هى «ما» المصدرية، أي والشمس، وبنائها، والأرض وبسطها، والنفس وتسوية خلقها..
فقوله تعالى: «وَما بَناها» أي وما بنى السماء، وأقامها من غير عمد..
وهو ما أودع الله فيها من قوى ممسكة بها، ضابطة لنظامها، حافظة لوجودها..
وقوله تعالى: «وَما طَحاها» أي وما طحا الأرض، أي بسطها، وأمسك بها أن تميد.. وهو النظام الذي يمسك كيانها ويحفظ وجودها..
وقوله تعالى: «وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها» أي وما سوى خلقها، وأمدها بالقوى العالمة فيها..
فالقسم هنا، قسم بالشيء، والصفة التي قام عليها.. وهذا يعنى مزيدا من التشريف والتكريم للشىء المقسم به إذ كان فى ذاته أهلا للقسم، ثم كانت صفاته أهلا للقسم أيضا.
وقوله تعالى:
«كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها» .
هو عرض للمواجهة الضالة التي اتجه إليها أهل الضلال، مؤثرين إياها على طريق الحق والهدى.. إنهم لم يزكّوا أنفسهم، ولم يرتفعوا بالجانب الطيب المشرق منها، بل آثروا جانب الفجور، وأفردوا قلوع سفينتهم فى اتجاه ريحه العاصفة.
«ثمود» ، هم قوم صالح ﵇، دعاهم نبيهم إلى الإيمان بالله فبهتوه، وكذبوه.. «قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ» (٦٢: هود) وقد توعدهم نبيهم بالعذاب، وأنذرهم به، ووضع بين أيديهم آية من
стр. 6722
آيات الله، هى الناقة، وجعل وقوع العذاب الذي أنذروا به رهنا بأن يتعرضوا لتلك الناقة بسوء: «وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ، فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ» (٦٤- ٦٥ هود) وقوله تعالى: «بطغواها» أي بسيب طغواها، أي بطغيانها، ومجاوزتها الحد فى العدوان على حرمات الله- كان تكذيبها برسول الله وبآيات الله..
وقوله تعالى:
«إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها» أي ولقد بلغت ثمود غاية الطغيان والعدوان، حين «انبعث أشقاها» أي اندفع هذا الشقي من أبنائها فى جنون صارخ، نحو الناقة، يريد عقرها، فلم يقف فى طريقه أحد، ولم ينصح له ناصح، بل تركوه يمضى إلى حيث سوّلت له نفسه، عقر الناقة، فعقرها، فعمهم البلاء، جميعا، وكان صاحبهم هذا أشقى هؤلاء الأشقياء الذين تركوه، ولم يأخذوا على يده..
قوله تعالى:
«فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها» أي حين رأى صالح ما يريد هذا الشقي بالناقة من سوء، حذّر القوم من أن يرتكبوا هذه الحماقة المهلكة.. فقال لهم: «ناقة الله» أي احذروا ناقة الله، وإياكم أن تمسوها بسوء، أو تعرضوا لها يوم شربها، وأن تمنعوها السّقيا فى يومها المرسوم لها..
стр. 6723
وقوله تعالى:
«فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها» ..
أي أنهم لم يستمعوا نصح صالح لهم، ولم يصدقوا ما أنذرهم به، ولم يأخذوا على يد هذا الشقي، بل تركوه حتى عقر الناقة! وقوله تعالى: «فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ» أي أخذهم الله جميعا بالعذاب، فلم يبق منهم باقية بسبب هذا الجرم الغليظ الذي كان منهم..
والدمدمة: الإهلاك لجماعى، الذي لا يبقى ولا يذر..
وقوله تعالى: «فسواها» أي أطبق عليهم الأرض، فلم يبق لهم ولا لديارهم أثر عليها، بل سويت الدور بالأرض، كأن لم يكن عليها شىء..
والضمير وهو «ها» فى قوله تعالى «فسواها» يعود إلى الأرض، التي يشير إليها قوله تعالى: «فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ» لأن الدمدمة، أي التسوية مما يفعل بالأرض، لا بالناس.
وقوله تعالى:
«وَلا يَخافُ عُقْباها» ..
أي أن الله سبحانه فعل بهم ما فعل، واقتلعهم من الأرض اقتلاعا، دون أن يحول بينه وبين ما فعل بهم حائل، أو يحاسبه محاسب.. إنه فعل ذلك بعدله وقوته، وسلطانه، الذي لا معقب عليه..
وذكر الخوف هنا تمثيل، يراد منه الإشارة إلى هذا التدمير الشامل، المتمكن، فإن الذي يخاف عاقبة أمر لا تتسلط عليه يده تسلطا كاملا، بل يحول بينه وبين تصرفه المطلق فيه، خوف الحساب والجزاء، ممن يحاسبه ويجازيه..
وتعالى الله سبحانه عن ذلك علوا كبيرا..
стр. 6724
(٩٢) سورة الليل
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة «الأعلى» .
عدد آياتها: إحدى وعشرون آية.
عدد كلماتها: إحدى وسبعون كلمة.
عدد حروفها: ثلاثمائة وعشرة أحرف
مناسبتها لما قبلها
ختمت سورة «الشمس» بهذا العذاب الذي أوقعه الله سبحانه بثمود، فغشيهم العذاب واشتمل عليهم، ولفّهم برداء أسود كئيب..
وبدئت سورة «الليل» بالقسم بالليل إذا يغشى، فكان ظلام هذا الليل كفنا آخر لثمود، يصحبهم فى قبورهم التي ابتلعنهم، ويقيم عليهم راية سوداء تحوّم عليهم، كما تحوّم الغربان على الجيف!! بسم الله الرّحمن الرّحيم
الآيات: (١- ٢١) [سورة الليل (٩٢) : الآيات ١ الى ٢١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩)
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤)
لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩)
إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١)
стр. 6725
التفسير:
قوله تعالى:
«وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى» قسم بالليل حين يغشى ظلامه الكائنات، ويغطّى سواده وجه الأرض..
وبدء السورة بهذا القسم- كما قلنا- هو أشبه براية سوداء تحوّم على مواطن ثمود، التي دمدم الله عليها، كما تحوم الغربان على الرمم.. ثم إنه من جهة أخرى، يمثل الجانب الأعظم من جانبى الإنسانية، جانبى الكفر والإيمان، والضلال، والهدى، والظلام والنور.. فأغلب الناس على ضلال، وقليل منهم المهتدون، كما يقول سبحانه: «وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ» (١٠٣: يوسف) وفى التعبير بفعل المستقبل «يغشى» عن ظلام الليل- إشارة إلى أن الظلام عارض دخيل، يعرض للنور الذي هو أصل الوجود، كما يعرض الضلال للفطرة الإنسانية التي خلقها الله تعالى صافية لا شية فيها.
стр. 6726
وقوله تعالى:
«وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى» معطوف على قوله تعالى: «وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى» .. وهو قسم بالنهار إذا ظهر، وتجلّى على الوجود ضوءه..
وفى تقديم الليل على النهار، إشارة إلى هذا الظلام الذي كان منعقدا فى أفق الحياة الإنسانية حين كانت ثمود تتحرك بطغيانها على الأرض، فلما دمدم الله عليهم الأرض، ورمى فى أحشائها بهذا الظلام- عاد إلى الحياة صفاؤها، وطلع نهارها!! وقوله تعالى:
«وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى» :
معطوف على قوله تعالى: «وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى» و «ما» هنا مصدرية.. أي وخلق الذكر والأنثى، وما أودع الخالق فى كلّ منهما من آيات علمه، وحكمته، ورحمته..
والذكر والأنثى، هو مطلق كل ذكر، وكل أنثى، فى عالم المخلوقات..
والذكر والأنثى تتم دورة الحياة وتعاقب الأجيال، كما بالليل والنهار يتولد الزمن، وبتكاثر نسله من الليالى والأيام! وقوله تعالى:
«إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى» هو جواب القسم، وهو المقسم عليه..
