بالخلف. وقال أبو عبد الرّحمن السلمي والضحاك ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى﴾ أي بلا إله إلا الله وفي رواية عن عكرمة ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى﴾ أي بما أنعم الله عليه، وفي رواية عن زيد بن أسلم ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى﴾ قال: الصلاة والزكاة والصوم وقال مرة وصدقة الفطر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا زهير بن محمد، حدثني من سمع أبا العالية الرياحي يحدث عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله ﷺ عن الحسنى قال: «الحسنى: الجنة».
وقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ قال ابن عباس: يعني للخير، وقال زيد بن أسلم: يعني للجنة، وقال بعض السلف: من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَمّا مَنْ بَخِلَ﴾ أي بما عنده ﴿وَاسْتَغْنى﴾ قال عكرمة عن ابن عباس: أي بخل بماله واستغنى عن ربه . رواه ابن أبي حاتم ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى﴾ أي بالجزاء في الدار الآخرة ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ أي لطريق الشر كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] والآيات في هذا المعنى كثيرة دالة على أن الله يجازي من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان، وكل ذلك بقدر مقدر والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة.
[رواية أبي بكر الصديق ﵁] قال الإمام أحمد (١): حدثنا علي بن عياش، حدثني العطاف بن خالد، حدثني رجل من أهل البصرة عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي بكر الصديق عن أبيه قال: سمعت أبي يذكر أن أباه سمع أبا بكر وهو يقول: قلت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله أنعمل على ما فرغ منه أو على أمر مؤتنف؟ قال «بل على أمر قد فرغ منه» قال: ففيم العمل يا رسول الله؟ قال: «كل ميسر لما خلق له».
[رواية علي ﵁] قال البخاري (٢): حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرّحمن السلمي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بقيع الغرقد في جنازة فقال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار» فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» قال: ثم قرأ ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ إلى قوله ﴿لِلْعُسْرى﴾.
وكذا رواه من طريق شعبة ووكيع عن الأعمش بنحوه. ثم رواه عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن منصور عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرّحمن عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتى رسول الله ﷺ ، فقعد وقعدنا حوله ومعه
стр. 3852
مخصرة (١) فنكس، فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: «ما منكم من أحد-أو ما من نفس منفوسة (٢) -إلا كتب مكانها من الجنة والنار وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة» فقال رجل:
يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى أهل الشقاء؟ فقال: «أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فيسيرون إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ (٣) وقد أخرجه بقية الجماعة من طرق عن سعيد بن عبيدة به.
[رواية عبد الله بن عمر] قال الإمام أحمد (٤): حدثنا عبد الرّحمن، حدثنا شعبة عن عاصم بن عبيد الله قال سمعت سالم بن عبد الله يحدث عن ابن عمر قال: قال عمر:
يا رسول الله أرأيت ما نعمل فيه أفي أمر قد فرغ أو مبتدأ أو مبتدع؟ قال: «فيما قد فرغ منه، فاعمل يا ابن الخطاب، فإن كلا ميسر، أما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة وأما من كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء (٥)، ورواه الترمذي في القدر عن بندار عن ابن مهدي به، وقال: حسن صحيح.
[حديث آخر من رواية جابر] قال ابن جرير (٦): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أنه قال: يا رسول الله أنعمل لأمر قد فرغ منه أو لأمر نستأنفه؟ فقال: «لأمر قد فرغ منه» فقال سراقة: ففيم العمل إذا؟ فقال رسول الله ﷺ : كل عامل ميسر لعمله» ورواه مسلم (٧) عن أبي الطاهر عن ابن وهب به.
[حديث آخر] قال ابن جرير (٨): حدثني يونس، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طلق بن حبيب عن بشير بن كعب العدوي قال: سأل غلامان شابان النبي ﷺ فقالا:
يا رسول الله أنعمل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أو في شيء يستأنف؟ فقال: «بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير» قالا: ففيم العمل إذا؟ قال: «اعملوا فكل عامل ميسر
стр. 3853
لعمله الذي خلق له» قالا: فالآن نجد ونعمل.
[رواية أبي الدرداء] قال الإمام أحمد (١): حدثنا هشيم بن خارجة، حدثنا أبو الربيع سليمان بن عتبة السلمي عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن أبي إدريس عن أبي الدرداء قال:
قالوا يا رسول الله أرأيت ما نعمل أمر قد فرغ منه أم شيء نستأنفه؟ قال «بل أمر قد فرغ منه» فقالوا: فكيف بالعمل يا رسول الله؟ قال: «كل امرئ مهيأ لما خلق له» تفرد به أحمد من هذا الوجه.
[حديث آخر] قال ابن جرير (٢): حدثني الحسن بن سلمة بن أبي كبشة، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا عباد بن راشد عن قتادة، حدثني خليد العصري عن أبي الدرداء قال:
قال رسول الله ﷺ : «ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين: اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا» وأنزل الله في ذلك القرآن ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن ابن أبي كبشة بإسناده مثله.
[حديث آخر] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثني الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا كان له نخيل، ومنها نخلة فرعها في دار رجل صالح فقير ذي عيال، فإذا جاء الرجل فدخل داره فيأخذ التمرة من نخلته فتسقط التمرة، فيأخذها صبيان الرجل الفقير، فينزل من نخلته فينزع التمرة من أيديهم، وإن أدخل أحدهم التمرة في فمه أدخل إصبعه في حلق الغلام ونزع التمرة من حلقه، فشكا ذلك الرجل إلى النبي ﷺ وأخبره بما هو فيه من صاحب النخلة فقال له النبي ﷺ : «اذهب» ولقي النبي ﷺ صاحب النخلة فقال له: «أعطني نخلتك التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنة» فقال له: لقد أعطيت ولكن يعجبني ثمرها وإن لي لنخلا كثيرا ما فيها نخلة أعجب إلي ثمرة من ثمرها، فذهب النبي ﷺ فتبعه رجل كان يسمع الكلام من رسول الله ﷺ ومن صاحب النخلة فقال الرجل: يا رسول الله إن أنا أخذت النخلة فصارت لي النخلة فأعطيتك إياها أتعطيني ما أعطيته بها نخلة في الجنة؟ قال: «نعم».
ثم إن الرجل لقي صاحب النخلة ولكلاهما نخل، فقال له: أخبرك أن محمدا أعطاني بنخلتي المائلة في دار فلان نخلة في الجنة، فقلت له قد أعطيت ولكن يعجبني ثمرها، فسكت عنه الرجل فقال له: أراك إذا بعتها، قال لا إلا أن أعطى بها شيئا ولا أظنني أعطاه، قال:
وما مناك؟ قال: أربعون نخلة، فقال الرجل: لقد جئت بأمر عظيم، نخلتك تطلب بها أربعين
стр. 3854
نخلة؟ ثم سكتا وأنشآ في كلام آخر، ثم قال: أنا أعطيتك أربعين نخلة، فقال: أشهد لي إن كنت صادقا، فأمر بأناس فدعاهم فقال: اشهدوا إني قد أعطيته من نخلي أربعين نخلة بنخلته التي فرعها في دار فلان بن فلان.
ثم قال: ما تقول؟ فقال صاحب النخلة: قد رضيت، ثم قال بعد ليس بيني وبينك بيع لم نفترق، فقال له: قد أقالك الله ولست بأحمق حين أعطيتك أربعين نخلة بنخلتك المائلة، فقال صاحب النخلة: قد رضيت على أن تعطيني الأربعين على ما أريد، قال: تعطينيها على ساق، ثم مكث ساعة ثم قال: هي لك على ساق، وأوقف له شهودا وعد له أربعين نخلة على ساق، فتفرقا، فذهب الرجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن النخلة المائلة في دار فلان قد صارت لي فهي لك، فذهب رسول الله ﷺ إلى الرجل صاحب الدار فقال له «النخلة لك ولعيالك» قال عكرمة: قال ابن عباس فأنزل الله : ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾ -إلى قوله- ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ إلى آخر السورة، هكذا رواه ابن أبي حاتم وهو حديث غريب جدا.
قال ابن جرير (١): وذكر أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁: حدثنا هارون بن إدريس الأصم، حدثنا عبد الرّحمن بن محمد المحاربي، حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرّحمن بن أبي بكر الصديق ﵁، عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر ﵁ يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني أراك تعتق أناسا ضعفاء فلو أنك تعتق رجالا جلداء يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك، فقال: أي أبت إنما أريد-أظنه قال- ما عند الله، قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية أنزلت فيه ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى﴾ قال مجاهد: أي إذا مات وقال أبو صالح ومالك عن زيد بن أسلم: إذا تردى في النار.
[سورة الليل (٩٢): الآيات ١٢ إلى ٢١]
﴿إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١)﴾
قال قتادة: ﴿إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ أي نبين الحلال والحرام، وقال غيره: من سلك طريق الهدى وصل إلى الله وجعله كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ حكاه ابن جرير، وقوله
стр. 3855
تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى﴾ أي الجميع ملكنا وأنا المتصرف فيهما وقوله تعالى:
﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّى﴾ قال مجاهد: أي توهج.
قال الإمام أحمد (١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن سماك بن حرب، سمعت النعمان بن بشير يخطب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: «أنذرتكم النار» حتى لو أن رجلا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه.
وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثني شعبة، حدثني أبو إسحاق، سمعت النعمان بن بشير يخطب ويقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أهون أهل النار عذابا يوم.
القيامة رجل توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه». رواه البخاري (٣).
وقال مسلم (٤): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة عن الأعمش عن أبي إسحاق عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا وإنه لأهونهم عذابا».
وقوله تعالى: ﴿لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى﴾ أي لا يدخلها دخولا يحيط به من جميع جوانبه إلا الأشقى ثم فسره فقال: ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ أي بقلبه ﴿وَتَوَلّى﴾ أي عن العمل بجوارحه وأركانه.
قال الإمام أحمد (٥): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عبد ربه بن سعيد عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل النار إلا شقي» قيل: ومن الشقي؟ قال: «الذي لا يعمل بطاعة ولا يترك لله معصية».
وقال الإمام أحمد (٦): حدثنا يونس وسريج قالا: حدثنا فليح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى» قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» رواه البخاري (٧) عن محمد بن سنان عن فليح به.
стр. 3856
وقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ أي وسيزحزح عن النار التقي النقي الأتقى ثم فسره بقوله: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ أي يصرف ماله في طاعة ربه ليزكي نفسه وماله وما وهبه الله من دين ودنيا ﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ أي ليس بذله ماله في مكافأة من أسدى إليه معروفا، فهو يعطي في مقابلة ذلك وإنما دفعه ذلك ﴿اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى﴾ أي طمعا في أن يحصل له رؤيته في الدار الآخرة في روضات الجنات قال الله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ أي ولسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات.
وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، حتى أن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها وأولى الأمة بعمومها فإن لفظها لفظ العموم، وهو قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة، فإنه كان صديقا تقيا كريما جوادا بذالا لأمواله في طاعة مولاه ونصرة رسول الله ﷺ ، فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده منة يحتاج إلى أن يكافئه بها، ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل، ولهذا قال له عروة بن مسعود وهو سيد ثقيف يوم صلح الحديبية: أما والله لولا يدلك كانت عندي لم أجزك بها لأجبتك (١).
وكان الصديق قد أغلظ له في المقالة، فإن كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل فكيف بمن عداهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾. وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله دعته خزنة الجنة يا عبد الله هذا خير» فقال أبو بكر: يا رسول الله ما على من يدعى منها ضرورة فهل يدعى منها كلها أحد؟ قال: «نعم وأرجو أن تكون منهم» (٢).
آخر تفسير سورة الليل ولله الحمد والمنة.
تفسير سورة الضحى
وهي مكية
روينا من طريق أبي الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بزة المقرئ قال: قرأت على عكرمة بن سليمان، وأخبرني أنه قرأ على إسماعيل بن قسطنطين وشبل بن عباد، فلما
стр. 3857
بلغت والضحى قالا لي: كبر حتى تختم مع خاتمة كل سورة فإنا قرأنا على ابن كثير فأمرنا بذلك وأخبرنا أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك. وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن عباس فأمره بذلك، وأخبره ابن عباس أنه قرأ على أبي بن كعب فأمره بذلك وأخبره أبي أنه قرأ على رسول الله ﷺ فأمره بذلك، فهذه سنة تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله البزي من ولد القاسم بن أبي بزة، وكان إماما في القراءات، فأما في الحديث فقد ضعفه أبو حاتم الرازي وقال: لا أحدث عنه.
وكذلك أبو جعفر العقيلي قال: هو منكر الحديث، لكن حكى الشيخ شهاب الدين أبو شامة في شرح الشاطبية عن الشافعي أنه سمع رجلا يكبر هذا التكبير في الصلاة فقال له:
أحسنت وأصبت السنة، وهذا يقتضي صحة هذا الحديث، ثم اختلف القراء في موضع هذا التكبير وكيفيته فقال بعضهم: يكبر من آخر ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]، وقال آخرون: من آخر ﴿وَالضُّحى﴾، وكيفية التكبير عند بعضهم أن يقول الله أكبر ويقتصر، ومنهم من يقول الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر. وذكر القراء في مناسبة التكبير من أول سورة الضحى أنه لما تأخر الوحي عن رسول الله ﷺ وفتر تلك المدة ثم جاء الملك فأوحى إليه ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ السورة بتمامها كبر فرحا وسرورا، ولم يرو ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف، فالله أعلم.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة الضحى (٩٣): الآيات ١ إلى ١١]
﴿وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾
قال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن الأسود بن قيس قال سمعت جندبا يقول: اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتت امرأة فقالت يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله : ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ (٢) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير (٣) من طرق عن الأسود بن
стр. 3858
قيس عن جندب، هو ابن عبد الله البجلي، ثم العلقي به وفي رواية سفيان بن عيينة عن الأسود بن قيس سمع جندبا قال أبطأ جبريل على رسول الله ﷺ فقال المشركون ودع محمدا ربه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج وعمرو بن عبد الله الأودي قالا حدثنا أبو أسامة حدثني سفيان، حدثني الأسود بن قيس أنه سمع جندبا يقول رمى رسول الله ﷺ بحجر في إصبعه فقال: «هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت؟».
قال فمكث ليلتين أو ثلاثا لا يقوم، فقالت له امرأة ما أرى شيطانك إلا قد تركك فنزلت ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ والسياق لأبي سعيد، قيل: إن هذه المرأة هي أم جميل امرأة أبي لهب، وذكر أن إصبعه ﵇ دميت، وقوله هذا الكلام الذي اتفق أنه موزون ثابت في الصحيحين ولكن الغريب هاهنا جعله سببا لتركه القيام ونزول هذه السورة.
فأما ما رواه ابن جرير (١): حدثنا ابن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان الشيباني عن عبد الله بن شداد أن خديجة قالت للنبي ﷺ : ما أرى ربك إلا قد قلاك، فأنزل الله ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ وقال أيضا (٢): حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه قال أبطأ جبريل على النبي ﷺ فجزع جزعا شديدا فقالت خديجة إني أرى ربك قد قلاك مما نرى من جزعك، قال فنزلت ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ إلى آخرها فإنه حديث مرسل من هذين الوجهين ولعل ذكر خديجة ليس محفوظا أو قالته على وجه التأسف والحزن، والله أعلم.
وقد ذكر بعض السلف منهم ابن إسحاق أن هذه السورة هي التي أوحاها جبريل إلى رسول الله ﷺ حين تبدى له في صورته التي خلقه الله عليها، ودنا إليه وتدلى منهبطا عليه وهو بالأبطح ﴿فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ قال: قال له هذه السورة ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ قال العوفي عن ابن عباس: لما نزل على رسول الله ﷺ القرآن أبطأ عنه جبريل أياما فتغير بذلك، فقال المشركون: ودعه ربه وقلاه فأنزل الله ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ وهذا قسم منه تعالى بالضحى وما جعل فيه من الضياء ﴿وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ أي سكن فأظلم وادلهم؟ قاله مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد وغيرهم، وذلك دليل ظاهر على قدرة خالق هذا وهذا كما قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى﴾ [الليل: ١ - ٢] وقال تعالى: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦].
стр. 3859
وقوله تعالى: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ أي ما تركك ﴿وَما قَلى﴾ أي وما أبغضك.
﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى﴾ أي وللدار الآخرة خير لك من هذه الدار، ولهذا كان رسول الله ﷺ أزهد الناس في الدنيا وأعظمهم لها إطراحا كما هو معلوم بالضرورة من سيرته، ولما خير ﵇ في آخر عمره بين الخلد في الدنيا إلى آخرها ثم الجنة وبين الصيرورة إلى الله ، اختار ما عند الله على هذه الدنيا الدنية.
قال الإمام أحمد (١): حدثنا يزيد، حدثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن عبد الله هو ابن مسعود قال: اضطجع رسول الله ﷺ على حصير فأثر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه وقلت: يا رسول الله ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئا؟ فقال رسول الله ﷺ : «ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظل تحت شجرة ثم راح وتركها» (٢) ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث المسعودي به وقال الترمذي حسن صحيح.
وقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ أي في الدار الآخرة يعطيه حتى يرضيه في أمته، وفيما أعده له من الكرامة، ومن جملته نهر الكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف وطينه مسك أذفر كما سيأتي، وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال: عرض على رسول الله ﷺ ما هو مفتوح على أمته من بعده كنزا كنزا فسر بذلك، فأنزل الله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ فأعطاه في الجنة ألف ألف قصر في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم، رواه ابن جرير (٣) من طريقه.
وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس ومثل هذا ما يقال إلا عن توقيف، وقال السدي عن ابن عباس من رضاء محمد ﷺ أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار، رواه ابن جرير (٤) وابن أبي حاتم وقال الحسن: يعني بذلك الشفاعة، وهكذا قال أبو جعفر الباقر وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا معاوية بن هشام عن علي بن صالح عن يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾».
ثم قال تعالى يعدد نعمه على عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه:
стр. 3860
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى﴾ وذلك أن أباه توفي وهو حمل في بطن أمه، وقيل بعد أن ولد ﵇ ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين، ثم كان في كفالة جده عبد المطلب إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب، ثم لم يزل يحوطه وينصره ويرفع من قدره ويوقره ويكف عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره، هذا وأبو طالب على دين قومه من عبادة الأوثان، وكل ذلك بقدر الله وحسن تدبيره إلى أن توفي أبو طالب قبل الهجرة بقليل، فأقدم عليه سفهاء قريش وجهالهم فاختار الله له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس والخزرج، كما أجرى الله سنته على الوجه الأتم الأكمل، فلما وصل إليهم آووه ونصروه وحاطوه وقاتلوا بين يديه ﵃ أجمعين، وكل هذا من حفظ الله له وكلاءته وعنايته به.
وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾ كقوله: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا﴾ [الشورى:٥٢] الآية. ومنهم من قال إن المراد بهذا أن النبي ﷺ ضل في شعاب مكة وهو صغير ثم رجع، وقيل إنه ضل وهو مع عمه في طريق الشام، وكان راكبا ناقة في الليل، فجاء إبليس فعدل بها عن الطريق، فجاء جبريل فنفخ إبليس نفخة ذهب منها إلى الحبشة، ثم عدل بالراحلة إلى الطريق حكاهما البغوي، وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى﴾ أي كنت فقيرا ذا عيال فأغناك الله عمن سواه فجمع له بين مقامي الفقير الصابر والغني الشاكر صلوات الله وسلامه عليه.
وقال قتادة في قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى﴾ قال: كانت هذه منازل رسول الله ﷺ قبل أن يبعثه الله . رواه ابن جرير (١) وابن أبي حاتم وفي الصحيحين من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» (٢) وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه» (٣).
ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ أي كما كنت يتيما فآواك الله فلا تقهر اليتيم أي لا تذله وتنهره وتهنه ولكن أحسن إليه وتلطف به، قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرّحيم ﴿وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أي وكما كنت ضالا فهداك الله فلا تنهر السائل في العلم المسترشد قال ابن إسحاق: ﴿وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أي وكما كنت ضالا فهداك الله فلا تنهر السائل في العلم
стр. 3861
المسترشد.
قال ابن إسحاق ﴿وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أي فلا تكن جبارا ولا متكبرا ولا فحاشا ولا فظا على الضعفاء من عباد الله، وقال قتادة يعني رد المسكين برحمة ولين ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أي وكما كنت عائلا فقيرا فأغناك الله فحدث بنعمة الله عليك كما جاء في الدعاء المأثور النبوي: «واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك قابليها وأتمها علينا» (١) وقال ابن جرير (٢): حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا سعيد بن إياس الجريري عن أبي نضرة قال:
كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا الجراح بن مليح عن أبي عبد الرّحمن عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ على المنبر: «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب» (٣) إسناده ضعيف وفي الصحيحين عن أنس أن المهاجرين قالوا يا رسول الله ذهب الأنصار بالأجر كله، قال: «لا ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم» (٤). وقال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (٥) ورواه الترمذي عن أحمد بن محمد عن ابن المبارك عن الربيع بن مسلم وقال صحيح.
