← Тафсир

Тафсир · id 23600

تفسير التستري - ط العلمية

سهل التستري

Полный текст (216 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

﴿قوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ [٧٣] قال: جاهد نفسك بسيف المخالفة وحملها حمولات الندم، وسيرها في مفاوز الخوف، لعلك تردها إلى طريق التوبة والإنابة، ولا تصح التوبة إلا من متحير في أمره، مبهوت في شأنه، واله القلب مما جرى عليه، قال تعالى: ﴿حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ [١١٨] الآية. قوله: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [١٠٨] قال: هذه الطهارة أراد بها الذكر لله تعالى سرا وعلانية والطاعة له. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [١١١] يعني اشتراها من شهوات الدنيا وما يوجب الاشتغال عن ذكره، حتى تكون نفسه وماله خالصة له، فمن لم يبع من الله حياته الفانية وشهواته الزائلة، كيف يعيش مع الله تعالى؟ وكيف يحيا حياة طيبة؟ ثم قال: ﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [١١١] بما لا خير فيه، وعوضهم ما فيه الخير كله، مع أن ما في الكونين فهو ملكه، وهذا من غاية لطفه وكرمه بعباده المؤمنين. وقد حكي عن مالك بن دينار أنه مر بقصر يعمر، فسأل الأجراء عن أجرتهم، فأجابه كل واحد منهم بما كانت أجرته، ولم يجبه واحد، فقال: ما أجرتك؟ فقال: لا أجر لي. فقال: ولم ذلك؟ قال: لأني عبد صاحب القصر. فقال مالك: إلهي ما أسخاك، الخلق كلهم عبيدك، كلفتهم العمل ووعدتهم الأجر. قوله: ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ﴾ [١١٢] قال سهل: ليس شيء في الدنيا من الحقوق أوجب على الخلق من التوبة، فهي واجبة في كل لمحة ولحظة، ولا عقوبة عليهم أشد من فقد علم التوبة. فقيل: ما التوبة؟ فقال: أن لا تنسى ذنبك (١). وقال: أول ما يؤمر به المبتدئ التحويل من الحركات المذمومة إلى الحركات المحمودة، وهي التوبة؛ ولا تصح له التوبة حتى يلزم نفسه الصمت، ولا يصح له الصمت حتى يلزم نفسه الخلوة، ولا تصح له الخلوة إلاّ بأكل الحلال، ولا يصح له أكل الحلال إلاّ بأداء حق الله تعالى، ولا يصح له أداء الحق إلاّ بحفظ الجوارح والقلب، ولا يصح له ما وصفنا حتى يستعين بالله على جميعه. فقيل: ما علامة صدق التوبة؟ قال علامتها أن يدع ما له سوى ما ليس له. وسئل سهل عن الرجل يتوب ويقلع عن ذلك الذنب، ثم يخطر ذلك بقلبه أو يراه أو يسمع به فيجد حلاوة ذلك الذنب السيئ كيف الحيلة فيه؟ فقال: وجدان الحلاوة من الطبع لا يتحول، فيصير المحبوب مكروها؛ ولكن يقهر عزم القلب فيرجع في ذلك إلى الله ، ويرفع إليه شكواه، ويلزم نفسه وقلبه الإنكار ولا يفارقه، فإنه إن غفل عن الإنكار طرفة عين تخوفت عليه أن لا يسلم منه (٢). قال: دعوا القال والقيل كله في هذا الزمان، عليكم بثلاث: توبوا إلى الله مما تعرفوه بينكم وبينه، وأدوا مظالم العباد

стр. 72

التي قبلكم، فإذا أصبحتم فلا تحدثوا أنفسكم بالمساء، وإذا أمسيتم فلا تحدثوا أنفسكم بالصباح، لأن الأحداث قد كثرت، والخطر عظيم، فاتقوا الله، وألزموا أنفسكم التوبة. قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [١٢٢] قال: ليتعلموا ما يحتاج إليه في أمر الدين. وقد حكي عن الحسن البصري أنه قال: الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير في أمر دينه. وسئل سهل عن معنى قوله ﷺ : «طلب العلم فريضة على كل مسلم» (١)، فقال: يعني علم الحال (٢). قيل: وما علم الحال؟ قال: من الباطن الإخلاص، ومن الظاهر الاقتداء، فمن لم يكن ظاهره إمام باطنه، وباطنه كمال ظاهره فهو في تعب من البدن. قيل: وما تفسير ذلك؟ قال: إن الله قائم عليك في سرك وعلانيتك وحركاتك وسكونك لا تغيب عنه طرفة عين، كما قال: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]. وقال: ﴿ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآية، وقال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وهو العرق الذي في جوف القلب، فأخبر أنه أقرب إلى القلب من ذلك العرق. فإذا علمت ذلك، ينبغي أن تستحي منه، وما هاج في القلب شيء مما تهوى النفس. فذكر العبد قيام الله عليه، فتركه إلاّ دخل قلبه من علم حاله ما لو قسم ما أعطى ذلك العبد على أهل المدينة لسعدوا جميعا وفازوا به، وقد أشار إليه مالك بن أنس (٣) ﵄ حيث قال: ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم نور يجعله الله في القلب (٤). قيل له: كيف يعرف الرجل الحال والعلم به؟ فقال: إذا كنت تتكلم فحالك الكلام، وإذا سكت فحالك السكوت، وإذا قمت فحالك القيام، وإذا قعدت فحالك القعود، والعلم به أن تنظر أن هذا الحال لله أو لغيره، فإن كانت لله استقررت عليها، وإن كانت لغيره تركتها، وهو المحاسبة التي أمر بها عمر ﵁ حيث قال: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا (٥). وقد كان عمر ﵁ يضرب نفسه بالدرة في المحاسبة.

стр. 73

السورة التي يذكر فيها يونس ﵇ ﴿قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [٢] قال: يعني سابقة رحمة أودعها في محمد ﷺ . قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [٣] قال: يقضي القضاء وحده، فيختار للعبد ما هو خير له، فخيرة الله خير له من خيرته لنفسه. وقيل لسهل حين احتضر: فيما تكفن، وأين تقبر، ومن يصلي عليك بعد موتك؟ فقال: أدبر أمري حيا وميتا، وقد كفيت عنه بسابق تدبير الله تعالى لعبده. قوله تعالى: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ [١٢] قال: الدعاء هو التبري مما سوى الله تعالى. قوله: ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [٢٢] قال: الإخلاص هو المشاهدة، وحياة القلب في شيئين، الإيمان في الأصل والإخلاص في الفرع، وإن الإخلاص خطر عظيم، وصاحبه منه على حذر حتى يصل إخلاصه بالموت، لأن الأعمال بالخواتيم، ﴿وَاُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [٢٥] قال: الدعوة عامة والهداية خاصة، فإنه رد الهداية إلى المشيئة وهي سابقة القدر من الله تعالى. قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [٥١] يعني كنتم تستعجلون بالجحود بنا، وتذكرون غيرنا، فإذا صرتم إلينا وعاينتم ما وعدناكم من عذابنا آمنتم حين لا ينفع، فلا بد للخلق كلهم من الإقرار بالتوحيد في الآخرة عند تجلي حكم الذات، ونزول الأضداد والأنداد، والدعاوي بها، لزوال الشك وخوف العذاب. قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [٥٨] أي بتوحيده ونبيه محمد ﷺ كما قال: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].

стр. 74

﴿قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [٦٢] قال سهل: هم الذين وصفهم رسول الله ﷺ : «إذا رأوا ذكر الله» (١) وهم المجاهدون في الله السابقون إليه الذين توالت أفعالهم على الموافقة ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] وقال: اجتمع الخير كله في هذه الأربعة وبها صاروا أبدالا: إخماص البطون، والاعتزال عن الخلق، وسهر الليل، والصمت. قيل له: لم سمي الأبدال أبدالا؟ فقال: لأنهم يبدلون الأحوال، أخرجوا أبدانهم عن الحيل في سرهم، ثم لا يزالون ينقلبون من حال إلى حال، ومن علم إلى علم، فهم أبدا في المزيد من العلم فيما بينهم وبين ربهم. قيل: الأوتاد أفضل أم الأبدال؟ قال: الأوتاد. قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن الأوتاد قد بلغوا وثبتت أركانهم، والأبدال ينقلبون من حال إلى حال. وقال سهل: لقيت ألفا وخمسمائة صدّيق، فمنهم أربعون بديلا وسبعة أوتاد، وطريقهم ومذهبهم ما أنا عليه. وكان يقول: أنا حجة الله عليكم خاصة، وعلى الناس عامة. وكان من طريقه وسيرته أنه كان كثير الشكر والذكر، دائم الصمت والفكر، قليل الخلاف، سخي النفس، قد ساد الناس بحسن الخلق والرحمة والشفقة عليهم والنصيحة لهم، متمسكا بالأصل، عاملا بالفرع، قد حشى الله قلبه نورا، وأنطق لسانه بالحكمة، وكان من خير الأبدال، وإن قلنا من الأوتاد فقد كان القطب الذي يدور عليه الرحى، ولولا أن الصحابة لا يقاس بهم أحد لصحبتهم ورؤيتهم لكان كأحدهم، عاش حميدا ومات غريبا بالبصرة رحمة الله عليه. وقد كان رجل يصحب سهلا يقال له عبد الرحمن بن أحمد، فقال يوما لسهل: يا أبا محمد، إني ربما أتوضأ للصلاة فيسيل الماء من بين يدي فيصير قضبان ذهب وفضة. فقال سهل: يا حبيبي، أما علمت أن الصبي إذا بكى يناول خشخاشة حتى يشتغل بها، فانظر أي شيء هو هذا يعمل (٢). وقال: كان في منزله بيت يقال له بيت السباع، وكانت السباع تجيء سهلا، فكان يدخلها ذلك البيت، ويضيفها فيطعمها اللحم، ثم يخليها. قوله: ﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاِصْبِرْ﴾ [١٠٩] قال: أجرى الله في الخلق أحكامه، وأيدهم على اتباعها بفضله وقدرته، ودلّهم على رشدهم بقوله: ﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاِصْبِرْ﴾ [١٠٩] فالصبر على الاتباع ترك تدبير النفس، ففيه النجاة عاجلا من رعونات النفس، وآجلا من حياء المخالفة.

