائي بإسناد صحيح عنه موقوفا عن عائشة ﵂. وأخرج أحمد والترمذي وحسّنه والنسائي وابن سعد والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: لما خرج النبي ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم ليهلكنّ، فنزلت: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا. قال ابن عباس: فهي أول آية نزلت في القتال «١» . وأخرج ابن جرير عن أبي العالية: أول آية نزلت فيه وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ [البقرة: ١٩٠] . وفي «الإكليل» للحاكم أنّ أوّل آية نزلت فيه: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ. والظاهر الأول، وبه قال كثير من السلف كابن عباس ومجاهد، والضحاك وعروة بن الزبير وزيد بن أسلم ومقاتل وقتادة وغيرهم، ويؤيده أيضا ذكرها بعد الوعد بالمدافعة والنصر. المفردات: أُذِنَ المقصود به إباحة القتال ومشروعيته على القول الأول، وحكاية الإذن الحاصل من قبل توطئة لبيان أسباب المشروعية وغايتها على القول الثاني.

стр. 508

لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ المراد بهم المهاجرون، كما يدلّ عليه وصفهم بالإخراج من الديار بغير حق، لأنّ هذا الوصف لا ينطبق إذ ذاك إلا عليهم. والمأذون فيه هو القتال، وحذف لدلالة المقام عليه. ووصفهم بالقتال الواقع عليهم على قراءة المبني للمفعول على حقيقته، سواء قلنا: إنها أول آية نزلت في القتال أم لا، لأنّ قتال المشركين واضطهادهم لهم كان حاصلا على كل حال. وأما وصفهم بالقتال الواقع منهم على قراءة المبني للفاعل فعلى أنها ليست أول آية نزلت في القتال يكون على حقيقته أيضا، وعلى أنها أول آية نزلت فيه يكون وصفهم عند بدء الإذن بالقتال إما على تقدير الإرادة والحرص، أي يريدون أن يقاتلوا المشركين، ويحرصون على ذلك، وإما على إرادة استحضار ما يكون منهم في المستقبل، وحقيقة قد كانوا حريصين كل الحرص على هذا القتال، فإنّ الدفاع عن النفس والعقيدة والوطن أمر محبب إلى النفوس، لا سيما إذا كانت تعتقد أنها على الحق، وأن خصمها على الباطل. المعنى: لما وعد الله في الآية السابقة المؤمنين بالدفاع وكفّ غوائل المشركين عنهم، وأوعد في ضمن هذا الوعد الكافرين بالقهر والخذلان، أتبع ذلك ببيان مشروعية الجهاد والإذن لهم في قتال أعدائهم، مع بيان أسبابه وغايته، للإيذان بأنّ طريق الدفاع الموعود به عن الأولياء وسبيل القهر والخذلان الموعود به للأعداء هو إذنه تعالى للمؤمنين في القتال، كما يدل على ذلك قوله تعالى في الآية التالية: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لأن القتال في سبيل الله من أعظم المواطن التي تتجلى فيها رعاية الله وعنايته بالمؤمنين بما يفاض عليهم في تلك المواقف الرهيبة من النصر والتأييد، وتثبيت قلوبهم، وإمدادهم بالأسباب الحسية والمعنوية على ما عرف وتواتر من نفحات الله لهم في مواطن الحرب وميادين القتال. ثم بيّن الله تعالى سبب الإذن في القتال على سبيل الإجمال بقوله: بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا فالله تعالى أذن للمسلمين في قتال عدوهم وندبهم للجهاد في سبيله، لا حبا في إراقة الدماء وإزهاق الأرواح، ولا لمجرد البطش والقهر، كما يزعم خصوم الإسلام، فإنّ الإسلام دين أمن وسلام، وبشير رحمة وطمأنينة، ولكنه تعالى أذن لهم لأجل أن يدفعوا ذلك الظلم الذي وقع عليهم من جانب المشركين والذي أصابهم في أوطانهم وأنفسهم ودينهم، فإنه ﷺ ما كاد يصدع بالأمر، ويجهر بالدعوة، حتى هاج هائج قريش، وتذمرت على المسلمين، وأعلنوا عليهم حربا شعواء، وأعملوا فيهم يد الانتقام الوحشي، لا يألون في مؤمن إلّا ولا ذمة، وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ

стр. 509

الْحَمِيدِ (٨) [البروج: ٨] ، ونالوا منهم أشد ما يناله عدوّ من عدوه، طمعا في ارتدادهم عن دينهم، والحيلولة بينهم وبين الالتفات حول الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وقد غاب عنهم أن الدين الحق متى خالطت بشاشته القلوب، واستقر في أعماق النفوس، كان التعذيب والتقتيل والتنكيل أهون عليها من انتزاع الدين منها. ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أيّ جنب كان في الله مصرعي فكانوا أمام هذه العواصف الهوجاء والمواقف الرهيبة والفتن التي كانت كقطع الليل المظلم أثبت على حبهم لرسولهم ﷺ من الجبال الرواسي، فما استطاعوا فتنة مسلم عن دينه، ولا تحويل قلبه عن حب الله وحب رسوله ﷺ . لم يقف ظلم هؤلاء الظالمين عند حد الأتباع والأنصار، بل آذوا رسول الله ﷺ بأشد أنواع الإيذاء، رموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، وحثوا على رأسه التراب، ووضعوا بين كتفيه وهو ساجد بين يدي ربه سلا «١» جزور وهم يتضاحكون، وأغرت ثقيف سفهاءهم وعبيدهم يسبّونه ويرمون عراقيبه بالحجارة حتى اختضب نعلاه بالدماء، وهذا قليل من كثير مما فعلوه معه ﷺ ، وهو صابر على أذيّتهم، محتسب عند الله ما يناله معهم. فعلوا كل هذا وأكثر منه بالمسلمين حتى ألجئوهم على الخروج من أوطانهم وترك أموالهم وأهليهم فرارا بدينهم. فأيّ ظلم أقبح وأشنع من هذا الظلم الذي لم يرتكبوه إلا انتصارا للباطل، واضطهادا للحق، وإيثارا لعبادة الأوثان على عبادة الله الواحد القهار، والذي لم يتعفف أهله عن الإسفاف في الخصومة والفجور في الإيذاء. قال تعالى: وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ذهب كثير من المفسرين إلى أنه وعد بالنصر، وتأكيد لما مرّ من الوعد بالدفاع عن المؤمنين، وتصريح بأنّ المراد بالوعد السابق ليس مجرد تخليصهم من أيدي عدوهم، بل إظهارهم عليهم، وتمكينهم في الأرض، وهو إخبار وارد على سبيل العزة والكبرياء، كما يقول الملك: إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك. لا يريد بذلك حقيقة الإخبار بالقدرة على ذلك، بل يريد أنه سيفعل على سبيل التأكيد. وذهب ابن كثير إلى أن المعنى: أنه تعالى قادر على نصر المؤمنين من غير قتال وجهاد، ولكنه أذن لهم في القتال، وندبهم إلى الجهاد، لأنه يريد من عباده بذل جهدهم في طاعته، كما قال تعالى:

стр. 510

فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد: ٤] . وقال: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ [التوبة: ١٦] وقال: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١) [محمد: ٣١] . وقال: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) [العنكبوت: ٢] . أقول: وعلى هذا القول يكون المقصود هو تنبيه المسلمين إلى أنّ الدنيا دار ابتلاء واختبار، وأنّ الحياة ميدان تسابق وتنافس، وأن مدار هذا الدين على الإرادة والاختبار، لا على الإكراه والاضطرار، وأنّ الجزاء من جنس العمل فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) [الزلزلة: ٧، ٨] ولا يكون ذلك كله إلا بفتح أبواب العمل أمام العاملين، ودعوة الناس إلى الجهاد والكفاح، وابتلائهم بمواقع الشدائد والمحن، لكي يتبين المجاهدون من القاعدين، والمخلصون من المنافقين. ومن آمن حبا في الله ورسوله ممن آمن حبا في الإبقاء على نفسه وماله وجاهه، وإلا فلو كان النصر حليف المسلمين من غير قتال وجهاد، وكان المؤمن معافى في نفسه وماله وولده، متقلبا في أحضان النعيم من مهده إلى لحده، لما كانت الدنيا دار ابتلاء واختبار ولما كان إيمان المؤمن اختيارا وترجيحا للإيمان على الكفر، وإيثارا لمرضاة الله ومحابّه على مرضاة نفسه وشهواته، ولبطلت التكاليف المبنية على الإرادة والاختيار ومحاربة النفس والهوى، ولما كان الجزاء ثمرة للعمل، ونتيجة لازمة للكد والتعب، فعليهم أن يلتزموا هذه السنن، وأن يعملوا على مقتضاها، وفي ذلك بلوغ المأمول وإنجاز الموعود. قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) قيل: إن الأمر في هذه الآية بالركوع والسجود والعبادة وفعل الخير متوجه إلى الناس جميعا، إذ إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، غير أن الخطاب فيها خصّ به المؤمنون لمزيد الاعتناء بهم وتشريفهم، ولأنهم هم الذين ينتفعون بهذا التكليف. وقيل: إن هذه الأوامر خاصة بالمؤمنين، كما أنّ الخطاب متوجه إليهم وحدهم. أما الكفار فإنّهم لما أعرضوا عن قبول دين الله، ولم يستجيبوا لرسول الله ﷺ ، وأبوا من قبل أن يمتثلوا لهذه الأوامر، أعرض الله عنهم، وصرف خطابه وأوامره إلى أهل طاعته الذين يعرفون حقه، ويمتثلون أحكامه. أما أولئك الكفار فإنّهم لا ينفع فيها إرشاد، ولا يرجى منهم قبول ولا امتثال، فهم جديرون بالترك والإهدار. وهذا المعنى أحسن وأوجه، وهو سائر حتى مع القول بتكليف الكفار بالفروع، وهو الذي

стр. 511

يناسبه ما ورد في الآية الآتية من اجتباء المخاطبين، وتسميتهم بالمسلمين، وإعلاء شأنهم بقبول شهادتهم على الأمم يوم القيامة. وقد اختلف في المراد بالركوع والسجود في الآية. فقال الحنفية: إن المراد بهما معا الصلاة، فالأمر بهما أمر بالصلاة، وإنما عبّر عن الصلاة بهما لأنهما أهم أركانها وأفضلها. وقيل: إنهما كنايتان عن الذلة والخضوع. وقيل: المراد معناهما الشرعي المعروف. وقد أمر بهما لأنّ الناس في أول الإسلام كانوا يصلون تارة بغير ركوع، وتارة بغير سجود، فالله أمرهم بإتمام الصلاة والإتيان فيها بالركوع والسجود. وقال الشافعية إنّ الركوع مجاز عن الصلاة لاختصاصه بها. أما السجود فالمراد به سجود التلاوة. والعبادة: هي كل فعل تتجلى فيه الذلة والاستكانة تحت قهر الإله وسلطانه، وعلى هذا قيل: إن المراد بها التكاليف التي تربط العبد بربه، فهي أعمّ مما قبلها. أما فعل الخيرات فهو عام للتكاليف جميعها، يشمل ما يصلح علاقة العبد بالرب، وما يصلح علاقات الناس بعضهم مع بعض، فأنت تجد هذه الأوامر مرتبة، بدئ فيها بعبادة خاصة: وهي الصلاة، ثم ثنّي بما هو أعم منها: وهو جميع العبادات، ثم أتبع ذلك بما هو أعم من الكل: وهو فعل الخيرات الشامل للعبادات وللإحسان في المعاملات، وبعضهم حمل العبادة على الفرائض، وفعل الخير على النوافل. والفلاح: هو الفوز بنيل البغية، ولا شكّ أن بغية كل عابد سائر على نهج الشريعة إنما هي السعادة الدائمة في الآخرة، وهناءة العيش في الدنيا، وقد علمت آنفا ما ينبغي أن يقال في كلمة (لعل) الواردة في كلام الله تعالى. ويصحّ أن يراد منها هنا أيضا الرجاء الحقيقي. ولكن على تقدير صدوره من العباد فيكون المعنى عليه: يا أيها الذين آمنوا صلوا، وأدوا لله كل ما تعبدكم به، وافعلوا كلّ ما كلّفكم مما فيه الخير لكم ولأمتكم حالة كونكم راجين الفلاح، ومتوقعين الفوز ودرك الرغائب، فالله سبحانه يرشد المؤمنين إلى أنّه ليس من شأن العبد الذليل الذي يشعر قلبه الخشية من الله والخوف من جبروته أن يقطع بنتيجة في عمل من الأعمال التي كلّفها، بل ينبغي أن تكون حاله بعد أن يحسن عمله حالة الرجاء، وتوقع ما يؤمّل من نتيجة صالحة، إذ إن العواقب مجهولة، وقد يكون مقصّرا بعض التقصير في أعماله، فلم يأت بها على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه. ظاهر من الآية أنها قد جمعت أنواع التكاليف، وأحاطت بفروع الشريعة، فلم يفلت منها فرض ولا ما دون الفرض، وظاهر أيضا أنها قصدت إلى الصلاة التي هي

стр. 512

عماد الدين، فأمرت بها مستقلا، ولم تقتصر على طلبها في عموم العبادات، ولا شكّ أن ذلك يدلّ على تأكّدها وفرضيتها على الناس جميعا. غير أن الشافعية قالوا: إنّ الآية آية سجدة، وأخذوا من الأمر بالسجود فيها سجود التلاوة مطلوب لها كغيرها من بقية آيات السجود، مستندين في هذا إلى ما يأتي: ١- إنّ السجود حقيقة في المعنى المعروف: وهو وضع الجبهة على الأرض، فمتى أمكن حمل اللفظ عليه فلا يصح العدول عنه إلا لموجب، وهو غير موجود في الآية. ٢- وقالوا: أيضا: قد ورد في السنة ما يؤيّد هذا المعنى، ويكشف عن المراد بالسجود في الآية، فقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن مردويه والبيهقي في «سننه» عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: «نعم فمن لم يسجدهما، فلا يقرأهما» «١» . وأخرج أبو داود وابن ماجه والدارقطني والحاكم عن عمرو بن العاص أنّ رسول الله ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصّل، وفي الحج سجدتان «٢» . وكان يقول بهذا علي، وعمر، وابنه عبد الله، وعثمان، وأبو الدرداء، وابن عباس في إحدى الروايتين عنه، وبه أخذ أيضا الإمام أحمد، واللّيث وابن وهب، وابن حبيب من المالكية ﵃ جميعا. وقال أبو حنيفة «٣» ، ومالك، والحسن، وابن المسيب، وابن جبير، وسفيان الثوري ﵃: إنّ هذه الآية ليست آية سجدة، واستدلوا بما يأتي: ١- إنّ اقتران السجود بالركوع دليل أنّ المراد به سجود الصلاة، كما في قوله تعالى: وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران: ٤٣] فإذا لم يكن هذا الاقتران موجبا لحمل السجود على سجود الصلاة، وأنه عبر عن الصلاة بمجموع الأمرين، فلا أقلّ من أن يكون مرجحا، لذلك فلا يصح أن يؤخذ من الآية أنّ السجود فيها سجود التلاوة. ٢- ما روي عن أبي ﵁ أنه عدّ السجدات التي سمعها من رسول الله ﷺ وعدّ في الحج سجدة واحدة «٤» .