وقال أبو داود (٦): حدثنا عبد الله بن الجراح، حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي ﷺ قال: «من أبلى بلاء فذكره فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره» تفرد به أبو داود. وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا بشر، حدثنا عمارة بن غزية، حدثني رجل من قومي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعطي عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به فمن أثنى به فقد شكره ومن كتمه فقد كفره» قال أبو داود: ورواه يحيى بن أيوب عن عمارة بن غزية عن شرحبيل عن جابر كرهوه فلم يسموه، تفرد به أبو داود.
وقال مجاهد: يعني النبوة التي أعطاك ربك وفي رواية عنه القرآن، وقال ليث عن رجل عن الحسن بن علي ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قال: ما عملت من خير فحدث إخوانك، وقال
стр. 3862
محمد بن إسحاق، ما جاءك الله من نعمة وكرامة من النبوة فحدث بها واذكرها وادع إليها، قال: فجعل رسول الله ﷺ يذكر ما أنعم به عليه من النبوة سرا إلى من يطمئن إليه من أهله، وافترضت عليه الصلاة فصلى. آخر تفسير سورة الضحى، ولله الحمد والمنة.
تفسير سورة الشرح
وهي مكية
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة الشرح (٩٤): الآيات ١ إلى ٨]
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾
يقول تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ يعني أما شرحنا لك صدرك أي نورناه وجعلناه فسيحا رحيبا واسعا كقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وكما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحا واسعا سمحا سهلا لا حرج فيه ولا إصر ولا ضيق وقيل:
المراد بقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ شرح صدره ليلة الإسراء كما تقدم من رواية مالك بن صعصعة، وقد أورده الترمذي هاهنا، وهذا وإن كان واقعا ليلة الإسراء كما رواه مالك بن صعصعة، ولكن لا منافاة فإن من جملة شرح صدره الذي فعل بصدره ليلة الإسراء وما نشأ عنه من الشرح المعنوي أيضا، فالله أعلم.
قال عبد الله ابن الإمام أحمد (١): حدثنا محمد بن عبد الرّحيم أبو يحيى البزاز، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا معاذ بن محمد بن معاذ بن محمد بن أبي بن كعب، حدثني أبو محمد بن معاذ عن معاذ عن محمد عن أبي بن كعب أن أبا هريرة كان جريئا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره فقال: يا رسول الله ما أول ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله ﷺ جالسا وقال «لقد سألت يا أبا هريرة، إني لفي الصحراء ابن عشر سنين وأشهر وإذا بكلام فوق رأسي وإذا رجل يقول لرجل أهو هو؟ قال نعم فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط فأقبلا إلي يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأحدهما مسا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه فأضجعاني بلا قصر ولا هصر، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره فهوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغل والحسد، فأخرج شيئا كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها، فقال له أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة ثم هز إبهام
стр. 3863
رجلي اليمني فقال: أغد واسلم، فرجعت بها أعدو رقة على الصغير ورحمة للكبير».
وقوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ بمعنى ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ الإنقاض الصوت، وقال غير واحد من السلف في قوله: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أي أثقلك حمله، وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال مجاهد: لا أذكر إلا ذكرت معي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
وقال ابن جرير (١): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث عن دراج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أتاني جبريل فقال: إن ربي وربك يقول كيف رفعت ذكرك؟ قال: الله أعلم، قال: إذا ذكرت ذكرت معي» وكذا رواه ابن أبي حاتم عن يونس عن عبد الأعلى به. ورواه أبو يعلى من طريق ابن لهيعة عن دراج.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو عمر الحوضي، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «سألت ربي مسألة وددت أني لم أسأله، قلت قد كان قبلي أنبياء منهم من سخرت له الريح ومنهم من يحيي الموتى، قال: يا محمد ألم أجدك يتيما فآويتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أجدك ضالا فهديتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ قلت: بلى يا رب، قال ألم أشرح لك صدرك؟ ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت: بلى يا رب».
وقال أبو نعيم في دلائل النبوة: حدثنا أبو أحمد الغطريفي، حدثنا موسى بن سهل الجويني، حدثنا أحمد بن القاسم بن بهزان الهيتي: حدثنا نصر بن حماد عن عثمان بن عطاء عن الزهري عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لما فرغت مما أمرني الله به من أمر السموات والأرض قلت يا رب إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرمته جعلت إبراهيم خليلا وموسى كليما، وسخرت لداود الجبال، ولسليمان الريح والشياطين، وأحييت لعيسى الموتى فما جعلت لي؟ قال أوليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله أني لا أذكر إلا ذكرت معي وجعلت صدور أمتك أناجيل يقرءون القرآن ظاهرا ولم أعطها أمة، وأعطيتك كنزا من كنوز عرشي لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» وحكى البغوي عن ابن عباس ومجاهد أن المراد بذلك الأذان يعني ذكره فيه وأورد من شعر حسان بن ثابت: [الطويل]
стр. 3864
أغرّ عليه للنبوة خاتم … من الله من نور يلوح ويشهد (١)
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه … إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وشقّ له من اسمه ليجلّه … فذو العرش محمود وهذا محمد
وقال آخرون: رفع الله ذكره في الأولين والآخرين ونوه به حين أخذ الميثاق على جميع النبيين أن يؤمنوا به، وأن يأمروا أممهم بالإيمان به، ثم شهد ذكره في أمته فلا يذكر الله إلا ذكر معه، وما أحسن ما قال الصرصري ﵀:
لا يصحّ الأذان في الفرض إلا … باسمه العذب في الفم المرضي
وقال أيضا:
ألم تر أنا لا يصحّ أذاننا … ولا فرضنا إن لم نكرّره فيهما
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ أخبر تعالى أن مع العسر يوجد اليسر ثم أكد هذا الخبر. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا حميد بن حماد بن أبي خوار أبو الجهم، حدثنا عائذ بن شريح قال: سمعت أنس بن مالك يقول كان النبي ﷺ جالسا وحياله حجر، فقال: لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه» فأنزل الله : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ ورواه أبو بكر البزار في مسنده عن محمد بن معمر، عن حميد بن حماد ولفظه: «لو جاء العسر حتى يدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يخرجه» ثم قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ ثم قال البزار: لا نعلم رواه عن أنس إلا عائذ بن شريح.
[قلت] وقد قال فيه أبو حاتم الرازي: في حديثه ضعف، ولكن رواه شعبة عن معاوية بن قرة عن رجل عن عبد الله بن مسعود موقوفا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا أبو قطن، حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: كانوا يقولون لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين.
وقال ابن جرير (٢): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن الحسن، قال:
خرج النبي ﷺ يوما مسرورا فرحا وهو يضحك وهو يقول: «لن يغلب عسر يسرين، لن يغلب عسر يسرين، فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا» وكذا رواه من حديث عوف الأعرابي ويونس بن عبيد عن الحسن مرسلا.
وقال سعيد عن قتادة: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ بشر أصحابه بهذه الآية فقال: «لن يغلب
стр. 3865
عسر يسرين» ومعنى هذا أن العسر معرّف في الحالتين فهو مفرد واليسر منكر، فتعدد ولهذا قال: «لن يغلب عسر يسرين» يعني قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ فالعسر الأول عين الثاني واليسر تعدد. وقال الحسن بن سفيان: حدثنا يزيد بن صالح، حدثنا خارجة عن عباد بن كثير عن أبي الزناد عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «نزلت المعونة من السماء على قدر المؤونة، ونزل الصبر على قدر المصيبة» ومما يروى عن الشافعي ﵁ أنه قال:
صبرا جميلا ما أقرب الفرجا … من راقب الله في الأمور نجا
من صدق الله لم ينله أذى … ومن رجاه يكون حيث رجا
وقال ابن دريد: أنشدني أبو حاتم السجستاني:
إذا اشتملت على اليأس القلوب … وضاق لما به الصدر الرحيب
وأوطأت المكاره واطمأنت … وأرسلت في أماكنها الخطوب
ولم تر لانكشاف الضر وجها … ولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك غوث … يمن به اللطيف المستجيب
وكل الحادثات إذا تناهت … فموصول بها الفرج القريب
وقال آخر:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى … ذرعا وعند الله منها المخرج
كملت فلما استحكمت حلقاتها … فرجت وكان يظنها لا تفرج
وقوله تعالى: ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ أي إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها وقطعت علائقها فانصب إلى العبادة وقم إليها نشيطا فارغ البال وأخلص لربك النية والرغبة، ومن هذا القبيل قوله ﷺ في الحديث المتفق على صحته: «لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان» (١) وقوله ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدؤوا بالعشاء» (٢) قال مجاهد في هذه الآية: إذا فرغت من أمر الدنيا فقمت إلى الصلاة فانصب لربك، وفي رواية عنه: إذا قمت إلى الصلاة فانصب في حاجتك، وعن ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل، وعن ابن عياض نحوه، وفي رواية عن ابن مسعود: ﴿فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾
стр. 3866
بعد فراغك من الصلاة وأنت جالس. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:
﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾، يعني في الدعاء، وقال زيد بن أسلم والضحاك: ﴿فَإِذا فَرَغْتَ﴾ أي من الجهاد ﴿فَانْصَبْ﴾ أي في العبادة ﴿وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ وقال الثوري: اجعل نيتك ورغبتك إلى الله .
آخر تفسير سورة ألم نشرح، ولله الحمد والمنة.
تفسير سورة التين
وهي مكية
قال مالك وشعبة عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب: كان النبي ﷺ يقرأ في سفره في إحدى الركعتين بالتين والزيتون فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه (١)، أخرجه الجماعة في كتبهم.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة التين (٩٥): الآيات ١ إلى ٨]
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨)﴾
اختلف المفسرون هاهنا على أقوال كثيرة فقيل المراد بالتين مسجد دمشق، وقيل: هي نفسها، وقيل الجبل الذي عندها، وقال القرطبي (٢): هو مسجد أصحاب الكهف، وروى العوفي عن ابن عباس أنه مسجد نوح الذي على الجودي، وقال مجاهد: هو تينكم هذا ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ قال كعب الأحبار وقتادة وابن زيد وغيرهم: هو مسجد بيت المقدس. وقال مجاهد وعكرمة: هو هذا الزيتون الذي تعصرون ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ قال كعب الأحبار وغير واحد: هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﵇، ﴿وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ يعني مكة، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وإبراهيم النخعي وابن زيد وكعب الأحبار ولا خلاف في
стр. 3867
ذلك، وقال بعض الأئمة: هذه محال ثلاثة بعث الله في كل واحد منها نبيا مرسلا من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار:
[فالأول] محلة التين والزيتون وهي بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى ابن مريم ﵇. [والثاني] طور سينين، وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران.