стр. 75

السورة التي يذكر فيها هود ﵇ ﴿قوله تعالى: ﴿فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [١] أي بيّن فيها الوعد على الطاعة، والوعيد بالعقاب على المعصية والإصرار عليها. قوله: ﴿وَأَنِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [٣] قال: الاستغفار هو الإجابة، ثم الإنابة ثم التوبة، ثم الاستغفار؛ فالإجابة بالظاهر، والإنابة بالقلب، والتوبة مداومة الاستغفار من تقصيره فيها (١). قوله: ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً﴾ [٣] قال: ترك الخلق والإقبال على الحق. قوله: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ﴾ [١٥] قال: يعني من أراد بعلمه غير الله آتاه الله أجر عمله في الدنيا، فلا يبقى له في الآخرة شيء، لأنه لم يخلص بعمله لله لما أحب له من المنزلة في الدنيا، ولو علم أن الله سخر الدنيا وأهلها لطلاب الآخرة لم يراء بعلمه. وقد قيل لسهل: أي شيء أشد على النفس؟ فقال: الإخلاص. قيل: ولم ذلك؟ فقال: لأنه ليس للنفس فيه نصيب. وسئل: هل يدخل الفرائض رياء؟ فقال: نعم، قد دخل الإيمان الذي هو أصل الفرائض حتى أبطله وصار نفاقا، فكيف العمل، فكل من لم يعب أحد عليه في ظاهره، ويعلم الله خلافه من سره في أي حال كان، فهو المرائي الذي لا شك فيه. قوله تعالى: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ﴾ [٢٣] أي خشعت قلوبهم إلى ربهم، وهو الخشية، فالخشوع ظاهر والخشية سر، كما قال الرسول ﷺ : «لو خشع قلبه لخشعت جوارحه» (٢). فقد حكي أن موسى صلوات الله عليه قص في بني إسرائيل، فمزق واحد منهم قميصه، فأوحى الله تعالى إلى موسى أن قل له: مزق لي قلبك ولا تمزق لي ثيابك (٣).

стр. 76

قوله تعالى: ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ [٤٠] قال: كان تنورا من حجارة، وهو تنور آدم صار لنوح قد جعل الله فوران الماء منه علامة عذابه، وجعل ينبوع عيون قلب محمد ﷺ بأنوار العلوم رحمة لأمته، إذ أكرمه الله تعالى بهذه الكرامة، فنور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من نوره، ونور الملكوت من نوره، ونور الدنيا والآخرة من نوره، فمن أراد المحبة حقيقة فليتبعه، قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فجعل المحبة في اتباعه، وجعل جزاء اتباعه محبته لعباده، وهي أعلى الكرامة. وقد حكي عن أبي موسى الأشعري (١) قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ أقبل بنا حتى نصبنا وجهه كأنه يريد أن يخبرنا، ثم سجد وسجدنا معه في أول النهار، حتى كان نحو نصف من النهار، حتى وجد بعضنا طعم التراب في أنفه، حتى قال بعضنا لبعض: قد مات رسول الله ﷺ ، ثم رفع رأسه فقال: الله أكبر. فقلنا: الله أكبر. فقال له قائل: يا رسول الله، لقد ظننا أنك مت، ولو كان ذلك ما بالينا أن تقع السماء على الأرض. فقال: أتاني حبيبي جبريل صلوات الله عليه، فقال لي: يا محمد، إن ربك يقرئك السلام، ويخيرك بين أن يدخل ثلث أمتك الجنة، وبين الشفاعة، فلما طمعت في الثلث اخترت الشفاعة، فارتفع ونصبتكم وجهي أريد أن أخبركم، فأتاني فقال: يا محمد، إن ربك يقرئك السلام، ويخيرك بين أن يدخل ثلثي أمتك الجنة، وبين الشفاعة، فلما طمعت في الثلثين اخترت الشفاعة، فارتفع ونصبتكم وجهي أريد أن أخبركم، ثم أتاني فقال لي: يا محمد، إن ربك قد شفعك في الثلثين، ولم يجبك في الثلث، فسجدت شكرا لله تعالى فيما أعطاني (٢). وقال سهل: انتهت همم العارفين إلى الحجب، فوقفت مطرقة، فأذن لها بالدخول، فدخلت فسلمت، فخلع عليها خلع التأييد، وكتب لها من الرقع براءات، وأن همم الأنبياء صلوات الله عليهم جالت حول العرش، فألبست الأنوار، ورفع منها الأقدار، واتصلت بالجبار فأفنى حظوظها، وأسقط مرادها، وجعلها متصرفة به له. وقال: آخر درجات الصديقين أول

стр. 77

أحوال للأنبياء صلوات الله عليهم، وإن ﷺ عبد الله تعالى بجميع أحوال الأنبياء، وليس في الجنة ورقة من أوراق الأشجار إلا ومكتوب عليها محمد ﷺ (١)، به ابتدأ الأشياء وبه ختمها، فسماه خاتم النبيين. ﴿قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [٧٥] قال: إن الله تعالى أشرفه على حركة النفس الطبيعية وسكونها، ولم يشرفه على علمه، لأنه ممحو عنه أو مثبت عليه، لئلا يسقط الخوف والرجاء عن نفسه، فكان إذا ذكره تأوه منه وسكت عن مسألة علم الخاتمة إذ لم يكن له مع الله اختيار. ثم قال سهل: إن الخوف رجل وإن الرجاء أنثى (٢)، ولو قسم ذرة من خوف الخائفين على أهل الأرض لسعدوا بذلك. فقيل له: فكم يكون مع الخائفين هكذا؟ فقال: مثل الجبل الجبل. قوله تعالى: ﴿هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [٧٨] أي هن أحل لكم تزويجا من إتيان الفاحشة. قوله تعالى: ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ﴾ [٨٨] قال: كل عالم أعطي علم الشر، وليس هو مجانبا للشر، فليس بعالم، ومن أعطي علم الطاعات وهو غير عامل بها، فليس بعالم. وقد سأل رجل سهلا فقال: يا أبا محمد، إلى من تأمرني أن أجلس إليه؟ فقال: إلى من تحملك جوارحه لا لسانه. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ [٩١] قال: حكى محمد بن سوار عن أبي عمرو ابن العلاء أنه قال: الرهط الملأ، والنفر الرجال من غير أن تكون فيهم امرأة. قوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [١١٣] قال: أي لا تعتمدوا في دينكم إلا على سنتي.

стр. 78

السورة التي يذكر فيها يوسف ﵇ ﴿قوله تعالى: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [٦] يعني بتصديق الرؤيا التي رأيتها لنفسك. قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [١٨] قال: الصبر مع الرضا. قيل: ما علامته؟ قال: أن لا يجزع فيه. فسئل: بأي شيء يحصل التجمل بالصبر؟ قال: بالمعرفة بأن الله تعالى معك، وبراحة العافية، فإنما مثل الصبر مثل قدح أعلاه الصبر وأسفله العسل. ثم قال: عجبت ممن لم يصبروا كيف لم يصبروا للحال، ورب العزة يقول: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]. قوله تعالى: ﴿أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا﴾ [٢١] يعني عسى أن يكون شفيعنا في الآخرة. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ [٢٤] يعني همّ بنفسه الطبيعية إلى الميل إليها، وهمّ بنفس التوفيق والعصمة الفرار منها ومخالفتها. ومعناه أنه عصمه ربه، ولولا عصمة ربه لهمّ بها ميلا إلى ما دعته نفسه إليه، وعصمه ما عاين من برهان ربه ، هو أنه جاءه جبريل صلوات الله عليه في سورة يعقوب ﵇ عاضا إصبعه، فولى عند ذلك نحو الباب مستغفرا. قوله تعالى: ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [٤٢] قال: حكي أن جبريل صلوات الله عليه دخل على يوسف في السجن، فقال له جبريل: يا طاهر ابن طاهر، إن الله تعالى أكرمني بك وبآبائك، وهو يقول لك: يا يوسف، أما استحييت مني حيث استشفعت إلى غيري، فوعزتي لألبثنك بضع سنين. قال: يا جبريل، هو عني راض؟ قال: نعم. قال: إذن لا أبالي. وكان علي ابن أبي طالب ﵁ يقول: ما أنا ونفسي إلا كراعي غنم، كلما ضمها من جانب انتشرت من جانب. قوله تعالى: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [٥٣] قال: إن النفس الأمارة هي الشهوة، وهي موضع الطبع، ﴿إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي﴾ [٥٣] موضع العصمة، والنفس

