الإرث التي عينها الله تعالى في آيات المواريث للرجال والنساء فإن فيها تلقينا عاما يجدر التنويه به. وهو عدم طمع الناس فيما عند غيرهم مما هو من كسبهم وجهدهم وحقهم الشرعي. مع التنبيه على أن هذا لا يعني عدم التمني بأن يكون لهم مثل ذلك أو عدم الجهد في الحصول عليه من طرقه الشرعية السائغة بل إن الفقرة الأخيرة من الآية تتضمن حثا على ذلك.
وجملة لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ في الآية الأولى تأتي للمرة الثانية. وقد جاءت قبل في آية سورة البقرة [١٨٨] وشرحنا مداها بما يغني عن التكرار إلّا أن نقول إن تكرارها يفيد أن حكمة التنزيل قد توخت التوكيد على وجوب قيام التعامل بين المسلمين وبخاصة في الشؤون المالية على الحق والإنصاف واجتناب كل جنف وحيلة ووسيلة باطلة. وفي هذا ما فيه من تلقين جليل.
ولقد وقف المفسرون «١» عند جملة إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وهذا لم يرد في آية سورة البقرة. وقد رووا عن أهل التأويل أن التراضي الذي يجب أخذ المسلمين أموال بعضهم به في التجارة هو منح الخيار للبائع والشاري في النقض والإمضاء بعد عقد الصفقة حتى لا يبقى في نفس أي من البائع والشاري أي شيء. وروى الطبري في صدد ذلك حديثا عن مهران بن ميمون جاء فيه «قال رسول الله ﷺ البيع عن تراض والخيار بعد الصفقة ولا يحل لمسلم أن يغشّ مسلما» وحديثا آخر عن أبي قلابة قال «قال النبي ﷺ لا يفترقن بيعان إلّا عن رضا» وحديثا آخر عن ابن عباس جاء فيه «إن النبي ﷺ بايع رجلا ثم قال له اختر فقال اخترت. فقال هكذا البيع» .
وهذه الأحاديث لم ترد في الصحاح. وهذا لا يمنع صحتها، إن لم تكن نصا فروحا. وهناك أحاديث وردت في الصحاح من بابها. منها حديث رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر جاء فيه «إنّ رجلا ذكر للنبي ﷺ أنه يخدع في البيوع فقال إذا
стр. 3852
بايعت فقل لا خلابة وفي رواية لا خيابة» «١» . وحديث رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «لا يفترقنّ اثنان إلّا عن تراض» «٢» . وحديث رواه الخمسة عن حكيم بن حزام عن النبي ﷺ قال «البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما» «٣» وهناك أحاديث أخرى فاكتفينا بما تقدم «٤» . وينطوي في الأحاديث تساوق مع التلقين القرآني وتعليم وتوضيح نبويان يجب الوقوف عندهما.
وهناك من قال إن الخيار الممنوح في الأحاديث يجب أن يكون في مجلس البيع وهناك من لم ير ذلك ضروريا. وأصحاب هذا المذهب أوّلوا جملة «ما لم يتفرقا» في الحديث بأنها ما لم يتفرقا في القول «٥» . وقد صوب الطبري القول الأول، إلا إذا تراضى المتبايعان على الخيار بعد الافتراق. ولعلّ هذا هو الأسدّ الأوجه.
ولقد حمل بعض المفسرين جملة وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ على ظاهرها.
ومنهم من حملها على النهي عن تعريض النفس للقتل بقتل الغير أو بأكل مال الغير بالباطل أو للهلاك بالموبقات «٦» . ويتبادر لنا أن النهي متصل بموضوع الآيات ولا سيما أنه جزء من الآية الأولى التي تنهى الناس عن أكل أموال بعضهم بالباطل.
فإما أن تكون الآية رمت إلى مفهوم معنوي وهو ما يكون في أكل الناس أموال بعضهم بالباطل الذي يكون قتل النفس في معنى من معانيه وفي تعريضها لعقوبة الله. وإما أن تكون رمت إلى النهي عن العدوان على النفس بسبيل الإرث ومشاكله
стр. 3853
ولا سيما أن مشاكل الإرث كثيرا ما تبعث على البغي والجريمة. ولعل التشريع الإرثي الجديد قد أحدث بعض الأحقاد وساق بعض الناس إلى البغي والعدوان.
ولعلّ الآية الرابعة رمت فيما رمت إليه إلى تهدئة النفوس في صدد ذلك وتوطينها على الامتثال لما شرع الله.
وهذا الذي نقوله لا يقلل وجاهة حمل الجملة على ظاهرها من حيث كون قتل الإنسان نفسه مما يقدم عليه بعض الناس في كل ظرف ومكان بسبب ما يلمّ بهم من أزمات نفسية ومادية وجملة إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً التي جاءت بعد الجملة تنطوي في هذا المقام على تهدئة ومعالجة حيث تهتف بالمسلمين: إن الله يظل شاملا إياهم برحمته فيجب أن لا ييأسوا ويقدموا على قتل أنفسهم.
ولقد أورد المفسرون في سياق ذلك بعض الأحاديث النبوية. منها حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا. ومن تحسّى سمّا فقتل نفسه فسمّه في يده يتحسّاه في نار جهنّم خالدا مخلدا فيها. ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها» «١» وحديث رواه البخاري عن جندب بن عبد الله البجلي قال «قال رسول الله ﷺ كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جرح فأخذ سكينا فحزّ بها يده فما رقأ الدم حتى مات فقال الله عبدي بادرني بنفسه حرّمت عليه الجنة» «٢» حيث يفيد هذا أن قاتل نفسه مخلد في النار وحيث ينطوي فيه على كل حال تنبيه على أن قتل الإنسان نفسه ليس أمرا شخصيا، له الحرية فيه وإنما هو جريمة كبرى يعاقب الله عليها. ولقد روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي حديثا عن جابر بن سمرة قال «أتي النبيّ ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصلّ عليه» «٣» .
стр. 3854
ومما لا ريب فيه أن هذه الجريمة داخلة في جملة الكبائر المنهي عنها التي نبهت الآية الثالثة من الآيات على وجوب تجنبها ووعدت من يتجنبها بالمدخل الكريم.
وبعض المفسرين أوّلوا المدخل الكريم بالجنة. ومع وجاهة هذا التأويل فإن إطلاق الجملة القرآنية يسوغ القول باحتمال أن يكون ذلك في الحياة أيضا. ولقد وعد المتقون بالحياة الحسنة في الدنيا بالإضافة إلى ما هو أحسن في الآخرة كما جاء في آية سورة النحل هذه وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) «١» .
ولا شك في أن اجتناب الكبائر يضمن للمسلم حياة كريمة مطمئنة في الدنيا بالإضافة إلى ما يضمنه من نعيم ورضوان في الآخرة.
ومع أن المتبادر أن جملة إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ راجعة إلى ما ذكرته الآية الأولى من الآيات لأنها متصلة بها مباشرة فإن الطبري روى عن عبد الله بن مسعود وغيره أن ذلك يشمل كل ما ورد من المنهيات في جميع الآيات من أول السورة. ومع ذلك فإن جمهور المفسرين أخذوها على إطلاقها أيضا واعتبروها شاملة على الحثّ على اجتناب كل ما نهى الله ورسوله عنه من كبائر.
وليس في هذا بعد عن مفهوم الجملة ظاهر فيما نرى.
ولقد أورد المفسرون أحاديث نبوية عديدة فيها بيان كبائر الذنوب وموبقاتها.
ولقد أوردنا طائفة من هذه الأحاديث في سياق تفسير الآية [٣١] من سورة النجم فنكتفي بهذا التنبيه. مع تكرار القول إن ما جاء في الأحاديث ليس على سبيل الحصر وإن في القرآن كبائر لم تذكر بأعيانها بهذا الوصف في الأحاديث مثل الكذب والميسر والظلم والنفاق والفساد في الأرض إلخ.
ولقد أولنا كلمة سَيِّئاتِكُمْ في الجملة التي جاءت بعد الجملة السابق
стр. 3855
ذكرها بالذنوب الثانوية استلهاما من روح الجملة ونصها. وعلى هذا فيكون في جملة نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ بعد جملة إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ بشرى للمؤمنين وتخفيف عنهم ينطوي فيهما معالجة وحكمة ربانية جليلة. فالله يعلم ضعف الإنسان وعدم استطاعته التفلت من نزعات النفس وأهوائها بالمرة ويعلم أن هناك ما قد يدق عن فهم مداه بصورة عامة من هفوات قد تبدر منه عن حسن نية أو غفلة أو بغير تعمد للأذى والإثم والمخالفة أو ما يكون ضرره وأذاه محدودا فآذن المسلمين في هذه الجملة أن المهم هو اقتراف الموبقات والكبائر والفواحش فإذا ما اجتنبوها ودللوا بذلك على التزامهم حدود الله وقاموا بما عليهم من واجبات نحوه ونحو خلقه أسبغ عفوه وغفرانه على ما يلمون به من الأخطاء والهفوات الثانوية. وقد تضمنت هذا المعنى آيات سورة النجم هذه وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ [٣٢] على ما شرحناه في سياق تفسيرها.
[سورة النساء (٤) : آية ٣٣]
وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣)
. (١) موالي: جمع مولى في معنى الوارث على قول الجمهور.
تعليق على الآية وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ... إلخ
لم نطلع على رواية في مناسبة نزول هذه الآية. وقد يتبادر أنها استمرار للآيات السابقة وأن الضمير المخاطب فيها راجع إلى المؤمنين الذين وجه إليهم الخطاب في تلك الآيات.
ولقد تعددت أقوال المفسرين في مفهوم الفقرة الأولى من الآية. فهناك من قال
стр. 3856
إن الفقرة تقرر أن الله قد جعل لكل ميت ورثة يرثون ما تركه وهم الآباء والأقربون والمتعاقدون. وهناك من قال إن الله قد جعل لكل ما يتركه الآباء والأقربون والمتعاقدون ورّاثا. وكلمة لِكُلٍّ تجعل فيما يتبادر لنا المعنى الأول أوجه. وعلى هذا يكون تقدير الجملة ولكل ميت جعلنا ورثة مما ترك من آباء وأقربين ومتعاقدين.