стр. 513

وما روي عن ابن عباس وعبد الله بن عمر ﵄ أنهما قالا: سجدة التلاوة في الحج هي الأولى، والثانية سجدة الصلاة. قالوا: وهذا المروي عن ابن عباس وابن عمر هو تأويل ما روي عن عقبة بن عامر على فرض صحته، مع أنّ فيه مقالا، وكذا في حديث عمرو بن العاص، وإليك ما قيل فيهما: أما حديث عقبة فقال الترمذي وأبو داود وغيرهما: إن إسناده ليس بالقوي، قالوا: لأنّ فيه عبد الله بن لهيعة، وقال الحاكم: إن عبد الله بن لهيعة أحد الأئمة، وإنما نقم اختلاطه في آخر عمره. وأما حديث عمرو بن العاص فقيل فيه: إنّه ضعيف أيضا، لأنّ في سنده عبد الله بن منين الذي قال فيه عبد الحق: إنّه لا يحتج به، وقال ابن القطان: إنه مجهول، لا يعرف له حال. وقالا أيضا: إنّ الراوي عن ابن منين هو الحارث بن سعيد العتقي المصري وهو لا يعرف أيضا اهـ. قال الله تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨) الجهاد: هو بذل الطاقة، واستفراغ الوسع في مدافعة العدو، وهو قسمان عظيمان، تحت كل منهما أنواع، فالقسم الأول جهاد العدو الباطن، وتحته نوعان: ١- جهاد النفس. ٢- جهاد الشيطان. والقسم الثاني: جهاد العدو الظاهر، وتحته ثلاثة أنواع: ١- جهاد الكفار. ٢- جهاد المنافقين. ٣- جهاد أهل الظلم والبدع والضلالات الاعتقادية والعملية. فالجهاد في القسم الأول يكون بمخالفة هوى النفس، ومدافعة وساوس الشيطان. وهذا هو أصل الجهاد، وأشدّ أنواعه، وهو الجهاد الأكبر، كما روي أنّ النبيّ ﷺ لما عاد من غزوة تبوك قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» «١» ولهذا كان فرض عين على كل فرد، لا يغني فيه أحد عن أحد شيئا، وفرضيته ثابتة من مبدأ الإسلام.

стр. 514

وكذلك جهاد أهل الظلم والبدع، فهو فريضة على كل مكلف على حسب استعداده، وبقدر استطاعته، كما قال رسول الله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» «١» . أما جهاد الكفار والمنافقين، فإنّه يكون بالحجة والبيان، كما يكون جهاد الكفار أيضا بالسيف والسنان. فجهادهم بالحجة واجب أيضا من مبدأ البعثة، كما في الأنواع السابقة، يشهد لذلك قوله تعالى في سورة الفرقان: وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (٥١) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (٥٢) [الفرقان: ٥١، ٥٢] فالمجاهدة بالقرآن لا شك أنها من نوع الجهاد بالحجة والبرهان، وهذا النوع فرض كفاية على الأمة، يتصدى له أهل القدرة عليه من العلماء الواقفين على أسرار الشريعة، العارفين بمسالك القول وطرائق الإقناع. أما الجهاد بالسيف وغيره من آلات القتال فهذا هو الذي لم يشرع إلا بعد هجرة النبي ﵊ إلى المدينة، وهو فرض كفاية على المسلمين، يجزئ فيه أن يقوم به بعضهم متى كانوا قادرين على أن يصدوا غارات العدو، وأن يدفعوه عن بقية المسلمين وبلادهم، وإلا فعلى حسب ما يرى الإمام، حتى لو أعلن النفير العام كان فرض عين على كلّ واحد من القادرين على القتال. وبعد فقد اختلف العلماء في المراد بالجهاد في قوله تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ فعن ابن عباس أنّ المراد به قتال الكفار والمشركين، وهو مرويّ عن الضحاك أيضا. وعن عبد الله بن المبارك: أنه مخالفة النفس والهوى، والأولى أن يحمل على المعنى العام الذي يشمل هذا وذاك. وقد علمت فيما سبق أنّ الراجح في سورة الحج أنها مدنية ما عدا آيات ليست هذه الآية منها، فلا يكون حينئذ مانع من حمل الجهاد على ما يشمل قتال الكفار وغيره، أما على اعتبار أنها مكية فيتعين تفسير الجهاد بجهاد النفس والشيطان على ما هو معروف، إذ إن القتال لم يفرض إلا بعد الهجرة. والجهاد في الله معناه الجهاد في سبيله، ومن أجل دينه، وحقّ الجهاد في الله أن يكون بقوة وعزيمة صادقة، وأن يكون خالصا لإعلاء دين الله وتأييد شريعته، فلا ينبغي للمسلم أن يخشى في الانتصار للحق لومة لائم، كما لا يجوز له في جهاد الكفار أن يقاتل من أجل غنيمة أو غيرها من الشهوات الدنيوية. وعلى تفسير حق الجهاد بذلك تكون الآية محكمة غير منسوخة بقوله تعالى:

стр. 515

فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ كما يقول مجاهد والكلبي، فإنّهما يقولان: إنّ حقّ الجهاد غاية لا يستطيعها عامّة المكلفين، فإنّها قد تتجاوز الوسع وحد الاستطاعة، ولكنك قد علمت الصواب في ذلك. وإضافة (حق) إلى (جهاد) في قوله تعالى: حَقَّ جِهادِهِ من إضافة الصفة للموصوف: كما يقال: حق يقين، وشبيه به قولهم فلان حق عالم، وهو جد ذكي، أما إضافة جهاد للضمير في قوله: جِهادِهِ فهي لأدنى ملابسة. وذلك لأنّ هذا الجهاد لما كان مطلوبا لله ومن أجل دينه كان خاصّا به ، فصحّ أن تقع فيه هذه الإضافة التي تفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه وأصله: وجاهدوا في الله حق جهادكم فيه، فحذف المضاف إليه، والجار للضمير فاتصل الضمير بالمضاف. هُوَ اجْتَباكُمْ الاجتباء: الاصطفاء والاختيار. وهذه الجملة واقعة في مقام التعليل للأمر بالجهاد، فالله وفّق المسلمين لقبول الإسلام، واختارهم لدينه، وشرّفهم بأن يكونوا خدام شريعته، يقيمونها، ويحفظونها ممن يريدها بتحريف أو عدوان، فجدير بمن اختارهم الله لهذا الأمر العظيم أن يبذلوا كل ما عندهم من استطاعة في حماية دينه، وألا يهملوا رعايته، أو يهنوا في حراسته، ولا شكّ أنّ الحكم بأنه سبحانه قد اجتبى المسلمين لذلك، من خير ما يبعثهم على أن يجاهدوا في الله حق الجهاد. وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ الحرج: الضيق كما فسره بذلك ابن عباس ومجاهد. أكد الله بهذا وجوب الجهاد على الناس، ولزوم محافظتهم على الدين الذي اختارهم لحمايته، فإنّه نفى أن يكون في أحكامه شيء من العسر والشدة التي تضيق بها صدورهم، ولا تتسع لها قدرهم، وإذا كان الأمر كذلك فلا يكون هناك مانع يمنعهم من مراعاتها، كما لا يكون لهم عذر إذا تهاونوا فيها، ولم يقوموا بخدمتها حق القيام، ما دام قد تحقّق المقتضى للجهاد، وهو اجتباؤهم، وانتفى المانع، وهو الحرج في التكاليف، وأنت خبير بأن هناك فرقا كبيرا بين المشقة في الأحكام الشرعية وبين الحرج والعسر فيها، فإنّ الأولى حاصلة، قلما تخلو عنها التكاليف، فإنّ التكليف هو إلزام ما فيه كلفة ومشقة. أما المشقة الزائدة التي تصل إلى حد الحرج فهي المرفوعة عن المكلفين فقد فرض الله الصلاة على المكلف في اليوم خمس مرات، وأوجب عليه أن يؤديها من قيام، وهذا شيء لا حرج فيه، ثم هو إذا لم يستطع الصلاة من قيام فله رخصة أن يصلي من قعود، أو بالإيماء. وكذلك شريعة الصيام لا تصل فيها المشقة إلى درجة العسر، إذ إن المفروض على الناس صيام شهر في كل عام، ومع ذلك فقد رخّص الله

