(٩٦) سورة العلق
نزولها: مكية.. أول ما نزل من القرآن الكريم.
عدد آياتها: تسع عشرة آية.
عدد كلماتها: اثنتان وتسعون كلمة.
عدد حروفها: مائتان وثمانون حرفا.
مناسبتها لما قبلها كانت سورة «التين» مواجهة للإنسان فى خلقه القويم، الجليل، الذي خلقه الله عليه، وأن هذا الإنسان إذا استطاع أن يحتفظ بهذا الخلق الكريم، كان فى أعلى عليين.. أما إذا لم يحسن سياسة هذا الخلق، ولم يحسن تدبيره فإنه يهوى إلى أسفل سافلين.
وتبدا سورة «العلق» بهذه الواجهة مع الإنسان فى أعلى منازله، وأكرم وأشرف صورة له، وهو رسول الله «محمد» صلوات الله وسلامه عليه، مدعوّا من ربه إلى أكمل كمالات الإنسان، وأكرم ما يتناسب مع كماله وشرفه، وهو القراءة، التي هى مجلى العقل، ومنارة هديه ورشده.
وبهذا تكون المناسبة جامعة بين السورتين، ختاما، وبدءا.
стр. 6757
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ١٩) [سورة العلق (٩٦) : الآيات ١ الى ١٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)
عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩)
عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤)
كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)
التفسير:
قوله تعالى:
«اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» .
يكاد إجماع العلماء والمفسرين ينعقد على أن هذه الآيات الخمس، هى أول ما نزل من القرآن الكريم، وأول ما استفتحت به الرسالة المحمدية.
وقد نزل بها جبريل على النبىّ وهو يتعبد فى غار حراء، وقد فجئه الوحى بقوله
стр. 6758
تعالى: «اقرأ» . ففى الصحيحين عن السيدة عائشة، رضى الله عنها، قالت: «أول ما بدىء به رسول الله- ﷺ من الوحى الرؤيا الصادقة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء فكان يخلوا بغار حار، يتحنث فيه الليالى ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لمثل ذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى فجئه الحق، وهو فى غار حراء، فجاء الملك، فقال: «اقرأ» فقال: «ما أنا بقارئ» قال فأخذنى فغطّنى «١» حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال: «اقرأ» فقلت ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال:
«اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» .
هذه هى الآيات الخمس الأولى، التي استفتح بها كتاب الله الذي نزل على النبىّ..
والنبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- أمّى، لا يقرأ، وأمره بالقراءة، إنما هو قراءة من هذا الكتاب السماوي، الذي يقرأ منه جبريل، فيقرىء النبىّ منه.. فهى قراءة متابعد لقارىء السماء، جبريل، من كتاب الله.
وقوله الملك لنبى: «اقرأ» هو دعوة إلى قراءة من كتاب، والنبي صلوات الله وسلامه عليه، لا يقرأ، ثم إنه ليس هناك كتاب يقرؤه لو كان قارئا..
ولهذا كان ردّ النبي: «ما أنا بقاري» ! .. وقد تكرر هذا الموقف بين
стр. 6759
جبريل، وبين النبي ثلاث مرات: «اقرأ» .. «ما أنا بقاري!» أي لا أعرف القراءة..
وفى هذا تنويه بشأن القراءة. وأنها السبيل إلى المعرفة والعلم..
ثم إن الأمية، وإن كانت حائلة بين المرء وبين أن يقرأ فى كتاب، فإنها لا تحول بينه وبين العلم والمعرفة، فهناك كتاب الوجود، الذي يقرأ الإنسان آياته بالنظر المتأمل فيه، والبصيرة النافذة إلى أسراره، وعجائبه.. ثم هناك التلقي عن أهل العلم، ممن يقرءون ويدرسون.. فليكن الإنسان قارئا أبدا، على أي حال من أحواله، قارئا بنفسه، أو قارئا متابعا لغيره.
أما أمية النبي الكريم، فهى أمية مباركة، قد فتحت عليه خزائن علم الله، إذ بعث الله إليه رسولا من عنده يقرأ عليه كتاب الله، ويملا قلبه هدى ونورا منه..
ولهذا كان النبي قارئا، فقرأ حين أقرأه جبريل: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» .
وقوله تعالى: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» أي اقرأ بأمر ربك، أي أن جبريل يقول: هذا الأمر الذي آمرك به ليس بأمرى، وإنما هو بأمر ربك، الذي يدعوك إلى أن تقرأ ما أفرئك إياه، من كتاب ربك.. وهذا مثل قوله تعالى:
«وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ» (٢٧: الكهف) . وقوله تعالى:
«فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ»
(١٨: القيامة) .
وقوله تعالى: «الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ» - هو بيان لقدرة الله ، وأنه هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه هو الذي بقدرته
стр. 6760
خلق الإنسان، هذا الخلق السوىّ «من علق» أي من دم لزج، متجمد.
فالذى خلق الإنسان من هذا العلق، وسوّاه على هذا الخلق، لا يقف به عند هذا الحد، بل هو سبحانه، بالغ به منازل الكمال، بما يفتح له من أبواب العلم والمعرفة..
وقوله تعالى: «اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ» أي خذ ما أعطاك ربك من علم، وما دعاك إليه من معرفة، فإن ربك كريم واسع العطاء، لا ينفد عطاؤه.
فقوله تعالى: «وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ» - جملة خبرية، تقع موقع الحال من فاعل «اقرأ» وهو النبي ﷺ ، أي اقرأ مستيقنا أن ربك هو الأكرم.. أي ذو الفضل العظيم، والكرم الذي لا حدود له..
وفى تعريف طرفى الجملة الخبرية، ما يفيد القصر، أي قصر صفة الكرم على الله وحده..
وقوله تعالى: «الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» .. أي ومن كرمه سبحانه أنه جعل من القلم الذي هو قطعة جامدة من الحطب، أو الخشب، أداة للعلم والمعرفة، ففتح به على الإنسان أبواب العلوم والمعارف، وجعل من ثماره هذه الكتب التي حفظت ثمار العقول، فكانت ميراثا للعلماء، يرثها الخلف عن السلف، وينميها ويثمرها العلماء جيلا بعد جيل.. وبهذا تعلم الإنسان ما لم يكن يعلم، وبعلمه هذا المستفاد من سلفه، فتح أبوابا جديدة من العلم يتلقاها عنه من بعده، ويفعل فعله، بما يفتح من أبواب جديدة للعلم.. وهكذا تتسع معارف الإنسان، ويزداد علمه على مدى الأجيال..
وهذا يعنى أن الإنسانية متطورة، وسائرة نحو الأمام، بما تتوارث أجيالها من ثمار العقول، التي يتركها السلف للخلف، جيلا بعد جيل..
стр. 6761
وهكذا يذهب الناس، كأجساد، وتبقى غراس عقولهم، وثمار أفكارهم.
وقوله تعالى:
«كَلَّا. إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى» .
هو رد على سؤال وارد على قوله تعالى: «عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» ..
ومع أن هذه الآية وما بعدها، قد نزلت بعد خمس الآيات التي افتتحت بها السورة بزمن ممتد، إلا أن المناسبة جامعة بينها وبين ما قبلها، وهذا هو السر فى سردها فى سياقها.. فقد قلنا: إن قوله تعالى: «كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى» - هو رد على سؤال وارد على قوله تعالى: «عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» .. والسؤال هو: هل أدّى الإنسان حق هذه النعمة التي أنعمها الله عليه؟ وهل كان له من علمه هذا الذي تعلمه، نفع له، وللناس معه؟ والجواب على هذا: «كلّا» .. فإن هذا العلم الذي فتح على الناس وجوه المنافع، وملأ أيديهم من ثمرات الحياة، بمامكن لهم به من الأرض، وما سخر لهم من قوى الطبيعة- هذا العلم، قد فتنهم سلطانه، وأغرى بعضهم ببعض، فاتخذوا منه سلاحا للبغى والعدوان، والتسلط والقهر.. وبهذا طغى الإنسان، وتجبر وظلم، حين رأى نفسه بمنقطع عن الناس، مستغنيا عنهم بجاهه وسلطانه..
