وإن هذا التدبير لجدير أن يكون من تدبير المؤمنين فى لقاء العدوّ، فيلقون عدوّهم بالعدد، والعدد، وبالتدبير والمكيدة.
وبهذا يكتب لهم الغلب، ويتحقق لهم النصر.
قوله تعالى: «ضَبْحاً، وقَدْحاً، وصُبْحاً» منصوبة على الحال من العاديات.. بمعنى ضابحة، وقادحة، ومصبحة العدوّ..
قوله تعالى:
«فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً» .
هو إلفات إلى موقف الخيل، وقد دخلت ميدان القتال، إنها تثير فيه النقع، أي الغبار بحركاتها، وتنقّل فرسانها عليها، بين كرّ وفرّ، ومحاورة ومداورة، انتهازا للفرصة التي تمكّن من العدو، وتصيبه فى مقاتله.
والضمير فى «به» يعود إلى ميدان القتال المفهوم من مسيرة هذه الخيل العادية.. إنها الخيل تعدو إلى جهاد فى سبيل الله، وليست الخيل التي تعدو للصيد واللهو، ونحو هذا.
قوله تعالى: «فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً» .. إشارة إلى أنها وإن جاءت فرادى، وهى متجهة إلى ميدان القتال، فإنها لا تشتبك مع العدوّ فى الحرب إلا مجتمعة، حيث يضرب المغيرون عليها عدوّهم بيد مجتمعة قوية متمكنة.
وفى قوله تعالى: «فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً» إشارة أخرى إلى أنّ هذه الخيل إنما تدخل المعمعة بفرسانها، وتهجم على قلب العدوّ، وتدخل فى كيانه، لا أنها تخطف الخطفة من بعد، دون أن تلتحم بالعدوّ، وتختلط به، وفى العطف بالفاء فى قوله تعالى: «فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً» - فى هذا ما يشعر بأن هذين الفعلين من أفعال الخيل العاديات، وأنهما داخلان فى حيّز القسم بها، والتقدير: والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا، فالمغيرات صبحا، فالمثيرات به نقعا، فالمتوسطات به جمعا.
стр. 6792
وكل هذا الذي يشير إليه القرآن الكريم، هو تخطيط للحرب، ولما ينبغى أن يكون من تدبير جيش المسلمين فى لقاء العدوّ.. فهو درس بليغ فى الحرب، يأتى عرضا، فيكون أثره أبلغ وأوقع من الدرس المباشر، الذي يواجه الإنسان مواجهة الأستاذ لتلميذه.. فلقد جاء العرض للخيل، وفرسانها، وأفعالهم فى الحرب، والمسلمون محصورون فى مكة، واقعون تحت قبضة المشركين، لا يدور فى تفكيرهم أبدا أنهم سيكونون يوما هم فرسان هذه الخيل، وهم جنود الله، تعدو بهم هذه العاديات إلى الجهاد فى سبيل الله، فيمكن الله لدينه بهم فى الأرض، ويقيم بهم دولة الإسلام!.
يقول الأستاذ الإمام محمد عبده، معلقا على هذا الدرس الذي يلقّنه القرآن الكريم لأتباعه فى الإعداد للحرب، والتمكن من وسائلها:
«أفليس من أعجب العجب أن ترى أمما- وخير من هذا أن يقال أمّة، لأن المسلمين أمة لا أمم- هذا كتابها، قد أهملت شأن الخيل والفروسية، إلى أن صار يشار إلى راكبها بينهم بالهزء والسخرية، وأخذت كرام الخير تهجر بلادهم إلى بلاد أخرى؟.
«أليس من أغرب ما يستغرب أن أناسا يزعمون أن هذا الكتاب كتابهم، يكون طلاب العلوم الدينية منهم أشدّ الناس رهبة من ركوب الخيل، وأبعدهم عن صفات الرجولة، حتى وقع من أحد أساتذتهم المشار إليه بالبنان، عند ما كنت أكلّمه فى منافع بعض العلوم وفوائدها فى علم الدين- أن قال لى: «إذا كان كل ما يفيد فى الدين نعلّمه لطلبة العلم، كان علينا إذن أن نعلمهم ركوب الخيل؟! «يقول هذا ليفحمنى، وتقوم له الحجة علىّ، كأنّ تعليم ركوب الخيل مما لا يليق ولا ينبغى لطلبة العلم، وهم يقولون: إن العلماء ورثة الأنبياء..
стр. 6793
فهل هذه الأعمال، وهذه العقائد تتفق مع الإيمان بهذا الكتاب؟
أنصف واحكم» !.
والحق ما قال الإمام، فإن فرسان الحرب فى الإسلام، كانوا أئمة المسلمين، والقمم العالية فيهم، وحسبنا أن نذكر هنا على بن أبى طالب، وحمزة بن عبد المطلب، وخالد بن الوليد، وعبيدة بن الجراح، وطلحة والزبير، وسعد ابن أبى وقاص، وغيرهم وغير هم كثير كثير! ولو أن صحابة رسول الله ﷺ شهدوا عصر الدبابات، والطائرات، والصواريخ، لكانوا أساتذة هذا الميدان، إبداعا واستعمالا، ولكانت الأمم التي تملك الصواريخ اليوم أمما متخلفة، بالنسبة إليهم.. ذلك أن نفوسهم أشرقت بنور الحق، وقلوبهم امتلأت بقوة الإيمان وعزته، فعظمت نفوسهم، واتسعت آمالهم، وأبت عليهم نفوسهم العالية، وهممهم العظيمة أن يسبقها سابق فيما يكسب العزة والسيادة، والمجادة.. فإذا صغرت النفوس، وضعفت الهمم، رضيت بالدّون، واستغنت بالتافة الحقير من الأمور..
فليس بالمؤمن من صغرت نفسه، وضؤل شخصه، وأمسك من دنياه بقبض الريح منها.. والله يقول: «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ» ..
وإنه لا عزة مع الضعف، ولا إيمان بغير القوة والعزة.. القوة فى المادة والروح جميعا.
وقوله تعالى:
«إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ. وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ. وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ» .
هو جواب القسم بالعاديات..
والكنود: الجاحد لنعمة ربه، المنكر لإحسانه إليه..!
стр. 6794
وهذا شأن كثير من الناس، بل هو شأن معظم الناس، ولهذا جاء الحكم مطلقا، إذ ليس فى الناس إلا قلة قليلة هى التي تعرف فضل الله عليها، وإحسانه إليها، ومع هذا فإنها لن تبلغ مهما اجتهدت، ما ينبغى لله سبحانه من حمد وشكر.. وإلى هذا يشير قوله تعالى: «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» (١٣: سبأ) وفى قوله تعالى: «وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ»
- استدعاء للإنسان أن يستحضر وجوده، وأن يحاسب نفسه، وسيرى- إن كان على علم وحق- أنه مقصر فى حق الله، جاحد لفضله عليه.. وأن حبه الشديد لتحصيل المال، والاستكثار منه، هو آفته التي تنسيه فضل الله عليه، فيغمط حقوق الله، ويعمى عن وجوه الإنفاق فى سبيل الله.. وفى التعبير عن المال بلفظ الخير- إشارة إلى أنه خير فى ذاته، ولكنه قد يتحول فى أيدى كثير من الناس إلى شر مستطير يحرق أهله!! وقوله تعالى:
«أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ» .
أي أفلا يعلم هذا الإنسان الكنود، وهو يحاسب نفسه، أنّه إذا بعثر ما فى القبور، وخرج الموتى من قبورهم إلى المحشر، «وحصّل» أي جمع ما فى صدورهم من خفايا أعمالهم، ورأوه عيانا بين أيديهم- أفلا يعلم ما يكون عليه حاله يومئذ، وما ينزل به من عذاب الله؟.
وفى حذف مفعول الفعل «يعلم» .. استدعاء للعقل أن يبحث عن هذا المفعول، وأن يستدلّ عليه، وفى هذا ما يدعوه إلى إعمال فكره، فيجد العبرة والعظة.. أي أفلا يعلم ما يكون فى هذا اليوم؟ إنه لو علم لكان له مزدجر عن غيّه وضلاله.
стр. 6795
وقوله تعالى:
«إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ» .