стр. 79

المطمئنة هي نفس المعرفة، وأن الله تعالى خلق النفس وجعل طبعها الجهل، وجعل الهوى أقرب الأشياء إليها، وجعل الهوى الباب الذي منه تدخل هلاك الخلق. فسئل سهل عن معنى الطبع، وعما يوجب العصمة عنه. فقال: طبع الخلق على أربع طبائع: أولها طبع البهائم البطن والفرج والثاني طبع الشياطين اللعب واللهو، والثالث طبع السحرة المكر والخداع، والرابع طبع الأبالسة الإباء والاستكبار. فالعصمة من طبع البهائم الإيمان، والسلامة من طبع الشياطين التسبيح والتقديس وهو طبع الملائكة، والسلامة من طبع السحرة الصدق والنصيحة والإنصاف والتفضل، والسلامة من طبع الأبالسة الالتجاء إلى الله تعالى بالتضرع والصراخ، وطبع العقل العلم، وطبع النفس الجهل، وطبع الطبع الدعوى (١). قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ [٣٦] قال: إنما قال الله تعالى: «فتيان» لأنهما لم يتجاوز واحدهما في الدعوى، ورجعا في كل ما كان لهما إلى صاحبهما، فسماهما فتيان. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [٥٢] قال: لم أنقض له عهدا، ولم أكشف له سترا. ﴿قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [٦٧] فسئل ما حقيقة التوكل؟ قال: الاسترسال مع الله تعالى على ما يريد. فقيل: ما حق التوكل؟ فقال: أوله العلم وحقيقته العمل، ثم قال: إن المتوكل إذا كان على الحقيقة لا يأكل طعاما، وهو يعلم أن غيره أحق منه. قوله تعالى: ﴿قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ [٨٨] يعني يا أيها الملك العظيم، وباطنها يا أيها المغلوب في نفسه، كما قال الله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] أي غلبني فيه. قوله تعالى: ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضاً﴾ [٨٥] قال: حكي عن علي ﵁ أنه قال: الحرض هو البلاء لتألم القلب. وقال ابن عباس ﵁: الحرض دون الموت. وقال سهل: أي فاسد الجسم والعمل من الحزن. وإنما كان حزنه على دين يوسف، لا على نفسه، لأنه علم أنه لو مات على دينه اجتمع معه في الآخرة الباقية، وإذا تغير دينه لم يجتمعا أبدا. وقد حكي عن سفيان أنه قال: إن يعقوب ﵇ لما جاءه البشير قال له يعقوب: على أي دين تركت يوسف؟ فقال: على دين الإسلام. قال: الآن تمت النعمة. قوله تعالى: ﴿إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ [٨٦] يعني همي وحزني. قال سهل: لم يكن حزن يعقوب على يوسف، إنما كان مكاشفا لما وجد من قلبه الوجد على مفارقة يوسف

стр. 80

فقال: كيف يكون وجد فراق الحق . وقد عمل بمفارقة مخلوق كل هذا، فشكى بثه وحزنه إلى الله تعالى لا إلى غيره. قوله تعالى: ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ [٨٠] أي في العقل لا في السن. قوله تعالى: ﴿لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ [٨٧] قال سهل: أفضل الخدمة وأعلاها انتظار الفرج من الله تعالى، كما حكي عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «انتظار الفرج بالصبر عبادة» (١) وانتظار الفرج على وجهين: أحدهما قريب، والآخر بعيد؛ فالقريب في السر فيما بين العبد وربه، والبعيد في الخلق؛ فينظر إلى البعيد فيحجب عن القريب. ﴿قوله تعالى: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [١٠١] قال سهل: فيه ثلاثة أشياء، سؤال ضرورة وإظهار فقر واختيار فرض، ومعناه: أمتني وأنا مسلم إليك أمري، مفوض إليك شأني، لا يكون لي إلى نفسي رجوع بحال ولا تدبير بسبب من الأسباب. قوله تعالى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [١٠٦] قال: يعني شرك النفس الأمارة بالسوء كما قال النبي ﷺ : «الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا» (٢)، هذا باطن الآية، وأما ظاهرها مشركو العرب يؤمنون بالله، كما قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] وهم مع ذلك مشركون يؤمنون ببعض الرسل ولا يؤمنون ببعضهم. قوله تعالى: ﴿أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ [١٠٨] أي أبلغ الرسالة ولا أملك الهداية، وإنما الهداية إليك. وقد سئل سهل عن قوله ﵇: «ولا ينفع ذا الجد منك الجد» (٣)، فقال: أي من جد في الطلب، وكان منك المنع، لم ينفعه جده في الطلب. وقال: إن الخلق لم يكشف لهم سر، ولو كشف لهم لأبصروا، ولم يشاهدوا وإن شاهدوا تم الأمر، وهذا شيء عظيم. ثم قال: أهل لا إله إلا الله كثير، والمخلصون منهم قليل، والله أعلم.

стр. 81

السورة التي يذكر فيها الرعد قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ [١١] يعني ملائكة الليل والنهار يعقب بعضهم بعضا ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ [١١] مقاديره على عبده من خير وشر، ويشهدون له بالوفاء، وعليه بالجفاء يوم القيامة. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ [١٢] قال: روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: الرعد ملك، وهو الذي تسمعون صوته، والبرق سوط من نور يزجر به الملك السحاب (١)، وكذا قال مجاهد (٢). وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: البرق مخاريق الملائكة، والرعد صوت ملك (٣). وقال قتادة: الرعد صوت السحاب. قوله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [١٣] فأفرد الملائكة ذكرا. وقال عكرمة (٤): الرعد ملك موكل بسحاب يسوقه، كما يسوق راعي الإبل إبله. وحكى كعب (٥) عن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ينشئ السحاب فينطق بأحسن النطق ويضحك بأحسن الضحك فمنطقه الرعد ومضحكه البرق» (٦) قاله أبو بكر

стр. 82

فقلت له: ما تقول أنت؟ وكان في يوم وابل وصوت رعد شديد، فقال: هذا خبر رضا الله ، فكيف خبر غضبه، نعوذ بالله من غضبه. ﴿قوله تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [٢٨] قال: الذكر من العلم السكون، والذكر من العقل الطمأنينة. قيل: وكيف ذاك؟ قال: إذا كان العبد في طاعة الله فهو الذاكر، فإذا خطر بباله شيء فهو القاطع، وإذا كان في فعل نفسه فحضر بقلبه ما يدله على الذكر والطاعة فهو موضع العقل. ثم قال: كل من ادعى الذكر فهو على وجهين: قوم لم يفارقهم خوف الله ، مع ما وجدوا في قلوبهم من الحب والنشاط، فهم على حقيقة من الذكر، وهم لله والآخرة والعلم والسنة. وقوم ادعوا النشاط والفرح والسرور في جميع الأحوال، فهم للعدو والدنيا والجهل والبدعة، وهم شر الخلق. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ﴾ [٣٦] سئل سهل: متى يصح للعبد مقام العبودية؟ قال: إذا ترك تدبيره ورضي بتدبير الله تعالى فيه. قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ [٣٩] قال: يمحو الله ما يشاء من الأسباب، ويثبت الأقدار، وعنده أم الكتاب. قال: القضاء المبرم الذي لا زيادة فيه ولا نقصان. قوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ [٤٣] قال سهل: الكتاب عزيز، وعلم الكتاب أعز، والعمل به أعز، والعمل عزيز، والإخلاص في العمل أعز، والإخلاص عزيز، والمشاهدة في الإخلاص أعز، والمرافقة عزيزة، والأنس في المرافقة أعز، والأنس عزيز، وآداب محل الأنس أعز، والله أعلم.

стр. 83

السورة التي يذكر فيها إبراهيم ﵇ ﴿قوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [٧] قال: شكر العلم العمل، وشكر العمل زيادة العلم، فهو أبدا في هذا، وهذه حاله. وقال: الشكر أن تريد المزيد، وإلا شكر مطعون. قال: وحقيقة العجز الاعتراف به. وقد حكي أن داود ﵇ قال: يا رب كيف أشكرك، وشكري إياك تجديد منّة منك عليّ؟ قال الله تعالى: الآن شكرتني (١). قوله تعالى: ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ [١١] يعني بتلاوة كتابه والفهم فيه. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [١٩] قال: خلق الأشياء كلها بقدرته، وزينها بعلمه، وحكمها بحكمته؛ فالناظر من الخلق إلى الخالق تبين له عجائب الخلقة، والناظر من الخالق إلى الخلق يكشف له عن آثار قدرته وأنوار حكمته وبليغ صنعته. قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها﴾ [٢٥] قال: كان ابن المسيب يقول: الحين ستة أشهر، وقد سأله رجل فقال: إني حلفت أن لا تدخل امرأتي على أهلها حينا، فما الحين؟ قال سعيد: الحين من حين أن تطلع النخلة إلى أن ترطب، ومن أن ترطب إلى أن تطلع. وقال ابن عباس ﵄: كل حين أراد به غدوة وعشية (٢)، وهو على طريق سهل بن عبد الله، فإنه قال: هذا مثل ضربه الله لأهل المعرفة في الله عليهم من إقامة فروضه بالليل والنهار. وسئل سهل عن معنى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ﴾ [٢٤] قال: حكي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ خرج على أصحابه وهم يذكرون الشجرة الطيبة فقال: «ذلك المؤمن أصله في الأرض وفرعه في السماء»، يعني عمله مرفوع إلى السماء مقبول. فهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر فقال:

стр. 84

﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [٢٤] يعني كلمة الإخلاص ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [٢٤] يعني النخلة ﴿أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ﴾ [٢٤] يعني أغصانها مرفوعة إلى السماء، فكذلك أصل عمل المؤمن كلمة التوحيد، وهو أصل ثابت، وفرعه وهو عمله مرفوع إلى السماء مقبول، إلا أن فيه خللا وإحداثا، ولكن لا يزول أصل عمله، وهو كلمة التوحيد، كما أن الرياح تزعزع أغصان النخلة، ولا يزول أصلها، وشبه عمل الكافر كشجرة خبيثة فقال: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [٢٦] يعني شجرة الحنظل أخبث ما فوق الأرض ليس لها أصل في الأرض، كذلك الكفر والنفاق ليس له في الآخرة من ثبات، وليس في خزائن الله أكبر من التوحيد. وسئل عن تفسير: ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ [محمد: ١٩] فقال: لا نافع ولا دافع إلا الله تعالى. وسئل عن الإسلام والإيمان والإحسان، فقال: الإسلام حكم، والإيمان وصل، والإحسان ثواب؛ ولهذا الثواب ثواب. فالإسلام الإقرار وهو الظاهر، والإيمان هو الغيب، والإحسان هو التعبد. وربما قال: الإيمان يقين. وسئل عن شرائع الإسلام فقال: قال العلماء فيه فأكثروا، ولكن هي كلمتان: ﴿ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ثم قال: هي كلمة واحدة: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠]. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ [٣٤] بأن جعل السفير فيما بينكم وبينه الأعلى والواسطة الكبرى.

