← Тафсир

Тафсир · id 23600

تفسير التستري - ط العلمية

سهل التستري

Полный текст (216 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

السورة التي يذكر فيها المؤمنون ﴿قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [١، ٢] قيل: ما الخشوع؟ قال: الخشوع علانية، وهو الوقوف بين يدي الله تعالى على الإقامة على شروط آداب الآمر، وهو تخليص الحركات والسكون عما سواه، وأصل ذلك الخشية في السر، فإذا أعطي الخشية ظهر الخشوع على ظاهره، وهي من شروط الإيمان. وقد حكي عن الحسن بن علي (١) ﵁ أنه إذا فرغ من وضوئه تغير لونه، فقيل له في ذلك، فقال: يحق على من أراد أن يدخل على ذي العرش أن يتغير لونه. ويروى عن النبي ﷺ أنه قال لمعاذ (٢): «يا معاذ: إن المؤمن قد قيده القرآن عن كثير من هوى نفسه، وحال بينه وبين أن يهلك فيما هوي بإذن الله، إن المؤمن لذي الحق أسير. يا معاذ: إن المؤمن يسعى في فكاك رقبته. يا معاذ: إن المؤمن لا تسكن روعته، ولا يؤمن اضطرابه حتى يخلف جسر جهنم. يا معاذ: إن المؤمن يعلم أن عليه رقباء على سمعه وبصره ولسانه ويده ورجليه وبطنه وفرجه، حتى اللمحة ببصره، وفتات الطينة بإصبعه، وكحل عينه، وجميع سعيه، التقوى رفيقه، والقرآن دليله، والخوف محجته، والشوق مطيته، والوجل شعاره، والصلاة كهفه، والصيام جنته، والصدقة فكاكه، والصدق وزيره، والحياء أميره، وربه من وراء ذلك بالمرصاد. يا معاذ: إني أحب لك ما أحب لنفسي، وأنهيت إليك ما أنهى إلي جبريل صلوات الله عليه، فلا أعرفن أحدا يوافيني يوم القيامة أسعد بما آتاك الله تعالى منك» (٣).

стр. 107

﴿قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [١٧] يعني الحجب السبعة التي تحجبه عن ربه . فالحجاب الأول عقله، والثاني علمه، والثالث قلبه، والرابع خشيته، والخامس نفسه، والسادس إرادته، والسابع مشيئته. فالعقل باشتغاله بتدبير الدنيا، والعلم بمباهاته مع الأقران، والقلب بالغفلة، والخشية بإغفالها عن موارد الأمور عليها، والنفس لأنها مأوى كل بلية، والإرادة إرادة الدنيا والإعراض عن الآخرة، والمشيئة بملازمة الذنوب. قوله: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاِعْمَلُوا صالِحاً﴾ [٥١] يعني كلوا من الحلال قواما مع حفظ الأدب. والقوام ما يمسك به النفس، ويحفظ فيه القلب والأدب فيه شكر المنعم، وأدنى الشكر أن لا تعصيه بنعمة. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [٥٧] قال: الخشية انكسار القلب من دوام الانتصاب بين يديه، ومن بعد هذه المرتبة الإشفاق، وهو أرق من الخشية، واللطف والخشية أرق من الخوف، والخوف أرق من الرهبة، فلكل منها صفة ومكان. قوله: ﴿فَمَا اِسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ﴾ [٧٦] قال: ما أخلصوا لربهم في العبودية، ولا ذلوا له بالوحدانية.

стр. 108

السورة التي يذكر فيها النور ﴿قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها﴾ [١] أي جمعناها وبينا حلالها وحرامها. قوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [٢٢] يعني وليعفوا عن ظلم الناس لهم. وحكي عن سفيان الثوري أنه قال: أوحى الله تعالى إلى عزير أنك إن لم تطب نفسا أن تكون مضغة في أفواه الآدميين، لم أكتبك عندي من المتواضعين. قال: فقال عزير: إلهي، فما علامة من صافيته في مودتك. فقال: أقنعه بالرزق اليسير، وأحركه للخطر العظيم، قليل المطعم، كثير البكاء، يستغفرني بالأسحار، ويبغض فيّ الفجار. قوله: ﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [٢٦] قال: الخبيثات القلوب من النساء للخبيثي القلوب من الرجال، والخبيثو القلوب من الرجال للخبيثات القلوب من النساء. قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ [٣٠] أي غضوا أبصاركم عن محارم الله تعالى، هو عن النظر من غير غيرة. وروي عن عبادة بن الصامت (١) عن النبي ﷺ أنه قال: «اضمنوا لي ستة أضمن لكم الجنة، أصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم» (٢). وحكي عن ابن عمر ﵁ أنه سئل: أكان رسول الله ﷺ يلتفت في الصلاة؟ قال: ولا في غير الصلاة. قوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [٣١] قيل: ما التوبة؟ قال: أن تبدل بدل الجهل العلم وبدل النسيان الذكر وبدل المعصية الطاعة. قوله تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [٣٥] يعني مزين السماوات والأرض بالأنوار، ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ [٣٥] يعني مثل نور محمد ﷺ . قال الحسن البصري: عنى بذلك قلب المؤمن وضياء التوحيد، لأن قلوب الأنبياء صلوات الله عليهم أنور من أن توصف بمثل هذه

стр. 109

الأنوار، وقال: النور مثل نور القرآن مصباح، المصباح سراجه المعرفة وفتيلته الفرائض ودهنه الإخلاص ونوره نور الاتصال. فكلما ازداد الإخلاص صفاء، ازداد المصباح ضياء، وكلما ازداد الفرائض حقيقة ازداد المصباح نورا. قوله: ﴿يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ﴾ [٣٧]، يعني يوم البعث تتقلب فيه القلوب والأبصار حالا بعد حال لا يدومون على حال، فالمؤمن الذي يخاف هذا اليوم. وقد حكي عن الحسن أنه قال: ذكر عنده أن رجلا يخرج من النار بعد ألف عام، فقال الحسن: يا ليتني أنا هو (١). وحكي عن عون بن عبد الله (٢) أنه قال: أوصى لقمان ابنه قال: يا بني ارج الله رجاء لا تأمن فيه مكره، وخف الله تعالى خوفا لا تيأس فيه من رحمته. فقال: كيف أستطيع ذلك ولي قلب واحد؟ فقال: يا بني إن المؤمن لذو قلبين: قلب يرجو الله به، وقلب يخافه به (٣)، والله أعلم.

стр. 110

السورة التي يذكر فيها الفرقان ﴿قوله تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ﴾ [١] قال سهل: يعني جلّ وعلا من خصّ محمدا ﷺ بإنزال الفرقان عليه ليفرق بين الحق والباطل، والولي والعدو، والقريب والبعيد، ﴿عَلى عَبْدِهِ﴾ [١] أي على عبده الأخلص ونبيه الأخصّ وحبيبه الأدنى وصفيه الأولى، ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ [١] أي يكون للخلق سراجا ونورا نهدي به إلى أحكام القرآن، ويستدلون به على طريق الحق ومنهاج الصدق. قوله: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ [٢٠] قال: إن الله تعالى أمر بالصبر على ما جعل للإنسان فيه فتنة، ومن ذلك قلة الإطراق إلى ما في أيدي الناس. وقد روى أبو أيوب (١) عن النبي ﷺ أنه أتاه رجل فقال: «إذا قمت إلى صلاتك فصلّ صلاة مودع ولا تكلمن بكلام تعتذر منه غدا، واجمع اليأس مما في أيدي الناس» (٢)، وقد كان السلف يغتنمون ذلك حتى حكي عن حذيفة (٣) أنه قال: إن أقرّ أيامي لعيني ليوم أرجع إلى أهلي، فيشكون إلي الحاجة، وذلك أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ليحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي المريض أهله الطعام والشراب، وإن الله ليتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده بالخير» (٤).

стр. 111

﴿قوله تعالى: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [٢٨] قال: أصح الخلة ما لا يورث الندامة، وليس ذلك إلا الأنس بالله تعالى، والعزلة عن الخلق. وكان رسول الله ﷺ يلازم الخلوة لما فتح الله في قلبه من العلم، فكان يحب التفكر فيه. وما من رجل حسنت صلاته إلا واستأنس به كل شيء. والرجل يكون نائما، فيحركه من نومه أوقات الصلاة فينتبه، وهذا من إخوانه من الجن قد استأنس به، وربما يسافرون معه إذا سافر، ويؤثرونه على أنفسهم، وربما استأنس به الملائكة. وقد سأل رجل سهلا فقال: إني أريد أن أصحبك. فقال: إذا مات أحدنا فمن يصحب الباقي فليصحبه الآن. وكان الربيع بن خيثم جالسا على باب داره يوما، فجاء حجر فصكّ جبهته فشجه، وقال: لقد وعظت يا ابن خيثم، فدخل منزله وأغلق الباب على نفسه، فما رؤي جالسا مجلسه ذلك حتى مات (١). قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [٥٨] سئل ابن سالم عن التوكل والكسب بأيهما تعبد الخلق؟ قال: التوكل حال الرسول ﷺ ، والكسب سنته. وإنما استنّ الكسب لهم لضعفهم حين أسقطوا عن درجة التوكل الذي هو حاله، فلم يسقطهم عن درجة طلب المعاش بالكسب الذي هو سنته، ولولا ذلك لهلكوا (٢). قال سهل: من طعن في الكسب فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان (٣). قوله: ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً﴾ [٦٣] أي صوابا من القول وسدادا. وقال الحسن البصري ﵀: هذا دأبهم في النهار، فإذا دخل الليل كانوا كما وصف الله في آخر الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً﴾ [٦٤]. قوله: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ﴾ [٧٠] قال: لا تصح التوبة لأحدكم حتى يدع الكثير من المباح، مخافة أن يخرجه إلى غيره، كما قالت عائشة ﵂: اجعلوا بينكم وبين الحرام سترا من الحلال، كان رسول الله ﷺ يدعنا بعد الطهر ثلاثا حتى تذهب فورة الدم. قوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [٧٢] قال: الزور مجالس المبتدعين. والله أعلم.