كذلك تعددت أقوالهم «١» في مدلول جملة وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ وهناك من قرأها عاقدت بدلا من عقدت. وقال بعضهم إنها تعني الحليف حيث كان من العادات الجارية عند العرب قبل الإسلام أن يلتحق شخص بآخر باسم الولاء أو الحلف فيتعاقدا على تحمل كل منهما تبعة الآخر العصبية. فإذا مات أحدهما ورث الآخر سدس تركته. وقال بعضهم «٢» إنها تعني الأبناء بالتبني حيث كان التبني يتمّ بعقد وصيغة مماثلة لعقد الولاء والحلف. وقال بعضهم إنها تعني ما تمّ في أول عهد الهجرة من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار التي اعتبرت بمثابة عقد ولاء وحلف. وقال بعضهم إنها تعني حق الأزواج في الإرث على اعتبار أن الزوجية تمت بين الزوجين بالتعاقد فصار لكل منهما حق في إرث الآخر وتركته «٣» وننبه على أن المفسرين الذين أوردوا هذه الأقوال عزوها إلى بعض أصحاب رسول الله وتابعيهم.
стр. 3857
ويلحظ أن تقليد التبني قد ألغي في آيات سورة الأحزاب وألغيت نتائجه ومنها التوارث على ما شرحناه في سياق تفسير هذه السورة. وتعيين حرمة حلائل الأبناء من الأصلاب فقط في الآية [٢٣] من سورة النساء قد يدل على أن هذا الإلغاء قد تمّ قبل نزول الآية التي نحن في صددها.
ورواية التوارث بين المتآخين من المهاجرين والأنصار ليست وثيقة على ما شرحناه في سياق تفسير آية الأنفال [٧٢] ومع ذلك فآية الأنفال [٧٥] ثم آية الأحزاب [٦] وكلتاهما نزلتا على ما نرجحه قبل الآية التي نحن في صددها قد أكدتا أولوية التوارث بين ذوي الأرحام. وهذا يجعل القول إن الجملة في صدد ذلك في غير محله أيضا فضلا عن أنها لا يصح أن توصف بالوصف الذي جاء في الآية وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ ويبقى من الأقوال عقد الولاء أو الحلف وعقد الزوجية. وكل منهما وارد في دلالة الجملة. وقد أوردنا حديثا في ذيل سابق يفيد أن النبي ﷺ ألغى الحلف في الإسلام ولكنه أقرّ ما كان منه قبل ذلك «١» .
ونحن نرجح أن الجملة قد قصدت عقد الزوجية. فقد جعل الله الإرث في آيات المواريث للوالدين والأقربين وهم الأولاد والأخوة وللزوجين. فحيث ذكر الوالدان والأقربون فيتعين أن تعني الجملة عقد الزوجية فيتسق ذلك مع آيات المواريث.
وبناء على هذا فإن الآية فيما يتبادر لنا ونرجو أن يكون صوابا تقرر أن الله تعالى قد جعل لكل ميت ورثة يرثونه وهم والداه وأقاربه وزوجه. وأن لكل من هؤلاء حقا لا يصح لأحد منعه منه وأن من الواجب إعطاءه إياه. فيكون في هذا توطيد لتشريع الإرث من جهة وتدعيم للآية السابقة لهذه الآية التي نهت المسلمين عن أن يتمنوا ما فضل الله به بعضهم على بعض والتي قررت في الوقت نفسه أن
стр. 3858
لكل من الرجال والنساء حقا فيما نالوا واكتسبوا.
ولقد قال بعض المفسرين «١» - استنادا إلى أقوال مروية عن بعض الصحابة والتابعين- إن هذه الآية نسخت بآيات المواريث ولسنا نرى القول في محلّه بناء على ما تقدم من شرحها من جهة ولأن كل ما فيها هو تقرير مبدأ حق الورثة بالإرث مطلقا من جهة أخرى.
[سورة النساء (٤) : آية ٣٤]
الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤)
. (١) قانتات: مطيعات.
(٢) تخافون: هنا بمعنى تتوقعون أو تتيقنون من وقوعه.
(٣) نشوزهن: عصيانهن وتمردهن.
تعليق على الآية الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ إلخ وتمحيص مسألة قوامة الرجل على النساء وحدودها وتأديب الزوجة ومداه
الخطاب في الآية موجّه إلى المسلمين. وقد تضمنت:
(١) تقرير حق القوامة والإشراف للرجال على النساء مع تعليل ذلك بأنه بسبب ما فضل الله به الرجال على النساء من مزايا خاصة ثم بسبب ما ينفقونه من الأموال.
стр. 3859
(٢) تنويها بالمرأة الصالحة ووصفا لها. فهي المطيعة المسالمة الحافظة بما أمر الله حفظه من حقوق زوجها في غيبته.
(٣) إشارة إلى المرأة التي لا تتصف بهذا الوصف. ويبدر منها بوادر العصيان والانحراف عن واجبها. وإيجاب عظتها وردعها بالكلام أولا، فإذا لم تتعظ وترتدع فبالهجر، فإذا لم يجد فبالضرب. وإيجاب توقف الرجل عن ذلك حالما يبدو من زوجته طاعة وإذعان. وتقرير كون الله لم يجعل للرجل حق الاستمرار في الموقف الخشن من المرأة بدون حق وضرورة وهو العليّ فوق الجميع، الكبير الذي يجب أن يطاع ويخشى.
ولقد روى المفسرون «١» أن الآية نزلت في مناسبة لطم أحد الأنصار لزوجته فأخذها أبوها إلى النبي ﷺ شاكيا. فأمر النبي بالاقتصاص من الزوج فلما انصرفا استرجعهما وقال أتاني جبريل بهذه الآية، ولقد أردنا أمرا وأراد الله أمرا والذي أراد الله خير.
والرواية لم ترد في الصحاح ولا نراها متسقة مع الآية وفحواها وهدفها.
والذي يتبادر لنا أن الآية غير منقطعة عن سابقاتها. فالسابقات احتوت تثبيت حقوق المرأة المالية والزوجية وتعظيم شأنها ووصت بالاعتراف بها واحترامها فجاءت هذه الآية لتستدرك ذكر ما للرجال من حق على النساء.
ويلحظ أن الآية مع جعلها الرجال قوامين على النساء وفي منحها لهم حق تأديب الناشزات منهن تظل كما هو ظاهر من فحواها وروحها في نطاق التلقين القرآني العام الذي يوجب على الرجال عدم اضطهاد النساء وإعناتهم ومخاشنتهم بدون مبرر مشروع معقول.
وجملة الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ وإن كانت مطلقة فإن روح الآية التي وردت فيها ونصّها معا يسوغان القول إنها في صدد تقرير قوامة الزوج على الزوجة
стр. 3860
في الحياة الزوجية دون الشؤون الأخرى. والآية التي تأتي بعد هذه الآية من الأدلة الحاسمة على ذلك. لأنها تذكر احتمال الشقاق بينهما. وكلمة بَيْنِهِما لا يمكن أن تعني إلّا الزوجين والحياة الزوجية بالتالي. ويؤيد هذا تقريرات القرآن لحق المرأة في تزويج نفسها وقبض مهرها والتصرف فيه وحقها في التصرف في نفسها بعد الطلاق وبعد وفاة زوجها وحقها في ما يدخل في يدها من مال من طريق الإرث وغيره وأهليتها في التصرف فيه هبة ووصية وإدانة. وحقها في الاستدانة.
وتملك العقار والمماليك والتصرف في كل ذلك مما سبق شرحه في سياق آيات سابقة. ويساق بعض الأحاديث الموهمة نقضا لما نقرره. منها حديث رواه الطبراني عن الأسقع بن واثلة جاء فيه «قال رسول الله ﷺ ليس لامرأة أن تنتهك من مالها شيئا إلّا بإذن زوجها إذا ملك عصمتها» وقد قال الطبري إن بين رواة هذا الحديث من لا يعرفهم مما يوجب التوقف فيه. ومنها حديث قد يكون أقوى سندا رواه أصحاب السنن جاء فيه «سئل النبي ﷺ أيّ النساء خير قال التي تسرّه إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره» «١» . وواضح أنه ليس في هذا الحديث منع للزوجة عن التصرف بمالها وممارسة أي نشاط مشروع آخر. بل فيه إقرار لحقها في ذلك. وكل ما فيه تحذير بأن لا يكون في ذلك عصيان لأمره أو ما يكرهه. وفرق كبير بين هذا النص والنص السابق. ومع ذلك فإن الزوجة إذا رأت أن تفعل ما تراه حقا مشروعا في مالها ونفسها وكرهه زوجها ورأت في موقفه تعسفا وأدى ذلك إلى شقاق فيكون لها الرجوع إلى الحاكم لحل الأمر في نطاق الآية التالية على ما سوف نشرحه بعد. وهذا يكون للزوجة حتى في صحة الحديث الأول.
وإذا كان القرآن سكت عن حريتها في النشاط الاجتماعي والسياسي فلا يعني ذلك أنها محرومة من حقها بذلك بدون قوامة الرجل أيضا بدليل أن القرآن خاطبها بكل ما خاطب الرجل ورتب عليها كل ما رتب على الرجل من إيمان وعمل وعلم وتدبر وتفكر وتذكر وجهاد وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر ودعوة إلى الخير وتواص بالحق والصبر وإنفاق في سبيل الله وهجرة في سبيله. وذكر مشاركتها في
стр. 3861
كل ذلك على ما أوردنا نصوصه في مناسبات سابقة وبخاصة في سياق تفسير آيات البقرة [٩- ١٤] وآل عمران [١٩٥] والأحزاب [٧٢ و ٧٣] مما يدخل فيه ذلك النشاط وحقها فيه. وفي سورة التوبة آية تقرر واقع المؤمنات وممارستهن للشؤون العامة كالمؤمنين مما فيه تأييد لذلك أيضا وهي وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) .