стр. 85

السورة التي يذكر فيها الحجر ﴿قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [٣] قال: إذا اجتمعت أربعة في عبد قيل له: إنك لن تنال شيئا من هذا الأمر، إذا أحب أن يأكل شيئا طيبا، ويلبس ثوبا لينا، وينفذ أمره، ويكثر شيئه يقال: هيهات هذا الذي قطع الخلق عن الله تعالى. وقد حكي أن الله أوحى إلى داود ﵇: حذر وأنذر أصحابك أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة (١). وقال سهل: الأمل أرض كل معصية، والحرص بذر كل معصية، والتسويف ماء كل معصية، والقدرة أرض كل طاعة، واليقين بذر كل طاعة، والعمل ماء كل طاعة. قال: وكان سهل يقوى على الوجد سبعين يوما لا يأكل فيها طعاما، وكان يأمر أصحابه أن يأكلوا اللحم في كل جمعة مرة، كيلا يضعفوا عن العبادة، وكان إذا أكل ضعف، وإذا جاع قوي، وكان يعرق في البرد الشديد في الشتاء وعليه قميص واحد، وكان إذا سألوه عن شيء من العلم يقول: لا تسألوني فإنكم لا تنتفعون في هذا الوقت بكلامي. وفد عباس بن عصام يوما وهو يقول: أنا منذ ثلاثين سنة أكلم الله، والناس يتوهمون أني أكلمهم (٢). قوله تعالى: ﴿إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [٤٠] قال: الناس كلهم أموات إلا العلماء، والعلماء كلهم نيام إلا العاملين، والعاملون كلهم مغترون إلا المخلصين، والمخلصون على خطر عظيم. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [٧٢] أي في جهلهم وضلالتهم يعصون، واعلم أن المعاصي كلها منسوبة إلى الجهل، والجهل كله منسوب إلى السكر، ويقال هو نفس المسكر. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [٧٥] قال: يعني المتفرسين، وقد روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [٧٥]» (٣)، ومعناه المتفسرون في السرائر وهو كما قال

стр. 86

عمر ﵁ لسارية (١): «الجبل الجبل» (٢). ﴿قوله: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [٨٥] قال: حكى محمد بن الحنفية عن علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [٨٥] قال: هو الرضا بلا عتاب (٣). وقال سهل: بلا حقد ولا توبيخ بعد الصفح، وهو الإعراض الجميل. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [٩١] قال: ظاهر الآية ما عليه أهل التفسير وباطنها ما أنزل الله تعالى من أحكامه في السمع والبصر والفؤاد وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ [الإسراء: ٣٦] فأعرضوا عن العمل به ميلا إلى دواعي نفس الطبع. قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [٩٢] قال: هذه الآية فيها خصوص فإن من هذه الأمة من يحشر من القبر إلى الجنة لا يحضر الحساب ولا يشعر بالأهوال وهم الذين قال الله تعالى: ﴿أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] وقد قال النبي ﷺ : «إن أولياء الله يخرجون من قبورهم إلى الجنة لا يقفون للحساب ولا يخافون طول ذلك اليوم، أولئك هم السابقون إلى الجنة ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩]». قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [٩٤] أي أظهر القرآن في الصلاة بما أوحينا إليك. قيل: ما الوحي؟ قال: المستور من القول، قال الله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١١٢] أي يسر بعضهم إلى بعض وقد يكون بمعنى الإلهام كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] يعني ألهم النحل. قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧)﴾ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [٩٧، ٩٨] أي صلّ لله تعالى واذكره، فكأن الله تعالى قال له: إن ضاق صدرك بقرب الكفار بكذبهم، بما وصفوا لك من الضد والند والشريك بجهلهم وحسدهم، فارجع إلى مشاهدتنا وقربنا بذكرنا، فإن قربك فينا، وسرورك بذكرنا ومشاهدتنا، واصبر على ذلك، فإن رضاي فيك. وقد حكي أن موسى ﵇ قال: إلهي دلني على عمل إن أنا عملته نلت به رضاك. قال: فأوحى إليه: يا ابن عمران، إن رضاي في كرهك ولن تطيق ذلك. قال: فخر موسى ﵇ ساجدا باكيا، وقال: إلهي خصصتني منك بالكلام، فلم تكلم بشرا قبلي، ولم تدلني على عمل أنال به رضاك. فأوحى الله تعالى إليه: إن رضاي في رضاك بقضائي.

стр. 87

السورة التي يذكر فيها النحل ﴿سئل عن قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [٨] قال: أما ظاهر الآية ما حكاه ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن مما خلق الله تعالى أرضا من لؤلؤة بيضاء مسيرة ألف عام في ألف عام، عليها جبل من ياقوتة حمراء، تحيط بها سماء تلك الأرض، فيها ملك قد ملأ شرقها وغربها، له ستمائة وستون ألف رأس، في كل رأس ستمائة وستون فم، في كل فم ستمائة ألف لسان، يثني على الله بكل لسان ستمائة وستين ألف مرة في كل يوم، فإذا كان يوم القيامة نظر إلى عظمة الله تعالى فقال: وعزتك وجلالك ما عبدتك حق عبادتك»، قال الله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [٨] وباطنها علمك الحق ﷻ الوقوف عند ما لا يدركه عقلك من آثار الصنع وفنون العلم أن يقابله بالإنكار، فإنه خلق ما لا تعلمه أنت، ولا أحد من خلقه إلا من علمه الحق . وسئل عن قوله: ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ [١١] وقال بعدها: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ [١٢] فقال: لأن الثمرات من نوع واحد، والليل والنهار نوعان، وكذلك الشمس والقمر، فقال: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [١٢]. واعلم أن الله تعالى لما أراد إظهار علمه أودع علمه العقل، وحكم أنه لا يصل أحد إلى شيء منه إلا بالعقل، فمن فاته العقل فقد فاته العلم. قوله: ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ﴾ [٢١] قال سهل: خلق الله تعالى الخلق، ثم أحياهم باسم الحياة، ثم أماتهم بجهلهم بأنفسهم، فمن كانت حياته بالعلم فهو الحي، وإلا فهم الأموات بجهلهم. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ﴾ [٣٦] قال: العبادة زينة العارفين، وأحسن ما يكون العارف إذا كان في ميادين العبودية والخدمة، يترك ما له لما عليه. قوله: ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ﴾ [٥٣] قال سهل: لو أن الله تعالى طالب حملة العرش، فمن دونهم من الملائكة ومن النبيين والمرسلين، بما جهلوا من

стр. 88

نعمة الله عليهم لعذبهم عليها، وهو غير ظالم. قيل لسهل: أي شيء يفعل الله بعبده إذا أحبه؟ قال: يلهمه الاستغفار عند التقصير، والشكر له عند النعمة، وإنما أرادوا بالنية أن يتعرفوا بها نعم الله تعالى عليهم، فيدوم لهم الشكر ويدوم لهم المزيد. ﴿ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ﴾ [٥٣] يعني إياه تدعون عند الفقر والبلاء، وربما يكون ذلك نعمة من الله عليكم، إذ لو شاء لابتلاكم بأشد منه، فيصير ذلك عند أشد البلاء نعمة، فيجزعون منه، ولا يصبرون ولا يشكرون. وبلغنا أن الله تعالى أوحى إلى داود ﵇ فقال: اصبر على المئونة تأتك مني المعونة (١). ﴿قوله تعالى: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [٥٥] قال: هذا وعد من الله تعالى لكفار مكة على تكذيبهم، مع ما أنعم الله عليهم في الدنيا، أنهم سيعلمون جزاء ذلك في الآخرة، وهذه الآية أيضا وعيد شديد للغافلين على ما قال الرسول ﷺ : «من أخذ من الدنيا نهمته حيل بينه وبين نهمته في الآخرة حلالها حساب وحرامها عقاب» (٢)، وإنما يحاسب المؤمنون بما أخذوا من الحلال فضلا على ما يكفيهم، فأما من أخذ البلغة من الحلال فهو داخل تحت قوله ﷺ : «ليس من الدنيا كسرة يسد بها المؤمن جوعته، وثوب يواري به عورته ويؤدي فيه فرضه، وبيت يكنه من حر الشمس وبرد الشتاء» (٣). قوله: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ [٦٧] قال: هذه الآية نسخت بآية الخمر، كذا قال إبراهيم (٤) والشعبي (٥). قال سهل: السكر عندي ما يسكر النفس في الدنيا، ولا تؤمن عاقبته في الآخرة. وقد دخل على سهل أبو حمزة الصوفي (٦) فقال: أين كنت يا أبا حمزة؟ قال:

стр. 89

كنا عند فلان أخبرنا أن السكر أربعة. فقال: اعرضها علي. فقال: سكر الشراب وسكر الشباب وسكر المال وسكر السلطنة. فقال: وسكرتان لم يخبرك بهما. فقال: ما هما؟ فقال: سكر العالم إذا أحب الدنيا وسكر العابد إذا أحب أن يشار إليه. ﴿قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [٧٢] قال: روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: الحفدة الأختان. وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: البنون الصغار الصغار، والحفدة الذين يعينون الوالد على عمله. وعن الضحاك (١) قال: الحفدة الخدمة لله إيجابا بغير سؤال منهم غيره. قوله: ﴿زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ﴾ [٨٨] قال: حكى جابر بن عبد الله ﵁ أنه سأل النبي ﷺ عن هذه الزيادة ما هي، فقال له رسول الله ﷺ : «الزيادة خمسة أنهار تخرج من تحت العرش على رءوس أهل النار الجاحدين بالله ورسوله، ثلاثة أنهار على مقدار الليل ونهران على مقدار النهار تجري نارا أبدا ما داموا فيها» (٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ [٩٠] قال: العدل قول لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والاقتداء بسنة نبيه ﷺ ، ﴿وَالْإِحْسانِ﴾ [٩٠] أن يحسن بعضكم إلى بعض، ﴿وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى﴾ [٩٠] أي من رزقه الله فضلا فليعط من استرعاه الله أمره من أقاربه، و ﴿الْفَحْشاءِ﴾ [٩٠] الكذب والغيبة والبهتان، وما كان من الأقوال، ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ [٩٠] ارتكاب المعاصي، وما كان من الأفعال، ﴿يَعِظُكُمْ﴾ [٩٠] يؤدبكم بألطف أدب، وينبهكم بأحسن الانتباه، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [٩٠] أي تتعظون وتنتهون. قال سهل: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا (٣). قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [٩٧] قال: الحياة هي أن ينزع من العبد تدبيره، ويرد إلى تدبير الحق فيه (٤).

