تعالى ذكره فى العالمين إلى يوم الدين. وحسبه أن أسرى به مولاه إلى السموات العلا، واستضافه فى الملأ الأعلى، وأراه من آيات ربه الكبرى.. «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ، وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ» ..
«أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى، وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى» ..
«وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً»
(١١٣: النساء) .. «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى» ..
هذا بعض ما أعطى الله سبحانه نبيّه الكريم، وإنّ عطية واحدة من هذه العطايا لنملأ الدنيا كلها خيرا وبركة، وتسع الناس جميعا سعادة ورضا! وهذا هو ميزان الرسول الكريم عند ربه، دون الناس جميعا.. وإنه ميزان ليرجح كل ما أعطى الناس من جزيل عطايا الله ومننه..
فكل ما أعطى الناس بعد هذا، أو قبل هذا، من مال وبنين، ومن علم ومعرفة، ومن هدى ونور، وكل ما أصابوا من خير مادى أو معنوى- هو من بعض هذا الذي أعطى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.. فما أعظم هذا الغنى وما أطيبه، وما أبقاه وأخلده.. «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى» (١٣١: طه) وهل يلتفت رسول الله بعد هذا إلى ما عند الناس مما رزقهم الله من مال وبنين؟ وهل يرى شيئا من حطام الدّنيا يجرى مع هذا الذي أعطاه الله، ويأخذ له مكانا فيه؟ وهل تشتهى نفس بين يديها مائدة حافلة بطيب الطعام، وصنوف المآكل، إلى فتات فى مزبلة يتداعى عليها الذباب؟
وقوله تعالى:
«فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ» .
الفاء هنا للسببية، والتعقيب على هذه البشرى المسعدة التي شرح سبحانه
стр. 6827
وتعالى بها صدر النبي الكريم، وملأ قلبه بها سعادة ورضا.. وإذن فليشكر ربّه، وليسبح بحمده، عرفانا بهذا العطاء الجزيل، وتقديرا لقدره..
والصلاة، هى أفضل القربات إلى الله، وأعظم وسائل الزّلفى إليه، والولاء له.. واللام فى قوله تعالى: «لربك» لام الملكية، أي صل الصلاة لله وحده، واجعلها خالصة له سبحانه، لا يدخل عليها شىء من الغفلة، أو الاشتغال بغير الله..
وقوله تعالى: «وانحر» أي أطعم الفقراء والمساكين.. فهذا من الزكاة التي هى أخت الصلاة..
وقد اختلف المفسرون فى هذه الصلاة: أهي صلاة عيد الأضحى، أم هى الصلاة على إطلاقها.. وكذلك اختلفوا فى النحر، وهل هو ما ينحر من الأضاحى، يوم عيد النحر، بعد الصلاة، أم هو النحر إطلاقا؟ والأولى عندنا أن تكون الصلاة مطلقة، لا يراد بها صلاة عيد الأضحى، بل المراد بالأمر بها المداومة عليها ولو كانت صلاة عيد الأضحى، لخفّ فى مقابلها وزن هذا العطاء الجزيل الذي أعطاه الله نبيه، فى قوله تعالى: «إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ» .. فصلاة عيد الأضحى ركعتان لا غير فى كل عام.. ثم إن صلاة العيد هذه ليست فرضا، وإنما هى سنة!! فهل هاتان الركعتان تتوازنان مع هذا العطاء الجزيل، وهل يقومان بواجب الشكر عليه؟
فالمراد بالصلاة إذن هى الصلاة مطلقة فى فرائضها، وسننها.. ونوافلها..
وهى صلاة تكاد تكون مستغرقة معظم الأيام والليالى مدى العمر.. وهذا ما يمكن أن يكون فى مقام الحمد والشكر على ما أعطى النبي الكريم من ربه، هذا العطاء الجليل الكثير، الذي لا حدود له..
وعلى هذا، فالقول بأن المراد بالنحر، هو نحر الأضحية بعد صلاة العيد،
стр. 6828
قول متهافت، وأولى منه أن يراد به مطلق النحر، وأن يراد بمطلق النحر، إطعام الفقراء والمساكين، وأن يراد بإطعام الفقراء والمساكين الزكاة، إذ كان من بعضها ما يطعم منه الفقراء والمساكين.. وعبّر عن إطعامهم بما ينحر من ذبائح، لأن ذلك خير ما يطعمونه إذ كان اللحم هو الطعام الذي يتشهاه الفقراء والمحرمون، ولا يجدون سبيلا إليه، وإن وجدوا السبيل إلى لقمة العيش!! وقوله تعالى:
«إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» .
الشانئ: هو المبغض، والمعادى، والمتجنب لمن يبغضه ويعاديه..
والأبتر: المنقطع عن كل خير، المحروم من كل ما فيه غناء ونقع..
وشانىء النبىّ، هو المكذّب له، الكافر بما يدعو إليه من الإيمان بالله، واليوم الآخر، والعمل الصالح الذي يرضى الله، ويقرّب العبد من رحمته، فيخلص بهذا من عذاب الآخرة، وينجو من أهوالها وشدائدها..
وشانىء النبي، محروم من كل خير، منقطع عن موارد الهدى والنور، فهو إلى ضياع وهلاك، وإلى عذاب جهنم خالدا فيها أبدا.. إن شانىء النبي ومبغضه مصروف عن الإيمان بالله، واليوم الآخر.. وحسبه بهذا هلاكا وضياعا، وحرمانا من كل خير..
هذا هو حظ شانىء النبي ومبغضه، فى كل زمان ومكان.. إنه البعد عن كل خير، والحرمان من كل طيّب، ثم العذاب الأليم فى نار جهنم..
والروايات التي تحدّث عن أن هذه السورة نزلت فى العاص بن وائل، أو عقبة بن أبى معيط، أو أبى جهل، أو أبى لهب، وأنهم كانوا يعيّرون النبي ﷺ بموت ولديه، القاسم، وعبد الله، وأنه لا نسل له غير هما من
стр. 6829
الذكور، وأن عقبه قد بتر وانقطع- هذه الروايات إن دلت على شىء، فإنما تدل على أن نزول هذه السورة الكريمة، كان فى هذا الوقت الذي تتحدث به قريش بهذا الحديث المنكر، وأن ذلك كان مناسبة جاءت فى وقتها، لا أن هذا الحديث كان سببا باعثا لنزولها، إذ كانت محامل السورة أعظم قدرا، وأكبر شأنا، من أن تلتقى مع هذا الحديث عن الولد، وحفظ النسل به، وإن كان ذلك مما تعنزّ به قريش، وتحرص عليه.