هو تعقيب على هذا السؤال: «أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ» .. أي فإذا لم يكن يعلم ماذا يكون فى هذا اليوم، فليذكر هذه الحقيقة المطلقة، التي ينادى بها فى الوجود كله، وهى حقيقة ثابتة: «إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ» .. إذا علم هذه الحقيقة، وآمن بها، علم ماذا يكون عليه حاله يومئذ.. إن ربه الذي يعلم كل شىء، قد علم ما كان منه فى الدنيا، وأنه محاسبه على ما عمل..
وليس الظرف فى قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ» قيد لعلم الله وحصره فى هذا اليوم، بل إن علم الله بما يعمل الناس، هو علم دائم متصل، ولكن علمه فى هذا اليوم بأعمال الناس، يقتضى محاسبتهم عليها، وجزاءهم بما عملوا.. فهذا يوم الجزاء لعمل كل عامل..
(١٠١) سورة القارعة
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة «قريش» .
عدد آياتها: إحدى عشرة آية.
عدد كلماتها: ست وثلاثون كلمة.
عدد حروفها: مائة وخمسون حرفا.
مناسبتها لما قبلها
ختمت سورة «العاديات» بقوله تعالى: «أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ» .. وفيها دعوة إلى الناس
стр. 6796
أن يحاسبوا أنفسهم فى الدنيا، قبل يوم الحساب والجزاء فى الآخرة.. وجاءت سورة القارعة تقرع الناس بهذا اليوم، يوم الجزاء، وتدعوهم إلى الحساب والجزاء، بعد أن أخذوا الفرصة الممكّنة لهم من حساب أنفسهم، وإعدادها لهذا اليوم..
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ١١) [سورة القارعة (١٠١) : الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤)
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩)
وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١)
التفسير قوله تعالى:
«الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ» .
القارعة: هى يوم القيامة، لأنها تقرع القلوب بهولها، كأنها المقرعة التي تقع على الرأس بضربة مفاجئة.. فهى كالحاقة، والصاخة، والطامة، والغاشية..
стр. 6797
والاستفهام عنها هنا، هو تهويل لها، وليومها، وأنها مما لا تحيط العقول بكنهها..
وقوله تعالى:
«يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ. وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ» ..
هو خبر عن القارعة، أي هى يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وتكون الجبال كالعهن المنفوش.. أي فى هذا اليوم يكون الناس كالفراش المنتشر، فى انطلاقهم إلى الحشر، وفى حومهم حول النار كما يحوم الفراش.. وتكون الجبال فى هذا اليوم كالصوف المنفوش، أي الذي تفككت شعيراته بعضها عن بعض.. وقد عرضنا لهذا فى مبحث خاص «١» وقوله تعالى:
«فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ» - المراد بثقل الموازين هنا هو اعتبار الأعمال، وإقامة وزن لها، حتى إذا وزنت كان لها رجحان على غيرها من الأعمال التي لا قدر لها ولا وزن، كما يقول عن أعمال الكافرين: «أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً» (١٠٥: الكهف) لأن أعمالهم لا قيمة لها ولا قدر..، لأنها لم تقم فى ظل الإيمان بالله.
فأصحاب الأعمال الحسنة التي رجحت بها موازينهم وارتفعت بها أقدارهم على الناس يومئذ، هم فى عيشة راضية، حيث ينعمون فى جنات عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين..
стр. 6798
وفى وصف المعيشة بأنها راضية، مع أن الرضا إنما يكون لمن يعيشون فيها- فى هذا إشارة إلى أنها راضية فى ذاتها، بحيث تبدو وكأنها كائن حىّ قد اجتمع له كل ما يرضيه.. فهذه المعيشة قد اجتمع لها كل أسباب الرضوان لجميع الناس على اختلاف مطالبهم..
وقد عرضنا لهذا فى تفسير سورة «الحاقة» .
قوله تعالى:
«وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ. فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ. وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ. نارٌ حامِيَةٌ» وهؤلاء هم الكافرون الذين حبطت أعمالهم، فلم يكن لهم ولا لأعمالهم وزن- هؤلاء أمّهم. التي تضمهم إليهم، وتحنو عليهم، هى هاوية، حيث تهوى بأصحابها إلى قرار الجحيم.. إنها نار حامية، تأكل أهلها كما تأكل النار الحطب..
وفى جميع الموازين، إشارة إلى أن كل عمل من أعمال الإنسان له ميزانه الذي يوزن به، حسب قدره، وقيمة..
أما الميزان الذي توزن به الأعمال، فهذا مما استأثر الله بعلمه، ولا ينبغى لنا أن نتكلف له تصورا، وحسبنا أن نؤمن بأن هناك ميزانا توزن به الأعمال، وتتبين به قيمة كل عمل، صغر أو كبر.. أما هيئة هذا الميزان وكيفيته، وكيف توزن الأعمال به- فهذا مما يتولاه الله عنا، ولا شأن لنا به.. إنه سبحانه يحاسب، ويقضى، ويحكم، وهو أحكم الحاكمين.
стр. 6799
(١٠٢) سورة التكاثر
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة «الكوثر» ..
عدد آياتها: ثمانى آيات..
عدد كلماتها: ثمان وعشرون كلمة..
عدد حروفها: مائة وعشرون حرفا..
مناسبتها لما قبلها
الحديث فى هذه السورة، متصل بما قبلها من الحديث عن القيامة، وعما يذهل الناس عنها، ويشغلهم عن الإعداد لها.. وهو المال والتكاثر منه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات (٨- ١) [سورة التكاثر (١٠٢) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)
كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)
التفسير:
قوله تعالى:
«أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ. حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ» ..
стр. 6800
أي أيها الناس، قد شغلكم التكاثر فى الأموال والمتاع، فقطعتم حياتكم فى جمع المال وكنزه، وفى تحصيل الجاه والسلطان، دون أن تلفتوا إلى ما يجمّل العقل، ويغذى الروح، ويكمل النفس.. «حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ» أي نزلتم فى قبوركم، وإنها ليست دار مقام لكم، وإنما هى إلمامة تلمّون بها، أشبه بالزائر يطرق مكانا، ثم يرحل عنه. وهكذا أنتم فى هذه القبور التي ستضمكم يوما..
إنها زورة، ثم تحوّلون عنها إلى الحياة الآخرة.. إنها منزل على الطريق إلى البعث، والحساب والجزاء..
فالخطاب هنا عام للناس جميعا، والمؤمنون منهم أولى بهذا الخطاب من غيرهم، إذ كان يرجى منهم أن ينتفعوا به، وأن ينظروا إلى أنفسهم نظرا مجدّدا على ضوئه.
وقوله تعالى:
«كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ» .
وكلا، فليس هذا هو الموقف السليم الذي ينبغى أن يقفه الإنسان فى الحياة، وليس هو الطريق القويم الذي يحق له أن يسلكه.. فإن جمع المال للتلهى به، وإشباع شهوات النفس منه، وإرضاء غرورها بالتعالي والتشامخ على الناس، لا لكسب محمدة، أو قضاء حق لله أو للناس- هو ضلال ووبال.. وستعلمون حقيقة هذا لو أنكم نظرتم نظرا عاقلا مستبصرا، ثم كلا.. إنكم لم تحسنوا النظر، ولم تمعنوا الفكر، فما زال علمكم بما أنتم عليه من ضلال، علما لا يحرك شعورا، ولا يثير خاطرا، ولا ينزع بكم إلى أخذ اتجاه غير اتجاهكم.. فأعيدوا النظر، وجددوا البحث فى حالكم تلك، وسوف تعلمون.. وكلا.. فهذا العلم الجديد الذي علمتموه لا يعدّ علما، فما زلتم فى شك وريب من البعث والحساب م ١٠٥- التفسير القرآنى ج ٣٠
стр. 6801
والجزاء، ولو كان علما عن يقين، لتغير حالكم، ولما كان هذا موقفكم فى الحياة..
فلو كنتم تعلمون علم اليقين «لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ» ، وأنتم فى هذه الدنيا، ولعلتم أن العذاب هو جزاء أهل الضلال، وأن العاقل ليرى جهنم فى الدنيا وكأنها ماثلة بين عينيه، فيتوقاها بالإيمان بالله، والعمل الصالح، ويخاف مقام ربه، ويخشى لقاءه بما يجنى من منكرات.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ» (١٨:
فاطر) .