ومع ما قلناه من أن قوامة الرجال على النساء في الآية هي في صدد الحياة الزوجية فإننا نقول أيضا إن آيات عديدة مرّت في هذه السورة وفي سورتي البقرة والروم يمكن أن يكون فيها قيود وضوابط لهذه القوامة حيث تأمر برعاية الزوجية وتنوه بعظمة شأن الرابطة الزوجية وكونها قائمة على المودة والرحمة وتثبت للزوجة حقوقا على زوجها مثل الذي عليها مما يدخل فيه حسن المعاشرة والتحمل وعدم البغي عليها والطمع في مالها ومكايدتها ومضارتها والوفاء والأمانة والانسجام والتشاور في شؤون البيت والأسرة والتكريم والترفيه والمساعدة إلخ. وما ذكرته آية البقرة من الدرجة للزوج على الزوجة هي هذه القوامة الزوجية التي جعلت له للمزايا الطبيعية والاجتماعية التي امتاز بها وللأموال التي ينفقها ومما كان ولا يزال ولن يزال متسقا مع طبائع الأمور ومما ليس فيه ما يثقل على الطبيعة البشرية أو يتناقض معها مهما وصل الإنسان إليه من حضارة وثقافة.
ولقد قال بعض الأئمة والمفسرين إن حق القوامة للزوج يزول إذا قصر أو امتنع عن النفقة وهذا وجيه متفق مع ما يلهمه روح ونصّ الآية التي جعلت الإنفاق من أسباب منحه هذا الحق.
ولقد روى المفسرون أن جملة وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ عنت ما دفعوه من مهور. ومنهم من قال إنها المهور وما بعدها من نفقات الكساء والغذاء المستمرة. وهذا هو الأوجه. وهناك أحاديث نبوية وصحابية وتابعية في مدى العبارات الأخرى في الآية.
стр. 3862
ففي صدد وصف فَالصَّالِحاتُ روى الطبري حديثا بصراحة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرّتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالها ثم قرأ الآية» وهذا الحديث مقارب لما رواه أصحاب السنن وأوردناه قبل. وهناك حديث رواه مسلم والنسائي عن أبي هريرة قال «قال رسول الله ﷺ إن الدنيا كلّها متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة» «١» وحديث رواه الشيخان عن أبي هريرة أيضا عن النبي ﷺ قال «خير نساء ركبن الإبل صالحو نساء قريش. أحناه على ولد في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده» «٢» .
والأحاديث رائعة في وصفها وتنويهها بالمرأة الصالحة ثم في حثها المرأة المسلمة على الاتصاف بالصفات المحببة التي تجعلها كذلك. وفي صدد جملة حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ روى الطبري وغيره أنها بمعنى (حافظات لما استودعهن الله من حقه ولغيب أزواجهن) أو (حافظات لفروجهن ومال أزواجهن) والأقوال سديدة متسقة مع روح الآية.
وفي صدد (النشوز) رووا أنه الامتناع عن الاستجابة لطلب الزوج الجنسي أو عدم إطاعته في ما أوجب الله عليها إطاعته فيه أو جنوح الزوجة إلى المعصية والتمرد وكراهية زوجها وأهله. وكل هذا سديد كذلك. مع التنبيه على أن الطبري نبّه عزوا إلى عكرمة إلى النبي ﷺ على أن طاعة الزوجة لزوجها مشروطة بأن تكون في معروف. أي أن ما يأمرها به ويجب طاعتها له هو ما يكون فيه توافق مع كتاب الله وسنة رسوله ومكارم الأخلاق المتعارف أنها كذلك. وصحة ما يرويه الطبري عن عكرمة عن النبي ﷺ محتملة وهو متسق مع التلقينات القرآنية والنبوية الوثيقة.
فالله حينما أمر النبي بأخذ البيعة من النساء كان من جملة ذلك وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ على ما جاء في آية سورة الممتحنة [١٢] التي سوف يأتي شرحها في
стр. 3863
مناسبتها. ومن باب أولى أن يكون ذلك في صدد ما نحن فيه. بحيث يمكن أن يقال بجزم إنه ليس للزوج في أي حال أن يسيء استعمال القوامة التي منحها الله له على زوجته. إذا ما أطاعته في ما هو حقّ ومعروف وغير معصية في ذات نفسها وفي نطاق الحياة الزوجية وكانت وفية أمينة له حافظة لما له وسمعته وعرضه في الحضور والغياب. وفي هذا تلقين مزدوج حيث يكون من جهة ضابطا تنتظم به الصلات الزوجية ومن جهة زاجرا لسيّئي الأخلاق من الأزواج الذين يحاولون قهر زوجاتهم بالعنف والشتائم بدون داع ولا مبرر، وإذا تجاوز الزوج النطاق المشروع فللزوجة أن لا تمتثل لأمره فإذا أصرّ فيكون الأمر حالة شقاق وللزوجة أن ترفع أمرها للقضاء لحلها وفاقا للآية [٣٤] على ما سوف يأتي شرحه بعد قليل.
وحق التأديب الذي منح للزوج على زوجته إنما يكون والحالة هذه في حالة نشوزها الموصوف مداه وعدم طاعتها في ما هو حقّ ومعروف وشذوذها في أخلاقها ومعاملتها له ولأهله بالسوء والأذى وعدم وفائها وأمانتها ولا يمكن لعاقل منصف أن يرى فيه حيفا أو جنفا وهو متدرج بحيث تكون العظة والنصيحة أولا فإذا استمر فالهجر في المضاجع الذي يقصد منه على ما عليه الجمهور الامتناع عن وطئها وتحويل وجهه عنها في الفراش الواحد إشعارا لها بعدم رضائه عنها. فإذا استمر النشوز جاز له ضربها. وإذا لاحظنا أن الضرب جاء كآخر وسيلة أولا وأنه على سبيل الإباحة لا الإيجاب ثانيا ولا يكون إلا بعد استنفاد وسيلتي العظة والنصح والهجران ثالثا. وبعبارة أخرى إلا في حالة التمرد الشديد. والإصرار على النشوز والشذوذ وسوء الخلق والتصرف بدا لنا أن ما قد يبدو غريبا ليس هو كذلك في حقيقة الأمر بل هو احتياط حكيم في شريعة مرشحة لكل ظرف وفئة من حيث إن ظروف الناس وحالاتهم لا تدخل تحت حصر. فقد يكون هناك ظروف وحالات خاصة من حيث الوقائع وطبقات الناس يكون الضرب فيها وسيلة لا بد منها وليس من وسيلة غيرها للردع والتأديب أو وسيلة يتفادى بها كارثة الطلاق وغيرها من كوارث الزوجية مما هو جائز الوقوع وسائغ في العقول وممارس فعلا في كل ظرف ومكان.
стр. 3864
وهناك مأثورات نبوية في صدد الضرب إذا ما أتت الزوجة ما يستحق حيث جاء في خطبة حجة وداع النبي التي يرويها مسلم وأبو داود أن تضرب ضربا غير مبرح «١» . وفي حديث آخر نهى عن الضرب على الوجه والتقبيح والهجر «٢» .
ويروي الطبري عن ابن عباس أن الضرب غير المبرح هو أن يكون غير مؤثر أو بالسواك، ويروي الخازن عن الشافعي أن الضرب مباح وتركه أفضل. وهناك أحاديث نبوية تنهى بشدّة عن الضرب بدون مبرر مشروع منها حديث رواه البخاري والترمذي عن عبد الله بن زمعة عن النبي ﷺ قال «لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم» «٣» وحديث رواه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه عن إياس بن عبد الله عن النبي ﷺ قال «لا تضربوا إماء الله. فجاء عمر فقال يا رسول الله ذئر النساء على أزواجهن فأذن بضربهنّ فأطاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن فقال النبي ﷺ لقد طاف بآل محمد سبعون امرأة كلّهن يشتكين أزواجهن ولا تجدون أولئك خياركم» «٤» .
وتلخيصا لما تقدم واستنادا إلى ما في الآيات القرآنية عامة وآيات سورة البقرة [٢٣١- ٢٣٦] وآيات هذه السورة [١٤- ١٩] والآية التي نحن في صددها ثم إلى ما في الأحاديث النبوية من تلقينات وحدود يصح أن يقال إن قوامة الرجل على زوجته محصورة في مجال الحياة الزوجية غير ممتدة إلى غيره من المجالات المالية والمدنية والاجتماعية والسياسية وأن واجب الطاعة على الزوجة لزوجها وعدم مخالفتها له في نفسها ومالها بما يكره مشروطان بأن يكون ما يطلبه منها مشروعا في غير معصية وغير معطل لما قرره لها القرآن من حقوق متنوعة. وأن حقّ التأديب الممنوح له مشروط بشذوذ الزوجة وانحرافها وتمردها وسوء خلقها وعدم وفائها وأمانتها، مع التدرج في التأديب وتقديره بقدره واستهداف الإصلاح والصلاح منه.
стр. 3865
وعدم الاندفاع فيه أكثر مما تقتضيه الحالات الداعية له وبخاصة في الضرب ومداه.
وأن على الرجل في غير ذلك مراعاة حقوق زوجته ومعاملتها بالوفاء والأمانة والحفظ والرعاية والإنفاق وحسن المعاشرة والمودة وتجنب العنف والقهر والغلظة والتسرع في مؤاخذتها وضربها على ما ليس فيه شذوذ ونشوز خطيران وتحمل ما يمكن تحمله منها مما ليس فيه ذلك. وفي هذا كل الحق والخير والمصلحة للزوجين والرابطة الزوجية وللمجتمع الإنساني الذي تكون هذه الرابطة نواته الرئيسية.
هذا ويلحظ أنه ليس في القرآن إشارة صريحة في امتداد قوامة الرجل إلى أخواته وبناته. وقد يصح أن يقال إن كتاب الله قد اهتم للمسألة الأكثر ورودا وحدوثا. والألزم للتوضيح والتنبيه وهي العلاقة الزوجية التي هي أصل كيان الأسرة وتفرعاتها. وهناك حديث مشهور رواه الخمسة عن عمر جاء فيه «والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته» فيمكن أن يقال إن هذا الحديث قد يجعل للرجل على غير زوجته وبخاصة من هم في كنفه من أفراد أسرته من النساء قوامة ما بحيث يكون له بذلك حق مراقبتهن والإشراف على سلوكهن وتقويم ما قد يبدو منهن من انحراف وشذوذ وتمرد وسوء خلق في نطاق ما احتوته الآية التي نحن في صددها.