стр. 112

السورة التي يذكر فيها الشعراء ﴿قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [٣] قال: أي مهلك نفسك باتباع المراد في هدايتهم، وقد سبق الحكم منا بما يكون من إيمان المؤمن وكفر الكافر، فلا تغيير ولا تبديل، وباطن ذلك أنك شغلت نفسك عنا بالاشتغال بهم حرصا على إيمانهم، ما عليك إلا البلاغ، فلا يشغلك الحزن في أمرهم عنا. قوله: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ﴾ [٥] قال: أي ما أحدث لهم من علم القرآن الذي لم يكونوا يعلمونه من قبل، وهو النزول، إلا أعرضوا عنه، ليس أن يكون الذكر في نفسه محدثا، لأنه من صفات ذات الحق، ليس بمكون ولا مخلوق. قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [٧٨] قال: الذي خلقني لعبوديته يهديني إلى قربه. قوله: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [٧٩] قال: يطعمني لذة الإيمان، ويسقيني شراب التوكل والكفاية. قوله: ﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [٨٠] قال: يعني إذا تحركت بغيره لغيره عصمني، وإذا ملت إلى شهوة من الدنيا منعها عني. قوله: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [٨١] قال: الذي يميتني بالغفلة ثم يحييني بالذكر. قوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [٨٢] أخرج كلامه على شروط الأدب بين الخوف والرجاء، ولم يحكم عليه بالمغفرة. قوله تعالى: ﴿وَاِجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [٨٤] قال: ارزقني الثناء في جميع الأمم والملأ. قوله : ﴿إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [٨٩] قال: الذي سلم من البدع مفوض إلى الله أمره راض بقدر الله. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [٢١٢] قال: يعني عن استماع القرآن والفهم في محل الأوامر والنواهي. قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [٢١٤] قال: خوّف الأقرب منك واخفض جناحك للأبعدين، دلّهم علينا بألطف الدلالات، وأخبرهم بأني جواد كريم. قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً﴾ [٢٢٧] قال: خلق الله تعالى السر وجعل حياته في ذكره، وخلق الظاهر وجعل حياته في حمده وشكره، وجعل عليهما الحقوق، وهي الطاعة، والله أعلم.

стр. 113

السورة التي يذكر فيها النمل ﴿قوله تعالى: ﴿إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلاّ مَنْ ظَلَمَ﴾ [١٠، ١١] قال: لم يكن في الأنبياء والرسل ظالم، وإنما هذه مخاطبة لهم كناية عن قومهم، كما قال للنبي ﷺ : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] والمقصود من ذلك أمته، فإنهم إذا سمعوا ما خوطب به النبي ﷺ من التحذير كانوا أشد حذرا. قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [١٩] قال: ليس للعبد أن يتكلم إلا بأمر سيده، وأن يبطش إلا بأمره، وأن يمشي إلا بأمره، وأن يأكل وينام ويتفكر إلا بأمره، وذلك أفضل الشكر الذي هو شكر العباد لسيدهم. قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [١٩] قال: يعني ارزقني قربة أوليائك، لأكون من جملتهم، وإن لم أصل إلى مقامهم. قوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [٥٢] قال: الإشارة في البيوت إلى القلب، فمنها ما هو عامر بالذكر، ومنها ما هو خرب بالغفلة، ومن ألهمه الله بالذكر فقد خلصه من الظلم. قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اِصْطَفى﴾ [٥٩] قال: أهل القرآن يلحقهم من الله السلام في العاجل بقوله: ﴿وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ﴾ [٥٩] وسلام في الآجل، وهو قوله: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]. قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ﴾ [٦٢] قيل: من المضطر؟ قال: الذي إذا رفع يديه لا يرى لنفسه حسنة غير التوحيد، ويكون منه على خطر (١). وقال مرة أخرى: المضطر هو المتبرئ من الحول والقوة والأسباب المذمومة (٢).

стр. 114

والدعوة صنفان: دعاء المضطر، ودعاء المظلوم وهي مستجابة من الناس لا محالة، مؤمنا كان أو كافرا، لأن الله تعالى يقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ﴾ [٦٢]، كقوله: ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ [٦٤] ودعاء المظلوم يرفع فوق الحجاب، ويقول الله تعالى: «وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين». قوله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ﴾ [٦٥] قال: أخفى غيبه عن المخلوقين بجبروته، ولم يطلع عليه أحدا، لئلا يأمن أحد من عبيده مكره، فلا يعلم أحد ما سبق له منه، فيكون همهم في إبهام العواقب ومجاري السوابق، لئلا يدعو ما لا يليق بهم من أنواع الدعاوي في المحبة والمعرفة وغير ذلك. قال: كان مائة ألف صديق ظاهرين للخلق، حتى كان لا يسمع أصوات الميازيب ببيت المقدس من المجتهدين بالميل، فلما ظهر شيئان، سألوا الله تعالى فأماتهم دعوى الحب ودعوى التوكل. فقيل له في القول قول الحارث (١) حيث قال: سهرت ليلي وأظمأت نهاري (٢). فقال: يعني لا حاجة لي إلى الكشف، لأنه حظ الكفار في الدنيا، فأنا لا أشاركهم في حظهم، فلذلك قلت: أنا مؤمن. قيل له: قوم يقولون مثل ما قال الحارث، فقال: دعواهم باطلة، وكيف تصح لهم الدعوى، ولم يدع ذلك أبو بكر وعمر ﵄، وكانت شعرة في صدرهما أفضل من الحارث، وإنما قال ذلك الحارث ﵁ لا بنفسه، وإنما أظهر الله ذلك فتنة لمن بعده من المدعين، فكيف يصح لهؤلاء أن يدعوا ذلك لأنفسهم. قال تعالى: ﴿﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾ [٧٣] قال: منعه فضل، كما أن عطاءه فضل، ولكن لا يعرف مواضع فضله في المنع إلا خواص الأولياء. قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [٨٨] قال: إنّ الله تعالى نبه عباده على تقضي الأوقات وغفلتهم فيها، فجعل الجبال مثلا للدنيا، يظن الناظر أنها واقفة معه وهي آخذة بحظها منه، ولا يبقى بعد الانقضاء إلا الحسرة على الفائت الناظر أنها واقفة معه، وهي آخذة.

стр. 115

السورة التي يذكر فيها القصص قوله تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [١١] أي عن بعد عن مشاهدة عيننا فيه. ﴿قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ [٨] أي رفعوه ليكون لهم فرحا وسرورا ولم يعلموا، إنما أضمرت القدرة فيه من تصييره لهم عدوا وحزنا. قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً﴾ [١٠] أي فارغا من ذكر غير الله، اعتمادا على وعد الله، ﴿إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [٧]. قوله: ﴿فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [٢٤] رجع إلى الله بالافتقار والتضرع، فقال: إني لما عودتني من جميل إحسانك على الدوام، فقير إلى شفقتك، ونظرك إلي بعين الرعاية والكلاءة، فردني من وحشة المخالفين إلى أنس الموافقين، فرزقه الله صحبة شعيب صلوات الله عليهما وأولاده. قوله تعالى: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [٦٠] قال: من أخذ من الدنيا بشهوة منه حرمه الله في الدنيا والآخرة ما هو خير منها، ومن أخذ منها لضرورة دخلت بنفسه أو لحق لزمه لم يحرم ما هو خير في الدنيا، لذة العبادة ومحبة الحق ، وفي الآخرة الدرجات العلى (١). وقيل لعامر بن عبد قيس (٢): لقد رضيت من الدنيا باليسير. قال: أفلا أخبركم بمن رضي بدون ما رضيت؟ قالوا: بلى. قال: من رضي الدنيا حظا من الآخرة (٣).

стр. 116

﴿قوله: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [٧٦] قال: من فرح بغير مفروح استجلب حزنا لا انقطاع له، وليس للمؤمن راحة دون لقاء الحق جل وعز. وحكي عن الأعمش (١) قال: كنا نشهد جنازة فلا ندري من نعزي من حزن القوم (٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [٧٨] قال: ما نظر إلى نفسه أحد فأفلح، ولا ادعى لنفسه حالا فتم له. والسعيد من الخلق من صرف بصره عن أحواله، وأفعاله سبيل الفضل والإفضال، ورؤية منة الله في جميع الأفعال؛ والشقي من زين نفسه وأحواله وأفعاله حتى افتخر بها، وادعى ذلك لنفسه، فشؤمه يهلكه يوما ما وإن لم يهلكه في الوقت، ألا ترى الله كيف حكى عن قارون بقوله: ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [٧٨] يعني الفضل، وهو أنه كان أقرأهم للتوراة (٣)، فادعى لنفسه فضلا، فخسف الله به الأرض ظاهرا، وكم قد خسف بالأشرار وصاحبها لا يشعر بذلك، وخسف الأشرار هو منع العصمة، والرد إلى الحول والقوة بإطلاق اللسان في الدعاوي العريضة، والعمى عن رؤية الفضل، والقعود عن القيام بالشكر على ما أعطي، فحينئذ يكون وقت الزوال.