وقوله تعالى: «ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ» أي لرأيتم الجحيم فى الدنيا رؤية علمية يدلكم عليها العقل، فكأنها ماثلة بين أعينكم.. ثم إنكم بعد ذلك: «لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ» أي رؤية بصرية، واقعية، حيث يشهدها كل من فى المحشر، ويراها رأى العين، كما يقول سبحانه: «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها» (٧١: مريم) وكما يقول جل شأنه: «وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى» (٣٦: النازعات) وتوكيد جواب «لو» هنا لتحقق وقوعه مستقبلا..
وذلك لأن «لو» حرف يمتنع جوابها لامتناع شرطها.. وذلك محقق فى الماضي، لأن الشرط لم يقع، فامتنع لذلك وقوع الجواب..
فإذا جاء الشرط والجواب مضارعين، كان الحكم معلقا، فقد يقع الشرط فيقع تبعا لذلك الجواب، وقد لا يقع الشرط فلا يقع الجواب.. تقول لو جاء الضيف لأكرمته.. وهذا يعنى أن الضيف لم يجىء وبالتالى لم يقع إكرامه..
وتقول لو يجىء الضيف لأكرمنّه.. فالضيف لم يجىء بعد، وقد يجىء، فإذا جاء لم يكن بدّ من إكرامه.. والتوكيد للفعل هنا واجب، لأنه حلّ محل
стр. 6802
فعل غلب أن يكون ممتنعا وقوعه، وهو جواب لو الماضي الذي يجىء أكثر ما يجىء فعلا ماضيا، فلزم توكيد الجواب هنا، ليقطع كل احتمال لامتناع وقوعه.
وقوله تعالى:
«ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ» .
أي ثم إذ ترون الجحيم فى المحشر، تحاسبون على ما أنعم الله به عليكم من نعم، وأجلّها العقل، والرسول، والقرآن.. فمن رعى هذه النعم، وأدى واجب الشكر عليها، نجا من هذه النار، ونزل منازل المؤمنين فى الجنة، ومن كفر يهذه النعم، حرم نعيم الجنة، وألقى به فى عذاب الجحيم.
(١٠٣) سورة العصر
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة الانشراح.
عدد آياتها: ثلاث آيات.
عدد كلماتها: أربع عشرة كلمة.
عدد حروفها: ثمانية وستون حرفا.
مناسبتها لما قبلها
الإنسان الذي ألهاه التكاثر بالأموال، والتفاخر بالجاه والسلطان، دون أن يتزود للآخرة بزاد الإيمان والتقوى، هو هذا الإنسان الخاسر.. وأي خسران أكثر من أنه اشترى الدنيا بالآخرة؟ وهذا ما جاءت سورة العصر لتقرره..
стр. 6803
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٣) [سورة العصر (١٠٣) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَالْعَصْرِ» .
هو قسم بهذا الوقت من أوقات الزمن، وهو الساعات الأخيرة من النهار..
وقد أقسم الله بأجزاء من الزمن، كالفجر، والضحى، والليل، والنهار..
وفى القسم «بالعصر» تنويه بشأن هذا الوقت من الزمن، الذي تبدأ فيه الأحياء تجمع نفسها، وتعود إلى مأواها بما حصّلت وجمعت فى سعيها فى الحياة..
وإنه لجدير بالعاقل أن يحاسب نفسه على ما عمل فى يومه هذا، وما حصل فيه من خير، وما اقترف فيه من إثم.. إنه وقت محاسبة ومراجعة لأعمال اليوم، وتصحيح للأخطاء التي وقع فيها، فلا يستأنفها فى غده.. ولهذا كانت صلاة العصر هى الصلاة الوسطى- على ما جاءت به الأخبار الصحيحة، وقرره معظم أهل العلم- تلك الصلاة التي نوه الله بها، فقال تعالى: «حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى» (٢٣٨: البقرة) .
стр. 6804
وقوله تعالى:
«إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ» .
هو المقسم عليه، وهو جواب القسم..
والإنسان فى خسر، أي فى ضلال، لأنه لم يعرف قدره، ولم يرتفع بإنسانيته إلى المقام الذي أهّله الله له.. فلقد خلق الله سبحانه الإنسان فى أحسن تقويم، ولكن الإنسان لم يلتفت إلى هذا الخلق، ولم يقدره قدره، ولم يأخذ الطريق الذي يدعو إليه العقل، بل انقاد لشهواته، واستخف بإنسانيته، وتحول إلى عالم البهيمة، يأكل ويتمتع كما تأكل الأنعام..
ذلك هو شأن الإنسان فى معظم أفراده وأحواله.. وقليل هم أولئك الذين عرفوا قدر إنسانيتهم، وما أودع الله فيهم من قوى قادرة على أن ترتفع بهم إلى الملأ الأعلى، لو أنهم أحسنوا استعمالها، وهؤلاء هم الذين استثناهم الله بقوله:
«إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ» .
فهؤلاء هم الإنسان الكريم عند الله، الذي يلقاه ربه بالرضا والرضوان..
إنهم هم الذين آمنوا بالله، وعرفوا ما لله ، من كمال وجلال..
فاستمسكوا بالحق، وهو الإيمان، وما يدعو إليه، وما ينهى عنه.. ثم تواصوا به فيما بينهم، فنصح بعضهم لبعض بالاستقامة عليه، والتمسك به، وفى هذا ما يقوّى من جبهة الحق، ويكثّر من أتباعه.
وفى قوله تعالى: «وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ» - إشارة إلى أن طريق الإيمان، والاستقامة على شريعته ليس أمرا هينا، فإن ذلك إنما يحتاج إلى معاناة وصبر على مغالبة الشهوات، وقهر دواعى الأهواء، ووساوس الشيطان.. فطريق الحق طريق محفوف بالمكاره، والصبر هو زاد الذين يسلكون طريقه، ويبلغون به غايات الفوز والفلاح..
стр. 6805
(١٠٤) سورة الهمزة
نزولها: نزلت بمكة.. بعد سورة القيامة.
عدد آياتها: تسع آيات.
عدد كلماتها: ثلاث وثلاثون كلمة.
عدد حروفها: مائة وثلاثون حرفا.
مناسبتها لما قبلها
فى سورة العصر أقسم الحقّ جلّ وعلا «بالعصر» على أن الإنسان فى خسر، مستثنيا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر.
وفى هذه السورة (سورة الهمزة) عرض للإنسان الخاسر، ومن أبن كان خسرانه، وإلى أين يكون مصيره.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٩) [سورة الهمزة (١٠٤) : الآيات ١ الى ٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤)
وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)
стр. 6806
التفسير:
قوله تعالى:
«وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ» .
«الهمزة» هو الذي يهمز الناس، أي يؤذبهم بقوارص الكلم جهرة، فيخدش حياءهم، ويمتهن كرامتهم، ليزداد هو علوّا وتطاولا على الناس، ولتخفّ موازينهم إزاء ميزانه، فلا يرتفع أمامه رأس، ولا يشمخ أنف.
و «اللمزة» هو الذي ينقص من أقدار ذوى الأقدار، فى غير مواجهتهم، إذ كان لا يستطيع أن يلقاهم وجها لوجه. فيشيع الفاحشة فيهم، ويذيع قالة السوء عنهم.
فالهمز واللّمز غايتهما واحدة، وهى الحطّ من أقدار الناس، ومحاولة إنزالهم منازل الدّون فى الحياة.. وإن كان الهمز بأسلوب العلانية، واللمز بأسلوب السرّ والخفاء.. ومن كان من شأنه الهمز كان من شأنه اللمز كذلك، والعكس صحيح.. إذ هما ينبعان من طبيعة واحدة.
وقوله تعالى:
«الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ» هو من أوصاف هذا الهمزة اللّمزة، الذي توعّده الله بالويل والعذاب..
فأكثر الناس همزا ولمزا للناس، هو الذي يحرص على جمع المال، ويجعل هذا الجمع كلّ همّه فى الدنيا..
وإنه لكى ينفسح له طريق الجمع، ويخلو له ميدان الكسب، يحارب الناس بكل سلاح، فلا يدع فى الميدان الذي يعمل فيه إنسانا إلا طعنه
стр. 6807
الطعنات القاتلة متى أمكنته الفرصة فيه.. بالهمز حينا، وباللمز أحيانا.