والسعى: العمل فى كل وجه من وجوه الحياة.. «وشتّى» أي شتيت مختلف الوجوه، متغاير الألوان.. فلكل إنسان وجهته التي هو مولّيها، وطريقه
стр. 6727
الذي يسلكه، وهيهات أن يتطابق إنسان وإنسان تطابقا تاما، حتى ولو أخذا وجها واحدا، ودانا بدين واحد..
ففى الناس المؤمن والكافر، وفى الناس المنافق الذي يجمع بين الكفر ولإيمان.. والمؤمنون، درجات، ومنازل، والكافرون، أنماط وصور، والمنافقون وجوه وأشكال..
واختلاف سعى الناس، أمر بدهىّ، يراه كل إنسان: المؤمنون والكافرون، والمحسنون والمسيئون جميعا.. فكل ذى عينين يشهد أن الناس طرائق قدد، وإلّا لاجتمعوا على عقيدة واحدة، ومذهب واحد، واتجاه واحد، فيما يأخذون أو يدعون من أمور.. هذه بديهة لا تحتاج إلى توكيد- فلم جاءت الآيات القرآنية مؤكدة لها بهذا القسم؟
والجواب على هذا، هو أن التوكيد بالقسم وإن وقع على المقسم عليه، وهو اختلاف سعى الناس- إلا أن المنظور إليه هو ما وراء هذا الاختلاف فى المسعى، وهو أن هناك محسنين ومسيئين.. وهذا أمر يدعو العاقل إلى أن ينظر إلى نفسه وأن يفتش عن مكانه فى المحسنين أو المسيئين، إذ كل إنسان عند نفسه أنه محسن، وحتى المحسن حقيقة، يقدر أن إحسانه مطلق لا تقع منه إساءة، وهذا غير واقع، فالمحسن ليس سعيه كله قائما على ميزان الإحسان، بل إن سعيه مختلف، فيه الحسن، وفيه السيّء، فلا ينبغى أن يسوّى حساب أعماله بينه وبين نفسه على ميزان الإحسان دائما.. بل يجب أن ينظر فى كل عمل، ويعرضه على ميزان الحق، والعدل، والخير، فإن اطمأن إليه، ورضى عنه، أمضاء، وإلا عدل عنه.
стр. 6728
قوله تعالى:
«فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى» .
والناس فى عمومهم، يدخلون تحت وصفين عامّين: مؤمنون وكافرون، أو محسنون ومسيئون..
فأما من أعطى، أي أنفق فى سبيل الله، وفى وجوه الخير والإحسان، متّقيا بذلك ربّه، خائفا عذابه، طامعا فى ثوابه «وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى» أي مؤمنا بما للعمل الطيب من قدر، معتقدا أنه العمل الأفضل والأحسن، لا أن يكون ما يصدر منه من أعمال الخير تلقائيا، وعفوا، لا تشده إليه إرادة صادقة، أو قصد محسوب حسابه، مقدرة آثاره.. وهذا يعنى أن الأعمال إنما تحكمها النيات الباعثة لها، الداعية إليها.. أما العمل الذي لا تنعقد عليه نية، ولا ينطلق من إرادة، فإنه سهم طائش، ورمية من غير رام.. وهذا ما يشير إليه الرسول الكريم بقوله:
«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرى ما نوى» ..
وفى إطلاق الفعل «أعطى» من قيد الشيء المعطى- إشارة إلى أمرين:
أولهما: أن ما يعطى لا بد أن يكون شيئا طيبا نافعا لأن الإعطاء يقابله الأخذ، والإعطاء والأخذ لايتّمان إلا برغبة متبادلة بين المعطى والآخذ.. والآخذ لا يأخذ إلا ما ينفعه ويرضيه..
والأمر الآخر الذي يشير إليه إطلاق الفعل، هو أنه لا حدود للإعطاء، قلّة أو كثرة، كما يقول سبحانه: «ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» .. (٩١: التوبة) وقوله تعالى: «فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى» أي أن من أخذ طريق الحق، وشدّ عزمه عليه، وصرف همه نحوه، يسّر الله له طريقه، وأعانه على المضي فيه، لأنه طريق الله، ومن كان على طريق الله، لم يحرم عونه، وتوفيقه..
стр. 6729
وقوله تعالى:
«وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى» .
وعلى عكس هذا من يبخل بماله، ويضنّ ببذله فى سبيل الله، وفى وجوه الخير، ومن وراء هذا البخل تكذيب بالإحسان، وبخس لقدره، واعتقاد بعدم جدواه- من يفعل هذا، فهو على طريق الضلال، يرصده عليه شيطان يغريه ويغويه، ويدفع به دفعا على هذا الطريق.. وهذا يعنى أن الله ييسّر لكل إنسان طريقه الذي يضع قدمه عليه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (٣٩: الأنعام) أي من يشأ الله إضلاله، أخلى بينه وبين نفسه، على طريق الضلال، وقيض له شيطانا، فهو له قرين، ورفيق، على هذا الطريق كما يقول سبحانه: «وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ» (٣٦: الزخرف) .. ومن يشأ الله هدايته أقام وجهه على طريق الهدى، وزوده بالزاد الطيب الذي يعينه على مواصلة السير فيه.. وفى هذا يقول الرسول الكريم: «اعملوا فكلّ ميسر لما خلق له..»
والعسرى: ضد اليسرى.. وهى من العسر، والتعقيد، بخلاف اليسرى فإنها من اليسر والسهولة.. وسميت طريق الضلال «عسرى» لأنها طريق مظلم، لا معلم من معالم الهدى فيه، وإن صاحبه ليظل يخبط فى ظلام، ويتردّى فى معاثر حتى يرد مورد الهالكين.. أما طريق الهدى، فهى طريق واضحة المعالم، لا يضل سالكها أبدا.. «أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (٢٢: الملك)
стр. 6730
وقوله تعالى:
«وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى» أي أن الذي يخل بماله، وضمن بالإنفاق منه فى وجوه الخير، لن ينفعه هذا المال الذي أمسكه، ولن يجد منه عونا، إذا هو تردّى فى هاوية الجحيم!.
والتردي: الهوىّ والسقوط من عل.
وقوله تعالى:
«إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى» أي إن علينا أن نبين للإنسان طريق الهدى، ونكشف له عنه، بما أودعنا فيه من عقل، وما بعثنا إليه من رسل، وما أنزلنا من كتب.. فهذه كلها أنوار كاشفة تكشف للإنسان عن وجه الحق والخير، وعن وجوه الضلال والشر..
ثم إن للإنسان أن يختار الطريق الذي يسلكه..
فالهدى، غير الهداية.. ولهذا جاء النظم القرآنى: «إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى» ولو جاء هكذا: «إن علينا للهدآية» لكان على الله أن يهدى الناس جميعا، وأن يكون ذلك على سبيل القهر والإلزام، وهذا مالم يقع فى حكمة الله، ولم يكن من تدبيره .. بل جعل الله للإنسان كسبا يكسبه بإرادته، وعملا بعمله باختياره، حتى يحقق وجوده كإنسان، ويثبت ذاتيته كخليفة الله على الأرض.. وبهذا يستأهل الثواب والعقاب!، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها» (١٣: السجدة) .. وهذا لا يتعارض مع مالله سبحانه من مشيئة مطلقة غالبة.. ولكنّ مشيئة الله تدور فى فلكها مشيئة الإنسان، التي بها يقضى فى أموره، ويأخذ الطريق الذي يختاره ويرضاه.
стр. 6731
فالإنسان- فيما يرى نفسه- مطلق المشيئة، وإن كان مقيدا، حرّ الإرادة، وإن كان مجبرا..
وقوله تعالى:
«وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى» ..
للمفسرون مجمعون على أن الآخرة، هى الحياة الآخرة، وأن الأولى هى الحياة الدنيا..
والرأى عندنا- والله أعلم- أن الآخرة والأولى، هما اليسرى والعسرى، اللتان أشار إليهما فى الآيات السابقة.. وفى ذلك إشارة إلى أن اختيار الإنسان لليسرى أو العسرى، وإن بدا أنه اختيار مطلق، هو مقيد بمشيئة الله، محكوم بإرادته، إذ كلّ مردّه إلى الله، فى واقع الأمر، وكلّ صائر إلى حكمه، وما قضى به فى عباده: «وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» (٢٩: التكوير) .. ربّ العالمين «مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (٣٩: الأنعام) ..