وهذا مما لا يعيب العلم، ولا ينقص من قدره.. فإنه وإن يكن استحدث به الإنسان كثيرا من أدوات الإهلاك والتدمير، فلقد استنبط منه ما لا يحصى من النعم الجليلة التي كشفت للإنسان عن فضل الله وإحسانه على الناس، كما أقام من آيات الله شواهد ناطقة تشهد بجلاله، وعظمته، وحكمته، وتضع الناس وجها لوجه أمام أسرار هذا الكون، وما تنطوى عليه تلك الأسرار من سعة علم الله، وعظمة جلاله وقدرته..
وفرق كبير بين الإنسان البدائى، وبين رجل العلم فى العصر الحديث، فى
стр. 6762
موقفهما إزاء الوجود، وفى نظرتهما إلى عظمة الله وقدرته.. فالبدائى ينظر إلى عوالم الوجود بنظر شارد تائه، لا يبعد كثيرا عن نظر بعض الحيوانات أمام مشرق الشمس أو مغربها.. أما رجل العصر الحديث فإنه ينفذ بنظره إلى أعماق بعيدة فى الموجودات، حيث يطلع على أسرار لانهاية لها، يروعه جلالها، ويبهره نظامها وإحكامها..
وشتان بين الإنسان البدائى الذي خاف الطبيعة وظواهرها، فعبدها، وتخاضع بين يديها، وبين الرجل العصرى، الذي أمسك بزمام الطبيعة، وسخرها لخدمته، ونظر إليها نظرة السيد المالك لها.. ثم كان عليه بعد هذا أن يبحث عن السيد المالك له هو، ولهذا الوجود كلّه.. وهو لا بد مستدل بعقله على خالق هذا الوجود وسيده، وذلك هو الإيمان الذي لا زيغ معه ولا ضلال..
ولعل هذا يفسر لنا كثرة الأنبياء والرسل فى الأزمان السالفة.. ثم قلّتهم شيئا فشيئا كلما تقدم الزمن، وتقدم معه العقل الإنسانى، الذي يقوم مقام الرسول فى الدعوة إلى الله، والهداية إليه.، ثم انقطاع الرسل والأنبياء بخاتم سيد الرسل ونبى الأنبياء، محمد رسول الله، بعد أن بلغت الإنسانية رشدها..
وقوله تعالى:
«إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى» .
هو تهديد لهذا الإنسان الذي جحد نعمة الله عليه، واتخذ منها أسلحة يحارب بها الفضيلة، ويقطع بها ما أمر الله به أن يوصل.. إن هذا الإنسان راجع إلى ربه يوما، وسيلقى جزاء بغيه وعدوانه..
وقوله تعالى:
«أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى» ..
وهذه صورة لهذا الإنسان الذي طغى، حين رأى نفسه ذاقوة وسلطان..
стр. 6763
إنه لا يؤمن بالله، ولا يقف موقف الأولياء منه، بل إنه ليحارب المؤمنين بالله، ويحول بينهم وبين أداء ما لله عليهم من حق.. فجرم هذا الطاغية جرم مضاعف.. فلا هو يؤمن بالله، ولا يؤدى حق ربه عليه، ولا يدع المؤمنين يؤدّون حق ربهم عليهم.. والاستفهام هنا تعجب من الأمر المستفهم عنه، وتشنيع على فاعله، ودعوة الناس إلى ضبطه وهو قائم على هذا المنكر، متلبس به!! وفى جعل فاصلة الآية الفعل: «ينهى» وفى قطع الفعل «ينهى» عن معموله، وهو «عبدا إذا صلى» - فى هذا تشنيع على طغيان هذا الطاغية فإذا..
استمع مستمع إلى قوله تعالى: «أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى» - وقع فى تفكيره لأول وهلة، أن هذا الإنسان إنما ينهى عن منكر، لأن هذا هو شأن ما ينهى عنه.. فإذا فاجأه الخبر بأن ما ينهى عنه هذا الآثم، إنما هو الصلاة والولاء لله رب العالمين اشتد إنكاره له، وتضاعفت جريمته عنده..
والنهى هنا بمعنى المنع، لأن الذي يملك النهى عن فعل الشيء، يملك منع المنهىّ عن فعله، إذ النهى فى حقيقته لا يكون إلا من ذى سلطان متمكن ممن ينهاه، ويقدر على منعه مما نهاه عنه.
وفى قوله تعالى: «عبدا» - إشارة إلى أن هذا المنهي عن الصلاة، هو فى مقام العبودية والولاء لربه.. فهو عبد، ولكنه سيد الأسياد جميعا فى هذه الدنيا، إذ كان عبد الله رب العالمين..
وقوله تعالى:
«أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى. أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى؟» «أرأيت» هنا، استفهام إنكارى، بمعنى ماذا ترى من حال هذا الأثيم
стр. 6764
الذي ينهى عبدا عن الصلاة، ويحول بينه وبينها؟ ثم أرأيت لو أنه كان فى موقف آخر غير هذا الموقف، فكان قائما على طريق الهدى، مؤمنا بربه، مواليا له، آمرا بالبر والتقوى بدلا من نهيه عن البر والتقوى؟ فاىّ حاليه كان خيرا له وأهدى سبيلا؟ أحال الضلال، والعمى، والصد عن سبيل الله، أم حال الاستقامة والهدى والدعوة إلى الله؟ وشتان بين الظلام والنور، والشر والخير، والكفر والإيمان! وقوله تعالى:
«أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى» .
أي ثم ماذا ترى من حال هذا الضال، وقد أبى أن يكون على الهدى أو يأمر بالتقوى، بل كذب بآيات الله، وتولى معرضا عمن دعاه إلى الله، ورفع لعينيه مصابيح الهدى؟ فأى إنسان هذا؟ وبأى نظر ينظر، وبأى عقل يفكر ويميز بين الخير والشر؟ «أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى» ؟ أسفه نفسه حتى أنكر أن لهذا الوجود إلها قائما عليه، يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور؟ ألا يخاف بأس الله؟ ألا يخشى عقابه؟
وقوله تعالى:
«كَلَّا.. لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ» .
هو ردّ على هذا السؤال فى قوله تعالى: «أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى» . وكلا، إنه لا يعلم بأن الله مطلع على كل شىء، ولو كان يعلم هذا علما مستيقنا لخاف ربه وخشى بأسه، ولكن ضلاله أعمى قلبه، وأظلم بصيرته، فلم يرى جلال الله، ولم يشهد عظمته، ولم يخش بأسه! وقوله تعالى: «لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ» هو وعيد وتهديد لهذا الضال
стр. 6765
إن لم ينزع عن ضلاله، ويرعو عن غيه، ويثوب إلى رشده، ويؤمن بربه، ويستقم على الهدى- لنسفعن بناصيته، أي لنجرنّه من رأسه جرّا إلى جهنم كما يقول سبحانه: «يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ» ..
وفى هذا امتهان أي امتهان، وإذلال أي إذلال لهذا المتشامخ بأنفه، المتطاول برأسه! وقوله تعالى: «ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ» أي هى رأس فارغة من كل خير، حشوها الكذب والضلال، ونبتها الخطيئة والإثم، فكانت النار أولى بها، حطبا ووقودا.
وقوله تعالى:
«فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ» .
أي ها نحن أولاء آخذون بناصية هذا العتلّ الأثيم إلى جهنم كما يؤخذ برأس الكبش من قرونه، فليهتف بناديه أي أهل النادي الذي يأخذ مجلسه بينهم، ويدير أحاديث الإثم والضلال عليهم.. أما نحن فسندعو الزبانية الذين يأخذون بناصيته إلى جهنم.. فهل من أصحابه من يخفّ له، ويسعى إلى تخليصه من يد الزبانية؟ هيهات هيهات.. لقد علقت أيديهم به، ولن يفلت حتى يلقى به فى جهنم، مع جماعة السوء الذين انضوى إليهم، واعتزّ بهم..