стр. 516

للمكلّف في حالات تعظم فيها المشقة عليه أن يفطر، فأباح الفطر لكلّ من المسافر والمريض والهرم والحامل والمرضع، وهكذا تجد جميع التكاليف في ابتدائها ودوامها مراعى فيها التخفيف والتيسير على العباد، كما يشهد بذلك قوله تعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ١٥٧] وقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥] وغير ذلك في هذا المعنى كثير. مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ الملة والدين والشريعة شيء واحد، وكلمة مِلَّةَ منصوبة على المصدرية بفعل يدلّ عليه قوله تعالى: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ فإنه يفيد معنى التوسعة، أي وسع عليكم في دينكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم، فحذف المصدر المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ويصحّ أن تكون منصوبة على الاختصاص بفعل تقديره: أعني ملة أبيكم إبراهيم، وقيل: إنها منصوبة على الإغراء أي الزموا ملة أبيكم إبراهيم وظاهر أنه على الإعراب الأول لا يكون في الكلام دلالة على أنّ شريعتنا هي شريعة إبراهيم ﵊. وحينئذ فلا مانع من تفسير الملة بالأحكام الشرعية كلها الاعتقادية والعملية، أما الإعرابان الآخران فإنّهما يدلان على اتحاد الشريعتين، وعلى هذا ينبغي قصر الملة على الأحكام الأصلية المتعلقة بالاعتقاد، إذ لا شك أنها واحدة في شريعتنا وشريعة إبراهيم ﵊، بل هي واحدة في جميع الشرائع لم تتغير بتغير الأزمان والأقوام، اقرأ قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: ١٣] وقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) [الأنبياء: ٢٥] وقول النبي ﷺ : «الأنبياء أولاد علّات» «١» يريد أن إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة، وعلى هذا يكون تخصيص إبراهيم ﵊ بالذكر ليقويّ تمسك المؤمنين من أمة محمد ﷺ بشريعته إذ إنّ أكثرهم من نسل إبراهيم ﵊، فهم يحبونه حب الأبناء للآباء، ولا شكّ أنّ هذا الحب يقوّي فيهم روح الاستمساك بشريعة نبيهم محمد ﷺ ، إذ كانت هي شريعة أبيهم إبراهيم من قبل. وقد تبين لك من هذا معنى أبوة إبراهيم ﵊ للمؤمنين من هذه الأمة. ويصحّ أن يقال: إنه ﵊ أب لنبينا محمد ﷺ ، ومحمد ﷺ كالأب لأمته من حيث إنه سبب لحياتهم السعيدة في الآخرة.

стр. 517

هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وفي هذا اختلف العلماء في مرجع الضمير من قوله: هُوَ سَمَّاكُمُ فعن ابن زيد والحسن: أن الضمير لإبراهيم ﵊، سمانا المسلمين قبل نزول القرآن، وذلك ظاهر، وسمانا المسلمين في القرآن لأنه تسبب في هذه التسمية بقوله: رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة: ١٢٨] فلما استجاب الله دعاءه، وجعلنا أمة مسلمة من ذريته، كان إبراهيم كأنّه سمانا مسلمين. وذهب ابن عباس ومجاهد والضحاك إلى أن المسمّي هو الله جل شأنه، ويؤيد هذا الرأي قراءة أبي بن كعب (الله سماكم المسلمين) وابقاء الإسناد على ظاهره خير من التأويل فيه، وجعله مستعملا في حقيقته ومجازه. واللام في قوله تعالى: لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ إما لام العاقبة، وهي متعلقة بسماكم على الوجهين في ضميره، وشهادة الرسول على أمته معناها الإخبار بأنّه قد بلّغهم رسالة ربه، وإما لام التعليل. وعلى في قوله: عَلَيْكُمْ بمعنى اللام، على حد قوله تعالى: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة: ٣] ومعنى شهادة الرسول لهم أن يزكيهم عند الله يوم القيامة، ويشهد بعدالتهم إذا شهدوا على الأمم السابقين ويكون التعبير بعلى لما في الشهيد من معنى الرقيب والمهيمن. وقد تبين لك أنّه لا بد على هذين الوجهين من التأويل في قوله تعالى: لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ إما في (اللام) وإما في كلمة (على) والسبب في ذلك هو أنه لم يظهر للقائلين بهما الوجه في أن يعلل تعديل هذه الأمة وتسميتها مسلمة بشهادة الرسول عليها، إذ المستقيم إنما هو تعليل ذلك بقبول شهادتها على غيرها. والحق أنه لا حاجة لذلك التأويل، ولا مانع من بقاء كل من: على واللام على أصل معناه، ويكون قول شهادة الرسول ﷺ على الأمة علة في الحكم بعدالة ذلك الحكم الذي دلّت عليه تسميته مسلما، إذ لا شك أنه ﷺ مسلم لله، وأنه سيد المسلمين، فهو داخل في قوله تعالى: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ دخولا أوليا، ويكون قبول الشهادة من أمته على الأمم الأخرى علة في تسميتها مسلمة كذلك. ويكون في الكلام تفصيل في الشهادة بعد إجمال في التسمية بالمسلمين، وهذا وجه وجيه لا خفاء فيه. قد يقال: إنه بعد هذا كله لا يظهر التعليل إلا إذا كانت التسمية بالمسلمين واقعة من الله تعالى، كما هو أحد الرأيين، فإنّه واضح جدا أن يقال: سماهم الله مسلمين هذه التسمية الدالّة على حكمه بعدالتهم، ليقبل شهادتهم على غيرهم، أما إذا كانت