ثم إنه من جهة أخرى- إذ يجمع ما يجمع من مال- حريص على أن يدفع عن هذا المال كل عادية يراها بأوهامه وظنونه، فهو لشدة حرصه على ما جمع، يحسب أن كل الناس لصوص يريدون أن يسرقوه، أو قطاع طرق يتربصون به.. وهو لهذا يرمى الناس بكل سلاح، ويطعنهم بكل ما يقع ليده.. وكأنهم متلبسون بسرقة ماله الذي جمع!! ثم هو من جهة ثالثة، حريص على أن يقيم له من هذا المال الذي جمعه، سلطانا على الناس، لا بما ينفق عليهم منه فى وجوه الخير، ولا بما يمدّ به يده إليهم من معروف، بل بما يرى الناس من غناه وكثرة أمواله.. وهو لهذا يعمل على إعلاء نفسه بهدم غيره، والحطّ من منزلته.. وهذا هو الإنسان فى أسوأ أحواله، وأخسّ منازله.. إنه لا يسمو بذاتيته، ولا يرتفع بسعيه فى وجوه الخير والفلاح، بل إنه يرتفع على حطام الناس، ويعلو على جثث ضحاياه، الذين يريق دمهم بهمزه ولمزه.
وهذا هو السرّ- والله أعلم- فى الجمع هنا بين الهمزة، اللّمزة، وجامع المال ومكتنزه.
فالهمز واللمز، وإن كان طبيعة غالبة فى الناس من أغنياء وفقراء، إلّا أنه عند الذين همّهم كلّه هو المال، يعدّ سلاحا من الأسلحة العاملة لهم فى جمع المال، وفى حراسته، وفى التمكين لهم من التسلط على الناس به.
وعدّد المال: جمع بعضه إلى بعض فى صفوف مترصّة، وفى صنوف متعددة، كل صنف منها يأخذ مكانا خاصّا به، فهذا ذهب، وذاك فضة، وذا جواهر ولآلىء، وتلك أنعام وزروع، ورياض، وهذه دور وقصور، وأثاث ورياش، إلى غير ذلك مما يعدّ من عالم المال، ويحسب بحسابه.
стр. 6808
وقوله تعالى:
«يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ» جملة حالية تكشف عن ظنون هذا الإنسان وأوهامه، وهو أنه على ظنّ من أن هذا المال الذي جمعه، سيخلّده، ويمدّ له فى الحياة، وأنه بقدر ما يستكثر من المال بقدر ما يكون له من بقاء فى هذه الدنيا.. هكذا شأن الحريصين على المال، الذين اتجه همهم كلّه إلى جمعه.. إنهم لا يذكرون الموت أبدا، ولا يغشون مكانا يذكّرهم به، ولا يستمعون إلى حديث يذكر فيه.. إن الموت عندهم هو عدوّ قد قتلوه بأمانيّهم الباطلة، وأراحوا أنفسهم منه، فما لهم والحديث عنه؟ وما لهم وما يذكّرهم به؟
وقوله تعالى:
«كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ» .
أي كلّا، إنه فى وهم خادع، وفى ضلال مبين، إذ يحسب أن المال يخلّد صاحبه ويمدّ له فى العمر.. وكلا إنه سيموت، وسيبعث، وسينبذ أي يرمى فى الحطمة، أي جهنّم، التي تحطمه حطما، وتدقّه دقّا، وتهشمه هشما..
ونبذ الشيء: طرحه فى غير مبالاة، هوانا له واستخفافا به.. كما تنبذ النواة من النمرة بعد أن تؤكل.
وقوله تعالى:
«وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ؟ نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ» .
استفهام عن الحطمة، يلفت النظر إليها، ويدير العقل للبحث عن حقيقتها..
стр. 6809
وجواب يجيب عن هذا السؤال، ليكشف عن حقيقة هذه الحطمة، ليلتقى مع ما وقع فى النفس من تصورات لها، فتزداد حقيقتها وضوحا وبيانا.
إنها نار الله الموقدة.. قد أوقدها الله فكانت نار لله، وليست من تلك النار التي يوقدها الناس!.
وقوله تعالى:
«الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ» .
أي أنها نار ذات شأن عجيب، ليس فى نار الدنيا شىء من صفاتها وآثارها.. إنها تطلع على الأفئدة، أي أنها لا تتسلط على الأجسام وحسب، بل إنها تتسلط كذلك على المشاعر والوجدانات، فتشتعل بها المشاعر، ونحترق بها الوجدانات.. وقد يكون فى هذا ما يشير- والله أعلم- إلى أن عذاب أهل النار نفسىّ، أكثر منه مادىّ.
وقد قيل إن معنى الاطلاع على الأفئدة، هو أن هذه النار العجيبة تعرف أهلها، وكأنّها اطلعت على سرائرهم، وما عملوا من منكرات، فتدعوهم إليها، وتمسك بهم، وتشتمل عليهم، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعى» (١٧- ١٨ المعارج) وقوله سبحانه: «إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً» (١٢: الفرقان) .
قوله تعالى:
«إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ. فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ» .
أي أن هذه النار مؤصدة، أي مغلقة على أهلها، مطبقة عليهم، لا يجدون لهم فيها منفذا إلى العالم الخارجي.. أما هم، فهم مشدودون إلى عمد ممددة، قد شدت أغلالهم إليها.. فهم بهذه القيود فى سجن، داخل هذا السجن!
стр. 6810
وقد قلنا فى غير موضع إن هذه الأوصاف التي توصف بها أدوات العذاب، فى النار، وتلك الأوصاف التي توصف بها ألوان النعيم فى الجنة، هى مما فتمثله فى الدنيا، ونرى مشابه منه كما نطق به القرآن الكريم، أما كنه هذه الأشياء وحقيقتها، فلا يعلمها إلا الله، سبحانه، وعلينا أن نصدق بها كما وردت، دون أن نبحث عن صفاتها، وحدودها
(١٠٥) سورة الفيل
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة «الكافرون» .
عدد آياتها: خمس آيات.
عدد كلماتها: ثلاث وعشرون كلمة.
عدد حروفها: ثلاثة وتسعون حرفا.
مناسبتها لما قبلها
فى سورة «الهمزة» عرض لمن جمع المال، واتخذ منه سلاحا يغمز به الناس، ويهمزهم، ويمزق أديمهم، ويزبل وجودهم الإنسانى بين الناس..
وسورة «الفيل» تعرض لجماعة من تلك الجماعات، التي اجتمع ليدها قوة من تلك القوى المخيفة، هى الفيل، الذي يشبه قوة المال فى طغيانه، حين يجتمع ليد إنسان جهول غشوم، طاغية، فيتسلط على الناس، كما يتسلط صاحب الفيل على صاحب الحمار، أو الحصان، مثلا.. فكان عاقبة صاحب هذا الفيل الهلاك والدمار، كما كان عاقبة صاحب هذا المال، الذلّ والخزي، والخسران..
стр. 6811
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٥) [سورة الفيل (١٠٥) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤)
فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)
التفسير:
فيما يحدث به التاريخ، وتتوارد عليه الأخبار الصحيحة، تلك الحادثة التي تسمى حادثة الفيل، والتي أرخ بها العرب الجاهليون، كما كانوا يؤرخون بالأحداث العظيمة، التي تقع لهم فى مسيرة حياتهم.. فاتخذوا عام الفيل مبدأ لمرحلة من مراحل التاريخ عندهم..
وحادثة الفيل- كما تروى كتب التاريخ والسير- كانت عام ميلاد النبي ﷺ .. وأن مسرحها كان مكة، البلد الحرام، وأن مقصدها كان هدم الكعبة والبيت الحرام! قيل إن قائدا حبشيا اسمه «أبرهة» ، كان قد غلب على اليمن، ثم رأى تعظيم العرب للكعبة، وإقبالهم عليها، وتمسحهم بها، فأراد أن يجعل وجهة العرب إليه، فبنى بنيّة، أراد بها أن يحج العرب إليها، وأن ينصرفوا عن الكعبة.. فلما لم يجد منهم استجابة لدعوته، ولا التفاتا إلى بنيته، قرر أن يهدم الكعبة، ويزيل معالمها، حتى لا يكون للعرب متجه إليها، فيخلو بذلك وجههم لهذه البنية التي بناها.. فسار يجيش كثيف، يتقدمه فيل عظيم، كان
стр. 6812
عدة له من عدد الحرب التي يرهب بها أعداءه.. فلما سمعت قريش بمقدم أبرهة بهذا الفيل الذي يتهددهم به، فزعت، وهالها الأمر..