وقياسا على مدى هذه الآية وعلى ضوء شروحنا المتقدمة يمكن القول إن الأهلية المالية والمدنية والاجتماعية والسياسية للبالغات منهن تظل محفوظة لهن دون أن تمتد قوامة الرجل إليها لتعطلها بدون سبب مشروع من كتاب الله وسنّة رسوله ومكارم الأخلاق المتعارفة. كما هو الشأن بالنسبة لزوجته، والله تعالى أعلم.
ونرى المناسبة للاستطراد إلى ما يسمى بيت الطاعة. فقد يحصل شقاق بين الزوجين في أمر السكنى وتذهب الزوجة مغاضبة لبيت أهلها فيرفع الزوج الأمر للقضاء ويثبت أنه هيأ لزوجته مسكنا شرعيا ويصدر القاضي حكما على الزوجة
стр. 3866
بطاعة زوجها والسكن في البيت الذي هيأه لها. ويناط تنفيذ ذلك بواسطة الشرطة إذا رفضت الزوجة الامتثال وتجبر على ذلك بالقوة! وليس لهذا الإجراء سند قرآني. ولم نطلع فيه على أثر نبوي صحيح. والزوجية وفاق وتراض وإمساك بالمعروف أو تسريح بالمعروف مما يسوغ القول إن هذا الإجراء مخالف لروح التلقينات القرآنية والنبوية ومؤذ للكرامة الإنسانية. ومذهب لمعنى المودة والرحمة اللتين يجب أن تقوم عليهما العلاقة الزوجية. وكل ما يصح للزوج هو الامتناع عن الإنفاق على الزوجة إذا أبت تنفيذ رغبته والسكن حيث يطلب منها. ثم تطبيق أحكام الآية التي نحن في صددها من حيث الصلح والتوفيق والتراضي أو التسريح بالإحسان. والله تعالى أعلم.
[سورة النساء (٤) : آية ٣٥]
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥)
. (١) إن خفتم: بمعنى إن توقعتم أو غلب ظنكم.
عبارة الآية واضحة. ولم نطلع على رواية في مناسبة نزولها. والمتبادر أنها استمرار للآية السابقة التي احتوت تقرير قوامة الرجل على الزوجة ومعالجة حالة نشوز الزوجة حيث جاءت هذه معها أو بعدها تباعا لمعالجة حالة احتمال الشقاق بين الزوجين. فأمرت المسلمين المخاطبين بالمداخلة والنظر في الأمر من قبل حكم من جانب الزوج وأهله وحكم من جانب الزوجة وأهلها فيما ينبغي عمله في سبيل الإصلاح بينهما الذي قد يوفق الله إليه إن أراده الفريقان.
ويتبادر لنا أن الفقرة الأخيرة من الآية أسلوبية وأن فيها معنى الحثّ على الإصلاح والتأميل في توفيق الله إليه مع عدم إغفال إرادة الزوجين مما هو متسق مع التقريرات القرآنية في أهلية المرء للإرادة والاختيار التي أودعها الله فيه.
стр. 3867
تعليق على الآية وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها ... إلخ
لقد تعددت الأقوال التي يوردها المفسرون «١» لأنفسهم أو لأهل التأويل وأئمة الفقه في مدى الإجراءات التي تضمنتها الآية نوجزها ونعلق عليها بما يلي، مع التنبيه على أننا لم نطلع على أثر نبوي وثيق في ذلك وأن الراجح أن الأقوال المساقة هي من قبيل الاجتهاد:
١- قال المفسرون إن المخاطبين في الآية يحتمل أن يكون النبي ﷺ أو أهل الزوجين أو ذوي الشأن والعلاقة من المسلمين. ونقول إن من المحتمل أن يكون كل من الجهات الثلاث معا مخاطبة. فكل منها يصح أن تتدخل وتتوسط في الإصلاح بين الزوجين. ولما كانت صيغة الآية تشريعية مطلقة لتكون محل تطبيق وتنفيذ في كل ظرف فيكون ولي أمر المؤمنين أو نائبه يقوم مقام النبي ﷺ بعده.
ومع ذلك فإن من المتبادر أنه الأقوى هو أن الخطاب موجه إلى النبي ﷺ الذي كان المرجع فيما كان ينشب بين المسلمين من خلافات والقادر على التنفيذ المطاع فيه.
وإذا صح هذا فيكون الخطاب بعد النبي موجها لولي أمر المؤمنين في الدرجة الأولى. وإن كان هذا لا يقلل من احتمال توجيهه لذوي الشأن في أسرة الزوجين ومجتمعهما.
٢- هناك من قال إن الزوجين المتشاقين هما اللذان يختاران حكميهما.
فيخبر كل منهما حكمه المختار بما يطلب ويشكو. وهناك من قال إن هذا شأن ذوي الشأن من الأسرة أو المجتمع أو السلطان على اختلاف تحمل مدى العبارة القرآنية ويكون للطرف المتضرر من موقف الآخر أن يرفع أمره وحسب. والآية تخاطب المخاطبين ببعث الحكمين وهذا يجعل الرجحان للقول الثاني. ويوجهه كون كل من الطرفين قد يختار حكما متعصبا له فيتعسر إيجاد الحل الوسط.
стр. 3868
٣- هناك من قال إن للحكمين أن يجدا الحلول المناسبة ويلزما بها الطرفين عدا التفريق الذي لا يتم إلا بتفويض وموافقة الفريقين. وهناك من قال إن الحكمين يرفعان ما يريانه من حلول إلى من عينهما. وأن هؤلاء هم الذين يلزمون الزوجين بما يرونه موافقا منها مع الاختلاف فيما إذا كان هؤلاء أيضا يستطيعون أن يقرروا التفريق ويلزموا به الزوجين بدون موافقتهما أم لا بد من موافقتهما حيث قال فريق بحقهم في الإلزام بالتفريق. وقال آخر إنه لا بدّ من موافقة الزوجين على ذلك.
وجميع هذه الأقوال واردة ووجيهة.
ومهما يكن من أمر هذه الاجتهادات فالذي يتبادر لنا بصورة عامة ومبدئية أن الآية هدفت إلى إزالة الشقاق وتوطيد الوفاق بين الزوجين في حالة حدوث نزاع بينهما أو احتمال ذلك اتساقا مع هدف القرآن العام في تعظيم الرابطة الزوجية والإبقاء عليها ما أستطيع إلى ذلك. وخاطبت ذوي الشأن في سبيل تحقيق ذلك.
والاختلاف في التفريق هو كما يبدو بسبب كون الآية هدفت إلى التوفيق والإصلاح وحسب. ويتبادر لنا أن التفريق يصح أن يرد في مجال الحلول استلهاما من المبدأ القرآني العام للحياة الزوجية الذي شرحناه في سياق آيات الطلاق في سورة البقرة وهو الإمساك بالمعروف أو التسريح بالمعروف والإحسان وعدم الإمساك للضرر والعدوان. ويكون التفريق وفق الخطط القرآنية المشروحة في تلك الآيات أيضا وهو الخلع والفداء أو الطلاق الرجعي والبائن أو البات.
هذا مع توكيد القول إن الآية هدفت إلى إزالة الشقاق وتوطيد الوفاق وإن على الحكمين أو من يتدخل بذل كل جهد في سبيل ذلك في الدرجة الأولى.
ومع صحته واحتمال أن يكون التدخل من ذوي الأسرة والشأن في المجتمع والسلطان فالذي يتبادر لنا أن هذا متروك للظروف. فما أمكن حلّه بدون تدخل السلطان حلّ. وما كان يحتاج إلى سلطان رفع إليه. وإن كان رفع الأمر إلى السلطان يظل هو الأضمن للحسم والتنفيذ.
وقد يصح القول بالإضافة إلى ما تقدم واستلهاما من فحوى الآية أن الجزء الثامن من التفسير الحديث ٨
стр. 3869
المخاطبين فيها مدعوون إلى التدخل للإصلاح والتوفيق إذا ما خيف من تسوية نزاع وشقاق بين الزوجين ولو لم يرفع الزوجان أمرهما إليهم. والله تعالى أعلم.
ولم نقع على قول بما يجب عمله إذا اختلف الحكمان، والمتبادر أن للذي عينهما أن ينتدب آخرين مكانهما أو يمحص الأمر بوسائله الأخرى أو يرجح رأي أحد الحكمين على الآخر أو يفرض الحل المناسب. وهذا ما يوحيه ما قلناه أن السلطان يظل هو الأضمن للحسم والتنفيذ والأكثر ورودا في الخطاب والله تعالى أعلم.
حكمة تفصيل القرآن لشؤون الأسرة
هذا، وهذه الآية هي خاتمة فصل طويل في شؤون الأسرة المتنوعة. ومن المحتمل أن يكون بعض آياته نزلت متتابعة فوضعت في مكانها للمناسبة الظرفية والموضوعية. ومن المحتمل أن يكون بعض آياته الأخرى نزلت في غير ظرف نزول الباقي فوضعت في مكانها للمناسبة الموضوعية.
ويلحظ من هذا الفصل الطويل أن حكمة التنزيل قد أعارت هذه الشؤون عناية كبيرة واقتضت نتيجة لذلك أن يحتوي القرآن بيانات وتشريعات كثيرة حولها.
وهذا يلحظ كذلك في الفصل الطويل الذي احتوته آيات سورة البقرة [٢٢٠- ٢٤١] والذي هو من هذا الباب لأنه متصل بالطلاق والعدة والمهر وحالة الزوجة التي يتوفى عنها زوجها وحالة الزوجة التي يطلقها زوجها قبل الدخول ومسألة الرضاع إلخ إلخ.
وليس هذان الفصلان كل ما جاء في هذا الباب في القرآن. ففي سورة الأحزاب التي مرّ تفسيرها فصل منه، ومعظم سورة الطلاق من الباب نفسه، وفي سورة النور فصول عديدة منه أيضا.