стр. 518

التسمية من إبراهيم ﵊ كما هو الرأي الآخر، فلا يظهر ذلك التعليل، إذ يكون معنى الكلام عليه: سماهم إبراهيم هذه التسمية التي تضمّنت حكمه بعدالتهم، ليقبل الله شهادتهم على الناس يوم القيامة وفيه ما ترى. والجواب: أنّ تسمية سيدنا إبراهيم إياهم بالمسلمين قد أقرّها الله تعالى، فكأنّ الحكم بعدالتهم صادر منه جل شأنه، فيكون الله هو الذي عدّلهم ليقبل شهادتهم، وهذا الجواب مستقيم ولا غبار عليه. وبعد ... فشهادة النبي ﷺ وشهادة أمته يوم القيامة يثبت بها شرف عظيم له ﵊ ولهذه الأمة، فإنّ الله تعالى يصدّق قوله يوم القيامة على أمته في دعوى تبليغه إياها، لكن سائر المرسلين مع عصمتهم سوف يحتاجون لإثبات ما يدّعون على أقوامهم إلى من يشهد لهم بين يدي الله . وكذلك هذه الأمة شرّفها الله بأن جعلها أهلا للشهادة على سائر الأمم، فهي تشهد على الناس جميعا، ولا يشهد عليها أحد منهم، إنما الذي يشهد عليها هو نبيّها الذي هو أشرف الخلق أجمعين. وفي هذا فضل كبير. وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ورد أنه يؤتى بالأمم وأنبيائهم فيقال للأنبياء: هل بلغتم أممكم، فيقولون: نعم بلغناهم، فينكرون فيؤتى بهذه الأمة فيشهدون أنّهم قد بلغوا، فتقول الأمم لهم: من أين عرفتم، فيقولون: عرفنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق. فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ قد سبق لك معنى إقامة الصلاة. أما الاعتصام فمعناه اتخاذ العصمة، وهي ما يعصم الشيء ويمنعه مما يضره. فالاعتصام بالله هو الثقة به، والالتجاء إليه، والاستعانة بقوته العظمى على دفع كلّ مكروه، وقيل: إن الاعتصام بالله هو الاستمساك بدينه والتزام شريعته. وهذه الجملة مرتبة بالفاء على ما قبلها، من اجتباء المخاطبين، وتسميتهم مسلمين، وتشريفهم بقبول شهادتهم على الأمم. وقد ختم الله الأوامر في هاتين الآيتين بالأمر بإقام الصلاة مع سبق الأمر بها في قوله تعالى: ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا على ما علمت، ثم عطف عليه الأمر بإيتاء الزكاة لما تقدم لك كثيرا من أنهما أصل الخير وأسّ الفلاح، ثم أتبعهما الأمر بالاعتصام به ، فإن هذا الاعتصام هو مبعث القوة، وهو سبيل الفوز، فمن استنصر بالله نصره، ومن لاذ بحماه أمّنه، ومن استعان بقوته يسّر له أمره، وأمكنه مما يريد. هُوَ المولى يطلق على معان: منها المالك، والناصر، والمعتق، والجار، وابن العم، والحليف. وأولاها الأول، وفي هذه الجملة هُوَ مَوْلاكُمْ عدة جميلة،

стр. 519

تشدّ العزم، وتقوّي القلب، وتوجب الاطمئنان وحسن الاعتماد على الله، وهي في منزلة العلة لما قبلها من الأمر بالاعتصام، فلذلك فصلت عنه. والمعنى: ثقوا بالله، والجؤوا إليه، واحتموا بحمايته، لأنّه هو مالككم وخالقكم، يغار عليكم، ويحفظكم، ويدفع المكروه عنكم. فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ النصير العظيم النصرة، الكامل المعونة. والمخصوص بالمدح ضمير يرجع إلى الله تعالى.

стр. 520

من سورة النور قال الله تعالى: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) وَفَرَضْناها الفرض: قطع الشيء الصلب، والتأثير فيه، والمراد به هنا الإيجاب على أتم وجه، أي أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجابا قطعيا. آياتٍ بَيِّناتٍ ترد الآية في القرآن بمعنى الكلام المتصل إلى مقطعه الاصطلاحي وبمعنى العلامة، وفي هذه السورة آياتٍ بَيِّناتٍ واضحة الدلالة على أحكامها. مثل الآيات التي نيطت بها أحكام الزنى، والقذف، واللعان، والحلف على ترك الخير، والاستئذان، وغض البصر، وإبداء الزينة للمحارم وغير المحارم، وإنكاح الأيامى، واستعفاف من لم يجد نكاحا، ومكاتبة الأرقاء، وإكراه الفتيات على البغاء، وطاعة الرسول ﷺ ، والسلام على المؤمنين. إلى كثير من الأحكام التي ذكرت في هذه السورة. وفي هذه السورة أيضا طائفة من الآيات الكونية، والظواهر الطبيعية، فيها دلالات واضحة، وحجج قاطعة، على توحيد الله وكمال قدرته: مثل النور والظلمة، والتأليف بين السحاب، وإنزال المطر من خلاله، ووميض البرق ولمعانه، وتقليب الليل والنهار، واختلاف الحيوانات في أشكالها وهيئاتها وطبائعها، مع اتحاد المادة التي منها خلقت، إلى غير ذلك من حجج التوحيد وشواهد القدرة. وإذا علمت أنّ إطلاق الآية على كلّ من المعنيين- الكلام والعلامة- حقيقي علمت أنّ كلمة آية مشترك لفظي، فمن أجاز استعمال المشترك في معنييه لا مانع عنده من إرادة المعنيين جميعا في قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ ومن أبى استعمال المشترك في معنييه يحتّم إرادة أحد المعنيين لا غير، فيحتمل أن يكون المراد بالآيات الآيات التي نيطت بها الأحكام في هذه السورة، ومعنى كونها بينات أنها واضحة الدلالة على ما نيط بها من الأحكام، ويحتمل أن يكون المراد بالآيات ما في هذه السورة من دلائل التوحيد، وشواهد القدرة، ومعنى كونها بينات أن دلالتها على ما ذكر واضحة ظاهرة وعلى هذا الاحتمال يكون قوله تعالى: وَفَرَضْناها إشارة إلى الأحكام والحدود المبينة في السورة. وقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ إشارة إلى آيات التوحيد، ويؤيّد هذا الاحتمال قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فإنّ معنى التذكر أن يعاد إلى الذاكرة ما كان معلوما، والأحكام التي في هذه السورة لم تكن معلومة لهم

стр. 521

حتى يتذكروها، ولكن دلائل التوحيد وشواهده معروفة للناس، ولكنهم لم يفطنوا لها، فهم ليسوا في حاجة إلى أكثر من أن يلتفتوا إليها فيتذكروها بعد النسيان. والمعنى: هذه سورة أنزلناها، وفرضنا ما فيها من أحكام، وأنزلنا فيها دلائل وعلامات على توحيد الله وكمال قدرته، لتتذكروها، فتعتقدوا وحدانيته وقدرته جلّ شأنه. ومعلوم أن إنزال السورة كلها يستلزم إنزال هذه الآيات منها، فيكون التكرار في قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لكمال العناية بشأنها، كما هي الحال في ذكر الخاصّ بعد العام. قال الله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزنى مقصور في اللغة الفصحى، وهي لغة الحجازيين. وقد يمدّ في لغة أهل نجد. والزنى من الرجل وطء المرأة في قبل من غير ملك ولا شبهة ملك، والزنى من المرأة تمكينها الرجل أن يزني بها. والجلد بفتح الجيم: ضرب الجلد بكسرها. وقد جاء صوغ فعل مفتوح العين من أسماء الأعيان يقال: رأسه، وظهره، وبطنه، وفأده، وحسه: إذا أصاب رأسه وظهره وبطنه وفؤاده وحسه. وجوّز الراغب أن يكون معنى جلده ضربه بالجلد مثل: عصاه ضربه بالعصا، وسافه ضربه بالسيف، ورمحه أي طعنه بالرمح. والرأفة: الشفقة والعطف. فِي دِينِ اللَّهِ في طاعته وإقامة حدّه الذي شرعه. وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما شهد كسمع شهودا: حضر. طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الطائفة في الأصل اسم فاعل مؤنّث من الطواف، وهو الدوران، والإحاطة، فهي إما صفة مفرد مؤنث أي نفس طائفة، فتطلق حينئذ على الرجل الواحد. وإما صفة جماعة، أي جماعة طائفة، فتطلق على من فوق الواحد. ويكاد اللغويون يجمعون على أنه يقال للواحد طائفة كما يقال لمن فوقه طائفة. وفي المراد بها هنا أقوال سنبينها فيما بعد. وقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا إلخ شروع في تفصيل الأحكام التي أشير إليها في قوله جل شأنه: وَفَرَضْناها والرفع في قوله جلّ شأنه الزَّانِيَةُ عند سيبويه والخليل على أنه مبتدأ، خبره محذوف، والكلام على حذف مضاف، والتقدير: مما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني، ويفهم من كلام سيبويه في «الكتاب» أن النهج المألوف

