← Тафсир

Тафсир · id 23600

تفسير التستري - ط العلمية

سهل التستري

Полный текст (216 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

السورة التي يذكر فيها الأحقاف ﴿قوله تعالى: ﴿وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً﴾ [٦] قال: في نفوسهم التي أقادتهم إلى متابعتها في الجزاء على أحكام هواها، لأنها تشهد عليهم. وقد قال رسول الله ﷺ : «إن أعدى عدو المرء نفسه التي بين جنبيه» (١). قوله تعالى: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾ [٩] قال: أي كانت قبلي رسل يأمرون بما آمر به، وينهون عما أنهى عنه، وما كنت عجبا من الرسل، فإني لم أدعكم إلا إلى التوحيد، ولم أدلكم إلا على مكارم الأخلاق، وبهذا بعثت الأنبياء قبلي. قوله تعالى: ﴿وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [النمل: ١٩] قال: أي ألهمني التوبة والعمل بالطاعة. قوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [١٥] قال: اجعلهم لك عبيد حق، ولي خلف صدق. قوله: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [٣٠] قال: أي يدل على طريق الحق بالخروج عن المعاملات والرسومات والتحقيق بالحق، وهو الصراط المستقيم. قوله: ﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ﴾ [٣١] قال: لا يجيب الداعي إلا من سمع النداء، فوفق للخيرات وأيقن، وإلا فمن يحسن إجابة الدعوة. وقال: إن في قلب كل مؤمن داعيا يدعوه إلى رشده، فالسعيد من سمع دعاء الداعي فاتبعه. قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [٣٥] قال: يعني اصبر صبر أهل المعرفة، كما صبر أولو العزم من الرسل الذين كانوا قبلك رضى وتسليما من غير شكوى ولا جزع. وقال: أولو العزم من الرسل إبراهيم صلوات الله عليه، ابتلي بالنار وذبح الولد فرضي وسلم؛ وأيوب ﵇ بالبلاء؛ وإسماعيل بالذبح فرضي؛ ونوح بالتكذيب فصبر؛ ويونس ببطن الحوت فدعا والتجأ؛ ويوسف صلوات الله عليه بالسجن والجب فلم يتغير؛ ويعقوب بذهاب البصر وفقدان الولد، فشكا بثه إلى الله، ولم يشك إلى غيره، وهم اثنا عشر نبيا صلوات الله عليهم، صبروا على ما أصابهم، فهم أولو العزم من الرسل، والله أعلم.

стр. 142

السورة التي يذكر فيها محمد ﷺ ﴿قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ [١] قال: أضلها في إطلاق القول بلا حقيقة معه. قوله: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ [٥] قال: يعني سيهديهم في قبورهم لجواب منكر ونكير ويصلح بالهم. قال: أي صلح يسرع لهم في القلب بمباشرة الجزاء، وفي الآخرة بلذة اللقاء عند تجلي المكاشفة كفاحا، والتولي لهم عند ذلك، كما قال: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [١١] أي بالرضى والمحبة والحفظ على مقام القرب. قوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [١٥] قال: المغفرة من ربهم في الجنة ما يغشاهم عند النظر إلى الحق من أنواره. قوله: ﴿وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ [١٩] قال: يعني استغفر من همة نفس الطبع. قال النبي ﷺ : «ما منا إلا من همّ فعصى»، يعني همت نفسه عليه على قلبه بحظها من عاجل شهوتها بشيء دونه، ثم أعرض عن ذلك واستغفر الله، كما قال النبي ﷺ : «إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله تعالى في كل يوم سبعين مرة» (١). قوله: ﴿أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ [٢٤] قال: إن الله تعالى خلق القلوب وأقفل عليها بأقفال، وجعل مفاتيحها حقائق الإيمان، فلم يفتح بتلك المفاتيح على التحقيق إلا قلوب أوليائه والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين والصديقين وسائر الناس يخرجون من الدنيا، ولم تفتح أقفال قلوبهم، والزهاد والعباد والعلماء خرجوا منها وقلوبهم مقفلة، لأنهم طلبوا مفاتيحها في

стр. 143

العقل، فضلوا الطريق، ولو طلبوه من جهة التوفيق والفضل لأدركوه، والمفتاح أن تعلم أن الله قائم عليك، رقيب على جوارحك، وتعلم أن العمل لا يكمل إلا بالإخلاص مع المراقبة. قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ [١٣] في الآية دليل على تفضيله على الكليم، لأنه لم يخرج خوفا منهم، كما خرج موسى ﵇، ولكنه خرج كما قال الله تعالى: ﴿أَخْرَجَتْكَ﴾ [١٣] ولم يقل خرجت ولا جزعت، لأنه لله وبالله في جميع أوقاته، فلم يجز منه التفات إلى الغير بحال ما. قوله: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [١٤] قال: المؤمن على بيان من ربه، ومن كان على بينة من ربه لزم الاقتداء بالسنن. قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ [١٩] قال: الخلق كلهم موتى إلا العلماء، ولذلك دعا نبيه ﷺ إلى محل الحياة بالعلم بقوله: ﴿فَاعْلَمْ﴾ [١٩]. ﴿قوله: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [٣٣] أي في تعظيم الله، ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ [٣٣] أي برؤيتها من أنفسكم ومطالبة الأعواض من ربكم، فإن العمل الخالص الذي لم يطلب به العوض. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ﴾ [٣٨] قال: معرفة السر كله في الفقر، وهو سر الله، وعلم الفقر إلى الله تعالى تصحيح علم الغنى بالله . والله أعلم.

стр. 144

السورة التي يذكر فيها الفتح ﴿قوله تعالى: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ [١] قال: يعني أسرار العلوم في قلبك حتى ظهر عليك آثارها، وهي من أعلام المحبة وتمام النعمة. ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ [٢] قال: أي ما تقدم من ذنب أبيك آدم صلوات الله عليه وأنت في صلبه، وما تأخر من ذنوب أمتك، إذ كنت قائدهم ودليلهم. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [٤] يعني الطمأنينة. فأول ما كاشف الله به عباده المعارف، ثم الوسائل، ثم السكينة، ثم البصائر. فمن كاشفه الحق بالبصائر عرف الأشياء بما فيها من الجواهر، كأبي بكر الصديق ﵁ ما أخطأ في نطق. قوله: ﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [٤] قال: جنوده مختلفة، فجنوده في السماء الأنبياء، وفي الأرض الأولياء؛ وجنوده في السماء القلوب، وفي الأرض النفوس؛ ما سلط الله عليك فهو من جنوده؛ وإن سلط الله عليك نفسك أهلك نفسك بنفسك، وإن سلط عليك جوارحك أهلك جوارحك بجوارحك، وإن سلط نفسك على قلبك قادتك إلى متابعة الهوى، وإن سلط قلبك على نفسك وجوارحك زمها بالأدب، وألزمها العبادة، وزينها بالإخلاص في العبودية، فهذا كله جنود الله. قوله: ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ [٨] قال: شاهدا عليهم بالتوحيد، ومبشرا لهم بالمعونة والتأييد، ومحذرا عن البدع والضلالات. قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [٩] قال: أي تعظموه غاية التعظيم في قلوبكم، وتطيعوه بأبدانكم؛ ولهذا سمى التعزير تعزيرا لأنه أكبر التأديب. قوله: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [١٠] قال: أي حول الله وقوته فوق قوتهم وحركتهم، وهو قولهم للرسول ﷺ عند البيعة: «بايعناك على أن لا نفر ونقاتل لك». وفيها وجه آخر: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [١٠] أي منة الله عليهم في الهداية لبيعتهم وثوابه لهم فوق بيعتهم وطاعتهم لك.

стр. 145

قوله: ﴿شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا﴾ [١١] اعتذروا به، فحكاه الله لك لتعلم أن الإقبال على الله بترك الدنيا وما فيها، فإنها تشغل عن الله؛ ألا ترى المنافقين كيف اعتذروا بقولهم: ﴿شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا﴾ [١١]. ﴿قوله: ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ﴾ [٢٥] قال: المؤمن على الحقيقة من لا يغفل عن نفسه، وقلبه يفتش أحواله ويراقب أوقاته، فيرى زيادته من نقصانه، فيشكر عند رؤية الزيادة، ويتفرغ ويدعو عند النقصان، هؤلاء الذين بهم يدفع الله البلاء عن أهل الأرض، ولا يكون المؤمن متهاونا بأدنى التقصير، فإن التهاون بالقليل يستوجب الكثير. قال: فإن العبد لا يجد طعم الإيمان حتى يدع ست خصال: يدع الحرام والسحت والشبهة والجهل والمسكر والرياء، ويتمسك بالعلم وتصحيح العمل والنصح بالقلب والصدق باللسان والصلاح مع الخلق في معاشرتهم والإخلاص لربه في معاملته. قال: وكتاب الله مبني على خمس: الصدق والاستخارة والاستشارة والصبر والشكر. قوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها﴾ [٢٦] قال: هي كلمة لا إله إلا الله فإنها رأس التقوى. ثم قال: خير الناس المسلمون، وخير المسلمين المؤمنين، وخير المؤمنين العلماء العاملون، وخير العاملين الخائفون، وخير الخائفين المخلصون المتقون الذين وصلوا إخلاصهم وتقواهم بالموت، فإن مثله كمثل راكب السفينة بالبحر، لا يدري أينجو منه أن يغرق فيه، والذين تم لهم ذلك أصحاب رسول الله ﷺ بقوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ [٢٦]. قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ [٢٧] قيل: ما هذا الاستثناء؟ قال: هذا تعليم للعباد وتأديب لهم بشدة الافتقار إليه في كل وقت وحال وتأكيد، فإن الحق إذا استثني مع كمال علمه لم يكن لأحد من عباده مع قصور علمهم أن يحكم في شيء من غير استثناء. قوله تعالى: ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [٢٩] قال: المؤمن بالله وجه بلا قفا، مقبل عليه غير معرض عنه، ذلك سيما المؤمن. وقال عامر ابن عبد قيس: كاد المؤمن يخبر عن مكنون علمه، وكذلك وجه الكافر، وذلك قوله: ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [٢٩] وقال ابن مسعود ﵁: سر المؤمن يكون رداء عليه. والله أعلم.