[والثالث] مكة، وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنا، وهو الذي أرسل فيه محمدا ﷺ ، قالوا: وفي آخر التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة: جاء الله من طور سيناء-يعني الذي كلم الله عليه موسى بن عمران-وأشرق من ساعير-يعني جبل بيت المقدس الذي بعث الله منه عيسى -واستعلن من جبال فاران-يعني جبال مكة التي أرسل الله منها محمدا ﷺ فذكرهم مخبرا عنهم على الترتيب الوجودي بحسب ترتيبهم في الزمان، ولهذا أقسم بالأشرف ثم الأشرف منه ثم بالأشرف منهما.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هذا هو المقسم عليه، وهو أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة وشكل منتصب القامة سوي الأعضاء حسنها ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ﴾ أي إلى النار، قاله مجاهد وأبو العالية والحسن وابن زيد وغيرهم، ثم بعد هذا الحسن والنضارة مصيره إلى النار إن لم يطع الله ويتبع الرسل ولهذا قال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ وقال بعضهم ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ﴾ أي إلى أرذل العمر، وروي هذا عن ابن عباس وعكرمة حتى قال عكرمة: من جمع القرآن لم يرد إلى أرذل العمر، واختار ذلك ابن جرير، ولو كان هذا هو المراد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك لأن الهرم قد يصيب بعضهم، وإنما المراد ما ذكرناه كقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العصر: ١ - ٣] وقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي غير مقطوع كما تقدم.
ثم قال: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ﴾ أي يا ابن آدم ﴿بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ أي بالجزاء في المعاد، ولقد علمت البداءة وعرفت أن من قدر على البداءة فهو قادر على الرجعة بطريق الأولى، فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد وقد عرفت هذا؟ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان حدثنا عبد الرّحمن عن سفيان عن منصور قال: قلت لمجاهد ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ عنى به النبي ﷺ قال: معاذ الله، عنى به الإنسان وهكذا قال عكرمة وغيره. وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ أي أما هو أحكم الحاكمين الذي لا يجور ولا يظلم أحدا، ومن عدله أن يقيم القيامة فينصف للمظلوم في الدنيا ممن ظلمه. وقد قدمنا في حديث أبي هريرة مرفوعا «فإذا قرأ أحدكم والتين والزيتون فأتى على آخرها ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين».
آخر تفسير سورة التين والزيتون ولله الحمد والمنة.
стр. 3868
تفسير سورة العلق
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة العلق (٩٦): الآيات ١ إلى ٥]
﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾
قال الإمام أحمد (١): حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يأتي حراء فيتحنث فيه-وهو التعبد- الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فاجأه الوحي وهو في غار حراء فجاءه الملك فيه فقال اقرأ: قال رسول الله ﷺ : «فقلت ما أنا بقارئ-قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني مني الجهد ثم أرسلني فقال ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ -حتى بلغ- ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ قال: فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: «زمّلوني زملوني» فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: «يا خديجة ما لي؟» وأخبرها الخبر وقال: «قد خشيت على نفسي».
فقالت له: كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكلّ وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي، وكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي فقالت خديجة: أي ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال ورقة: ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ بما رأى فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : «أو مخرجي هم؟» فقال ورقة:
نعم لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا.
ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله ﷺ فيما بلغنا، حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقا، فيسكن بذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل
стр. 3869
ذلك (١) وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري.
وقد تكلمنا على هذا الحديث من جهة سنده ومتنه ومعانيه في أول شرحنا للبخاري مستقصى، فمن أراده فهو هناك محرر ولله الحمد والمنة.
فأول شيء نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهن أول رحمة رحم الله بها العباد وأول نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى أن علم الإنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرمه بالعلم وهو القدر الذي امتاز به أبو البشرية آدم على الملائكة، والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة يكون في اللسان، وتارة يكون في الكتابة بالبنان ذهني ولفظي ورسمي والرسمي يستلزمهما من غير عكس، فلهذا قال: ﴿اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ وفي الأثر: «قيدوا العلم بالكتابة» (٢)، وفيه أيضا: «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يكن يعلم».
[سورة العلق (٩٦): الآيات ٦ إلى ١٩]
﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى (١٤) كَلاّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاّ لا تُطِعْهُ وَاُسْجُدْ وَاِقْتَرِبْ (١٩)﴾
يخبر تعالى عن الإنسان أنه ذو فرح وأشر وبطر وطغيان إذا رأى نفسه قد استغنى وكثر ماله، ثم تهدده وتوعده ووعظه فقال: ﴿إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أي إلى الله المصير والمرجع وسيحاسبك على مالك من أين جمعته وفيم صرفته. قال ابن أبي حاتم: حدثنا زيد بن إسماعيل الصائغ، حدثنا جعفر بن عون حدثنا أبو عميس عن عون قال: قال عبد الله: منهومان لا يشبعان صاحب العلم وصاحب الدنيا ولا يستويان، فأما صاحب العلم فيزداد رضى الرّحمن وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان قال ثم قرأ عبد الله ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ وقال للآخر ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ وقد روي هذا مرفوعا إلى رسول الله ﷺ «منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا» (٣).
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلّى﴾ نزلت في أبي جهل لعنه الله، توعد النبي ﷺ على الصلاة عند البيت فوعظه تعالى بالتي هي أحسن أولا فقال: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى﴾ أي فما ظنك إن كان هذا الذي تنهاه على الطريق المستقيمة في فعله ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى﴾
стр. 3870
وأنت تزجره وتتوعده على صلاته، ولهذا قال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى﴾ أي أما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه ويسمع كلامه. وسيجازيه على فعله أتم الجزاء. ثم قال تعالى متوعدا ومتهددا: ﴿كَلاّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ أي لئن لم يرجع عما هو فيه من الشقاق والعناد ﴿لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ﴾ أي لنسمنها سوادا يوم القيامة ثم قال: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ يعني ناصية أبي جهل كاذبة في مقالها خاطئة في أفعالها ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ أي قومه وعشيرته أي ليدعهم يستنصر بهم ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ وهم ملائكة العذاب حتى يعلم من يغلب أحزبنا أو حزبه؟.
قال البخاري: حدثنا يحيى حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال أبو جهل لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ النبي ﷺ فقال: «لئن فعل لأخذته الملائكة» ثم قال تابعه عمرو بن خالد عن عبيد الله يعني ابن عمرو عن عبد الكريم (١). وكذا رواه الترمذي والنسائي في تفسيرهما من طريق عبد الرزاق به.
وهكذا رواه ابن جرير (٢) عن أبي كريب عن زكريا بن عدي عن عبيد الله بن عمرو به.
وروى أحمد والترمذي والنسائي وابن جرير وهذا لفظه من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يصلي عند المقام فمر به أبو جهل بن هشام، فقال يا محمد ألم أنهك عن هذا؟ وتوعده فأغلظ له رسول الله ﷺ وانتهره، فقال يا محمد بأي شيء تهددني؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي ناديا فأنزل الله ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ (٣) وقال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته (٤). وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال الإمام أحمد (٤) أيضا: حدثنا إسماعيل بن يزيد أبو يزيد، حدثنا فرات عن عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال أبو جهل لئن رأيت رسول الله يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه قال: فقال: «لو فعل لأخذته الملائكة عيانا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا».
وقال ابن جرير (٥) أيضا: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، أخبرنا يونس بن أبي إسحاق عن الوليد بن العيزار عن ابن عباس قال: قال أبو جهل لئن عاد محمد يصلي عند المقام
стр. 3871
لأقتلنه، فأنزل الله ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ هذه الآية ﴿لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، فَلْيَدْعُ نادِيَهُ، سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فجاء النبي ﷺ فصلى، فقيل:
ما يمنعك؟ قال: قد اسود ما بيني وبينه من الكتائب، قال ابن عباس: والله لو تحرك لأخذته الملائكة والناس ينظرون إليه.
وقال ابن جرير (١): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر عن أبيه، حدثنا نعيم بن أبي هند عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا:
نعم، قال: فقال واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب، فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه خندقا من نار، وهولا وأجنحة قال: فقال رسول الله: «لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا» قال: وأنزل الله لا أدري في حديث أبي هريرة أم لا ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى﴾ إلى آخر السورة (٢)، وقد رواه أحمد بن حنبل ومسلم والنسائي وابن أبي حاتم من حديث معتمر بن سليمان به.
وقوله تعالى: ﴿كَلاّ لا تُطِعْهُ﴾ يعني يا محمد لا تطعه فيما ينهاك عنه من المداومة على العبادة وكثرتها، وصل حيث شئت، ولا تباله فإن الله حافظك وناصرك وهو يعصمك من الناس ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ كما ثبت في الصحيح عند مسلم من طريق عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن عمارة بن غزية، عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
«أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء» (٣) وتقدم أيضا أن رسول الله ﷺ كان يسجد في ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
آخر تفسير سورة اقرأ، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.
تفسير سورة القدر
وهي مكية
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة القدر (٩٧): الآيات ١ إلى ٥]
﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾
стр. 3872
يخبر تعالى أنه أنزل القرآن ليلة القدر، وهي الليلة المباركة التي قال الله ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] وهي ليلة القدر وهي من شهر رمضان كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] قال ابن عباس وغيره: أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله ﷺ ، ثم قال تعالى معظما لشأن ليلة القدر التي اختصها بإنزال القرآن العظيم فيها فقال: ﴿وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
قال أبو عيسى الترمذي (١) عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا القاسم بن الفضل الحداني عن يوسف بن سعد قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية فقال: سودت وجوه المؤمنين، أو يا مسود وجوه المؤمنين، فقال:
لا تؤنبني رحمك الله، فإن النبي ﷺ أري بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] يا محمد، يعني نهرا في الجنة ونزلت ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يملكها بعدك بنو أمية يا محمد، قال القاسم: فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوما ولا تنقص يوما. ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث القاسم بن الفضل، وقد قيل عن القاسم بن الفضل عن يوسف بن مازن والقاسم بن الفضل الحداني هو ثقة وثقه يحيى القطان وعبد الرّحمن بن مهدي قال: وشيخه يوسف بن سعد، ويقال يوسف بن مازن رجل مجهول ولا يعرف هذا الحديث على هذا اللفظ إلا من هذا الوجه.
وقد روى هذا الحديث الحاكم في مستدركه من طريق القاسم بن الفضل عن يوسف بن مازن به، وقول الترمذي: إن يوسف هذا مجهول فيه نظر، فإنه قد روى عنه جماعة، منهم حماد بن سلمة وخالد الحذاء يونس بن عبيد، وقال فيه يحيى بن معين: هو مشهور، وفي رواية عن ابن معين قال: هو ثقة. ورواه ابن جرير من طريق القاسم بن الفضل عن يوسف بن مازن كذا قال وهذا يقتضي اضطرابا في هذا الحديث والله أعلم، ثم هذا الحديث على كل تقدير منكر جدا، قال شيخنا الإمام الحافظ الحجة أبو الحجاج المزي: هو حديث منكر.