стр. 522

في كلام العرب- إذا أرادوا بيان معنى وتفصيله اعتناء بشأنه- أن يذكروا قبله ما هو عنوان وترجمة له، وهذا لا يكون إلا بأن يبنى الكلام على جملتين. وقد يقال: ما الحكمة في أن بدأ الله في الزنى بالمرأة وفي السرقة بالرجل؟ والجواب: إن الزنى من المرأة أقبح، فإنّه يترتب عليه تلطيخ فراش الرجل، وفساد الأنساب، وعار على العشيرة أشد وألزم، والفضيحة بالحمل منه أظهر وأدوم، فلهذا كان تقديمها على الرجل أهم. وأما السرقة فالغالب وقوعها من الرجال، وهم عليها أجرأ من النساء وأجلد وأخطر، فقدّموا عليهنّ لذلك. حدّ الزنى كان حد الزنى في أول الإسلام ما قصّه الله علينا في سورة النساء من قوله جلّ شأنه: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (١٦) [النساء: ١٥، ١٦] فكانت عقوبة المرأة أن تحبس، وعقوبة الرجل أن يعيّر ويؤذى بالقول، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ. أخرج مسلم وأبو داود والترمذي «١» عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كان نبي الله ﷺ إذا نزل عليه كرب لذلك، وتربّد وجهه، فأنزل الله تعالى عليه ذات يوم، فلقي كذلك، فلمّا سرّي عنه قال: «خذوا عني، خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مئة والرجم» . معنى تربّد: تغيّر. وأخرج أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: قال الله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ إلى قوله: سَبِيلًا فذكر الرجل بعد المرأة، ثم جمعهما فقال: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فنسخ الله ذلك بآية الجلد فقال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وتقدّم لك في تفسير هاتين الآيتين ما يغني عن الإعادة، فارجع إليه في سورة النساء. ظاهر قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ أنّ أولياء الأمر من

стр. 523

الحكام مكلّفون أن يجلدوا من زنى من ذكر أو أنثى مئة جلدة، سواء المحصن منهم وغيره. لكنّ السنة القطعية فرّقت في الحد بين المحصن وغير المحصن. وأجمع الصحابة ﵃ ومن تقدّم من السلف وعلماء الأمة، وأئمة المسلمين على أن من زنى وهو محصن فإنّه يرجم حتى يموت، ولا نعلم خلافا في ذلك لأحد إلا بعض المبتدعة من الخوارج، فإنّهم قالوا: إن الرجم غير مشروع، وإنه لا فرق في الحدّ بين المحصن وغير المحصن، وسنبيّن فساد مذهبهم إن شاء الله. والقائلون بأن الرجم مشروع قد اختلفوا فيه، أهو تمام ما على المحصن من العذاب، أم هو والجلد قبله حد المحصن. فإلى الأوّل ذهب جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وإلى الثاني ذهب علي ﵁ وإسحاق وأهل الظاهر، وهو رواية عن أحمد ﵀. فعلى رأي الجمهور يكون المراد بالزانية في الآية الكريمة البكرين، وتكون الآية مخصوصة بالسنة القطعية، أو بالآية المنسوخة التلاوة «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله» على كلام فيها. وعلى رأي أهل الظاهر، تكون الآية باقية على عمومها، ويكون الرجم حكما زائدا في حقّ المحصن ثبت بالسنة. والظاهر أيضا من قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ أنّه يشمل الرقيق وغيره، فيكون الحدّ في الجميع واحدا، لكن قوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ أخرج الإماء من هذا الحكم، فإنّ الآية نزلت فيهن، وكذلك أخرج العبيد، لأنّه لا فرق بين الذكر والأنثى بتنقيح المناط. وقال بعض أهل الظاهر عموم قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي يقتضي وجوب المائة على العبد والأمة، إلا أنه ورد النص بالتنصيف في حق الأمة، فلو قسنا العبد عليها لزم تخصيص عموم الكتاب بالقياس، يعني وهم لا يقولون به. ومن الظاهرية من قال: الأمة إذا تزوجت فحدّها في الزنى خمسون جلدة لقوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ إلخ. فإذا لم تتزوج فحدّها مئة جلدة للعموم في كلمة الزَّانِيَةُ. وجمهور الفقهاء على رد هذين الرأيين بما سلف لك هنا وفي سورة النساء. وكذلك عموم قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي إلخ يشمل المسلم والكافر. غير أن الحربي لما يلتزم أحكامنا، ولم تنله يدنا كان خارجا من هذا الحكم، وبقي العموم فيمن عداه من المسلمين وأهل الذمة. وبهذا قال جمهور الفقهاء. وروي عن مالك ﵀ أن الذمي لا يجلد إذا زنى، قيل: وهو مبنيّ على أنّ الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة.

стр. 524

وظاهر الآية أيضا أنّ مئة الجلدة هي تمام حد البكر، فإنّ قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ قصد به بيان حكم الزنى، فكان المذكور تمام حكمه، لأنّ السكوت في مقام البيان يفيد الحصر، فيفهم منه أنّ حكم الزانية والزاني ليس إلا الجلد، فمن زاد على الجلد تغريب عام عمل بالسنة، وجعلها حكما على ظاهر الكتاب. ويرى الفقهاء جميعا ما عدا أهل الظاهر أنّ حد الرقيق مطلقا نصف حد الحر، لا فرق بين الذكر والأنثى، ولا بين الثيب والبكر. ويرى بعض أهل الظاهر أنّ التنصيف خاصّ بالأمة، أما العبد فهو كالحر البكر في الحد. ويرى بعض آخر منهم أنّ التنصيف خاص بالأمة المتزوجة. أمّا الأمة غير المتزوجة والعبد فحدّهما حدّ الحر البكر. أدلة الخوارج والرد عليها استدل الخوارج على أنّ الرجم غير مشروع بثلاثة أدلة: الأول: أن الله تعالى قال في حق الإماء: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ [النساء: ٢٥] فجعل حد الإماء نصف حد المحصنات من الحرائر. والرجم لا يتنصّف، فلا يصحّ أن يكون حدّا للمحصنات من الحرائر. والثاني: أن الله تعالى فصّل أحكام الزنى وأطنب فيها بما لم يطنب في غيرها، والرجم أقصى العقوبات وأشدها، فلو كان مشروعا كان أولى بالذكر. والثالث: أن قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ يقتضي وجوب الجلد وعمومه لكل الزناة. وإيجاب الرجم على بعضهم يقتضي تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وهو غير جائز على مذهبهم. وأجاب الجمهور على الأول بأن المراد من المحصنات في قوله تعالى: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ الحرائر. والحرائر نوعان: ثيبات وأبكار، وحد النوعين على التوزيع الرجم وجلد مئة، ولما كان الرجم لا يتنصّف كان العذاب مخصوصا بغير الرجم للدليل العقلي، وكان الرجم غير مشروع في حق الأرقاء. وتقدّم لك شيء من هذا في تفسير قوله تعالى: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ في سورة النساء. وعن الثاني بأن الأحكام الشرعية كانت تنزل بحسب تجدّد المصالح فلعل المصلحة التي اقتضت وجوب الرجم حدثت بعد نزول هذه الآيات، وكفى بالسنة ووظيفتها البيان والتكميل- بيانا وتفصيلا.