والمتبادر أن من حكمة ذلك كون هذه الشؤون متصلة بحياة جميع الأفراد من آباء وأمهات وزوجات وأولاد، وبعبارة أخرى أن لكل إنسان صلة بها بشكل من الأشكال، واحتمال أن تكون مثار خلاف ونزاع وشقاق وبلبلة وضغائن بل وجرائم
стр. 3870
واردة باستمرار في كل ظرف ومكان وكل هذا مما يؤدي إلى اضطراب أسروي واجتماعي واقتصادي ومعاشي وسلوكي فإذا ما حددت وأوضحت انتفت أسباب ذلك وضمنت الطمأنينة والهدوء والتراضي للأسرة الإسلامية ثم للمجتمع الإسلامي والله أعلم.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٣٦ الى ٤٢]
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (٣٨) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (٣٩) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠)
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (٤٢)
. (١) الجار ذي القربى. قيل إنه القريب رحما وقيل إنه القريب دينا.
(٢) الجار الجنب: قيل إنه الأجنبي رحما وقيل إنه الأجنبي دينا.
(٣) الصاحب بالجنب: الذي بينه وبين الآخر رفقة وصحبة. وبعضهم قال إن الجملة تعني زوجة الرجل.
(٤) ابن السبيل: الغريب.
(٥) من المؤولين من قال إن هذه الآية عنت اليهود الذين وصفوا بمثل ذلك في آيات أخرى. ومن قال إنها عنت من يبخل بعلمه ويكتمه من العلماء مطلقا.
ومن قال إنها على المعنى الظاهر وهو الشحّ بالمال وكتمانه وأمر الناس بذلك.
стр. 3871
والقول الأخير هو الأوجه بقرينة في الآية التالية.
(٦) لو تسوّى بهم الأرض: الجملة كما يتبادر لنا أنها في معنى (لو تنشق الأرض وتبلعهم ثم تعود إلى حالها مسواة ويبقون في بطنها) .
تعليق على الآية وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً والآيات الخمس التالية لها وما فيها من تلقينات في صدد سلوك المسلم تجاه غيره على اختلاف الفئات
الخطاب في الآيات موجه للمؤمنين السامعين كالآيات السابقة. وقد تضمنت:
(١) أمرا لهم بعبادة الله وحده وعدم إشراك شيء بأي هدف وشكل وبحسن معاملة الوالدين والأقارب واليتامى والمساكين والجيران والأقارب والغرباء والأصحاب والمعارف وأبناء السبيل والأرقاء والبرّ بهم ومعاونتهم.
(٢) وتشنيعا على المتكبرين المتفاخرين الذين لا يعاملون الناس بالبرّ والحسنى ويبخلون بأموالهم في سبيل الخير ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ولا يكتفون بما في ذلك من إثم عليهم بل يأمرون غيرهم بمثل عملهم. وتشنيعا كذلك بالمرائين الذين إذا أنفقوا شيئا أنفقوه مراءاة للناس وطلبا للثناء وتفاخرا لا عن إيمان بالله ورغبة في رضائه ولا عن إيمان باليوم الآخر ورغبة في تقديم العمل الصالح بين أيديهم. وهؤلاء وأولئك هم قرناء الشيطان. ومن كان الشيطان قرينه فقد ساء قرينه وتعس وشقي.
(٣) وتنديدا بهؤلاء بأسلوب السؤال التعجبي عما دهاهم حتى جعلهم ينحرفون هذا الانحراف في حين أن العقل والمنطق يقضيان بالبداهة أن يؤمنوا بالله واليوم الآخر وينفقوا مما رزقهم الله وهم يعترفون بوجوده ويعرفون أنه عليم بجميع أحوالهم وأعمالهم.
стр. 3872
(٤) وتقريرا بأن الله لا يظلم أحدا ولا يبخس حق أحد وعمله ولو كان مثقال ذرة واحدة. وإذا كان هذا العمل خيرا ضاعفه وآتاه عليه أجرا عظيما.
(٥) وسؤالا موجها للنبي ﷺ فيه تنديد وإنذار لهم عما يكون حالهم حينما يجمع الله الناس ويأتي بشهيد من كل أمة عليها ويأتي به شهيدا عليهم.
(٦) وجوابا عما يكون حال الذين كفروا وعصوا الرسول حيث يتولاهم الندم والحسرة ويتمنون لو انشقت الأرض وبلعتهم حتى لا يقفوا أمام الله هذا الموقف العصيب، أو حتى لا يضطروا إلى كتمان حقيقة ما كانوا عليه في الدنيا وإنكار شركهم بسبيل الدفاع عن أنفسهم.
ولم نطلع على مناسبة في نزول الآيات. ويتبادر لنا أنها غير منقطعة عن الآيات السابقة ولو من قبيل الصلة التعقيبية أو الاستطرادية. فالآيات السابقة احتوت بيان الحقوق والواجبات بين الأزواج والرجال والنساء فاقتضت حكمة التنزيل بوحي هذه الآيات تعقيبا أو استطرادا لتنبيه المسلمين على ما يجب عليهم من حسن المعاملة والبرّ نحو جميع الطبقات عامة من آباء وأقارب وأباعد وجيران وأصحاب وغرباء ومساكين وأيتام وأرقاء، وللتشنيع على من يقصر في ذلك ويتعاظم ويختال على الناس اغترارا بماله وجاهه ومركزه ليتم الاتساق بين التلقينات القرآنية الخاصة بالأسرة وبغير الأسرة معا.
وأسلوب الآيات قوي نافذ وبعض ما احتوته من أوامر ونواه ورد في سور مكية ومدنية سبق تفسيرها. غير أنها جاءت هنا مجموعة بحيث يصح وصفها بأنها من جوامع الآيات في بابها. وقد انطوت على تلقينات جليلة فياضة بواجب الإحسان والبر بالناس على اختلاف طبقاتهم وجعلت للطبقات الضعيفة والمحتاجة خاصة نصيبا واضحا في ذلك وبتقبيح إهمال هذا الواجب والتقصير فيه والتكبر على الناس وأذيتهم وحرمان المحتاجين والتحريض على ذلك وإنكار فضل الله ورزقه بسبيل ذلك وبكون القيام بهذا الواجب لا يؤدي على وجهه الصحيح إلّا بالإخلاص فيه والصدور فيه عن إيمان بالله واليوم الآخر وعن رغبة صادقة في أدائه
стр. 3873
كواجب أوجبه الله عليه ابتغاء مرضاته مجردا عن مراءاة الناس وقصد اكتساب ثنائهم أو نيل جزائهم وكل هذا متسق مع وصايا القرآن على ما شرحناه في مناسبات عديدة سابقة.
ولقد أثرت عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في صدد ما احتوته هذه الآيات فيها الأمر وفيها النهي. ومنها ما ورد في الكتب الخمسة ومنها ما أخرجه الإمام أحمد أو روي من طرق أخرى. منها في صدد حق الجار عن عائشة أن النبي ﷺ قال «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» «١» . وعنها «قالت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال إلى أقربهما منك بابا» «٢» .
وحديث آخر جاء فيه «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» «٣» . وحديث رابع أخرجه الإمام أحمد جاء فيه «لا يشبع الرجل دون جاره» «٤» . وحديث خامس جاء فيه «لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بحليلة جاره، ولأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره» «٥» . وحديث سادس جاء فيه «الجيران ثلاثة: جار له حقّ واحد وجار له حقان وجار له ثلاثة حقوق. فالأول جار مشرك فله حقّ الجوار، والثاني جار مسلم فله حقّ الإسلام والجوار والثالث جار مسلم ذو رحم فله حق الجوار والإسلام والرحم» «٦» . وحديث سابع جاء فيه «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره» «٧» . ومنها في صدد حق الجار والصاحب معا حديث جاء فيه «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره» «٨» . ومنها في صدد الأقارب وذوي الرحم حديث
стр. 3874
عن أبي هريرة جاء فيه «من سرّه أن يبسط الله في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه» «١» وحديث عنه أيضا «إنّ رجلا قال يا رسول الله إنّ لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إليّ وأحلم عنهم ويجهلون عليّ فقال لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملّ ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» «٢» . ومنها في حق الخدم والمماليك حديث رواه عبادة بن الصامت جاء فيه «سمع رسول الله يقول أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون» «٣» . وثان عن أبي مسعود قال «كنت أضرب غلاما لي فسمعت صوتا من خلفي يقول: اعلم أبا مسعود- مرتين- أن الله أقدر عليك منك عليه فالتفتّ فإذا هو النبي فقلت يا رسول الله هو حرّ لوجه الله قال أما لو لم تفعل للفحتك النار» «٤» . وثالث عن أبي هريرة عن النبي قال «من قذف مملوكه وهو بريء مما قال جلد له يوم القيامة حدا» «٥» . ورابع عن ابن عمر جاء فيه «جاء رجل إلى النبي فقال يا رسول الله كم نعفو عن الخادم فصمت فأعاد الكلام فصمت فلما كان في الثالثة قال في كل يوم سبعين مرة» «٦» . وخامس عن أبي ذرّ جاء فيه «قال رسول الله من لاءمكم من مملوككم فأطعموه مما تأكلون واكسوه مما تكتسون ومن لم يلائمكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله» «٧» وسادس عن رافع جاء فيه «أن النبي قال حسن الملكة يمن وسوء الخلق شؤم» «٨» . وسابع عن جابر جاء فيه «ثلاث من كنّ فيه ستر الله عليه كنفه وأدخله الجنة: رفق بالضعيف وشفقة على الوالدين وإحسان إلى المملوك» «٩»
стр. 3875
وثامن عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله «كفى المرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم» «١» . وتاسع عن أبي ذرّ جاء فيه «خولكم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم وإن كلفتموهم فأعينوهم» «٢» . وعاشر أن النبي ﷺ كان يوصي أمته في مرض الموت فيقول «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، ويردّد ذلك حتى ما يفيض بها لسانه» «٣» . وحادي عشر عن أبي هريرة قال قال رسول الله «للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلّف من العمل إلّا ما يطيق» «٤» . ومنها في صدد الخيلاء حديث رواه مسلم والترمذي جاء فيه «لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء» «٥» . وحديث ثان رواه الترمذي جاء فيه «لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين» «٦» . وحديث ثالث رواه الترمذي جاء فيه «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذلّ من كل مكان» «٧» . وفي صدد البخل والشحّ حديث عن أبي بكر رواه الترمذي جاء فيه «لا يدخل الجنة خبّ ولا منّان ولا بخيل» «٨» وحديث عن أبي سعيد رواه الترمذي كذلك جاء فيه «خصلتان لا تجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق» «٩» . وفي صدد الإنفاق مرآة للناس روى مسلم والترمذي والنسائي حديثا عن أبي هريرة «في من يقضى عليهم أول ما يقضى يوم القيامة رجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه
стр. 3876
فعرفها قال ما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحبّ أن ينفق فيها المال إلّا أنفقت فيها لك. قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار» «١» وروى البغوي بطرقه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال الرياء» «٢» .