стр. 90

﴿قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ [١١٠] قال سهل: هاجروا يعني هجروا قرناء السوء بعد أن ظهرت الفتنة منهم في صحبتهم، ثم جاهدوا أنفسهم على ملازمة أهل الخير، ثم صبروا على ذلك، ولم يرجعوا إلى ما كانوا عليه في بدء الأحوال. وقد سأل رجل سهلا فقال: إن معي مالا، ولي قوة وأريد الجهاد، فما تأمرني؟ فقال له سهل: المال العلم، والقوة النية، والجهاد مجاهدة النفس، لا يقبل العافية فيما حرم الله تعالى إلا نبي أو صديق، فقيل لأبي عثمان: ما معنى قوله: «إلا نبي أو صديق»؟ فقال: لا يدخل في شيء لا تقوم له. قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [١١٩] قال سهل: ما عصى الله تعالى أحد إلا بجهل، وربّ جهل أورث علما، والعلم مفتاح التوبة، والإصلاح صحة التوبة، فمن لم يصلح توبته فعن قريب تفسد توبته، لأن الله تعالى يقول: ﴿ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [١١٩]، وسئل سهل عن الجاهل، فقال: الذي يكون إمام نفسه، ولا يكون له إمام صالح يقتدي به. قوله: ﴿وَاِصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ﴾ [١٢٧] قال سهل: واصبر واعلم أنه لا معين على الأمور إلا الله تعالى، والله أعلم.

стр. 91

السورة التي يذكر فيها الإسراء ﴿قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [٨] قال سهل: يعني إن عدتم إلى المعصية عدنا إلى المغفرة، وإن عدتم إلى الإعراض عنا عدنا إلى الإقبال عليكم، وإن عدتم إلى الفرار منا عدنا إلى أخذ الطرق عليكم، ارجعوا إلينا فإن الطريق علينا. قوله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [١١] قال سهل: أسلم الدعوات الذكر وترك الاختيار بالسؤال والدعاء، لأن في الذكر الكفاية، وربما يدعو الإنسان ويسأل ما فيه هلاكه وهو لا يشعر، ألا ترى أن الله تعالى يقول: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [١١] والذاكر على الدوام التارك للاختيار والدعاء والسؤال مبذول له أفضل الرغائب، وساقط عنه آفات السؤال والاختيار، ولذلك قال رسول الله ﷺ : «يقول الله: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» (١). قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [١٣] قال: علمه أي ما كان من خير وشر. قوله: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [١٤] قال: حكي عن الحسن البصري أنه قال: أعد للسؤال جوابا وللجواب صوابا، وإلا فأعد للنار جلبابا. وقال عمر ﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا وتأهبوا للعرض الأكبر قبل أن تعرضوا (٢). فسئل سهل عن المحاسبة والموازنة، فقال: المحاسبة على وجهين: محاسبة فيما بين العبد وربه، وهو سر، ومحاسبة فيما بينه وبين الخلق وهي علانية، والموازنة إذا استقبلك فرضان أو سنتان أو نافلتان نظرت أيهما أقرب إلى الله وأوزن عنده، فابتدأت به.

стр. 92

﴿قوله: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ﴾ [٢٥] أي بما في قلوبكم، لأن القلب يجمع العقل والنفس والهوى. قوله: ﴿إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ غَفُوراً﴾ [٢٥] قال ابن المسيب: الأواب الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب، ويموت على توبته (١). وقال الحسن: الأواب التائب الذي لا يكون معه وقتان، إنما هو مهيئ للتوبة كل لمحة ولحظة. وحكي عن ضمرة بن حبيب (٢) عن النبي ﷺ أنه قال: «من فتح له باب خير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق عنه» (٣) يعني فليعتبر وقته ولا يؤخر. قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [٣٦] أي لا تبغ ما ليس لك به علم كما قال رسول الله ﷺ : «نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا» (٤)، يعني آباء العرب. قوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ﴾ [٥٧] قال: رحمته جنته في الظاهر وفي الباطن حقيقة المعروف. ثم قال: إن الخوف والرجاء زمان للإنسان فإذا استوى قامت له أحواله، وإذا رجح أحدهما بطل الآخر (٥)، ألا ترى أن النبي ﷺ يقول: «لو وزن رجاء المؤمن وخوفه لاعتدلا» (٦). قوله تعالى: ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ﴾ [٦٧] أي ما تسألون كشفه إلا منه، وتتبرءون من حولكم وقوتكم، وتعترفون بحوله وقوته، وهذه الآية رد على أهل القدر الذين يدّعون الاستطاعة لأنفسهم دون الله تعالى. ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً﴾ [٦٨]، وقال: ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ﴾ [٦٩] فإن كانت لهم استطاعة فليدفعوا عن أنفسهم العذاب.

стр. 93

﴿قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى﴾ [٧٢] أي من كان في الدنيا أعمى القلب عن أداء شكر نعم الله تعالى عليه ظاهرة وباطنة فهو في الآخرة أعمى عن رؤية المنعم. قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [٨٠] يعني أدخلني في تبليغ الرسالة مدخل صدق، وهو أن لا يكون لي إلى أحد ميل، وإني لا أقصر في حدود التبليغ وشروطه، وأخرجني من ذلك على السلامة وطلب رضاك منه على الموافقة، ﴿وَاِجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً﴾ [٨٠] أي زيّنّي بزينة جبروتك ليكون الغالب عليهم سلطان الحق لا سلطان الهوى. وسمعت سهلا مرة أخرى يقول: ﴿وَاِجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً﴾ [٨٠] لسانا ينطق عنك، ولا ينطق عن غيرك (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً﴾ [١٠٧] قال سهل: لا يؤثر شيء على السر مثل ما يؤثر عليه سماع القرآن، فإن العبد إذا سمع خشع سره، وأنار ذلك قلبه بالبراهين الصادقة، وزين جوارحه بالتذلل والانقياد، والله أعلم.

стр. 94

السورة التي يذكر فيها الكهف ﴿قوله تعالى: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [٧] قال: أيهم أحسن إعراضا عن الدنيا، وما يوجب الاشتغال عن الله تعالى، وإخباتا وسكونا إلينا، وعلينا توكلا وإقبالا. وسئل عن قوله: ﴿الرَّقِيمِ﴾ [٩] فقال: الرقيم هو رئيسهم، وهو المسمى بالكلب، وليس بكلب لهم، قال الله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [١٨] أي باسط ذراعيه بالأمر والنهي. وقال عكرمة: الرقيم الدواة بلسان الروم. وقال الحسن: الرقيم الوادي الذي فيه الكهف. وقال كعب: الرقيم لوح من رصاص فيه أسماؤهم وأنسابهم ودينهم وممن هربوا، وأما الوصيد فهو فناء الباب. قوله تعالى: ﴿آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [١٠] أي احفظنا على ذكرك. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [١٣] قال سهل: إنما سماهم فتية لأنهم آمنوا به بلا واسطة، وقاموا إليه بإسقاط العلائق عن أنفسهم. قوله تعالى: ﴿وَزِدْناهُمْ هُدىً﴾ [١٣] أي بصيرة في الإيمان. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾ [١٧] قال: من يرد الله منه إظهار ما علم منه من الشقاوة بترك العصمة إياه، فلن تجد له عاصما منه. قوله تعالى: ﴿لَوِ اِطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً﴾ [١٨] يعني لو اطلعت عليهم بنفسك لوليت منهم فرارا، ولو اطلعت عليهم بالحق لوقفت على حقائق الوحدانية فيهم منه. قوله تعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ﴾ [٢١] قال: ظاهرها الولاية، وباطنها نفس الروح وفهم العقل وفطنة القلب بالذكر لله . قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ [٢٨] قال: الغفلة إبطال الوقت بالبطالة. وقال: إن للقلب ألف موت، آخرها القطيعة عن الله ، وإن للقلب ألف حياة، آخرها لقاء الحق ، وإن في كل معصية للقلب موتا، وفي كل طاعة للقلب حياة.

стр. 95

﴿قوله تعالى: ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [٣٠] قال: حسن العمل الاستقامة عليه بالسنة، وإنما مثل السنة في الدنيا مثل الجنة في الآخرة، ومن دخل الجنة سلّم، كذلك من لزم السنة في الدنيا سلم من الآفات. وقال مالك بن أنس ﵁: لو أن رجلا ارتكب جميع الكبائر ثم لم يكن فيه شيء من هذه الأهواء والبدع لرجوت له. ثم قال: من مات على السنة فليبشر ثلاث مرات. وقال سهل: لا يرفع الحجاب عن العبد حتى يدفن نفسه في الثرى. قيل له: كيف يدفن نفسه في الثرى؟ قال: يميتها على السنة، ويدفنها في اتباع السنة، لأن لكل شيء من مقامات العابدين مثل الخوف والرجاء والحب والشوق والزهد والرضا والتوكل غاية، إلا السنة فإنه ليست لها غاية ونهاية. وسئل عن معنى قوله: «ليست للسنة غاية» متى بن أحمد فقال: لا يكون لأحد مثل خوف النبي ﷺ أو حبه أو شوقه، أو زهده أو رضاه أو توكله أو أخلاقه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. وسئل عن معنى قوله ﷺ : «أجيعوا أنفسكم وأعروها» (١)، فقال: أجيعوا أنفسكم إلى العلم وأعروها عن الجهل. قوله: ﴿قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾ [٣٩] أي ما شاء الله في سابق علمه، لا يقف عليه أحد إلا الله تعالى، ﴿لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾ [٣٩] أي لا قوة لنا على أداء ما أمرتنا به في الأصل، والسلامة منه في الفرع، والخاتمة المحمودة إلا بمعونتك، وكذا تفسير قوله ﷺ : «لا حول ولا قوة إلا بالله» (٢) أي لا حول عن السلامة من الجهل في الأصل، ومن الإصرار في الفرع إلا بعصمتك ولا قوة لنا على أداء ما أمرتنا به في الأصل والسلامة منه في الفرع والخاتمة المحمودة إلا بمعونتك. وسئل سهل: ما أفضل ما أعطي العبد؟ قال: علم يستزيد به افتقارا إلى الله . قوله: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى﴾ [٥٥] قال: جاءهم الهدى وطرق الهداية كانت مسدودة عليهم، فمنعهم الهدى والإيمان الحكم الذي جرى عليهم في الأزل. قوله: ﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ [١٠٩] قال: أي بعلم ربي وعجائبه، ثم قال: إن من علمه كتابه، لو أن عبدا أعطي لكل حرف من القرآن ألف فهم لما بلغ نهايته علم الله فيه، لأنه كلامه القديم، وكلامه صفته، ولا نهاية لصفاته، كما لا نهاية له، وإنما يفهم على قدر ما يفتح الله على قلوب أوليائه من فهم كلامه. قوله: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [١١٠] قال: العمل الصالح ما كان خاليا عن الرياء مقيدا بالسنة، والله أعلم.