(١٠٩) سورة الكافرون
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة الماعون..
عدد آياتها: ست آيات..
عدد كلماتها: ثمان وعشرون كلمة..
عدد حروفها: أربعة وتسعون حرفا..
مناسبتها لما قبلها
الكوثر الذي أعطاه الله النبىّ صلوات الله وسلامه عليه- كان فى مقابله البتر والحرمان من كل خير لمن يشنأ هذا النبي، الذي وضع الله ، الخير كله فى يده.. وهذا مجمل ما تحدثت عنه سورة «الكوثر» وفى سورة «الكافرون» التي تأتى بعد هذه السورة، موقف بين النبي- صلوات الله وسلامه عليه- وما أعطاه الله سبحانه من خير كثير، يفيض من النبع الأعظم، وهو الإيمان بالله- وبين المشركين الذين عزلوا أنفسهم عن هذا الخير، وحرموا أن ينالوا شيئا منه.. وفى هذا الموقف يعلن النبي عن هذا الخير الذي من الله به عليه، وأنه ممسك به، مقيم عليه، لا يصرفه عنه شىء من هذه الدنيا..
فهو لا يعبد غير الله ، ولا يتحول عن عبادته أبدا، ولا ينظر إلى شىء وراءه من مال وبنين!!
стр. 6830
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٦) [سورة الكافرون (١٠٩) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤)
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)
التفسير:
كان مما يلقى به المشركون النبىّ لصرفه عن دعوته- أن يجمعوا له مالا، إن كان يريد مالا، حتى يكون أكثرهم مالا، وأوسعهم غنى، أو يقيموه رئيسا عليهم، إن كان يطمع فى الرياسة، أو يزوجوه أجمل بناتهم، وأكرمهم نسبا، إن كان يرغب فى ذلك.. فلما لم يلقوا من النبي الكريم إلا تساميا عن هذه المطالب الرخيصة، وإلا إعراضا عنها، وأنه لا يتحول عن الدّين الذي يدعو إليه، ولو وضعوا الشمس فى يمينه، والقمر فى يساره! - لمّا لم يجدوا استجابة من النبىّ فى ترك دعوته، جاءوه يعرضون عليه أن يخلطوا دينهم بدينه، وأن يجمعوا بينهما، فيعبدون هم ما يعبده النبىّ إلى جانب ما يعبدون ويعبد هو ما يعبد المشركون إلى جانب معبوده الذي يعبده فإن كان الذي جاء به خيرا مما معهم شاركوه فيه، وأخذوا حظهم منه، وإن كان الذي هم عليه خيرا مما جاء به شاركهم فيه، وأخذ حظه منه.. وبهذا تنقطع أسباب الشقاق، والعداوة، بينهم وبينه، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ» (٦٤: الزمر) ..
стр. 6831
وهذا من ضلال القوم وسفه أحلامهم، وسوء معتقدهم.. فإن الحق كلّ لا يتجزأ، ولا يتبعّض.. فإما أن يكون ما يعبدون حقا، وإذن فإنّ خلطه بشىء دخيل عليه يغيّر من صورته، ويفسد حقيقته، فلا يكون حقا، ولا يكون باطلا، وإنما هو حق وباطل معا.. وإما أن يكون باطلا، وإذن فلم يمسكون به، ويحرصون عليه؟ .. وإن فى تفريطهم فى معتقدهم على هذا الوجه لدليلا على أنه معتقد فاسد، وأنهم هم أنفسهم لا يجدون فيه ما يقيمهم منه على يقين به، واطمئنان إليه، وأنه من السهل الميسور عندهم أن يبيعوه بالثمن البخس لأول عارض يعرض لهم.
فالمخاطبون من قريش هنا هم الكافرون الذين حكم عليهم بالكفر حكما مؤبّدا، وأنهم لن يؤمنوا أبدا، ولهذا أخذوا هذا الوضع فى سورة خاصة بهم..
قوله تعالى:
«قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ» ..
الكافرون هنا، هم المشركون من قريش..
وقوله تعالى: «لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ» أي أنا لا أعبد المعبودات التي تعبدونها. إن لى معبودا لا أعبد سواه..
وقوله تعالى: «وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ» أي وأنتم لا تعبدون الإله الذي أعبده أنا.. إن لكم آلهة تعبدونها، غير الإله الذي أعبده..
فهناك إذن اختلاف بعيد بينى وبينكم، فى ذات المعبود الذي أعبده، وذوات المعبودات التي تعبدونها. هذا هو حالى وحالكم الآن.. وهذا هو الحكم فيما أعبد، وفيما تعبدون.. وتلك حقيقة لا خلاف بيننا عليها.. أنا لا أعبد
стр. 6832
معبوداتكم، وأنتم لا تعبدون معبودى..
وقوله تعالى:
«وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ» ..
هو تعقيب على هذا الحكم العام المطلق، وينبنى عليه: أننى لا أنا عابد ما عبدتم، فى أي حال من أحوالى، لا حاضرا ولا مستقبلا.. ولا أنتم عابدون فى المستقبل الإله الذي أعبده.. فأنا على ما أنا عليه من عبادة الإله الذي أعبده، لا أتحول عن عبادته، وأنتم على ما أنتم عليه من عبادة ما تعبدون من معبودات لا تتحولون عن عبادتها..
وهذا يعنى أن الذين خوطبوا بهذا الخطاب من المشركين، لم يدخلوا فى الإسلام، ولم يؤمنوا بالله، بل ماتوا على شركهم.. وهذا ما يفهم من قوله تعالى: «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» ففى وصف المشركين بالكفر إشارة إلى أنهم من الذين استبدّ بهم العناد، وركبهم الضلال، فانتقلوا- بدعوة النبىّ لهم إلى الإيمان بالله- انتقلوا من الشرك إلى الكفر الصريح..
يقول الطّبرسى فى تفسيره: يريد (أي بالكافرين) قوما معينين، لأن الألف واللام للعهد..
والقرآن الكريم، حين يلقى رءوس المشركين، ومن غلبت عليه الشّقوة منهم ممن لا يدخلون فى دين الله أبدا- كان يخاطبهم بوصف الكافرين لا المشركين، ومن ذلك قوله تعالى: «إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً. فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً» (١٥- ١٧ الطارق) .. ويقول سبحانه فى أحد رءوس هؤلاء المشركين: «أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا» (٧٧- ٧٩ مريم) ..