وقوله تعالى:
«فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى» ..
وهذا مما أشار إليه فى قوله: «إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى» .. ومن هذا الهدى ما أنذر الله به عباده، على يد رسله، من عذاب أليم فى الآخرة، لمن رأى الضلال، وسلك مسالكه، ورأى الهدى، فحاد عنه، وصرف نفسه عن طريقه..
стр. 6732
وقوله تعالى:
«وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وَلَسَوْفَ يَرْضى» ..
والسلامة من هذا البلاء، والنجاة من ذلك العذاب، إنما هى لمن اتقى الله، وخاف عذابه، وأنفق المال طالبا زكاة نفسه، وتطهيرها، مبتغيا بذلك وجه ربه الأعلى، المالك كلّ شىء، القائم على كل شىء، لا يريد بما أنفق جزاء ولا شكورا من أحد من عباد الله.. فمن فعل ذلك ابتغاء وجه الله، أرضاه لله وأقرّ عينه بما عمل.. إنه أرضى ربه، فكان حقّا على الله أن يرضيه..
وفى لفظ «الأشقى» و «الأتقى» ما يفيد المبالغة فى كل من الشّقوة والتقوى، وفى هذا ما يدعو الشقي إلى التخفف مما يزيد فى شقوته، حتى لا يزداد بذلك عذابه، كما يدعو التقىّ أن يزداد فى تقواه ما استطاع، حتى يزداد بذلك بعدا من النار، وقربا من الجنة..
стр. 6733
(٩٣) سورة الضحى
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة الفجر..
عدد آياتها: إحدى عشرة آية..
عدد كلماتها: أربعون كلمة..
عدد حروفها: مائة واثنان وسبعون حرفا..
مناسبتها لما قبلها
أقسم سبحانه فى سورة «الليل» ، بالليل إذا يغشى، وبالنهار إذا تجلى..
وبدأ بالقسم بالليل، ثم أعقبه بالقسم بالنهار..
وهنا يقسم الله سبحانه بالنهار أولا «والضحى» ثم بالليل ثانيا.. «ولليل إذا سجى» وبهذا يتوازن الليل والنهار، فيقدّم أحدهما فى موضع ويقدم الآخر فى موضع، ولكل من التقديم والتأخير فى الموضعين مناسبته.. وقد أشرنا من قبل إلى المناسبة فى تقديم الليل على النهار فى سورة الليل، وسترى هنا المناسبة فى تقديم النهار على الليل..
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ١١) [سورة الضحى (٩٣) : الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤)
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩)
وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)
стр. 6734
التفسير:
قوله تعالى:
«وَالضُّحى. وَاللَّيْلِ إِذا سَجى. ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى» الضحى، أول النهار وشبابه، حيث تعلو الشمس على أفقها الشرقي، فتبسط ضوءها على الوجود..
«وَاللَّيْلِ إِذا سَجى» .. سجا الليل، يسجو، سجوّا، وسجوّا، أي سكن، وهدأ، حيث تسكن فيه حركة الحياة، كما يسكن موج البحر، وينطوى صخبه وهديره، وهذا يعنى الدخول فى الليل إلى حدّ استوائه، كالدخول فى النهار إلى وقت الضحى، حيث يسفر وجه النهار على تمامه وكماله..
قيل إن هذه السورة نزلت بعد فترة انقطع فيها الوحى عن النبي ﷺ ، حتى لقد اتخذ المشركون من ذلك مادة للسخرية من النبي، وأن ربّه- الذي يقول إنه يوحى إليه بما يحدثهم به- قد قلاه، أي هجره، كرها له وبغضا!! وفى القسم بالضحى، إشارة إلى مطلع شمس النبوة، وأن مطلعها لا يمكن أن يقف عند حد الضحى الذي بلغته فى مسيرتها، بل لا بد أن تبلغ مداها، وأن تتم دورتها.. فالشمس فى مسيرتها، لا يمسكها شىء إذا طلعت.
وفى القسم بالليل بعد الضحى، وإلى سجوّ هذا الليل وسكونه- إشارة أخرى إلى أن فترة انقطاع الوحى، ليست إلا فترة هدوء، واستجمام يجمع فيها النبي نفسه، ويلمّ فيها خواطره، بعد هذا النور الغامر الذي بهره، وهز أعماق نفسه.. وإن بعد هذا الليل الهادئ الوادع نهارا، مشرقا وضيئا.. فهكذا يجرى نظام السكون، على ما أقامه الصانع الحكيم.
стр. 6735
يقول الأستاذ الإمام محمد عبده: «وليس فى نسق السورة ما يشير إلى أن المشركين أو غير هم بغرض من الخطاب.. ومن أين كان للمشركين أن يعلموا فترة الوحى، فيقولوا أو يطعنوا، ولكن ذلك كان شوق النبي- ﷺ إلى مثل ما رأى وما فهم عن الله، وما ذاق من حلاوة الاتصال بوحيه.. وكل شوق يصحبه قلق، وكل قلق يشوبه خوف» ..
وهذا ما نقول به، ونرضى عنه.. وقد ورد أن النبي ﷺ سأل جبريل، لم لا يداوم الاتصال به ويكثر من الوحى إليه، فنزل قوله تعالى:
«وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ..» (٦٤: مريم) وقوله تعالى: «ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى» هو المقسم عليه، وهو أن الله سبحانه لم يودع النبي، وداعا لا لقاء بعده، بل إن الله معه، فى كل لحظة من لحظات حياته، ومع كل نفس من أنفاس صدره.
وأن انقطاع الوحى فى تلك الفترة لم يكن عن قلى وهجر من الله له، فهو الحبيب إلى ربه، المجتبى إليه من خلقه..
وفى توكيد الخبر بالقسم، مزيد من فضل الله ورحمته، للنبى الكريم، ورفع لمنزلة النبىّ عند ربّه، حتى لينزل منزلة الحبيب من حبيبه.
وقوله تعالى:
. «وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى» الآخرة، خاتمة أمر النبي مع النبوة، والأولى، مبدأ أمره معها..
أي أن آخرة أمر النبي مع رسالته، خير من أولها.. فإذا بدأت رسالته بهذا العناء المتصل، الذي واجهه من عناد قومه، ومن تأتيهم عليه، وتكذيبهم له، وملا حقته هو والمؤمنون معه بالأذى، والضر، وبالحرب والقتال- فإن خاتمة هذه الرسالة ستكون نصرا مؤزّرا له، وفتحا عظيما الدعوة، وخزيا وإذ لا لا للضالين المعاندين..
стр. 6736
قوله تعالى:
«وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى» أي ولسوف يلقاك ربك بالعطايا والمنن، حتى تقر عينك، وينشرح صدرك، وذلك بما ينزل عليك من آيات ربك، وبما يحقق لدعوتك من نصر وتمكين.
وقوله تعالى:
«أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى، وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى» هذا من بعض ما أعطى الله النبي، فيما مضى، ولسوف يعطيه أكثر وأكثر فيما يستقبل من الحياة..