стр. 96

السورة التي يذكر فيها مريم ﵍ ﴿قوله تعالى: ﴿وَحَناناً مِنْ لَدُنّا﴾ [١٣] أي فعلنا ذلك رحمة من لدنا بأبويه، ﴿وَزَكاةً﴾ [١٣] أي طهرناه من ظنون الخلق إليه فيه، ﴿وَكانَ تَقِيًّا﴾ [١٣] أي مقبلا علينا، معرضا عما سوانا. وقال: إن أحوال الأنبياء كلها محضة. وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ﴾ [٣١] يعني آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأرشد الضال، وأنصر المظلوم، وأغيث الملهوف. قوله : ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً شَقِيًّا﴾ [٣٢] أي جاهلا بأحكامه متكبرا على عبادته، وقال النبي ﷺ : «الكبرياء رداء الله من نازع الله فيه أكبه على منخره في النار» (١). وسئل عن قوله : ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً﴾ [٢٦] فقال: صمتا عن الكل، إلا عن ذكرك، إذا سأل الصائم أن تقر عينه بك، ويسكن قلبه إليك لا إلى غيرك، ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [٢٦]. قوله: ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [٥٢] أي مناجيا للمكاشفة التي لا تخفى من الحق على القلوب محادثة وودا، كما قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ [٩٦] أي مكاشفة تتخذ الأسرار من غير واسطة. وهذا مقام من الله للذين صدقوا الله في السر والعلانية. قوله تعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [٦١] يعني معاينة الحق بمعنى القرب الذي جعله بينه وبينهم، فيرى العبد قلبه في قرب الحق مشهودا في غيب الغيب، وغيب الغيب هو نفس الروح وفهم العقل وفطنة المراد بالقلب، فإن نفس الروح موضع العقل، وهو موضع القدس، والقدس متصل بالعرش، وهو اسم من أسماء العرش، وجعل الله تعالى للنفس جزءا من ألف جزء من الروح، بل أقل من ذلك، فإذا صارت إرادة الروح إرادة النفس أعطيا فيما بينهما الفطنة والذهن، والفطنة إمام الذهن، والفهم إمام الذهن، والفطنة حياة،

стр. 97

والفهم عيش، وإنما يفهم الكلام رجلان: واحد يحب أن يفهم لكي يتكلم به في موضع، فليس له حظ منه إذ ذاك، وآخر يسمعه فيشغله العمل به عن غيره، وهذا أعز من الكبريت الأحمر، وأعز من كل عزيز، وهو في المتحابين في الله. والتفهم بكلف والفطنة لا تنال بالتكلف، وهو العمل بالإخلاص له، فإن لله تعالى عبادا في الجنة لو حجبوا عن اللقاء طرفة عين لاستغاثوا فيها كما يستغيث أهل النار في النار، لأنهم عرفوه، أفلا ترون إلى الكليم ﵇ حيث لم يصبر عن رؤيته لما وجد حلاوة مناجاته حتى قال: «إلهي، ما هذا الصوت العيراني الذي غلب على قلبي منك؟ قد سمعت صوت الوالدة الشفيقة، وصوت الطير في الهواء، فما سمعت صوتا أجلب لقلبي من هذا الصوت». وكان موسى ﵇ بعد ذلك كلما رأى جبلا أسرع إليه، وصعد عليه؛ شوقا إلى كلامه ﷻ . وقد كان رجل من بني إسرائيل لا يذهب موسى إلى مكان إلا مشى بحذائه، ولا يجلس مجلسا إلا جلس بحذائه، حتى تأذى موسى ﵇ منه، قيل له: إنك أذيت نبي الله. قال: إنما أريد أن أنظر إلى الفم الذي كلّم الله به. فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] فقال: يا موسى، إنه لن يراني خليقة في الأرض إلا مات. فقال: «رب أرني أنظر إليك وأموت، أحب إلي من أن لا أنظر إليك وأحيا». فمن أخلص لله قلبه له فاشتاق إليه وصل إليه. وقد كان أبو عبيد الله الخواص يصيح ببغداد فيقول: أنا من ذكرك جائع لم أشبع، أنا من ذكرك عطشان لم أرو، ووا شوقاه إلى من يراني ولا أراه، ثم يأتي دجلة وعليه ثياب فيرمي نفسه فيها، فيغوص في موضع ويخرج من موضع آخر وهو يقول: أنا من ذكرك جائع لم أشبع، أنا من ذكرك عطشان لم أرو، ووا شوقاه إلى من يراني ولا أراه، والناس على الشط يبكون. وجاء رجل إلى سهل يوما والناس مجتمعون عليه فقال: يا أبا محمد انظر إيش عمل بك وإيش يوقع لك، فلم يؤثر ذلك على سهل، وقال: هو المقصود هو المقصود. ﴿قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اِهْتَدَوْا هُدىً﴾ [٧٦] قال: أي يزيد الله الذين اهتدوا بصيرة في إيمانهم بالله، وفي اقتدائهم بمحمد ﷺ ، وهو زيادة الهدى والنور المبين. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً﴾ [٨٥] أي ركبانا. والمتقون هم الذين يتقون ما سوى الله . وقال: لا يكمل للعبد شيء حتى يحصن عمله بالخشية، وفعله بالورع، وورعه بالإخلاص، وإخلاصه بالمشاهدة، والمشاهدة بالتقوى عما سوى الله.

стр. 98

وقال: كانت قلوبهم أعز عليهم من أن يروا فيها شيئا غير الله ، فإن الله لما خلق القلب قال: «خلقتك لي خاصة»، فهذه القلوب جوالة، إما تجول حول العرش، وإما تجول في الحش. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [٨٣] قال: تزعجهم بالمعاصي إزعاجا، وتدعوهم إليها بما تهوى أنفسهم بترك عصمة الله، كما قال تعالى في قصة اللعين: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢] ودعاؤه على مقامات فقد يكون إلى الشر، وقد يكون إلى الخير، كما قال النبي ﷺ : «إن الشيطان ليورد أحدكم سبعين بابا من الخير ليوقعه في باب من الشر فيهلكه» قال: وإن اللعين يوسوس إلى جميع أهل العبادات وأصحاب الجهد، ولا يبالي منهم إلا من لا يدخل في شئ، حتى يعلم أنه له أو عليه، وإنما وقع المغاليط للعباد والزهاد في العلم لا في الاجتهاد، فلم يكن لهم حال يعرفونها فيما بينهم وبين ربهم، فإن الله تعالى إذا حاسب العبد يوم القيامة فكل فعل عرف صاحبه حاله فيه من طاعة أو معصية ثبت عقله له، وما جهل فيه حاله تحير ودهش لذلك لأنه إذا عرف حاله صحت الطاعة والتوبة بحجة الله، وإذا لم يعرف يتحير ويدهش لأنه عمل بغير حجة. وسئل سهل عن رجل يذكر الله فيخطر بقلبه: إن الله معك. قال: هو مكلف ثالث، إما أن يكون عدوا فيريد أن يقطعه، وإما أن يكون ذلك نفسه تريد أن تخونه وتخدعه، فلا يلتفتن إلى الخواطر في هذه الحال، والله أعلم.

стр. 99

السورة التي يذكر فيها طه ﵇ ﴿قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ [٧] قال: أخفى من السر ما لم يفكره العبد فيه وهو مفكره نوما. قوله تعالى: ﴿وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ [١٨] قال: أول من ملك العصا آدم، وهي من آس الجنة، ثم انتقلت من نبي إلى نبي حتى صارت إلى شعيب، فلما زوجه بنته أعطاها إياه، فكان موسى ﵇ يتوكأ عليها، ويهش بها على غنمه، وينثر الورق إلى غنمه، ثم يأخذ بها من الشجر ما يريد، ويرسلها على السباع والوحوش وهوام الأرض فيضربها. وإذا اشتد الحر نصبها في الأرض فتكون كالظلة، وإذا نام حرسته حتى يستيقظ، وإذا كانت له ليلة مظلمة أضاءت له كالسراج، وإذا كان يوم غيم وغم عليه وقت الصلاة بينت له بشعاع طرفها، وإذا جاع غرزها في الأرض فأثمرت من ساعتها، فهذه مآرب عصاه (١). فقد ذكر موسى ﵇ من العصا منافع ومآرب ظهرت له، فأراد الله تعالى مآرب ومنافع كانت خافية عليه، كانقلابها ثعبانا، وضربها بالحجر لتنجاش عيون الماء، وضربها بالبحر وغير ذلك، فأراه أن علوم الخلق، وإن كانوا مؤيدين بالنبوة، قاصرة عن علم الحق بالأكوان. قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [٣٩] قال: أظهر الله عليه ميراث علمه قبل العمل، فأورثه محبة في قلوب عباده، لأن من القلوب قلوبا تثاب قبل الفعل، وتعاقب قبل الرأي، كما يجد الإنسان في نفسه فرحا لا يعرف سببه، وغما لا يعرف سببه. قوله تعالى: ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُوناً﴾ [٤٠] أي فتنا لنفسك الطبيعية وبيناها حتى لا تأمن مكر الله. قوله تعالى: ﴿وَاِصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [٤١] أي تفرد إلي بالتجريد لا يشغلك عني شيء. قوله: ﴿وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي﴾ [٤٢] أي لا تكثر الذكر باللسان، وتغفل عن مراقبة القلب.

