Полный текст (6 903 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
فذلك شىء لا يلتفتون إليه، بعد أن أخذوا خير ما في هذه الدنيا، وهو الإيمان..
فليكن الموت، وليكن التمثيل والتنكيل بهم، إنهم لصابرون على المحنة، موطنون النفس على البلاء، يرجون من الله أن يمدهم بأمداد من الصبر والعزم:
«رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ» .
وإفراغ الصبر: صبّه صبّا عليهم، حتى يمتلىء كيانهم به.. فإن المحنة قاسية، والبلاء شديد، وذلك أمر يحتاج إلى كثير من أمداد الصبر من ربّ العالمين.
الآيات: (١٢٧- ١٢٩) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٢٧ الى ١٢٩]
وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)
التفسير: وإذ يحذل فرعون في معركة المنطق والعقل، وإذ تفحمه الآيات التي طلع بها عليه موسى، فإنه يلجأ إلى منطق القوة، ويعمد إلى سلاح البغي والعدوان، فيسلطه على خصمه، ويضرب به في غير مبالاة..
стр. 1612
وانظر كيف يعمى البغي أهله عن مواقع الحق، وكيف يزيّن لهم الضلال فيرونه هدى.
«قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ» .
موسى إذن هو الذي يفسد في الأرض؟ وهو الذي ما جاء إلا ليخلّص أناسا استذلّهم فرعون، وسامهم سوء العذاب؟ إنه ما جاء ليشارك فرعون في ملكه، ولا لينازعه سلطانه.. وإنما جاء ليستنقذ أناسا من العبودية، ويرفع عنهم يد التسلط والبغي.. فكيف تصح تلك الدعوى التي يدعونها عليه؟
وفي قول الملأ من قوم فرعون: «وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ» تحريض قوى لفرعون على أن يضرب ضربته، وأن يعجّل بها قبل أن يتابع الناس موسى، ويدخلوا في دعوته، ويؤمنوا بالله كما آمن السحرة، فلا يبقى إلا فرعون وتلك المعبودات التي يعبدها..!
وينظر فرعون في هذا القول، وترتسم له الصورة التي يطل بها عليه، لو أنّه ترك موسى وشأنه.. إن فرعون إذا صبر على تلك الحال، فسوف يتخلّى عنه كل شىء، حتى هذ الملأ الذين حوله من أعوان ووزراء.. إنه وحده الذي سيظل على دينه.. هذا إذا لم ترغمه الظروف وتقهره على أن ينقاد لموسى ويصبح من أتباعه!! وتغيم الدنيا في وجه فرعون، ويستبدّ به جنون الكبر والسلطان، فيصدر حكمه على موسى وقومه جميعا:
«قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ» ..
إنه استئصال لهؤلاء القوم، وقتل بطيء لهم بقتل أولادهم، وإذلال شديد
стр. 1613
لهم، باستباحة نسائهم، وبهذا تظل يد فرعون عليهم قاهرة متسلطة.. وفي هذا نذير لمن تسوّل له نفسه أن يتابع موسى أو يتصل به.
واستحياء المرأة، هو تعرّضها لما يخدش حياءها أو يجرحه.. وذلك باستدعاء حيائها، حين تواجه بما تنكره الحرّة وتأباه العفيفة.
ويقع البلاء بقوم موسى وتنزل الضربات عليهم من كل وجه، فى أنفسهم، وفي أبنائهم، وفي نسائهم.. ونذكر هنا قول الله سبحانه في الآيات السابقة: «ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها» أي فظلموا ومعهم هذه الآيات التي جاءهم بها موسى، فكانت تلك الآيات في أيديهم أداة من أدوات الظلم والبغي.
ويدعو موسى قومه إلى الصبر والاحتمال في مواجهة هذه المحنة:
«قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» وتكون العاقبة دائما للمتقين..
ويجزع القوم- قوم موسى- ولا يصبرون على هذا البلاء الذي أخذهم فرعون به ويلقون موسى لائمين ساخطين «قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا» ..
ويجيبهم موسى متلطفا مترفقا:
«عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» .
أي اصبروا، فلعل الله يرفع عنكم هذا البلاء، ويهلك عدوكم، ويجعلكم أصحاب جاه وسلطان، ليبلوكم فيما آتاكم، فينظر كيف تعملون وأنتم في لباس الجاه والسلطان.. هل ترعون حق الله، وتؤدّون بعض ما لفضله عليكم من
стр. 1614
حق؟ أم تكفرون بالله، وتفسدون في الأرض كما يفسد كثير من أصحاب الجاه والسلطان؟ ذلك ما تكشف عنه الأيام منكم.. وإنها لتكشف عن أسوأ عباد الله، وأكثرهم بغيا وفسادا، إذا لبستهم نعمة، ووقع ليدهم سلطان!
الآيات: (١٣٠- ١٣٣) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٠ الى ١٣٣]
وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (١٣٣)
التفسير: ويقيم بنو إسرائيل على ضربات الذل والاستبداد، يرميهم بها فرعون.. وموسى يدعوهم إلى الصبر، حتى يحكم الله بينهم وبين فرعون..
ويتلقى فرعون وآله ضربات السماء، ضربة بعد ضربة، وكل واحدة منها تحمل شارة من شارات السماء، بأنها آية من عند الله، وعقاب واقع بالقوم لهذا الموقف المتحدّى الذي وقفوه من موسى، بعد أن جاءهم بآيات الله.
وأول ضربة نزلت بالقوم كانت بلاء حلّ بأقواتهم، فيما تجىء به الزروع من غلات وثمرات.
стр. 1615
«وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ» .
والمراد بالسنين هنا، هو الجدب الذي يجىء من نقصان النيل، وقلة الماء الذي يجىء به، الأمر الذي يترتب عليه جفاف الزرع، وقلة الثمر.. يقال أسنت القوم أي دخلوا في سنة جدباء.
وهذه ضربة ربما لم ينكشف للقوم فيها وجه العبرة سافرا، إذ كثيرا ما كان يفعل النيل شيئا من هذا معهم، وإن كانت فعلاته في تلك المرّة أمرّ وأقسى.
وقد عرفت مصر سبع سنين عجافا كما ذكر القرآن الكريم ذلك في زمن يوسف ﵇، وكان ذلك من قلة ماء النيل في هذه السنين. فإذا فاض النيل في سنة قالوا هذا مما هو من حظنا ورزقنا، وإذا أمسك النيل في سنة أخرى تشاءموا بموسى ومن معه، وعدوّا ذلك من شؤم موسى وجماعته.
«فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ» .
والحسنة هنا هى السنة المعاطاة للخير ووفرة الثمر، والسيئة، هى السنة الجديب التي لا يحيا فيها زرع، ولا يجىء ثمر..
والتطير: هو التشاؤم على عادة العرب من زجر الطير، فكانوا إذا أطلقوا طائرا، فطار إلى اليمين.. تيامنوا به، واستبشروا، وسمّوه «سانحا» فإذا طار إلى اليسار تشاءموا به وسمّوه «بارحا» .
وقوله تعالى: «أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ» إشارة إلى أن ما ينزل بهم من خير أو سر، وما يحل بهم من بلاء أو عافية، هو من عند الله، وأن ليس
стр. 1616
لموسى ولا لقومه شىء في هذا الأمر كله.. وأن الطائر الذي تتعلق به الأبصار، وتتعرف على وجه الخير أو الشرّ منه، ليس هو هذا الطائر السابح في السماء، ولكنه طائر من عند الله، إن شاء أرسله عليهم رزقا وخيرا، وإن شاء أرسله نحسا وبلاء. وفي التعبير عنه بالطائر، إشارة إلى أنه يتنزّل من عل.
والصورة كلها قائمة على «المجاز» جريا على عادة العرب.. وإن كان لكل قوم أسلوبهم في التفاؤل والتشاؤم.
ويمضى فرعون وقومه في العناد والتحدي، على رغم هذه النّذر التي تطلع عليهم «لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ» ولكنهم لا يتذكرون، ولا يتعظون! «وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ» .
وتجىء الضّربات بعد هذا:
«فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ» .
والطوفان هنا هو فيضان النيل، وتدفق مياهه في غزارة وجنون، حتى ليغرق السّهل والوعر، وبكاد ينتزع البلاد والعباد، ويهلك الحرث والنسل..