стр. 525

وعن الثالث بأنّ تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز عندنا، لأنّ اللفظ العام في القرآن الكريم وإن كان قطعيا في متنه ظني في دلالته، فأمكن تخصيصه بالدليل المظنون، وإن سلمنا أنّ خبر الآحاد لا يخصص القرآن فلا نسلم أنّ الرجم ثبت بطريق الآحاد، بل هو ثابت بالتواتر. رواه أبو بكر وعمر وعلي ﵃ وجابر وأبو سعيد الخدري وبريدة الأسلمي وزيد بن خالد في آخرين من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فهو على الأقل متواتر المعنى كشجاعة علي وجود حاتم. والآحاد إنما هي في تفاصيل صوره وخصوصياته. والخوارج كسائر المسلمين يوجبون العمل بالمتواتر معنى كالمتواتر لفظا إلا أن انحرافهم عن الصحابة، وتركهم التردد إلى علماء المسلمين والرواة منهم أوقعهم في جهالات كثيرة. ولقد عابوا على عمر بن عبد العزيز ﵁ القول بالرجم، وقالوا: ليس في كتاب الله تعالى فألزمهم بأعداد الركعات ومقادير الزكوات فقالوا: ذلك من فعله ﷺ وفعل المسلمين. فقال: وهذا أيضا كذلك. وكان عمر بن الخطاب ﵁ ألهم أمر هؤلاء الخوارج، فقد روي عن ابن عباس أنّه قال: سمعت عمر ﵁ يخطب ويقول: إن الله بعث محمدا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها وو عيناها، ورجم رسول الله ﷺ ، ورجمنا بعده، وأخشى إن طال بالناس زمن أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله تعالى فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى في كتابه، فإنّ الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال أو النساء، قامت البينة أو كان حمل أو اعتراف، والله لولا أن يقول الناس زاد في كتاب الله تعالى لكتبتها. أخرجه الستة «١» . وروى الزهري بإسناده عن ابن عباس أن عمر قال: قد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله تعالى فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، وقد قرأنا الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، فرجم النبي ﷺ ورجمنا بعده. دليل الظاهرية والرد عليهم استدل أهل الظاهر على وجوب الجلد والرجم في حد المحصن بالعموم في الآية مع ما رواه أبو داود عن عبادة بن الصامت ﵁ من قوله ﷺ : «والثيب بالثيب جلد مئة ورمي بالحجارة» وفي رواية غيره «ورجم بالحجارة» .

стр. 526

وما رواه البخاري وغيره عن علي كرم الله وجهه من قوله حين جلد شراحة ثم رجمها: جلدتها بكتاب الله تعالى ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ . وأجاب الجمهور بأن الآية مخصوصة وخبر أبي داود متروك العمل بما رواه الستة «١» عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أنشدك بالله إلا قضيت لي بكتاب الله تعالى، فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله تعالى وائذن لي. فقال رسول الله ﷺ : «قل» . فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أنّ على ابني الرجم فافتديت منه بمئة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنّ على ابني جلد مئة وتغريب عام، وإن على امرأة هذا الرجم. فقال: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى، الوليدة والغنم ردّ عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام، واغد يا أنيس- لرجل من أسلم- إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» ، فغدا عليها فاعترفت فأمر بها النبي ﷺ فرجمت. فقد دل هذا الحديث على أنّ الرجم هو تمام الحد على المحصن، ولو وجب الجلد إذ ذاك لذكره النبي ﷺ . وإنّ قصة ما عز رويت من جهات مختلفة وليس فيها ذكر الجلد مع الرجم، وكذا قصة الغامدية. وقد تكرر الرجم في زمانه ﷺ ولم يرو أحد أنه جمع بينه وبين الجلد، فقطعنا بأنّ حد المحصن لم يكن إلا الرجم. وأما جلد علي كرم الله وجهه شراحة، ثم رجمه إياها فهو رأي له لا يقاوم ما ذكر من القطع عن رسول الله ﷺ ، وكذلك لا يقاوم إجماع غيره من الصحابة رضوان الله عنهم. ولعل عمله هذا محمول على مثل ما رواه أبو داود عن جابر ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ برجل زنى فجلد الحد، ثم أخبر أنّه محصن فأمر به فرجم. وأيضا فإنّ المعنى المعقول يأبى اجتماع الجلد مع الرجم، لأن الجلد حينئذ يعرى عن المقصود الذي شرع الحد لأجله، وهو الانزجار أو قصده إذ كان القتل لا حقا له. وللشافعية قاعدة في مثل هذا وهي أن الفعل إذا كان له جهتا عموم وخصوص،

стр. 527

وكان لكل من جهتيه حكم فإنّه إذا أوجب أعظم الأمرين بجهة خصوصه لا يوجب أدونهما بجهة عمومه: مثاله خروج المني من القبل لمّا أوجب أعظم الأمرين وهو الغسل بخصوص كونه خروج مني لم يوجب أدونهما وهو الوضوء بعموم كونه خارجا، كذلك زنى المحصن لما أوجب أعظم الحدين وهو الرجم بخصوص كونه زنى محصن لم يوجب أدونهما وهو الجلد بعموم كونه زنى. أقوال الفقهاء في النفي علمت أن الحنفية «١» يقولون: إنّ النفي ليس من الحد في شيء، وإنه مفوّض إلى رأي الإمام، وحجتهم في ذلك ظاهر الآية الكريمة، فإنها اقتصرت في مقام البيان على مئة جلدة، فلو كان النفي مشروعا لكان ذلك نسخا للكتاب، وجميع ما روي عن النبي ﷺ في النفي لم يخرج عن كونه من أخبار الآحاد، وأخبار الآحاد لا تقوى على نسخ الكتاب، ولو كان النفي حدّا مع الجلد لكان من النبي ﷺ توقيف للصحابة، لئلا يعتقدوا عند سماع التلاوة أنّ الجلد هو جميع الحد، ولوجب أن يكون وروده في وزن ورود نقل الآية وشهرتها. فلما لم يكن خبر النفي بهذه المنزلة، بل كان وروده من طريق الآحاد ثبت أنه ليس بحد. وقد روى الستة «٢» غير النسائي عن أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ قالا: سئل رسول الله ﷺ عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال: «إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير» . قال مالك: الضفير الحبل، وفي رواية: «فليجلدها ولا تثريب عليها» فظاهر الحديث أنّ الجلد هو تمام الحد، ولو كان النفي من الحد لذكره النبي ﷺ . وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه غرّب ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر، فلحق بهر قل فقال عمر: لا أغرب بعدها أحدا ولم يستثن الزنى. وروي عن علي كرّم الله وجهه أنه قال في البكرين إذا زنيا: إنهما يجلدان ولا ينفيان، وإنّ نفيهما من الفتنة. فإذا كانت الأخبار المثبتة للنفي معارضة بما سمعت، وهي بعد لم تخرج عن كونها أخبار آحاد، فليس بجائز أن نزيد في حكم الآية بهذه الأخبار، لأنّه يوجب