(م ١٠٧ التفسير القرآنى- ج ٣٠)
стр. 6833
فهؤلاء المخاطبون بوصف الكفر من المشركين، قد ماتوا على الكفر، وسيلقون جزاء الكافرين فى الآخرة.. إنهم قبل دعوتهم إلى الإسلام كانوا مشركين، فلما لم يستجيبوا لهذه الدعوة انتقلوا من الشرك إلى الكفر.. وكذلك أهل الكتاب، كانوا قبل دعوة النبىّ لهم ضلّالا، فلما دعاهم وأبوا أن يؤمنوا، صاروا كفارا.
وقوله تعالى:
«لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» .
هو فصل الخطاب، ومقطع الأمر فيما بين النبىّ، وهؤلاء الكافرين..
إن لهم دينهم الذي يدينون به ويحاسبون عليه، وهو له دينه الذي يدين به، ويلقى ربه عليه.
«وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ» (٤١: يونس) .
(١١٠) سورة النصر
نزولها: مدنية.. اختلف فى ترتيب نزولها، والرأى عندنا أنها نزلت قبل فتح مكة عدد آياتها: ثلاث آيات عدد كلماتها: ست وعشرون كلمة عدد حروفها: أربعة وسبعون حرفا
مناسبتها لما قبلها
آذن النبي- صلوات الله وسلامه عليه- المشركين فى سورة «الكافرون» التي سبقت هذه السورة- آذانهم بكلمة الفصل بينه وبينهم «لَكُمْ دِينُكُمْ
стр. 6834
وَلِيَ دِينِ»
.. ووراء هذه الكلمة الحاسمة القاطعة، التي أخذ بها النبي طريقه إلى ربه ومعبوده، واتخذ بها المشركون طريقهم إلى آلهتهم ومعبوداتهم- وراء هذه الكلمة تشخص الأبصار إلى مسيرة كلّ من النبي والمشركين الذين أخذوا طريقا غير طريقه، لترى ماذا ينتهى إليه الطريق بكل منهما..
وتختفى عن الأبصار طريق أهل الشرك، وتبتلعهم رمال العواصف الهابّة عليهم من صحراء ضلالهم..
أما الطريق الذي أخذه النبي صلوات الله وسلامه عليه، فها هو ذا النصر العظيم يلقاه عليه، وها هو ذا الفتح المبين ترفرف أعلامه بين يديه، وها هو ذا دين الله الذي يدعو إليه، قد فتحت أبوابه، ودخل الناس فيه أفواجا..
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٣) [سورة النصر (١١٠) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (٣)
التفسير:
قوله تعالى:
«إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً» .
إذا ظرف، شرطىّ، لما يستقبل من الزمان.. وهذا يعنى أن ما بعدها
стр. 6835
لم يتحقق بعد، وهو إذا كان وعدا من الله ، فإن تحققه أمر لا شك فيه، وهو واقع موقع اليقين من المؤمنين قبل أن يتحقق.
ونصر الله والفتح، هو نصر دين الله، بنصر النبي والمؤمنين على المشركين، ومن اجتمعوا معهم على حرب النبىّ والمؤمنين، والوقوف فى وجه دين الله، الذي يدعو إليه رسول الله.. والفتح، هو فتح مكة، التي كان مشركوها هم القوة المحركة لكل عدوان على النبىّ والمؤمنين.. فإذا فتحت كان فتحها هو النصر المبين، والفتح العظيم..
وهذا يعنى أن هذه السورة، نزلت قبل فتح مكة، فكانت من أنباء الغيب، ومن البشريات التي بشر بها النبي والمسلمون، فى وسط هذا الصراع الدائر بينه وبين المشركين..
وتكاد الأخبار التي يرويها المفسرون- تجمع على أن هذه السورة كانت من أواخر ما نزل من القرآن، وأنها نزلت بعد سورة الفتح، وقبيل وفاة النبي صلوات الله وسلامه عليه بأيام، قيل عنها فى أكثر الروايات إنها كانت ثمانين يوما!! وهذا ما نخالفهم فيه.
فالقرآن الكريم صريح فى أن قوله تعالى: «إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً» هو وعد، يتحقق فى زمن مستقبل.. فهذا ما ينطق به صريح النظم القرآنى.. ولن يعدل بنا شىء عن الأخذ بمنطوق الآية الكريمة. ولهذا فإنا نقول- فى ثقة واطمئنان، وفى قطع ويقين: إن هذه السورة نزلت قبل فتح مكة، وفى أشد مواقف النبي حرجا وضيقا، وهو فى مواجهة أهل الشرك والضلال- فكانت مددا من أمداد السماء، وزادا من عند الله، يتزود به النبي وأصحابه، فيما امتحنوا به فى أنفسهم
стр. 6836
وأموالهم.. إنها طاقة من النور السماوي، فى وسط هذا الظلام الكثيف، يرى المؤمنون على ضوئها وجه المستقبل المشرق، الذي وعدهم الله فيه بالنصر، والفتح! وقوله تعالى: «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً» .
والتسبيح أولا، لأنه المطلوب فى مقام الشكر، على هذه النعمة العظيمة، بالنصر والفتح.. ثم الاستغفار ثانيا، مما وقع من تقصير فى حق الله على مسيرة الجهاد، حتى جاء يوم النصر، والفتح..
فعلى مسيرة الجهاد، وفى أوقات الشدة والضيق، وفى مواقع الهزيمة، وفقد الأحباب والأعزاء، تتغير مواقف المجاهدين، وتحوم حول مشاعرهم خواطر تهز إيمانهم، على درجات مختلفة، حسب ما فى النفوس من إيمان، وما فى القلوب من يقين..
فالنفس البشرية- أيا كانت من وثاقة الإيمان بالله- تعرض لها فى الشدائد والمحن، عوارض، من الخواطر، والتصورات، لا ترضاها لدينها، وإيمانها بربها فى ساعة اليسر، وفى أوقات السلام والأمن.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا» (١١٠: يوسف) وقوله تعالى عن النبي وأصحابه: «وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ: مَتى نَصْرُ اللَّهِ؟» (٢١٤: البقرة) ويقول سبحانه عن المؤمنين فى غزوة الأحزاب: «إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا» (١٠: الأحزاب) - وقد صرح المنافقون والذين فى قلوبهم مرض من المؤمنين- صرحوا عن ظنونهم بالله يومئذ، فقالوا ما ذكره الله تعالى عنهم من قولهم: «ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً» (١٢: الأحزاب) .