ومن هنا يمكن أن ندرك أن «الطوفان» الذي كان في عهد نوح ﵇، لم يكن طوفانا عاما شاملا العالم كله، وإنما كان طوفانا محدودا فى هذه الرقعة من الأرض، التي كان يعيش فيها هو وقومه..
والجراد: آفة مهلكة إذا طلعت أسرابه على الزرع أتت عليه، فلم تبق منه ثمرا ولا ورقا..
والقمّل: حشرة صغيرة، تسكن الأجساد القدرة، وتعيش على ما تمتصه
стр. 1617
من الدم.. وقيل هى صغار الجراد، وهى أشدّ فتكا وأكثر بلاء من كباره.
والضفادع: جمع ضفدع، وهى حيوان مائى، برّى.. بشع المنظر، مزعج الصوت.
والدم: سائل يجرى في عروق الكائن الحىّ، إذا خرج من العروق تجمّد..
وقد سلّط الله هذه الآفات على فرعون وملائه، واحدة بعد أخرى، فكانوا إذا نزل بهم البلاء طلبوا إلى موسى أن يسأل ربّه رفع هذا البلاء، وأنه إذا استجاب له ربّه فيهم، وعافاهم مما نزل بهم، آمنوا به، وصدقوا رسالته، واستجابوا لدعوته فى إرسال بنى إسرائيل معه.. حتى إذا رفع عنهم البلاء نكثوا العهد، وساروا سيرتهم في بني إسرائيل، فيرسل الله عليهم آفة أخرى.
وهكذا.. تأخذهم الشدة، فيفزعون ويؤمنون، فإذا مستهم العافية، تمردوا على الله، وكفروا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ.. آياتٍ مُفَصَّلاتٍ» أي آيات ظاهرة واضحة بينة، كل آية منفصلة عن الأخرى زمنا، ومختلفة أثرا.. حتى يكون في الانفصال الزمنى فرصة للمراجعة والرجوع إلى الله، وحتى يكون في اختلاف الأثر، وفي تذوّق تلك الطعوم المرّة المختلفة لهذه المحن، ما يجعل البلاء شاملا لهم جميعا، على اختلاف معايشهم، وتنوع أحوالهم، وتباين طبائعهم..
فمن لم يصبه الطوفان في ماله، أو نفسه، أصابه الجراد أو القمّل، أو الضفادع، أو الدم.. وهكذا لا يسلم أحد منهم من أن تلبسه المحنة، وتشتمل عليه.
وهذه الآفات.. من طوفان، وجراد، وقمّل، وضفادع، ودم- إنما تكون بلاء حين تجاوز الحدّ، وتخرج على غير المألوف، بحيث تغطى وجه
стр. 1618
الحياة على الإنسان، وتسدّ عليه منافذ التحرك إلى أي اتجاه.. إنها حينئذ تكون نقمة من أقسى النقم، ولو كانت في أصلها مما يطلبه الإنسان ويحرص عليه..!
وقد قيل عن الضفادع مثلا، إنها كانت من الكثرة بحيث لا يجد الإنسان مكانا يضع عليه قدمه ... فكيف إذا أراد النوم، أو الطعام، أو نحو هذا؟.
وقالوا في الدم، إنه كان مسلطا على أي طعام أو شراب لهم.. فإذا مدّ الإنسان يده إلى الطعام، ثم رفعه إلى فمه تحول إلى مادة ملطخة بالدم، منغمسة فيه، وإذا تناول شربه من ماء، وأراد شربها استحالت دما مسفوحا..! فما أعظم هذه البلاء، وما أشد هذا الكرب.!
الآيات: (١٣٤- ١٣٧) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٤ الى ١٣٧]
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)
стр. 1619
التفسير: الرجز ما يسوء وجهه، وأثره.. من الأمور، وهو مقلوب كلمة «زجر» فكأنه رجز ينقلب زجرا لمن يحلّ به.
وقوله تعالى: «وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ» أي لما نزل بهم البلاء، وحلّ بهم العذاب.
«قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ» أي لجئوا إلى موسى، ومدوا أيديهم إلى مصافحة عدوّهم، يسألونه العون والنّجدة.. ولكن في كبر وعناد.. «يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ»
.. فهم ما زالوا على كفرهم، لا يؤمنون بالإله الذي آمن به موسى ودعاهم إليه، فهو رب موسى لا ربهم: «ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ» أي بما بينك وبينه من صلة، ومالك عنده من عهد باستجابة ما تدعوه به.
«لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ» أي لئن استطعت بما بينك وبين ربك من صلة، أن تكشف عنا هذا البلاء لنؤمنن لك ولنرسلنّ معك بنى إسرائيل، ونطلقهم من أيدينا، لينطلقوا إلى حيث تشاء.
والقوم مبيتون النية على الغدر بهذا العهد والنكوص عنه، وفي كلماتهم ما يفضح هذا الغدر الذي ضمّت عليه صدورهم..
فهم- أولا- ينسبون إلى موسى أنه هو الذي يكشف عنهم البلاء، بحيلة أو بأخرى من حيله، «فيقولون لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ» ولم يقولوا «لئن كشف ربّك عنّا الرجز» .. إنهم لا يعترفون- فى قرارة أنفسهم- بأن هناك ربّا غير الأرباب التي يعبدونها..
وهم- ثانيا- لا يؤمنون بالله إذا انكشف عنهم البلاء، بل يؤمنون
стр. 1620
بموسى، فيقولون: «لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ» ولم يقولوا: لنؤمننّ بإلهك!.
«فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ» ..
فلقد كشف الله عنهم الرجز إلى أجل، أي كشفا مؤقّتا، لينكشف ما هم عليه من غدر ومكر.. وقد انكشف غدرهم ومكرهم، فنكثوا هذا العهد، ولم يؤمنوا بموسى، ولم يرسلوا معه بنى إسرائيل.. بل عادوا معهم سيرتهم الأولى، فى صورة أشدّ وأنكى.
«فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ» وتلك هى عقبى الدين ظلموا.. لقد أغرقهم الله بذنوبهم، بسبب تكذيبهم بآيات الله، وغفلتهم عن مواقع العبرة والعظة منها..
«وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ: مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها» .. القوم الذين كانوا يستضعفون هم قوم موسى، وقد منّ الله عليهم بالخلاص من يد فرعون بعد أن أهلكه.
وفي قوله تعالى: «وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها» إشارة إلى أن فرعون هذا الذي كان يحسب أنه من الخالدين، قد أهلكه الله، وأن هؤلاء القوم الذين كانوا شيئا مرذولا في الحياة لعين فرعون ولآل فرعون، قد ورثوا هم الحياة بعده، وها هم أولاء على الأرض أحياء، على حين أصبح فرعون وملأه في الهالكين.
والمراد بمشارق الأرض ومغاربها: سعة هذه الأرض، وقدرتهم على التحرك فيها، والتنقّل بين شرقها وغربها، غير مضيّق عليهم من أحد..
فهى أرض ذات آفاق متعددة، كل أفق منها مشرق ومغرب، فهى بهذا الاتساع، مشارق ومغارب.
والمراد بالأرض التي بارك الله فيها، هى الأرض المقدّسة التي دعاهم
стр. 1621
موسى بعد ذلك إلى دخولها، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى على لسان موسى:
«يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ» .
والمراد بالكلمة الحسنى في قوله تعالى: «وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا» هى الكلمة التي وعد الله بها بنى إسرائيل على لسان موسى، وهو أنهم سيخلصون من هذا البلاء كما قال الله تعالى: «قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» .. فهم إذا استعانوا بالله وصبروا كانت العاقبة لهم.
وتمام الكلمة، إنجاز ما فيها من وعد كريم..
وكون الكلمة حسنى لأنها تحمل إلى بنى إسرائيل الرحمة والنعمة، لا البلاء والنقمة، وكلمات الله كلها حسنى، ما حمل منها الرحمة، وما حمل البلاء.. ولكن حين تكون كلمة الله مبشرة هى غيرها حين تكون منذرة ... وذلك في واقع حياة الناس، وفي حسابهم.. أما كلمات الله فكلها الحسن والكمال.