стр. 117

السورة التي يذكر فيها العنكبوت ﴿قوله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [١، ٢] قال: أي لا يصيبهم البلاء، وإنما البلاء باب بين أهل المعرفة وبين الحق . وحكي أن الملائكة تقول: يا رب، عبدك الكافر بسطت له الدنيا وزويت عنه البلاء، فيقول للملائكة: اكشفوا لهم عن عقابه، فإذا رأوه قالوا: لا ينعمه ما أصاب من الدنيا. وتقول: يا رب، عبدك المؤمن تزوي عنه الدنيا وتعرضه للبلاء. فيقول للملائكة: اكشفوا لهم عن ثوابه، فإذا رأوا ثوابه قالوا: لا يضره ما أصابه في الدنيا (١). وقال: اجعلوا صلاتكم الصبر على البأساء، وصومكم الصمت، وصدقتكم كف الأذى، والصبر على العافية أشد منه على البلاء. ومنه قيل: طلب السلامة أن لا تتعرض للبلاء. قوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ﴾ [١٧] قال: اطلبوا الرزق بالتوكل لا بالكسب، فإن طلب الرزق بالكسب طريق العوام. وحكي عن عيسى بن مريم ﵇ أنه قال: بحق أقول لكم: لا الدنيا تريدون ولا الآخرة. قالوا: بيّن لنا ذلك يا نبي الله، وقد كنا نرى أنا نريد أحدهما. فقال: لو أطعتم رب الدنيا الذي بيده مفاتيح خزائنها لأعطاكموها، ولو أطعتم رب الآخرة لأعطاكموها ولكن لا هذه تريدون ولا تلك (٢). قوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ [٢١] بمتابعة البدعة، ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ﴾ [٢١] بملازمة السنة. قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ [٤٣] قال: ضرب الله الأمثال للناس عامة، إذ شواهد القدرة تدل على القادر، ولا يعقلها إلا خاصته، فالعلم أعز، والفقه عن الله أخص، فمن عرف علم نفسه الطبيعية وحده وهم، ومن عرفه بعلم الله فالله عرف مراده منه لنفسه، وليس مع الخلق من معرفة الحق وراء ذلك، وإنما وقعت الإشارة إليه لبعد قلوبهم عن المعرفة في الحقيقة، ألا ترى إلى قوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [٤٥] قال: في هذه الآية تزيين الانصراف عن الفحشاء والمنكر بواحدة وهو الإخلاص في الصلاة، وكل صلاة لا تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولا يوجد فيها تزيين الانصراف عن ذلك فهي معلولة، والواجب تصفيتها. قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [٥٦] قال: يعني إذا عمل بالمعاصي والبدع في أرض فاخرجوا منها إلى أرض المطيعين. وقد قال النبي ﷺ : «الفارّ بدينه عند فساد الأمة له أجر سبعين شهيدا في سبيل الله »، والله أعلم.

стр. 118

السورة التي يذكر فيها الروم ﴿قوله تعالى: ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [٤] يعني من قبل كل شيء، ومن بعد كل شيء، لأنه هو المبدئ والمعيد، سبق تدبيره في الخلق، لأنه عالم بهم في الأصل والفرع. قوله: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ [٤٠] قال: أفضل الرزق السكون إلى الرازق. قوله ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [٤٠] يعني يهلككم. قال: إن الله تعالى خلق الخير والشر، ووضع الأمر والنهي، فاستعبدنا بالخير وقرنه بالتوفيق، ونهانا عن الشر وقد قرن ارتكابه بترك العصمة والخذلان، فالجميع خلقه، فمن وفق للخير وجب عليه الشكر، ومن ترك مع الشر وجب عليه الاستغاثة بالله . قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [٤١] قال: مثل الله تعالى الجوارح بالبر، ومثل القلب بالبحر، وهم أعم نفعا وأكثر خطرا، هذا باطن الآية، ألا ترى أن القلب إنما سمي قلبا لتقلبه وبعد غوره، ولهذا قال النبي ﷺ لأبي الدرداء (١) ﵁: «جدد السفينة فإن البحر عميق» (٢)، يعني جدد النية لله تعالى من قلبك، فإن البحر عميق، فحينئذ إذا صارت المعاملة في القلوب التي هي بحور ليس له منها مخرج، وخرجت النفس من الوسط، استراحت الجوارح، فصار صاحبها في كل يوم أقرب إلى غورها، وأبعد من نفسه حتى يصل. وسئل عن معنى قوله ﷺ : «من تواضع لغني ذهب ثلثا دينه» (٣) فقال: للقلب ثلاث مقامات: جمهور القلب، ومقام اللسان من القلب، ومقام الجوارح من القلب. وقوله: «ذهب ثلثا دينه» يعني اشتغل من الثلاثة اثنان: اللسان وسائر الجوارح، وبقي الجمهور الذي لا يصل إليه أحد، وهو موضع إيمانه من القلب.

стр. 119

ثم قال: إن القلب رقيق يؤثر فيه كل شيء، فاحذروا عليه واتقوا الله به. فسئل: متى يتخلص القلب من الفساد؟ قال: لا يتخلص إلا بمفارقة الظن والحيل، وكأن الحيل عند ربك كالكبائر عندنا، وقد قال النبي ﷺ : «الكبيرة ما يشرح في صدرك والإثم ما حاك في صدرك وإن أفتاك المفتون وأفتوك. ثم قال: إن اضطرب القلب فهو حجة عليك» (١). قوله: ﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ﴾ [٥٠] قال: ظاهرها المطر، وباطنها حياة القلوب بالذكر، والله أعلم.

стр. 120

السورة التي يذكر فيها لقمان ﴿قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ﴾ [٦] قال: هو الجدال في الدين والخوض في الباطل. قوله: ﴿وَاِتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ﴾ [١٥] يعني من لم يهتد الطريق إلى الحق فليتبع آثار الصالحين لتوصله بركة متابعتهم إلى طريق الحق، ألا ترى كيف نفع اتباع الصالحين كلب أصحاب الكهف، حتى ذكره الله تعالى بالخير مرارا، وقد قال النبي ﷺ في ذلك الحديث: «هم الذين لا يشقى بهم جليسهم» (١). قوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [١٩] فإنه يصيح لرؤية الشيطان، فلذلك سماه الله تعالى منكرا. ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً﴾ [٢٠] الظاهرة محبة الصالحين، والباطنة سكون القلب إلى الله تعالى. قوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [٢٢] قال: من يخلص دينه لله ويحسن أدب الإخلاص، ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾ [٢٢] وهي السنة. قوله: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ [١٨] أي لا تعرض وجهك عمن استرشدك الطريق إلينا، وعرفهم نعمتي وإحساني لديهم. قوله: ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً﴾ [٣٤] أي ما له وعليه في الغيب من المقدور فاحذروه بإقامة ذكره والصراخ إليه، حتى يكون هو المتولي لشأنهم، كما قال: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]. قوله تعالى: ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [٣٤] قال: على أي حكم تموت من السعادة والشقاوة، ولذلك قال الرسول ﷺ : «لا تغرنكم كثرة الأعمال فإن الأعمال بالخواتيم» (٢).

стр. 121

وكان يقول: «يا ولي الإسلام وأهله ثبتني بالإسلام حتى ألقاك به» (١)، وقال: «يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك» (٢)، مع ما أمنه الله من عاقبته، وإنما قال ذلك تأديبا ليقتدوا به، ويظهروا فقرهم وفاقتهم إلى الله ، ويتركوا السكون إلى الأمن من مكره، ولذلك قال إبراهيم ﵊: ﴿وَاُجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] وقال يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] فهذا كله تبرّ من الحول والقوة بالافتقار إليه، كما قال: ﴿لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] أي تبريكم من كل شيء سواي قولا، وقال: أنتم الفقراء إلى الله .

стр. 122

السورة التي يذكر فيها السجدة ﴿قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [٥] قال: يوحي من أمره إلى عبيده ما لهم فيه هدى ونجاة، يطوي لمن رضي رزق القضاة بتدبير الله له، وأسقط عنه سوء تدبيره، ورده إلى حال الرضا بالقضاء والاستقامة في جريان المقدور عليه أولئك من المقربين، وأن الله تعالى خلق الخلق من غير حجاب، ثم جعل حجابهم تدبيرهم. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [١٣] قال: لو شئنا لحققنا دعاوي المحقين، وأدحضنا براهين المبطلين. قوله تعالى: ﴿إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً﴾ [١٥] قال: لا يجد العبد لذة الإيمان حتى يغلب علمه جهله، ويكون الغالب على قلبه الرحمة. قوله تعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ [١٦] قال: إنّ الله تعالى وهب لقوم هبة، وهو أن أدناهم من مناجاته، وجعلهم من أهل وسيلته وصلته، ثم مدحهم إلى إظهار الكرم بأنه وفقهم على ما وفقهم له، فقال: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ [١٦]. قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ [١٦] قال: أي خوفا من هجرانه وطمعا في لقائه. قوله : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [١٧] قال: أعينهم بما شاهدوا من ظاهر الحقائق، وباطنها التي كشفت لهم من مكاشفات، فرأوها وتمسكوا بها، فقرّت أعينهم، وسكنت إليها قلوبهم، وغيرهم لا يعلمون ما أخفي لهم. والله أعلم.