стр. 6837
فدعوة النبي إلى الاستغفار، هى دعوة له، وللمؤمنين معه- من باب أولى- إلى لقاء الله تعالى تائبين مستغفرين، بعد أن يتم الله عليهم نعمة النصر والفتح، ويبلغ بهم منزل السلامة والأمن.. وإنه ليس فى هذا الاستغفار إلا مراجعة لما وقع فى النفوس من ظنون بالله عند بعض المؤمنين، أو ضجر من الصبر على البلاء عند بعض آخر، أو شعور بشىء من الأسى والحزن عند فريق ثالث..
وهكذا وذلك فى مسيرتهم على طريق الضرّ والأذى، إلى أن لقيهم نصر الله والفتح.
وقوله تعالى: «إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً» أي كثير التوبة على عباده، واسع المغفرة لذنوبهم.. وفى المبالغة فى التوبة دلالة على كثرتها، والدلالة على كثرتها، دلالة على كثرة ذنوب العباد، وما وقع لهم فى مسيرتهم على الجهاد، مما ينبغى أن يتطهر منه المجاهدون، وأن يصفّو حسابهم معه بالتوبة والاستغفار، بعد أن رأوا ما رأوا من قدرة الله، ومن إحسانه وفضله عليهم.. وهذا مثل قوله تعالى: «لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» (١١٧: التوبة)
(١١١) سورة المسد
نزولها: نزلت بمكة.. بعد الفاتحة..
عدد آياتها: خمس آيات..
عدد كلماتها: ثلاث وعشرون كلمة..
عدد حروفها: سبعة وسبعون حرفا..
مناسبتها لما قبلها
كانت سورة «النصر» - كما قلنا- مددا من أمداد السماء، تحمل بين يديها هذه البشريات المسعدة للنبىّ وللمؤمنين، وتريهم رأى العين عزّة
стр. 6838
الإسلام، وغلبته، وتخلع عليهم حلل النصر، وتعقد على جبينهم إكليل الفوز والظفر.
وتحت سنابك خيل الإسلام المعقود بنواصيها النصر، والتي هى على وعد من الله به- حطام هذا الطاغية العنيد الذي يمثّل ضلال المشركين كلّهم، ويجمع فى كيانه وحده، سفههم، وعنادهم، وما كادوا به للنبىّ والمؤمنين..
إنه أبو لهب.. وامرأته حمالة الحطب..
[سورة اللهب.. ونظمها] بسم الله الرّحمن الرّحيم
الآيات: (١- ٥) [سورة المسد (١١١) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)
فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)
التفسير:
«أبو لهب» - كما أشرنا من قبل، كان أبرز معلم من معالم الجاهلية، التي واجهتها الدعوة الإسلامية، بما كان عليه هذا الجهول من طيش طاغ، وضلال مبين..
ومع أنه كان عمّ النبي ﷺ ، وكان مما تقضى به التقاليد العربية الجاهلية الانتصار للقريب، ظالما أو مظلوما، كما كان ذلك شأنهم-
стр. 6839
فإن هذا الشقي كان من أسفه السفهاء على النبي، وأشدهم عدوانا عليه، وأكثرهم أذى له، حتى إنه- وعلى غير تقاليد الجاهلية- يدخل معه امرأته فى هذه العداوة، ويجرها جرّا إلى تلك المعركة التي يخوضها ضد النبىّ، ولهذا كان لرجل الوحيد من قريش الذي ذكره القرآن باسمه، وأعلن فى العالمين عداوته لله، وغضب الله عليه، ووقوع بأسه وعذابه به، وذلك ليكون لعنة على كل لسان إلى يوم الدين، لا يذكر اسمه إلا ذكر مدموغا باللعنة، مرجوما بالشماتة والازدراء، تتبعه امرأته مشدودة إليه بحبل من مسد، كما كانت مشدودة إليه فى الدنيا بحبل عداوتهما للنبى، وحسدهما له..
وقوله تعالى:
«تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ» .
التب: القطع للشىء.. وهو كالبت.. ولفظه يدل على القطع والحسم، ويحكى الصوت الذي يحدث عند فصل الشيء عن الشيء..
والمفسرون مجمعون على أن هذا دعاء على أبى لهب من الله ، بقطع يديه، أي قطع القوى العاملة فيه، الممكّنة له من الشر والعدوان، وهما يداه اللتان يبطش بهما، إذ كان اليد دائما هى مظهر آثار الإنسان، بها يأخذ، وبها يعطى.. فإذا ذهبت اليد اليمنى، قامت اليسرى مقامها، فإذا ذهبت اليدان أصبح الإنسان معطل الحركة، عاجزا عن أن يحصّل خيرا، أو يتناول خيرا، أشبه بالطائر الذي فقد جناحيه، إنه هالك لا محالة، ولهذا جاء بعد ذلك قوله تعالى: «وتب» أي هلك هو، بعد أن قطعت يداه..
والرأى عندنا- والله أعلم- أن هذا الخبر على حقيقته، وأنه خبر مطلق، لم يخرج عن حقيقته إلى الدعاء.. فأبو لهب قد وقع عليه الهلاك فعلا، وحل به البلاء منذ اتخذ من النبي، ومن الدعوة الإسلامية، هذا الموقف الأثيم الضال..
стр. 6840
لقد ركب الطريق الذي لا نجاة لسالكه، ولا سلامة لسائر فيه، وكذلك امرأته التي ركبت معه هذا الطريق، وعلقت فيه حبالها بحباله..
والإخبار بالماضي عما لم يقع بعد، إشارة تحقق وقوعه، وأنه وإن لم يقع فهو فى حكم الواقع، إذ تقدمته أسبابه، وقامت علله، التي تدفع به دفعا إلى الواقع المحتوم.. وفى هذا الخبر إلفات للأنظار إلى هذا الطاغية الأثيم، وهو يلبس رداء الهلاك والضياع، على حين لا يزال شبحا يتحرك بين الناس.. إنه أشبه بالمحكوم عليه بالموت، ينتظر ساعة التنفيذ فيه!! وقوله تعالى:
«ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ» .