(قلت) وقول القاسم بن الفضل الحداني إنه حسب مدة بني أمية فوجدها ألف شهر لا تزيد يوما ولا تنقص ليس بصحيح، فإن معاوية بن أبي سفيان ﵁ استقل بالملك حين سلم إليه الحسن بن علي الإمرة سنة أربعين، واجتمعت البيعة لمعاوية وسمي ذلك عام الجماعة ثم استمروا فيها متتابعين بالشام وغيرها لم تخرج عنهم إلا مدة دولة عبد الله بن الزبير في الحرمين، والأهواز وبعض البلاد قريبا من تسع سنين، لكن لم تزل يدهم عن الإمرة بالكلية،
стр. 3873
بل عن بعض البلاد إلى أن استلبهم بنو العباس الخلافة في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فيكون مجموع مدتهم اثنتين وتسعين سنة وذلك أزيد من ألف شهر، فإن الألف شهر عبارة عن ثلاثة وثمانين سنة وأربعة أشهر، وكأن القاسم بن الفضل أسقط من مدتهم أيام ابن الزبير وعلى هذا فيقارب ما قاله للصحة في الحساب والله أعلم.
ومما يدل على ضعف هذا الحديث أنه سيق لذم دولة بني أمية، ولو أريد ذلك لم يكن بهذا السياق، فإن تفضيل ليلة القدر على أيامهم لا يدل على ذم أيامهم، فإن ليلة القدر شريفة جدا والسورة الكريمة إنما جاءت لمدح ليلة القدر، فكيف تمدح بتفضيلها على أيام بني أمية التي هي مذمومة بمقتضى هذا الحديث، وهل هذا إلا كما قال القائل:
ألم تر أن السيف ينقص قدره … إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
وقال آخر:
إذا أنت فضلت امرأ ذا براعة … على ناقص كان المديح من النقص
ثم الذي يفهم من الآية أن الألف شهر المذكورة في الآية هي أيام بني أمية والسورة مكية، فكيف يحال على ألف شهر هي دولة بني أمية، ولا يدل عليها لفظ الآية ولا معناها، والمنبر إنما صنع بالمدينة بعد مدة من الهجرة فهذا كله مما يدل على ضعف الحديث ونكارته والله أعلم وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا مسلم يعني ابن خالد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أن النبي ﷺ ، ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر قال: فعجب المسلمون من ذلك قال: فأنزل الله ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ التي لبس ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ألف شهر.
وقال ابن جرير (١): حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام بن مسلم عن المثنى بن الصباح، عن مجاهد قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله هذه الآية ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس أخبرنا ابن وهب، حدثني مسلمة بن علي عن علي بن عروة قال: ذكر رسول الله ﷺ يوما أربعة من بني إسرائيل عبدوا الله ثمانين عاما، لم يعصوه طرفة عين فذكر أيوب وزكريا وحزقيل ابن العجوز ويوشع بن نون، قال: فعجب أصحاب رسول الله ﷺ من ذلك فأتاه جبريل فقال: يا محمد عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوه طرفة عين، فقد أنزل الله خيرا من ذلك فقرأ عليه ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾
стр. 3874
﴿وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ هذا أفضل مما عجبت أنت وأمتك، قال: فسر بذلك رسول الله ﷺ والناس معه.
وقال سفيان الثوري: بلغني عن مجاهد ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ قال: عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر، رواه ابن جرير وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا ابن أبي زائدة عن ابن جريج عن مجاهد: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ليس في تلك الشهور ليلة القدر، وهكذا قال قتادة بن دعامة والشافعي وغير واحد وقال عمرو بن قيس الملائي: عمل فيها خير من عمل ألف شهر، وهذا القول بأنها أفضل من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر هو اختيار ابن جرير، وهو الصواب لا ما عداه وهو كقوله ﷺ : «رباط ليلة في سبيل الله خير من ألف ليلة فيما سواه من المنازل» رواه أحمد (١) وكما جاء في قاصد الجمعة بهيئة حسنة، ونية صالحة أنه يكتب له عمل سنة أجر صيامها وقيامها إلى غير ذلك من المعاني المشابهة لذلك.
وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن أبي هريرة ﵁ قال: لما حضر رمضان قال رسول الله ﷺ : «قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم» ورواه النسائي من حديث أيوب به. ولما كانت ليلة القدر تعدل عبادتها عبادة ألف شهر ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» (٣).
وقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أي يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، والملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة كما يتنزلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بحلق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق تعظيما له، وأما الروح فقيل المراد به هاهنا جبريل ﵇، فيكون من باب عطف الخاص على العام، وقيل هم ضرب من الملائكة كما تقدم في سورة النبأ والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ قال مجاهد: سلام هي من كل أمر، وقال سعيد بن منصور:
حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا الأعمش عن مجاهد في قوله: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ قال: هي سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا أو يعمل فيها أذى، وقال قتادة وغيره: تقضى فيها الأمور وتقدر الآجال والأرزاق كما قال تعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤].
стр. 3875
وقوله تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ قال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم عن أبي إسحاق عن الشعبي في قوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ قال تسليم الملائكة ليلة القدر على أهل المساجد حتى يطلع الفجر، وروى ابن جرير (١) عن ابن عباس أنه كان يقرأ «من كل امرى» ﴿سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ وروى البيهقي في كتابه فضائل الأوقات عن علي أثرا غريبا في نزول الملائكة ومرورهم على المصلين ليلة القدر وحصول البركة للمصلين، وروى ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار أثرا غريبا عجيبا مطولا جدا، في تنزل الملائكة من سدرة المنتهى صحبة جبريل ﵇ إلى الأرض ودعائهم للمؤمنين والمؤمنات.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا عمران يعني القطان عن قتادة عن أبي ميمونة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر: «إنها ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين وإن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى». وقال الأعمش عن المنهال عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ﴾ قال: لا يحدث فيها أمر. وقال قتادة وابن زيد في قوله:
﴿سَلامٌ هِيَ﴾ يعني هي خير كلها ليس فيها شر إلى مطلع الفجر.
ويؤيد هذا ما رواه الإمام أحمد (٢): حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية، حدثني بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: «ليلة القدر في العشر البواقي، من قامهن ابتغاء حسبتهن فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهي ليلة وتر:
تسع أو سبع أو خامسة أو ثالثة أو آخر ليلة».
وقال رسول الله ﷺ : «إن أمارة ليلة القدر أنها صافية بلجة كأن فيها قمرا ساطعا ساكنة ساجية لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب يرمى به فيها حتى تصبح، وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ» وهذا إسناد حسن، وفي المتن غرابة وفي بعض ألفاظه نكارة.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا زمعة عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر «ليلة سمحة طلقة بلجة لا حارة ولا باردة وتصبح شمس صبيحتها ضعيفة حمراء» وروى ابن أبي عاصم النبيل بإسناده عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «إني رأيت ليلة القدر فأنسيتها وهي في العشر الأواخر من لياليها وهي طلقة بلجة لا حارة ولا باردة كأن فيها قمرا لا يخرج شيطانها حتى يضيء فجرها».
[فصل] اختلف العلماء هل كانت ليلة القدر في الأمم السالفة أو هي من خصائص هذه
стр. 3876
الأمة؟ على قولين: قال أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري: حدثنا مالك أنه بلغه أن رسول الله ﷺ أري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خيرا من ألف شهر. وقد أسند من وجه آخر، وهذا الذي قاله مالك يقتضي تخصيص هذه الأمة بليلة القدر، وقد نقله صاحب العدة أحد أئمة الشافعية عن جمهور العلماء فالله أعلم، وحكى الخطابي عليه الإجماع ونقله الراضي جازما به عن المذهب، والذي دل عليه الحديث أنها كانت في الأمم الماضين كما هي في أمتنا.
قال الإمام أحمد بن حنبل (١): حدثنا يحيى بن سعيد عن عكرمة بن عمار، حدثني أبو زميل سماك الحنفي، حدثني مالك بن مرثد بن عبد الله، حدثني مرثد قال: سألت أبا ذر قلت: كيف سألت رسول الله ﷺ عن ليلة القدر؟ قال: أنا كنت أسأل الناس عنها قلت: يا رسول الله، أخبرني عن ليلة القدر أفي رمضان هي أو في غيره؟ قال: «بل هي في رمضان» قلت: تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قبضوا رفعت أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: «بل هي إلى يوم القيامة» قلت:
في أي رمضان هي؟ قال: «التمسوها في العشر الأول والعشر الآخر» ثم حدث رسول الله ﷺ .
وحدث ثم اهتبلت غفلته قلت: في أي العشرين هي؟ قال: «ابتغوها في العشر الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها».
ثم حدث رسول الله ثم اهتبلت غفلته فقلت: يا رسول الله أقسمت عليك بحقي عليك لما أخبرتني في أي العشر هي؟ فغضب عليّ غضبا لم يغضب مثله منذ صحبته وقال: «التمسوها في السبع الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها» ورواه النسائي عن الفلاس عن يحيى بن سعيد القطان به، ففيه دلالة على ما ذكرناه وفيه أنها تكون باقية إلى يوم القيامة في كل سنة بعد النبي ﷺ ، لا كما زعمه بعض طوائف الشيعة من رفعها بالكلية على ما فهموه من الحديث الذي سنورده بعد من قوله ﵇ «فرفعت وعسى أن يكون خيرا لكم» لأن المراد رفع علم وقتها عينا. وفيه دلالة على أن ليلة القدر يختص وقوعها بشهر رمضان من بين سائر الشهور، لا كما روي عن ابن مسعود ومن تابعه من علماء أهل الكوفة من أنها توجد في جميع السنة وترتجي في جميع الشهور على السواء.
وقد ترجم أبو داود (٢) في سننه على هذا فقال: «باب بيان أن ليلة القدر في كل رمضان» حدثنا حميد بن زنجويه النسائي، أخبرنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، حدثني موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عمر قال: سئل رسول الله ﷺ وأنا أسمع عن ليلة القدر فقال: «هي في كل رمضان»، وهذا إسناد رجاله ثقات،
стр. 3877
إلا أن أبا داود قال رواه شعبة وسفيان عن أبي إسحاق فأوقفاه، وقد حكي عن أبي حنيفة.
﵀ رواية أنها ترتجى في كل شهر رمضان وهو وجه حكاه الغزالي واستغربه الرافعي جدا.