стр. 123

السورة التي يذكر فيها الأحزاب ﴿قوله تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [٤] قال: المتوجه إلى الله قصدا من غير التفات، فمن نظر إلى شيء سوى الله فما هو بقاصد إلى ربه، وإن الله تعالى يقول: ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [٤] قيل: قلب يقبل به على ربه، وقلب يدبر به أمور الدنيا. وللعقل طبعان: طبع للدنيا وطبع للآخرة مؤتلف بطبع نفس الروح، فطبع الآخرة منطبع بطبع نفس الروح، وطبع الدنيا مؤتلف بالنفس الشهوانية. ولهذا قال الرسول ﷺ : «لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» (١)، فإن العبد ما دام مشتغلا بنفسه فهو محجوب عن الله . قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [٦] قال: من لم ير نفسه في ملك الرسول ﷺ ، ولم ير ولاية الرسول ﷺ في جميع الأحوال لم يذق حلاوة سنته بحال، لأن النبي ﷺ هو أولى بالمؤمنين، والنبي ﷺ يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين» (٢). قوله تعالى: ﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً﴾ [٨] قال عبد الواحد بن زيد (٣): الصدق الوفاء لله بالعمل. وسئل سهل عن الصدق فقال: الصدق خوف الخاتمة، والصبر شاهد الصدق، وإنما صعب الصدق على الصديقين، والإخلاص على المخلصين، والتوبة على التائبين، لأن هذه التلبية لها حكم بدل الروح. قيل لأحمد بن متى: ما معناه؟ قال: أن لا يبقى للنفس نصيب (٤). وقال سهل: لا يشم أحد رائحة الصدق ما دام يداهن نفسه أو غيره. بل الصدق أن يكون في سره أنه ليس على وجه الأرض أحد طالبه الله بالعبودية غيره، ويكون رجاؤه خوفه، وخوفه انتقاله، فإذا رآهم الله تعالى على هذه الحالة تولى أمورهم وكفاهم، فصارت كل شعرة من شعورهم تنطق مع الله بالمعرفة، فيقول الله تعالى لهم يوم القيامة: «لمن عملتم، ماذا أردتم؟ فيقولون: لك عملنا، وإياك أردنا. فيقول: صدقتم». فو عزته فقوله لهم في المشاهدة: «صدقتم» ألذ عندهم من نعيم الجنة. فقيل لأحمد بن متى: ما معنى

стр. 124

قوله: رجاء الصدق خوفه، وخوفه انتقاله؟ فقال: لأن الصدق رجاؤهم وطلبهم، ويخافون في طلبهم أن لا يكونوا صادقين، فلا يقبل الله منهم، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أي وجلة في الطاعة خوف الرد عليهم. ﴿قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ [٣٥] قال: الإيمان أفضل من الإسلام، والتقوى في الإيمان أفضل من الإيمان، واليقين في التقوى أفضل من التقوى، والصدق في اليقين أفضل من اليقين، وإنما تمسكتم بالأنا فإياكم أن تنفلت من أيديكم. وقال: الإيمان بالله في القلب ثابت، واليقين بالصدق راسخ، فصدق العين ترك النظر إلى المحظورات، وصدق اللسان في ترك ما لا يعني، وصدق اليد ترك البطش للحرام، وصدق الرجلين ترك المشي إلى الفواحش، وحقيقة الصدق من دوام النظر فيما مضى، وترك النظر فيما بقي، وإن الله تعالى أعطى الصديقين من العلم ما لو نطقوا به لنفذ البحر من نطقهم، وهم مختفون لا يظهرون للناس إلا فيما لا بد لهم منه، حتى يخرج العبد الصالح، فعند ذلك يظهرون، ويعلمون العلماء من علومهم. قوله تعالى: ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ﴾ [٣٥] قال: الذاكر على الحقيقة من يعلم أن الله مشاهده فيراه بقلبه قريبا منه، فيستحي منه، ثم يؤثره على نفسه وعلى كل شيء من جميع أحواله. وسئل سهل مرة أخرى: ما الذكر؟ فقال: الطاعة. قيل: ما الطاعة؟ قال: الإخلاص قيل: ما الإخلاص؟ قال: المشاهدة. قيل: ما المشاهدة؟ قال: العبودية. قيل: ما العبودية؟ قال: الرضا. قيل: ما الرضا؟ قال: الافتقار. قيل: ما الافتقار؟ قال: التضرع والالتجاء سلم سلم إلى الممات. وقال ابن سالم: الذكر ثلاث: ذكر باللسان فذاك الحسنة بعشر، وذكر بالقلب فذاك الحسنة بسبعمائة، وذكر لا يوزن ثوابه وهو الامتلاء من المحبة. قوله: ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ [٣٨] قال: أي معلوما قبل وقوعه عندكم، وهل يقدر أحد أن يتقي المقدور؟ وقد قال عمر ﵁ لما طعن: ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ [٣٨]، ولقد أخبرني رسول الله ﷺ أنهم سيفعلون هذا». وحكي عن الضحاك أنه ينزل ملكان من السماء ومع أحدهما صحيفة فيها كتاب، ومع الآخر صحيفة ليس فيها كتاب، فيكتب عمل العبد وأثره، فإذا أراد أن يصعد قال لصاحب الصحيفة المكتوبة: عارضني فيعارضه، فلا يخطئ حرفا. قوله: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [٧١] قال: من وفقه الله لصالح الأعمال فذاك دليل على أنه مغفور له، لأن الله تعالى قال: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [٧١]. والله أعلم.

стр. 125

السورة التي يذكر فيها سبأ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [٣٩] قال: الرزق على وجهين: رزق وهو ذكر لنفس الروح والعقل والقلب، مثل عيش الملائكة، وحياتهم بالذكر، متى أمسك عنهم ماتوا. والرزق الآخر هو المأكول والمشروب ونحو ذلك لنفع الطبع، وفيه يقع الحلال والحرام؛ فالحلال ما رزقه الله تعالى وأمر بالأخذ منه، والحرام ما رزقه الله تعالى ونهى عنه، وهو قسمة النار؛ ولا أعلم شيئا أشد من كف الأذى وأكل الحلال. ﴿قوله تعالى: ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى﴾ [٣٧] قال: الزلفى هو القرب من الله تعالى. قوله: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [٣٩] قال: الخلف على الإنفاق، والإنس بالعيش مع الله تعالى، والسرور به. قوله: ﴿إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى﴾ [٤٦] قال: يرجع الحساب يوم القيامة إلى أربعة: الصدق في الأقوال، والإخلاص في الأعمال، والاستقامة مع الله في جميع الأحوال، ومراقبة الله على كل حال. والله أعلم.

стр. 126

السورة التي يذكر فيها فاطر ﴿قوله تعالى: ﴿إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ﴾ [٦] يعني الشيطان يدعو أهل طاعته من أهل الأهواء والبدع والضلالات والسامعين ذلك من قائلها. قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [١٠] قال: ظاهرها الدعاء والصدقة، وباطنها الذكر، عملا بالعلم، وإقبالا بالسنة، يرفعه أي يوصله بالإخلاص فيه لله تعالى. قوله: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ﴾ [١٥] قال: يعني أنتم إليه في أنفسكم، فإن الله تعالى لما خلق الخلق حكم لعباده بالفقر إليه، وهو الغني، فمن ادعى الغنى حجب عن الله ، ومن أظهر فقره إليه أوصل الله فقره بغناه، فينبغي للعبد أن يكون مفتقرا إليه في السر، منقطعا عن غيره، حتى تكون عبوديته محضة، إذ العبودية المحضة هي الذل والخضوع. فقيل له: وكيف يفتقر إليه؟ قال: إظهار الفقر في ثلاث: فقرهم القديم، وفقرهم في حالهم، وفقرهم في موت أنفسهم من تدبيرهم؛ ومن لم يكن كذلك فهو مدّع في فقره. وقال: الفقير الصادق الذي لا يسأل ولا يرد ولا يحبس. وقال عمر بن عبد العزيز (١) ﵁: صفة أولياء الله ثلاثة أشياء: الثقة بالله تعالى في كل شيء، والفقر إليه في كل شيء، والرجوع إليه من كل شيء. قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ [٣٢] قال عمر بن واصل: سمعت سهلا يقول: السابق العالم، والمقتصد المتعلم، والظالم الجاهل (٢). وقال أيضا: السابق الذي اشتغل بمعاده، والمقتصد الذي اشتغل بمعاده ومعاشه، والظالم الذي اشتغل بمعاشه دون معاده. وقال الحسن البصري ﵀: السابق الذي رجحت حسناته على سيئاته، والمقتصد الذي استوت حسناته وسيئاته، والظالم الذي رجحت سيئاته على حسناته. قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [٣٤] أي حزن القطيعة، ﴿إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [٣٤] يعني غفور لذنوب كثيرة، شكور لأعمال يسيرة.

стр. 127

السورة التي يذكر فيها يس ﷺ ﴿قوله تعالى: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ﴾ [١١] قال: من عبد الله في سره أورثه اليقين، ومن عبد الله بصدق اللسان لم يستقر قلبه دون العرش، ومن عبد الله بالإنصاف كانت السماوات والأرض في ميزانه. قيل: وما الإنصاف؟ قال: الإنصاف أن لا تتحرك جميع أعضائك إلا لله، ومتى طالبته برزق الغد فقد ذهب إنصافك، لأن القلب لا يحمل همين، والإنصاف بينك وبين الخلق أن تأخذ بالفضل، فإذا طلبت الإنصاف فلست بمنصف. وحكي عن يحيى وعيسى ﵉ أنهما خرجا يمشيان، فصدم يحيى امرأة، فقال له عيسى: يا ابن خالتي، لقد أصبت اليوم خطيئة، ما أرى الله يغفرها لك. قال: وما هي؟ قال: صدمت امرأة. قال: والله ما شعرت بها. قال عيسى: سبحان الله، بدنك معي، فأين قلبك؟ قال: معلق بالعرش، ولو أن قلبي اطمأن إلى جبريل صلوات الله عليه طرفة عين، لظننت أني ما عرفت الله . قوله: ﴿وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [٢٢] وسئل عن خير العبادات فقال: الإخلاص لقوله: ﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] ولا يخلص العمل لأحد، ولا تتم عبادته وهو يفر من أربع: الجوع والعري والفقر والذلة، وإن الله تعالى استعبد الخلق بهذه الثلاث: العقل والروح والقوة، وإذا خاف على اثنين منها، ذهاب عقله وذهاب روحه، تكلف لها بشيء، وأما القوة فلا يتكلف لها ولا يفطن لها، وإن صلى جالسا. قوله: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ﴾ [٦٦] قال: يعني ولو نشاء لفقأنا أعين قلوبهم التي يبصرون الكفر وطريقه، فيبصرون طريق الإسلام، ولا يبصرون غيره، ﴿فَأَنّى يُبْصِرُونَ﴾ [٦٦] طريق الإسلام، ولم يفعل ذلك. قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [٦٩] قال: هو الذكر والتفكر. والله أعلم.