هو تعقيب على هذا الخبر، فقد هلك أبو لهب، ونزل به ما نزل من هوان وخسران، دون أن ينفعه هذا المال الذي جمعه، واعتز به، ولا هؤلاء الأبناء الذين اشتد ظهره بهم.. لقد تخلى عنه ماله وولده جميعا، وتركوه لمصيره الذي هو صائر إليه.. إنه فى قيد الهلاك وهو بين أيديهم.. فهل يستطيع أحد أن يمد يده إلى نجاته؟ إنه بين مخالب عقاب محلق به فى السماء.. إن سقط من بين مخالبه هلك، وإن مضى به هلك!! وما كسبه أبو لهب، هو أولاده، لأن الولد من كسب أبيه، ومن تثميره، كما يقول النابغة الذبياني.
مهلا فداء لك الأقوام كلّهم ... وما أثمر من مال ومن ولد
قيل إن أبا لهب قد أصيب بداء يسمى العدسة- ولعله الطاعون- وكانت العرب تخشى هذا الداء، وتتحاشى المصاب به، وكان ذلك بعد غزوة بدر ببضعة أيام، فلما مات بدائه هذا، لم يقترب أحد من أبنائه لمواراته فى التراب، خوفا من
стр. 6841
هذا الداء، بل ألقوا عليه الحجارة من بعيد حتى أخفوا جثته، وكأنهم يرجمونه، ويشيعونه بهذه الرجوم، وهم يذرفون الدمع الحزين عليه!! وقوله تعالى:
«سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ» ..
هذا وعيد من الله لما سيلقى أبو لهب فى الآخرة، بعد أن عرف مصيره فى الدنيا، وأن كل ما كان يكيد به للنبى، قد ردت سهامه إليه، فرأى بعينيه فى الدنيا، كيف حلت الهزيمة بقريش يوم بدر، وكيف قتل صناديدها، وأسر زعماؤها..
وفى وصف النار بأنها ذات لهب، إشارة إلى شؤم هذا الاسم الذي تسمى به، أو الكنية التي تكنّى بها «أبو لهب» .. فقد ولد، وهو يلبس هذا الثوب الناري، الذي جعل منه وقودا يشتعل، ويتلهب، وكأنه شارة من شارات جهنم ذات اللهب التي يلقاها فى الآخرة، ويصلى جحيمها.. إنه من لهب، وإلى اللهب..
وقوله تعالى:
«وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ» ..
معطوف على فاعل «سيصلى» أي سيصلى هو نارا ذات لهب، وستصلى امرأته معه هذا النار، ذات اللهب..
وقوله تعالى: «حَمَّالَةَ الْحَطَبِ» منصوب على الذّم، بفعل محذوف قصد به التخصيص للصفة الغالبة عليها، وتقديره: أعنى، أو أقصد.. حمالة الحطب.
و «حَمَّالَةَ الْحَطَبِ» أي حمالة الفتنة، التي تؤجج بها نار العداوة، وتسعى بها بين الناس، لتثير النفوس على النبي، وتهيج عداوة المشركين له.. فقد كانت
стр. 6842
امرأة أبى لهب- واسمها أم جميل بنت حرب، أخت أبى سفيان- كانت أشدّ نساء قريش عداوة للنبى، وسلاطة لسان، وسوء قالة فيه، كما كان ذلك شأن زوجها أبى لهب من بين مشركى قريش كلهم.. وهكذا تتآلف النفوس الخبيثة، وتنزاوج، وتتوافق، وتتجاذب! وقيل حمالة الحطب: أي حمالة الذنوب، التي أشبه بالحطب الذي يتخذ وقودا، والذي يتعرض لأية شرارة تعلق به فتأنى على كل ما اتصل من أثاث وغيره، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ» (٣١: الأنعام) .
وانظر إلى الإعجاز القرآنى فى وصف امرأة أبى لهب، وسعيها بالفتنة، وإغراء الصدور على النبي- بأنها حمالة الحطب.. فهذا الحطب الذي تحمله، مع مجاورته للهب الذي هو كيان زوجها كله، لا بد أن يشتعل يوما، وقد كان..
فأصبح الرجل وزوجه وقودا لنار جهنم..
وانظر مرة أخرى إلى هذا الإعجاز فى التفرقة بين «أبى لهب» وحمالة الحطب.. إنه هو الذي أوقد فيها هذه النار، بما تطاير من شرره إلى هذا الحطب الذي تحمله، وهو الذي أوقع بها هذا البلاء.. إنها كانت تحمل حطبا، وحسب.. وهذا الحطب- وإن كان من وقود النار- إلا أنه قد يسلم منها، لو لم يخالطها، ويعلق بها.. وأما وقد خالطها «أبو لهب» فلا بد أن تشتعل، وتحترق! وقوله تعالى: «فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ» .
الجيد: العنق، والجيد من محاسن المرأة، وسمى جيدا من الجودة، وفيه تضع المرأة أجمل ما تنزين به من حلى وجواهر..
والمسد: الليف، أو ما يشبهه، مما تتخذ منه الحبال..
وفى تعليق هذا الحبل فى جيد أم جميل، تصوير بليغ معجز لشناعة هذه المرأة، وفى تشويه خلقها.. فما أبشع «جيد» امرأة كان من شأنه أن يتحلى
стр. 6843
بعقد من كريم الجواهر، يشدّ إليه حبل من ليف.. إنه إهانة لعزيز، وإذلال لكريم.. وإن الإهانة للعزيز، والإذلال للكريم، لأقتل للنفس، وأنكى للقلب، من إهانة المهين، وإذلال الذليل! فكلمة «جيد» هنا مقصودة لذاتها، إنه يراد بها ما لا يراد بلفظ رقبة، أو عنق.. إنها تنزل امرأة من عقائل قريش، ومن بيوتاتها المعدودة فيها، لتلقى بها فى عرض الطريق، وهى تحمل على ظهرها حزم الحطب، وتشدها إلى جيدها بحبل من ليف!! ولهذا فزعت المرأة، وولولت حين سمعت هذا الوصف الذي وصفها القرآن الكريم به، فخرجت- كما يقول الرواة- فى جنون مسعور، تستعدى قريشا على النبي الذي هجاها- كما تزعم- هذا الهجاء الفاضح، وعرضها عارية على الملأ! وحق للمرأة أن تفزع وأن نجنّ، فلقد كانت هذه الصورة التي رسمها القرآن لها، وعرضها هذا العرض المذل المهين لها، حديث قريش- نسائها ورجالها- ومادة تندرها، ومعابثها، زمنا طويلا..