وقوله تعالى:
«كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ» ..
هو رد على قوله تعالى: «أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى» أي لا تسمع لنهى هذا الغوى، ولا تخش بأسه.. إنه مأخوذ بناصيته إلى جهنم بيد
стр. 6766
الزبانية.. وإذن فاسجد لربك واقترب منه بهذا السّجود.. كما يقول الرسول الكريم: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» .
والزبانية، جمع زبنيه، أو زبنى.. وأصله من الزّبن، وهو الدفع..
يقال زبنه، أي دفعه ليزيله عن موضعه.. وهم ملائكة العذاب الموكلون بأهل النار يدعّونهم إلى جهنم دعّا..
قيل إن هذه الآيات نزلت فى أبى جهل، وقد كان يعترض النبىّ فى الصلاة، ويترصد له، ويتهدده كلما ألمّ بالبيت الحرام.. وقد جاء فى الخبر أن أبا جهل قال: لئن رأيت محمد يصلى عند الكعبة لأطأن عنقه.. فجاءه من يقول له:
إن محمدا يصلى فى الكعبة، فاتجه إليه يريد أن يفعل فعلته، فما كاد يقارب النبىّ حتى رأى فحلا هائجا يريد أن ينقض عليه، فولّى مذعورا مبهورا.. فلما رأى القوم منه ذلك، سألوه ما به.. فقص عليهم ما رأى.. ولما بلغ النبي ﷺ ذلك قال: «لو فعل لأخذته الملائكة» !! والخطاب مع هذا عام، لكل من هو أهل للخطاب.
стр. 6767
(٩٧) سورة القدر
نزولها: مكية، وقيل مدنية.. نزلت بعد سورة «عبس» .
عدد آياتها: خمس آيات.
عدد كلماتها: ثلاثون كلمة.
عدد حروفها: مائة واثنا عشر حرفا.
مناسبتها لما قبلها
ختمت سورة «العلق» بقوله تعالى: «كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ» وجاءت بعد ذلك سورة القدر، وفيها تنويه بشأن هذا القرآن الذي أنزل على النبي، والذي هداه ربه، وملأ قلبه إيمانا ويقينا بعظمته وجلاله.. وبهذا الإيمان الوثيق يتجه النبي إلى ربه لا يخشى وعيدا، ولا يرهب تهديدا..
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٥) [سورة القدر (٩٧) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)
سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)
стр. 6768
التفسير:
قوله تعالى:
«إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» ..
الضمير فى «أنزلناه» يعود إلى القرآن الكريم، وهو وإن لم يجر له ذكر سابق فى السورة، إلا أنه مذكور بما له من إشعاع يملأ الوجود.. فإذا نزل شىء من عند الله، فهو هذا القرآن، أو فيض من فيض هذا القرآن..
وليلة القدر، هى الليلة المباركة، التي أشار إليها بقوله:
«إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» (٣- ٦:
الدخان) . وهى ليلة من ليالى رمضان، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى:
«شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ» . (١٨٥: البقرة) ومعنى «أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» أي ابتدأنا إنزاله فى ليلة القدر، وهى الليلة التي افتتح فيها الوحى، واتصل فيها جبريل بالنبي، قائلا له: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ» .
وقد اختلف فى أي ليلة من ليالى رمضان ليلة القدر، وأصح الأقوال أنها فى العشر الأواخر من رمضان.. واختلف كذلك أي ليلة هى فى الليالى العشر، وأصح الأقوال كذلك أنها فى الليالى الفردية، أي فى الليلة الحادية والعشرين، أو الثالثة والعشرين، أو الخامسة والعشرين أو السابعة والعشرين أو التاسعة والعشرين.. وأصح الأقوال هنا أنها الليلة السابعة والعشرون، أي الليلة السابعة من العشر الأواخر من رمضان.. وهذا ما يروى عن ابن عباس من أنه «م ١٠٣ التفسير القرآنى ج ٣٠»
стр. 6769
قال: «هى سابعة تمضى أو سابعة تبقى من العشر الأواخر من رمضان، وقد سئل فى هذا فقال: نظرت فى كتاب الله فرأيت أن الله سبحانه قد جعل خلق الإنسان فى سبع، فقال تعالى: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً، فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً. ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ» (١٢- ١٤: المؤمنون) ورأيت أن الله جعل رزقه فى سبع، فقال تعالى: َأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْباً وَفاكِهَةً وَأَبًّا مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ»
(٢٧- ٣٢: عبس) ورأيت أن الله خلق سبع سموات، وسبع أرضين، وسبعة أيام» ..
هذا وقد استظهر بعضهم أنها الليلة السابعة والعشرون، وذلك بأن عدد كلمات السورة من أولها إلى قوله تعالى: «هى» سبع وعشرون كلمة..
وهذا يعنى أن كل كلمة تعدل ليلة من ليالى رمضان، حتى إذا كانت ليلة القدر جاءت الإشارة إليها بقوله تعالى: «هى» أي هى هنا عند الكلمة السابعة والعشرين، أو الليلة السابعة والعشرين..
وفى محاولة تحديد هذه الليلة تكلف، لا تدعو إليه الحاجة، فهى ليلة من ليالى رمضان، وكفى، ولو أراد بيانها لبينها، وإنما أراد سبحانه إشاعتها فى ليالى الشهر المبارك كله، ليجتهد المؤمنون فى إحياء ليالى الشهر جميعه! ..
وسميت ليلة «القدر» بهذا الاسم، لأنها ذات شأن عظيم، وقدر جليل، لأنها الليلة التي نزل فيها القرآن، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان،
стр. 6770
إنها الليلة التي توزن فيها أقدار الناس حسب قربهم وبعدهم من كتاب الله، ويفرق فيها بين المحقّين والمبطلين..
وقد أشار إليها الله فى سورة أخرى بقوله: «فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ» أي يبين فيها حكم الله فيما هو حلال أو حرام، وحق أو باطل، وهدى أو ضلال، وذلك بما نزل فيها من آيات الله..
وقوله تعالى:
«وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ» ؟
تنويه بشأن هذه الليلة، وتفخيم لقدرها، وأنها ليلة لا يدرى أحد كنه، عظمتها، ولا حدود قدرها..
قوله تعالى:
«لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» .
اختلف فى تحديد المفاضلة بين هذه الليلة وبين الألف شهر.. وقد تواردت على هذا مقولات وأخبار شتى..
ونقول- والله أعلم- إنه ليس المراد من ذكر الألف شهر وزن هذه الليلة بهذا العدد من الأيام والليالى والسنين، وأنها ترجح عليها فى ميزانها، وإنما المراد هو تفخيم هذه الليلة وتعظيمها، وأن ذكر هذا العدد ليس إلا دلالة على عظم شأنها، إذ كان عدد الألف هو أقصى ما تعرفه العرب من عقود العدد.
عشرة، ومائة، وألف، ومضاعفاتها.
وإذن فهى ليلة لا حدود لفضلها، ولا عدل لها من أيام الزمن ولياليه، وإن بلغت ما بلغت عدّا.
وقدر هذه الليلة، إنما هو- كما قلنا- فى أنها كانت الظرف الذي نزل فيه القرآن، والوعاء الذي حمل هذه الرحمة العامة إلى الإنسانية كلها.. إنها الليلة
стр. 6771
الولد التي بزغت فيها شمس الهدى، على حين أنه قد تمضى مئات وألوف من الليالى عقيما لا تلد شيئا ينتفع به، ولا تطلع على الناس ببارقة من خير يتلقونه منها:..
إن شأن هذه الليلة فى الليالى، شأن رسول الله ﷺ فى الإنسانية..