стр. 128

السورة التي يذكر فيها الصافات ﴿قوله تعالى: ﴿إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [٨٤] أي مستسلم مفوض إلى ربه بكل حال راجع لسره. قوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [٨٨ - ٨٩] قال: وحكي عن محمد بن سوار عن أبي عمرو بن العلاء قال: معناه نظر إلى النبات، كقوله: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] وأراد بالنجم ما لا ساق له من النبات، وبالشجر ما له ساق. قوله: ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [١٠٧] قال: إبراهيم ﵊ لما أحب ولده بطبع البشرية تداركه من الله فضله وعصمته حتى أمره بذبحه، إذ لم يكن المراد منه تحصيل الذبح، وإنما كان المقصود تخليص السر من حب غيره بأبلغ الأسباب، فلما خلص السر له ورجع عن عادة الطبع فداه بذبح عظيم. قوله: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ [١٠٦] قال: يعني بلاء رحمة، ألا ترون كيف بعثه على الرضى. قال: وبلغنا أنه مكتوب في الزبور: «ما قضيت على مؤمن قضاء أحبّه أو كرهه إلا وهو خير له». وحكي أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم صلوات الله عليه: ما من أحد وسّعت إليه إلا أنقصت بقدره من آخرته، ولو كنت أنت يا خليلي. وقال أبو يعقوب السوسي: جاءنا فقير ونحن بأرجّان وسهل بن عبد الله يومئذ بها، فقال: إنكم أهل العناية فقد نزلت بي محنة، فقال له سهل: في ديوان المحنة وقعت منذ تعرضت لهذا الأمر، فما هي؟ قال: فتح لي شيء من الدنيا فاستأثرت به في غير ذوي محرم ففقدت إيماني وحالي. فقال سهل: ما تقول في هذا يا أبا يعقوب؟ فقلت: محنته بحاله أعظم من محنته بإيمانه. فقال لي سهل: مثلك يقول هذا يا أبا يعقوب (١)؟ وسئل سهل عن الحال فقال: حال الذكر من العلم السكون، وحال الذكر من العقل الطمأنينة، وحال التقوى من الإسلام الحدود، ومن الإيمان الطمأنينة. وقال: إذا كان للعبد حال فدخل عليه البلوى، فإن طلب الفرج بحال دون تلك الحال فهو منه حدث. قيل: وكيف ذلك؟ قال: مثل أن يكون جائعا فيطلب الشبع، لأن درجة الجائع أعلى. قوله: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [١٤٣] قال: يعني من القائمين بحقوق الله تعالى قبل البلاء، والله أعلم.

стр. 129

السورة التي يذكر فيها ص ﴿قوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [١] قال: ذي الشأن الشافي والوعظ الكافي. قوله: ﴿أَنِ اِمْشُوا وَاِصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ [٦] قال: هو الصبر المذموم الذي وبخ الله به الكفار. وقد سمعته يقول: الصبر على أربع مقامات: صبر على الطاعة، وصبر على الألم، وصبر على التألم، وصبر مذموم وهو الإقامة على المخالفة. قوله: ﴿وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ﴾ [٢٠] قال: إنما أعطاه الله ذلك حين سأله أن يرفع منزلته على منزلة إسماعيل وإسحاق، فقال: لست هناك يا داود، ولكني أجعل لك مقاما من الحكمة، وفاصلة، وهي: «أما بعد». وهو أول من قال ذلك، وبعده قس بن ساعدة (١). وقد قيل: فصل الإيمان لخطاب البيان. قوله: ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ [٢٠] قال: أي بالعدل وبالوزراء الصالحين يدلونه على الخير، كما قال الرسول ﷺ : «إن الله تعالى إذا أراد بوال خيرا جعل له وزيرا صدوقا إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه». قوله: ﴿وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ﴾ [٢٤] قال: الإنابة هي الرجوع من الغفلة إلى الذكر، مع انكسار القلب وانتظار المقت. قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [٢٦] قال: أي ظلمة الهوى تستر أنوار ذهن النفس والروح وفهم العقل وفطنة القلب، كما قال النبي ﷺ : «إن الهوى والشهوة يغلبان العقل والعلم» (٢) والبيان لسابق القدرة من الله تعالى. قوله: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [٣٢] قال: عن صلاة العصر وحدها. قوله: ﴿قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [٣٥] قال: ألهم الله تعالى سليمان أن يسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، ليقصم به الجبابرة والكفرة، والذين يخالفون ربهم ويدعون لأنفسهم قدرة من الجن والإنس، فوقع السؤال من سليمان ﵇ على اختيار الله له، لا على اختياره لنفسه. قوله: ﴿إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ﴾ [٤٦] قال: أخلص إبراهيم وإسماعيل وإسحاق عن ذكر الدنيا بذكره خالصة، لا لمال جزاء، ولا شاهدوا فيه أنفسهم، بل ذكروه به له، وليس من ذكر الله بالله كمن ذكر الله بذكر الله، والله أعلم.

стр. 130

السورة التي يذكر فيها الزمر ﴿قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [٧] قال: أول الشكر الطاعة، وآخره رؤية الجنة. قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [٩] قال: العلم الكتاب والاقتداء، لا الخواطر المذمومة، وكل علم لا يطلبه العبد من موضع الاقتداء صار وبالا عليه لأنه يدّعي به. قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [١١] قال: الإخلاص الإجابة، فمن لم يكن له الإجابة فلا إخلاص له. وقال: نظر الأكياس في الإخلاص فلم يجدوا شيئا غير هذا، وهو أن تكون حركاته وسكناته في سره وعلانيته لله وحده، لا يمازجه هوى ولا نفس. قوله: ﴿وَالَّذِينَ اِجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ [١٧] قال: الطاغوت الدنيا، وأصلها الجهل، وفرعها المآكل والمشارب، وزينتها التفاخر، وثمرتها المعاصي، وميزانها القسوة والعقوبة. قوله: ﴿إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ [٣٨] قال: يعني إن نزع الله عني العصمة عن المخالفات أو المعرفة على الموفقات، هل يقدر أحد أن يوصلها إلي، ﴿أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ [٣٨] أي بالصبر على ما نهى عنه، والمعونة على ما أمر به، والاتكال عليه في الخاتمة. وقال: الرحمة العافية في الدين والدنيا والآخرة، وهو التولي من البداية إلى النهاية. قوله: ﴿إِنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [٤١] يعني أنزله لهم ليهتدوا بالحق إلى الحق، ويستضيئوا بأنواره. قوله: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ [٤٢] قال: إذا توفى الله الأنفس أخرج الروح النوري من لطيف نفس الطبع الكثيف. والتوفي في كتاب الله على ثلاثة أوجه: أحدها الموت، والآخر النوم، والثالث الرفع. فالموت ما ذكرنا، والنوم قوله: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ [٤٢] يعني يتوفى التي لم تمت في منامها، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] يعني النوم، والرفع بعيسى ﵇: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]

стр. 131

فإنه إذا مات فينزع عنه لطيف نفس الروح النوري من لطيف نفس الطبع الكثيف الذي به يعقل الأشياء ويرى الرؤيا في الملكوت، وإذا نام نزع عنه لطيف نفس الطبع الكثيف لا لطيف نفس الروح النوري، فيستفيق النائم نفسا لطيفا، وهو من لطيف نفس الروح الذي إذا زايله لم تكن له حركة، وكان ميتا. ولنفس طبع الكثيف لطيفة، ولنفس الروح لطيفة، فحياة لطيف نفس الطبع بنور لطيف نفس الروح، وحياة روح لطيف نفس الروح بالذكر، كما قال: ﴿أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] أي يرزقون الذكر بما نالوا من لطيف نفس النوري، وحياة الطبع الكثيف بالأكل والشرب والتمتع، فمن لم يحسن الإصلاح بين هذين الضدين، أعني نفس الطبع ونفس الروح حتى يكون عيشهما جميعا بالذكر والسعي بالذكر، فليس بعارف في الحقيقة. وقال عمر بن واصل: وكان المبرد (١) النحوي يقول: الروح والنفس شيئان متصلان لا يقوم أحدهما بدون الآخر. قال: فذكرت ذلك لسهل، فقال: أخطأ، إن الروح يقوم بلطفه في ذاته بغير نفس الطبع الكثيف، ألا ترى أن الله تعالى خاطب الكل من الذر بنفس روح وفهم عقل وفطنة قلب وعلم لطيف بلا حضور طبع كثيف. قوله: ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ﴾ [٤٣] قال: أم اتخذوا طريق البدعة في الدين قربة في الدين إلى الله، على أن ينفعهم ذلك. ﴿قوله: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [٤٥] جحدت قلوبهم مواهب الله عندها. قوله: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ [٥٣] قال: أمهل الله تعالى عباده تفضلا منه إلى آخر نفس، فقال لهم: «لا تقنطوا من رحمتي فلو رجعتم إلي في آخر نفس قبلتكم». قال: وهذه أبلغ آية في الإشفاق من الله تعالى إلى عباده، لعلمه بأنه ما حرمهم ما تفضل به على غيرهم، فرحمهم حتى أدخلهم في عين الكرم بالذكر القديم لهم. وقد حكي عن جبريل ﵊ أنه سمع إبراهيم ﵊ يقول: يا كريم العفو. فقال له جبريل ﵇: يا إبراهيم، أتدري ما كرم عفوه؟ قال: لا يا جبريل. قال: إذا عفا عن سيئة جعلها حسنة (٢). ثم قال سهل: اشهدوا على أني من ديني أن لا أتبرأ من فساق أمة محمد ﷺ وفجارهم وقاتلهم وزانيهم وسارقهم، فإن الله تعالى لا يدرك غاية كرمه وفضله وإحسانه بأمة محمد ﷺ خاصة.