وأكثر من هذا..
فإن النظم الذي جاءت عليه السورة الكريمة، قد جاء فى صورة تغرى بأن تكون أغنية يتغنى بها الولدان، ويحدو بها الركبان، ويتناشد بها الرعاة..
إنها تصلح أن تكون- فى نظمها- غناء، أو نشيدا، أو حداء.. ولا نحسب إلا أنها كانت، بعد أيام قليلة من نزولها، نشيدا مرددا فى طرقات مكة، على ألسنة الصبيان، وفى البوادي على أفواه الرعاة، والحداة، وأنها قد أخذت صورا وأشكالا من الأوزان، والأنغام، التي تولدت من نظمها العجيب المعجز..
стр. 6844
أنظر..
ألا يمكن أن تنشد هكذا:
تبت يدا أبى لهب/ وتبّا ما أغنى عنه ماله/ وما كسبا سيصلى نارا/ ذات لهب وامرأته/ حمالة الحطب فى جيدها/ حبل من مسد ثم ألا يمكن أن تكون صوت حداء.. هكذا..
تبت يدا أبى لهب وتب ... ما أغنى عنه ماله وما كسب
سيصلى نارا ذات لهب ... وامرأته حمالة الحطب
فى جيدها حبل من مسد؟
ثم ألا يمكن أن تكون نشيد رعاة.. هكذا:
تبّت يدا/ أبى لهب/ وتب ما أغنى عنه/ ماله/ وما كسب سيصلى/ نارا/ ذات لهب وامرأته/ حمالة/ الحطب فى جيدها/ حبل/ من مسد؟
وهكذا، يمكن أن تتوالد منها الصور، وتتعدد! وفى الإخبار عن أبى لهب وامرأته بأنهم من أهل النار، وفى مواجهتهم بهذا الخبر، ثم موتهم بعد هذا على الكفر- فى هذا إعجاز من إعجاز القرآن، الذي ساق أبا لهب وامرأته إلى النار وهما حيان يرزقان.. ولو أن أبا لهب آمن بالله- ولو حتى عن نفاق- لأقام حجة قاطعة على كذب النبي، وافتراء ما جاء
стр. 6845
به، لأن النار التي توعدها الله إنما هى لكفره، فلو أعلن الإيمان لما كان لهذا الوعيد حجة عليه، بل كان حجة على القرآن بأنه مفترى. ولكن أنّى يكون هذا، وقد قضى الله بعذابه فى جهنم، ونزل القرآن بالخبر القاطع بهذا؟
إنها كلمة واحدة كانت تخرج من فم أبى لهب أو امرأته، بإعلان إسلامهما، فيقضى بها على محمد ودعوته.. وهذه معجزة متحدية من معجزات القرآن، الذي أمسك لسان الرجل والمرأة عن أن ينطقا بهذه الكلمة، بكلمة الإسلام، فى أوضح صورة، وأكملها وأصرحها، كما جاءت بها سورة «الإخلاص» .
وتلك شهادة قائمة على الدهر، بأن هذا القرآن كلام الله، وأنه الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
(١١٢) سورة الإخلاص
«وتسمى سورة التوحيد» نزولها: نزلت بمكة.. بعد الناس.
عدد آياتها: أربع آيات.
عدد كلماتها: إحدى عشرة كلمة.
عدد حروفها: سبعة وأربعون حرفا.
مناسبتها لما قبلها
كانت عداوة أبى لهب وزوجه للنبىّ، ممثلة فى عداوتهما لدعوة التوحيد التي كانت عنوان رسالة النبىّ، صلوات الله وسلامه عليه، وكلمته الأولى إلى قومه..
стр. 6846
وقد ساقت هذه الكلمة أبا لهب وزوجه، ومن تبعهما فى جحود هذه الكلمة، والتنكر لها- ساقتهم إلى هذا البلاء الذي لقياه فى الدنيا، وإلى هذا العذاب الأليم فى جهنم المرصودة لهما فى الآخرة..
وسورة «الإخلاص» وما تحمل من إقرار بإخلاص وحدانية الله من كل شرك- هى مركب النجاة لمن أراد أن ينجو بنفسه من هذا البلاء، وأن يخرج من تلك السفينة الغارقة التي ركبها أبو لهب وزوجه، ومن اتخذ سبيله معهما من مشركى قريش ومشركاتها.. وها هوذ النبي الكريم، يؤذّن فى القوم، بسورة الإخلاص، ومركب الخلاص.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٤) [سورة الإخلاص (١١٢) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤)
التفسير:
قوله تعالى:
«قُلْ» أمر من الله للنبى بالقول، قولا مطلقا..
وماذا يقول؟.
يقول «هُوَ» ! ومن هو هذا الطلق أيضا، الذي لا تحدّه حدود، ولا تقيده قيود؟
- «اللَّهُ أَحَدٌ» !.
стр. 6847
ولفظ الجلالة- «الله» - من الألوهة، وهو اسم الذات، الجامع لأسماء الله تعالى وصفاته كلّها..
و «أحد» صفة لله سبحانه، بمعنى الأحد معرفا بأل، لأنه فى مقابل:
«اللَّهُ الصَّمَدُ» فأحد، وأن كان نكرة لفظا، هو معرفة دلالة ومعنى، لأنه إذ قيل «أحد» لم ينصرف الذهن إلى غيره، فإذا قيل «أحد» كان معناه الأحد، الذي ليس وراءه ثان أو ثالث، أو رابع..
فاستغنى بهذا عن التعريف، لأن التعريف إنما يراد به الدلالة على المعرّف دون أفراد جنسه المشاركة له، فإذا انحصر الجنس كله فى فرد واحد، لم يكن ثمة داعية إلى تعريفه، إذ كان أعرف من أن يعرّف.
فالله، هو الأحد، الذي لا يشاركه فى هذا الوصف موصوف.. فالأحدية هى الصفة التي لا يشارك الله سبحانه فيها أحد، كما أن «الله» هو اسم الذات الذي لا يسمّى به أحد سواه.
والأحديّة هى الصفة التي تناسب الألوهة، وهى الصفة التي تناسب كل صفة من صفات الله سبحانه..
فالله- سبحانه- واحد فى ذاته، واحد فى صفاته..