إنه- صلوات الله وسلامه عليه- واحد الإنسانية، ومجدها وشرفها، وهى واحدة ليالى الزمن، ومجده، وشرفه.. فكان التقاؤها بالنبي على رأس الأربعين من عمره- وقد توجه ربه بتاج النبوة- كان، التقاء جمع بين الزمن مختصرا فى ليلة، وبين الإنسانية مختصرة فى إنسان، هو رسول الله..
وكان ذلك قدرا مقدورا من الله العزيز الحكيم.
وقوله تعالى:
«تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ» أي يتنزل فيها جبريل ﵇، الذي هو مختص بتبليغ الوحى، والاتصال بالنبيّ.. أما الملائكة الذين يحفون به، فهم وفد الله معه لحمل هذه الرحمة إلى رسول الله، وإلى عباد الله.. وهم إنما يتنزلون بأمر الله كما يقول سبحانه: «وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ» (٦٤: مريم) فجبريل لم يكن ينزل وحده بالوحى، وإنما كان ينزل فى كوكبة عظيمة من الملائكة تشريفا وتكريما، لما يحمل إلى رسول الله من آيات الله..
يقول الأستاذ الإمام محمد عبده:
«وإنما عبر بالمضارع فى قوله تعالى: «تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ» وقوله: «فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ» - مع أن المعنى ماض، لأن الحديث عن مبدإ نزول الوحى- لوجهين:
стр. 6772
الأول: لاستحضار الماضي، ولعظمته على نحو ما فى قوله تعالى: «وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ» (٢١٤: البقرة) .. فإن المضارع بعد الماضي يزيد الأمر تصويرا..
والثاني: لأن مبدأ النزول كان فيها، ولكن بقية الكتاب، وما فيه من تفصيل الأوامر والأحكام- كان فيما بعد.. فكأنه يشير إلى أن ما ابتدأ فيها يستمر فى مستقبل الزمان، حتى يكمل الدين» !! وقوله تعالى: «من كل أمر» أي تتنزل الملائكة حاملة من كل أمر من أوامر الله، ومن أحكامه، ما يأذن الله لها به، كما تقضى بذلك حكمته..
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» (٤- ٥: الدخان) .
وقوله تعالى:
«سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ» .
أي أنها ليلة ولد فيها الأمن والسلام.. من بدئها إلى ختامها.. فهى ليلة القرآن.. والقرآن من مبدئه إلى ختامه سلام وأمن كلّه، ورسالة القرآن هى «الإسلام» الذي هو السلام، والنجاة، لمن طلب السلامة والنجاة.!
стр. 6773
(٩٨) سورة البيّنة
نزولها: مدنية- وقيل مكية- نزلت بعد سورة الطلاق عدد آياتها: ثمانى آيات.
عدد كلماتها: أربع وسبعون كلمة.
عدد حروفها: ثلاثمائة وتسعة وتسعون حرفا.
مناسبتها لما قبلها
كانت سورة «القدر» التي سبقت هذه السورة تنويها بالليلة المباركة التي نزل فيها القرآن الكريم، فنالت بشرف نزوله فيها هذا القدر العظيم الذي ارتفعت به على الليالى جميعا.. فالتنويه بليلة القدر هو- فى الواقع- تنويه بالقرآن الكريم، وأن الاتصال به يكسب الشرف ويعلى القدر للأزمان والأمكنة والأشخاص.
وسورة «البيّنة» تحدّث عن هذا القرآن، وعن رسول الله الحامل لهذا القرآن، وموقف الكافرين من أهل الكتاب والمشركين، من القرآن، والرسول الداعي إلى الله بالقرآن.. ومن هنا كان الجمع بين السورتين قائما على هذا الترابط القوىّ، الذي يجعل منهما وحدة واحدة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٨) [سورة البينة (٩٨) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)
وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)
стр. 6774
التفسير:
قوله تعالى:
«لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً» .
«من» فى قوله تعالى: «مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ» بيانية، وفيها معنى التبعيض أيضا، إذ ليس كلّ أهل الكتاب كافرين، بل هم كما يقول الله تعالى: «مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ» (١١٠: آل عمران) .
فالمراد بالذين كفروا هنا ليس الكافرين على إطلاقهم، وإنما هم الكافرون من أهل الكتاب- اليهود والنصارى- وهم بعض من أهل الكتاب، أو معظم أهل الكتاب.
والمشركون، هم مشركو العرب، وعلى رأسهم مشركو قريش.
стр. 6775
ومعنى الانفكاك فى قوله تعالى: «منفكّين» هو حلّ تلك الرابطة الوثيقة التي جمعت بينهم جميعا على الكفر والضلال.
فالذين كفروا من أهل الكتاب والمشركون، على سواء فى الضلال، وفى البعد عن مواقع الحق.. فهم وإن اختلفوا دينا ومعتقدا، وجنسا وموطنا- على سواء فى الضلال وفساد المعتقد، وهم لهذا كيان واحد، وقبيل واحد، ينتسبون إلى أب واحد، هو الكفر والضلال.
أما الكافرون من أهل الكتاب، فقد كان كفرهم بما غيّروا، وبدّلوا من شرع الله، وبما تأوّلوا من كتب الله التي بين أيديهم، فحرّفوا الكلم عن مواضعه، وقالوا عن الله سبحانه ما لم يقله.
وأما المشركون، فقد اغتال جهلهم وضلالهم كل معانى الحق، التي تركها فيهم أنبياؤهم الأولون، كهود، وصالح، وإبراهيم، وإسماعيل، ﵈..
فانتهى بهم الأمر إلى الشرك بالله، وعبادة الأصنام من دون الله.
ومجمل معنى الآية الكريمة: أن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركون لن تنحلّ منهم هذه الرابطة الوثيقة التي جمعت بينهم على الكفر والضلال، حتى تأتيهم البينة.. فإذا أتتهم البينة تقطع ما بينهم، وانحلت وحدتهم، وأخذ كلّ الطريق الذي يختاره..
و «البينة» هى ما أشار إليها قوله تعالى: «رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً» فالرسول صلوات الله وسلامه عليه- هو «البينة» ، أي البيان المبين، الذي يبين طريق الحقّ بما يتلو من آيات الله على الناس..
وفى جعل الرسول هو البينة- مع أن البينة هى آيات الله- إشارة إلى أن الرسول الكريم، هو فى ذاته بينة، وهو آية من آيات الله، فى كماله، وأدبه، وعظمة خلقه، حتى لقد كان كثير من المشركين يلقون النبي لأول مرة فيؤمنون
стр. 6776
به، قبل أن يستمعوا إلى آيات الله منه، وقبل أن يشهدوا وجه الإعجاز فيها..
وأنه ليكفى أن يقول لهم إنه رسول الله، فيقرءون آيات الصدق فى وجهه وفى وقع كلماته على آذانهم.. وقد آمن المؤمنون الأولون، ولم يكن قد نزل من القرآن قدر يعرفون منه أحكام الدين، ومبادئه، وأخلاقياته.. بل إن إيمانهم كان استجابة لما دعاهم إليه رسول الله، لأنه لا يدعو- كما عرفوه وخبروه- إلا إلى خير وحق.
والصحف المطهرة، هى آيات القرآن الكريم، التي يتلوها الرسول الكريم، كما أوحاها إليه ربه، وكما تلقاها من رسول الوحى، على ما هى عليه فى صحف اللوح المحفوظ، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ، فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرامٍ بَرَرَةٍ» (١١- ١٦: عبس) .
وطهارة هذه الصحف، هو نقاء آياتها، وصفاؤها، من كل سوء.. فهى حق خالص، وكمال مطلق.. «إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» . (٤٢: فصلت) .
وقوله تعالى:
«فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ» .
والكتب القيمة التي فى هذه الصحف، هى الكتب التي نزلت على أنبياء الله ورسله، كصحف إبراهيم وموسى.. كما يقول سبحانه: «إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى، صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى» (١٨- ١٩: الأعلى) .
فالقرآن الكريم جمع ما تفرق فيما أنزل الله من كتب على أنبيائه، فكان به تمام دين الله، الذي هو الإسلام، كما يقول سبحانه: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ» (١٩: آل عمران) .