стр. 528

النسخ على ما سمعت، لا سيما مع إمكان استعمالها على وجه لا يوجب النسخ في الآية، ولا يدفع حكم الأخبار، وذلك بإبقاء الآية على حكمها، وأن الجلد هو تمام الحد، وجعل النفي على وجه التعزيز، ويكون النبي ﷺ قد رأى في ذلك الوقت نفي البكر لأنهم كانوا حديثي عهد بالجاهلية، فرأى ردعهم بالنفي بعد الجلد، كما أمر بشق روايا الخمر، وكسر الأواني، لأنّه أبلغ في الزجر، وأحرى بقطع العادة. والقائلون بأن النفي من تمام الحد احتجوا بحديث عبادة بن الصامت وقد تقدم، وفيه تنصيص على أن النفي من الحد، وقد ورد مثله في قصة العسيف، وتكرّر ذكر النفي فيها على أنّه من الحد، ولا مانع من الزيادة على حكم الآية بخبر الآحاد. على أنّه ليس ذلك زيادة في حكم الآية، فإنّ إيجاب الجلد المفهوم من الآية مشترك بين إيجاب الجلد مع التغريب، وإيجابه مع نفي التغريب، ولا إشعار في الآية بأحد القسمين، إلا أن عدم التغريب للبراءة الأصلية، فإيجابه بخبر الواحد لا يدفع حكم الآية، ولا يزيل إلا محض البراءة الأصلية. والحاصل أنّ القائلين بالنفي يجعلون الجلد في الآية من قبيل الماهية بلا شرط شيء، والقائلين بعدم النفي يجعلون الجلد في الآية من قبيل الماهية بشرط لا شيء. أقوال الفقهاء في حد الذمي المحصن ترى الحنفية «١» أنّ حدّ الذمي المحصن هو الجلد لا الرجم، واحتجوا على ذلك بأمور: ١- منها ما رواه إسحاق بن راهويه بسنده عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «من أشرك بالله فليس بمحصن» «٢» ووجه الدلالة فيه أن الإحصان هنا ظاهر في إحصان الرجم، فيكون هذا الحديث معارضا لما ثبت من فعله ﷺ ، من رجم اليهوديين، وليس تاريخ يعرف به تقدم أحدهما على الآخر، فنرجع إلى الترجيح، والترجيح معنا، إذ المعلوم أنه إذا تعارض القول والفعل، ولم يعلم المتقدم من المتأخر، يقدّم القول على الفعل، ولأنّ هذا القول موجب لدرء الحد، والفعل يوجب استيفاءه، والأولى في الحدود ترجيح الرافع عند التعارض، لأنّ الحدود تدرأ بالشبهات، ورجم الذمي حدّ تمكنت فيه الشبهة، فيجب درؤه. ٢- وإن النعمة في حق المسلم أعظم، فكانت جنايته أغلظ، كقوله تعالى في أمهات المؤمنين: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [الأحزاب: ٣٠] .

стр. 529

٣- وإن إحصان القذف يعتبر فيه الإسلام بالإجماع، فكذا إحصان الرجم، والجامع كمال النعمة. ويرى الشافعية أنّ حد الذمي المحصن الرجم، وحجتهم في ذلك عموم قوله ﷺ : «إذا قبلوا الجزية فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين» . وما ثبت في «الصحيحين» «١» من أنه النبي ﷺ رجم يهوديين زنيا ، فإن كان ذلك منه ﷺ حكما بشرعه فهو ظاهر، وإن كان حكما بشرع من قبله فقد صار شرعا له، وأيضا فإنّ زنى الكافر مثل زنى المسلم في الحاجة إلى الزاجر. ثم أجابوا عن أدلة الحنفية فقالوا في الحديث: إنه مضطرب، قال فيه إسحاق: قد رفع هذا الخبر مرة ووقف على ابن عمر مرة أخرى، ورواه الدارقطني في «سننه» وقال: لم يرفعه غير إسحاق بن راهويه، ويقال: إنه رجع عنه، والصواب تفسير الإحصان في قوله ﷺ : «من أشرك بالله فليس بمحصن» بالتزويج يجعل الحديث في ظاهره مصادما للواقع، فينبغي أن يكون المراد بالمحصن فيه المحصن الذي يقتصّ له من المسلم، فيكون الذمي الثيب محصنا إحصان الرجم، فثبت رجمه لعموم قوله ﷺ : «وزنى بعد إحصان» . وأجابوا عن قول الحنفية: أن النعمة في حق المسلم أعظم إلخ بأنه معارض بأن الإسلام من كسب العبد، وزيادة الخدمة إن لم تكن سببا في تخفيف العقوبة فلا أقل من ألا تكون سببا في زيادتها. وأجابوا عن القياس على حد القذف بأن حد القذف ثبت لرفع العار كرامة للمقذوف، والكافر لا يكون محلا للكرامة، وصيانة العرض. الكلام فيمن يلي الحد الخطاب في قوله تعالى: فَاجْلِدُوا لأولياء الأمر من الحكام، لأنّ هذا حكم يتعلّق باستصلاح الناس جميعا، وكل حكم من هذا القبيل فإنما تنفيذه على الإمام. وقد جعل الفقهاء مثل هذا الأمر من الأدلة على وجوب نصب الخليفة، لأنه تعالى أمر بإقامة الحد، ولا يقوم به إلا الإمام، وما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبا. ولا نعلم خلافا في أنّ الذي يلي إقامة الحد على الأحرار إنما هو الإمام أو نائبه. أما الأرقاء ففيمن يلي حدهم خلاف. فالإمامان مالك والشافعي يجيزان للسيد أن

стр. 530

يحد عبده وأمته في الزنى والخمر والقذف. وللشافعي في السرقة قولان، والإمام أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر يقولون لا يملك السيد أن يقيم حدا ما. احتجّ مالك والشافعي بما أخرجه الستة «١» غير النسائي من قوله ﷺ في الأمة: «إن زنت فاجلدوها» الحديث، وبما روى مسلم وأبو داود والنسائي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم من أحصن ومن لم يحصن» «٢» . وبما روي عن ابن عمر ﵄ أنه أقام حدا على بعض إمائه، فجعل يضرب رجليها وساقيها، فقال له سالم ﵀: أين قول الله تعالى: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ؟ فقال: أتراني أشفقت عليها، إنّ الله لم يأمرني أن أقتلها. ولم يكن ابن عمر واليا ولا نائبا عن وال. وبأنّ الإمام لما ملك إقامة الحد على العبد كان السيد بإقامته أولى، لأن تعلّق السيد بالعبد أقوى من تعلق الإمام بالرعية، إن الملك أقوى من عقد البيعة، وإقامة الحد من السيد إنما هي بطريق الملك لغرض الاستصلاح كالحجامة والفصد. واحتج الحنفية بأنّ قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ عامّ في كل زان وزانية، والخطاب فيه لا شك أنه خطاب مع الأئمة دون سائر الناس، ولم يفرّق في المحدودين بين الأحرار والعبيد «٣» ، فوجب أن تكون إقامة الحد على الأحرار وعلى العبيد للأئمة دون سائر الناس. ثم أجاب الحنفية عن الأحاديث التي يفيد ظاهرها إثبات حد الأرقاء لمواليهم بأن المراد أن الموالي يرفعون أمر عبيدهم إلى الحكام ليجلدوهم ويقيموا الحد عليهم، وجلد ابن عمر بعض إمائه إن صحّ كان رأيا له لا يعارض العموم في الآية. حكم اللواط والسحاق وإتيان البهائم قال الله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ فخصّ هذا الحكم بالزنى، ومعلوم أنّ العرف واللغة يفرّقان بين الزنى واللواط والسحاق وإتيان البهائم، فليس واحد من هذه الثلاثة الأخيرة داخلا في حكم الآية. ولما نقل عن الشافعي في أصح قوليه: إن حكم اللواط كحكم الزنى قال بعض أصحابه: إن اللواط زنى، لأنّه مثل الزنى في الصورة وفي المعنى، فيكون اللائط زانيا فيدخل في عموم الآية.
следующие страницы →