стр. 146

السورة التي يذكر فيها الحجرات ﴿قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [١] قال: إن الله تعالى أدب عباده المؤمنين، أي لا تقولوا قبل أن يقول، فإذا قال فأقبلوا عليه ناصتين له، مستمعين إليه، واتقوا الله في إهمال حقه، وتضييع حرمته ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ [١] ما تقولون ﴿عَلِيمٌ﴾ [١] بما تعملون. قوله تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [٢] أي لا تخاطبوه إلا متفهمين، ثم بين كرامة من عظّمه فقال: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِمْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى﴾ [٣] أي أخلص نياتهم له. قوله: ﴿إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [٦] قال: الفاسق الكذاب. وباطنها تأديب من بلغه ذمّه من أحد بأن لا يعجل بعقوبته ما لم يتعرف ذلك من نفسه. قوله: ﴿فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً﴾ [٨] قال: تفضل الله عليهم فيما ابتدأهم به، وهداهم إليه بأنواع القرب والزلف. قوله: ﴿وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [٧] قال: أي استخلص قلوبكم عطفا منه في عبادته بالإخلاص فيها، إذ الاستخلاص من عطفه، والإخلاص من حقه، ولن يقدر العبد على تأدية حقه إلا بعطفه بالمعونة عليه بأسباب الإيمان، وهي الحجج القاطعة والآيات المعجزة. قوله: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ﴾ [٧] خوفا من عاقبته المذمومة. قوله: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ [٩] قال: ظاهرها ما عليه أهل التفسير، وباطنها هو الروح والعقل والقلب والطبع والهوى والشهوة، فإن بغى الطبع والهوى والشهوة على القلب والعقل والروح فليقاتله العبد بسيوف المراقبة وسهام المطالعة وأنوار الموافقة، ليكون الروح والعقل غالبا والهوى والشهوة مغلوبا. قوله: ﴿اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ﴾ [١٢] قال: أي لا تطعنوا على أحد بسوء الظن من غير حقيقة. وقد قال النبي ﷺ : «أكذب الحديث الظن» (١). ثم قال سهل: الظن السيئ من الجهل

стр. 147

من نفس الطبع، وأجهل الناس من قطع على قلبه من غير علم، فقد قال الله تعالى: ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣] وإن العبد ليحرم الرزق الهني وصلاته بالليل بسوء الظن. وقد كان رجل من العباد نام ليلة عن ورده، فجزع عليه، فقيل: أتجزع على ما تدركه؟ قال: لست أجزع عليه، وإنما أجزع على الذنب الذي به صرت محروما عن ذلك الخير. فقيل لسهل: ما معنى قوله ﷺ : «احترسوا من الناس بسوء الظن» (١)، فقال: معنى هذا بسوء الظن بنفسك لا بالناس، أي اتهم نفسك بأنك لا تنصفهم من نفسك في معاملاتهم. قوله تعالى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [١٢] قال: أي لا تبحث عن المعايب التي سترها الله على عباده، فإنك ربما تبتلى بذلك. وقد حكي عن عيسى ﵇ أنه كان يقول: لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله ، فتقسوا قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا إلى أعمالكم كالعبيد، واعلموا أن الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء وسلوا الله العافية (٢). قوله: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [١٢] قال: من أراد أن يسلم من الغيبة فليسد على نفسه باب الظنون، فإن من سلم من الظن سلم من الغيبة، ومن سلم من الغيبة سلم من الزور، ومن سلم من الزور سلم من البهتان. قال: وقال ابن عباس ﵄: للمنافق غيبة، وليس للفاسق غيبة، لأن المنافق كتم نفاقه، والفاسق افتخر بفسقه. قال: وهذا إنّما أراد به فيما أظهره من المعاصي، فأما ما كتمه من المعاصي ففيه غيبة. ﴿قوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا﴾ [١٤] قال: يعني أقررنا مخافة السبي والقتل لأن الإيمان إقرار باللسان صدقا، وإيقان في القلب عقدا، وتحقيقها بالجوارح إخلاصا، وليس في الإيمان أنساب، وإنما الأنساب في الإسلام، والمسلم محبوب إلى الخلق، والمؤمن غني عن الخلق. قوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [١٧] أي صدقوك فيما دعوتهم إليه. ﴿بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [١٧] أي عالمين بأن الله هو الذي من عليكم بالهداية في البداية. قال سهل: استعملت الورع أربعين سنة، ثم وقع مني التفات فأدركني قوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [١٧]. والله أعلم.

стр. 148

السورة التي يذكر فيها ق ﴿قوله تعالى: ﴿ق﴾ [١] أقسم الله تعالى بقوته وقدرته، وظاهرها الجبل المحيط بالدنيا، وهو أول جبل خلقه الله تعالى، ثم بعده جبل أبي قبيس وهو الجبل الذي فوق الصفا، ودونه بمسيرة سنة جبل تغرب الشمس وراءه، كما قال: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] وله وجه كوجه الإنسان، وقلب كقلوب الملائكة في المعرفة. قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [١] قال: يعني المشرف على سائر الكلام. قوله: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [٨] أي مخلص القلب لله بالتوحيد إليه، وإدامة ذكره بواجباته. قوله تعالى: ﴿وَأَصْحابُ الرَّسِّ﴾ [١٢] أي البئر. و ﴿الْأَيْكَةِ﴾ [١٤] الغيضة، وباطنها أصحاب الرس أصحاب الجهل. ﴿وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ﴾ [١٤] متبعو الشهوات. قوله تعالى: ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [١٨] قال: أي حافظ حاضر لا يغيب عنه، ولا يعلم الملك ما في الضمير من الخير والشر إلا عند مساكنة القلوب إياه، فيظهر أثر ذلك على الصدر من الصدر إلى الجوارح نور ورائحة طيبة عند العزم على الخير، وظلمة ورائحة منتنة عند العزم على الشر، والله يعلم ذلك منه على كل حال، فليتقه بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: ١]. قوله تعالى: ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [٢١] يعني كتبة في الدنيا تسوقه إلى المحشر، ويشهدون له وعليه، فيقول العبد: أليس قولك الحق وقد قلت: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وقال نبيك ﷺ : «ما منكم أحد يدخل الجنة بعمله إلا برحمة الله» (١)، فيقول الله تعالى: «قولي الحق، وصدق نبيي ﷺ ، انطلق إلى الجنة برحمتي». قال: وهو معنى قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ١١].

стр. 149

قوله تعالى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [٢٢] يعني بصر قلبك نافذ في مشاهدة الأحوال كلها. ﴿قوله تعالى: ﴿ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [٢٩] أي ما يتغير عندي ما سبق في علمي، فيكون بخلاف ما سبق العلم فيه. قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَوّابٍ حَفِيظٍ﴾ [٣٢] قال: هو الراجع بقلبه من الوسوسة إلى السكون إلى الله تعالى. والحفيظ المحافظ على الأوقات والأحوال بالأوامر والطاعات. وقال ابن عيينة: الأواب الحفيظ الذي لا يقوم من مجلس حتى يستغفر الله منه، خيرا كان أو شرا، لما يرى فيه من الخلل والتقصير. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [٣٧] يعني لمن كان له عقل يكسب به علم الشرع. قوله تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [٣٧] يعني استمع إلى ذكرنا وهو حاضر مشاهد ربه غير غائب عنه. وسئل سهل عن العقل، قال: العقل حسن النظر لنفسك في عاقبة أمرك. والله أعلم بالصواب.

стр. 150

السورة التي يذكر فيها الذاريات ﴿قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [١٥] قال: المتقي في الدنيا في جنات الرضى يتقلب، وفي عيون الأنس يسبح، هذا باطن الآية. قوله تعالى: ﴿كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [١٧] قال: لا يغفلون ولا ينامون عن الذكر بحال. قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [١٩] قال: يعني الصدقة على من طلبها منهم ومن لم يطلبها. وقال الحسن البصري: أدركت أقواما إن كان الرجل ليعزم على أهله أن لا يردوا سائلا، ولقد أدركت أقواما إن كان الرجل ليخلف أخاه في أهله أربعين عاما، وإن أهل البيت يبتلون بالسائل، ما هو من الجن ولا من الإنس، وإن الذين كانوا من قبلكم كانوا يأخذون من الدنيا بلاغا، ويبتاعون بالفضل أنفسهم. رحم الله امرأ جعل العيش عيشا واحدا، فأكل كسرة وليس خلقا، ولزق بالأرض، واجتهد في العبادة، وبكى على الخطيئة، وهرب من العقوبة، وابتغى الرحمة، حتى يأتي عليه أجله وهو كذلك (١). وحكي (أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما لي لا أحب الموت، جعلني الله فداك؟ فقال: هل لك مال؟ قال: نعم. قال: قدم مالك. قال: لا أطيق ذلك يا رسول الله. قال: فإن قلب المرء مع ماله، إن قدمه أحب أن يلحقه، وإن أخره أحب أن يتخلف معه) (٢). قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [٢٠] قال: يعني للعارفين بالله يستدلون بها على معرفتهم. قوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [٢١] قال: أي في صورها وتقديرها بأحسن التقادير، وعروقها السائرة فيها كالأنهار الجارية، وشقوقها من غير ألم وصل إليكم بعد ما كنتم نطفا، ثم ركبكم من طبق إلى طبق، أفلا تبصرون هذه القدرة البليغة فتؤمنوا بوحدانيته وقدرته، وأن الله تعالى خلق في نفس ابن آدم ألفا وثمانين عبرة، فثلاثمائة وستون منها ظاهرة، وثلاثمائة

стр. 151

وستون منها باطنة، لو كشف عنها لأبصرتم، وثلاثمائة وستون منها غامضة لا يعرفها إلا نبي أو صديق، لو بدت منها عبرة لأهل العقول لوصلوا إلى الإخلاص، فإن الله تعالى حجب قلوب الغافلين عن ذكره باتباعهم الشهوات عن هذه العبر، فكشف قلوب العارفين به عنها فأوصلهم إليه. قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ﴾ [٢٢] أي تفرغوا لعبادتي ولا يشغلكم طلب الرزق عنا، فإنا نرزقكم، ثم قال: إن الله رضي عنكم بعبادة يوم فارضوا عنه برزق يوم بيوم. قال: وفيها وجه آخر: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ [٢٢] أي من الذكر وثوابه. ﴿قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [٢٤] قال: سماهم مكرمين لأنه خدمهم بنفسه، وكان منذ سبعة أيام لم يطعم شيئا، ينتظر ضيفا، فلما أرسل الله تعالى ملائكته إليه استبشر بهم وخدمهم بنفسه ولم يطعم معهم، وهي علامة الخلة المؤكدة أن يطعم ولا يطعم، ويشفي الغير من ألم ويسقم. قوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [٥٠] قال: يعني ففروا مما سوى الله إلى الله، وفروا من المعصية إلى الطاعة، ومن الجهل إلى العلم، ومن عذابه إلى رحمته، ومن سخطه إلى رضوانه. وقد قال النبي ﷺ : «أعوذ بك منك» (١)، فهذا أيضا باب منه عظيم. قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [٥٤] قال: أعرض عنهم فقد جهدت في الإبلاغ جهدك. والله أعلم.