فإذا نظر النبي إلى نفسه، من مولده إلى يومه هذا الذي لقيته فيه تلك الآيات- وجد أنه ولد يتيما، فكفله الله، وأنزله من جده عبد المطلب، وعمه أبى طالب، منزلة أعز الأبناء وأحبهم إلى آبائهم.. ثم إذا نظر مرة ثانية إلى شبابه، وجد أنه كان قلق النفس، منزعج الضمير، مما كان يرى من الحياة الضالة التي يعيش فيها قومه، ولم يكن يدرى كيف يجد لنفسه سكنا، ولقلبه اطمئنانا وسط هذا الجوّ الخانق، فهداه الله إلى الخلوة إلى نفسه فى غار حراء، والابتعاد عن قومه، والانقطاع إلى ربه متحنّثا متعبدا، متأملا متفكرا.. وقد ظل هذا شأنه إلى أن جاءه وحي السماء، فسكب السكينة فى قلبه، والطمأنينة فى نفسه.. إنه صلوات الله وسلامه عليه، كان يرى أن ما عليه قومه ليس مما يدين به عاقل، أو تستقيم به حياة العقلاء، ولم يكن يدرى- صلوات الله وسلامه عليه- كيف م ١٠١ التفسير القرآنى ج ٣٠
стр. 6737
يغير من مسيرتهم الضالة، ولا كيف يقيم هو نفسه هو على شريعة يبشّر بها فى الناس، كما يقول سبحانه: «وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ..» (٥٢: الشورى) ثم إذا أعاد النبي النظر إلى نفسه مرة ثالثة، وجد أنه كان فقيرا عائلا، أي كثير العيال، فأغناه الله، وسدّ حاجة عياله، من مال زوجه، وأم أبنائه، السيدة خديجة رضى الله عنها.. وفى هذا ما يشير إلى فضل السيدة خديجة، وإلى أنها نعمة من نعم الله على النبي.. هذا كله يراه النبي- صلوات الله وسلامه عليه- من نفسه، ماضيا، وحاضرا..
قوله تعالى:
«فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» ..
هو تعقيب على هذا الإحسان الذي أفاضه الله وما سيفيضه على نبيه، وأن من حق هذا الإحسان أن يقابل بالحمد والشكران لله رب العالمين.. وقد صرف الله هذا الحمد، وذلك الشكران إلى الضعفاء، والمحتاجين من عباده، فيكون حمده وشكره، بالإحسان إليهم، والرعاية لهم.. فلا نهر لليتيم، ولا كسر لخاطره، ولا ترك لمرارة اليتم تنعقد فى فمه.. وإن أولى الناس برعاية اليتيم، وجبر خاطره، من عرف اليتم، ثم كفله الله.. وإنه لا نهر أي لا زجر للسائل، وهو من يقف موقف من يسأل، عما هو محتاج إليه، من طعام يسد به جوعه، أو علم يغذى به عقله، أو هدى يعرف به طريق الخلاص لروحه..
فإن السائل ضعيف أمام المسئول، ومن حقه على القوى أن يتلطف معه،
стр. 6738
ويرفق به.. إنه أشبه بالضالّ الذي لا يعرف الطريق، والمسئول هو موضع أمله، ومعقد رجائه، فى أن يخرجه من هذا الضلال، وأن يقيمه على الطريق المستقيم..
وأولى الناس بهذا من عرف الحيرة، ونشد وجه الهداية، فأصابها وقدرها قدرها..
وقوله تعالى:
«وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» .
نعمة الله هنا، هو القرآن الكريم، وهو من أجلّ وأعظم ما أنعم الله به على النبي، وهو نعمة عامة شاملة، وإنه لمطلوب من النبي أن ينفق منها على الناس، وأن يسعهم جميعا فيها..
فهى نعمة سابغة، لا تنفد على الإنفاق. فليحدّث النبي الناس بها، وليكثر من هذا التحديث بها، والإنفاق منها: «فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى» (٩: الأعلى) .. «فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ» (٤٥: ق) .. «فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ» (٢١: الغاشية) .. فهذا التحديث بالقرآن، هو التذكير به، وفى التذكير به هدى ورحمة للناس، حيث يجدون فى آياته شفاء الصدور، وجلاء البصائر، وروح النفوس.
стр. 6739
(٩٤) سورة الشرح
وتسمى سورة الانشراح نزولها: نزلت بمكة بعد سورة «الضحى» عدد آياتها: ثمان آيات عدد كلماتها: ست وعشرون كلمة.
عدد حروفها: مائة وخمسون حرفا.
مناسبتها لما قبلها
هذه السورة متمة لسورة «الضحى» قبلها، فكلتاهما عرض لما أنعم الله به على النبي، وتذكير له بهذه النعم، وتوجيه له إلى ما ينبغى أن يؤديه لها من حقّ عليه.. وهكذا شأن كل نعمة ينعم الله بها على الإنسان، لا تتم إلا بالشكر للمنعم، وبالإنفاق منها على كل ذى حاجة إليها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٨) [سورة الشرح (٩٤) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)
стр. 6740
التفسير:
«أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ» الاستفهام هنا تقريرى، يفيد توكيد الخبر الواقع عليه الاستفهام.. فهو خبر، ولذلك عطف عليه الخبر وهو قوله تعالى بعد ذلك: «وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ» .. أي «شرحنا لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك» وشرح الصدر، هو إخلاؤه من وساوس الحيرة والقلق، وإجلاء خواطر الهمّ، والغم التي تعشش فيه.. وبهذا يتسع لبلابل الفرح والبهجة أن تصدح فى جنباته، وأن تغرد على أفنانه..
وإنه ليس كالهمّ قبضا للصدور، وخنقا للأنفاس، وإظلاما للمشاعر، وتجميدا للعواطف..
إن المهموم المكروب، مكظوم الصدر، مبهور الأنفاس.. على عكس الخلىّ من الهموم، المعافى من الآلام.. إن صدره منبسط يستقبل أنسام الحياة فيرتوى بها، وينتعش بأندائها العطرة، ثم يحسو منها كما يحسو الطير من جداول الربيع، تسيل من عيون الجبال! هذا هو ما نفهم من قوله تعالى: «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ» أما ما يروى من أخبار شرح صدر الرسول الكريم، بما يشبه العملية الجراحية، على يد ملكين كريمين يقال إن الله سبحانه بعثهما لهذه المهمة، فشقّا صدر النبي، وفتحا قلبه، وغسلاه، وملآه حكمة وعلما، فهذا مما ينبغى مجاوزته، وعدم الوقوف طويلا عنده، إذ ليس هذا القلب الصنوبري من اللحم والدم، هو مستودع العلم والحكمة، وعلى فرض أنه هو مستودع العلم والحكمة، فإنه ما كانت قدرة الله تعالى بالتي تعالج هذا الأمر مع النبي على هذا الأسلوب
стр. 6741
الذي توصل العلم الحديث إلى ما هو خير منه.. ولا ندرى كيف تحمل كتب التفسير والحديث مثل هذه الأخبار، التي إذا وزنت بميزان العقل لم يكن لها وزن فى معابير الحقيقة والواقع، الأمر الذي إذا وقف عليه غير الراسخين فى العلم، أشاع الشك عندهم فى حقائق هذا الدين كلها، وغطى دخان مثل هذه المقولات الساذجة الملفقة على حقائقه، وحجب الرؤية الصحيحة عن كثير من الأبصار!! إن الأمر يحتاج إلى نظرة فاحصة من علماء المسلمين جميعا، وإلى كلمة سواء بينهم فى هذه المرويات المتهافتة، التي تضاف إلى الصفوة المختارة من صحابة رسول الله، والذين اتخذ الوضّاع والمنافقون من مكانتهم فى نفوس المسلمين، مدخلا يدخلون به عليهم، ويروّجون عندهم هذا الزور من القول، معزوّا إلى كبار صحابة رسول الله، وإلى أعلام الإسلام، ومصابيح هداه!! وفى القرآن الكريم أكثر من آية تدل على أن شرح الصدر، هو تفتّحه للحياة، وإقباله على معالجة أمورها، فى رضا، وشوق، وإقبال.. وفى هذا يقول الله تعالى: «أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ» (٢٢: الزمر) ويقول سبحانه: «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ» (١٢٥: الأنعام) وعلى لسان موسى ﵇، يقول الله تعالى: «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي» (٢٥- ٢٧: طه) وشرح الصدر فى هذه المواضع كلها، هو بمعنى استجابته للخير الذي يدعى إليه، وتقبله له، واتساعه للكثير منه.. وضيقه، هو عدم تقبله للخير، واختناقه به، كما يختنق الصدر بالروائح الخبيثة المنكرة! فلم إذن يكون شرح الله لصدر رسول الله على هذه الصورة التي تشبه الملهاة، أو المأساة؟
стр. 6742
وأكثر من هذا، فإن قوله تعالى: «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ» يقابله فى آية أخرى قوله تعالى: «وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ» (٩٧: الحجر) فهل كان ضيق الصدر بعملية جراحية كعملية شرحه؟ إن هذا من ذاك سواء بسواء! وعلى أىّ، فإنه إذا صحت هذه المرويات عن شق صدر رسول الله ﷺ ، فإنه ينبغى ألا تحمل على محاملها المادية الظاهرة، بل ينبغى أن يلتمس لها وجه من التأويل تقبل عليه.