قالوا: ونزل أبرهة بجيشه وفيله بمكان اسمه «المغلّس» على مشارف مكة، وحط رحاله هناك، استعدادا لدخول مكة، وهدم الكعبة..
ثم إنه استدعى إليه صاحب كلمة قريش يومئذ، وكان عبد المطلب بن هاشم، جدّ النبي.. فجاء إليه، فكلمه أبرهة فيما جاء له، وأنه لا يريد شرا بالناس، وإنما جاء ليهدم الكعبة، فإن أخلت قريش بينه وبين الكعبة لم يعرض لهم بسوء، وإلا فقد عرفوا ما سوف ينزل بهم من بلاء!! فقال له «عبد المطلب» :
دونك وما تشاء.. ولكن ردّ إلينا ما احتواه جيشك من أموالنا.. وكان جيش أبرهة قد ساق كل ما صادفه فى طريقه من إبل وشاء، وعبيد، مما كان على مواقع المراعى لقريش.. فقال أبرهة: أحدثك فى شأن الكعبة، وتحدثنى عن الإبل والشاء؟ أترى هذه الأنعام أكرم عندكم وأغلى من هذا البيت الذي تعظمونه؟ فقال «عبد المطلب» هذه الأنعام لنا، أما البيت فله ربّ يحميه!! قالوا: ودعا عبد المطلب قريشا إلى أن يخرجوا من مكة إلى شعابها، وجبالها، وأن يدعوا أبرهة والبيت الحرام..
وفى صبيحة اليوم الذي تأهب فيه أبرهة لدخول البلد الحرام، فشا فى جيشه الجدري، فهلك الجيش جميعه.
قالوا، وكان ذلك أول عهد العرب بهذا الداء، الذي لم تعرفه من قبل..
وقالوا: إن هذا الداء كان يهرى جسد من يلمّ به، حيث يتناثر لحمه، ويتساقط، قطعا قطعا، كما تتساقط الرمم المتعفنة..
وهكذا قضى على الجيش كله، ولم تبق منه إلا تلك الأشلاء الممزقة، المتناثرة.
стр. 6813
والقرآن الكريم، لا يشير إلى هذا الداء- داء الجدري- الذي يقال إنه هو الذي هلك به أبرهة وجيشه، وإنما يتحدث عن طير أبابيل، رمت القوم بحجارة من سجيل، فجعلتهم كعصف مأكول، كما يقول سبحانه:
«أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ» وهو استفهام تقريرى تنطق به الحال المشاهدة..
والتضليل: الضياع، والخيبة، والبوار..
وقوله تعالى:
«وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ» ..
الأبابيل: الجماعات، والأسراب التي يتبع بعضها بعضا..
وقوله تعالى:
«تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ..» .
أي أن هذه الأسراب من الطير كانت ترمى القوم بحجارة من سجيل..
وهذه الحجارة لا يدرى حقيقتها إلا الله ، والأوصاف التي يصفها بها المفسرون والمحدّثون لا ينبغى الوقوف عندها.. وهل يسأل عن عصا موسى وكيف كانت تنقلب حية؟ وعن يد عيسى وكيف كانت تبرئ الأكمه والأبرص، وعن كلمته، وكيف كانت تحيى الموتى؟ .. إنها آيات من عند الله، وآيات الله، وإن لبست فى الظاهر صورا حسية، فإن فى كيانها أسرارا لا يعلمها إلا علام الغيوب.. وهذه الطير، هى طير، والذي كانت تحمله وترمى يه القوم، هو حجارة من سجيل.. أما جنس هذا الطير، وصفته، وأما الأحجار وصفتها فذلك ما لا يعلمه إلا الله، والبحث عنه رجم بالغيب..
стр. 6814
هذا، ويطلق الطير على كل ما طار بجناحين، سواء أكان بعوضا، أم ذبابا، أم نسورا، وعقبانا..
والسجيل: الحجارة الصلدة، وأصل السجيل، الطين المطبوخ.
والعصف: الكمّ الذي يضم الحب فى كيانه، كحب القمح، والشعير، ونحوه.. كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ» .
والعصف المأكول: أي الذي أكل منه الحب، وبقي هذا القشر الرقيق الذي كان يغلّقه.. ولا شك أن هذا الذي أخذ الله به هذا الطاغية الذي جاء ليهدم بيت الله، هو آية من الآيات الدالة على ما لهذا البيت عند الله من حرمة، وأنه بيته على هذه الأرض، الذي كان أول بيت وضع للناس، وسيكون آخر بيت يبقى على وجه الأرض.. وأنه لا يزول حتى تزول معالم الحياة من هذا العالم.. ثم إن وقوع هذه الآية مع مطلع ميلاد النبي، هو آية من آيات الله، على ما لرسول الله عند ربه من مقام كريم، فلا ينزل سوء ببلد هو فيه.. إنه صلوات الله وسلامه عليه- رحمة حيث كان.. رحمة للناس، وبركة على المكان والزمان.. فرحم الله قومه، وأكرمهم من أجله، فلم ينزل به ما نزل بالأقوام الضالين الذين عصوا رسلهم، بل عافاهم الله سبحانه من هذا البلاء وأخذ بهم إلى طريق الهدى والإيمان. وكذلك فعل سبحانه بالبلد الحرام، مطلع نبوته، ومبدأ رسالته، فحماها من كل سوء، ودفع عنها كل مكروه.. فى ماضيها، وحاضرها ومستقبلها، وستبقى هكذا إلى يوم الدين، البيت المعمور، الذي تتجه إليه أبدا قلوب الأمة الإسلامية ووجوهها.
стр. 6815
(١٠٦) سورة قريش
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة التين..
عدد آياتها: أربع آيات..
عدد كلماتها: تسع عشرة كلمة..
عدد حروفها: ثلاثة وسبعون حرفا..
مناسبتها لما قبلها
أشارت سورة «الفيل» إلى هذه المنّة العظيمة التي امتن بها الله على «قريش» إذ دفع عن بلدهم الحرام، وعن بيته الحرام هذا المكروه، وردّ عنهم هذا البلاء، وأخذ المعتدى على حرمة هذا البيت أخذ عزيز مقتدر.. وبهذا وجدت قريش فى هذا البلد أمنها، ووجدت فى جوار البيت الحرام حماها، وصار لها فى قلوب العرب مكانة عالية، وقدر عظيم، لا يستطيع أحد أن يحدّث نفسه بسوء ينال به أحدا من أهل هذا البلد الحرام، وقد رأى ما صنع الله بمن أراد به أو بأهله سوءا..
وجاءت سورة «قريش» بعد هذا، وكأنها تعقيب على حادثة الفيل، ونتيجة لازمة من نتائج هذه الحادثة.. ولهذا وصل كثير من العلماء هذه السورة بسورة الفيل، وجعل اللام فى قوله تعالى: «لِإِيلافِ قُرَيْشٍ» لام تعليل، متعلقا بقوله تعالى «فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ» .. أي جعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش.. كما سنرى ذلك بعد..
стр. 6816
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٤) [سورة قريش (١٠٦) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)
التفسير:
الإيلاف: من التأليف، والجمع، فى تجانس وألفة، ومودة..
فقوله تعالى: «لِإِيلافِ قُرَيْشٍ» أي لأجل أن تألف قريش رحلة الشتاء والصيف، ولكى تعتاد تنظيم حياتها على هاتين الرحلتين- كان هذا الذي صنعه الله بهذا العدوّ صاحب الفيل، الذي جاء يبغى إزعاجهم عن البلد الحرام، ونزع ما فى القلوب من مكانة لهم، وتعظيم لشأنهم، باعتبارهم سدنة البيت الحرام الذي كانت تعظمه العرب، وتعظم ساكنيه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ» (٢٥: الحج) .
وقوله تعالى: «إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ» .. هو بدل من قوله تعالى: «لِإِيلافِ قُرَيْشٍ» .. أي لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف، كان هذا الذي فعلناه بهذا العدو المغير الذي جاء يزعج أهل هذا البلد الآمن.. فكانوا فى رحلتيهم التجاربتين، فى الشتاء والصيف، فى أمن وسلام، لا يعرض لهم أحد «م ١٠٦ التفسير القرآنى ج ٣٠»
стр. 6817
بسوء، فحيث نزلوا وجدوا الألفة والمودة من كل من يلقاهم، ويعرف أنهم أهل هذا البلد الحرام..