ونختم هذه السلسلة بحديث جامع لما يجب على المسلم تجاه أخيه رواه الأربعة عن أبي هريرة جاء فيه «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم.
لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره ويكررها ثلاث مرات. بحسب امرئ من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم. كلّ المسلم على المسلم حرام. دمه وماله وعرضه» «٣» .
وهكذا تتسق التلقينات النبوية بهذه السعة مع التلقينات القرآنية في هذا الموضوع المهم في صلات الناس ومعاملاتهم وسلوكهم مع بعضهم على اختلاف فئاتهم وبقطع النظر عن أي اعتبار طبقي أو مالي بل أو ديني كما هو الشأن في كل موضوع آخر.
هذا، ولقد روي عن عبد الله قال «قال لي النبي ﷺ : اقرأ عليّ. قلت أقرأ
стр. 3877
عليك وعليك نزل. قال فإني أحبّ أن أسمعه من غيري. فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [٤] قال: أمسك. فإذا عيناه تذرفان» «١» حيث ينطوي في الحديث صورة رائعة لعمق شعور النبي ﷺ بخطورة مهمته العظمى ومسؤوليتها.
وقد يكون في هذا قرينة على أن سورة النساء كانت قد ألفت في حياة النبي ﷺ وعرفت شخصيتها التامة. وهذا مؤيد فيما نرى بآية إرث الكلالة التي في آخر السورة أيضا على ما سوف ننبه عليه في مناسبتها.
هذا، وللمفسر التستري تفسير لبعض عبارات الآية الأولى في السلسلة ينحو به نحو التفسير الرمزي أو الصوفي ويبتعد به عن معنى العبارة الصريح وهدفها الذي لا يتحمل مثل هذا التفسير قطعا وهو «الجار ذو القربى هو القلب والجار الجنب هو الطبيعة والصاحب بالجنب هو العقل المقتدي بالشريعة وابن السبيل هو الجوارح المطيعة» «٢» .
[سورة النساء (٤) : آية ٤٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣)
. (١) الغائط: المحل المنخفض ولعلّه أريد بالكلمة «الحفرة» أو «الجورة» العميقة في الأرض التي كانوا يقضون حاجاتهم فيها. وقد ذكرت بعض الروايات أن الناس كانوا يذهبون إلى البراري ويقضون حاجاتهم في منخفضاتها. وهناك روايات تذكر أنه كان في جانب المساكن أماكن تسمى كنفا «مفردها كنيف» لقضاء
стр. 3878
الحاجة وهو ما نسميه بيت الماء أو بيت الخلاء. وهذا أو ذاك بمثابته هو المعقول لأن خروج الناس إلى البراري لقضاء الحاجة من أهل المدن غير معقول. ولا بد من أن يكون لهم أماكن لذلك «حفرا أو جورا» قريبة من المساكن.
(٢) تيمموا: معناها اللغوي اتجهوا نحو الشيء أو تحروا أو اختاروا. وكلمة «التيمم» التي هي اصطلاح إسلامي والتي صارت تطلق على عملية المسح من الصعيد الطاهر بدلا من الماء مشتقة منها.
(٣) صعيدا: قيل إنه بمعنى الأرض الملساء أو بمعنى الأرض المستوية أو الأرض المرتفعة. وقيل إنها بمعنى وجه الأرض مطلقا ترابا كان أم حجرا أو صخرا.
(٤) طيبا: طاهرا.
الخطاب في الآية موجّه إلى المسلمين وقد تضمنت:
(١) نهيا عن الصلاة وهم في حالة السكر حتى يعلموا ما يقولون لأن السكران لا يدري ما يقول أو يفعل.
(٢) ونهيا آخر عن الصلاة وهم على جنابة حتى يغتسلوا مع الترخيص لعابري السبيل «١» .
(٣) وترخيصا لهم إذا كانوا مرضى.
تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ... وما فيها من أحكام التيمم والجنابة والوضوء والاغتسال
أولا: روى المفسرون «٢» روايات عديدة متقاربة المدى مختلفة الصيغ في سبب نزول الشطر الأول من هذه الآية. وقد روى أبو داود والترمذي عن علي
стр. 3879
صيغة نكتفي بإيرادها لأنها الأوثق سندا جاء فيها «صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منّا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون فأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ «١» وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ» «٢» وروى المفسرون روايات عديدة متقاربة المدى مختلفة الصيغ في سبب نزول الشطر الثاني من الآية. من ذلك حديث رواه البخاري عن عائشة قالت «هلكت قلادة لأسماء فبعث النبي ﷺ في طلبها رجالا فحضرت الصلاة وليسوا على وضوء ولم يجدوا ماء فصلّوا على غير وضوء. فأنزل الله آية التيمم» «٣» . ومن ذلك رواية يرويها الطبري تذكر أنه نال أصحاب رسول الله جراحة ففشت فيهم ثم ابتلوا بالجنابة فشكوا إلى رسول الله فنزلت وإن كنتم مرضى. ورواية أخرى يرويها الطبري أيضا أنه كان للنبي خادم اسمه الأسلع فناداه ليلة يا أسلع قم فارحل لي فقال له يا رسول الله أصابتني جنابة فأتاه جبريل بآية الصعيد فناداه أن قم فتيمم ووصف له ضربتين للتيمم واحدة للوجه وواحدة لليدين إلى المرفقين ثم مروا على ماء فأمره أن يغتسل. وهذه الرواية تفيد أن النبي ﷺ كان في سفر أيضا.
والأحاديث والروايات تفيد أن الآية نزلت مجزأة وفي مناسبات متعددة مع أنها وحدة تامة كما تبدو. وفيها نقاط أخرى لم ترد في الروايات والأحاديث مثل ملامسة النساء وعبور المساجد. وهذا يسوغ القول إن الآية نزلت مرة واحدة واحتوت مواضيع عديدة متناسبة.
ولا يمنع هذا بطبيعة الحال أن تكون المناسبات المروية صحيحة فكانت سببا لنزول الآية جامعة لما كان ولما يفرض أن يكون ليكون الموضوع تاما.
ثانيا: والآية بعد فصل جديد وتام. وهذا النوع من الآيات التشريعية غير نادر
стр. 3880
في النظم القرآني. وقد مرّ منه أمثلة في سورة البقرة. وفي هذه السورة. والتناسب قائم بين الآية والآيات السابقة من ناحية كون الجميع فصولا تشريعية. ومن المحتمل أن تكون نزلت بعد الفصل السابق لها فوضعت بعده للمناسبة الظرفية والموضوعية.
ومن المحتمل أن تكون نزلت في ظرف آخر فوضعت بعده للمناسبة الموضوعية.
ثالثا: إن النهي عن الصلاة في حالة السكر في الآية يأتي كخطوة تشريعية ثانية في الخمر. والخطوة الأولى جاء في آية سورة البقرة [٢١٩] التي ذكرت أن إثم الخمر أكبر من نفعها. وقد عرض القرآن المكي بآثار خمر الدنيا وما تحدثه من أعراض كريهة ضارة أكثر من مرة في سياق وصفه خمر الآخرة وكونها مبرأة من ذلك. وهذه الخطوة الثانية ليست حاسمة أيضا لأنها إنما تنهى عن الصلاة في حالة السكر التي تنجم عن شرب الخمر. وقد نزل التشريع الحاسم الأمر بالانتهاء من شربها والجامع في الإثم بينها وبين الميسر والأنصاب والأزلام بعد مدة ما من هذه الآية في سورة المائدة. وفي هذا مشهد من مشاهد التطور التشريعي، ودليل على تأصل تعاطي الخمر وشيوعه والانتفاع به اقتصاديا حتى اقتضت حكمة التنزيل هذا التدرج.
رابعا: إن الأمر بالاغتسال من الجنابة يأتي هنا لأول مرة. وقد تكرر مرة ثانية في سورة المائدة في صيغة وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا [٦] وهذه وتلك من الآيات المدنية. وليس هناك حديث يمكن وصفه بأنه مكي الصدور عن النبي يوجب الاغتسال من الجنابة. غير أن المفسر القاسمي ينقل عن ابن عبد البرّ قوله إن أهل السير متفقون على أن الغسل من الجنابة قد فرض في مكة وإن هذا مما لا يجهله عالم. وهناك حديث يرويه أبو داود والترمذي عن أبي بن كعب جاء فيه «إن الفتيا التي يفتون بها إنما الماء من الماء كانت رخصة رخصها النبي ﷺ في بدء الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد» . وجملة إنما الماء من الماء تفيد أن نزول المني هو الذي يكون به الجنابة ويوجب الاغتسال. والحديث يفيد أن هذا تشريع نبوي مكي. ولعل العلماء الذين يحكي ابن عبد البر اتفاقهم استندوا إلى هذا الحديث.