стр. 152

السورة التي يذكر فيها الطور ﴿قوله تعالى: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [٤] قال: ظاهرها ما حكى محمد بن سوار بإسناده عن ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «ليلة أسري بي إلى السماء رأيت البيت المعمور في السماء الرابعة - ويروى السابعة - يحجه كل يوم سبعون ألف ملك لا يرجعون إليه بعده أبدا» (١) الحديث بطوله … وباطنها القلب قلوب العارفين معمورة بمعرفته ومحبته، والأنس به، وهو الذي تحجه الملائكة لأنه بيت التوحيد. قوله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [٥] هو العمل المرضي الذي لا يراد به جزاء إلا الله تعالى. قوله تعالى: ﴿إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [٢٦] قال: أي خائفين وجلين من سوء القضاء وشماتة الأعداء. قوله تعالى: ﴿وَاِصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا﴾ [٤٨] يعني ما ظهر على صفاتك من فعل وقدرة يتولى جملتك بالرعاية والكلاية والرضى والمحبة والحراسة من الأعداء. قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [٤٨] قال: يعني صل المكتوبة بالإخلاص لربك حين تقوم إليها. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ﴾ [٤٩] قال: يعني لا تغفل عن ذكر من لا يغفل عن برك وحفظك في كل الأوقات صباحا ومساء. والله أعلم.

стр. 153

السورة التي يذكر فيها النجم ﴿قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى﴾ [١] يعني ومحمد ﷺ إذا رجع من السماء. قوله تعالى: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى﴾ [٢] قال: أي ما ضل عن حقيقة التوحيد قط، ولا اتبع الشيطان بحال. قوله تعالى: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى﴾ [٣] يعني لا ينطق بالباطل قط. قال كان نطقه حجة من حجج الله تعالى، فكيف يكون للهوى والشيطان عليه اعتراض؟ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [٨] قال: يعني قربا بعد قرب. قوله تعالى: ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ [١١] من مشاهدة ربه ببصر قلبه كفاحا. قوله تعالى: ﴿أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [١٢] منا وبنا وما يرى منا بنا أفضل مما يراه به. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ [١٣] قال: يعني في الابتداء حين خلقه الله . ويقال نورا في عامود النور قبل بدء الخلق بألف ألف عام بطبائع الإيمان مكاشفة الغيب بالغيب قام بالعبودية بين يديه: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى﴾ [١٤] وهي شجرة ينتهي إليها علم كل أحد. ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [١٦] السدرة من نور محمد ﷺ في عبادته، كأمثال فراش من ذهب، ويجريها الحق إليه من بدائع أسراره، كل ذلك ليزيده ثباتا لما يرد عليه من الموارد. ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ [١٧] قال: ما مال إلى شواهد نفسه ولا إلى مشاهدتها، وإنما كان مشاهدا بكليته ربه تعالى، شاهدا ما يظهر عليه من الصفات التي أوجبت الثبات في ذلك المحل. ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى﴾ [١٨] يعني ما يبدي من صفاته من آياته رآها، ولم يذهب بذلك عن مشهوده، ولم يفارق مجاورة معبوده، وما زاده إلا محبة وشوقا وقوة، أعطاه الله قوة احتمال التجلي والأنوار العظيمة، وكان ذلك تفضيلا له على غيره من الأنبياء.

стр. 154

ألا ترى أن موسى صعق عند التجلي، ففي الضعف جابه النبي ﷺ في مشاهدته كفاحا ببصر قلبه، فثبت لقوة حاله وعلو مقامه ودرجته. ﴿قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ [٤٠] قال: أي سوف يرى سعيه ويعلم أنه لا يصلح للحق ويعلم الذي يستحقه سعيه، وأنه لو لم يلحقه فضل الله لهلك سعيه. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى﴾ [٤٣] قال: يعني أضحك المطيع بالرحمة، وأهلك العاصي بالسخط، وأضحك قلوب العارفين بنور معرفته، وأبكى قلوب أعدائه بظلمات سخطه (١). ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا﴾ [٤٤] قال: أمات قلوب الأعداء بالكفر والظلمة، وأحيا قلوب الأولياء بالإيمان وأنوار المعرفة. ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى﴾ [٤٨] قال: ظاهرها متاع الدنيا، وباطنها أغنى بالطاعة وأفقر بالمعصية. وقال ابن عيينة: أغنى وأقنى أي أقنع وأرضى. والله أعلم بالصواب.

стр. 155

السورة التي يذكر فيها القمر ﴿قوله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [١] على عهد رسول الله ﷺ فلقتين، حتى ذهبت فلقة وراء جبل حراء، وهي أول علامة من علامات الساعة. وحكي عن أبي عبد الرحمن السلمي (١) قال: كنت مع أبي بالمدائن، وكانت الجمعة، فذهب بي إلى الجمعة وهو آخذ بيدي، فقام حذيفة بن اليمان على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [١]، ألا وإن الساعة قد اقتربت، وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد أدبرت، ألا وإن المضمار اليوم، والسباق غدا. فلما خرجنا قلت: يا أبت، غدا يستبق الناس. قال: يا بني السباق غدا. [فقلت لأبي: أيستبق الناس غدا؟ قال: يا بني] (٢) إنك لجاهل، إنّما يقول من عمل اليوم سبق في الآخرة (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [١٧، ٣٢، ٣٩] أي هوّنا القرآن للذكر، ولولا ذلك لما أطاقت الألسنة أن تتكلم به، فهل من مدكر لهذه النعمة. قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [٥٢] قال: يعني في الكتب التي تكتبها الحفظة. ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [٥٣] أي مكتوب في الكتاب، فيعرض عليهم يوم القيامة بين يدي الله تعالى. وقد حكي عن أبي حازم (٤) أنه قال: ويحك يا أعرج، ينادى يوم القيامة: يا أهل خطيئة كذا فتقوم معهم، ثم ينادى: يا أهل خطيئة كذا فتقوم معهم، وأراك يا أعرج تقوم مع أهل كل خطيئة (٥)، والله أعلم.

стр. 156

السورة التي يذكر فيها الرحمن ﴿قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ [٤] قال: يعني علّمه الكلام الذي هو من نفس الروح وفهم العقل وفطنة القلب وذهن الخلق وعلم نفس الطبع، ألهم الله ذلك آدم ﵇ وبين ذلك. قوله تعالى: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزانَ﴾ [٧] قال: باطنها الأمر والنهي على الجوارح. قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [١٧] قال: باطنها مشرق القلب ومغربه ومشرق اللسان ومغربه، ومشرق توحيده ومغربه مشاهدته. وقال تعالى: ﴿بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] أي مشارق الجوارح بالإخلاص، ومغاربها بالطاعة للناس ظاهرا وباطنا. قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ [١٩] قال: أحد البحرين القلب، فيه أنواع الجواهر: جوهر الإيمان وجوهر المعرفة وجوهر التوحيد وجوهر الرضى وجوهر المحبة وجوهر الشوق وجوهر الحزن وجوهر الفقر وغيرها؛ والبحر الآخر النفس. قوله تعالى: ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [٢٠] وهو العصمة والتوفيق. قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [٤٦] قال لبيد: همّ بمعصية، ثم ذكر مقامه بين يدي الله تعالى يوم الحساب، فانتهى عنها (١). ولقد بلغني أن شابا في خلافة عمر ﵁ كان له جمال ومنظر، وكان عمر ﵁ يعجبه الشاب ويتفرس فيه الخير، فاجتاز الفتى بامرأة فأعجب بها، فلما أراد أن يهمّ بالفاحشة نزلت عليه العصمة، فخرّ لوجهه مغشيا، فحملته المرأة إلى منزله، وكان له أب شيخ كبير، إذا أمسى جلس على الباب ينتظره، فلما رآه الشيخ غشي عليه، فلما أفاق سأله عن حاله، فقصّ عليه، ثم صاح صيحة فخرّ ميتا، فلما دفن وقف وقرأ عمر ﵁ على قبره: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [٤٦] فناداه من القبر: إن الله أعطانيهما وزادني معهما ثالثة (٢). قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [٥٦] قال: أي غاضات الأبصار عن غير أزواجهن فمن قصر طرفه في الدنيا عن الحرام والشبهات، وعن اللذات وزينتها، أعطاه الله في الجنة قاصرات الطرف، كما وعد. قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ﴾ [٧٢] قال: أي محبوسات في الخيام. وقد حكى محمد بن سوار بإسناده عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن للمؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة بيضاء طولها ثلاثون ميلا فيها أهلون لا يرى بعضهم بعضا» (٣)، والله أعلم.