стр. 6777
وكون الصحف تحوى فى كيانها الكتب، مع أن العكس هو الصحيح، كما هو فى معهودنا، إشارة إلى أن صحف القرآن، هى بالنسبة إلى الكتب السماوية السابقة، كتب.. وأن الصحيفة، أو مجموعة الصحف منه تعادل كتابا من تلك الكتب إذ جمعت فى كلماتها المعجزة ما تفرق فى هذه الكتب.
وفى هذا ما يدل على قدر هذا القرآن العظيم، وأنه كان لهذا جديرا أن ينزل فى ليلة القدر، التي هى ليلة الزمن كله، كما أن هذا الكتاب هو شرع الله كله.
وقوله تعالى:
«وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ» .
الخطاب هنا إلى أهل الكتاب جميعا، لا إلى الذين كفروا منهم.. فأهل الكتاب جميعا، هم فى هذا المقام فى مواجهة البينة.. وقد اختلف موقفهم منها، فمنهم من آمن، ومنهم من كفر.. وهنا تفرق أمرهم، وأخلى الذين آمنوا منهم مكانهم فيهم..
والسؤال هنا:
ألم يكن أهل الكتاب متفرقين قبل أن يأتيهم رسول الله، ويدعوهم إلى الإيمان بالله؟
ألم يكن منهم مؤمنون وكافرون، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: «لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ..» ؟. ألم يكن هذا الإخبار عنهم بهذا الوصف، قبل أن تأتيهم البينة؟ فما تأويل هذا؟
نقول- والله أعلم- إن أهل الكتاب، وإن كان فيهم المؤمنون الذين استقاموا على شريعة الله، كما جاء هم بها أنبياؤهم، غير متبعين ما دخل عليهم من تبديل وتحريف- إلا أن هؤلاء المؤمنين، هم فى مواجهة الشريعة الإسلامية
стр. 6778
غير مؤمنين، إذا لم يصلوا إيمانهم هذا، بالإيمان بدين الله (الإسلام) الذي كمل به الدين.. فالمؤمنون حقّا من أهل الكتاب، لا يجدون فى الإيمان بالإسلام حجازا يحجز بينهم وبينه، إذ كان دينهم بعضا من هذا الدين، وبعض الشيء ينجذب إلى كله، ولا يأخذ طريقا غير طريقه! فأهل الكتاب جميعا- المؤمنون منهم والكافرون- على سواء فى مواجهة الدين الإسلامى، كلّهم مدعوون إلى الإيمان به، فمن لم يؤمن به فهو كافر.
وأهل الكتاب، إذ دعوا إلى الإيمان بدين الله، تفرقوا، فآمن قليل منهم، وكفر كثير.. وهذا ما يشير إليه فى قوله: «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ» (١٢١: البقرة) وبقوله سبحانه: «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ، وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ» (٥٢- ٥٣:
القصص) .
وأما المشركون، فقد انفكوا، وانفصلوا عن الكافرين من أهل الكتاب، بعد أن جاءتهم البينة إذ أنهم آمنوا بالله، ودخلوا فى دين الله جميعا، بعد أن تلبثوا على طريق العناد والضلال! وقوله تعالى:
«وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» .
أي أن أهل الكتاب الذين دعوا إلى الإيمان بشريعة الإسلام، لم يدعوا إلى أمر لا يعرفونه، ولم يؤمروا بأمر لم تأمرهم به شريعتهم التي هم بها يؤمنون..
إنهم ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، لا يعبدون إلها غيره «حنفاء»
стр. 6779
أي مائلين عن أي طريق غير طريق الله.. وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.
فهذا هو شرع الله، وتلك أحكام شريعته لكل المؤمنين بشرائع السماء.. إنها جميعا تقوم على هذه الأصول الثابتة:
وأولها الإيمان بالله وحده، إيمانا خالصا من كل شرك، مبرأ من كل ما لا يجعل لله التفرد بالخلق والأمر.
ثم إقام الصلاة، التي هى مظهر الولاء لله، وآية الخضوع لجلاله وعظمته..
ثم إيتاء الزكاة، التي هى أثر من آثار الإيمان بالله، الذي من شأنه أن يقيم المؤمنين بالله على التوادّ والتراحم، والتعاطف فيما بينهم، كما يقيمهم الولاء لله، والخضوع لجلاله وعظمته، كيانا واحدا فى محراب الصلاة له..
وإذا كان هذا هو ما تدعو إليه الشرائع السماوية جميعا، وإذا كان هذا ما تدعو إليه شريعة الإسلام- فإن الذي يفرق بين هذه الشرائع وبين شريعة الإسلام، هو جائر عن طريق الحق، معتد على حدود الله.. إذ كانت شرائع الله كلها- سابقها ولا حقها- حرم الله وحدوده التي حدها لعباده: «وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» .. ولهذا كانت دعوة الإسلام قائمة على الإيمان بشرائع الله كلها، وبرسل الله كلهم: «قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ. لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» (١٣٦: البقرة) قوله تعالى:
«وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» ..
أي الدين القيم، أي المستقيم، أو دين الملة أو الأمة المستقيمة على الحق القائمة بالقسط- فكل من خرج على هذا الدين فهو على غير دين الله، كما يقول
стр. 6780
سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ» (١٥٩: الأنعام) ومن معانى «الدّين» هنا، دين الله، وهو الإسلام..
والقيّمة: مذكّر القيّم، بمعنى المستقيم، كما يقول تعالى: «ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ» (٣٦: التوبة) .
قوله تعالى:
«إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ» ..
هو مواجهة للذين ظلّوا على كفرهم من أهل الكتاب، والذين أقاموا على شركهم من المشركين بعد أن جاءتهم البينة.. فهؤلاء وأولئك جميعا سيلقون فى نار جهنم خالدين فيها.. وهؤلاء وأولئك هم شر البرية، أي شر الخلق.. لأنهم لم يؤمنوا وقد جاءتهم البينة، التي جمعت البنيان كله، واشتملت على الهدى جميعه، فكانت آياتها قائمة بين الناس، يلقونها فى كل لحظة، ويديرون عقولهم وقلوبهم إليها فى كل زمان ومكان، ولم تكن آياتها آيات عارضة، تلقاها حواسّ من يشهدونها ساعة من نهار، ثم نزول فلا ترى أبد الدهر، كما رأى الراءون من آيات موسى، وعيسى ﵉.. وإنما هى آيات تعايش الإنسان، وتصحبه ما شاء أن تصحبه وتعيش معه..
والحق حين تتضح آياته هذا الوضوح المشرق، وحين يتجلّى وجهه هذا التجلي المبين، يكون منكره، والحائد عنه، أشدّ الناس ضلالا، وأكثرهم عنادا، وأبعدهم عن الخير، وأقربهم إلى الشر.. «أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ» ..
وقوله تعالى:
«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ» .
стр. 6781
أي الذين آمنوا بهذا الدّين وعملوا الصالحات، أولئك هم خير الخلق جميعا، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» ، إذ ألبسهم إيمانهم بالله، وأعمالهم الصالحة فى ظل هذا الإيمان- لباس التقوى، فكانوا هم عباد الله، وكانوا أهل ودّه، ولهذا كان جزاؤهم عند ربهم هذا الجزاء الكريم: «جنات عدن» أي جنات خلود واستقرار، تجرى من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدا، لا يتحولون عنها.. «﵃» فأدخلهم فى جنّاته، وأفاض عليهم من نعيمه. «وَرَضُوا عَنْهُ» أي رضوا عن ربّهم، وحمدوه، وشكروا له هذا النعيم الذي هم فيه.. وذلك النعيم والرضوان، إنما هو لمن خشى ربّه، واتقاه، وخاف مقامه.