وشراح الحديث يذكرون أن الحديث يعني أن النبي أوجب في بدء الإسلام
стр. 3881
الاغتسال إذا ما حدث إنزال في جماع ثم أوجبه في حالة الجماع مطلقا ولو بدون إنزال. وليس هناك ما يمكن الاستناد إليه فيما اطلعنا عليه في ما إذا كان أمر النبي بالاغتسال من الجماع ولو لم يكن إنزال مكيا. وهناك حديث في ذلك رواه مسلم عن عائشة قالت «إن رجلا سأل النبي ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل هل عليهما الغسل وعائشة جالسة فقال رسول الله إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل» «١» . وهذا الحديث مدني يقينا. وصار الاغتسال من الجماع بدون إنزال على كل حال تشريعا.
على أن قول الشراح إن معنى إنما الماء من الماء هو إيجاب الغسل إذا نزل مني في الجماع محل نظر في ما نرى. ونرى الأوجه والله أعلم أن يؤخذ الكلام على ظاهره فيكون نزول المني في غير حالة الجماع أيضا موجبا للاغتسال. وإذا صحّ هذا فيكون هذا أيضا تشريعا مكيا تبعا لأصل الحديث الذي يذكر أن الفتيا بأن الماء من الماء كان في بدء الإسلام.
وننبه على أن هناك أحاديث صريحة باعتبار نزول الماء في الاحتلام حالة جنابة وبإيجاب الاغتسال من ذلك حديث رواه البخاري ومسلم جاء فيه «إنّ أم سليم جاءت إلى النبي ﷺ فقالت يا رسول الله إنّ الله لا يستحي من الحقّ. فهل على المرأة غسل إذا احتلمت قال نعم إذا رأت الماء» «٢» وحديث رواه أبو داود والترمذي عن عائشة قالت «سئل النبي ﷺ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما قال يغتسل وعن الرجل أنه حلم ولا يجد ماء قال لا غسل عليه. فقالت أم سليم المرأة ترى ذلك أعليها غسل قال نعم. إنما النساء شقائق الرجال» «٣» والأحاديث مدنية الصدور. ولكنها لا تفيد أن التشريع النبوي جديد لأمر لم يكن ويجوز أن يكون استمرارا للجاري منذ بدء الإسلام الذي أساسه «إنما الماء من الماء» . ولم نطلع على حديث نبوي في صدد الإنزال في اليقظة نتيجة للتهيج الجنسي. ويقاس
стр. 3882
هذا على نزول الماء في الاحتلام بل يكون الأوجب للاغتسال. والله تعالى أعلم.
وهناك أحاديث نبوية توجب الغسل ولو لم يكن إنزال إذا التقى الختانان. من ذلك حديث رواه الخمسة إلّا الترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها وجب الغسل وفي رواية وإن لم ينزل وفي رواية ومسّ الختان بالختان» «١» . وحديث رواه الترمذي عن عائشة قالت «إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا» «٢» فصار هذا بدوره تشريعا وفي حكم الجنابة. والأحاديث مدنية الصدور ولا يمكن الجزم بما إذا كان الأمر استمرارا لما كان جاريا في العهد المكي.
وهناك أحاديث عن المذي الذي يخرج من ذكر الرجل حين يدنو من أهله.
وهو غير المني الذي ينقذف في الجماع أو الاحتلام أو اشتداد الشهوة تسوغ المناسبة إيرادها. منها حديث يرويه الإمام مالك عن المقداد بن الأسود قال «سئل رسول الله عنه فقال إذا وجد ذلك أحدكم فلينضح فرجه وليتوضأ وضوءه للصلاة» «٣» وحديث آخر يرويه نفس الإمام عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال «إني لأجده ينحدر مني مثل الحريرة فإذا وجد ذلك أحدكم فليغسل ذكره وليتوضأ وضوءه للصلاة يعني المذي» «٤» .
ولقد تكفلت السنّة النبوية في بيان كيفية الاغتسال من الجنابة. من ذلك حديث رواه الخمسة عن ميمونة قالت «وضعت للنبي ﷺ ماء للغسل فغسل يديه مرتين أو ثلاثا ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره ثم مسح يده بالأرض ثم مضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه ثم أفاض على جسده ثم تحول عن مكانه فغسل قدميه وفي رواية ثم غسل رأسه ثلاثا وفي رواية فأتيته بخرقة فلم يردها فجعل
стр. 3883
ينفض الماء بيده» «١» وحديث رواه الخمسة عن عائشة قالت «كان رسول الله إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات ثم أفاض على سائر جسده ثم غسل رجليه» «٢» وحديث رواه الخمسة عن أم سلمة إلّا البخاري قالت «قلت يا رسول الله إني امرأة أشدّ ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة. قال لا. إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين» «٣» .
وهناك أحاديث مهمة في صدد السلوك في حالة الجنابة من المفيد إيرادها.
منها حديث رواه الخمسة عن أبي هريرة قال «لقيني رسول الله ﷺ مرة في طريق من طرق المدينة وأنا جنب فاختنست وفي رواية فانسللت فذهبت فاغتسلت ثم جئت فقال أين كنت يا أبا هريرة قلت إني كنت جنبا فكرهت أن أجالسك على غير طهارة قال سبحان الله إن المسلم لا ينجس» «٤» وحديث رواه الخمسة أيضا عن عائشة قالت «كان النبي ﷺ إذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة» «٥» وحديث رواه الخمسة لذلك عن أنس «أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وله يومئذ تسع نسوة وفي رواية كان يطوف على نسائه بغسل واحد» «٦» وروى أصحاب السنن عن عليّ قال «كان النبي ﷺ يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنبا» «٧» . والحديث الثاني يسوغ قراءة القرآن للمسلم إذا لم يكن على وضوء.
والقراءة غيبا غير الإمساك بالمصحف الذي يشترط الجمهور على أن يكون الممسك على وضوء. ويرد على البال سؤال عما إذا كان يجوز للجنب قراءة القرآن
стр. 3884
في نفسه والقراءة هي تلاوة بالألفاظ جهرا أو تخافتا. وقراءة النفس ليست كذلك.
ولم نطلع على أثر في منع هذا. والله تعالى أعلم.
خامسا: لقد تعددت الأقوال التي يرويها المفسرون في تأويل إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ منها أنها لتجويز الصلاة للجنب في حالة السفر وعدم وجود ماء. ومنها أنها لتجويز دخول المسجد للجنب إذا كان طريقه منه. وقد رووا في صدد المعنى الثاني أنه كان لبعض أصحاب رسول الله منازل أبوابها شارعة على مسجد رسول الله فكانوا يضطرون إلى العبور منها فرخص لهم ذلك إذا كانوا في حالة الجنب.
وهناك أحاديث عديدة منها ما ورد في الكتب الخمسة ومنها ما رواه أئمة حديث آخرون تذكر أنه كان لبيتي أبي بكر وعلي ﵄ أبواب على المسجد «١» .
ومن الثابت اليقيني أن بيوت النبي ﷺ كانت في جانب من ساحة المسجد. وليس لأهلها طريق إلّا المسجد وليس لمن يقصدها طريق إلّا المسجد. ولقد كان المسجد في الوقت نفسه مكان جلوس النبي ﷺ للناس والوفود الذين يقصدونه لغير الصلاة وفي غير أوقات الصلاة. فكانت الرخصة لعبورهم المسجد في حالة الجنابة بما تقتضيه ظروف السيرة النبوية فكان ذلك من حكمة تنزيلها ويمكن أن يكون هذا محل قياس في الحالات المشابهة لطبيعة الحال. والله تعالى أعلم.
ومن الأمور الممارسة في معظم المساجد منذ زمن قديم وجود غرف ومخادع فيها للأئمة والخطباء والمدرسين والسدنة. ودخولها والخروج منها من أرض المسجد. وقد ينامون ويحتلمون فيها. بل كثيرا ما يحدث أن ينام بعضهم في صحن المسجد في فترات الصلوات وقد يحتلمون. وحكمة الرخصة القرآنية والحالة هذه مستمرة.
سادسا: قد يلحظ أن الوضوء لم يذكر هنا. ولم يذكر فيما سبق من القرآن وإنما ذكر في آية في سورة المائدة المتأخرة في النزول. مع أن المتواتر المؤيد
стр. 3885
بالأحاديث أن النبي ﷺ والمسلمين كانوا يتوضؤون للصلاة منذ بدء الإسلام في مكة. وفي الآية نواقض للوضوء وإيجاب التيمم في حالة حدوثها وهي التبرز والتبول اللذان عبر عنهما بجملة أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ وهذا يعني أن الوضوء للصلاة كان أمرا جاريا ممارسا فاقتضت الحكمة ذكر بديله إذا تعذر الماء أو تعذر استعماله. أما الأمر به في سورة المائدة فهو على ما يتبادر للتذكر والتوكيد على ما سوف نشرحه في مناسبتها.
سابعا: في جملة ما جعلته الآية سببا للتيمم إذا فقد الماء لامَسْتُمُ النِّساءَ.
وقد اختلفت أقوال المؤولين في مدى الجملة. فمنهم من أوّلها بمعنى مسّ الرجل لبشرة المرأة أو تقبيلها وعلى مذهب هؤلاء فإن هذا العمل يكون ناقضا للوضوء أيضا بنص قرآني. ومن هؤلاء من قال النقض بالمسّ أو القبلة بشهوة. ومنهم من قيّد بالمرأة الأجنبية دون المحارم. وقد أوّلها آخرون بمعنى الجماع. وليس هناك فيما اطلعنا عليه حديث نبويّ صحيح في ذلك.
والملامسة قد ذكرت في آية أخرى في سورة المائدة في نفس الصيغة والمقام اللذين ذكرت فيهما الملامسة في آية النساء التي نحن في صددها. ولقد ورد في القرآن الكريم آيات عديدة غير الجماع فيها بكلمة «المس» لا «الملامسة» من ذلك آية سورة البقرة هذه لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) . ومنها آية سورة الأحزاب هذه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (٤٩) وفي آية سورة آل عمران هذه الآية: قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [٤٧] ، ومنها آية [٢٠] في سورة مريم قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا وفي سورة المجادلة هذه الآية وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [٣] .
стр. 3886
والمتبادر أن هذه الآيات هي التي جعلت الذي يقول إن الجماع هو المس وإن الملامسة هي ملامسة بدنية تنقض الوضوء فقط.