وقوله تعالى: «وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ» إشارة إلى ما حلّ بدولة فرعون، وما وقع فيها من اضطراب وفساد بعد أن هلك، وهلك رءوس القوم معه، فقد صار أمر الناس إلى فوضى واضطراب، ففسد كل شىء كان صالحا، وخرب كل مكان كان عامرا، من ديار وزروع.. معروشات وغير معروشات.
стр. 1622
الآيات: (١٣٨- ١٤١) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٨ الى ١٤١]
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)
التفسير: ما كاد بنو إسرائيل يخلصون من يد فرعون وتزايلهم مشاعر الخوف والفزع التي كانت مستولية عليهم- حتى تنبّهت فيهم غريزة المكر واللؤم، وحتّى تحرك فيهم داء اللّجاج والعناد.. فإنهم ما إن رأوا أناسا يتعبدون لأوثان وأصنام، حتى سألوا موسى أن يأخذ لهم نصيبهم من هذا الباطل الذي بين يدى هؤلاء النّاس! إنهم يحسدون الناس على أي شىء يقع لهم حتى ولو كان بلاء وشرّا! وقوله تعالى: «وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ» أي نقلناهم من شاطئه الغربي إلى الشاطئ الشرقي، فجاوزوه وخلّفوه وراءهم..
«فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ» أي فمروا بقوم منهمكين فى عبادة الأصنام التي اتخذوها آلهة لهم.
«قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ» .. إنهم مع إيمانهم بأن الله واحد لا شريك له، فإنهم لن يعبدوه، بل ولن يؤمنوا به حتى يتجسّد لهم ويروه رأى العين.. فهم يطلبون إلى موسى أن يجسّد لهم الله، وأن يصوره لهم على أية صورة محسوسة مجسّده.
وذلك ضلال مبين، وجهل جهول.. فكيف تكون لله صورة؟
وكيف يحويه شىء؟ إنه لو تصوّر لتحدّد، ولو تحدّد لاحتواه المكان
стр. 1623
والزمان، وهذا يعنى أنه دون المكان والزمان، إذ اشتملاه واحتويا عليه!! ولهذا كان جواب موسى: «إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ» إذ لا يقول هذا القول فى الله إلا من جهل قدر الله، ولم يعرف ما لله من كمال وجلال..
«إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» ..
ثم زاد موسى القوم علما وبيانا، فكشف لهم عن عبدة الأصنام هؤلاء، وأن هذا الذي هم فيه من عبادة الأصنام ليس إلا غيّا وضلالا، وإلا عبثا ولعبا..
والمتبّر: الهالك الضائع، والتبار: الهلاك والفساد.. وهذا هم فيه ضلال وبوار.. لا يثمر إلا ضلالا وبوارا..
«قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ» أعاد موسى القول هنا لأنه في مواجهة مباشرة لبنى إسرائيل، بعد أن كان الخطاب متجها إلى عبدة الأصنام..
وقوله: «أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً» أي أأطلب لكم إلها غير الله الذي رأيتم آياته فيكم، وكيف فعل بعدوّكم؟
وقوله: «وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ» المراد بالعالمين، الجماعات التي كانت معروفة لهم يومئذ، وقد فضلهم الله عليهم لأنهم كانوا أهل كتاب، وعلى إيمان بالله، على حين كانت الأمم المتصلة بهم أمما وثنية، تدين بعبادة معبودين غير الله.
«وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ» أي إذا لم تعرفوا الله في جلال ذاته، وفي عظمة ملكه، فاعرفوه بما أنعم به عليكم، وبما له من آثار واضحة فيكم.. فقد كنتم في بلاء يصبّ عليكم صبّا من آل فرعون.. «يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ» أي
стр. 1624
يكرهونكم إكراها على هذا العذاب الأليم، الذي يسوقونكم سوقا إليه، كما تساق السائمة، لا تملك من أمرها شيئا.. «يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ» أي في هذا الذي كنتم فيه، وفى هذا الذي صرتم إليه، بلاء من ربكم واختبار لكم.. ففى الحال الأولى اختبار لصبركم على الضرّ، وفي الحال الثانية اختبار لقيامكم بالشكر.
الآيات: (١٤٢- ١٤٤) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤٢ الى ١٤٤]
وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)
التفسير: الواو في قوله تعالى: «وَواعَدْنا» ، للاستئناف، حيث بدأت الآيات تعرض وجها آخر من وجوه قصة موسى مع بني إسرائيل..
وقوله تعالى: «وَواعَدْنا» المواعدة لا تكون إلا بين طرفين، والله هو الذي جعل لموسى هذا الموعد للقائه. ولكن لما كان موسى هو الذي تلقّى هذا الموعد وامتثله دون مراجعة، فكأنه كان عن اتفاق ورضى بينه وبين ربه على هذا الموعد، فصح أن يكون طرفا فيه.
وفي هذا تكريم لموسى، واحتفاء به!
стр. 1625
وفي قوله تعالى: «ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» - فى هذا ما يسأل عنه، وهو: -لماذا جاء النظم هكذا: «وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» ولو جاء من أول الأمر:
«وواعدنا موسى أربعين ليلة» لكان ذلك مؤديا المعنى، مع الإيجاز، الذي هو أسلوب القرآن الغالب فيه؟.
والجواب: أن الله ذكر ذلك الموعد في سورة البقرة بقوله تعالى: «وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (٥١: البقرة) وسورة البقرة مدنية، وسورة الأعراف مكية.. أي أن ما ذكر هنا في سورة الأعراف هو الذي نزل به القرآن أولا، فجاء به مفصلا.. «ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ» ..
ثم لما جاء ذكر هذا الموعد مرة أخرى جاء مجملا: «وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» وذلك بإحالة المجمل على المفصّل..
وإذن فلا بد أن يكون لهذا التفصيل حكمة.. فما هى هذه الحكمة؟.
ونقرأ النصّ القرآنى: «وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ» فنجد أن الثلاثين ليلة لم تكتمل لتكون موعدا تاما حتى أضيفت إليها الليالى العشر، فتمت حينئذ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَأَتْمَمْناها» .
والإتمام في مقام الفضل والإحسان، هو زيادة على المطلوب من الفضل والإحسان.. فضلا وكرما.. وهذا يعنى أن موسى- ﵇ كان على موعد ليكون فى ضيافة ربّه ثلاثين ليلة.. وهذا ما أذن به لموسى في أول الأمر، فلمّا أنس بألطاف ربّه، ووصل نفسه بأنوار السماء، وأضاف وجوده إلى العالم العلوي- عزّ عليه أن تنقطع رحلته بعد هذه المدة، وأن يعود إلى عالم التراب والظلام، ولكن لمّا لم يكن بدّ من أن يعود إلى قومه، ويتمم رسالته التي بدأها معهم، فقد كان من لطف الله به، ومن تمام نعمته عليه أن مدّ ضيافته عشر ليال أخرى..! فكانت ضيافته أربعين ليلة.! وكان ذلك من تمام النعمة..
حيث أن هناك نعمة، وتمام نعمة!
стр. 1626
والله قدّر هذا الموعد بأربعين ليلة في علمه الأزلى، ولكنه سبحانه أعطى منها موسى أولا ثلاثين ليلة، ثم أتمّ عليه وعده، بما كشف له من سوابغ فضله، ومزيد نعمائه، بهذه الليالى العشر، التي وقعت من نفس موسى أكثر مما كان للثلاثين ليلة من وقع في نفسه، إذا أنها جاءت على شوق ولهفة، ووقعت على غير انتظار وتوقع.. وهكذا يكشف الله لأوليائه، وأصفائه، من ألطافه التي قدّرها لهم في علمه، على هذا الأسلوب الذي يضاعف من آثارها، حين تجىء في أنسب الأحوال الداعية لها.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى للنبى الكريم: «إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً» .. وقوله سبحانه ليوسف على لسان يعقوب: «وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ (٦: يوسف) فإتمام النعمة هو البلوغ بها إلى غايتها، من التمام والكمال..
فهذه الليالى العشر، هى إحسان، ونعمة إلى نعمة.. فإنها وإن بدت أنها نافلة هى أوقع من الأصل، لأنها- كما قلنا- جاءت على غير انتظار، ووقعت أكثر مما كان يؤمّل ويرجى..!