стр. 157

السورة التي يذكر فيها الواقعة ﴿قوله تعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ [٣] قال: يعني القيامة تخفض أقواما بالدعاوى، وترفع أقواما بالحقائق. قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً﴾ [٧] قال: يعني فرقا ثلاثة. ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [٨] يعني الذين يعطون الكتاب بأيمانهم. ﴿وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ [٩] يعني الذين يعطون الكتاب بشمائلهم. ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [١٠] قال هم الذين سبق لهم من الله الاختيار والولاية قبل كونهم. ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾ [١١] في منازل القرب وروح الأنس، وهم الذين سبقوا في الدنيا، فسبق الأنبياء إلى الإيمان بالله، وسبق الصديقون والشهداء من الصحابة وغيرهم إلى الإيمان بالأنبياء. قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ [١٣، ٣٩] قال: يعني فرقة من الأولين وهم أهل المعرفة. ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [٤٠] وهم الذين آمنوا بمحمد ﷺ وبجميع الرسل والكتب. قوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً﴾ [٢٥] قال: ما ذاك بمشهد لغو ولا مكان إثم، لأنه محل قدّس بالأنوار للمقدسين من العباد، وقد ظهر منهم وعليهم ما يصلح لذلك المقام. قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [٨٣] يعني نفسه بلغت الحلقوم، وهو متحير لا يدري ما يصير أمره، كما حكي عن مسروق بن الأجدع (١) أنه بكى حين حضرته الوفاة، فاشتد بكاؤه، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: وكيف لا أبكي، وإنما هي ساعة، ثم لا أدري إلى أين يسلك بي (٢). ﴿فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [٨٨] يعني الأنبياء والشهداء والصالحين بعضهم أفضل درجة من بعض، منازلهم في القرب على مقدار قرب قلوبهم من المعرفة بالله تعالى. ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ﴾ [٨٩] في الجنة. وقال أبو العالية (٣) في هذه الآية: لم يكن الرجل منهم يفارق الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم تفيض روحه فيها (٤). ﴿وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ [٩٠] قال: يعني الموحدين العاقبة لهم لأنهم أمناء الله قد أدوا الأمانة، يعني أمره ونهيه والتابعين بإحسان لم يحدثوا شيئا من المعاصي والزلات، فأمنوا الخوف والهول الذي ينال. والله أعلم.

стр. 158

السورة التي يذكر فيها الحديد ﴿قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [٣] قال: اسم الله الأعظم مكنى عنه في ست آيات من أول سورة الحديد من قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ﴾ [٣] وليس المعنى في الأسماء إلا المعرفة بالمسمى، والمعنى في العبادة إلا المعرفة في العبودية. ومعنى الظاهر ظاهر العلو والقدرة والقهر، والباطن الذي عرف ما في باطن القلوب من الضمائر والحركات. قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ [٤] قال: باطن الآية الأرض نفس الطبع، فيعلم ما يدخل القلب الذي فيها له من الصلاح والفساد. ﴿وَما يَخْرُجُ مِنْها﴾ [٤] من فنون الطاعات، فتبين آثارها وأنوارها على الجوارح. ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ [٤] عليها من آداب الله تعالى إياه. ﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ [٤] إلى الله من الروائح الطيبة والذكر. قوله تعالى: ﴿وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [٦] قال: باطنها الليل نفس الطبع والنهار نفس الروح، فإذا أراد الله تعالى بعبده خيرا ألّف بين طبعه ونفس روحه على إدامة الذكر، فأظهر ذلك على مقابلة أنوار الخشوع. قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [٧] قال: يعني ورثكم من آبائكم وملككم، فأنفقوا عيش أنفسكم الطبيعية من الدنيا في طاعته وطاعة رسوله. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا﴾ [٧] أعمارهم في الوجوه التي أمرهم الله بالإنفاق فيها. ﴿لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [٧] وهو البقاء مع الباقي في جنته ورضاه. قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ [١١] قال: أعطى الله عباده فضلا، ثم سألهم قرضا حسنا، والقرض الحسن المشاهدة فيه، كما قال النبي ﷺ : «اعبد الله كأنك تراه» (١). وحكي عن أبي حازم أنه قال: إن بضاعة الآخرة كاسدة، فاستكثروا من أوان كسادها، فإذا جاء يوم نفاقها لم تقدروا منها على قليل ولا على كثير (٢).

стр. 159

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ [١٢] قال: نور المؤمن يسعى بين يديه، له هيبة في قلوب الموافقين والمخالفين، يعظمه الموافق ويعظم شأنه، ويهابه المخالف ويخافه، وهو النور الذي جعله الله تعالى لأوليائه، ولا يظهر ذلك النور لأحد إلا إن انقاد له وخضع، وهو من نور الإيمان، ثم وصف المنافقين أنهم يقولون لهم: ﴿اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [١٣] فنمضي معكم على الصراط فإنا في الظلمة، فتقول لهم الملائكة: ﴿اِرْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾ [١٣] بعقولكم التي كنتم تدبرون بها أموركم في الدنيا، فيرجعون إلى ورائهم، فيضرب الله بين أنفسهم وبين عقولهم سورا وقد ستر الخيرة، فلا يصلون إلى طريق هدى، حتى إذا انتهوا في السير على الصراط سقطوا في جهنم خالدين فيها. ﴿قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [١٥] يعني لا يؤخذ منكم فداء عن أنفسكم. قال ابن سالم: خدمت سهل بن عبد الله ستين سنة، فما تغير في شيء من الذكر أو غيره، فلما كان آخر يوم من عمره قرأ رجل بين يديه هذه الآية: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [١٥] فرأيته ارتعد واضطرب حتى كاد يسقط، فلما رجع إلى حال صحوه سألته عن ذلك وقلت: لم يكن عهدي بك هذا. فقال: نعم يا حبيبي قد ضعفت. فقلت: ما الذي يوجب قوة الحال؟ فقال: لا يرد عليه وارد إلا هو يبتلعه بقوته، فمن كان كذلك لا تغيره الواردات، وإن كانت قوية. وكان يقول: حالي في الصلاة وقبل الدخول فيها سواء. وذلك أنه كان يراعي قلبه، ويراقب الله تعالى بسره قبل دخوله، فيقوم إلى الصلاة بحضور قلبه وجمع همته. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ [١٦] قال: ألم يحن لهم أوان الخشوع عند سماع الذكر، فيشاهدوا الوعد والوعيد مشاهدة الغيب. قوله تعالى: ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [١٦] قال يعني باتباع الشهوة. قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [٢٠] قال: الدنيا نفس نائمة، والآخرة نفس يقظانة. قيل: فما النجاة منها؟ قال: أصل ذلك العلم، ثم ثمرته مخالفة الهوى في اجتناب المناهي، ثم مكابدة النفس على أداء الأوامر على الطهارة من الأدناس، فيورث السهولة في التعبد والحلول بعده في مقامات العابدين، ثم يذيقه الله ما أذاق أولياءه وأصفياءه وهي درجة المذاق. قال: وذكر لنا أن إبراهيم خليل الرحمن ﵊ أصابه يوما عطش شديد في مفازة يوم شديد الحر، فنظر إلى حبشي يرعى الإبل فقال: هل عندك ماء؟ فقال: يا إبراهيم أيما أحب إليك الماء أو اللبن؟ فقال: الماء. قال: فضرب بقدمه على صخرة فنبع الماء، فتعجب

стр. 160

إبراهيم ﵊، فأوحى الله إلى إبراهيم: لو سألني هذا الحبشي أن أزيل السماوات والأرض لأزلتهما. فقال: ولم ذلك يا رب؟ قال: لأنه ليس يريد من الدنيا والآخرة غيري. وقال عامر بن عبد القيس: وجدت الدنيا أربع خصال فأما خصلتان فقد طابت نفسي عنهما: النساء وجمع الماء، وأما الخصلتان فلا بد منهما وأنا مصرفهما ما استطعت: النوم والطعام (١). ﴿قوله تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ [٢٣] قال: في هذه الآية دليل على الرضا في الشدة والرخاء. قوله : ﴿وَرَهْبانِيَّةً اِبْتَدَعُوها﴾ [٢٧] قال: الرهبانية مأخوذة من الرهبة، وهو الخوف، ومعناه ملازمة الخوف من غير طمع. ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ [٢٧] أي ما تعبدناهم بذلك. قوله : ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [٢٨] قال: يعني الرحمة وعين الرحمة، فالسر سر المعرفة، والعين عين الطاعة لله ولرسوله. والله أعلم.

стр. 161

السورة التي يذكر فيها المجادلة ﴿قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [١٠] قال: النجوى إلقاء من العدو إلى نفس الطبع كما قال النبي ﷺ : «للملك لمة وللشيطان لمة» (١). قوله : ﴿وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى﴾ [٩] قال: بذكر الله وقراءة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [٢٢] قال: كل من صح إيمانه فإنه لا يأنس بمبتدع ويجابهه، ولا يؤاكله ولا يشاربه ولا يصاحبه، ويظهر له من نفسه العداوة والبغضاء، ومن داهن مبتدعا سلبه الله حلاوة السنن، ومن تحبب إلى مبتدع يطلب عزة في الدنيا وعرضا، أذله الله بذلك العز، وأفقره الله بذلك الغنى، ومن ضحك إلى مبتدع نزع الله نور الإيمان من قلبه، ومن لم يصدق فليجرب. قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [٢٢] قال: كتب الله الإيمان في قلوب أوليائه سطورا، فالسطر الأول التوحيد، والثاني المعرفة، والثالث الصدق، والرابع الاستقامة، والخامس الصدق، والسادس الاعتماد، والسابع التوكل. وهذه الكتابة هي فعل الله لا فعل العبد، وفعل العبد في الإيمان ظاهر الإسلام، وما يبدو منه ظاهرا وما كان منه باطنا فهو فعل الله تعالى. وقال أيضا: الكتابة في القلب موهبة الإيمان التي وهبها الله منهم قبل أن خلقهم من الأصلاب والأرحام، ثم أبدى بصرا من النور في القلب، ثم كشف الغطاء عنه حتى أبصروا ببركة الكتابة ونور الإيمان المغيبات. وقال: حياة الروح بالذكر، وحياة الذكر بالذاكر وحياة الذاكر بالمذكور، ﵃ بإخلاصهم له في أعمالهم، ورضوا عنه بجزيل ثوابه لهم على أعمالهم. ﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ﴾ [٢٢] الحزب الشيعة، وهم الأبدال، وأرفع منهم الصديقون. ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [٢٢] يعني هم الوارثون أسرار علومهم المشرقون على معاني ابتدائهم وانتهائهم. والله أعلم.