[فصل] ثم قد قيل إنها تكون في أول ليلة من شهر رمضان، يحكى هذا عن أبي رزين، وقيل إنها تقع ليلة سبع عشرة، وروى فيه أبو داود حديثا مرفوعا عن ابن مسعود، وروى موقوفا عليه وعلى زيد بن أرقم وعثمان بن أبي العاص وهو قول عن محمد بن إدريس الشافعي ويحكى عن الحسن البصري، ووجهوه بأنها ليلة بدر وكانت ليلة جمعة هي السابعة عشرة من شهر رمضان، وفي صبيحتها كانت وقعة بدر وهي اليوم الذي قال الله تعالى فيه: ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾. وقيل ليلة تسع عشرة يحكى عن علي وابن مسعود أيضا ﵄.
وقيل ليلة إحدى وعشرين لحديث أبي سعيد الخدري قال: اعتكف رسول الله ﷺ في العشر الأول من رمضان واعتكفنا معه فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأوسط فاعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: الذي تطلب أمامك ثم قام رسول الله ﷺ خطيبا صبيحة عشرين من رمضان قال: «من كان اعتكف معي فليرجع فإني رأيت ليلة القدر وإني أنسيتها وإنها في العشر الأواخر في وتر وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء». وكان سقف المسجد جريدا من النخل وما نرى في السماء شيئا، فجاءت قزعة فمطرنا، فصلى بنا النبي ﷺ حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول الله ﷺ تصديق رؤياه، وفي لفظ في صبح إحدى وعشرين (١)، أخرجاه في الصحيحين.
قال الشافعي: وهذا الحديث أصح الروايات، وقيل ليلة ثلاث وعشرين لحديث عبد الله بن أنيس في صحيح مسلم، وهو قريب السياق من رواية أبي سعيد فالله أعلم، وقيل ليلة أربع وعشرين، قال أبو داود الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: «ليلة القدر ليلة أربع وعشرين» إسناده رجاله ثقات.
وقال أحمد (٢): حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن الصنابحي عن بلال قال: قال رسول الله ﷺ : «ليلة القدر ليلة أربع وعشرين» ابن لهيعة ضعيف، وقد خالفه ما رواه البخاري عن أصبغ عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير عن أبي عبد الله الصنابحي قال: قال أخبرني بلال مؤذن رسول الله ﷺ أنها أول السبع من العشر الأواخر فهذا الموقوف أصح والله أعلم.
وهكذا روي عن ابن مسعود وابن عباس وجابر والحسن وقتادة وعبد الله بن وهب أنها ليلة
стр. 3878
أربع وعشرين، وقد تقدم في سورة البقرة حديث واثلة بن الأسقع مرفوعا: «إن القرآن أنزل ليلة أربع وعشرين» وقيل تكون ليلة خمس وعشرين لما رواه البخاري عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان في تاسعة تبقى في سابعة تبقى في خامسة تبقى» فسره كثيرون بليالي الأوتار وهو أظهر وأشهر، وحمله آخرون على الإشفاع كما رواه مسلم عن أبي سعيد أنه حمله على ذلك والله أعلم، وقيل إنها تكون ليلة سبع وعشرين لما رواه مسلم في صحيحه عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ أنها ليلة سبع وعشرين.
وقال الإمام أحمد (١): حدثنا سفيان سمعت عبدة وعاصما عن زر سألت أبي بن كعب قلت أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول من يقم الحول يصب ليلة القدر، قال يرحمه الله لقد علم أنها في شهر رمضان وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حلف، قلت وكيف تعلمون ذلك؟ قال بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا بها، تطلع ذلك اليوم لا شعاع لها يعني الشمس، وقد رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة وشعبة والأوزاعي عن عبدة عن زر عن أبي فذكره وفيه فقال: والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان يحلف ما يستثني، ووالله إني لأعلم أي ليلة القدر هي التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها هي ليلة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها.
وفي الباب عن معاوية وابن عمر وابن عباس وغيرهم عن رسول الله ﷺ أنها ليلة سبع وعشرين، وهو قول طائفة من السلف وهو الجادة من مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وهو رواية عن أبي حنيفة أيضا وقد حكي عن بعض السلف أنه حاول استخراج كونها ليلة سبع وعشرين من القرآن من قوله: ﴿هِيَ﴾ لأنها الكلمة السابعة والعشرون من السورة فالله أعلم.
وقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن قتادة وعاصم أنهما سمعا عكرمة يقول: قال ابن عباس دعا عمر بن الخطاب أصحاب محمد ﷺ فسألهم عن ليلة القدر، فأجمعوا على أنها في العشر الأواخر، قال ابن عباس فقلت لعمر إني لأعلم-أو إني لأظن-أي ليلة القدر هي فقال عمر:
وأي ليلة هي؟ فقلت سابعة تمضي-أو سابعة تبقى-من العشر الأواخر فقال عمر: من أين علمت ذلك؟ قال ابن عباس فقلت خلق الله سبع سموات وسبع أرضين وسبعة أيام، وإن الشهر يدور على سبع وخلق الإنسان من سبع، ويأكل من سبع ويسجد على سبع، والطواف بالبيت سبع ورمي الجمار سبع لأشياء ذكرها، فقال عمر لقد فطنت لأمر ما فطنا له، وكان قتادة يزيد عن ابن عباس في قوله ويأكل من سبع، قال هو قول الله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً﴾ [عبس: ٢٧] الآية. وهذا إسناد جيد قوي ومتن غريب جدا فالله أعلم.
стр. 3879
وقيل إنها تكون في ليلة تسع وعشرين. وقال الإمام أحمد بن حنبل (١): حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل عن عمر بن عبد الرّحمن عن عبادة بن الصامت أنه سأل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر، فقال رسول الله ﷺ :
«في رمضان التمسوها في العشر الأواخر فإنها في وتر إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين أو سبع وعشرين أو تسع وعشرين أو في آخر ليلة».
وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا سليمان بن داود وهو أبو داود الطيالسي، حدثنا عمران القطان عن قتادة عن أبي ميمونة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر: «إنها في ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين وإن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى» تفرد به أحمد وإسناده لا بأس به.
وقيل إنها تكون في آخر ليلة لما تقدم من هذا الحديث آنفا، ولما رواه الترمذي والنسائي من حديث عيينة بن عبد الرّحمن عن أبيه عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال: «في تسع يبقين أو سبع يبقين أو خمس يبقين أو ثلاث يبقين أو آخر ليلة يعني التمسوا ليلة القدر» (٣) وقال الترمذي: حسن صحيح، وفي المسند من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في ليلة القدر «إنها آخر ليلة».
[فصل] قال الشافعي في هذه الروايات: صدرت من النبي ﷺ جوابا للسائل إذا قيل له أنلتمس ليلة القدر في الليلة الفلانية؟ يقول «نعم» وإنما ليلة القدر معينة لا تنتقل. نقله الترمذي عنه بمعناه وروي عن أبي قلابة أنه قال: ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر وهذا الذي حكاه عن أبي قلابة نص عليه مالك والثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور والمزني وأبو بكر بن خزيمة وغيرهم، وهو محكي عن الشافعي نقله القاضي عنه وهو الأشبه والله أعلم.
وقد يستأنس لهذا القول بما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر من رمضان، فقال رسول الله ﷺ : «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر» (٤) وفيهما أيضا عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» ولفظه للبخاري.
ويحتج للشافعي أنها لا تنتقل وأنها معينة من الشهر بما رواه البخاري (٥) في صحيحه عن
стр. 3880
عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله ﷺ ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين.
فقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت وعسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» وجه الدلالة منه أنها لو لم تكن معينة مستمرة التعيين لما حصل لهم العلم بعينها في كل سنة، إذ لو كانت تنتقل لما علموا تعيينها إلا ذلك العام فقط، اللهم إلا أن يقال إنه إنما خرج ليعلمهم بها تلك السنة فقط وقوله: «فتلاحى فلان وفلان فرفعت» فيه استئناس لما يقال إن المماراة تقطع الفائدة والعلم النافع كما جاء في الحديث «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» (١) وقوله «فرفعت» أي رفع علم تعيينها لكم لا أنها رفعت بالكلية من الوجود كما يقوله جهلة الشيعة لأنه قد قال بعد هذا: «فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة».
وقوله: «وعسى أن يكون خيرا لكم» يعني عدم تعيينها لكم فإنها إذا كانت مبهمة اجتهد طلابها في ابتغائها في جميع محال رجائها، فكان أكثر للعبادة بخلاف ما إذا علموا عينها فإنها كانت الهمم تتقاصر على قيامها فقط، وإنما اقتضت الحكمة إبهامها لتعم العبادة جميع الشهر في ابتغائها، ويكون الاجتهاد في العشر الأخير أكثر، ولهذا كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ، ثم اعتكف أزواجه من بعده (٢)، أخرجاه من حديث عائشة. ولهما عن ابن عمر كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر (٣) أخرجاه، ولمسلم عنها كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره وهذا معنى قولها وشد المئزر: وقيل المراد بذلك اعتزال النساء ويحتمل أن يكون كناية عن الأمرين لما رواه الإمام أحمد (٤): حدثنا سريج، حدثنا أبو معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا بقي عشر من رمضان شد مئزره واعتزل نساءه انفرد به أحمد.
وقد حكي عن مالك ﵀ أن في جميع ليالي العشر تطلب ليلة القدر على السواء لا يترجح منها ليلة على أخرى رأيته في شرح الرافعي ﵀، والمستحب الإكثار من الدعاء في جميع الأوقات وفي شهر رمضان أكثر، وفي العشر الأخير منه ثم في أوتاره أكثر والمستحب أن يكثر من هذا الدعاء: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني.
لما رواه الإمام أحمد (٥): حدثنا يزيد هو ابن هارون، حدثنا الجريري وهو سعيد بن إياس
стр. 3881
عن عبد الله بن بريدة أن عائشة قالت: يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر فما أدعو؟ قال:
«قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» (١) وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من طريق كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال «قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» وهذا لفظ الترمذي ثم قال هذا حديث حسن صحيح وأخرجه الحاكم في مستدركه وقال هذا صحيح على شرط الشيخين، ورواه النسائي أيضا من طريق سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: «قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني».
[ذكر أثر غريب ونبأ عجيب يتعلق بليلة القدر] رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم عند تفسير هذه السورة الكريمة فقال: حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطواني، حدثنا سيار بن حاتم حدثنا موسى بن سعيد يعني الراسبي عن هلال بن أبي جبلة، عن أبي عبد السّلام عن أبيه عن كعب أنه قال: إن سدرة المنتهى على حد السماء السابعة مما يلي الجنة فهي على حد هواء الدنيا وهواء الآخرة، علوها في الجنة وعروقها وأغصانها من تحت الكرسي، فيها ملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله ، يعبدون الله على أغصانها في كل موضع شعرة منها ملك ومقام جبريل ﵇ في وسطها فينادي الله جبريل أن ينزل في كل ليلة القدر مع الملائكة الذين يسكنون سدرة المنتهى وليس فيهم ملك إلا قد أعطي الرأفة والرحمة للمؤمنين.