ففى بشارة الله لامرأة إبراهيم بالولد، بعد اليأس منه، جاءت إليها البشرى، لا بالولد وحده، بل بالولد، وولد الولد، حيث يقول الله تعالى: «فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ» .. ومع أن مولودها هو «إسحق» وهو غاية ما كانت تتمنىّ على الله.. فإنّ مما يضاعف من فرحتها أن ترى لإسحق ولدا.. وهذا الولد هو- فى الواقع- الذي وجدت فيه ريح الولد، الذي تنسى به أنها عاقر، وأنها قد بلغت من الكبر عتيّا.. فهى بهذا الولد الذي يولد لإسحق، يردّ إليها اعتبارها بأنها أنثى كاملة، وأنها تستقبل أول حياتها كأنثى ولود، يكون لها أولاد وحفدة!.
стр. 1627
وهذا الذي كان من الله سبحانه لامرأة إبراهيم كان لإبراهيم، إذ يقول الله سبحانه: «وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً» (٧٢: الأنبياء) ..
أي زيادة في الفضل والإحسان. فكلمة «نافلة» حال من يعقوب قوله تعالى: «وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ» هو بيان لما كان عليه الموقف في بنى إسرائيل بعد أن ذهب موسى لموعده مع ربّه.. فلقد جعل موسى أخاه هرون خليفة عليهم من بعده:
إذ يقول له «اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي» ووصّاه بما ينبغى أن تكون عليه سيرته فيهم، فقال «وأصلح» وهرون ﵇، نبىّ كريم، لا يكون منه إلا ما هو صالح، ولكنه توكيد لرسالته، وتحذير له مما يقع من القوم من مفاسد وشرور، فالقوم- كما يعرفهم موسى- لا يستقيمون على حقّ، ولا يصبرون عليه، ومن هنا كان تحذيره لأخيه بقوله: «وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ» .
قوله تعالى: «وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي» .
الميقات: الموعد الذي أقّت له وقت، فهو مكان وزمان معا.. مكان معلوم، ووقت محدود..
وحين سمع موسى كلام ربّه، كلاما مباشرا من غير واسطة، اشتاقت نفسه أن يرى ربّه الذي أسمعه صوته، وأطمعه ذلك في أن يطلب مالا يطلب، وذلك حين قدّر أن الذي يسمعه بأذنه يمكن أن يراه بعينه، على أيّة حال تكون هذه الرؤية..!
ولهذا لم يطلب موسى الرؤية إلا بعد أن سمع الكلام.. فقال: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» وهذا ما يشير إلى أن موسى لم يكن يطلب رؤية كتلك الرؤية التي تقع له من عالم الأشياء.. وإنما هى رؤية من نوع فريد، كما أن الكلام الّذى سمعه
стр. 1628
كان على صورة لم يعهدها فيما يسمع من أصوات.. فمعنى قوله «رَبِّ أَرِنِي» أي بيّن لى طريق النظر إليك، فإن بيّنت لى أنظر إليك، وإلّا فلا سبيل إلى النظر.. ومثل هذا قول إبراهيم ﵇: «رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى» .
وقد أجاب الله موسى بقوله: «لَنْ تَرانِي» .. هكذا حكما قاطعا مؤبدا..
إذ أن ذلك أمر مستحيل..
ثم كشف الله- سبحانه- لموسى عن وجه الاستحالة هذه فقال له:
«وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي» ..
وينظر موسى إلى الجبل..
«فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً» .
وهكذا يرى موسى بعينيه، الشاهد الذي يكشف له وجه الاستحالة في رؤية ربّه.. إن الجبل، فى ضخامة كونه، وشدة أسره، لم يتحمّل لمحة من لمحات تجلّى الذات الإلهية له.. لقد استشعر هذا الحجر الأصمّ جلال الله وعظمته، فتهاوى، وتفتت، وصار حطاما.. فكيف بالإنسان وضالة جسمه، وما فيه من مشاعر وأحاسيس؟ أيحتمل شيئا من هذا الجلال وتلك الخشية التي تصدّع لها الجبل، وتشقق، ثم هوى؟ لقد صعق موسى مما رأى من الجبل، ومن تصدعه وتشققه وتهاويه.. فكيف لو كان ما نزل بالجبل نزل به؟.
وهنا يدرك موسى أن ما طلبه كان أمرا فوق المستحيل.. فيفزع إلى الله تائبا من تلك الجرأة التي دعته إلى هذا الطلب.
«فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ» بك، وبجلالك وعظمتك..
قوله تعالى: «قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ» .
стр. 1629
وهكذا يرجع موسى بهذا العطاء الجزيل، وهذا الفضل الكبير.. لقد اصطفاء الله واختاره من بين قومه، وجعله رسولا إليهم برسالاته، وهى ما ضمت عليه التوراة من أسفار ... وأسمعه كلامه من غير واسطة.. وكلها نعم وأفضال، لا يفى بها شكر الشاكرين، وحمد الحامدين، ومع هذا فإن الله يقبل شكر الشاكرين، ويرضاه لهم.
الآيات: (١٤٥- ١٤٧) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤٥ الى ١٤٧]
وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥) سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)
التفسير: ثم بيّن الله محتوى ما حمله موسى من رسالات ربّه، فقال تعالى:
«وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ» فهذه الألواح التي أنزلها الله على موسى، هى التوراة، وفيها مواعظ وعبر، بما تقصّ من أنباء السابقين، وبما تحدّث به من قدرة الله، وكيف خلق الخلق وأقام هذا الوجود، على ذلك النظام البديع، بعد أن كان عدما لا وجود له..
ثم لقد جاءت التوراة فى أحكامها، وتشريعها وآدابها، على صورة مبسوطة
стр. 1630
مفصلة تفصيلا، يتناول الكلّيات والجزئيات، وجزئيات الجزئيات، بحيث يكون كل شىء فيها واضحا مفهوما لكل إنسان، أيّا كان حظه من الفهم والإدراك.
وهذا التفصيل الذي جاءت عليه التوراة إنما يكشف عن طبيعة بنى إسرائيل، وأنهم على شىء غير قليل من بلادة الحسّ وجفاء الطبع، وسوء الفهم، بحيث يعاملون كما يعامل الأطفال فى كشف معالم الأشياء لهم، كشفا لا يحتاجون معه إلى عقل يفكر.. كما أن هذا التفصيل يراد لغاية أخرى، وهى حصر هؤلاء القوم فى حدود ما ترسم لهم الكلمات من حقائق، رسما محددا واضحا، يتناول أدق التفاصيل، حتى لا يكون لأهواء القوم ونزعاتهم سبيلا إلى التأويل الفاسد لمضامين الكلمات ومحتوياتها، الأمر الذي لا يعين عليه هذا التفصيل المبيّن لكل شىء.. ومن هنا جاء بنو إسرائيل إلى التوراة بالتحريف، والمسخ فحذفوا وأضافوا، وغيروا وبدّلوا، ليبلغوا بذلك ما لم يكن لهم إليه سبيل بالتأويل والتخريج.
وقوله تعالى: «فَخُذْها بِقُوَّةٍ» .. الضمير هنا للألواح، وهى التي كتبت فيها التوراة.. وأخذها بقوة، هو شدّ العزم على القيام لها، والعمل بها، والوفاء بما فيها من أمر ونهى.. فليست الشرائع والأحكام فى نصوصها وعباراتها، وإنما هى بالعمل بما تحمل هذه النصوص وتلك العبارات، من شرائع وأحكام، وبتحويل هذه الشرائع وتلك الأحكام إلى واقع الحياة، فتكون سلوكا تظهر فى الناس آثاره وشواهده.
وقوله تعالى: «وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها» أي بأحسن ما فى هذه الألواح، والمراد بأحسن ما فى الألواح المثل الطيبة للناس، وهى التي تعرضها التوراة لأهل الإيمان، والاستقامة والتقوى.. فهؤلاء هم الذين ينبغى
стр. 1631
أن يقتدى بهم، كما يقول الله تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ» .. وفى التوراة غير هذه المثل الطيّبة من الناس، مثل للقوم الظالمين، الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون، وتلك المثل هى التي ينبغى للعاقل أن يحذرها، ويتجنب الأخذ بها، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى بعد ذلك:
«سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ» ففى تلك الديار التي ضمّت الفاسقين مثل ظاهرة، تحدّث بما حلّ بأهلها من بلاء ونكال.. فليحذر بنو إسرائيل أن يحلّ بهم ما حلّ بمن فسق عن أمر ربّه، واعتدى على حدوده، واستباح حرماته.