стр. 162

السورة التي يذكر فيها الحشر ﴿قوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [٢] قال: أي يخربون قلوبهم ويبطلون أعمالهم باتباعهم البدع وهجرانهم طريقة الاقتداء بالنبيين. ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ﴾ [٢] أي بمجانبة المؤمنين ومشاهدتهم ومجالستهم فيحرمون بركاتهم. ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ [٢] ﴿فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ﴾ [فاطر: ٨] بالخذلان ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [فاطر: ٨] بالمعونة، وليس لكم من الأمر شيء. قوله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [٧] قال: أصول مذهبنا ثلاث: أكل الحلال، والاقتداء بالرسول ﷺ في الأخلاق والأفعال، وإخلاص النية في جميع الأعمال (١). وقال: ألزموا أنفسكم ثلاثة أشياء، فإن خير الدنيا والآخرة فيها: صحبتها بالأمر والنهي بالسنة، وإقامة التوحيد فيها وهو اليقين، وعلما فيه اتصال الروح، وصاحب هذه الثلاثة أعلم بما في بطن الأرض مما على ظهرها، ونظره في الآخرة أكثر من نظره في الدنيا، وهو في السماوات أشهر بين الملائكة منه في الأرض بين أهله وقرابته. فقيل: ما العلم الذي فيه إيصال الروح؟ قال: علم قيام الله عليه والرضا. قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ [٩] قال: يعني مجاعة وفقرا. تقول العرب: فلان مخصوص إذا كان فقيرا، فيؤثرون رضا الله على هواهم، والإيثار شاهد الحب. وقد حكي عن وهيب بن الورد (٢) أنه قال: يقول الله تعالى: «وعزتي وعظمتي وجلالي، ما من عبد آثر هواي على هواه إلا قللت همومه وجمعت عليه ضيعته، ونزعت الفقر من قلبه،

стр. 163

وجعلت الغنى بين عينيه، واتجرت له من وراء كل تاجر. وعزتي وجلالي، ما من عبد آثر هواه على هواي إلا كثرت همومه، وفرقت عليه ضيعته، ونزعت الغنى من قلبه، وجعلت الفقر بين عينيه، ثم لا أبالي في أي واد هلك» (١). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [٩] قال: أي ومن يوق حرص نفسه وبخلها على شيء هو غير الله وغير ذكره، فأولئك هم الباقون مع الله حياة طيبة بحياة طيبة. ﴿قوله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾ [١٤] قال: أهل الحق مجتمعون، وأهل الباطل متفرقون أبدا، وإن اجتمعوا في أبدانهم وتوافقوا في الظاهر، فإن الله تعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾ [١٤]. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [١٨] قال: يسأل الله تعالى العبد عن حق نفسه، وحق العلم الذي بينه وبين ربه، وحق العقل، فمن كان له فليؤدّ حق نفسه وحق العلم الذي بينه وبين ربه بحسن النظر لنفسه في عاقبة أمره. وحكي عن الحسن أنه قال: إذا مات ابن آدم قالت بنو آدم: ما ترك، وقالت الملائكة: ما قدم؟. قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ﴾ [١٩] عند الذنوب ﴿فَأَنْساهُمْ﴾ [١٩] الله الاعتذار وطلب التوبة. قال: ما من عبد أذنب ذنبا ولم يتب إلا جره ذلك الذنب إلى ذنب آخر وأنساه الذنب الأول، وما من عبد عمل حسنة إلا جرته تلك الحسنة إلى حسنة أخرى، وبصره عقله تقصيره في الحسنة الأولى، لكي يتوب من تقصيره في حسناته الماضية، وإن كانت خالية صحيحة. قوله تعالى: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ [٢٢] قال: الغيب السر، والشهادة العلانية. وقال تعالى أيضا: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ [٢٢] عالم بالدنيا والآخرة. والله أعلم.

стр. 164

السورة التي يذكر فيها الممتحنة ﴿قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ﴾ [١] قال: حذر الله تعالى المؤمنين من التولي بغير من تولاه الله ورسوله، فإن الله تعالى لم يرض منه أن يسكن إلى وليه، فكيف إلى عدوه؛ ومن شغل قلبه بما لا يعنيه من أمر آخرته نال منه العدو، فكيف بغيره؛ ومن طمع في الآخرة مع إرادة شيء من الدنيا حلالا كان مخدوعا، فكيف بالحرام؛ ومن لم يكن فعله مخالفة أو مكابدة أو إيثارا فهو رياء. قيل: وما معناها؟ قال: المخالفة في ترك النهي ولترك ذرة مما نهى الله عنه أفضل من أن تعبد الله عمر الدنيا. والمكابدة في أداء الأوامر والإيثار أن يؤثر الله تعالى على ما دونه، ففي المخالفة فقدوا أنفسهم، وفي المكابدة فقدوا أهواءهم، فصارت شهواتهم في الطاعات، وبالإيثار نالوا محبته ورضاه. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [٧] قال: غفور لذنوبكم الماضية بالتوبة، رحيم يعصمكم فيما بقي لكم من عمركم من مثل هذه المعصية. قوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ﴾ [١٠] قال: لا توافقوا أهل البدع على شيء من أهوائهم وآرائهم، والله أعلم. السورة التي يذكر فيها الصف قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [٢] قال: إن الله هدد عباده على دعواهم من غير تحقيق، والدعوى أن يلزمه اليوم حق من حقوق الله براءة وتوبة من كل ذنب ارتكبه، فيقول غدا أعمل، وما من أحد ادعى إلا وقد ضيع حق الله من وجهين، ظاهر وباطن، ولا يكون المدعي خائفا، ومن لم يكن خائفا لم يكن آمنا، ومن لم يكن آمنا لم يكن يطلع على الجزاء. وقال: طلاب الآخرة كثيرة، والذي يتولى الله كفايته عبدان، عبد ساذج غير أنه صادق في طلبه، متوكل على الله، فيصدقه فيكفيه مولاه، ويتولى جميع أموره؛ وعبد عالم بالله وبأيامه وأمره ونهيه، كفاه الله كل شيء من هذه الدنيا، فإذا صار إلى الآخرة ما سوى هذين لا يعبأ الله بهم، لأنهم يدعون ما ليس لهم. وقال ابن عيينة في هذه الآية: لم تقولون ما ليس الأمر فيه لكم، لا تدرون تفعلون ذلك أم لا تفعلون. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ﴾ [٨] يعني جحدوا ما ظهر لهم من حجة النبي ﷺ بألسنتهم، وأعرضوا عنه بنفوسهم، فقيض الله لقبوله أنفسا أوجدها على حكم السعادة، وقلوبا زينها بأنوار معرفته، وأسرار نورها بالتصديق، فبذلوا له المهج والأموال كالصدّيق والفاروق وأجلة الصحابة ﵃. قوله تعالى: ﴿كُونُوا أَنْصارَ اللهِ﴾ [١٤] قال: يعني بالقبول منه، والاستماع إليه بطاعته فيما يأمركم به وينهاكم عنه، والله أعلم.

стр. 165

السورة التي يذكر فيها الجمعة ﴿قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ [٢] قال: الأميون هم الذين صدقوا محمد ﷺ ، نسبوا إليه لاتباعهم إياه واقتدائهم به، ومن لم يقتد به فليس من أمته. قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [٣] يعني الذين جاءوا من بعده فآمنوا به واتبعوه يلحقهم الله بأولهم. قوله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً اِنْفَضُّوا إِلَيْها﴾ [١١] قال: من شغله عن ربه شيء من الدنيا والآخرة فقد أخبر عن خسّة طبعه ونذالة همته، لأن الله قد فتح له الطريق، وأذن له في مناجاته، فاشتغل بما يفنى، ولم يكن عالما بمن لم يزل، ولا يزال. قوله تعالى: ﴿قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ﴾ [١١] قال: يعني ما ادخر لكم في الآخرة من جزيل العطايا واللذة الباقية، خير مما أعطاكم من الدنيا. والله أعلم. السورة التي يذكر فيها المنافقون قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [١] قال: لأنهم أقروا بألسنتهم ولم يعرفوا بقلوبهم، فلذلك سماهم منافقين. ومن عرف بقلبه، وأقر بلسانه، ولم يعمل بأركانه ما فرض الله عليه من غير عذر، كان كإبليس لعنه الله، عرفه وأقربه ولم يعمل بأمره. قال: والنفاق على ضربين، عقد بالقلب وإظهار خلافه باللسان، كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١] والضرب الآخر نفاق نفس الطبع مع صاحبها، وهو الذي قال النبي ﷺ : «الشرك الخفي في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء» (١). قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ﴾ [٩] عن أداء الفرائض في مواقيتها، فإن من شغله عن ذكر الله وخدمته عرض من عروض الدنيا شيئا لشهوته، ووجد في عبادته نشاطا فهو مخدوع، إلا الذي يأخذها الله . وقد حكي أن سلمان دخل عليه سعد بن أبي وقاص (٢) ﵁ يعوده فبكى سلمان فقال: ما يبكيك يا أبا عبد الله، توفي سيدنا رسول الله ﷺ وهو عنك راض، وتلقى أصحابك وترد حوضه. فقال سلمان: أما إني لست أبكي جزعا على الموت، ولا حرصا على الدنيا، ولكن

стр. 166

رسول الله ﷺ عهد إلينا عهدا فقال: «ليكن بلغة أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب» (١)، وحولي هذه الأوساد - جمع وسادة - وإنما كان حوله لحافه ومطهرته وجفنته. فقال سعد: يا أبا عبد الله، اعهد إلينا عهدا نأخذه بعدك. فقال: يا سعد، اذكر الله تعالى عند همك إذا هممت، وعند حكمك إذا حكمت، وعند يدك إذا أقسمت (٢). والله أعلم. السورة التي يذكر فيها التغابن ﴿قوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [٢] هل وافق العمل الطبع والخلقة. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [١٤] قال: من حملك من أزواجك وأولادك على جمع الدنيا والركون إليها فهو عدو لك، ومن حثك على بذلها وإنفاقها، وذلك على القناعة والتوكل فليس بعدو لك. وحكي عن الحسن أنه قال: يا ابن آدم، لا يغرنك من حولك من السباع الضارية ابنك وحليلتك وكلالتك وخادمك، أما ابنك فمثل الأسد في الشدة والصولة، ينازعك فيما في يدك؛ وأما حليلتك، فمثل الكلبة في الهرير والبصبصة، تهر أحيانا وتبصبص أحيانا؛ وأما كلالتك، فو الله لدرهم يقع في ميراث أحدهم، أحب إليه من أن لو كنت أعتقت رقبة؛ وأما خادمك، فمثل الثعلب في الحيل والسرقة. وأقول لك يا ابن آدم، اتق الله، فلا توقر ظهرك بصلاحهم، فإنما لك خطوات إلى منزلك القابل لأربعة أذرع في ذراعين، فإذا وضعوك هناك انصرفوا عنك وصرفوا النيات، وضربوا الدفوف، وضحكوا بالقهقهة، وأنت تحاسب بما في أيديهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [١٥] قال: إن أعطاك الله المال تشاغلت بحفظه، وإن لم يعطك تشاغلت بطلبه، فمتى تتفرغ له. والله أعلم بالصواب.