وقوله تعالى:
«وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ.»
الوزر: الحمل الثقيل، من الهموم، ونحوها..
ونقض الظهر: هو نوءه بالحمل الثقيل، وانحناؤه تحته..
وهنا سؤال: أكان النبي ﷺ يحمل أثقالا على ظهره، أم أنها أثقال المعاناة النفسية التي كان يعانيها من عناد قومه، وخلافهم عليه؟
وإذا كان الله سبحانه، قد شرح صدر النبي هذا الشرح المادي الذي شق به صدره، وفتح به قلبه- فهل فعل سبحانه مثل هذا بظهره، فشدّ أعصابه، وقوّى فقاره؟ أليس هذا من ذاك؟
وقوله تعالى:
«وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ» أي أجرينا ذكرك الحسن على الألسنة، وجعلنا لك ذكرا عاليا باقيا على الزمن.. فما آمن مؤمن بالله إلا جعل الإيمان بنبوّتك من تمام إيمانه بالله، وإنه لا يؤمن بالله من لم يؤمن بأنك رسول الله، يقرن ذكرك بذكر الله.
стр. 6743
فأىّ ذكر أعظم من هذا الذكر؟ وأي قدر مثل هذا القدر لبشر غيرك؟
وإنا إذ ننظر فى قوله تعالى فى سورة: «الضحى» :
«أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى؟ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى؟ وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى؟» ثم ننظر فى قوله تعالى فى سورة «الانشراح» :
«أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؟ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ؟» :
إذ ننظر فى هذه الآيات وتلك معا، نجد تطابقا فى المعنى، وتقريرا له..
فهذا اليتيم الفقير، يؤويه الله سبحانه، ويرفع ذكره فى العالمين، ويجرى الحديث الطيب عنه على كل لسان، أبد الدهر..
والعهد باليتم والفقر، أن يقيما الإنسان فى أدنى درجة فى سلم المجتمع الإنسانى، حيث يلّفه الخمول والضياع، من مولده إلى مماته..
وهذا الضال الذي استبدّت به الحيرة، ورهقه البحث عن طريق الخلاص والنجاة، قد هداه الله، وجعله مصباح هدى للعالمين، فوضع بذلك عن كاهله هذا العبء الثقيل الذي كان ينوء به، من حيرته فى أمره وأمر الظلام المنعقد على قومه.. والعهد بالحائرين أن تعلق بهم الحيرة، وأن تترك بصماتها الواضحة عليهم، حتى بعد شفائهم مما كان قد ألمّ بهم من حيرة وقلق.
وهذا الفقير المعيل، وكان حسبه أن يجد الغنى الذي يسد مفاقره، ويشبع جوعه وجوع عياله- قد أغناه الله، وكفل له ولعياله لقمة العيش.. ثم لم يقف غناه عند هذا، بل شرح الله صدره، وأودع فيه مالا تتسع له كنوز الدنيا كلها، بما نزل عليه من آيات ربه، وبما أراه ربه من مقامه عنده، وبما بارك عليه فى أسرته التي تضم كل مسلم ومسلمة فى مشارق الأرض ومغاربها، يمدّها على
стр. 6744
الزمن بهذا الغذاء الذي لا ينفد أبد الدهر، من ثمرات الإيمان، وزاد التقوى..
فأى شرح للصدر، وأي غبطة ورضا ومسرة تعمر جوانبه، أكثر من هذا وأعظم، وأبقى؟
قوله تعالى:
«فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً» .
العسر: الضيق، والشدة.. واليسر: السعة والرخاء..
وهكذا كان تدبير الله مع النبي الكريم، بدأ أمره بالعسر والضيق، ثم كانت عاقبة أمره إلى اليسر والسعة، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى» ، وإنما الأمور بخواتيمها.. فما أجمل العافية بعد المرض، وما أطيب الصحة بعد الاعتلال، وما أهنأ الشبع بعد الجوع، والرىّ بعد الظمأ!! وهكذا فى كل ما يسوء ويسر.. إذا جاءت المسرة بعد السوء، عظم وقعها، وجمل أثرها، وعفّى على كل أثر للمساءة والمضرة:
كأن الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ... ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا!
وعكس هذا صحيح.. فإنه ما أثقل المرض بعد العافية، والاعتلال بعد الصحة، وما أقسى الجوع بعد الشبع، والظمأ بعد الري.. وهكذا فى كل مساءة تعقب المسرة، حيث يذهب بها كل شىء كان جميلا طيبا، ثم لا يبقى إلا وجهها الكريه البغيض، يؤلم، وبورق، ويعضنى..
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
فالذين يمشون فى أول حياتهم على الشوك، ويغسلون أجسادهم بعرق الكفاح والصبر، يجنون أطيب الثمرات، ويضعون أقدامهم على مواقع العزة والمجادة،
стр. 6745
ويتحلّون بحلل الكرامة والفخار.. أما الذين يستقبلون الحياة مستنيمين فى ظلها، متجنبين الخواض فى غمراتها، متخففين من حمل أعبائها وأثقالها، فهيهات أن تسلمهم الحياة آخر الأمر إلى غير المهانة والضياع..
تريدين إدراك المعالي رخيصة ... ولا بد دون الشهد من إبر النحل!
وهكذا الشأن فيما بين الدنيا والآخرة.. فمن حمل نفسه على المكروه فى الدنيا، نزل منازل النعيم والرضوان فى الآخرة.. ومن وضع فمه فى ثدى الدنيا يرضع منها حتى يضع قدمه على طريق الآخرة- انقطع به مورد فطامه هناك، وكان من الهالكين..
وفى تكرار الآية، بدون حرف عطف، توكيد للخبر الذي ساقته، وتقرير للحكم الذي قضت به.. «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً» .
يقول المفسّرون والبلاغيّون: إن المعرفة إذا كررت كانت هى هى، وأن النكرة إذا كررت كان اللفظ الثاني غير الأول.. وهنا يقولون: إن كلمة «العسر» - وهى معرفة- هى عسر واحد بعينه فى الموضعين، وأما كلمة «يسر» - وهى نكرة- فإنها يسر بعينه فى كل موضع، ومن هنا قالوا «لن يغلب عسر يسرين» - يعنون بذلك أن العسر دائما يواجهه يسران، وأنهما لا بد أن يقهراه ويغلباه، ويأتون على هذا بحديث لرسول الله ﷺ يقول: «لن يغلب عسر يسرين» .
هذا وجه يراه العلماء فى هذا التكرار..
ووجه آخر، نراه نحن- والله أعلم- وهو هذه المعيّة «مع» ، التي تحمل مع كل عسر يسرا مصاحبا له، مندسّا فى كيانه.. «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً» - أي إن العسر- أىّ عسر- لا يلقى الإنسان إلا ومن محامله اليسر، الذي يعمل على مقاومته، ومصارعته حتى يقهره آخر الأمر، ويتركه صريعا، ليأخذ اليسر
стр. 6746
مكانه، متمكنا، لا ينازعه عسر! هكذا الشدائد تتولّد منها دائما مواليد الخير، وتستنبت فى أرضها أطيب الثمرات، وأكرمها، وأهنؤها..
وهناك سؤال: إذا كان مع العسر يسر، فهل العكس صحيح، وهو أن يكون مع اليسر عسر؟
وكلا.. فإن العسر رحمة من رحمة الله.. إنه من موارد الحق، والخير..
وما كان كذلك كان صفوا من كل كدر، خالصا من كل سوء.. فاليسر لا يحمل فى كيانه أبدا شيئا ما يكدره.. إنه من العالم العلوي، أشبه بماء المطر، لا يخالطه شىء من الملح.. أما العسر فهو أشبه بالماء الملح، يحمل فى كيانه الماء العذب..