وقوله تعالى: «سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ» .
فى هذا تحذير لبنى إسرائيل وتهديد لهم، إن هم سلكوا سبيل الظالمين، واستكبروا فى الأرض بغير الحق، ومكروا بآيات الله، وعصوا رسله، وتنكبوا طريق الخير، وركبوا طرق الغىّ والضلال.
فهؤلاء الذين يتخذون هذا الموقف اللئيم مع آيات الله، سيصرفها الله عنهم، كما انصرفوا هم عنها، فلا ينالون منها خيرا، ولا يجدون فيها هدى، كما يقول الله تعالى: «وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» (١٢٧: التوبة) لقد حجبهم الله عن مواقع رحمته، بعد أن أخذوا من آياته هذا الموقف، فأغمضوا أعينهم عنها، وجعلوا أصابعهم فى آذانهم فلم يستمعوا لها..
стр. 1632
إذ كذبوا بها قبل أن ينظروا فيها ويعرفوا وجهها.. «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ» .
وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ» تهديد بعد تهديد، لمن كذّب بآيات الله، ولم يرج لقاء الله.. فمن كان هذا شأنه، فقد حبط عمله، وساء مصيره، وذلك جزاء الظالمين: «هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ» ؟ وإنهم لم يعملوا إلا شرّا، ولم يقدموا إلّا سوءا، فلم يكن جزاؤهم إلا ما يسوؤهم ويفسد عليهم وجودهم.
الآيات: (١٤٨- ١٥٠) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤٨ الى ١٥٠]
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)
التفسير: لم يكد بنو إسرائيل يفلتون من يد فرعون، بتلك المعجزة القاهرة التي رأوها وعاشوها، حتى غلبت عليهم طبيعتهم.. من كفر النعم، ومحاربة
стр. 1633
المنعم، وإذا هم يأتمرون فيما بينهم، فيما كانوا قد طلبوه من موسى من قبل فردّهم عنه، ونصح لهم.. فقد سألوا موسى حين رأوا قوما يعكفون على أصنام لهم، أن يجعل لهم إلها كما لهؤلاء القوم آلهة.. فأجابهم موسى: «إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.» ثم قال لهم: «أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ؟» .
فلما ذهب موسى لميقات ربّه، انتهزوها فرصة، فأخرجوا هذه الضلالات التي كانت تدور فى رءوسهم، إلى واقع الحياة.. فصنعوا عجلا من ذهب على يد رجل منهم، قد أعدّ نفسه لهذه الفعلة، وأخذ لها وسائلها، وقد ذكر القرآن الكريم اسمه فى موقف آخر فى قوله تعالى: «قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً» (٨٥- ٨٦:
طه) .. فهذا الرجل هو «السامري» ، وقد فعل ما سنرى بعد.
وقوله تعالى: «وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ» هو خبر عن تلك الفعلة النكراء التي كانت من هؤلاء القوم..
وقد أضافهم الله إلى موسى هكذا: «قَوْمُ مُوسى» تذكيرا لهم بتلك الآيات التي أجراها الله على يديه، تلك الآيات التي لم يكن لهم منها عبرة أو عظة.. وفى هذا توبيخ لهم، واسترذال لعقولهم، وأنه ما كان لقوم ينتسبون إلى موسى الذي جاءهم بهذا الخير الكثير، وبتلك الآيات المشرقة، أن يفعلوا هذا الفعل المنكر الذي فعلوه..
وفى قوله تعالى: «مِنْ حُلِيِّهِمْ» إشارة إلى المادة التي صنع منها العجل، وهى مما يتحلى به القوم ويتزينون، وهو الذهب، والفضة ونحوها.
وكان بنو إسرائيل عند خروجهم من مصر قد عملوا على أن يخفوا أمرهم على المصريين، فتخيّروا يوم عيد من أعيادهم كانوا قد رصدوه لخروجهم من
стр. 1634
مصر خفية.. ثم إنهم لكى يضلوا المصريين عنهم، طلبوا إلى نسائهم أن يستعيروا من جاراتهن المصريات ما يقدرن على استعارته من الحلىّ، على ما جرت به العادة من التزين فى الأعياد..
ثم حين خرج بهم موسى، وجاوز بهم البحر، ونجاهم من فرعون، ذكر لهم ما كان منهم من سلب ما سلبوا من حلىّ، وأراهم أن ذلك خيانة للأمانة، وعدوان على غيرهم، وأنه لا يجوز لهم وقد خلصهم الله من البغي، أن يكونوا من الباغين..
وقد تحرّج كثير منهم من هذا الحلىّ المسلوب، ولكنهم ظلّوا ممسكين به، لا تطاوعهم أنفسهم على أن يفلت من أيديهم.. إنّه الذهب والفضة، يبيع اليهودىّ عمره من أجل قبضة منهما! ثم إنه لمّا أخلى موسى مكانه فيهم إلى مناجاة ربّه، تناجوا هم مع شياطينهم، وانتهى الرأى بينهم إلى أن يقيموا لهم معبودا، وجعلوا هذا المعبود عجلا مصنوعا من ذهب، وهان فى أعينهم هذا الذهب الذي سلبوه وأمسكوه، حين جعلوه مادة لهذا الإله الذي تصوروه.. فصوروه وجسّدوه! وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فى سورة طه: «قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ» (٨٦- ٨٨) ..
ففى قولهم «حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ» إشارة إلى أن هذا الذي كانوا يحملونه من زينة المصريين هو أوزار تثقلهم، وأنهم انتهزوا هذه الفرصة
стр. 1635
فتخلصوا منها على هذا الوجه الغبي.. إنّها- كما علموا- أوزار، وسيئات، ومع هذا فقد صاغوا منها إلها يعبدونه!! فما أغبى غباءهم، وما أضلّ ضلالهم.
يسرقون، ويتصدقون.. كالزانية تزنى وتتصدق!! ولكن التوراة تحكى قصة هذا الحلىّ الذي أخذه بنو إسرائيل من المصريين ليلة خروجهم من مصر- تحكى هذه القصة على وجه غريب، فتنسب هذا الفعل إلى الله، وتجعله أمرا من عنده إلى بنى إسرائيل، لينتقموا من المصريين بهذا الفعل الدنيء، الذي تأباه النفس الكريمة، فكيف يجوز أن يكون هذا أمرا من أمر الله، ووصاة من وصاياه؟
تقول التوراة على لسان الرب:
«وأعطى نعمة لهذا الشعب فى عيون المصريين، فيكون حينما تمضون أنكم لا تمضون فارغين، بل تطلب كل امرأت من جارتها ومن نزيلة بيتها أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثيابا تضعونها على بنيكم وبناتكم، فتسلبون المصريين!!» (٣: خروج) .
وهكذا تبلغ الجرأة بالقوم على الله، فيحرفوا كلمه عن مواضعه، ويغيروا ويبدلوا فى كلماته، حتى تستقيم مع أهوائهم المريضة، وتجرى مع نزعاتهم الفاسدة، وحتى ليضيفوا إلى الله كل إثم لهم، ويجعلوا شريعته مغرسا لكل فسق منهم.. فهم إذا سرقوا غيرهم أو نهبوه كان ذلك عن أمر الله، إذ أباح لهم دماء الناس وأموالهم.. حسب ما أدخلوه على التوراة من تحريف.
وفى قوله تعالى: «لَهُ خُوارٌ» أي صوت كصوت البقر.. وذلك أن «السامري» .. كان قبض قبضة من أثر الملك الذي كان يخاطب موسى، ثم قذف بهذه القبضة على هذا العجل الذي صوره من الحلىّ الذي قذفه القوم فى النّار، فإذا هو عجل له حياة، وله خوار!!
стр. 1636
وسنعرض لهذه القصة فى موضعها من سورة «طه» إن شاء الله..