стр. 100

﴿قوله: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ [٤٤] قال: حكي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: كان موسى ﵇ إذا دخل على فرعون قال له: يا أبا مصعب قل لا إله إلا الله وإني رسول الله. قال سهل: إن الله تعالى ألبس موسى ﵇ لبسة المتأوبين، ونفى عنه عجلة المتهجمين لما رآه من الفضل والتمكين، ولم يرد به إيمانا، إذ لو أراد لقال: لعله يؤمن، وإنما أراد الحق بذلك ملاطفة موسى ﵇ بأجمل الخطاب وألين الكلام، لأن ذلك محرك لقلوب الخلائق أجمعين، كما قال النبي ﷺ : «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها» (١)، ليقطع به حجته، ويرغب من علم الله هدايته من السحرة وغيرهم. قوله تعالى: ﴿قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾ [٤٦] قال: أخبر الله أنه معهما بالنظر، مشاهد لكل حال هما عليه بالقوة والمعونة والتأييد، لا تخافا إبلاغ الرسالة بحال. قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْها﴾ [البقرة: ٥٨] قواما ولا تشبعوا منه فتسكروا عن الذكر، فإن السكر حرام. وقال: من جوّع نفسه انتقص بقدر ذلك دمه، وبقدر ما انتقص من دمه بالجوع انقطعت الوسوسة من القلب، ولو أن مجنونا جوّع نفسه لصار صحيحا. وقال النبي ﷺ : «ما من وعاء أبغض إلى الله من بطن ملئ طعاما» (٢). قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [١١١] قال: أي خضعت له بقدر مقامها من المعرفة بالله، وتمكين التوفيق منه. قوله: ﴿فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى﴾ [١٢٣] قال: هو الاقتداء وملازمة الكتاب والسنة، فلا يضل عن طريق الهدى، ولا يشقى في الآخرة والأولى. قوله تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [١٣١] قال: أي لا تنظر إلى ما يورثك وسوسة الشيطان، ومخالفة الرحمن، وأماني النفس، والسكون إلى مألوفات الطبع، فإن كل واحد منها مما يقطع عن ذكر الله . والله أعلم.

стр. 101

السورة التي يذكر فيها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿قوله تعالى: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [٧] قال: يعني أهل الفهم عن الله، والعلماء بالله وبأوامره وبأيامه. قيل: صفهم لنا. قال: العلماء ثلاثة: عالم بالله لا بأمر الله ولا بأيام الله، وهو عامة المؤمنين؛ وعالم بالله وبأمر الله لا بأيام الله، وهم العلماء؛ وعالم بالله وبأمر الله وبأيام الله، وهم النبيون والصديقون (١). قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [١٠] قال: يعني العمل بما فيه حياتكم (٢). قوله: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [٢٧] قال: إن الله تعالى جعل الكرامات كلها للمتقين من عباده، ثم للمبتدئين، ووصفهم فقال: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [٢٧] أي لا اختيار لهم مع اختياره، ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [٢٧] وهو اتباع السنة في الظاهر، ومراقبة الله في الباطن. قوله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [٣٥] قال: الشر متابعة النفس والهوى بغير هدى، والخير العصمة من المعصية والمعونة على الطاعة. قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [٨٣] قال: الضر على وجهين: ضر ظاهر وضر باطن؛ فالباطن حركة النفس عند الوارد واضطرابها، والظاهر إظهار ما في السر من ذلك، فمتى احتل الضر الباطن سكن الظاهر عن إظهاره وصبر على الآلام، وإذا تحرك الباطن تحت الوارد انزعج الظاهر بالصياح والبكاء، فكان شكواه إلى الله كي يعطي المعونة على رضا قلبه بالوارد، وذلك أن القلب إذا كان راضيا بأمر الله لم يضر العبد ما فعلت جوارحه، ألا ترى إلى بكاء النبي ﷺ حين مات ابنه إبراهيم كيف بكى عليه رحمة له بطبع البشرية، فلم يضره ما فعلت جوارحه، لأن قلبه كان راضيا به.

стр. 102

وكان سهل يقول لأصحابه: قولوا في دعائكم: إلهي إن طبختني فأنا قدر، وإن شويتني فأنا محنوذ، ولا بد أن تعرف، فمنّ عليّ بمعرفتك. وسئل سهل عن الدار، دار إسلام أم دار كفر؟ فقال: الدار دار بلوى واختبار. وقال عبد الرحمن المروزي لسهل: يا أبا محمد، ما تقول في رجل من منذ خمسة وعشرين يوما تطالبه نفسه أن تشبع ورق السدر من منذ ثمانية عشر يوما؟ فقال له سهل: ما تقول في رجل تطالبه نفسه أن يشم ورق السدر. قال: فوثب عبد الرحمن وانتفخت أوداجه (١). قوله تعالى: ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ﴾ [٦٩] قال: النار مسلطة على الإحراق فمن لم تسلط عليه لم تحرقه. قال عمر بن واصل العنبري: كنت عند سهل ذات ليلة فأخرجت فتيلة السراج، فنالت من إصبعي شيئا يسيرا أو لمت منه، فنظر إلي سهل ووضع إصبعه نحو ساعتين، لا يجد لذلك ألما ولا أثرا بإصبعه أثر، وهو يقول: أعوذ بالله من النار (٢). قوله: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [١٠٥] قال: أضافهم إلى نفسه وحلاهم بحلية الصلاح، معناه: لا يصلح إلا ما كان خالصا لي، لا يكون لغيري فيه أثر، وهم الذين أصلحوا سريرتهم مع الله، وانقطعوا بالكلية عن جميع ما دونه. قوله: ﴿إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ [١٠٦] قال: لم يجعله بلاغا لجميع عباده، بل خصه لقوم عابدين، وهم الذين عبدوا الله تعالى، وبذلوا له مهجهم، لا من أجل عوض، ولا من أجل الجنة، ولا من أجل النار، بل حبا له وافتخارا بما أهّلهم لعبادتهم إياه، والله أعلم.

стр. 103

السورة التي يذكر فيها الحج ﴿قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [٣، ٧] أي يخاصم في الدين بالهوى والقياس دون الاقتداء، فعند ذلك يضل الناس ويبتدع. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ﴾ [١١] قال: المؤمن وجه بلا قفا، كرّار غير فرّار، تراه يجاهد في دين الله وطاعته، من إقامة توحيده واقتدائه بنبيه، وإدامة التضرع، واللجأ إلى الله رجاء الاتصال به من موضع الاقتداء، كما روى زيد بن أسلم عن النبي ﷺ : «ما من أمتي إلا دخل الجنة إلا من أبى، قلنا: ومن الذي يأبى ذلك؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى أن يدخل الجنة» (١). قوله: ﴿فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ﴾ [١١] يعني الذي يتبع الهوى إن رضي قلبه وفرحت نفسه بعاجل حظها اطمأن به، وإلا رجع إلى ما يدعوه الهوى من الكفر. قوله: ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ﴾ [١٤] قال: هم الذين صدقوا الله في السر والعلانية، واتبعوا سنة نبيهم ﷺ ، ولم يبتدعوا بحال. قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [١٨] قال: سجود هذه الأشياء معرفتها بالحق بالتذلل والانقياد له. قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ [٢٦] يعني طهّر بيتي من الأوثان لعبادي الطاهرة قلوبهم من الشك والريب والقسوة، فكما أمر الله بتطهير بيته من الأصنام، فكذلك أمر بتطهير بيته الذي أودعه سر الإيمان ونور المعرفة، وهو قلب المؤمن، أمر الله تعالى المؤمن بتطهيره عن الغل والغش والميل إلى الشهوات والغفلة للطائفين فيه زوائد التوفيق والقائمين بأنوار الإيمان، ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [٢٦] الخوف والرجاء، فإن القلب إذا لم يسكن خرب، وإذا سكنه غير مالكه خرب، فإذا أردتم أن تعمروا قلوبكم فلا تدعوا فيها غير الله، وإذا أردتم أن تعمروا ألسنتكم فلا تدعوا فيها غير الصدق، وإذا أردتم أن تعمروا جوارحكم فلا تدعوا فيها شيئا إلا بالسنة.

стр. 104

قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً﴾ [٢٧] قال: إن لله تعالى عبادا يذهبون إلى المساجد بعضهم على السرير، وبعضهم على المراكب من ذهب عليها سندس، وتجرها الملائكة. قال أحمد بن سالم: كنت في أرض أصلحها، فرأيت سهلا على فرش فوق ماء الفرات. وقال: دخلت يوما دار سهل وكان بابه صغيرا، فرأيت فرسا قائما، فخرجت فزعا، وتعجبت كيف دخل من هذا الباب الصغير، فرآني سهل وقال: ارجع، فرجعت فلم أر شيئا. وحكي أن عمر ابن الخطاب ﵁ أشرف على أهل عرفات فقال: لو يعلم الجمع هنا بفناء من نزلوا لاستبشروا بالفضل بعد المغفرة. قوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ [٢٨] يعني الهدايا والضحايا. وحكي عن فتح الموصلي (١) أنه أشرف في يوم العيد على الموصل، فرأى الدخان في بيوت الناس، فقال: إلهي كم من متقرب إليك في هذه الليلة بقربان، وقد تقربت إليك بقربان، يعني الصلوات، فما أنت صانع فيه يا محبوب (٢). وحكي عن عدي بن ثابت الأنصاري (٣) أنه قال: قربان المتقين الصلاة (٤)، والله أعلم. قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [٢٩] قال: اختلف الناس فيه. قال الحسن: إنما سماه عتيقا تكرمة له، كما تقول العرب: جسد عتيق، وفرس عتيق إذا كان كريما. وحكى خاله محمد ابن سوار عن الثوري أنه قال: إنما قيل ذلك لأنه أقدم مساجد الله وأعتقها، كما قال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً﴾ [آل عمران: ٩٦]، وقال بعضهم: سماه عتيقا لأنه لم يقصده جبار من الجبابرة بمكيدة إلا قصمه الله تعالى، فأعتق البيت منه. وقال بعضهم: لأنه أعتق من الغرق في زمن الطوفان، حيث رفع إلى السماء، وكما أعتق الله بيته كذلك أعتق قلب المؤمن