اليسر جوهر، والعسر عرض! ومن هنا نجد مع كل عسر يسرا، ولا نجد مع كل يسر عسرا.. ومن هنا أيضا بلد العسر يسرا، ولا يلد اليسر إلا يسرا.
ومفهوم العسر واليسر هنا، هو المفهوم العالم المطلق لهما، لا المفهوم الذي يوزن بميزان شخصى، ويقوم على اعتبار فردى.. وهذا المفهوم المطلق- للعسر واليسر- إذا أمعنا النظر فيه، نجد أنه لا عسر أصلا، وأنه لا يدخل فى نظام الوجود العام، الذي ينتظم الموجودات كلها، ويجعل منها جميعا نغما متسق الألحان.. «ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ» .. (٣: الملك) وقوله تعالى:
«فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ. وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ» .
هو تعقيب على قوله تعالى: «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً» أي أنه إذا كان من شأن العسر أن يصحبه يسر، ومن شأن النّصب والتعب أن تعقبمها الراحة والرضا، فجدير بك أيها النبي- كما هو جدير بكل إنسان-
стр. 6747
أنك إذا فرغت من أي موقع من مواقع الكفاح، والجهاد، فلا تركن إلى الراحة، بل افتح جبهة جديدة للكفاح والجهاد، فإنه بقدر ما يمتد بك هذا الطريق الشاق العسر، بقدر ما تحصل من خير، وبقدر ما تبلغ من علو شأن ورفعة قدر..
وقوله تعالى: «وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ» - إشارة إلى أن هذا الجهاد والكفاح، وما تحتمل فيه النفس من نصب وتعب- إنما يعطى هذا الثمر الطيب، إذا كان متجهه إلى الله، وكانت غايته مرضاة الله، والرغبة فيما عنده..
أما النصب والتعب فيما لا يراد به وجه الله، والدار الآخرة، فهو عناء، وبلاء.
إن النصب والتعب فى مغارس الحق والخير، يزكو نباته، ويطيب ثمره، ويكثر خيره، وأما النصب والتعب فى أودية التيه والضلال، فذلك ما لا ينبت- إن كان له نبات- إلا الشوك والحسك.
(٩٥) سورة التين
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة «البروج» .
عدد آياتها: ثمانى آيات.
عدد كلماتها: أربع وثلاثون كلمة.
عدد حروفها: مائة وخمسون حرفا.
مناسبتها لما قبلها
ختمت سورة «الانشراح» بالدعوة إلى الكد والنصب، فى الحياة الدنيا، ليبنى الإنسان بذلك دار مقامه فى الآخرة، ويعمرها بما يساق إليه فيها من نعيم الله ورضوانه.
стр. 6748
وبدئت سورة «التين» بهذه الأقسام من الله ، لتقرير حقيقة الإنسان وتذكيره بوجوده، وأن الله سبحانه خلقه فى أحسن تقويم، وأودع فيه القوى التي تمكّن له من الاحتفاظ بهذه الصورة الكريمة، وأن يبلغ أعلى المنازل عند الله، ولكن ميل الإنسان إلى حب العاجلة، قد أغراه باقتطاف الذات الدانية له من دنياه، دون أن يلتفت إلى الآخرة، أو يعمل لها، فردّ إلى أسفل سافلين.. وقليل هم أولئك الذين عرفوا قدر أنفسهم، فعلوا بها عن هذا الأفق الضيق، ونظروا إلى ماوراء هذه الدنيا.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٨) [سورة التين (٩٥) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَطُورِ سِينِينَ. وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ» اختلف فى معنى التين والزيتون، وكثرت مقولات المفسرين فيهما، ويرون عن ابن عباس أنه قال فيها: «هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم
стр. 6749
الذي تعصرون منه الزيت، قال تعالى: «وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ» (٤٠: المؤمنون) .
ويروى عن أبى ذرّ أنه أهدى إلى النبىّ ﷺ سل من تين، فقال: «كلوا» وأكل منه، ثم قال: «لو قلت: إنّ فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم «١» ، فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النّقرس» .. وقيل التين المسجد الحرام، والزيتون المسجد الأقصى، وقيل: هما جبلان بالشام.. وقيل كثير غير هذا.
ويرجّح القرطبي أنهما التين والزيتون على الحقيقة، وقال: «لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل» !.
ولكن إذا أخذنا بالقول بأن التين والزيتون هما هاتان الثمرتان- لا نجد جامعة بين التين والزيتون، وبين طور سينين والبلد الأمين.. وعادة القرآن أنه لا يجمع بين الأقسام إلا إذا كانت بينها علاقة تشابه أو تضادّ، وهنا لا نجد علاقة واضحة بين هاتين الفاكهتين، وبين طور سينين والبلد الأمين، اللهم إلا إذا قلنا: إن طور سيناء ينبت فيه التين والزيتون، ويطيب ثمره، فتكون العلاقة بينهما علاقة نسبة إلى المكان، ويقوّى هذه النسبة أن القرآن الكريم أشار فى موضع آخر إلى منبت شجرة الزيتون، وأن طور سيناء هو أطيب منبت لها، إذ يقول سبحانه: «وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ» . (٢٠: المؤمنون) وقيل: إن التين والزيتون فاكهتان، ولكن لم يقسم بهما هنا لفوائدهما، بل لما يذكّران به من الحوادث العظيمة التي لها آثارها الباقية
стр. 6750
وذلك أن الله أراد أن يذكّرنا بأربعة فصول من كتاب الإنسان الطويل، من أول نشأته إلى مبعث النبي ﷺ .
فالتين، إشارة إلى عهد الإنسان الأول، فإن آدم- كما تقول التوراة- كان يستظل فى الجنة بشجر التين، وعند ما بدت له ولزوجه سوءاتهما طفقا يخصفان عليهما من ورق التين.. فهذا أول فصل من فصول حياة الإنسان..
والزيتون، إشارة إلى الفصل الثاني، وهو عهد نوح، وذلك أنه بعد أن فسد البشر، وأهلك الله من أهلك بالطوفان، ونجّى نوحا ومن معه فى السفينة، واستقرت السفينة على اليابسة- نظر نوح- كما تقول التوراة- إلى ما حوله، فرأى الحياة لا تزال تغطى وجه الأرض، فأرسل حمامة تأتى له بدليل على انحسار المياه عن وجه الأرض، فجاءت إليه وفى فمها وريقات من شجر الزيتون، فعرف أن المياه بدأت تظهر على وجه الأرض من جديد! أما طور سينين، فهو إشارة إلى الفصل الثالث من حياة الإنسان، وهو ظهور الشريعة الموسوية، وقد كانت تلك الشريعة دعوة لكثير من أنبياء الله ورسوله إلى عهد المسيح ﵇، الذي كان خاتمة هذه الشريعة.
وأما البلد الأمين- وهو مكة- فقد كان مطلع الرسالة الخاتمة لما شرع الله للناس، وبها يختم الفصل الأخير من حياة الإنسان على هذه الأرض..
وهذه كلها أقوال متقاربة، يمكن أن يؤخذ بأيّ منها، أو بها جميعها.
[مسيرة الإنسان.. إلى أمام، أم وراء؟] وقوله تعالى:
«لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
стр. 6751
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ» .
هو جواب القسم، وهو المقسم عليه، لتوكيده، وتقريره بالقسم.