وقوله تعالى: «أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا» إشارة إلى غفلة القوم، وإلى إغراقهم فى الجهل والضلال.. ذلك أنه إذا كان قد أخذ «السامري» على عقولهم بهذا الذي فعله، فإنه لم يزد على أن جاء بعجل كسائر العجول التي تملأ السّهل والوعر.. فكيف يصح أن يكون هذا العجل بالذات إلها لهم يعبدونه من دون الله؟ إنه لا أكثر من حيوان، فكيف يعبد الإنسان ما هو أقل منه شأنا؟ «أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا؟» .
وقوله تعالى: «اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ» هو جواب لسؤال مقدر هو:
«وهل اتخذ القوم هذا العجل إلها مع أنه لم يكلمهم، ولم يكشف لهم طريقا إلى الحق؟» فكان الجواب: نعم، اتخذوه، وهم فى اتخاذهم إياه ظالمون، معتدون على الله، ملقون بأنفسهم فى البوار والهلاك..
قوله تعالى: «وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ» أي حين وقعت الواقعة، وظهر العجل بينهم، ووقفوا منه موقف العابدين، بان لهم ضلالهم، وانكشف لهم سوء فعلتهم، ولكنهم لم يدروا ماذا يصنعون بهذا الإله القائم بينهم..!
وقوله تعالى: «وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ» .
كان موسى قد علم- وهو فى مناجاة ربّه- أن قومه قد فتنوا من بعده، وضلوا، وذلك كما أعلمه الله تعالى بقوله: «وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى
стр. 1637
قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ»
(٨٣- ٨٥: طه) .
وقوله تعالى: «بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي» زجر لهم، وتشنيع لفعلهم، وما أحدثوه من بعده، وقد كانوا خلفاءه على شريعة الله التي تركها فى أيديهم.
وقوله: «وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى» إشارة إلى أنهم لم ينتظروا حتى يجيئهم موسى من الميقات، حاملا لهم شريعة الله إليهم، كما وعدهم من قبل.
وقوله: «وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ» إشارة لمظاهر الغضب والأسف التي نفّس بها موسى عن نفسه، لما رأى ما عليه قومه من كفر وضلال.. فلم يجد إلا هرون، الذي أقامه على القوم، وقال له: «اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ» فأمسك به من رأسه يجرّه إليه فى عنف، ويؤنبه فى غضب.
وقوله: «قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» هو استعطاف من هرون لأخيه الذي ثار عليه ثورته تلك، وأخذه من ناصيته يجرّه إليه..
وفى نسبته إليه بأمّه زيادة فى الاستعطاف، إذ يذكر موسى بهذا النسب، فترة الطفولة التي كانت تضمه هو وهرون تحت جناح أمهما، فيرقّ له وتأخذه الشفقة به.
ومن عجب أن التوراة تنسب إلى هرون ﵇، أنه هو الذي صنع العجل لبنى إسرائيل ودعاهم إلى عبادته!! ولا تعجب لهذا، فإن فى التوراة أمورا منكرة، أدخلها اليهود عليها لحاجات فى أنفسهم.. ولا أدعك لتذهب بك الظنون كل مذهب.. وها ذا هو بين يديك ما تقول التوراة هنا:
стр. 1638
«ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ فى النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون، وقالوا له: قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا، لأن هذا موسى الرجل الذي أصعدنا من أرض مصر لا نعلم ماذا أصابه.. فقال لهم هارون: انزعوا أقراط الذهب التي فى آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وآتوني بها، فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي فى آذانهم وأتوا بها إلى هارون، فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالإزميل وجعله عجلا مسبوكا» (٢٢: سفر الخروج) .. فيا لله من هذا الافتراء على رسول كريم من رسل الله!
الآيات: (١٥١- ١٥٢) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٥١ الى ١٥٣]
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)
التفسير: وتقع كلمات هرون موقعها من نفس موسى، فيرقّ له، ويأسف لما أخذه به، فيدعو الله له ولأخيه بالمغفرة: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» ولم يدخل أحدا من بنى إسرائيل معهما فى هذا الخير الذي طلبه من ربّه، لأنهم على حال ليسوا هم فيها أهلا لرحمة أو مغفرة، لهذا الإثم العظيم الذي أغرقوا أنفسهم فيه، والذي استحقوا به أن يتوعدهم الله تعالى بقوله: «إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ» .. فهكذا يجزى البغاة الظالمون،
стр. 1639
الذين يتخذون العجل إلها معبودا.. وهكذا يقع هؤلاء الذين عبدوا العجل تحت غضب الله، ولعنته، فتضرب عليهم الذلّة والمسكنة فى هذه الدنيا، فهذا حكم واقع عليهم لا يرفع عنهم أبدا بتوبة أو استغفار، وقد كان من غضب الله عليهم أن أمرهم بأن يقتل بعضهم بعضا، كما قال تعالى: «وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ، فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ» (٥٤: البقرة) فليس غير القتل سبيلا إلى إصلاح ما أفسدوا.. إنهم بهذا الإثم الذي تلبسوا به قد أصبحوا كيانا فاسدا، لا يصلح للحياة، ومن الخير للإنسانية القضاء على هذا الداء الخبيث الذي نجم فيها؟
أما فى الآخرة فأمرهم إلى الله، فإن تابوا ورجعوا إلى الله- وليست توبتهم إلا بأن يقتلوا أنفسهم- كانوا فى معرض رحمته ومغفرته، وإن ظلوا على ما هم عليه من ضلال وكفر، فإن الله أعدّ للكافرين عذابا مهينا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» .
والضمير فى «مِنْ بَعْدِها» يعود إلى السيئات، أي تابوا وآمنوا من بعد فعل هذه السيئات، وقد جعل الله توبتهم بأن يقتلوا أنفسهم، بعد أن يؤمنوا بالله، ويبرءوا من عبادة العجل الذي عبدوه!
الآيات: (١٥٤- ١٥٥) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٥٤ الى ١٥٥]
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥)
стр. 1640
التفسير: فى التعبير عن ذهاب الغضب عن موسى بالسكوت هكذا:
«وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ» إشارة إلى أنه كان غضبا عارما، مجسّدا، حتى لكأنه كائن حىّ، له صوت مسموع، يهتف بموسى: أن اغضب! وفى قوله تعالى: «لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ» توكيد للرهبة وإضافتها إلى الله،، وقصرها عليه وحده.. والرهبة: الخوف من الله، والخشية له..
وقوله تعالى: «وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا» أي تخيّر موسى من قومه سبعين رجلا ليكونوا معه فى ميقاته مع الله، وليروا معه الله الذي طلبوا إليه أن يريهم إياه، فلما تجلى الله للجبل وجعله دكّا، وخرّ موسى صعقا- صعق معه هؤلاء السبعون الذين اختارهم من رءوس بنى إسرائيل..
وحين أفاق موسى، ورأى القوم صرعى حوله، هاله الأمر، وخشى أن يلقى قومه وبين يديه هذا الخبر بمصرع رؤسائهم.. وهنا يناجى موسى ربه: «رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ» إنه يتمنى لو أن الله كان أهلكهم وأهلكه معهم، وهم بين القوم، حتى لا ينظر إليه القوم نظرة الجاني على هؤلاء الصرعى.
وقوله: «أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا» هو استفهام استعطافى، يفيد الدعاء، أي ربّ لا تهلكنا بما فعل السّفهاء منّا.
وقوله: «إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ» ..
الفتنة: الابتلاء والاختبار، أي ما يبتلى الناس به من خير أو شر، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً» .. فما يبتلى به الناس من نعم
стр. 1641
ونقم، ومن عافية وبلاء، هو امتحان لإيمانهم، وابتلاء لحمدهم للخير أو كفرهم به، ولصبرهم على الضرّ أو جزعهم منه..
فالذى ابتلى به بنو إسرائيل بعد خروجهم من مصر هو نعمة وعافية، ولكنهم كفروا بهذه النعمة، وتمردوا على الله بتلك العافية، فابتلوا بالبلاء والنقمة.
وقوله: «أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ» هو تضرع من موسى إلى الله أن يغفر لهم ويرحمهم، «وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ» ؟ .. إنه هو ولىّ من يتوب إليه، ويلجأ إلى حماه..