стр. 132

قوله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [٥٤] يعني: ارجعوا له بالدعاء والتضرع والمسألة ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [٥٤] يعني: فوضوا الأمور كلها إليه. ﴿قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ [٥٦] قال: يعني اشتغلت بعاجل الدنيا ولذة الهوى ومتابعة النفس، وضيعت في جنب الله، يعني في ذات الله القصد إليه، والاعتماد عليه بترك مراعاة حقوقه وملازمة خدمته. قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [٦٣] بيده مفاتيح القلوب، يوفق من يشاء لطاعته وخدمته بالإخلاص، ويصرف من يشاء عن بابه. قوله: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [٦٧] أي ما عرفوه حق معرفته في الأصل والفرع. قوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [٦٨] قال: باطن الآية أن الملائكة إنّما يؤمرون بالإمساك عن الذكر لا بالنفخة ولا بنزع عزرائيل، لأن الله أحياهم بذكره، كما أحيا بني آدم بأنفاسهم، قال الله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] فإذا أمسك الذكر عنهم ماتوا. قوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ [٦٩] قال: قلوب المؤمنين يوم القيامة تشرق بتوحيد سيدهم، والاقتداء بسنة نبيهم ﷺ . قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ﴾ [٧٤] قال: إن الحمد منهم في الجنة ليس على جهة التعبد، إذ التعبد قد رفع عنهم، كما رفع خوف الكسب والقطع، وبقي خوف الإجلال والتعظيم لله ، وإنما الحمد منهم لذة لنفس الطبع ونفس الروح والعقل، والله أعلم.

стр. 133

السورة التي يذكر فيها غافر ﴿قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [١ - ٢] قال: يعني الحي الملك هو الذي أنزل عليك الكتاب، وهو الذي قلبت به قلوب العارفين العزيز عن درك الخلق العليم بما أنشأ وقدر. ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ [٣] أي ساتر الذنب على من يشاء، ﴿وَقابِلِ التَّوْبِ﴾ [٣] عمن تاب وأخلص العمل له بالعلم، ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ [٣] ذي الغنى عن الكل، ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ﴾ [٤] يعني في الذات والقدرة والقرآن والسنة بهوى النفس، كما قال: ﴿وَجادَلُوا بِالْباطِلِ﴾ [٥] أي بالهوى من غير هدى من الله، كما قال: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦] إلا الذين كفروا وابتدعوا غير الحق. قوله: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا﴾ [٧] قال: هم الذين تابوا من الغفلة، وأنسوا بالذكر، واتبعوا سنة المصطفى ﷺ . قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [١٠] قال: المقت غاية الإبعاد من الله ، والكفار إذا دخلوا النار مقتوا أنفسهم، ومقت الله عملهم أشد من دخول النار. قوله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [١٥] أي رافع الدرجات يرفع درجات من يشاء بالمعرفة به، ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [١٥] أي ينزل الوحي من السماء إلى الأرض بأمره. قوله: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [٦٠] قال: الدعاء بالمروة مستجاب لا محالة، وهو الجمع (١) من سهم الرامي، وما من مؤمن دعا الله تعالى إلا استجاب له فيما دعاه بعينه، من غير أن يعلم ذلك العبد، أو صرف عنه بذلك سوءا، أو كتب له بذلك حسنة. فقيل له: ما معنى قولهم: «الدعاء أفضل العمل» (٢)؟ فقال: لأنه تضرع والتجاء وإظهار الفقر والفاقة. قوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ﴾ [٨١] قال: أظهر الله تعالى آياته لأوليائه وجعل السعيد من عباده من صدقهم على كراماتهم، وأعمى أعين الأشقياء عن ذلك وصرف قلوبهم عنه، ومن أنكر آيات الأولياء فإنما ينكر قدرة الله تعالى، فإن القدرة تظهر على الأولياء الآيات، لا هم أنفسهم يقدرون على إظهارها، كما قال: ﴿وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ﴾ [٨١]. قوله: ﴿سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ﴾ [٨٥] قال: السنة مشتقة من أسماء الله تعالى السين سناؤه والنون نوره والهاء هدايته منه إياهم، فهم على سنن الطريق الواضح إليه. والله أعلم.

стр. 134

السورة التي يذكر فيها السجدة (فصلت) ﴿قوله تعالى: ﴿حم﴾ [١] يعني قضى في اللوح المحفوظ، وكتب فيه ما هو كائن. قوله: ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [٤] قال: بشيرا بالجنة لمن أطاعه واتبع ما فيه، ونذيرا بالنار لمن عصاه وأعرض عن مراد الله فيه وخالفه. قوله تعالى: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ﴾ [٥] قال: أي في أغطية الإهمال فمالت إلى الشهوة والهوى، فلا تعقل دعوة الحق، ﴿وَفِي آذانِنا﴾ [٥] التي في القلوب ﴿وَقْرٌ﴾ [٥] أي ثقل من الصمم عن الخير، فلا تسمع هواتف الحق، ﴿وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [٥] أي ستر من الهوى وجبلة الطبع، لا نراك كما يراك غيرنا. قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [٢٤] يعني إن يستقيلوا لا يقالوا، وإن اعتذروا لا يعذروا. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا﴾ [٣٠] قال: أي لم يشركوا بعده، كذا روي عن النبي ﷺ أنه قال: «هم أمتي ورب الكعبة استقاموا ولم يشركوا كما فعلت اليهود والنصارى» (١)، قال عمر ﵁: لم يروغوا روغان الثعالب (٢). قوله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ [٣٠] يعني عند الموت. وقد قال النبي ﷺ : «يقول الله تعالى: ما ترددت في شيء كترددي في قبض روح المؤمن» (٣)، أي ما رددت الملائكة إلى شيء كردهم إلي عبدي المؤمن في قبض روحه بالبشارة وبالكرامة، أن لا تخافوا على أنفسكم ولا تحزنوا يوم الجمع، كما قال: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] قال: المتولي لجملتكم بالرضا، الحافظ قلوبكم، المقر أعينكم بالتجلي، جزاء لتوحيدكم، وتفضلا من ربكم. وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ﴾ [٣٣] أي ممن دل على الله وعلى عبادته وسنة رسوله ﷺ ، واجتناب المناهي، وإدامة الاستقامة مع الله، والاستقامة به خوفا من الخاتمة، وفي الطريقة الوسطى، والجادة المستقيمة التي من سلكها سلم، ومن تعداها ندم. قوله: ﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ﴾ [٤٩] قال: لا يمل من ذكر ربه وشكره وحمده والثناء عليه. قوله: ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ [٥١] قال: يعني عن الدعاء والشكر على ما أنعم به عليه، واشتغل بالنعمة، وافتخر بغير مفتخر به. قوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ﴾ [٥٣] يعني الموت، قال: والموت خاص وعام، فالعام موت الخلقة والجبلة، والخاص موت شهوات النفس، والله أعلم.

стр. 135

السورة التي يذكر فيها الشورى ﴿قوله: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ [٧] قال: ظاهرها مكة، وباطنها القلب، ومن حوله الجوارح. فأنذرهم لكي يحفظوا قلوبهم وجوارحهم عن لذة المعاصي واتباع الشهوات. قوله: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ [٧]، قال: أي يوم جمع أهل الأرض على ذكره، كجمع أهل السماوات. قوله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [٧] قال: من غرس الشوك لا يجتني عنبا، فاصنعوا ما شئتم، فإن الطريق اثنان، فأي طريق منهما سلكتموه وردتم على أهله. قوله: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [٨] قال: ظاهرها الكفر وباطنها حركات العبد وسكونه ولو شاء الله لجعلها كلها في طاعته ﴿وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [٨] أي في طاعته ﴿وَالظّالِمُونَ﴾ [٨] الذين يدعون الحول والقوة ﴿ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [٨] على خلاف، وهو السكون في الأمر، والحركة في النهي. قوله: ﴿وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى﴾ [٩] باطنها قلوب كل أهل الحق يحييها بذكره ومشاهدته، قال: ولا تحيا النفوس حتى تموت. قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً﴾ [١٣] فأول من حرم البنات والأمهات والأخوات نوح ﵇، فشرع الله لنا محاسن شرائع الأنبياء. قوله: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى﴾ [١٣] من إقامة الطاعة لله وإقامة الإخلاص فيها، وإظهار الأخلاق والأحوال. قوله: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [٢٠] قال: حرث الآخرة القناعة في الدنيا، والرضا في الآخرة، وحرث الدنيا ما أريد به غيره. قال: ووجه آخر، يعني من عمل لله تعالى إيجابا لا طلبا للجزاء صغر عنده كل مطلوب دون الحق ، فلا يطلب الدنيا ولا الجنة، وإنما يطلب النظر إليه، وهو حظ ذهن نفس الروح، وفهم العقل، وفطنة القلب كما خاطبهم، والاقتداء من غير أن كانت النفس الطبيعية حاضرة هناك، غير أن للنفس منها

стр. 136

حظا لامتزاجها بتلك الأنوار، مثل النسيم الطيب. ومن عمل لأجل الدنيا ﴿نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [٢٠]، فتشتغل نفسه بتنعم الدنيا التي هي حظها من أجل النصيب في الآخرة، وهو رؤية الحق على الأبد. ﴿قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ [٢٣] قال: باطنها صلة السنة بالفرض. وحكي عن الحسن في هذه الآية قال: من تقرب إلى الله بطاعته وجبت له محبته. قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً﴾ [٢٣] قال: يعني معرفة حاله في عمله، وقبل دخوله فيه، وبعد فراغه منه أنه سقيم أو صحيح. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ [٢٤] قال: يختم على قلبك الشوق والمحبة، فلا تلتفت إلى الخلق، ولا تشتغل في حبهم وإتيانهم. قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [٥٢] أي تدعو إلى ربك بنور هدايته.