وفى توكيد هذا الخبر، وهو خلق الإنسان فى أحسن تقويم- إشارة إلى كثير ممن تشهد عليهم أفعالهم بأنهم ينكرون خلقهم القويم هذا، ولا يعرفون قدره فينزلون إلى مرتبة الحيوان، ويسلمون قياد وجودهم إلى شهواتهم البهيمية، غير ملتفتين إلى ما أودع الخالق فيهم من عقل حمل أمانة أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها، فضيع الإنسان هذه الأمانة، ولا كها فى فمه كما تلوك البهيمة العشب.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ» .. فلقد ردّ الإنسان بهذه الغفلة عن وجوده الحقيقي، إلى الوراء، منكّسا فى خلقه، حتى بلغ أدنى مراتب الحيوانية، وصار وراء الحيوان الأعجم الذي تسيره طبيعته التي ركبت فيه، على خلاف هذا الإنسان الذي غيّر فطرته، وانتقل من عالم الإنسان إلى عالم الحيوان، فلم يصبح حيوانا، ولم يعد إنسانا! يقول الأستاذ الإمام محمد عبده عن الإنسان وخلقه فى أحسن تقويم، ورده إلى أسفل سافلين: «وما أشبهه- أي الإنسان- فى حاله الأولى- بثمرة التين، تؤكل كلها، لا يرمى منها شىء.. والإنسان- أي فى حاله الأولى- كان صلاحا كله، لم يشذّ عن الجماعة منه فرد، تلك كانت أيام القناعة بما تيسر له من العيش، وشدة الإحساس بحاجة كل فرد إلى الآخر فى تحصيله، وفى دفع العوادي عن النفس.. تنّبهت الشهوات بعد ذلك وتخالفت الرغبات، فنبت الحسد والحقد، وتبعه التقاطع، واستشرى الفساد بالأنفس، حتى صارت الأمانة عند بعض الحيوان، أفضل منها عند الإنسان، فانحطت بذلك نفسه عن مقامها الذي كان لها بمقتضى الفطرة، وقد كان ذلك- ولا يزال- حال أكثر
стр. 6752
الناس. فهذا قوله: «ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ» ! ونظرة الأستاذ الإمام هنا، قائمة على أن الإنسان فى حال التذاجة والبدائية كان خيرا منه فى حال الحضارة والمدينة، أو بمعنى آخر، أنه كان فى حياة الغابة بين الحيوان، لا يتكلف لحياته أكثر ممّا يتكلّف الحيوان، حيث يأكل مما يأكل الحيوان، ويسكن فى كهوف، وأجحار كما يسكن الحيوان- كان فى هذه الحياة خيرا منه فى حياة المدن، وما ولّد له عقله فيها من قوّى سخّر بها الطبيعة، واستخرج منها كنوزها المودعة فى كيانها، وأمسك بمفاتح أسرارها، فاستضاء بالكهرباء، واتخذ الهواء مركبا له، بل وصعّد فى السماء حتى وضع قدميه على القمر، وهو بسبيل أن يضع أقدامه على الكواكب الأخرى!! ولو صحّ هذا الذي يقوله الأستاذ الإمام، لكان معناه أن الحياة الإنسانية تسير إلى الوراء، وهذا ما لا تسير عليه الحياة، ولا ما تقتضيه سنّة التطور فى الكائن الحىّ نفسه.. فالإنسان بدأ من طين، ثم صار خلقا سويّا، فى أطوار ينتقل فيها من أسفل إلى أعلى.. من التراب، ثم النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة.. ثم.. ثم.. إلى أن يكون طفلا، ثم غلاما، ثم شابّا، ثم رجلا.. كذلك الشأن فى عالم النبات.. البذرة، ثم النّبتة، ثم الشجرة، ثم الدّوحة العظيمة.. وهكذا.. حتى فى عالم الجماد.
وإنه لأولى من هذا أن تكون هذه النظرة مقصورة على الأفراد فى أنواعها، لا على الأنواع فى أفرادها، بمعنى أن الأفراد تدور فى فلك محدود يكون لها فيه شروق وغروب، وصعود وهبوط، وازدهار وذبول، ونضج وعطب.. أما الأنواع- مع ما يقع فى أفرادها من تحول وتبدّل- فهى سائرة إلى الأمام أبدا، متطورة إلى ما هو أحسن وأكمل.. وشاهد (م ١٠٢- التفسير القرآنى ج ٣٠)
стр. 6753
هذا الشرائع السماوية نفسها، فما كملت شريعة السماء إلا فى الشريعة الإسلامية، التي التقت مع الإنسان بعد هذه الدورات الطويلة الممتدة من مسيرة الحياة الإنسانية- فهذا هو معيار الإنسان، ووزنه الذي يوزن به! ودورة الإنسان هذه على هذه الأرض هى دورة جزيئة فى فلك الوجود، إذا غربت شمسه على هذه الأرض، طلعت من جديد فى عالم آخر، هو عالم الخلود!.
أما قوله تعالى: «ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ» - فهذا حكم على الإنسان فى أفراده، لا فى نوعه، فالإنسان- كفرد- يولد- فى أىّ زمن من أزمان الحياة الإنسانية «فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» بما أودع الخالق فيه من عقل مبصر، وفطرة سليمة، ثم إن كثيرا من الناس يطفئون نور عقولهم بأيديهم، ويغتالون فطرتهم بشهواتهم، فيفسدون وجودهم الإنسانىّ ويردّون إلى عالم الحيوان، وقليل منهم يحتفظون بوجودهم الإنسانىّ- عقلا وفطرة- فيكونون شاهدا قائما على أن الإنسان- فى كل زمن هو خليفة الله فى هذه الأرض، وهو سيّد ما عليها من مخلوقات، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ» .. فهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات، هم الإنسان، وهؤلاء هم الإنسان الذي يتناول من ربّه أجره الإنسان كاملا فى الدنيا والآخرة، وإنه لأجر يتكافأ مع هذا الخلق العظيم الذي خلق عليه فى أحسن تقويم، لا يناله غيره من عالم الأحياء.. إنه أجر مقدّر بقدره محسوب بشرف خلقه.. أما من نزلوا عن هذا القدر وتخلّوا عن هذا الشرف، فلهم الأجر الذي هم أهله: «يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ» وهل للأنعام إلا أن تسمّن، وتذبح، ثم تكون وقودا للبطون الجائعة؟.
إن الوجود فى تطور، وفى نماء، وهذا بعض ما يشير إليه قوله تعالى:
стр. 6754
«يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ» .. (١: فاطر) .. وإن نظرة فى تاريخ الإنسانية لترينا أن الإنسان فى أول ظهوره على هذا الكوكب الأرضى، كان أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان، يسكن الغابات والكهوف، ويعيش عاريا أو شبه عار، لا يستره إلا ورق الشجر أو نحوه، كما لا تزال شواهد من هذا قائمة فى البيئات المتخلّفة، كما فى الزنوج، والهنود الحمر..
فهذا الإنسان البدائى كان- ولا يزال- محكوما يغرائزه الحيوانية..
أما هذا الإنسان الذي شهد عهد النبوّات، فهو وليد حياة متطورة، قطع الإنسان مسيرتها فى مئات الألوف من السنين، حتى أصبح أهلا لأن يخاطب من السماء، وأن تناط به التكاليف الشرعية، وأن يكون محلّا للحساب، والثواب، والعقاب.
والنظرة التي ينظر بها إلى الإنسان على أن أمسه خير من يومه، ويومه خير من غده، وأنه سائر فى طريق يتدلّى به سلّما سلّما من السماء إلى الأرض- هذه النظرة خاطئة من وجوه:
فأولا: أنها نظرة محصورة فى الوجود الذاتي للإنسان.. فالإنسان فى نظرته إلى نفسه يرى أن واقعه الذي يعيش فيه، غير محقّق لرضاه عنه، أيّا كان هذا الوجود، وأيّا كان حظّه مما لم يظفر به غيره.. إنه يتطلع دائما إلى ما هو أفضل..
وثانيا: وتأسيسا على هذا، أن عدم رضا الإنسان عن واقعه، وتطلعه إلى المستقبل الذي لا يجد فيه ما يرضيه- هذا التطلع- يشرف به على عالم مجهول، لا يدرى ما سيطلع عليه منه، فلا يجد إلا الماضي الذي يعيش فى ذكرياته، وإنه حين ينظر إلى هذا الماضي لا يذكر منه إلّا ما كان موضع مسرّته ورضاه.. أما ما يسوءه منه فإنه يختفى من حياته، ولهذا كان الحنين إلى الماضي رغبة منبعثة من صدور كل إنسان.
стр. 6755
وثالثا: وتأسيسا على هذا أيضا- كان هذا الإحساس الذي يجده الإنسان دائما من تقديس الماضي وتمجيده، وأنه بقدر ما يبعد الزمن فى أغوار الماضي، بقدر تعدّد ما يلبس من أثواب التقديس والتمجيد.