стр. 167

السورة التي يذكر فيها الطلاق ﴿قوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [٢] قال: لا يقبل الموعظة إلا مؤمن، والموعظة ما خرجت إلا من قلب سليم، لا يكون فيه غل ولا حقد ولا حسد، ولا يكون فيه حظ. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [٢ - ٣] قال: التقوى التبري من الحول والقوة، والأسباب كلها دونه بالرجوع إليه يجعل له مخرجا مما كلفه بالمعونة والعصمة من الطواف فيها (١). ولا يصح التوكل إلا للمتقين، ولا تصح التقوى إلا بالتوكل (٢)، لذلك قال الله تعالى: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [٣]. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [٣] قال: يعني من يكل أموره إلى ربه فإن الله تعالى يكفيه مهم الدارين أجمع. وقال أبو الحسن عمر بن واصل العنبري: سمعت سهلا يقول: دخلت البادية سبعة عشر مرة بلا زاد من طعام ولا شراب ولا هميان ولا ركوة ولا عصي فلم أحتج إلى شيء آكله إلا وهو معدّ لي، فقربت من البادية ذات كرة، فدفع إلي رجل درهمين صحيحين، فوضعتهما في جيبي ومضيت، فسرت مدة فلم أجد شيئا، فضعفت وجعلت أقول في نفسي: ما الذي أحدثت حتى حبس عنك معلومك؟ فسمعت صوتا من الهوى يقول: اطرح ما في الجيب يأتك ما في الغيب. فتذكرت أن في جيبي درهمين، فأخرجتهما ورميت بهما، فلم أسر هنيهة حتى أبصرت رغيفين بينهما عسل، كأنهما أخرجا من التنور ساعة، وعدت إلى ما كنت عليه. والله أعلم.

стр. 168

السورة التي يذكر فيها التحريم ﴿قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً﴾ [٦] قال: يعني بطاعة الله واتباع السنن. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ [٨] قال: التوبة النصوح أن لا يرجع، لأنه صار من جملة الأحبة، والمحب لا يدخل في شيء لا يحبه الحبيب (١). وقال: علامة التائب أن لا تقله أرض ولا تظله سماء إلا هو متعلق بالعرش وصاحب العرش، حتى يفارق الدنيا، ولا أعرف في هذا الزمان أقل من التوبة، إذ ليس منا أحد أتاه ملك الموت إلا ويقول: دعني أفعل كذا وكذا، دعني أتنفس ساعة. ثم قال: إن التائب المخلص ولو مقدار ساعة، ولو مقدار نفس واحد قبل موته، يقال له: ما أسرع ما جئت به صحيحا، وجئنا حيث جئت. قوله: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ﴾ [٨] قال: لا يخزيه في أمته، ولا يرد شفاعته. ولقد أوحى الله تعالى إلى النبي ﷺ فقال: إن أحببت جعلت أمر أمتك إليك. فقال: يا رب أنت خير لهم مني. فقال الله تعالى: إذا لا أخزيك فيهم (٢). قوله : ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ [٨] فقال: لا يسقط الافتقار إلى الله عن المؤمنين في الدنيا ولا في العقبى، هم في الجنة أشد افتقارا إليه، وإن كانوا في دار العز والأمن والغنى لشوقهم إلى لقائه، ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ [٨] وارزقنا لقاءك، فإنه منوّر الأنوار وغاية الطلاب. والله أعلم.

стр. 169

السورة التي يذكر فيها الملك ﴿قوله تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [١] قال: أي تعالى الله وتعاظم عن الأشباه والأولاد والأضداد، الذي بيده الملك يقلبه بحوله وقوته، يؤتيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء، وهو القادر عليه. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾﴾ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [١ - ٢] قال: الموت في الدنيا بالمعصية، والحياة في الآخرة بالطاعة. ولهذا قال الله تعالى لموسى ﵇ فيما أوحى إليه: يا موسى، إن أول من مات من خلقي إبليس لعنه الله لأنه عصاني، وإني أعد من عصاني في الموتى. وقال: إن الموت خلق في صورة كبش أملح لا يمر بشيء فيجد ريحه إلا حيي. وقد روي في الخبر أن أهل الجنة ليخافون الموت، وأهل النار يتمنون الموت، فيؤتى به في صورة كبش أملح، ثم يقال: هذا الموت فانظروا ما الله صانع فيه، ثم يضجع هناك فيذبح، ثم يجعله الله تعالى في صورة فرس يسرح في الجنة، لا يراه أحد من أهل الجنة إلا أنس به ولا يعلم أنه الموت (١). قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [٢] قال: أي أصوبه وأخلصه، فإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون صوابا خالصا. والخالص الذي يكون لله تعالى بإرادة القلب، والصواب الذي يكون على سبيل السنة وموافقة الكتاب. وقال مرة أخرى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [٢] أي توكلا ورضا علينا، وسياحة بعد الزهد في الدنيا. وإن مثل التقوى واليقين كمثل كفتي الميزان، والتوكل لسانه، يعرف به الزيادة من النقصان (٢). فقيل: وما التوكل؟ قال: الفرار من التوكل (٣)، يعني من دعوى التوكل.

стр. 170

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [٢] قال: يعني المنيع في حكمه، الحكيم في تدبيره بخلقه، الغفور للنقصان والخلل الذي يظهر في طاعات عباده. ﴿قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [١٢] أي يخافون ربهم في سرهم، فيحفظون سرهم من غيره. قوله تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [١٤] ألا يعلم من خلق القلب، بما أودعه من التوحيد والجحود. ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ [١٤] بعلمه بما في لب القلوب من الأسرار المكنونة فيها، كما قال النبي ﷺ : «إن من العلم سرا مكنونا لله تعالى في القلوب». ﴿الْخَبِيرُ﴾ [١٤] يخبرك بما في غيبك. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً﴾ [١٥] قال: خلق الله تعالى الأنفس ذلولا، فمن أذلها بمخالفتها فقد نجاها من الفتن والبلايا والمحن، ومن أذلها واتبعها فقد أذلته نفسه وأهلكته. قوله : ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى﴾ [٢٢] قال: أفمن يكون مطرقا إلى هوى نفسه بجبلة طبعه بغير هدى من ربه أهدى ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [٢٢] قال: يعني أم من يكون متبعا شرائع الإسلام مقتديا بالنبيين. والله أعلم.

стр. 171

السورة التي يذكر فيها القلم ﴿قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ [١] قال: النون اسم من أسماء الله تعالى، إذا جمعت بين أوائل السور: «الر» و «حم» و «ن» فهو اسم الرحمن (١). وقال ابن عباس ﵄: النون الدواة التي كتب الذكر منها، والقلم الذي كتب به الذكر الحكيم. ﴿وَما يَسْطُرُونَ﴾ [١] ما تكتبه الحفظة من أعمال بني آدم. وقال عمر بن واصل: وما يسطرون، أي: وما تولى الله لعباده من الكتابة التي فيها منافع الخلق ومصالح العباد والبلاد. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [٣] قال: أي محدود مقطوع ومحسوب عليك. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [٤] قال: تأدبت بأدب القرآن، فلم تتجاوز حدوده وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠]. وقال: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ثم قال: إن الغضب والحدة من سكون العبد إلى قوته، فإذا خرج من سكونه إلى قوته سكن الضعف في نفسه، فتتولد منه الرحمة واللطف، وهو التخلق بأخلاق الرب ﷻ . وقد أوحى الله تعالى إلى داود ﵇ فقال: «تخلق بأخلاقي فإني أنا الصبور» (٢) فمن أوتي الخلق الحسن فقد أوتي أعظم المقامات، لأن ما دونه من المقامات ارتباط بالعامة، والخلق الحسن ارتباط بالصفات والنعوت. وسئل سهل يوما عن الكرامات، فقال: وما الكرامات، إن الكرامات شيء ينقضي لوقته، ولكن أكبر الكرامات أن تبدل خلقا مذموما من أخلاقك بخلق محمود. قوله تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ﴾ [٤٤] قال: يعني كله إلي، فإني أكفيك أمره، ولا تشغل به قلبك. قوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [٤٤] قال: سنمدهم إطراقا إليهم، مشتغلين به عما لنا عليهم من الواجبات، فينسون شكرنا، فنأخذهم من حيث لا يعلمون. قوله : ﴿لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [٤٩] قال: يعني لولا ما حفظ الله له ما سلف من عمله الصالح، بما جرى به من اجتبائه في الأزل، فاستنقذه به وتداركه. ﴿لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ [٤٩] والعراء أرض القيامة، إذ لا زرع فيها، ولا نبت، ولم يكن له ذنب سوى أنه شغل قلبه بتدبير ما لم يكن تدبيره إليه، كما فعل آدم ﵇، والله أعلم.