فينزلون مع جبريل في ليلة القدر حين تغرب الشمس، فلا تبقى بقعة في ليلة القدر إلا وعليها ملك إما ساجد وإما قائم يدعو للمؤمنين والمؤمنات، إلا أن تكون كنيسة أو بيعة أو بيت نار أو وثن أو بعض أماكنكم التي تطرحون فيها الخبث، أو بيت فيه سكران أو بيت فيه مسكر أو بيت فيه وثن منصوب، أو بيت فيه جرس معلق أو مبولة أو مكان فيه كساحة البيت، فلا يزالون ليلتهم تلك يدعون للمؤمنين والمؤمنات وجبريل لا يدع أحدا من المؤمنين إلا صافحه، وعلامة ذلك من اقشعر جلده ورق قلبه ودمعت عيناه فإن ذلك من مصافحة جبريل.
وذكر كعب أن من قال في ليلة القدر: لا إله إلا الله ثلاث مرات غفر الله له بواحدة ونجاه من النار بواحدة وأدخله الجنة بواحدة، فقلنا لكعب الأحبار يا أبا إسحاق صادقا، فقال كعب الأحبار: وهل يقول لا إله إلا الله في ليلة القدر إلا كل صادق؟ والذي نفسي بيده إن ليلة القدر لتثقل على الكافر والمنافق حتى كأنها على ظهره جبل، فلا تزال الملائكة هكذا حتى يطلع الفجر، فأول من يصعد جبريل حتى يكون في وجه الأفق الأعلى من الشمس فيبسط جناحيه وله جناحان أخضران لا ينشرهما إلا في تلك الساعة، فتصير الشمس لا شعاع لها ثم يدعو ملكا
стр. 3882
ملكا فيصعد فيجتمع نور الملائكة ونور جناحي جبريل، فلا تزال الشمس يومها ذلك متحيرة، فيقيم جبريل ومن معه بين الأرض وبين السماء الدنيا يومهم ذلك في دعاء ورحمة واستغفار للمؤمنين والمؤمنات ولمن صام رمضان إيمانا واحتسابا، ودعا لمن حدث نفسه إن عاش إلى قابل صام رمضان لله، فإذا أمسوا دخلوا إلى السماء الدنيا فيجلسون حلقا حلقا فتجتمع إليهم ملائكة سماء الدنيا، فيسألونهم عن رجل رجل وعن امرأة امرأة، فيحدثونهم حتى يقولوا ما فعل فلان وكيف وجدتموه العام؟ فيقولون: وجدنا فلانا عام أول في هذه الليلة متعبدا، ووجدناه العام مبتدعا، ووجدنا فلانا مبتدعا ووجدناه العام عابدا، قال: فيكفون عن الاستغفار لذلك ويقبلون على الاستغفار لهذا، ويقولون: وجدنا فلانا وفلانا يذكران الله ووجدنا فلانا راكعا وفلانا ساجدا، ووجدناه تاليا لكتاب الله، قال: فهم كذلك يومهم وليلتهم حتى يصعدون إلى السماء الثانية، ففي كل سماء يوم وليلة حتى ينتهوا مكانهم من سدرة المنتهى: فتقول لهم سدرة المنتهى، يا سكاني حدثوني عن الناس وسموهم لي، فإن لي عليكم حقا، وإني أحب من أحب الله، فذكر كعب الأحبار أنهم يعدون لها ويحكون لها الرجل والمرأة بأسمائهم وأسماء آبائهم، ثم تقبل الجنة على السدرة فتقول: أخبريني بما أخبرك سكانك من الملائكة فتخبرها.
قال: فتقول الجنة رحمة الله على فلان ورحمة الله على فلانة، اللهم عجلهم إلي فيبلغ جبريل مكانه قبلهم، فيلهمه الله فيقول: وجدت فلانا ساجدا فاغفر له، فيغفر له، فيسمع جبريل جميع حملة العرش فيقولون: رحمة الله على فلان ورحمة الله على فلانة ومغفرته لفلان، ويقول: يا رب وجدت عبدك فلانا الذي وجدته عام أول على السنة والعبادة، ووجدته العام قد أحدث حدثا وتولى عما أمر به فيقول الله: يا جبريل إن تاب فأعتبني قبل أن يموت بثلاث ساعات غفرت له. فيقول جبريل لك الحمد إلهي أنت أرحم من جميع خلقك وأنت أرحم بعبادك من عبادك بأنفسهم، قال: فيرتج العرش وما حوله والحجب والسموات ومن فيهن تقول الحمد لله الرّحيم الحمد لله الرّحيم. قال وذكر كعب أنه من صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر بعد رمضان أن لا يعصي الله، دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب، آخر تفسير سورة ليلة القدر. ولله الحمد والمنة.
تفسير سورة البينة
مدنية
قال الإمام أحمد (١): حدثنا عفان، حدثنا حماد هو ابن سلمة، أخبرنا علي هو ابن زيد عن
стр. 3883
عمار بن أبي عمار قال: سمعت أبا حية البدري وهو مالك بن عمرو بن ثابت الأنصاري قال:
لما نزلت ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ إلى آخرها قال جبريل: يا رسول الله إن ربك يأمرك أن تقرئها أبيا. فقال النبي ﷺ لأبي «إن جبريل أمرني أن أقرئك هذه السورة» قال أبي:
وقد ذكرت ثم يا رسول الله؟ قال «نعم» قال: فبكى أبي.
[حديث آخر] وقال الإمام أحمد (١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت قتادة يحدث أن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بن كعب: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ قال: وسماني لك؟ قال «نعم» فبكى (٢) ورواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث شعبة به.
[حديث آخر] قال الإمام أحمد (٣): حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، حدثنا أسلم المنقري عن عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي بن كعب قال: قال لي رسول الله ﷺ : «إني أمرت أن أقرأ عليك سورة كذا وكذا» قلت: يا رسول الله وقد ذكرت هناك؟ قال «نعم» فقلت له: يا أبا المنذر ففرحت بذلك. قال: وما يمنعني والله يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] قال مؤمل: قلت لسفيان القراءة في الحديث؟ قال: نعم. تفرد به من هذا الوجه.
[طريق أخرى] قال أحمد (٤): حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا: حدثنا شعبة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب قال: إن رسول الله ﷺ قال لي: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن-قال فقرأ- ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ -قال فقرأ فيها-ولو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه لسأل ثانيا، ولو سأل ثانيا فأعطيه لسأل ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب. وإن ذلك الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل خيرا فلن يكفره» (٥) ورواه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي عن شعبة به وقال: حسن صحيح.
[طريق أخرى] قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن خليد الحلبي، حدثنا محمد بن عيسى الطباع، حدثنا معاذ بن محمد بن معاذ بن أبي بن كعب عن أبيه عن جده عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا المنذر إني أمرت أن أعرض عليك القرآن» قال:
стр. 3884
بالله آمنت وعلى يدك أسلمت ومنك تعلمت، قال: فرد النبي ﷺ القول، قال: فقال:
يا رسول الله أذكرت هناك؟ قال: «نعم باسمك ونسبك في الملأ الأعلى» قال: فاقرأ إذا يا رسول الله، هذا غريب من هذا الوجه.
والثابت ما تقدم وإنما قرأ عليه النبي ﷺ هذه السورة تثبيتا له وزيادة لإيمانه، فإنه كما رواه أحمد والنسائي من طريق أنس عنه، ورواه أحمد وأبو داود من حديث سليمان بن صرد عنه، ورواه أحمد عن عفان عن حماد عن حميد عن أنس عن عبادة بن الصامت عنه، ورواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله بن عيسى عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عنه-كان قد أنكر على إنسان وهو عبد الله بن مسعود قراءة شيء من القرآن على خلاف ما أقرأه رسول الله ﷺ ، فرفعه إلى النبي ﷺ فاستقرأهما وقال لكل منهما «أصبت» قال أبي: فأخذني من الشك ولا إذ كنت في الجاهلية، فضرب رسول الله ﷺ في صدره، قال أبي: ففضت عرقا وكأنما أنظر إلى الله فرقا، وأخبره رسول الله ﷺ أن جبريل أتاه فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف. فقلت: أسأل الله معافاته ومغفرته فقال: على حرفين» فلم يزل حتى قال: «إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف»، كما قدمنا ذكر هذا الحديث بطرقه ولفظه في أول التفسير، فلما نزلت هذه السورة وفيها ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣] قرأها عليه رسول الله ﷺ قراءة إبلاغ وتثبيت وإنذار، لا قراءة تعلم واستذكار والله أعلم.
وهذا كما أن عمر بن الخطاب لما سأل رسول الله ﷺ يوم الحديبية عن تلك الأسئلة وكان فيما قال أو لم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به، قال: «بلى أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا» قال: لا. قال: «فإنك آتيه ومطوف به» فلما رجعوا من الحديبية وأنزل الله على النبي ﷺ سورة الفتح دعا عمر بن الخطاب فقرأها عليه وفيها قوله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] الآية كما تقدم.
وروى الحافظ أبو نعيم في كتابه أسماء الصحابة من طريق محمد بن إسماعيل الجعفري المدني حدثنا عبد الله بن سلمة بن أسلم عن ابن شهاب عن إسماعيل بن أبي حكيم المدني، حدثني فضيل: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ليسمع قراءة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فيقول أبشر عبدي فوعزتي لأمكنن لك في الجنة حتى ترضى» حديث غريب جدا، وقد رواه الحافظ أبو موسى المديني وابن الأثير من طريق الزهري عن إسماعيل بن أبي حكيم عن نظير المزني-أو المدني-عن النبي ﷺ : «إن الله ليسمع قراءة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ويقول أبشر عبدي، فوعزتي لا أنساك على حال من أحوال الدنيا والآخرة ولأمكنن لك في الجنة حتى ترضى».
стр. 3885
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة البينة (٩٨): الآيات ١ إلى ٥]
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾
أما أهل الكتاب فهم اليهود والنصارى والمشركون عبدة الأوثان والنيران من العرب ومن العجم، وقال مجاهد: لم يكونوا ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ يعني منتهين حتى يتبين لهم الحق وهكذا قال قتادة ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي هذا القرآن، ولهذا قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. ثم فسر البينة بقوله: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً﴾ يعني محمدا ﷺ وما يتلوه من القرآن العظيم الذي هو مكتتب في الملأ الأعلى في صحف مطهرة، كقوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:
١٣ - ١٦]، وقوله تعالى: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ قال ابن جرير: أي في الصحف المطهرة كتب من الله قيمة عادلة مستقيمة ليس فيها خطأ لأنها من عند الله .