وفى النظم القرآنى تقديم وتأخير.. فاختيار موسى لمن اختارهم من بنى إسرائيل لميقاته مع ربه، كان قبل أن تقع هذه الأحداث التي وقعت فى بنى إسرائيل، من عبادة العجل، وما كان بين موسى وهرون، من لوم، ومؤاخذة، وفى هذا إلفات إلى ما ينبغى الالتفات إليه من أمر القوم، على حسب ما يقع للناظر إليهم، وما يطلع عليه من منكراتهم وآثامهم..!
الآيات: (١٥٦- ١٥٩) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٥٦ الى ١٥٩]
وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)
стр. 1642
التفسير: هنا يدعو موسى ربّه أن يكتب له ولقومه فى هذه الدنيا حسنة، وفى الآخرة حسنة، أي يجعل لهم حظّا من رحمته فى الدنيا والآخرة، بعد أن تابوا إليه وقالوا: «إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ» أي رجعنا إليك بعد أن فارقناك بعبادة غيرك.. والمراد بالحسنة فى الدنيا: النعم، وسعة الرزق، وعبّر عنها بالحسنة، لأنها مما يحسن وقعه وأثره فى النفوس.
وقوله تعالى: «قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» .. هو بيان لحكم الله تعالى فى عباده.. فعذابه واقع على من يشآء من عباده، وليس على كل عباده، وإنما هو نازل بأهل الكفر والضلال..
وأما رحمته فهى عامة شاملة، تسع الوجود كلّه، وهى على سعتها، وعمومها وشمولها، لا ينالها إلا أهل طاعته الذين آمنوا واتقوا..
وقوله تعالى: «فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ» هو ردّ على طلب موسى فى قوله مخاطبا ربّه: «وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ» .. المراد بالكتابة التقدير والوقوع، والجعل، والشمول، وعبّر عن ذلك بالكتابة لأنها أوثق وأثبت.
والمعنى: إن رحمة الله مع أنها عامة شاملة، تسع الوجود كلّه- لا تنال إلّا الذين آمنوا بالله، وأخلصوا دينهم لله.
والذي ينبغى الالتفات إليه هنا، هو أن الله لم يستجب
стр. 1643
لموسى ما سأل فى قومه أن يكتب لهم فى الدنيا حسنة، وفى الآخرة حسنة، إذ كان قول الله لموسى: «عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» حكما عاما يقع على الناس جميعا، ولا يتعلق بهذا الدعاء الذي دعا به موسى ربّه.
وفى هذا ما يدلّ على أن الله سبحانه لم يشمل بنى إسرائيل بتحقيق هذا الدعاء فيهم، بل وضعهم جميعا تحت الحكم العام الذي يأخذ الله به عباده، وهذا يعنى أن الله يعلم من هؤلاء القوم أنهم لن يستأهلوا هذه النعمة التي لو استجاب الله لموسى فيها، لكانت بركة تحفّ بهم إلى يوم القيامة.. ذلك أن القوم قد مسّتهم لعنة الله قبل ذلك، ونزل بهم غضبه، فكان ذلك هو الثوب الذي يلبسونه، وتلبسه أجيالهم المتتابعة أبد الدهر..
وانظر.. إن الله استجاب لجميع أنبيائه فيما سألوه لأقوامهم من خير أو شر.
فهذا نوح ﵇ يدعو ربه بهلاك قومه: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً» (٢٦- ٢٦: نوح) . فيهلكهم الله بالطوفان.
وإبراهيم- ﵇ يقول: «رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ» فيكون جواب الله له: «فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ» (١٠٠- ١٠١: الصافات) ويقول: «رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ..» فيجىء حكم الله: «قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» (١٣٦: البقرة) وموسى ﵇، يدعو ربّه ليأخذ فرعون وملأه، وهرون- ﵇ يردد معه الدعاء: «رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ
стр. 1644
عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ» فيلقاهما الله سبحانه بقوله: «قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما» (٨٨- ٨٩: يونس) .
أما هنا، إذ يدعو موسى ربه له ولأخيه ولقومه، فلا يقبل الله هذا الدعاء على إطلاقه، بل يقبله فى المؤمنين، الذين يستقيمون على طريق الإيمان والخير: «عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» وفى تقديم العذاب إشارة إلى أن العذاب هو الجزاء المرصود لبنى إسرائيل، وأن الرحمة التي تنالهم، هى الرحمة العامة التي تسع الوجود كله، حتى أهل النار فى النار! والسؤال هنا: ما معنى «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» إذا كانت لا تنال العصاة والضالين والكافرين؟، أليس هؤلاء العصاة الضالون الكافرون من أشياء هذا الوجود؟. فكيف لا تسعهم رحمة الله التي وسعت كل شىء؟.
والجواب على هذا: أن كتابة الرحمة شيء، وسعتها للناس شىء آخر.
فالكتابة لمن كتبت لهم الرحمة تعنى- كما قلنا- تقريرها ووقوعها، وشمولها، فمن كتبت لهم الرحمة- جعلنا الله منهم- فهم السعداء، الذين تفتح لهم أبواب الجنة، ويلقّون فيها تحيّة وسلاما.. وأما سعة الرحمة فإن الوجود جميعه- علوه وسفله- والناس جميعا- برّهم وفاجرهم- داخلون فى رحمة الله، التي وسعت كل شىء.. وقد قلنا من قبل إن الوجود فى ذاته- على أسوأ وجه يراه الإنسان- هو فى ذاته نعمة، ورحمة، لأنه خير من العدم.. ثم إن العصاة- فى الدنيا- لم يحجب الله عنهم نعمه، ولم يحرمهم رزقه، ولم يصبهم فى جوارحهم التي يعيشون بها مثل سائر الناس.
وأصحاب النار وهم فى النار، هم ممن وسعتهم رحمة الله، إذ هناك عذاب فوق هذا العذاب، وبلاء أكبر من هذا البلاء، وقد وقف الله بهم عند هذا
стр. 1645
الحدّ من العذاب الذي هم فيه، وذلك رحمة من رحمته، ولولا ذلك لضاعف لهم هذا العذاب الذي هم أهل له بما ارتكبوا من آثام.
وقوله تعالى: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ» .
فى هذه الآية أمور.. منها:
أولا: أنها بيان لمن يستجيب الله لموسى فيهم من قومه، ويكتب لهم فى هذه الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة، وأنهم هم الذين يتقون الله ويؤتون الزكاة، ويؤمنون بآياته، ويعملون بها ويستقيمون عليها.. وذلك فى عهد موسى، وإلى أن يأتى النبيّ الأمى الذي يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل.
وثانيا: إذ جاء هذا النبىّ الأمىّ الذي يجدون صفته عندهم فى التوراة والإنجيل. فإن الله لا يكتب لهم الرحمة ولا يدخلهم مداخل المؤمنين، حتى يتبعوا هذا النبىّ ويؤمنوا به.. «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ» فهؤلاء هم اليهود والنصارى، وقد عرف الفريقان صفة هذا النبىّ فى كتبهم التي بين أيديهم، وأمروا بالإيمان به عند ظهوره..
وثالثا: من صفات هذا النبيّ.. أنه رسول، ونبىّ، وأمي، وأنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحلّ لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم، أي العهود التي أخذها الله عليهم، وهى الأحكام التأديبية التي أدّبهم بها، وفرض عليهم التزامها، كتحريم كل ظفر، وكتحريم شحوم الغنم والبقر إلا ما حملت ظهورها، أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، وكتحريم
стр. 1646
العمل فى يوم السبت.. وهذه كلّها قيود وأغلال قيدهم الله بها، وغلّ أهواءهم الجامحة عن الحركة.. وهذا فى شأن اليهود، أما النصارى- وهم يهود أصلا- فقد كان فى شرع المسيح لهم ما هو أقسى من هذا قسوة وأشدّ تنكيلا، ويكفى ما جاء فى وصاة المسيح لهم فى قوله: «من لطمك على خدّك الأيمن، فحوّل له خدّك الآخر أيضا، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا» (٥: إنجيل متى) !