стр. 172

السورة التي يذكر فيها الحاقة ﴿قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [١ - ٢] قال: إن الله تعالى عظّم حال يوم القيامة بما فيها من الشدة بإدخال الهاء فيها، ومعناها اليوم الذي يلحق كل أحد فيه بعمله من خير أو شر. وقال عمر بن واصل: معناها: يحق فيه جزاء الأعمال لكل طائفة. قوله : ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [١٧] قال: يعني ثمانية أجزاء من الكروبيين لا يعلم عدتهم إلا الله. وقال النبي ﷺ : «إن الله أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى وعلى قرنه العرش بين شحمة أذنيه إلى عاتقه خفقان الطائر سبعمائة سنة يقول ذلك الملك سبحان الله حيث كنت» (١). قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ [١٨] قال: أي تعرضون على الحق ، فيحاسبكم بأعمالكم، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، كل ذلك معروف محصي عليكم في علمه السابق، فيسأله عن جميع ذلك، يعني يسأله فيقول له: ألم تكن عارفا بالساعات من أجلي؟ ألم يوسع لك حتى في المجالس من أجلي؟ ألم تسألني أن أزوجك فلانة أمتي أحسن منك فزوجناكها؟ فهذا سؤال نعمه عليك فكيف سؤاله عن معصيته. وقد حكي عن عتبة الغلام (٢) أنه قال: إن العبد المؤمن ليوقف بين يدي الله تعالى بالذنب الواحد مائة عام. قوله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتابِيَهْ﴾ [١٩] أي فيقول: هاكم اقرءوا كتابي بما فيه من أنواع الطاعات. ويقال لهم: ﴿كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ [٢٤] يعني صوم رمضان وأيام البيض من كل شهر. وقد جاء في الحديث: «أنه يوضع للصوام يوم القيامة موائد يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقال: يا رب، الناس في الحساب وهم لا يأكلون. فيقال لهم: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأفطرتم، وقاموا ونمتم».

стр. 173

﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [٢٥] أي بما فيه من الأعمال الخبيثة والكفر، فيتمنى أن يكون غير مبعوث، ﴿فيقول: ﴿يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ﴾ [٢٧] يعني: يا ليت الموتة الأولى كانت عليّ فلم أبعث. ﴿ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [٢٨] كثرة مالي، حيث لم أؤد منه حق الله، ولم أصل به القرابة. ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [٢٩] يعني حجتي وعذري، فيقول الله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [٣٠] فإذا قال ذلك ابتدره مائة ألف ملك، لو أن ملكا منهم أخذ الدنيا بما فيها من جبالها وبحارها بقبضته لقوي عليه فتغل يداه إلى عنقه ثم يدخل في الجحيم. ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً﴾ [٣٢] كل ذراع سبعون باعا، كل باع أبعد مما بين الكوفة ومكة، لو وضعت حلقة منها على ذروة جبل لذاب كما يذوب الرصاص، كذا حكي عن ابن عباس ﵄. وحكي أن عمر ﵁ قال لكعب: خوفنا يا أبا إسحاق. قال: يا أمير المؤمنين، لو أنك عملت حتى تعود كالعود المقضوب من العبادة، وكان لك عمل سبعين نبيا لظننت أن لا تنجو من أمر ربك وحملة العرش، وجيء باللوح المحفوظ الذي قد حفظ فيه الأعمال وبرزت الجحيم وأزلفت الجنة، وقام الناس لرب العالمين، وزفرت جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه، حتى يقول إبراهيم: نفسي نفسي، فيدعى على رءوس الخلائق بالرجل العادل والرجل الجائر، فإذا جيء بالرجل العادل رفع إليه كتابه بيمينه، فلا سرور ولا فرح ولا غبطة نزل يومئذ بعبد أفضل مما نزل به، فيقول على رءوس الخلائق ما حكاه الله تعالى، ثم يؤتى بالرجل الجائر، فيدفع إليه كتابه بشماله، فلا حزن ولا ذل ولا حسرة أشد مما نزل بالرجل، فيقول على رءوس الخلائق ما حكى الله تعالى، فيؤخذ ويسحب على وجهه إلى النار، فينتثر لحمه وعظامه ومخه. فقال عمر ﵁: حسبي حسبي (١). قال سهل: إن السلاسل والأغلال ليست للاعتقال، وإنما هي لتجذبهم سفلا بعد أبدا ما داموا فيها. قوله : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ﴾ [٤٤] قال: يعني لو تكلم بما لم تأذن له فيه. ﴿لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [٤٥] يعني أمرنا بأخذ يده كما تفعل الملوك. ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [٤٦] وهو نياط القلب، وهو العرق الذي يتعلق القلب به، إذا انقطع مات صاحبه، فنقطع ذلك السبب بمخالفته إيانا. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [٤٨] قال: يعني القرآن رحمة للمطيعين. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [٥٠] قال: يعني ما يرون من ثواب أهل التوحيد ومنازلهم وكريم مقاماتهم، والله أعلم.

стр. 174

السورة التي يذكر فيها المعارج ﴿قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [٤] قال: تعرج الملائكة بأعمال بني آدم والروح وهو دهن النفس، وتعرج إلى الله تعالى مشاهدة بالإخلاص في أعماله، فيقطع هذه المسافة إلى العرش التي مقدارها خمسون ألف سنة بطرفة عين، هذا باطن الآية. قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [٥] أي رضا من غير شكوى، فإن الشكوى بلوى، ودعوى الصبر معه دعوى، وإن لله تعالى عبادا شكوا به منه إليه حجة تمسك النفس الطبع عن التفات إلى شيء غير الذي من أجله صبر الصابر. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَراهُ قَرِيباً﴾ [٦ - ٧] قال: يعني أنهم يرون المقضي عليهم من الموت والبعث والحساب بعيدا لبعد آمالهم، ونراه قريبا، فإن كل كائن قريب، والبعيد ما لا يكون. ثم قال: إن العلماء طلبوا الوسوسة في الكتاب والسنة، فلم يجدوا لها أصلا إلا فضول الحلال وفضول الحلال أن يرى العبد وقتا غير وقته الذي هو فيه وهو الأمل. وقد روي عن حبيش عن ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ كان يريق الماء فيتمسح بالتراب فقلت: يا رسول الله إن الماء منك لقريب. فقال: لا أدري لعلي لا أبلغه» (١). وقد قال أسامة: قرباننا إلى شهرين. إن أسامة لطويل الأمل. وسئل سهل: بم ترحل الدنيا من القلب؟ فقال: بقصر الأمل. فقيل: وما قصر الأمل؟ فقال: قطع الهموم بالمضمون، والسكون إلى الضامن. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾ [١٩] قال: يعني متقلبا في حركات الشهوات واتباع الهوى. ﴿إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠)﴾ وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ [٢٠ - ٢١] قال: إذا افتقر حزن، وإذا أثرى منع. ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ [٢٢] أي العارفين بمقادير الأشياء، فلا يكون لهم بغير الله فرح، ولا إلى غيره سكون، ولا من غيره فرح، فراقه جزع، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [٢٧]. وقد حكي عن النبي ﷺ أنه قال: «من خيار أمتي فيما نبأني الملأ الأعلى في الدرجات العلى قوم يضحكون جهرا من سعة رحمة ربهم، ويبكون سرا من خوف شدة عذاب ربهم،

стр. 175

ويذكرون ربهم بالغداة والعشي في بيوته الطيبة، ويدعونه بألسنتهم رغبا ورهبا ويسألونه بأيديهم خفضا ورفعا، ويشتاقون إليه بقلوبهم عودا وبدءا، مئونتهم على الناس خفيفة وعلى أنفسهم ثقيلة، يدبون على الأرض بأقدامهم دبيب النمل بغير فرح ولا بذخ ولا ميل» (١)، الحديث بطوله. ﴿قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [٢٩] قال: باطن الآية جميع الجوارح الظاهرة والباطنة يحفظونها عن ظهور آثار نفس الطبع عليها. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [٣٢] قال: باطنها أمانة النفس، لأنها سر الله عند عباده، يسارّهم بمعلومه فيها خواطرا وهمما، ويسارّونه بالافتقار واللجأ إليه، فإذا سكن القلب إلى ما خطر عليه من وسوسة العبد وبأدنى شيء ظهر إلى الصدر، ومن الصدر إلى الجسد، فيكون قد خان في أمانة الله، وعهده والإيمان. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ [٣٣] قال: قائمون بحفظ ما شهدوا به من شهادة أن لا إله إلا الله، فلا يقعدون عنها في شيء من الأفعال والأقوال والأحوال ولا يفترون. والله أعلم. السورة التي يذكر فيها نوح ﵇ قوله تعالى: ﴿وَأَصَرُّوا وَاِسْتَكْبَرُوا اِسْتِكْباراً﴾ [٧] قال: الإصرار على الذنب يورث الجهل، والجهل يورث التخطي في الباطل، والتخطي في الباطل يورث النفاق، والنفاق يورث الكفر. قيل: وما علامة المنافق؟ قال: يبصر الشيء عند مذاكرته، فإذا قام من عنده كأنه لم يخطر على قلبه، قال الله تعالى: ﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ [البقرة: ٢٠]. قوله تعالى: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً﴾ [٢٥] قال: أغرقوا في الحيرة عن الهدى، فأدخلوا نارا، فأوجب الله عليهم الهوان، وأنزلهم دار الشقاء. والله أعلم.