قال قتادة: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً﴾ يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء، وقال ابن زيد ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ مستقيمة معتدلة، وقوله تعالى: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ كقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] يعني بذلك أهل الكتب المنزلة على الأمم قبلنا، بعد ما أقام الله عليهم الحجج والبينات تفرقوا واختلفوا في الذي أراده الله من كتبهم واختلفوا اختلافا كثيرا، كما جاء في الحديث المروي من طرق: «إن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى اختلفوا على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» (١).
وقوله تعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ كقوله: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] ولهذا قال: ﴿حُنَفاءَ﴾ أي متحنفين عن الشرك إلى التوحيد كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقد تقدم تقرير الحنيف في سورة الأنعام بما أغنى عن إعادته هاهنا ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وهي أشرف عبادات البدن ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ وهي الإحسان إلى الفقراء والمحاويج ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي الملة القائمة العادلة أو الأمة المستقيمة المعتدلة، وقد استدل كثير من الأئمة كالزهري والشافعي بهذه الآية الكريمة أن الأعمال داخلة في الإيمان، ولهذا قال:
стр. 3886
﴿إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾.
[سورة البينة (٩٨): الآيات ٦ إلى ٨]
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾
يخبر تعالى عن مآل الفجار من أهل كفرة الكتاب والمشركين المخالفين لكتب الله المنزلة وأنبياء الله المرسلة أنهم يوم القيامة ﴿فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ أي ماكثين لا يحولون عنها ولا يزولون ﴿أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ أي شر الخليقة التي برأها الله وذرأها ثم أخبر تعالى عن حال الأبرار الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بأبدانهم بأنهم خير البرية، وقد استدل بهذه الآية أبو هريرة وطائفة من العلماء على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة لقوله:
﴿أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي يوم القيامة ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾ أي بلا انفصال ولا انقضاء ولا فراغ ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ومقام رضاه عنهم أعلى مما أوتوه من النعيم المقيم ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فيما منحهم من الفضل العميم.
وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي هذا الجزاء حاصل لمن خشي الله واتقاه حق تقواه، وعبده كأنه يراه وعلم أنه إن لم يره فإنه يراه.
وقال الإمام أحمد (١): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بخير البرية؟» قالوا بلى يا رسول الله. قال: «رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما كانت هيعة استوى عليه. ألا أخبركم بخير البرية؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «رجل في ثلة من غنمه يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. ألا أخبركم بشر البرية؟» قالوا: بلى قال: «الذي يسأل بالله ولا يعطي به».
آخر تفسير سورة لم يكن، ولله الحمد والمنة.
تفسير سورة الزلزلة
وهي مكية
قال الإمام أحمد (٢): حدثنا أبو عبد الرّحمن، حدثنا سعيد، حدثنا عياش بن عباس عن
стр. 3887
عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو قال: أتى رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: «أقرئني يا رسول الله»، قال له: «اقرأ ثلاثا من ذوات الراء» فقال له الرجل: كبر سني واشتد قلبي وغلظ لساني، قال: «فاقرأ من ذوات حم» فقال مثل مقالته الأولى، فقال «اقرأ ثلاثا من المسبحات» فقال مثل مقالته، فقال الرجل: ولكن أقرئني يا رسول الله سورة جامعة فأقرأه: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ حتى إذا فرغ منها قال الرجل: والذي بعثك بالحق نبيا لا أزيد عليها أبدا، ثم أدبر الرجل فقال رسول الله ﷺ : «أفلح الرويجل، أفلح الرويجل-ثم قال-علي به-فجاءه فقال له-أمرت بيوم الأضحى جعله الله عيدا لهذه الأمة» فقال له الرجل: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى فأضحي بها؟ قال: «لا ولكنك تأخذ من شعرك وتقلم أظافرك وتقص شاربك وتحلق عانتك فذاك تمام أضحيتك عند الله » (١) وأخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي عبد الرّحمن المقرئي به.
وقال الترمذي (٢): حدثنا محمد بن موسى الحرشي البصري حدثنا الحسن بن سلم بن صالح العجلي، حدثنا ثابت البناني عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ إذا زلزلت عدلت له بنصف القرآن» ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن سلم، وقد رواه البزار عن محمد بن موسى الحرشي عن الحسن بن سلم عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، و ﴿إِذا زُلْزِلَتِ﴾ تعدل ربع القرآن» هذا لفظه.
وقال الترمذي (٣) أيضا: حدثنا علي بن حجر. حدثنا يزيد بن هارون حدثنا يمان بن المغيرة العنزي، حدثنا عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا زلزلت تعدل نصف القرآن، وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، وقل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن، ثم قال غريب لا نعرفه إلا من حديث يمان بن المغيرة.
وقال أيضا حدثنا عقبة بن مكرم العمي البصري حدثني ابن أبي فديك أخبرني سلمة بن وردان عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال لرجل من أصحابه: «هل تزوجت يا فلان» قال:
لا والله يا رسول الله ولا عندي ما أتزوج؟ -قال: «أليس معك قل هو الله أحد-قال بلى-قال -ثلث القرآن-قال أليس معك إذا جاء نصر الله والفتح؟ -قال بلى. قال ربع القرآن-قال- أليس معك قل يا أيها الكافرون؟ -قال بلى قال-ربع القرآن-قال-أليس معك إذا زلزلت الأرض-قال بلى، قال-ربع القرآن، تزوج تزوج» ثم قال هذا حديث حسن، تفرد بهن ثلاثتهن الترمذي لم يروهن غيره من أصحاب الكتب.
стр. 3888
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ١ إلى ٨]
﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾
قال ابن عباس: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ أي تحركت من أسفلها ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾ يعني ألقت ما فيها من الموتى قاله غير واحد من السلف، وهذه كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] وكقوله: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٣ - ٤].
وقال مسلم في صحيحه: حدثنا واصل بن عبد الأعلى حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «تلقي الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت يدي ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا» (١).
وقوله : ﴿وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها﴾ أي استنكر أمرها بعد ما كانت قارة ساكنة ثابتة وهو مستقر على ظهرها أي تقلبت الحال فصارت متحركة مضطربة قد جاءها من أمر الله تعالى ما قد أعده لها من الزلزال الذي لا محيد لها عنه، ثم ألقت ما في بطنها من الأموات من الأولين والآخرين، وحينئذ استنكر الناس أمرها وتبدلت الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ أي تحدث بما عمل العاملون على ظهرها. قال الإمام أحمد (٢): حدثنا إبراهيم حدثنا ابن المبارك وقال الترمذي وأبو عبد الرّحمن النسائي واللفظ له حدثنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله هو ابن المبارك عن سعيد بن أبي أيوب عن يحيى بن أبي سليمان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية:
﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ قال: «أتدرون ما أخبارها؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها أن تقول عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا فهذه أخبارها» (٣) ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وفي معجم الطبراني من حديث ابن لهيعة حدثني الحارث بن يزيد سمع ربيعة الجرشي أن رسول الله ﷺ قال: «تحفظوا
стр. 3889
من الأرض فإنها أمكم وإنه ليس من أحد عامل عليها خيرا أو شرا إلا وهي مخبرة».
وقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ قال البخاري (١): أوحى لها وأوحى إليها ووحى لها ووحى إليها واحد، وكذا قال ابن عباس: ﴿أَوْحى لَها﴾ أي أوحى إليها، والظاهر أن هذا مضمن بمعنى أذن لها. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ قال: قال لها ربها قولي فقالت، وقال مجاهد: ﴿أَوْحى لَها﴾ أي أمرها، وقال القرظي: أمرها أن تنشق عنهم.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً﴾ أي يرجعون عن موقف الحساب ﴿أَشْتاتاً﴾ أي أنواعا وأصنافا ما بين شقي وسعيد مأمور به إلى الجنة ومأمور به إلى النار، قال ابن جريج:
يتصدعون أشتاتا فلا يجتمعون آخر ما عليهم، وقال السدي: ﴿أَشْتاتاً﴾ فرقا. وقوله تعالى:
﴿لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ﴾ أي ليعلموا بما عملوه في الدنيا من خير وشر، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
قال البخاري (٢): حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني مالك عن زيد بن أسلم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الخيل لثلاثة، لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر. فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال طيلها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك في المرج والروضة كان له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن تسقى به كان ذلك حسنات له، وهي لذلك الرجل أجر. ورجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي له ستر، ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء فهي على ذلك وزر» فسئل رسول الله ﷺ عن الحمر فقال: «ما أنزل الله فيها شيئا إلا هذه الآية الفاذة الجامعة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ورواه مسلم (٣) من حديث زيد بن أسلم به.
وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا جرير بن حازم، حدثنا الحسن عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق أنه أتى النبي ﷺ فقرأ عليه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ قال: حسبي لا أبالي أن لا أسمع غيرها. وهكذا رواه النسائي في التفسير عن إبراهيم بن محمد بن يونس المؤدب عن أبيه، عن جرير بن حازم عن الحسن البصري قال: حدثنا صعصعة عم الفرزدق فذكره.
стр. 3890
وفي صحيح البخاري عن عدي مرفوعا «اتقوا النار ولو بشق تمرة ولو بكلمة طيبة» (١) وله أيضا في الصحيح «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط» (٢) وفي الصحيح أيضا «يا معشر نساء المؤمنات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» (٣) يعني ظلفها، وفي الحديث الآخر «ردوا السائل ولو بظلف محرق» (٤).
وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «يا عائشة استتري من النار ولو بشق تمرة فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان» تفرد به أحمد. وروي عن عائشة أنها تصدقت بعنبة وقالت: كم فيها من مثقال ذرة (٦).
وقال الإمام أحمد (٧): حدثنا أبو عامر، حدثنا سعيد بن مسلم، سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير، حدثني عوف بن الحارث بن الطفيل، أن عائشة أخبرته أن النبي ﷺ كان يقول:
«يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالبا» (٨) ورواه النسائي وابن ماجة من حديث سعيد بن مسلم بن بانك به.
وقال ابن جرير (٩): حدثني أبو الخطاب الحساني، حدثنا الهيثم بن الربيع، حدثنا سماك بن عطية، عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال: كان أبو بكر يأكل مع النبي ﷺ فنزلت هذه الآية ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ فرفع أبو بكر يده وقال: يا رسول الله إنّي أجزى بما عملت من مثقال ذرة من شر فقال: «يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر، ويدخر الله لك مثاقيل ذر الخير حتى توفاه يوم القيامة» ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي الخطاب به، ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب قال: في كتاب أبي قلابة عن أبي إدريس، إن أبا