رسالة الإسلام ونسخها للرسالات السابقة
فالنبى الأمّىّ هو الذي جاء رحمة عامة شاملة للناس جميعا، قد جعل الله محامل دعوته عامة إلى جميع الأمم والشعوب ... ومن هنا كان مبعثه إيذانا برفع هذه القيود التي قيّد الله بها أولئك الذين جعل سبحانه من شريعته لهم، هذا التأديب الشرعىّ، الذي لا يرفع عنهم ثقله أبدا، إلا إذا ظهر النبي الأمّى، وإلا إذا اتبعوا هذا النبىّ الأمى، وعندئذ فقط يسقط عنهم هذا الحمل الذي وضعه الله على ظهورهم، ويرفع هذا العهد الذي أخذه الله عليهم، وتوعّدهم بالعذاب الأليم إن هم نقضوه، قبل ظهور هذا النبي الأمى، والإيمان بهذا النبىّ الأمّىّ، والأخذ بشريعته.. «فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» .. ومعنى عزّروه:
منعوه من أعدائه، وكانوا سندا له ووقاية، والمراد بالنور الذي أنزل معه، القرآن الكريم.. وهو نور وهدى لمن طلبه، وفتح عينه وقلبه له.
وهذه الآية تقرر فى صراحة صريحة أن رسالة الإسلام رسالة عامة شاملة، وأن اليهود والنّصارى لن تكتب لهم رحمة الله، ولن يكونوا من المؤمنين، إلا إذا تابعوا النبىّ الأمىّ، واستجابوا لدعوته، ودخلوا فى دين الله، وهو الإسلام.
стр. 1647
ويتقرر هذا الحكم من وجهين:
أولهما: ما نصّ عليه القرآن فى هذه الآية، وما أسمعه الله تعالى موسى، وهو يطلب إلى الله أن يكتب له ولقومه فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة..
فإن الله ما استجاب هذه الدعوة على إطلاقها، بل استجابها للمتقين الذين يؤمنون بآيات الله التي نزلت على موسى، وعلى من جاء إلى بنى إسرائيل بعده من أنبياء، وخاصة عيسى ﵇، حتى إذا جاء النبي الأمىّ- محمد صلوات الله وسلامه عليه- لم يكتب لأتباع التوراة والإنجيل حسنة فى الدنيا ولا فى الآخرة حتى يؤمنوا به.. وهذا هو بعض السرّ فى وصل قوله تعالى: «فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ» بقوله سبحانه بعد هذا: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ ... » فالذين يتبعون الرسول النبي الأمى، بدل من قوله تعالى: «فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ» .. ومعنى هذا أن حكم كتابة الحسنة مشروط بشرطين: يتحقق أحدهما فى عهد موسى، ومن جاء بعده من أنبياء بنى إسرائيل، إلى عيسى. والشرط هو تقوى الله والإيمان بآياته التي يحملها رسله.: وهذا الشرط وحده يكفى لتقرير الحكم إلى أن يبعث النبي الأمى، فإذا بعث هذا النبىّ، أضيف إلى هذا الشرط الشرط الآخر، وهو الإيمان بهذا النبي الأمى، الذي لا يتحقق الشرط الأول، وهو التقوى والإيمان بآيات الله إلا بالإيمان به، وبالكتاب الذي معه! وثانيهما. أن هذين الشرطين قد حملتهما التوراة، التي هى شريعة أتباع موسى وأتباع عيسى معا، وأن الإيمان بعد ظهور محمد لا يتم إلا إذا تحقق الشرطان معا، وإلا إذا آمن اليهود والنصارى بما فى كتابيهما اللذين
стр. 1648
دعواهم إلى الإيمان بهذا النبي، فإذا لم يؤمنوا به، فقد كفروا بالكتاب الذي فى أيديهم، وبهذا لم يكونوا من المؤمنين..
وفى قوله تعالى: «قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» توكيد لعموم رسالة النبيّ الأمىّ، وأنه مبعوث للناس جميعا، ولهذا أمر الله نبيه الكريم أن يؤذّن فى الناس، بما أمره الله أن يؤذن به فيهم: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً» .
وهذا القول ليس من قول النبىّ الذي حكاه القرآن عنه، وإنما هو مما أمره الله به، فقال تعالى: «قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً..»
ثم أتبع هذه الدعوة بعرض بعض ما لله الذي يدعو إلى الإيمان به، من صفات:
«الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ» .. فالله سبحانه له ملك السموات والأرض، لا شريك له فى ملكه، ولا إله معه- بيده الحياة والموت، «فَآمِنُوا بِاللَّهِ» الذي هذا ملكه، وذلك سلطانه، «وَرَسُولِهِ» الذي يحمل رسالته إلى الناس جميعا.. «النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ» فهذا الرسول، من صفاته أنه نبىّ أمي، لا يقرأ ولا يكتب، وأنه يؤمن بالله، ويؤمن بكلمات الله التي نزلت عليه، وعلى رسل الله من قبله.. «وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» فإن فى الإيمان بالله ورسوله، وفى اتباع هذا النبىّ والاستجابة له- الهداية والرشاد، ولن يكون لمخالفه والمتأبّى عليه، والمحادّ له، رجاء فى هدى أو مطمع فى نجاة.
وقوله تعالى: «وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ» هو تحريض لليهود على متابعة النبي والاستجابة له، والانتصار لدعوته، وذلك أن
стр. 1649
هؤلاء القوم، وإن كانوا كما عرفتهم الحياة، وكما سيكشف القرآن الذي سينزل فيهم بعد هذا، كثيرا من وجوه بغيهم وضلالهم- فإن فيهم قلة قليلة تحتفظ فى كيانها بمعالم الإنسانية السليمة، قد عرفت الحق واستقامت عليه، وحكمت به حكما عادلا بعيدا عن الهوى..
والمراد بهؤلاء، هم بعض علماء اليهود والنصارى وأحبارهم ورهبانهم، وقد دخل كثير منهم فى الإسلام وأصبحوا فى عداد المسلمين..
وإذا عرفنا أن هذه السورة مكية، وأن النبي صلوات الله وسلامه عليه، لم يكن قد واجه اليهود بعد، ولم يكن بينه وبينهم لقاء مباشر بدعوته- إذا عرفنا هذا أدركنا سرّ هذه الإشارات البعيدة التي كان يشير بها القرآن إلى اليهود، حيث كانت هذه الإشارات إرصاصا بالمواجهة الصريحة التي ستكون بين النبي واليهود، بعد أن يهاجر النبي إلى المدينة، ويلتقى باليهود، ويقع بينه وبينهم هذا الصراع العنيف الذي عرضه القرآن الكريم، والذي انتهى بإجلاء اليهود من المدينة، فى عهد النبي، ثم بإجلائهم من الجزيرة العربية كلها فى خلافة عمر بن الخطاب.. رضى الله عنه، وأرضاه.
الآيات: (١٦٠- ١٦٢) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦٠ الى ١٦٢]
وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)
стр. 1650
التفسير: الأسباط: جمع سبط، وهو الحفيد، والمراد بالأسباط هنا هم الذرية التي ولدت لأبناء يعقوب الاثني عشر، الذين دخلوا مصر فى عهد أخيهم يوسف، والذين كان منهم بنو إسرائيل الذين أخرجهم موسى من مصر..
ويظهر من هذا أن القوم لم ينزعوا عنهم عصبية البداوة، التي دخلوا بها مصر، بل ظلت متحكمة فيهم طوال تلك الأجيال التي عاشوها بين المصريين، فاحتفظ كلّ ولد من أبناء يعقوب الاثني عشر بنسب ذريته إليه من بعده، فكما كانوا اثنى عشر ولدا، صاروا فيما بعد اثنتي عشرة قبيلة! وفى قوله تعالى: «وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً» إشارة إلى أن الله ابتلاهم بهذا التمزق فى عواطف المودة والإخاء بينهم، فقطّع أوصال هذه الأخوّة، التي كان من شأنها أن تجمع بعضهم إلى بعض، وأن تجعل منهم كيانا واحدا، خاصة وهم فى دار غرية، وليس هذا فحسب، بل هم فى وجه محنة قاسية بما رماهم به فرعون من بلاء..
وفى قوله تعالى: «أَسْباطاً أُمَماً» إشارتان:
الأولى: أن أعدادهم المقطعة إلى اثنتي عشرة قطعة، كانت أعدادا كثيرة، وأن كل قطعة منها هى أمة، فى كثرة عددها.. أولا، وفى تمايزها عن غيرها..
следующие страницы →