فالحياة بخير، والإنسانية فى طريقها من الأرض إلى السماء، وليست فى هبوط من السماء إلى الأرض!! قوله تعالى:
«فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ» .
الدّين هنا، هو ما يدين به الإنسان لخالقه الذي خلقه فى أحسن تقويم، وهو الاحتفاظ بهذه المنزلة العالية التي له فى عالم المخلوقات، بما له من عقل مبصر، ونظرة سليمة.
والمراد بالتكذيب، هو إنكار هذا العقل، وعدم الإصغاء إليه.
والتخلّي عن هذه الفطرة، وتعطيل وظيفتها.
والاستفهام إنكارى، بكشف عن حال أولئك الذين خرجوا عن إنسانيتهم تلك، وتحوّلوا إلى دنيا الحيوان، بلا عقل، ولا قلب!! وقوله تعالى: «أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ» هو إنكار بعد إنكار، لمن زهدوا فيما أودع الخالق فيهم من آياته، فردّوها، وعرّوا أنفسهم منها، كأنهم لا يرضون بما زيّنهم الله به، وكأنهم يرون أن ما صنع الله بهم ليس على التمام والكمال، فهم يزهدون فيه، ويطلبون لأنفسهم ما هو أحكم وأكمل!! فالتكذيب بالدين لا يكون من إنسان عاقل رشيد، وإنما يكون ممن سفه نفسه وجهل قدره!
стр. 6756
(٩٦) سورة العلق
نزولها: مكية.. أول ما نزل من القرآن الكريم.
عدد آياتها: تسع عشرة آية.
عدد كلماتها: اثنتان وتسعون كلمة.
عدد حروفها: مائتان وثمانون حرفا.
مناسبتها لما قبلها كانت سورة «التين» مواجهة للإنسان فى خلقه القويم، الجليل، الذي خلقه الله عليه، وأن هذا الإنسان إذا استطاع أن يحتفظ بهذا الخلق الكريم، كان فى أعلى عليين.. أما إذا لم يحسن سياسة هذا الخلق، ولم يحسن تدبيره فإنه يهوى إلى أسفل سافلين.
وتبدا سورة «العلق» بهذه الواجهة مع الإنسان فى أعلى منازله، وأكرم وأشرف صورة له، وهو رسول الله «محمد» صلوات الله وسلامه عليه، مدعوّا من ربه إلى أكمل كمالات الإنسان، وأكرم ما يتناسب مع كماله وشرفه، وهو القراءة، التي هى مجلى العقل، ومنارة هديه ورشده.
وبهذا تكون المناسبة جامعة بين السورتين، ختاما، وبدءا.
стр. 6757
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ١٩) [سورة العلق (٩٦) : الآيات ١ الى ١٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)
عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩)
عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤)
كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)
التفسير:
قوله تعالى:
«اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» .
يكاد إجماع العلماء والمفسرين ينعقد على أن هذه الآيات الخمس، هى أول ما نزل من القرآن الكريم، وأول ما استفتحت به الرسالة المحمدية.
وقد نزل بها جبريل على النبىّ وهو يتعبد فى غار حراء، وقد فجئه الوحى بقوله
стр. 6758
تعالى: «اقرأ» . ففى الصحيحين عن السيدة عائشة، رضى الله عنها، قالت: «أول ما بدىء به رسول الله- ﷺ من الوحى الرؤيا الصادقة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء فكان يخلوا بغار حار، يتحنث فيه الليالى ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لمثل ذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى فجئه الحق، وهو فى غار حراء، فجاء الملك، فقال: «اقرأ» فقال: «ما أنا بقارئ» قال فأخذنى فغطّنى «١» حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال: «اقرأ» فقلت ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال:
«اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» .
هذه هى الآيات الخمس الأولى، التي استفتح بها كتاب الله الذي نزل على النبىّ..
والنبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- أمّى، لا يقرأ، وأمره بالقراءة، إنما هو قراءة من هذا الكتاب السماوي، الذي يقرأ منه جبريل، فيقرىء النبىّ منه.. فهى قراءة متابعد لقارىء السماء، جبريل، من كتاب الله.
وقوله الملك لنبى: «اقرأ» هو دعوة إلى قراءة من كتاب، والنبي صلوات الله وسلامه عليه، لا يقرأ، ثم إنه ليس هناك كتاب يقرؤه لو كان قارئا..
ولهذا كان ردّ النبي: «ما أنا بقاري» ! .. وقد تكرر هذا الموقف بين
стр. 6759
جبريل، وبين النبي ثلاث مرات: «اقرأ» .. «ما أنا بقاري!» أي لا أعرف القراءة..
وفى هذا تنويه بشأن القراءة. وأنها السبيل إلى المعرفة والعلم..
ثم إن الأمية، وإن كانت حائلة بين المرء وبين أن يقرأ فى كتاب، فإنها لا تحول بينه وبين العلم والمعرفة، فهناك كتاب الوجود، الذي يقرأ الإنسان آياته بالنظر المتأمل فيه، والبصيرة النافذة إلى أسراره، وعجائبه.. ثم هناك التلقي عن أهل العلم، ممن يقرءون ويدرسون.. فليكن الإنسان قارئا أبدا، على أي حال من أحواله، قارئا بنفسه، أو قارئا متابعا لغيره.
أما أمية النبي الكريم، فهى أمية مباركة، قد فتحت عليه خزائن علم الله، إذ بعث الله إليه رسولا من عنده يقرأ عليه كتاب الله، ويملا قلبه هدى ونورا منه..
ولهذا كان النبي قارئا، فقرأ حين أقرأه جبريل: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» .
وقوله تعالى: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» أي اقرأ بأمر ربك، أي أن جبريل يقول: هذا الأمر الذي آمرك به ليس بأمرى، وإنما هو بأمر ربك، الذي يدعوك إلى أن تقرأ ما أفرئك إياه، من كتاب ربك.. وهذا مثل قوله تعالى:
«وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ» (٢٧: الكهف) . وقوله تعالى:
«فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ»
(١٨: القيامة) .
وقوله تعالى: «الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ» - هو بيان لقدرة الله ، وأنه هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه هو الذي بقدرته
стр. 6760
خلق الإنسان، هذا الخلق السوىّ «من علق» أي من دم لزج، متجمد.
فالذى خلق الإنسان من هذا العلق، وسوّاه على هذا الخلق، لا يقف به عند هذا الحد، بل هو سبحانه، بالغ به منازل الكمال، بما يفتح له من أبواب العلم والمعرفة..
وقوله تعالى: «اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ» أي خذ ما أعطاك ربك من علم، وما دعاك إليه من معرفة، فإن ربك كريم واسع العطاء، لا ينفد عطاؤه.
فقوله تعالى: «وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ» - جملة خبرية، تقع موقع الحال من فاعل «اقرأ» وهو النبي ﷺ ، أي اقرأ مستيقنا أن ربك هو الأكرم.. أي ذو الفضل العظيم، والكرم الذي لا حدود له..
وفى تعريف طرفى الجملة الخبرية، ما يفيد القصر، أي قصر صفة الكرم على الله وحده..
وقوله تعالى: «الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» .. أي ومن كرمه سبحانه أنه جعل من القلم الذي هو قطعة جامدة من الحطب، أو الخشب، أداة للعلم والمعرفة، ففتح به على الإنسان أبواب العلوم والمعارف، وجعل من ثماره هذه الكتب التي حفظت ثمار العقول، فكانت ميراثا للعلماء، يرثها الخلف عن السلف، وينميها ويثمرها العلماء جيلا بعد جيل.. وبهذا تعلم الإنسان ما لم يكن يعلم، وبعلمه هذا المستفاد من سلفه، فتح أبوابا جديدة من العلم يتلقاها عنه من بعده، ويفعل فعله، بما يفتح من أبواب جديدة للعلم.. وهكذا تتسع معارف الإنسان، ويزداد علمه على مدى الأجيال..
وهذا يعنى أن الإنسانية متطورة، وسائرة نحو الأمام، بما تتوارث أجيالها من ثمار العقول، التي يتركها السلف للخلف، جيلا بعد جيل..