стр. 137

السورة التي يذكر فيها الزخرف ﴿قوله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ [١ - ٢] أي بين فيه الهدى من الضلالة والخير من الشر وبين فيه سعادة السعداء وشقاوة الأشقياء ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ﴾ [٤] قال: هو اللوح المحفوظ. ﴿لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [٤] قال: أي رفيع مستول على سائر الكتب. قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ [١٣] قال (١): إن الله خص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبعض الصديقين بمعرفة نعم الله تعالى عليهم قبل زوالها وحلم الله عنهم، ومن لم يعرف نعم الله عليه إلا في مطعمه ومشربه ومركبه فقد صغرت عنده نعم الله. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً﴾ [١٥] أي في عبادته جزءا ألا ترى أن النبي ﷺ يقول: «إن أحدكم يصلي وليس له من صلاته إلا ثلثها أو ربعها» (٢). قوله: ﴿وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ [٣٢] قال: رفعنا بعضهم على بعض في المعرفة والطاعة عيشا لهم في الدنيا والآخرة. قوله: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [٣٢] أي من كثرة الأعمال لطلب الجزاء. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً﴾ [٣٦] قال: قد حكم الله أنه لا يعرض عبد عن ذكره، وهو أن يرى بقلبه شيئا سواه ساكنا إياه، إلا سلط الله عليه شيطانا ليضله عن طريق الحق ويغريه. قوله تعالى: ﴿فَلَمّا آسَفُونا اِنْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾ [٥٥] قال: أي فلما غايظونا بالإقامة على المخالفة في الأوامر، وإظهار البدع في الدين، وترك السنن اتباعا لوجود الأهواء، نزعنا نور المعرفة من قلوبهم، وسراج التوحيد من أسرارهم، ووكلناهم إلى أنفسهم وما اختاروه، فضلّوا وأضلّوا. ثم قال: الاتباع الاتباع، الاقتداء الاقتداء، فإنه سبيل السلف، وما ضل من اتبع، وما نجا من ابتدع. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [٦٩، ٧٠] بلذة النظر جزاء لما منّ عليهم من التوحيد عند تجلي المكاشفة لأوليائه، وهو البقاء مع الباقي. ألا ترى كيف خصهم في الإيمان بشرط التسليم لأمره والسكون بين يديه. قوله تعالى: ﴿وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [٧١] قال: أي ما تشتهي الأنفس من ثواب الأعمال، وتلذ الأعين بما فضل الله به من التمكين في وقت اللقاء جزاء لتوحيدهم. قال: الجنة جزاء أعمال الجوارح، واللقاء جزاء التوحيد، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [٧٢].

стр. 138

السورة التي يذكر فيها الدخان ﴿قوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [٣] قال: أنزل الله ليلة القدر القرآن جملة إلى بيت العزة في سماء الدنيا من اللوح المحفوظ على أيدي الملائكة السفرة، وأنزل على روح محمد ﷺ وهو الروح المبارك، فسماها ليلة القدر مباركة لاتصال البركات بعضها ببعض. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [١٠] قال: الدخان في الدنيا قسوة القلب والغفلة عن الذكر، ولا عقوبة أعظم في الدنيا من فساد القلب. وقد حكي عن أويس القرني (١) وهرم بن حيان (٢) أنهما التقيا يوما، فقال هرم لأويس: ادع الله. فقال: يصلح لك نيتك وقلبك (٣) فلن تعالج شيئا أشد منهما، بينما قلبك مقبل إذ هو مدبر، وبينما هو مدبر إذ هو مقبل، ولا تنظر إلى صغير الخطيئة، وانظر إلى عظمة من عصيت، فإنك إن عظمتها فقد عظمت الله تعالى، وإن صغرتها فقد صغرت الله تعالى. قوله تعالى: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [٨] قال: لا إله على الحقيقة إلا من يقدر على الإيجاد من العدم، وعلى العدم من الإيجاد. قوله: ﴿وَاُتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً﴾ [٢٤] طريقا ساكنا، وباطنها: اجعل القلب ساكنا إلى تدبيري ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [٢٤] يعني المخالفين عن توالي تدبير أنفسهم. قوله: ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ اللهُ﴾ [٤٢] أي من علم الله في سابق علمه أنه مرحوم، أدركته في العاقبة بركة تلك الرحمة، حيث جعل المؤمنين بعضهم شفعاء بعض.

стр. 139

السورة التي يذكر فيها الجاثية ﴿قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [٣] قال: العلامات لمن أيقن بقلبه واستدل بكونها على مكونها. قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ [١٣] قال: إذا سكن قلب العبد إلى مولاه قويت حال العبد، فسخر له كل شيء، بل أنس به كل شيء، حتى الطيور والوحوش. وحكي عن الثوري قال خرجت مع شيبان (١) الراعي إلى مكة فعرض لنا الأسد. فقلت: يا شيبان أما ترى هذا الكلب. فقال: لا تخف. فما هو إلا أن سمع الأسد كلام شيبان الراعي، حتى جعل يبصبص بذنبه، فأتاه شيبان فأخذ بأذنه وعركها. فقلت له: ما هذه الشهرة يا شيبان؟ فقال: وأي شهرة ترى يا ثوري، والله لولا مخافة الشهرة ما حملت زادي إلى مكة إلا على ظهره (٢). وكان شيبان يحضر صلاة الجمعة، فبصر بذئب عند الغنم، فقال له: اقعد عند الغنم حتى إذا رجعت أعطيتك حملا، فرجع من صلاة الجمعة، فإذا هو بالذئب قاعد يحفظ له الغنم، فأعطاه حملا له. وكان سهل يقول لشاب يصحبه: إن كنت تخاف السباع فلا تصحبني. وسئل سهل: كيف يدرك الرجل منزلة الكرامات؟ فقال: من زهد في الدنيا أربعين يوما صادقا مخلصا فقد ظهرت الكرامات من الله له، ومن لم تظهر له فهو لما فقد من زهده من الصدق والإخلاص، أو كلاما نحو هذا.

стр. 140

﴿قوله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ [١٧] قال: فتحنا أسماعهم لفهم خطابنا، وجعلنا أفئدتهم وعاء لكلامنا، وأعطيناهم فراسة صادقة يحكمون بها في عبادنا حكم يقين وأخبار صدق، فهذه هي البينات من الأمر في طريق الباطن. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها﴾ [١٨] قال: يعني منهاج سنن من كان من قبلكم من الأنبياء، فإنهم على منهاج الهدى والشريعة الشارع الممتد الواضح إلى طريق النجاة وسبيل الرشد. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً﴾ [١٩] من استغنى بغير الله فبغناه افتقر ومن اعتز بغيره فبعزه ذل، ألا ترى أن الله يقول: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً﴾ [١٩]. قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اِجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ [٢١] الآية، قال: ليس من أقعد على بساط الموافقة كمن أقيم في مقام المخالفة، فإن بساط الموافقة يجر بصاحبه إلى مقاعد الصدق، ومقام المخالفة يهوي بصاحبه في لظى. قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ [٢٣] قال: يعني أفرأيت من كان مغمورا في لذة نفسه من الدنيا، غير ورع ولا تقي، فاتبع مراده ولم يسلك مسالك الاقتداء، وآثر شهوات الدنيا على نعيم العقبى، أنى تكون له في الآخرة من الدرجات الرفيعة والمنازل السنية (١) ﴿وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ﴾ [٢٣] قال: أي على علم الله السابق فيه بترك عصمته ومعونته. قوله: ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ﴾ [٢٦] قال: يحييكم في بطون أمهاتكم، ثم يميتكم بجهالة، ويجمعكم إلى يوم القيامة أولكم وآخركم لا ريب فيه. قوله تعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ [٢٨] قال: على ركبها تجادل عن نفسها عند المرافقة الصادق يجتهد في تحقيق صدقه، والجاحد يجتهد في الدفع عن نفسه، وكلّ محكوم عليه في الذي أملاه، مدده ريقه، وقلمه لسانه، وقرطاسه جوارحه. قوله: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [٣٧] قال: العلو والقدرة والعظمة والحول والقوة له في جميع الملك، فمن اعتصم به أيّده بحوله وقوته، ومن اعتمد على نفسه وكلّه الله إليها. والله أعلم.