فالكريم، هو الله وحده، والرحيم هو الله وحده، والرحمن هو الله وحده، والغفور هو الله وحده، والشّكور هو الله وحده، والعليم هو الله وحده.. وهكذا، كل صفة من صفات الكمال، قد تفردّ بها الله- سبحانه- وحده، لا ينازعه فيها أحد..
وفى وصف الله بأحد، دون واحد، تحقيق لمعنى التفرّد، لأن الأحد لا يتعدد، على حين أن الواحد يتعدد، باثنين، وثلاثة، وأربعة، إلى ما لا نهاية من الأعداد..
стр. 6848
يقول الإمام «الطبرسي» فى تفسيره [مجمع البيان فى تفسير القرآن] :
«قيل إنما قال «أحد» ولم يقل «واحد» لأن الواحد يدخل فى الحساب، ويضمّ إليه آخر.. وأما الأحد فهو الذي لا يتجزأ، ولا ينقسم فى ذاته، ولا فى معنى صفاته، ويجوز أن يجعل للواحد ثان، ولا يجوز أن يجعل للأحد ثان..
لأن الأحد يستوعب جنسه، بخلاف الواحد.. ألا ترى أنك لو قلت فلان لا يقاومه واحد، جاز أن يقاومه اثنان، وإذا قلت: لا يقاومه أحد لم يجز أن يقاومه اثنان، ولا أكثر.. فهو أبلغ..»
ويقول الطبرسي:
قال الإمام الباقر: «الله» : معناه المعبود الذي أله الخلق عن إدراك ماهيته، والإحاطة بكيفيته، وتقول العرب: أله الرجل إذا تحيّر فى الشيء فلم يحط به علما، ودله، إذا فزع..» فمعنى قوله «الله أحد» أي المعبود الذي يأله الخلق عن إدراكه، والإحاطة بكيفيته.. وهو فرد بألوهيته، متعال عن صفات خلقه..
وقوله تعالى:
«اللَّهُ الصَّمَدُ» ..
اختلف فى معنى الصمد، وكل ما قيل فى معناه يرجع إلى تمجيد الله سبحانه وتعظيمه، وتفرده بالخلق والأمر..
وفى تعريف طرفى الجملة، إفادة لمعنى الحصر، أي حصر الصمدية فى الله وحده..
قيل إن أهل البصرة، كتبوا إلى الإمام الحسين، رضى الله عنه يسألون عن معنى «الصمد» ، فكتب إليهم بقول:
(م ١٠٨- التفسير القرآنى ج ٣٠)
стр. 6849
«أما بعد، فلا تخوضوا فى القرآن، ولا تجادلوا فيه، ولا تكلّموا فيه بغير علم، فقد سمعت جدّى رسول الله ﷺ يقول: «من قال فى القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» وإن الله قد فسر سبحانه الصمد، فقال: «لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» ..
وقوله تعالى:
«لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ» .
أي أنه سبحانه منزه عن أن يكون له ولد، لأن الولد يدلّ على والد، والوالد هو مولود لوالد. وهكذا فى سلسلة لا تنتهى. ثم إن الولد يماثل الوالد، وقد يفوقه، ويربى عليه، فى قوته، وعلمه..
يقول الإمام الطبرسي فى معنى «لم يلد» : أي لم يخرج منه شىء كثيف، كالولد، ولا سائر الأشياء الكثيفة التي تخرج من المخلوقين، ولا شىء لطيف كالنّفس، ولا تنبعث منه البدوات، كالسّنة والنوم، والخطرة والغم، والحزن والبهجة، والضحك والبكاء، والخوف والرجاء، والرغبة والسآمة، والجوع والشّبع، تعالى أن يخرج منه شىء، وأن يتولد منه شىء.. كثيف أو لطيف» .
وفى قوله تعالى: «وَلَمْ يُولَدْ» يقول الطبرسي أيضا: «أي ولم يتولد هو من شىء، ولم يخرج من شىء، كما تخرج الأشياء الكثيفة من عناصرها، كالشىء من الشيء، والدابة، والنبات من النبات، والماء من الينابيع، والثمار من الأشجار.. ولا كما تخرج الأشياء اللطيفة من مراكزها، كالبصر من العين، والسمع من الأذن، والشم من الأنف، والذوق من الفم، والكلام من اللسان، والمعرفة والتمييز من القلب، والنار من الحجر.. لا، بل هو الله «الصمد» الذي لا من شىء، ولا فى شىء، ولا على شىء.. مبدع الأشياء وخالقها، ومنشىء
стр. 6850
الأشياء بقدرته.. فذلكم الله الصمد الذي لم يلد ولم يولد، عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ..»
ويروى أن الإمام عليا- كرم الله وجهه- سئل عن تفسير هذه السورة، فقال: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» بلا تأويل عدد.. «الصمد» بلا تبعيض بدد..
«لم يلد» فيكون موروثا هالكا «ولم يولد» فيكون إلها مشاركا «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» من خلقه.
وقوله تعالى:
«وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» .
كفء الشيء: عديله، ومماثله، قيمة، ووزنا، وقدرا.
فالله ، متعال عن الشبيه، والنظير، والكفء والمثيل.. وهذا ما ينفى عن الله أن يلد، وأن يولد، لأن التوالد إنما يكون بين الأشباه والنظائر، وإذ قد انتفى عن أن يكون لله سبحانه شبيه أو نظير، فقد انتفى عنه أن يكون والدا، وأن يكون مولودا.. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا..
стр. 6851
(١١٣) سورة الفلق
نزولها: مكية، وفى بعض الأقوال أنها مدنية..
عدد آياتها: خمس آيات.
عدد كلماتها: ثلاث وعشرون كلمة.
عدد حروفها: أربعة وسبعون حرفا.
مناسبتها لما قبلها
تقرر فى سورة «الإخلاص» ما ينبغى أن يكون عليه مفهوم المخلوقين للخالق ، من تفرده بالألوهية، وتنزيهه أن يكون والدا أو مولودا، وعن أن تكون له نسبة إلى المخلوقات، إلا نسبة الدلالة على قدرته وحكمته، وعلمه، وأنها جميعها مفتقرة إليه فى وجودها، وفى بقائها، وأنه سبحانه لا مثيل له، ولا شبيه، ولا كفء ولا ندّ..
هذا ما أمر الله سبحانه النبي أن يؤمن به أولا، ثم أن يؤذن به فى الناس..