فقوله تعالى: «رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ» مفعول به للمصدر «إيلافهم» .
وقد كان لقريش رحلتان للتجارة.. رحلة فى الشتاء، إلى اليمين، ورحلة فى الصيف، إلى الشام..
والذي يعرف الحياة الجاهلية، وما كان يعرض للمسافرين فى طرقها وشعابها من أخطار، وما يترصدهم على طريقهم من المغيرين وقطاع الطرق، يدرك قيمة هذا الأمن الذي كان يصحب قريشا فى قوافلها المتجهة إلى اليمن أو الشام، محملة بالأمتعة، والبضائع، دون أن يعرض لها أحد.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ» (٦٧: العنكبوت) ولهذا جاء قوله تعالى: «فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ» - جاء تعقيبا على هذه النعمة العظيمة التي أنعمها الله على قريش، وجعل من حقّ شكرها أن يعبدوا رب هذا البيت، فهو- سبحانه- الذي حفظه لهم مما كان يراد به من سوء، وحفظ عليهم أمنهم وسلامتهم فيه.. فلقد أطعمهم الله سبحانه من جوع، بما فتح لهم من طرق آمنة يغدون فيها ويروحون بتجاراتهم، وألبسهم لباس الأمن حيث كانوا، داخل هذا البلد الحرام أو خارجه.. وإنه لا أجلّ من نعمة الأمن بجده الإنسان وسط غابة، تزأر فيها الأسود، وتعوى الذئاب! وفى إضافة البيت إلى الله ، تشريف لهذا البيت، ورفع لقدره وتنوبه به..
فالله ، هو رب هذا البيت، ورب كلّ شىء فى هذا الوجود، ولكن إضافة هذا البيت وحده إلى ربوبيته ، تجعل لهذا البيت
стр. 6818
شأنا غير شأن عوالم المخلوقات كلّها.. فهل يعرف المشركون قدر هذا البيت؟
وهل يحفظون حرمته، ويرعونها حق رعايتها؟
وقد أشرنا من قبل- فى تفسير سورة القدر- إلى أن الله لم يضف إلى ذاته سبحانه فى مقام القسم- من عالم البشر غير النبي ﷺ ، وأن هذه الإضافة، تضع النبي- صلوات الله وسلامه عليه- فى كفة، وعالم المخلوقات كلها فى كفة، وأن كفته ترجح كفة المخلوقات جميعها، فى سمائها وأرضها، وما فى سمائها وأرضها.
ونقول هنا، إن الله سبحانه لم يضف إلى ذاته الكريمة- فى مقام الربوبية- بيتا، غير هذا البيت الحرام..َبَّ هذَا الْبَيْتِ»
.. وهذا يعنى أن هذا البيت، يرجح فى ميزانه بيوت الله جميعها.
(١٠٧) سورة الماعون
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة التكاثر.
عدد آياتها: سبع آيات..
عدد كلماتها: خمس وعشرون كلمة..
عدد حروفها: مائة وخمسة وعشرون حرفا..
مناسبتها لما قبلها
جاء فى سورة «قريش» تنويه عظيم بشأن الشّبع من الجوع، والأمن من الخوف، حيث لا حياة بغير طعام، ولا طعم لحياة بغير أمن! وجاءت سورة «الماعون» لتضرب- والحديد ساخن- كما يقولون- على أوتار هذه القلوب الجافية، ولتهزّ تلك المشاعر الجامدة، التي عرفت طعم الشّبع بعد الجوع، وذاقت هناءة الأمن بعد الخوف، حتى تندّ بالمعروف، وتسخو بالخير، قبل أن تنسى لذعة الجوع، ورعدة الخوف.
стр. 6819
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٧) [سورة الماعون (١٠٧) : الآيات ١ الى ٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)
الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧)
التفسير:
«أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ؟» .
خطاب للنبى، صلوات الله وسلامه عليه، ولكل من هو أهل للخطاب، ولتلقّى العبرة والعظة منه..
والاستفهام هنا يراد به إلفات الأنظار والعقول إلى هذا الإنسان الذي يكذب بالدين.. إنه إنسان عجيب، لا ينبغى لعاقل أن يفوته النظر إلى هذا الكائن العجيب وتلك الظاهرة النادرة! ففيه عبرة لمن يعتبر، وفيه ملهاة لمن يريد أن يتلّهى..
والدين: هو الدينونة، أي الحساب والجزاء فى الحياة الآخرة..
والذين يكذبون بالدينونة، والبعث، والحساب، والجنة، والنار، لا يؤمنون بالله، وإن آمنوا به فهم لا يوقرونه، ولا يعرفون قدره. ومن هنا فهم
стр. 6820
لا يعلمون حسابا للقاء الله، ولا يقدّمون شيئا لليوم الآخر، فإنّ من خلت نفسه من شعور الثواب أو العقاب من الجهة التي يتعامل معها، فإنه لا يلقاها إلا فى تراخ وفتور، وعدم مبالاة.
وقوله تعالى:
«فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ» .
الفاء واقعة فى جواب شرط مقدر، يدل عليه الاستفهام فى قوله تعالى:
«أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ» ؟ أي إذا لم تكن رأيته، فها هو ذا، فانظر إليه، وشاهد أحواله، فهو ذلك الذي يدعّ اليتيم..
والإشارة مشاربها إلى هذا الذي يكذب بالدين.. إنه ذلك الذي «يَدُعُّ الْيَتِيمَ» أي يقهره، ويذله، وينزع عنه لباس الأمن والطمأنينة إذا وقع ليده، وعاش فى ظله.. إن اليتيم ضعيف، عاجز، أشبه بالطير المقصوص الجناح، يحتاج إلى اللطف، والرعاية، والحنان.. فإذا وقع ليد إنسان قد خلا قلبه من الرحمة، وجفت عواطفه من الحنان والعطف- كان أشبه بفرخ الطير وقع تحت مخالب نسر كاسر، فيموت فزعا وخوفا، قبل أن يموت تمزيقا ونهشا..
وقوله تعالى:
«وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ» .
أي لا يدعو إلى إطعام المسكين، ولا يجعل من رسالته فى الناس إطعام الجياع.. فإن من لا يحمل همّ الجياع، ولا يدعو الناس إلى إطعامهم، لا يجد من نفسه الدافع الذي يدفعه إلى إطعامهم من ذات يده.. ذلك أن الذي يعرف عنه فى الناس أنه يحضّ على هذه المكرمة وينادى بها فيهم- يستحى أن يدعو إلى فعل ولا يفعله..
стр. 6821
وإنك لن تجد بخيلا أبدا يدعو إلى الإحسان، لأن كلمة الإحسان تفزعه، حتى لو نطق بها زورا ويهتانا.. فإذا دعا داع إلى الإحسان كان معنى هذا أنه يمكن أن يكون فى المحسنين يوما ما.. وهذا هو السرّ فى احتفاء القرآن الكريم بالحضّ على فعل المكارم، فمن حضّ على مكرمة، وجعلها دعوة له، كان قمينا بأن يكون من أهلها عملا، بعد أن كان من دعاتها قولا..
وإذا جاز لإنسان أن يدعّ اليتيم، ويزعج أمنه، أو يضن على جائع بلقمة يتبلغ بها- وهو غير جائز، ولا مقبول على أي حال- فإنه لا يجوز ولا يقبل أن يكون ذلك من أحد من قريش، الذين أطعمهم الله من جوع، وآمنهم من خوف، من بين العرب جميعا..
إنهم يشهدون ذلك فى كل لحظة من لحظات حياتهم: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ» (٦٧: العنكبوت) .
وقوله تعالى:
«فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ» .
مناسبة هذه الآيات لما قبلها، هى أن الصلاة فى حقيقتها نور يضىء ظلام القلوب، ويجلّى غشاوة النفوس، لأنها أوثق الصلات التي تصل العبد بربه، وتقرّبه منه، وتعرضه لنفحات الرحمة، فتشيع فى كيانه الحب والحنان، حيث يضفيهما على عباد الله، وخاصة الضعفاء والفقراء، الذين وصّى الله يهم الأقوياء والأغنياء، واسترعاهم إياهم.