стр. 176

السورة التي يذكر فيها الجن ﴿قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [١] قال: كان تسعة نفر من نصيبين اليمن، والنفر اسم يقع على الثلاثة إلى العشرة، جاءوا النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن في الصلاة، وكانوا من أمثل قومهم في دينهم، فلما سمعوه رقوا له فآمنوا به، ورجعوا إلى قومهم منذرين. ﴿فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [١ - ٢] يعني يدل على اتباع سنن المصطفى ﷺ . وقال سهل: رأيت في دار عاد الأولى مدينة مبنية من حجر، فيها قصر عظيم منقور من حجر يأويه الجن، فدخلت القصر معتبرا، فرأيت شخصا عظيما قائما يصلي نحو الكعبة، عليه جبة صوف بيضاء بها طراوة، فعجبت لطراوة جبته، وانتظرت حتى فرغ من صلاته، فقلت: السلام عليك. فقال: وعليك السلام يا أبا محمد، عجبت لطراوة جبتي وهي علي منذ تسعمائة سنة؟ فيها لقيت عيسى ابن مريم ومحمدا ﷺ فآمنت بهما، واعلم يا أبا محمد أن الأبدان لا تخلق الثياب، وإنما يخلقهما مطاعم السحت والإصرار على الذنوب. فقلت: ومن أنت؟ فقال: أنا من الذين قال الله تعالى في حقهم: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [١]. وسئل سهل: هل يدخل الجن الجنة؟ فقال: بلغني أن في الجنة براري يسكنها الجن، ويأكلون فيها ويشربون، وفي القرآن دليل عليه، قال تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤]. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ [١٨] قال: أي لا تدعوا مع الله شريكا، أي ليس لأحد معي شريك في شيء يمنع عبادي من ذكري، كذلك ما كان لله تعالى فهو على هذه الجهة، ليس لأحد فيه سبيل المنع والزجر. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ [٢٢] قال: أمره بالافتقار واللجوء إليه، ثم بإظهارهما بقوله، ليزيد بذلك للكافرين ضلالا وللمؤمنين إرشادا، وهي كلمة الإخلاص في التوحيد. إذ حقيقة التوحيد هو النظر للحق لا غير، والإقبال عليه، والاعتماد، ولا يتم ذلك إلا بالإعراض عما سواه، وبإظهار الافتقار واللجوء إليه. والله أعلم.

стр. 177

السورة التي يذكر فيها المزمل ﷺ ﴿قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [١] قال: المزمل الذي تزمل في الثياب وضمها عليه، وهو في الباطن اسم له معناه: يا أيها الجامع نفسه ونفس الله عنده. قوله تعالى: ﴿إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً﴾ [٦] قال: يعني الليل كله وما ينشئه العبد من عبادة الليل هي أشد مواطأة على السمع والقلب من الإصغاء والفهم. ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [٦] أي وأثبت رتبة، وقيل: وأصوب قيلا، لأنه أبعد من الرياء. قال الحسن رحمة الله عليه: لقد أدركت أقواما يقدرون على أن يعملوا في السر، فأرادوا أن يعملوه علانية، ولقد أدركت أقواما إن أحدهم ليأتيه الزوار فيقوم من الليل فيصلي، وما يشعر به الزوار. وكان لقمان يقول لابنه: يا بني لا تكن أعجز من هذا الديك يصوت بالليل (١). قوله تعالى: ﴿وَاُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [٨] قال: اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في افتتاح صلاتك توصلك بركة قراءتها إلى ربك، وتقطعك عن كل ما سواه. قوله تعالى: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ [٩] أي كفيلا بما وعدك من المعونة على الأمر، والعصمة عن النهي، والتوفيق للشكر، والصبر في البلوى، والخاتمة المحمودة. ثم قال: في الدنيا الجنة والنار، فالجنة والعافية أن تولي الله أمرك، والنار البلوى، والبلوى أن يكلك إلى نفسك. قيل: فما الفرج؟ قال: لا تطمع في الفرج وأنت ترى مخلوقا، وما من عبد أراد الله بعزم صحيح إلا زال عنه كل شيء دونه، وما من عبد زال عنه كل شيء دونه إلا حق عليه أن يقوم بأمره، وليس في الدنيا مطيع لله وهو يطيع نفسه، ولا يتباعد أحد عن الله إلا بالاشتغال بغير الله، وإنما تدخل الأشياء على الفارغ، وأما من كان مشغول القلب بالله لم تصل إليه الوسوسة وهو في المزيد أبدا، واحفظ نفسك بالأصل. قيل له: ما هو؟ قال: التسليم لأمر الله، والتبري ممن سواه. والله أعلم.

стр. 178

السورة التي يذكر فيها المدثر ﷺ ﴿قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [١ - ٢] قال: يا أيها المستغيث من إعانة نفسك على صدرك وقلبك، قم بنا وأسقط عنك ما سوانا، وأنذر عبادنا لأنا قد هيأناك لأشرف المواقف وأعظم المقامات. ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [٤] قال: أي لا تلبس ثيابك على معصية، فطهره عن حظوظك واشتمل به، كما حكت عائشة ﵂ أنها قالت: (كان لرسول الله ﷺ خميصة، فأعطاها أبا الجهم وأخذ انبجانيته. فقيل: يا رسول الله، إن الخميصة خير من الانبجانية. فقال: «إني كنت أنظر إليها في الصلاة») (١). قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً﴾ [١٢] قال: يعني الوليد بن المغيرة (٢)، جعلت له الحرص وطول الأمل. قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [٥٦] قال: يعني هو أهل أن يتقى فلا يعصى، وأهل المغفرة لمن يتوب. والتقوى هو ترك كل شيء مذموم، فهو في الأمر ترك التسويف، وفي النهي ترك الفكرة، وفي الآداب مكارم الأخلاق، وفي الترغيب كتمان السر، وفي الترهيب اتقاء الوقوف عند الجهل. والتقوى هو التبري من كل شيء سوى الله، فمن لزم هذه الآداب في التقوى فهو أهل المغفرة. وقد حكي أن رجلا أتى عيسى ابن مريم ﵇ فقال: يا معلم الخير كيف أكون تقيا كما ينبغي؟ قال: بيسير من الأمر، تحب الله بقلبك كله، وتعمل بكدحك وقوتك ما استطعت، وترحم ابن جنسك كما ترحم نفسك. قال: من جنسي يا معلم الخير؟ قال: ولد آدم، فما لا تحب أن يؤتى إليك فلا تأته إلى أحد (٣). والله أعلم.

стр. 179

السورة التي يذكر فيها القيامة قرئ على سهل فأقر به، قال عمر بن الخطاب ﵁: من شاء أن يبصر يوم القيامة فليقرأ سورة القيامة، وإنما قيامة أحدكم موته. ﴿قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ [١ - ٢] النفس الأمارة بالسوء هي النفس اللوامة، وهي قرينة الحرص وطول الأمل. ثم قال: إنما نهاكم الله عن القبول وعن الاغترار بالدنيا وعن مخادعة النفس، فقال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] وقال: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ [لقمان: ٣٣] وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [فاطر: ٦]. قوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [٩] قال: باطنها القمر نور بصر عين الرأس الذي لنفس الطبع، والشمس نور بصر القلب الذي لنفس الروح والعقل، ألا تراه كيف قال: ﴿يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ [١٠] أي المكذب بيوم القيامة يقول عند جمع النورين: أين المخلص من عذاب الله. قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [٢٢ - ٢٣] قال: من قتله حبه فديته رؤيته. ثم قال: جزاء الأعمال الجنة، وجزاء التوحيد النظر إلى الحق . وحكي عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: سيروا للبلاء وتجهزوا للفناء واستعدوا للقاء. وكانت رابعة ﵂ تقول: إلهي، إني أحب الدنيا لأذكرك فيها، وأحب الآخرة لأراك فيها. إلهي، كل ساعة تمر علي لا يكون لساني فيها رطبا بذكرك فهي مشئومة. إلهي، لا تجمع عليّ أمرين، فإني لا أطيقهما، الإحراق بالنار والفراق منك. قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [٢٦] يعني الحلقوم. ﴿وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ [٢٧] أي: هل من طبيب يداوي؟ وقيل: من يصعد بروح الكافر إلى السماء. ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ﴾ [٢٨] يقول: وعلم أنه الفراق للدنيا. ﴿وَاِلْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [٢٩] يقول: أمر الدنيا والآخرة. وقيل: هما ساقاك إذا التفتا في الكفن. وقد حكي أن يعقوب ﵇ لما أتاه البشير قال: ما أذن لي ما آتيتك اليوم، إلا أن أقول هون الله عليك سكرة الموت. وقيل للأسود بن يزيد (١) حين احتضر: أبشر بالمغفرة. قال: فأين الحياء ممن كانت المغفرة منه؟.

стр. 180

وحكي أن أبا بكر الصديق ﵁ لما احتضر جاءت عائشة ﵂ فتمثلت بهذا البيت: [الطويل] لعمرك ما يغني الثّراء عن الفتى … إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر (١) فكشف عن وجهه فقال: ليس كذلك، ولكن قولي: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩] انظروا ثوبي هذين وكفنوني فيهما، فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت (٢). والله أعلم. السورة التي يذكر فيها الإنسان ﴿قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ﴾ [٥] الآية. قال: الأبرار الذين تخلقوا بخلق من أخلاق العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة. قيل: فما أول شيء ينبغي من الأخلاق؟ فقال: احتمال المئونة، والرفق في كل شيء، والحذر أن لا يميل في رفعه إلى هواه في هذه الخصال اكتساب العقل. ثم لا بد من ثلاثة أخرى فيها اكتساب المعرفة واستعمال العلم والحلم والتواضع، ثم لا بد من ثلاثة أخرى فيها أحكام التعبد السكينة والوقار والإنصاف. وقال: من كان فيه ثلاث خصال لم يأكل التراب جسده، كف الأذى عن الناس، ثم احتمال أذاهم، ثم اصطناع المعروف معهم. ﴿وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [٧] قال: البلايا والشدائد في الآخرة عامة، والسلامة منها خاص الخاص. قوله تعالى: ﴿وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ [١١] قال: نضرة في الوجوه وسرورا في القلب. قوله تعالى: ﴿عَيْناً فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلاً﴾ [١٨] وقال: حكي عن المسيب أنه قال: هي عين يمين العرش من قصب من ياقوت. قال سهل: نبه الله به عباده المؤمنين، ثم قال: سلوا ربكم السبيل إلى هذه العين. قوله تعالى: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً﴾ [٢١] قال سهل: نهى الله عباده عن نجاسة خمور الدنيا بما فرق بين الطاهر والطهور، وبين خمور الجنة وخمور الدنيا نجاسة، فإن خمور الدنيا نجسة تنجس شاربها بالآثام، وخمور الجنة طهور تطهر شاربها من كل دنس، وتصلحه لمجلس القدس ومشهد العز. وصلى سهل صلاة العتمة فقرأ قوله تعالى: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً﴾ [٢١] فجعل يحرك فاه كأنما يمص شيئا، فلما فرغ من صلاته قيل له: أتشرب في الصلاة؟ فقال: والله لو لم أجد لذته عند قراءته كأني عند شربه به ما فعلت ذلك. والله أعلم.
следующие страницы →