هذا، ويلاحظ هنا أمران:
أولهما: أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات قد جاء الحديث عنهم مطلقا من غير قيد الإضافة إلى أهل الكتاب، أو المشركين، فلم يجىء النظم القرآنى هكذا: «إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات من أهل الكتاب والمشركين» .. كما جاء فى الآية السابقة: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ» - وذلك لأن الذين يؤمنون بالله ويعملون الصالحات فى جميع الأحوال والأزمان داخلون فى ساحة المؤمنين بشريعة الإسلام..
سواء أكان هذا الإيمان عن دعوة رسول وكتاب، أو عن دعوة العقل، وإلهام الفطرة، فالمؤمن بالله حيث كان، وحيث كان مصدر إيمانه، هو لا حق بهؤلاء المؤمنين، وهو ملاق هذا الجزاء الذي يجزى به المؤمنون..
أما حصر الكافرين هنا فى الذين كفروا من أهل الكتاب، والذين كفروا من المشركين، بعد أن جاءتهم البينة- فهو تشنيع على هذا الوجه الكريه الغليظ من وجوه الكفر، فى مواجهة هذا الصبح المشرق، الذي
стр. 6782
لا ينكره إلا مكابر، ولا يكفر به إلا من ختم الله على قلبه وسمعه، وجعل على بصره غشاوة، ومن هنا كانوا شرّ البريّة على الإطلاق، كما كان المؤمنون بشريعة الإسلام خير البرية على الإطلاق كذلك.
وثانى الأمرين: هو أن وعيد الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين بالخلود فى النّار- لم يقيّد بلفظ التأبيد «أبدا» بل جاء مطلقا هكذا: «خالِدِينَ فِيها» على حين جاء وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالخلود فى الجنة مؤبدا.. هكذا «خالِدِينَ فِيها أَبَداً» .
فما تأويل هذا؟
نقول- والله أعلم- إن تأبيد الخلود فى الجنة، هو أمر عام لكل من أكرمه الله بدخول الجنة، وأخذ مكانه فيها، ونزل منزله منها.. فإنه لا يتحول أبدا عن هذا المنزل، وإن كان ثمة تحول فهو إلى منزل آخر فى الجنة، أعلى من منزله الذي هو فيه.. فخلود أهل الجنة فى الجنة، خلود مؤبد لكل من دخلها.. أما أهل النار.. فإن كثيرا ممن يدخلها من عصاة المؤمنين، لا يخلدون فيها، بل يتحولون عنها إلى الجنة، بعد أن ينالوا جزاءهم من العذاب فى النار، وأما الذين يخلدون فى النار فهم أهل الكفر، وحسبهم من العذاب أن يكون خالدا، أي طويلا ممتدّا إلى ما شاء الله.. فمعنى الخلود هنا هو امتداد الزمن وطوله، كما يفهم من قوله تعالى: «يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ» أي يخلده، ويمد له فى عمره زمنا طويلا..
ثم إن هؤلاء الخالدين فى النار، هم بعد ذلك إلى مشيئة الله، فى تأييد هذا الخلود أو توقيته، وهذا ما يفهم من قوله تعالى فى أصحاب النار: «فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ» وقوله تعالى بعد ذلك فى أصحاب
стр. 6783
الجنة: «وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» (١٠٦- ١٠٨: هود) .
ففى جانب المخلدين فى النار جاء قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ» مؤذنا بأن لله فعلا آخر فى أهل النار غير هذا الخلود، بعد أن يستوفوه.. ولا ندرى ما هو.. غير أن رحمة الله التي وسعت كل شىء لا تقصر عن أن تنال هؤلاء الخالدين فى النار ببعض آثارها.. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
أما فى جانب المخلدين فى الجنة، فقد جاء قوله تعالى: «عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» مؤذنا بأن هذا العطاء الذي أعطوه فى الجنة، لن ينقطع أبدا.. والله أعلم.
(٩٩) سورة الزلزلة
نزولها: مدنية.. نزلت بعد سورة «النساء» عدد آياتها: ثمانى آيات..
عدد كلماتها: خمس وثلاثون..
عدد حروفها: مائة وتسعة عشر حرفا..
مناسبتها لما قبلها
ختمت سورة «البينة» قبل هذه السورة بما يلقى الكافرون، من عذاب، خالدين فى النار، وبما يلقى المؤمنون، من نعيم، خالدين فيه خلودا مؤبدا فى الجنة..
وجاءت سورة الزلزلة محدثة بهذا اليوم الذي يجزى فيه كل من الكافرين والمؤمنين هذا الجزاء الذي يستحقه كل فريق منهم، فكان عرض هذا اليوم،
стр. 6784
وإخراج الناس فيه من قبور هم للحساب والجزاء- كان عرض هذا اليوم منظورا إليه من خلال صورتى النار والجنة اللتين تحدث عنهما السورة السابقة- كان أبعث المرهبة منه، والخشية من لقائه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٨) [سورة الزلزلة (٩٩) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤)
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)
التفسير:
قوله تعالى:
«إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها؟» هذا من إرهاصات يوم البعث والنشور، حيث تزلزل الأرض وتضطرب، وهذا الزلزال الذي سيقع لها يوم البعث، هو زلزال خاص بهذا اليوم، ولهذا أضيف إليها فى قوله تعالى «زلزالها» وكأنه هو الزلزال الوحيد الذي تزلزله، م ١٠٤- التفسير القرآنى ج ٣٠
стр. 6785
«إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ» (١: الحج) . أما ما يحدث من زلزال للأرض فيما قبل هذا الزلزال، فلا حساب له، إذا نظر له من خلال هذا هذا الزلزال العظيم..
وفى هذا اليوم تخرج الأرض أثقالها، أي ما حملت فى بطنها من أموات، فكأنها تلدهم من جديد، كما تلد الأم أبناءها، بعد أن يتم حملها، وتثقل به بطنها.. كما يقول سبحانه: «فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ» (١٨٩: الأعراف) ..
وقوله تعالى: «وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها» ؟ هو سؤال عجب ودهش، يسأله الإنسان نفسه بعد أن تلفظه الأرض من بطنها، وتلقى به على ظهرها.. إنه ينكر هذا الذي حدث.. لقد كان فى بطن الأرض، فماذا أخرجه منها؟ وماذا يراد به؟ وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا»
؟ (٥١- ٥٢ يس) .
وقوله تعالى:
«يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها. بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها» - هو جواب الشرط «إذا» فى قوله تعالى: «إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها» أي فى هذا اليوم، يوم البعث والنشور، الذي تزلزل فيه الأرض- تحدث الأرض «أخبارها» أي تظهر الأرض أخبارها التي كانت مكنونة فى صدرها..
وفى التعبير عن إظهار أخبارها بالتحديث- إشارة إلى أن أحداثها التي يراها الناس يومئذ، هى أبلغ حديث، وأظهر بيان، فهو شواهد ناطقة بلسان الحال، أبلغ من لسان المقال..
стр. 6786
وفى التعبير عن خبء الأرض، وما تخرجه من بطنها بلفظ الأخبار- إشارة أخرى إلى أن هذه الأسرار المضمرة التي كانت مخبوءة فى صدر الأرض، قد أعلنت وأصبحت أخبارا يعلمها الناس جميعا.. وهذا ما يشير إليه الرسول الكريم بقوله، وقد سئل صلوات الله وسلامه عليه عن معنى قوله تعالى: «يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها» .. فقال: «أتدرون ما أخبارها» ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها..
تقول عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا..»
وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى: «يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها» أي تنشر أخبارها، وتظهر أسرارها، وتخرج خبأها..
«إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها، وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها» .. فالضمير «ها» الذي يعود إلى الأرض فى «زلزالها» و «أثقالها» و «ما لها» و «أخبارها» يشير إلى أمور خاصة بالأرض فى هذا اليوم، يوم ينفخ فى الصور، للبعث والنشور.. فللأرض فى هذا اليوم زلزالها الذي ينتظرها، ولها أثقالها التي تخرجها، ولها هذا التساؤل الذي يتساءله الناس عنها، ولها حديثها الذي تحدثه للناس، وعن الناس، فى هذا اليوم الموعود.