стр. 141

السورة التي يذكر فيها الأحقاف ﴿قوله تعالى: ﴿وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً﴾ [٦] قال: في نفوسهم التي أقادتهم إلى متابعتها في الجزاء على أحكام هواها، لأنها تشهد عليهم. وقد قال رسول الله ﷺ : «إن أعدى عدو المرء نفسه التي بين جنبيه» (١). قوله تعالى: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾ [٩] قال: أي كانت قبلي رسل يأمرون بما آمر به، وينهون عما أنهى عنه، وما كنت عجبا من الرسل، فإني لم أدعكم إلا إلى التوحيد، ولم أدلكم إلا على مكارم الأخلاق، وبهذا بعثت الأنبياء قبلي. قوله تعالى: ﴿وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [النمل: ١٩] قال: أي ألهمني التوبة والعمل بالطاعة. قوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [١٥] قال: اجعلهم لك عبيد حق، ولي خلف صدق. قوله: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [٣٠] قال: أي يدل على طريق الحق بالخروج عن المعاملات والرسومات والتحقيق بالحق، وهو الصراط المستقيم. قوله: ﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ﴾ [٣١] قال: لا يجيب الداعي إلا من سمع النداء، فوفق للخيرات وأيقن، وإلا فمن يحسن إجابة الدعوة. وقال: إن في قلب كل مؤمن داعيا يدعوه إلى رشده، فالسعيد من سمع دعاء الداعي فاتبعه. قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [٣٥] قال: يعني اصبر صبر أهل المعرفة، كما صبر أولو العزم من الرسل الذين كانوا قبلك رضى وتسليما من غير شكوى ولا جزع. وقال: أولو العزم من الرسل إبراهيم صلوات الله عليه، ابتلي بالنار وذبح الولد فرضي وسلم؛ وأيوب ﵇ بالبلاء؛ وإسماعيل بالذبح فرضي؛ ونوح بالتكذيب فصبر؛ ويونس ببطن الحوت فدعا والتجأ؛ ويوسف صلوات الله عليه بالسجن والجب فلم يتغير؛ ويعقوب بذهاب البصر وفقدان الولد، فشكا بثه إلى الله، ولم يشك إلى غيره، وهم اثنا عشر نبيا صلوات الله عليهم، صبروا على ما أصابهم، فهم أولو العزم من الرسل، والله أعلم.

стр. 142

السورة التي يذكر فيها محمد ﷺ ﴿قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ [١] قال: أضلها في إطلاق القول بلا حقيقة معه. قوله: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ [٥] قال: يعني سيهديهم في قبورهم لجواب منكر ونكير ويصلح بالهم. قال: أي صلح يسرع لهم في القلب بمباشرة الجزاء، وفي الآخرة بلذة اللقاء عند تجلي المكاشفة كفاحا، والتولي لهم عند ذلك، كما قال: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [١١] أي بالرضى والمحبة والحفظ على مقام القرب. قوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [١٥] قال: المغفرة من ربهم في الجنة ما يغشاهم عند النظر إلى الحق من أنواره. قوله: ﴿وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ [١٩] قال: يعني استغفر من همة نفس الطبع. قال النبي ﷺ : «ما منا إلا من همّ فعصى»، يعني همت نفسه عليه على قلبه بحظها من عاجل شهوتها بشيء دونه، ثم أعرض عن ذلك واستغفر الله، كما قال النبي ﷺ : «إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله تعالى في كل يوم سبعين مرة» (١). قوله: ﴿أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ [٢٤] قال: إن الله تعالى خلق القلوب وأقفل عليها بأقفال، وجعل مفاتيحها حقائق الإيمان، فلم يفتح بتلك المفاتيح على التحقيق إلا قلوب أوليائه والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين والصديقين وسائر الناس يخرجون من الدنيا، ولم تفتح أقفال قلوبهم، والزهاد والعباد والعلماء خرجوا منها وقلوبهم مقفلة، لأنهم طلبوا مفاتيحها في

стр. 143

العقل، فضلوا الطريق، ولو طلبوه من جهة التوفيق والفضل لأدركوه، والمفتاح أن تعلم أن الله قائم عليك، رقيب على جوارحك، وتعلم أن العمل لا يكمل إلا بالإخلاص مع المراقبة. قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ [١٣] في الآية دليل على تفضيله على الكليم، لأنه لم يخرج خوفا منهم، كما خرج موسى ﵇، ولكنه خرج كما قال الله تعالى: ﴿أَخْرَجَتْكَ﴾ [١٣] ولم يقل خرجت ولا جزعت، لأنه لله وبالله في جميع أوقاته، فلم يجز منه التفات إلى الغير بحال ما. قوله: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [١٤] قال: المؤمن على بيان من ربه، ومن كان على بينة من ربه لزم الاقتداء بالسنن. قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ [١٩] قال: الخلق كلهم موتى إلا العلماء، ولذلك دعا نبيه ﷺ إلى محل الحياة بالعلم بقوله: ﴿فَاعْلَمْ﴾ [١٩]. ﴿قوله: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [٣٣] أي في تعظيم الله، ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ [٣٣] أي برؤيتها من أنفسكم ومطالبة الأعواض من ربكم، فإن العمل الخالص الذي لم يطلب به العوض. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ﴾ [٣٨] قال: معرفة السر كله في الفقر، وهو سر الله، وعلم الفقر إلى الله تعالى تصحيح علم الغنى بالله . والله أعلم.

стр. 144

السورة التي يذكر فيها الفتح ﴿قوله تعالى: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ [١] قال: يعني أسرار العلوم في قلبك حتى ظهر عليك آثارها، وهي من أعلام المحبة وتمام النعمة. ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ [٢] قال: أي ما تقدم من ذنب أبيك آدم صلوات الله عليه وأنت في صلبه، وما تأخر من ذنوب أمتك، إذ كنت قائدهم ودليلهم. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [٤] يعني الطمأنينة. فأول ما كاشف الله به عباده المعارف، ثم الوسائل، ثم السكينة، ثم البصائر. فمن كاشفه الحق بالبصائر عرف الأشياء بما فيها من الجواهر، كأبي بكر الصديق ﵁ ما أخطأ في نطق. قوله: ﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [٤] قال: جنوده مختلفة، فجنوده في السماء الأنبياء، وفي الأرض الأولياء؛ وجنوده في السماء القلوب، وفي الأرض النفوس؛ ما سلط الله عليك فهو من جنوده؛ وإن سلط الله عليك نفسك أهلك نفسك بنفسك، وإن سلط عليك جوارحك أهلك جوارحك بجوارحك، وإن سلط نفسك على قلبك قادتك إلى متابعة الهوى، وإن سلط قلبك على نفسك وجوارحك زمها بالأدب، وألزمها العبادة، وزينها بالإخلاص في العبودية، فهذا كله جنود الله. قوله: ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ [٨] قال: شاهدا عليهم بالتوحيد، ومبشرا لهم بالمعونة والتأييد، ومحذرا عن البدع والضلالات. قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [٩] قال: أي تعظموه غاية التعظيم في قلوبكم، وتطيعوه بأبدانكم؛ ولهذا سمى التعزير تعزيرا لأنه أكبر التأديب. قوله: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [١٠] قال: أي حول الله وقوته فوق قوتهم وحركتهم، وهو قولهم للرسول ﷺ عند البيعة: «بايعناك على أن لا نفر ونقاتل لك». وفيها وجه آخر: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [١٠] أي منة الله عليهم في الهداية لبيعتهم وثوابه لهم فوق بيعتهم وطاعتهم لك.

стр. 145

قوله: ﴿شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا﴾ [١١] اعتذروا به، فحكاه الله لك لتعلم أن الإقبال على الله بترك الدنيا وما فيها، فإنها تشغل عن الله؛ ألا ترى المنافقين كيف اعتذروا بقولهم: ﴿شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا﴾ [١١]. ﴿قوله: ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ﴾ [٢٥] قال: المؤمن على الحقيقة من لا يغفل عن نفسه، وقلبه يفتش أحواله ويراقب أوقاته، فيرى زيادته من نقصانه، فيشكر عند رؤية الزيادة، ويتفرغ ويدعو عند النقصان، هؤلاء الذين بهم يدفع الله البلاء عن أهل الأرض، ولا يكون المؤمن متهاونا بأدنى التقصير، فإن التهاون بالقليل يستوجب الكثير. قال: فإن العبد لا يجد طعم الإيمان حتى يدع ست خصال: يدع الحرام والسحت والشبهة والجهل والمسكر والرياء، ويتمسك بالعلم وتصحيح العمل والنصح بالقلب والصدق باللسان والصلاح مع الخلق في معاشرتهم والإخلاص لربه في معاملته. قال: وكتاب الله مبني على خمس: الصدق والاستخارة والاستشارة والصبر والشكر. قوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها﴾ [٢٦] قال: هي كلمة لا إله إلا الله فإنها رأس التقوى. ثم قال: خير الناس المسلمون، وخير المسلمين المؤمنين، وخير المؤمنين العلماء العاملون، وخير العاملين الخائفون، وخير الخائفين المخلصون المتقون الذين وصلوا إخلاصهم وتقواهم بالموت، فإن مثله كمثل راكب السفينة بالبحر، لا يدري أينجو منه أن يغرق فيه، والذين تم لهم ذلك أصحاب رسول الله ﷺ بقوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ [٢٦]. قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ [٢٧] قيل: ما هذا الاستثناء؟ قال: هذا تعليم للعباد وتأديب لهم بشدة الافتقار إليه في كل وقت وحال وتأكيد، فإن الحق إذا استثني مع كمال علمه لم يكن لأحد من عباده مع قصور علمهم أن يحكم في شيء من غير استثناء. قوله تعالى: ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [٢٩] قال: المؤمن بالله وجه بلا قفا، مقبل عليه غير معرض عنه، ذلك سيما المؤمن. وقال عامر ابن عبد قيس: كاد المؤمن يخبر عن مكنون علمه، وكذلك وجه الكافر، وذلك قوله: ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [٢٩] وقال ابن مسعود ﵁: سر المؤمن يكون رداء عليه. والله أعلم.
следующие страницы →