وهكذا قام بين مذاهب الفقه لأهل السنة والجماعة مذهبان في هذا الأمر لكل منهما اجتهاد سائغ مستند إلى قرآن وحديث. واحد يقول إن الملامسة في الآية هي ملامسة بدنية وهي تنقض الوضوء، وواحد يقول إن الملامسة في الآية هي بمعنى الجماع وإن الملامسة البدنية لا تنقض الوضوء ونحن نحترم الرأيين ولا نرى حرجا على المسلم أن يعمل بأحدهما والله تعالى أعلم.
هذا، وفي كتب التفسير أحاديث وروايات أخرى في صدد التيمم من ذلك حديث رواه البخاري ومسلم عن عمران بن الحصين «أن رسول الله ﷺ رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم فقال يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم فقال يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء فقال عليك بالصعيد فإنه يكفيك» .
وعلى ترجيحنا استنادا إلى النصوص القرآنية بأن الملامسة لا تعني الجماع فتكون الجملة القرآنية خالية من حكم التيمم بالنسبة لمن يصيبهم جنابة ولا يجدون ماء فكان هذا الحديث مبيّنا لهذا الحكم الذي سكت عنه القرآن.
وهناك أحاديث نبوية عديدة تذكر نواقض أخرى للوضوء غير التبرز والتبول المكنى عنهما في الآية في جملة أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ.
وغير الملامسة المذكورة في الآية على رأي من أوّلها بمس بشرة المرأة مطلقا. من ذلك خروج المذي من ذكر الرجل الذي ذكر في أحاديث سابقة. ويقاس عليها خروج نزيف دموي من أحد السبيلين ومن ذلك الفساء والضراط والنوم في حالة الإضجاع والقيء ورعاف الدم ومسّ الفرج وأكل لحوم الإبل وما غير شيه على النار مع اختلافات فقهية في بعض ذلك بسبب اختلاف الأحاديث وتضاربها «١» .
стр. 3887
وحكمة الوضوء والاغتسال لا تحتاج إلى شرح طويل. ففي غسل الأطراف المكشوفة أكثر من مرة كل يوم نظافة مستمرة ذات فوائد عظمى صحية ومظهرية.
والمباشرة الجنسية وما بسبيلها تثير هياجا يذهل المرء بعض اللحظات عن كل شيء والاغتسال يهدىء هياج الجسم ويعيد إلى النفس سكونها. وهو وسيلة إلى تطهير الجسم جميعه وتنظيفه من آن لآخر مما فيه كذلك فوائد صحية ومظهرية عظمى.
ولعل جعلهما واجبا دينيا ينطوي فيه إلزام المسلمين به دون أي إهمال وتقصير. بل هذا ما تلهمه جملة ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ في الآية [٦] من سورة المائدة التي أمر فيها بالوضوء. ويضاف إلى هذا ما في الوضوء والاغتسال من مظهر الاحتفال بالصلاة والوقوف بين يدي الله في حالة تامة من النظافة والطهارة متوافقة مع ما تنطوي عليه الصلاة من مظهر إيمان المسلم بربّه وإسلام نفسه إليه.
ثامنا: وقد يوهم نظم الآية أن جملة فَلَمْ تَجِدُوا ماءً شاملة لجمله وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى غير أن الجمهور متفقون على أن المرض يجيز للمريض التيمم في حالتي الحدثين الأصغر والأكبر مع وجود الماء. وهذا وجيه سديد مستفاد من حكمة التشريع الذي تضمنته الآية. وفي بعض الأحاديث التي سوف نوردها بعد قليل صراحة بذلك.
تاسعا: ليس هناك أثر نبوي وصحابي وثيق بل ولا غير وثيق يفيد أن التيمم كان في العهد المكي حيث يمكن القول إنه تشريع قرآني مدني اقتضته ظروف المسلمين المستجدة.
والمتبادر أن الحكمة من هذه العملية هي تعظيم شأن الصلاة ومواضع الصلاة وأوقات الصلاة فواجب الصلاة على المسلم مكرر في اليوم الواحد خمس مرات.
وهي ركن من أركان الإسلام يجب أداؤه في أوقاته. فإذا تعذر الماء الذي يتطهر به المسلم ويستعد للوقوف أمام ربّه متعبّدا خاشعا فبالمسح يظهر نيته للتطهر
стр. 3888
واحتفاله بالصلاة وأدائها في أوقاتها إظهارا رمزيا فلا تفوته عبادة الله في الأوقات المعينة لها.
والمتبادر أن جملة وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى ليست من مشمول جملة فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فهذه الجملة هي والله أعلم بالنسبة لمن لم يجد ماء فعلا في حين أن في الجملة الأولى ترخيصا بالتيمم للمريض مع وجود الماء إذا تيقن أن استعمال الماء في الاغتسال من الجنابة أو لأجل الوضوء يسبب ضررا أو خطرا على حياته وصحته.
عاشرا: إن جمهور المفسرين والمؤولين والفقهاء على وجوب البحث عن الماء. وعدم جواز التيمم إلّا بعد اليأس من وجوده وهذا وجيه.
أما كيفية التيمم فهناك أحاديث عديدة فيها منها ما ورد في الصحاح. ومن ذلك حديث رواه الخمسة جاء فيه «جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال إني أجنبت فلم أصب الماء فقال عمار بن ياسر لعمر أما تذكر إذ كنا في سفر أنا وأنت فأما أنت فلم تصلّ وأما أنا فتمكنت وصلّيت فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: إنما كان يكفيك هكذا فضرب بكفّيه على الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه» «١» وحديث رواه الخمسة والشافعي عن أبي الجهم قال «أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلّم عليه فلم يردّ عليه النبي حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم ردّ ﵇. ولفظ الشافعي فمسح وجهه وذراعيه» «٢» . ولأبي داود عن ابن عمر «فضرب يديه على الحائط ومسح بهما وجهه ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه ثم ردّ على الرجل السلام وقال لم يمنعني أن أردّ عليك السلام إلّا أني لم أكن على طهر» «٣» .
أما مدة التيمم فلم نطلع على حديث صحيح فيها عن النبي ﷺ . وقد روى
стр. 3889
الطبري عن علي وابن عمر والشعبي والنخعي أن التيمم يجب لكل صلاة وعن عطاء والحسن أنه كالوضوء يصلى به أكثر من صلاة ما دامت أسبابه قائمة. وقد صوب الطبري القول الأول وعلل تصويبه بأن الأصل القرآني هو الوضوء أو التيمم حين القيام للصلاة، والسنّة أجازت أكثر من صلاة بوضوء واحد ولم يرد ذلك بالنسبة للتيمم. ونرى في هذا وجاهة أكثر.
وننبه على أن المستفاد من أقوال المؤولين والمفسرين والفقهاء على أن هناك اتفاقا على جواز الصلاة النافلة بين وقتي صلاتين مكتوبتين متواليتين بتيمم واحد.
وهناك مسألة، وهي وجوب قضاء الصلاة بالتيمم وعدمه عند وجود الماء.
وقد روى البخاري ومالك والشافعي عن ابن عمر أنه أقبل من الجرف حتى إذا كان بالمربد تيمم وصلى العصر ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصلاة «١» وروى أبو داود والنسائي عن أبي سعيد قال «خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمّما وصلّيا. ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة بالوضوء ولم يعد الآخر ثم أتيا رسول الله فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد أصبت وأجزأتك صلاتك وقال للذي توضأ وأعاد لك الأجر مرتين» «٢» . وهذا يعني أن المسلم بالخيار إن شاء أعاد الصلاة التي يصليها بالتيمم حين وجود الماء وإن شاء لم يعد وإن كانت الإعادة أكثر أجرا. وننبه على كلمة «وجدا الماء في الوقت» حيث يمكن أن يعني هذا أنه إذا وجد الماء بعد فوات وقت الصلاة فلا يكون محل للخيار حيث يكون قد صلى المسلم المكتوبة عليه بالتيمم في وقتها وبذلك أتم واجبه والله أعلم.
والمستفاد مما يسوقه المفسرون من أقوال لهم وللمؤولين والفقهاء في صدد المرض الذي يبيح التيمم أنه الجروح والقروح التي يؤذيها الماء ولا يمكن عصبها
стр. 3890
والمسح على العصابة، ثم المريض الواهن والشيخ الواهن اللذين يؤذيهما الماء.
وعلى كل حال إن المسألة دينية إيمانية موكولة للمؤمن المفروض أنه لا يبحث عن فتوى بدون مبرر ليخلص نفسه من مؤونة استعمال الماء للوضوء والاغتسال. والذي لا يفعل ذلك إذا اعتقد هو أو قال له الخبراء إن استعمال الماء يؤذيه أو يزيد مرضه حقا والله تعالى أعلم. وهناك حديثان فيهما ما يصح الاستئناس بهما على ذلك يروي أحدهما البخاري وأبو داود عن عمرو بن العاص قال «احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت أن اغتسل فأهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح. فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت إني سمعت الله يقول وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً فضحك رسول الله ولم يقل شيئا» «١» ويروي ثانيهما أبو داود عن جابر قال «خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجّه في رأسه. ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم قالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبرته بذلك فقال قتلوه قتلهم الله. ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العيّ السؤال. إنما كان يكفيه أن يتيمم أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده» «٢» ولقد روى الخازن عن أبي حنيفة أن من مذهبه جواز التيمم إذا تعذر الماء الموجود بسبب قوة قاهرة حيث يكون ذلك بمثابة عدم وجوده بحيث لو كان هناك بئر ليس عنده أداة لاستخراج الماء بها أو كان عنده خطر بوجود عدو أو سبع جاز للمسلم أن يتيمم. ووجاهة القول ظاهرة فيما نرى والله أعلم.
وهناك احتمال لم نطلع على قول أو أثر فيه وهو أن يكون مع المسافر ماء قليل لا يكفي لشربه ووضوئه واغتساله ولا يجد ماء في طريق سفره. ويتبادر لنا أن هذا يكون في حكم انفقاد الماء للوضوء والاغتسال ويبرر التيمم والله تعالى أعلم.