والصلاة لاتثمر هذا الثمر الطيب، ولا تؤتى هذا الأكل الكريم، إلا إذا كانت خالصة لله، يشهد فيها المصلّى جلال خالقه، وعظمة ربه.. وذلك
стр. 6822
لا يكون حتى تصدق النية، وتخلص الرغبة، ويعظم اليقين فى لقاء الله، والثقة فى أنّ من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.
والذين يسهون عن الصلاة، أي يغفلون عنها، ولا يشغلون أنفسهم بها، وبانتظار أوقاتها ليهيئوا أنفسهم لها، ويعدوها للقاء الله فى محرابها- هؤلاء ليسوا مصلين فى الحقيقة، وإن ركعوا، وسجدوا، لأن صلاتهم تلك إنما تقع عفوا، وتجىء حسب ما اتفق، كأن يكونوا فى جماعة، وقد أذّن المؤذن للصلاة، فيمنعهم الحياء، أو الخوف من قالة السوء فيهم أن تصلى الجماعة ولا يصلون، أو أنهم يصلون فى الأوقات التي لا يشغلهم فيها شىء، ولو كان تافها.
أما إذا شغلهم عمل، أو لهو، فلا يذكرون الصلاة، ولا يؤثرونها على ما بين أيديهم من عمل، أو لهو، حتى لكأن الصلاة نافلة من نوافل الحياة، لا قدر لها ولا وزن! فهذا هو السهو، وهؤلاء هم الساهون عن الصلاة الذين توعدهم الله بالويل، لأنهم يراءون الناس، وينافقونهم أو ينافقون أنفسهم بها، وهم لهذا لا ينتفعون بالصلاة، فلا يأتمرون منها بمعروف، ولا ينتهون بها عن منكر..
وقوله تعالى: «وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ» .
الماعون: من العون، وهو ما يجد فيه الإنسان عونا على ما يلمّ به من حاجة وعوز..
والمراد بالماعون هنا الزكاة، لأنها أوسع الأبواب، وأجداها فى إسداء العون، للفقير، والمسكين، وابن السبيل..
فالويل إنما يتجه الوعيد به هنا، إلى الذين لا يقيمون الصلاة على وجهها، ولا يؤدّون الزكاة على تمامها وكمالها، طيبة بها أنفسهم، منشرحة بها صدورهم..
стр. 6823
فهم يمنعون الزكاة ما استطاعوا منعها، ويؤدونها إذا قام عليهم سلطان قاهر، يرصد أموالهم، ويستخرج منها زكاتهم، كما يستخرج رجال الأمن المال المسروق من جيب السارق!! وفى قوله تعالى: «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ» - وفى جعل هاتين الكلمتين آية ذات دلالة مستقلة، مستوفية أركان الجملة المفيدة من مبتدأ وخبر- فى هذا إعجاز من إعجاز البلاغة القرآنية، حيث تهزّ هاتين الكلمتين أقطار النفس، وتستثير دواعى الفكر، حين يجد المرء نفسه بين يدى هذه الحقيقة الغريبة المذهلة:
«ويل للمصلين» !! وكيف يكون الويل للمصلين، والصلاة عماد الدين، وركنه المتين، وعليها يقوم بناؤه، وبها تشتد أركانه، وتثبت دعائمة؟ أهذا ممكن أن يكون؟ ويجىء الجواب نعم! وكيف؟ إنها صلاة الساهين عنها، المستخفين بها، الذين يأتونها رياء ونفاقا.. وإن الذين لا يؤدون الصلاة أصلا، ممن يؤمنون بالله، لهم أحسن حالا، من هؤلاء المصلين المرائين، لأن الذين لا يؤدونها أصلا، لم يتعاملوا بالصلاة بعد، ولم يزنوها بهذا الميزان البخس، ولو أنهم صلّوا فقد يقيمونها على ميزان يعرف قدرها، ويبين عن جلالها، وعظمة شأنها.. أما الذي يصلى ساهيا عن الصلاة متغافلا عنها، مستخفّا بها- فقد بان قدر الصلاة عنده ووزنها فى مشاعره.. وهو قدر هزبل، ووزن لا وزن له، ومن هنا كان جزاؤه هذا الوعيد بالويل والعذاب الشديد..
стр. 6824
(١٠٨) سورة الكوثر
نزولها: مكية نزلت بعد سورة العاديات عدد آياتها: ثلاث آيات عدد كلماتها: عشر كلمات عدد حروفها: اثنان وأربعون حرفا
مناسبتها لما قبلها
فى سورة «الماعون» ، توعد الله الذين لا يقيمون الصلاة، ولا يؤدّون الزكاة لأنهم مكذبون بالدين، غير مؤمنين بالبعث والحساب، والجزاء- توعد الله سبحانه هؤلاء، بالويل والهلاك، والعذاب الشديد فى نار جهنم..
وفى مقابل هذا، جاءت سورة الكوثر تزفّ إلى سيد المؤمنين بالله واليوم الآخر، هذا العطاء الجزيل، وذلك الفضل الكبير من ربه.. ومن هذا العطاء، وذلك الفضل، ينال كلّ مؤمن ومؤمنة نصيبه من فضل الله، وعطائه على قدر ما عمل..
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٣) [سورة الكوثر (١٠٨) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)
стр. 6825
التفسير:
الكوثر: مبالغة فى الكثرة، والمراد بالكثرة هنا، الكثرة فى العطاء من الخير والإحسان، والخطاب هنا للنبى صلوات الله وسلامه عليه.
والمراد بهذا الخبر هو التنويه بمقام النبىّ الكريم عند ربه جلّ وعلا، وبرضاه عنه، ذلك الرضا الذي لا حدود له، والذي تملأ القطرة منه وجوه الوجود، بشاشة، ومسرّة، وإسعادا..
وفى إطلاق لفظ الكوثر، دون قيده بنوع، أو قدر- إشارة إلى تناوله كل ما هو خير، وبلوغه إلى ما لا يعرف له نهاية أو حدّ، كما أنه إشارة أخرى إلى أنه خير، وخير مطلق، مصفّى من كل شائبة، خالص من كل كدر.. ذلك أنه عطاء، والعطاء لا يكون إلا مما هو خير، وإحسان، فكيف إذا كان عطاء من يد الله ؟ .. إن صفة هذا العطاء هى من صفات المعطى جلّ وعلا.. فلا تسل بعد هذا ما يكون هذا العطاء! «هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ» .. وإنه لحسب المؤمن إذا دعا ربه أن يقول: «اللهم أعطنى، ولا تحرمنى» .. فإذا الله دعاءه، فليسعد السعادة كلها بما أعطى من عطاء ربه! فاللهم أعطنا ولا تحرمنا، واللهم استجب لنا ولا تردنا، فأنت خير من أعطى، وأكرم من سئل..
ولعلك تسأل: وماذا أعطى النبي الكريم؟.
لقد أعطى الله النبي الكريم خير ما أعطى عبدا من عباده..
وحسبه أنه خاتم النبيين، وحسبه القرآن الذي كمل به دين الله، وتمت به شريعته، وحسبه الدعوة التي قام عليها، وبلغ بها غايتها، وأقام بها دين الله فى الأرض، وغرس مغارسه فى مشارقها ومغاربها.. وحسبه أن رفع الله
стр. 6826
تعالى ذكره فى العالمين إلى يوم الدين. وحسبه أن أسرى به مولاه إلى السموات العلا، واستضافه فى الملأ الأعلى، وأراه من آيات ربه الكبرى.. «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ، وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ» ..
«أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى، وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى» ..
«وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً»
(١١٣: النساء) .. «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى» ..
هذا بعض ما أعطى الله سبحانه نبيّه الكريم، وإنّ عطية واحدة من هذه العطايا لنملأ الدنيا كلها خيرا وبركة، وتسع الناس جميعا سعادة ورضا! وهذا هو ميزان الرسول الكريم عند ربه، دون الناس جميعا.. وإنه ميزان ليرجح كل ما أعطى الناس من جزيل عطايا الله ومننه..