وليس هذا الذي رآه الناس من أحداث الأرض يومئذ هو من تلقاء نفسها، وإنما ذلك بما أوحى به إليها ربّها، وما أمرها الله به، فامتثلت له، وأمضته كما أمر الله..
وفى قوله تعالى: «أوحى لها» - إشارة إلى أنها بمجرد الإشارة إليها من الله، خضعت لمشيئة الله.. فلم تكن فى خضوعها لربها محتاجة لأن يردّد عليها القول، أو يؤكد لها الأمر.. بل هو مجرد اللمح والإشارة.. وهذا هو شأن
стр. 6787
الخاضع المطيع، الذي لا إرادة له مع من يأمره.. إنه لا يحتاج إلى أمر صريح مؤكد، بل تغنى الإشارة عن العبارة..
فالوحى هنا، هو التلميح، دون التصريح، والإشارة دون العبارة.. وهذا من معنى قوله تعالى: «وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ، وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ» أي حق ووجب عليها الامتثال والطاعة.
قوله تعالى:
«يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ» .
أي فى هذا اليوم، يوم البعث، يصدر الناس، أي يجىء الناس، صادرين من قبورهم «أشتاتا» أي أفرادا، متفرقين، كأنهم جراد منتشر، إلى حيث يردون على المحشر فى موقف الحساب.. فللناس فى هذا اليوم صدور، وورود..
صدور من القبور، وورود إلى المحشر.
وقوله تعالى: «لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ» هو تعليل لهذا الصدور، أي وذلك ليروا أعمالهم التي عملوها فى الدنيا. «يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ» .
وقوله تعالى:
«فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» .
أي فمن يعمل فى هذه الدنيا مثقال ذرة من خير، يره خيرا فى الآخرة، ومن يعمل فى دنياه مثقال ذرة من شر، يره شرا يوم القيامة.. فليس المراد برؤية الأعمال تجرد الرؤية، وإنما المراد هو ماوراء هذه الأعمال من جزاء.. فالعمل الطيب إذا رآه صاحبه سرّ به، ورأى فى وجهه البشير الذي يحمل إليه رحمة الله ورضوانه فى هذا اليوم العظيم.. والعمل السيء إذا رآه صاحبه حاضرا بين يديه فى مقام الحساب، ساءه ذلك، وملأ نفسه حسرة وغما، إذ كان هو الشاهد الذي يشهد بتأثيمه وتجريمه.
стр. 6788
ومثقال الذرة: وزنها.
والذرة: هباءة من غبار، لا ترى إلا فى ضوء الشمس المتسلل من كوّة فى مكان مظلم.. وعن ابن عباس: الذرّ ما يلتصق بيدك إذا مست التراب.
(١٠٠) سورة العاديات
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة العصر.
عدد آياتها: إحدى عشرة آية..
عدد كلماتها: أربعون كلمة..
عدد حروفها: مائة وستون حرفا
مناسبتها لما قبلها
الزلزلة التي تزلزلها الأرض يوم البعث، وإخراج الأرض أثقالها وما فى جوفها من الموتى، وصدور الناس أشتاتا من القبور إلى موقف الحشر، والمواجهة هناك بين الكافرين والمؤمنين- كل هذا تمثله صورة واقعة فى الحياة، نجدها حين تقوم حالة حرب بين الناس، فتزلزل الأرض تحت أقدام الجيوش الزاحفة نحو ساحة القتال، بما يركبون من خيل، وما يحملون من عدد القتال، وهم يصدرون من بيوتهم فى سرعة الرياح العاصفة إلى لقاء العدو، لا يمسكهم شىء عن الانطلاق حتى يبلغوا ساحة الحرب..
قوم إذا الشرّ أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا
هكذا يوم الحرب.. إنه من يوم القيامة قريب فى أهواله، وشدائده، وما يلقى الناس منه، من هول وشدة.
стр. 6789
ففى ميدان الحرب، حساب وجزاء، وربح وخسران، وهول وفزع، يشمل المحاربين جميعا.
فالحرب، وميدانها فى الدنيا، هى أقرب شىء يمثّل به المحشر، والحساب، والجزاء فى الآخرة..
ولهذا جاءت سورة العاديات تالية سورة الزلزلة، لهذه المشابه التي بينهما.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ١١) [سورة العاديات (١٠٠) : الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤)
فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩)
وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَالْعادِياتِ ضَبْحاً. فَالْمُورِياتِ قَدْحاً. فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً..»
العاديات: جمع عادية، وهى الخيل تعدو فى خفّة، وسرعة، كما يعدو خفيف الوحش.
والضبح: ما يخرج من صدور الخيل من أصوات وهى تعدو، أشبه بأنفاس
стр. 6790
الإنسان وهو يلهث أثناء الجري.. وسمى ضبحا حكاية لصوت الخيل الذي يشبه صوت هذا اللفظ عند النطق به «ضبح» .
والمقسم به هنا، هو الخيل، فى حال عدوها، حاملة فرسانها إلى ميدان القتال.. فهى تعدو ضابحة، وهى فى عدوها تورى نارا تنقدح من احتكاك حوافرها بالحجارة التي تعدو عليها..
وفى هذا ما يشير إلى أنها تسير تحت جنح الظلام بفرسانها حتى لا تراها عين العدوّ، وحتى لا ينذر بها هذا العدوّ، ويأخذ حذره من المفاجأة حين تطلع عليه على غير انتظار، ولهذا يظهر هذا الشرر الذي ينقدح من احتكاك حوافرها بالصوّان.. كما يقول الشاعر فى وصف سيوف الأبطال فى الحرب:
تقدّ السلوقىّ المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفاح نار الحباحب «١»
فإذا بلغت الخيل المكان الذي تشرف به على عدوّها، أمسكت عن السير، حتى تهجم عليه وتبغته على حين غفلة منه، مع مطلع الصبح، قبل أن يدبّ دبيب الحياة فى الأحياء.
فهذه ثلاثة أقسام بالحيل فى مسيرتها نحو الحرب.. فأقسم بها سبحانه، وهى فى أول طريقها إلى القتال، ثم أقسم بها، وهى تكيد العدو، فتسير إليه ليلا، وتستخفى نهارا، ثم أقسم بها، وهى تلقى العدوّ بغتة مع أول النهار.
وفى هذا تعظيم لمسيرة هذه الخيل فى كل حال من أحوالها، وإنها لجدير بها أن تكون خيل المؤمنين، التي تسير هذه المسيرة المباركة للجهاد فى سبيل الله،
стр. 6791
وإن هذا التدبير لجدير أن يكون من تدبير المؤمنين فى لقاء العدوّ، فيلقون عدوّهم بالعدد، والعدد، وبالتدبير والمكيدة.
وبهذا يكتب لهم الغلب، ويتحقق لهم النصر.
قوله تعالى: «ضَبْحاً، وقَدْحاً، وصُبْحاً» منصوبة على الحال من العاديات.. بمعنى ضابحة، وقادحة، ومصبحة العدوّ..
قوله تعالى:
«فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً» .
هو إلفات إلى موقف الخيل، وقد دخلت ميدان القتال، إنها تثير فيه النقع، أي الغبار بحركاتها، وتنقّل فرسانها عليها، بين كرّ وفرّ، ومحاورة ومداورة، انتهازا للفرصة التي تمكّن من العدو، وتصيبه فى مقاتله.
والضمير فى «به» يعود إلى ميدان القتال المفهوم من مسيرة هذه الخيل العادية.. إنها الخيل تعدو إلى جهاد فى سبيل الله، وليست الخيل التي تعدو للصيد واللهو، ونحو هذا.
قوله تعالى: «فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً» .. إشارة إلى أنها وإن جاءت فرادى، وهى متجهة إلى ميدان القتال، فإنها لا تشتبك مع العدوّ فى الحرب إلا مجتمعة، حيث يضرب المغيرون عليها عدوّهم بيد مجتمعة قوية متمكنة.