стр. 105

من الغير، وهو أقدم مما نصبه الله تعالى علما في أرضه وجعله في المسجد الحرام، كذلك القلب له قلب آخر، وهو موضع وقوف العبد بين يدي مولاه، لا يتحرك في شيء إنما هو ساكن إليه. ﴿قوله تعالى: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [٤٦] قال: أليس من نور بصر القلب يغلب الهوى والشهوة، فإذا عمي بصر القلب عما فيه غلبت الشهوة وتواترت الغفلة، فعند ذلك يصير البدن متخطيا في المعاصي غير منقاد للحق بحال. قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [٥٢] قال: يعني إذا تلا ونفسه ملاحظة للتلاوة ألقى الشيطان في أذنه، إذ له على النفس فيه شركة، إذ الملاحظة فيها من هوى النفس وشهوتها، فإذا شاهد المذكور لا الذكر لها القلب عما سواه ولم يشاهد شيئا غير مولاه، وصار الشيطان أسيرا من أسرائه، ألا ترى أن العبد إذا سها في قراءته، وذكر ربه ، فهو يسكن قلبه إلى أدنى حظ من حظوظ النفس، حتى يجد العدو عليه سبيلا. وقد قال الحسن: الوسواس وسواسان، أحدهما من النفس والآخر من الشيطان، فما كان من ذلك إلحاحا فهو من النفس يستعان عليها بالصيام والصلاة والأدب، وما كان من ذلك نبذا فهو من الشيطان يستعان عليها بالقرآن والذكر. قوله: ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [٥٤] قال: صدق الإيمان وحقيقته يورث الإخبات في القلب، وهو الرقة والخشية والخشوع في القلب وطول التفكر وطول الصمت، وهذا من نتائج الإيمان، لأن الله تعالى يقول: ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [٥٤]، والله أعلم.

стр. 106

السورة التي يذكر فيها المؤمنون ﴿قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [١، ٢] قيل: ما الخشوع؟ قال: الخشوع علانية، وهو الوقوف بين يدي الله تعالى على الإقامة على شروط آداب الآمر، وهو تخليص الحركات والسكون عما سواه، وأصل ذلك الخشية في السر، فإذا أعطي الخشية ظهر الخشوع على ظاهره، وهي من شروط الإيمان. وقد حكي عن الحسن بن علي (١) ﵁ أنه إذا فرغ من وضوئه تغير لونه، فقيل له في ذلك، فقال: يحق على من أراد أن يدخل على ذي العرش أن يتغير لونه. ويروى عن النبي ﷺ أنه قال لمعاذ (٢): «يا معاذ: إن المؤمن قد قيده القرآن عن كثير من هوى نفسه، وحال بينه وبين أن يهلك فيما هوي بإذن الله، إن المؤمن لذي الحق أسير. يا معاذ: إن المؤمن يسعى في فكاك رقبته. يا معاذ: إن المؤمن لا تسكن روعته، ولا يؤمن اضطرابه حتى يخلف جسر جهنم. يا معاذ: إن المؤمن يعلم أن عليه رقباء على سمعه وبصره ولسانه ويده ورجليه وبطنه وفرجه، حتى اللمحة ببصره، وفتات الطينة بإصبعه، وكحل عينه، وجميع سعيه، التقوى رفيقه، والقرآن دليله، والخوف محجته، والشوق مطيته، والوجل شعاره، والصلاة كهفه، والصيام جنته، والصدقة فكاكه، والصدق وزيره، والحياء أميره، وربه من وراء ذلك بالمرصاد. يا معاذ: إني أحب لك ما أحب لنفسي، وأنهيت إليك ما أنهى إلي جبريل صلوات الله عليه، فلا أعرفن أحدا يوافيني يوم القيامة أسعد بما آتاك الله تعالى منك» (٣).

стр. 107

﴿قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [١٧] يعني الحجب السبعة التي تحجبه عن ربه . فالحجاب الأول عقله، والثاني علمه، والثالث قلبه، والرابع خشيته، والخامس نفسه، والسادس إرادته، والسابع مشيئته. فالعقل باشتغاله بتدبير الدنيا، والعلم بمباهاته مع الأقران، والقلب بالغفلة، والخشية بإغفالها عن موارد الأمور عليها، والنفس لأنها مأوى كل بلية، والإرادة إرادة الدنيا والإعراض عن الآخرة، والمشيئة بملازمة الذنوب. قوله: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاِعْمَلُوا صالِحاً﴾ [٥١] يعني كلوا من الحلال قواما مع حفظ الأدب. والقوام ما يمسك به النفس، ويحفظ فيه القلب والأدب فيه شكر المنعم، وأدنى الشكر أن لا تعصيه بنعمة. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [٥٧] قال: الخشية انكسار القلب من دوام الانتصاب بين يديه، ومن بعد هذه المرتبة الإشفاق، وهو أرق من الخشية، واللطف والخشية أرق من الخوف، والخوف أرق من الرهبة، فلكل منها صفة ومكان. قوله: ﴿فَمَا اِسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ﴾ [٧٦] قال: ما أخلصوا لربهم في العبودية، ولا ذلوا له بالوحدانية.

стр. 108

السورة التي يذكر فيها النور ﴿قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها﴾ [١] أي جمعناها وبينا حلالها وحرامها. قوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [٢٢] يعني وليعفوا عن ظلم الناس لهم. وحكي عن سفيان الثوري أنه قال: أوحى الله تعالى إلى عزير أنك إن لم تطب نفسا أن تكون مضغة في أفواه الآدميين، لم أكتبك عندي من المتواضعين. قال: فقال عزير: إلهي، فما علامة من صافيته في مودتك. فقال: أقنعه بالرزق اليسير، وأحركه للخطر العظيم، قليل المطعم، كثير البكاء، يستغفرني بالأسحار، ويبغض فيّ الفجار. قوله: ﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [٢٦] قال: الخبيثات القلوب من النساء للخبيثي القلوب من الرجال، والخبيثو القلوب من الرجال للخبيثات القلوب من النساء. قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ [٣٠] أي غضوا أبصاركم عن محارم الله تعالى، هو عن النظر من غير غيرة. وروي عن عبادة بن الصامت (١) عن النبي ﷺ أنه قال: «اضمنوا لي ستة أضمن لكم الجنة، أصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم» (٢). وحكي عن ابن عمر ﵁ أنه سئل: أكان رسول الله ﷺ يلتفت في الصلاة؟ قال: ولا في غير الصلاة. قوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [٣١] قيل: ما التوبة؟ قال: أن تبدل بدل الجهل العلم وبدل النسيان الذكر وبدل المعصية الطاعة. قوله تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [٣٥] يعني مزين السماوات والأرض بالأنوار، ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ [٣٥] يعني مثل نور محمد ﷺ . قال الحسن البصري: عنى بذلك قلب المؤمن وضياء التوحيد، لأن قلوب الأنبياء صلوات الله عليهم أنور من أن توصف بمثل هذه

стр. 109

الأنوار، وقال: النور مثل نور القرآن مصباح، المصباح سراجه المعرفة وفتيلته الفرائض ودهنه الإخلاص ونوره نور الاتصال. فكلما ازداد الإخلاص صفاء، ازداد المصباح ضياء، وكلما ازداد الفرائض حقيقة ازداد المصباح نورا. قوله: ﴿يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ﴾ [٣٧]، يعني يوم البعث تتقلب فيه القلوب والأبصار حالا بعد حال لا يدومون على حال، فالمؤمن الذي يخاف هذا اليوم. وقد حكي عن الحسن أنه قال: ذكر عنده أن رجلا يخرج من النار بعد ألف عام، فقال الحسن: يا ليتني أنا هو (١). وحكي عن عون بن عبد الله (٢) أنه قال: أوصى لقمان ابنه قال: يا بني ارج الله رجاء لا تأمن فيه مكره، وخف الله تعالى خوفا لا تيأس فيه من رحمته. فقال: كيف أستطيع ذلك ولي قلب واحد؟ فقال: يا بني إن المؤمن لذو قلبين: قلب يرجو الله به، وقلب يخافه به (٣)، والله أعلم.

стр. 110

السورة التي يذكر فيها الفرقان ﴿قوله تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ﴾ [١] قال سهل: يعني جلّ وعلا من خصّ محمدا ﷺ بإنزال الفرقان عليه ليفرق بين الحق والباطل، والولي والعدو، والقريب والبعيد، ﴿عَلى عَبْدِهِ﴾ [١] أي على عبده الأخلص ونبيه الأخصّ وحبيبه الأدنى وصفيه الأولى، ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ [١] أي يكون للخلق سراجا ونورا نهدي به إلى أحكام القرآن، ويستدلون به على طريق الحق ومنهاج الصدق. قوله: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ [٢٠] قال: إن الله تعالى أمر بالصبر على ما جعل للإنسان فيه فتنة، ومن ذلك قلة الإطراق إلى ما في أيدي الناس. وقد روى أبو أيوب (١) عن النبي ﷺ أنه أتاه رجل فقال: «إذا قمت إلى صلاتك فصلّ صلاة مودع ولا تكلمن بكلام تعتذر منه غدا، واجمع اليأس مما في أيدي الناس» (٢)، وقد كان السلف يغتنمون ذلك حتى حكي عن حذيفة (٣) أنه قال: إن أقرّ أيامي لعيني ليوم أرجع إلى أهلي، فيشكون إلي الحاجة، وذلك أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ليحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي المريض أهله الطعام والشراب، وإن الله ليتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده بالخير» (٤).
следующие страницы →