فكل ما أعطى الناس بعد هذا، أو قبل هذا، من مال وبنين، ومن علم ومعرفة، ومن هدى ونور، وكل ما أصابوا من خير مادى أو معنوى- هو من بعض هذا الذي أعطى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.. فما أعظم هذا الغنى وما أطيبه، وما أبقاه وأخلده.. «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى» (١٣١: طه) وهل يلتفت رسول الله بعد هذا إلى ما عند الناس مما رزقهم الله من مال وبنين؟ وهل يرى شيئا من حطام الدّنيا يجرى مع هذا الذي أعطاه الله، ويأخذ له مكانا فيه؟ وهل تشتهى نفس بين يديها مائدة حافلة بطيب الطعام، وصنوف المآكل، إلى فتات فى مزبلة يتداعى عليها الذباب؟
وقوله تعالى:
«فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ» .
الفاء هنا للسببية، والتعقيب على هذه البشرى المسعدة التي شرح سبحانه
стр. 6827
وتعالى بها صدر النبي الكريم، وملأ قلبه بها سعادة ورضا.. وإذن فليشكر ربّه، وليسبح بحمده، عرفانا بهذا العطاء الجزيل، وتقديرا لقدره..
والصلاة، هى أفضل القربات إلى الله، وأعظم وسائل الزّلفى إليه، والولاء له.. واللام فى قوله تعالى: «لربك» لام الملكية، أي صل الصلاة لله وحده، واجعلها خالصة له سبحانه، لا يدخل عليها شىء من الغفلة، أو الاشتغال بغير الله..
وقوله تعالى: «وانحر» أي أطعم الفقراء والمساكين.. فهذا من الزكاة التي هى أخت الصلاة..
وقد اختلف المفسرون فى هذه الصلاة: أهي صلاة عيد الأضحى، أم هى الصلاة على إطلاقها.. وكذلك اختلفوا فى النحر، وهل هو ما ينحر من الأضاحى، يوم عيد النحر، بعد الصلاة، أم هو النحر إطلاقا؟ والأولى عندنا أن تكون الصلاة مطلقة، لا يراد بها صلاة عيد الأضحى، بل المراد بالأمر بها المداومة عليها ولو كانت صلاة عيد الأضحى، لخفّ فى مقابلها وزن هذا العطاء الجزيل الذي أعطاه الله نبيه، فى قوله تعالى: «إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ» .. فصلاة عيد الأضحى ركعتان لا غير فى كل عام.. ثم إن صلاة العيد هذه ليست فرضا، وإنما هى سنة!! فهل هاتان الركعتان تتوازنان مع هذا العطاء الجزيل، وهل يقومان بواجب الشكر عليه؟
فالمراد بالصلاة إذن هى الصلاة مطلقة فى فرائضها، وسننها.. ونوافلها..
وهى صلاة تكاد تكون مستغرقة معظم الأيام والليالى مدى العمر.. وهذا ما يمكن أن يكون فى مقام الحمد والشكر على ما أعطى النبي الكريم من ربه، هذا العطاء الجليل الكثير، الذي لا حدود له..
وعلى هذا، فالقول بأن المراد بالنحر، هو نحر الأضحية بعد صلاة العيد،
стр. 6828
قول متهافت، وأولى منه أن يراد به مطلق النحر، وأن يراد بمطلق النحر، إطعام الفقراء والمساكين، وأن يراد بإطعام الفقراء والمساكين الزكاة، إذ كان من بعضها ما يطعم منه الفقراء والمساكين.. وعبّر عن إطعامهم بما ينحر من ذبائح، لأن ذلك خير ما يطعمونه إذ كان اللحم هو الطعام الذي يتشهاه الفقراء والمحرمون، ولا يجدون سبيلا إليه، وإن وجدوا السبيل إلى لقمة العيش!! وقوله تعالى:
«إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» .
الشانئ: هو المبغض، والمعادى، والمتجنب لمن يبغضه ويعاديه..
والأبتر: المنقطع عن كل خير، المحروم من كل ما فيه غناء ونقع..
وشانىء النبىّ، هو المكذّب له، الكافر بما يدعو إليه من الإيمان بالله، واليوم الآخر، والعمل الصالح الذي يرضى الله، ويقرّب العبد من رحمته، فيخلص بهذا من عذاب الآخرة، وينجو من أهوالها وشدائدها..
وشانىء النبي، محروم من كل خير، منقطع عن موارد الهدى والنور، فهو إلى ضياع وهلاك، وإلى عذاب جهنم خالدا فيها أبدا.. إن شانىء النبي ومبغضه مصروف عن الإيمان بالله، واليوم الآخر.. وحسبه بهذا هلاكا وضياعا، وحرمانا من كل خير..
هذا هو حظ شانىء النبي ومبغضه، فى كل زمان ومكان.. إنه البعد عن كل خير، والحرمان من كل طيّب، ثم العذاب الأليم فى نار جهنم..
والروايات التي تحدّث عن أن هذه السورة نزلت فى العاص بن وائل، أو عقبة بن أبى معيط، أو أبى جهل، أو أبى لهب، وأنهم كانوا يعيّرون النبي ﷺ بموت ولديه، القاسم، وعبد الله، وأنه لا نسل له غير هما من
стр. 6829
الذكور، وأن عقبه قد بتر وانقطع- هذه الروايات إن دلت على شىء، فإنما تدل على أن نزول هذه السورة الكريمة، كان فى هذا الوقت الذي تتحدث به قريش بهذا الحديث المنكر، وأن ذلك كان مناسبة جاءت فى وقتها، لا أن هذا الحديث كان سببا باعثا لنزولها، إذ كانت محامل السورة أعظم قدرا، وأكبر شأنا، من أن تلتقى مع هذا الحديث عن الولد، وحفظ النسل به، وإن كان ذلك مما تعنزّ به قريش، وتحرص عليه.
(١٠٩) سورة الكافرون
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة الماعون..
عدد آياتها: ست آيات..
عدد كلماتها: ثمان وعشرون كلمة..
عدد حروفها: أربعة وتسعون حرفا..
مناسبتها لما قبلها
الكوثر الذي أعطاه الله النبىّ صلوات الله وسلامه عليه- كان فى مقابله البتر والحرمان من كل خير لمن يشنأ هذا النبي، الذي وضع الله ، الخير كله فى يده.. وهذا مجمل ما تحدثت عنه سورة «الكوثر» وفى سورة «الكافرون» التي تأتى بعد هذه السورة، موقف بين النبي- صلوات الله وسلامه عليه- وما أعطاه الله سبحانه من خير كثير، يفيض من النبع الأعظم، وهو الإيمان بالله- وبين المشركين الذين عزلوا أنفسهم عن هذا الخير، وحرموا أن ينالوا شيئا منه.. وفى هذا الموقف يعلن النبي عن هذا الخير الذي من الله به عليه، وأنه ممسك به، مقيم عليه، لا يصرفه عنه شىء من هذه الدنيا..
فهو لا يعبد غير الله ، ولا يتحول عن عبادته أبدا، ولا ينظر إلى شىء وراءه من مال وبنين!!
стр. 6830
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٦) [سورة الكافرون (١٠٩) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤)
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)
التفسير:
كان مما يلقى به المشركون النبىّ لصرفه عن دعوته- أن يجمعوا له مالا، إن كان يريد مالا، حتى يكون أكثرهم مالا، وأوسعهم غنى، أو يقيموه رئيسا عليهم، إن كان يطمع فى الرياسة، أو يزوجوه أجمل بناتهم، وأكرمهم نسبا، إن كان يرغب فى ذلك.. فلما لم يلقوا من النبي الكريم إلا تساميا عن هذه المطالب الرخيصة، وإلا إعراضا عنها، وأنه لا يتحول عن الدّين الذي يدعو إليه، ولو وضعوا الشمس فى يمينه، والقمر فى يساره! - لمّا لم يجدوا استجابة من النبىّ فى ترك دعوته، جاءوه يعرضون عليه أن يخلطوا دينهم بدينه، وأن يجمعوا بينهما، فيعبدون هم ما يعبده النبىّ إلى جانب ما يعبدون ويعبد هو ما يعبد المشركون إلى جانب معبوده الذي يعبده فإن كان الذي جاء به خيرا مما معهم شاركوه فيه، وأخذوا حظهم منه، وإن كان الذي هم عليه خيرا مما جاء به شاركهم فيه، وأخذ حظه منه.. وبهذا تنقطع أسباب الشقاق، والعداوة، بينهم وبينه، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ» (٦٤: الزمر) ..