وفى قوله تعالى: «فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً» إشارة أخرى إلى أنّ هذه الخيل إنما تدخل المعمعة بفرسانها، وتهجم على قلب العدوّ، وتدخل فى كيانه، لا أنها تخطف الخطفة من بعد، دون أن تلتحم بالعدوّ، وتختلط به، وفى العطف بالفاء فى قوله تعالى: «فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً» - فى هذا ما يشعر بأن هذين الفعلين من أفعال الخيل العاديات، وأنهما داخلان فى حيّز القسم بها، والتقدير: والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا، فالمغيرات صبحا، فالمثيرات به نقعا، فالمتوسطات به جمعا.
стр. 6792
وكل هذا الذي يشير إليه القرآن الكريم، هو تخطيط للحرب، ولما ينبغى أن يكون من تدبير جيش المسلمين فى لقاء العدوّ.. فهو درس بليغ فى الحرب، يأتى عرضا، فيكون أثره أبلغ وأوقع من الدرس المباشر، الذي يواجه الإنسان مواجهة الأستاذ لتلميذه.. فلقد جاء العرض للخيل، وفرسانها، وأفعالهم فى الحرب، والمسلمون محصورون فى مكة، واقعون تحت قبضة المشركين، لا يدور فى تفكيرهم أبدا أنهم سيكونون يوما هم فرسان هذه الخيل، وهم جنود الله، تعدو بهم هذه العاديات إلى الجهاد فى سبيل الله، فيمكن الله لدينه بهم فى الأرض، ويقيم بهم دولة الإسلام!.
يقول الأستاذ الإمام محمد عبده، معلقا على هذا الدرس الذي يلقّنه القرآن الكريم لأتباعه فى الإعداد للحرب، والتمكن من وسائلها:
«أفليس من أعجب العجب أن ترى أمما- وخير من هذا أن يقال أمّة، لأن المسلمين أمة لا أمم- هذا كتابها، قد أهملت شأن الخيل والفروسية، إلى أن صار يشار إلى راكبها بينهم بالهزء والسخرية، وأخذت كرام الخير تهجر بلادهم إلى بلاد أخرى؟.
«أليس من أغرب ما يستغرب أن أناسا يزعمون أن هذا الكتاب كتابهم، يكون طلاب العلوم الدينية منهم أشدّ الناس رهبة من ركوب الخيل، وأبعدهم عن صفات الرجولة، حتى وقع من أحد أساتذتهم المشار إليه بالبنان، عند ما كنت أكلّمه فى منافع بعض العلوم وفوائدها فى علم الدين- أن قال لى: «إذا كان كل ما يفيد فى الدين نعلّمه لطلبة العلم، كان علينا إذن أن نعلمهم ركوب الخيل؟! «يقول هذا ليفحمنى، وتقوم له الحجة علىّ، كأنّ تعليم ركوب الخيل مما لا يليق ولا ينبغى لطلبة العلم، وهم يقولون: إن العلماء ورثة الأنبياء..
стр. 6793
فهل هذه الأعمال، وهذه العقائد تتفق مع الإيمان بهذا الكتاب؟
أنصف واحكم» !.
والحق ما قال الإمام، فإن فرسان الحرب فى الإسلام، كانوا أئمة المسلمين، والقمم العالية فيهم، وحسبنا أن نذكر هنا على بن أبى طالب، وحمزة بن عبد المطلب، وخالد بن الوليد، وعبيدة بن الجراح، وطلحة والزبير، وسعد ابن أبى وقاص، وغيرهم وغير هم كثير كثير! ولو أن صحابة رسول الله ﷺ شهدوا عصر الدبابات، والطائرات، والصواريخ، لكانوا أساتذة هذا الميدان، إبداعا واستعمالا، ولكانت الأمم التي تملك الصواريخ اليوم أمما متخلفة، بالنسبة إليهم.. ذلك أن نفوسهم أشرقت بنور الحق، وقلوبهم امتلأت بقوة الإيمان وعزته، فعظمت نفوسهم، واتسعت آمالهم، وأبت عليهم نفوسهم العالية، وهممهم العظيمة أن يسبقها سابق فيما يكسب العزة والسيادة، والمجادة.. فإذا صغرت النفوس، وضعفت الهمم، رضيت بالدّون، واستغنت بالتافة الحقير من الأمور..
فليس بالمؤمن من صغرت نفسه، وضؤل شخصه، وأمسك من دنياه بقبض الريح منها.. والله يقول: «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ» ..
وإنه لا عزة مع الضعف، ولا إيمان بغير القوة والعزة.. القوة فى المادة والروح جميعا.
وقوله تعالى:
«إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ. وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ. وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ» .
هو جواب القسم بالعاديات..
والكنود: الجاحد لنعمة ربه، المنكر لإحسانه إليه..!
стр. 6794
وهذا شأن كثير من الناس، بل هو شأن معظم الناس، ولهذا جاء الحكم مطلقا، إذ ليس فى الناس إلا قلة قليلة هى التي تعرف فضل الله عليها، وإحسانه إليها، ومع هذا فإنها لن تبلغ مهما اجتهدت، ما ينبغى لله سبحانه من حمد وشكر.. وإلى هذا يشير قوله تعالى: «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» (١٣: سبأ) وفى قوله تعالى: «وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ»
- استدعاء للإنسان أن يستحضر وجوده، وأن يحاسب نفسه، وسيرى- إن كان على علم وحق- أنه مقصر فى حق الله، جاحد لفضله عليه.. وأن حبه الشديد لتحصيل المال، والاستكثار منه، هو آفته التي تنسيه فضل الله عليه، فيغمط حقوق الله، ويعمى عن وجوه الإنفاق فى سبيل الله.. وفى التعبير عن المال بلفظ الخير- إشارة إلى أنه خير فى ذاته، ولكنه قد يتحول فى أيدى كثير من الناس إلى شر مستطير يحرق أهله!! وقوله تعالى:
«أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ» .
أي أفلا يعلم هذا الإنسان الكنود، وهو يحاسب نفسه، أنّه إذا بعثر ما فى القبور، وخرج الموتى من قبورهم إلى المحشر، «وحصّل» أي جمع ما فى صدورهم من خفايا أعمالهم، ورأوه عيانا بين أيديهم- أفلا يعلم ما يكون عليه حاله يومئذ، وما ينزل به من عذاب الله؟.
وفى حذف مفعول الفعل «يعلم» .. استدعاء للعقل أن يبحث عن هذا المفعول، وأن يستدلّ عليه، وفى هذا ما يدعوه إلى إعمال فكره، فيجد العبرة والعظة.. أي أفلا يعلم ما يكون فى هذا اليوم؟ إنه لو علم لكان له مزدجر عن غيّه وضلاله.
стр. 6795
وقوله تعالى:
«إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ» .
هو تعقيب على هذا السؤال: «أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ» .. أي فإذا لم يكن يعلم ماذا يكون فى هذا اليوم، فليذكر هذه الحقيقة المطلقة، التي ينادى بها فى الوجود كله، وهى حقيقة ثابتة: «إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ» .. إذا علم هذه الحقيقة، وآمن بها، علم ماذا يكون عليه حاله يومئذ.. إن ربه الذي يعلم كل شىء، قد علم ما كان منه فى الدنيا، وأنه محاسبه على ما عمل..
وليس الظرف فى قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ» قيد لعلم الله وحصره فى هذا اليوم، بل إن علم الله بما يعمل الناس، هو علم دائم متصل، ولكن علمه فى هذا اليوم بأعمال الناس، يقتضى محاسبتهم عليها، وجزاءهم بما عملوا.. فهذا يوم الجزاء لعمل كل عامل..
(١٠١) سورة القارعة
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة «قريش» .
عدد آياتها: إحدى عشرة آية.
عدد كلماتها: ست وثلاثون كلمة.
عدد حروفها: مائة وخمسون حرفا.
مناسبتها لما قبلها
ختمت سورة «العاديات» بقوله تعالى: «أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ» .. وفيها دعوة إلى الناس