ثم جاءت بعد هذا سورتا المعوذتين، «الفلق» و «الناس» تقرران هذه الحقيقة، وتؤكدانها فى مجال التطبيق العملي لآثارها، وذلك بدعوة النبىّ والناس جميعا أن يعوذوا بربهم، وأن يستظلوا بحمى ربوبيته من كل ما يسوءهم، أو ما يتوقع أن يعرض له بسوء، فذلك هو الإيمان بالله سبحانه، والإقرار بسلطانه القائم على هذا الوجود، وأنه وحده الذي تتجه الوجوه كلها إليه فى السراء والضراء.. فهو سبحانه القادر على كل شىء، وهو سبحانه الذي بيده مقاليد كل شىء.. أما المخلوقون فهم جميعا على سواء فى الحاجة إلى الله، وفى الافتقار إليه، غنيهم وفقيرهم، قويهم وضعيفهم: «يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ
стр. 6852
إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ»
«إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» ..
وقد صدّرت سورة الإخلاص، والمعوذتين بعدها، بقوله تعالى: «قل» وهذا الأمر بالقول داخل فى مقول القول الذي يقوله النبي، ويقوله كل من يتأسّون به، فمطلوب من النبي، ومن المؤمنين أن يقولوا: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ..
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ.. قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ» .. فهذا الأمر بالقول، هو قرآن متعبد به، وهو يعنى أن القرآن كلمات الله، وأنه لا تبديل لكلمات الله، وأن هذه الكلمات قد انطبعت فى قلب النبىّ صلوات الله وسلامه عليه، فهو يقرؤها من كتاب قلبه كما أنزلت عليه، دون تبديل فيها.. فإذا قيل له- صلوات الله وسلامه عليه: «قُلْ سُبْحانَ رَبِّي» .. قال: «قُلْ سُبْحانَ رَبِّي» ..
وإذا قيل له «قُلْ: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ» قال: «قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ» وإذا قيل له: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ» ؟
قال: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ..» وهكذا.
وقد عرضنا هذا الموضوع فى مبحث خاص، عند تفسير سورة «الجن» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٥) [سورة الفلق (١١٣) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)
وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥)
стр. 6853
التفسير:
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ... ) .
الفلق: جميع الخلق، لأن كل مخلوق يتولد من غيره، وينفلق عنه، كما تنفلق الحبّة عن الشجرة، والكمّ عن الزّهرة، والزّهرة عن الثمرة، والرّحم عن الجنين.. وهكذا مما نعلم من المخلوقات.. ومنه قوله تعالى:
«إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى» وقوله تعالى: «فالِقُ الْإِصْباحِ» لأن الإصباح يخرج من أحشاء الظلام، كما يخرج الجنين من رحم الأمّ.
والاستعاذة: التعوذ، واللّجأ إلى من يستعاذ به طلبا للحماية، ودفعا للسوء، والمكروه.
والغاسق: اللّيل وظلامه المائج فيه.. والغسق ظلمة الليل..
وأصل الغسق، السّيلان، والتدفق، يقال غسقت القرحة إذا جرى صديدها وتدفق، ومنه «الغسّاق» وهو صديد أهل النار.
والوقوب، والوقب: الدخول، ومنه النّقرة، لأنه يدخل فيها غيرها من الأشياء، والغاسق إذا وقب، أي الليل إذا هجم، ودخل على النهار فأجلاه عن مكانه.
والنفاثات: من النّفث، وهو النّفخ بالفم فى الشيء.. وهو جمع نفّاثة مبالغة فى النّفث، أي كثير النّفث، مثل علّامة، وفهّامة.. ويجوز أن يكون جمع مؤنث..
والعقد: جمع عقدة، وهى ما يعقد بها على الشيء، لربطه، وإحكامه، ومنه اليمين المنعقدة، وهى التي تقع عن نية وقصد، ومنه عقد البيع الذي يتم بين المتبايعين، وعقدة النكاح التي تتمّ بين الزوجين.
وقوله تعالى:
«قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ» .
стр. 6854
الخطاب للنبىّ ﷺ ، ولكل متابع له، مستجيب لدعوته..
أي اجعل- أيها النبىّ- عيادك، ولجأك متعلّقا بربّ المخلوقات، مقصورا عليه وحده.
والعياذ، إنما يكون من الشرور، والمكاره، التي يلقاها الإنسان على طريق حياته، وهى تتوارد على الإنسان من المخلوقات، سواء أكانت من عالم الأحياء أو غير الأحياء،، وسواء أكانت منظورة، معلومة، أو خفية مجهولة.. ولهذا جاء قوله تعالى:
«مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ» .
فهذا هو المستعاذ بالله من شرّه، وهو المخلوقات على إطلاقها.
والمخلوقات كلها لله سبحانه، وهى من صنعة يده، وهو وحده سبحانه القادر على دفع شرّها، وردّ بأسها، سواء أكانت من قوى الطبيعة، أو من الحيوان أو الإنسان..
وليست المخلوقات شرّا. وإنما هى خير فى ذاتها، وفى نظام الوجود العام، الذي يأخذ فيه كل مخلوق مكانه من بنائه، ولو أخلى مكانه لاختلّ نظام الوجود واضطربت مسيرته.
ومن جهة نظر الإنسان إلى المخلوقات، فإنه ليس كل المخلوقات شرّا، بل إن معظمها هو خير، يعيش فيه، وبنعم به، وحتى ما يراه هو من بعض المخلوقات شرّا خالصا، ليس بالشرّ الخالص، وأنه لو أنعم النظر فيه لوجد بعض الخير قائما إلى جانب هذا الشر.. فالمخلوقات خيرها كثير، وشرها بالإضافة إلى الإنسان فى ذاته، قليل.
فالمستعاذ منه هو هذا الشر القليل إلى جانب الخير الكثير، والمراد
стр. 6855
بالاستعاذة من هذا الشر، هو أن يلقى الإنسان المخلوقات فى خيرها الخالص، دون شرها، الذي يستعيذ بالله منه.
وقد يكون للإنسان، أو الحيوان حيلة فى دفع بعض الشرّ، فليحتل حيلته، وليبذل وسعه، ولكن هذا لا يمنع الإنسان العاقل من أن يجعل معاذه هو الله سبحانه، كما أن معاذه بالله، لا يحمله على تعطيل ملكانه وقواه، فنلك وسائل أودعها الخالق جلّ وعلا فيه، وهى داخلة فى الاستعاذة بالله، واللّجأ إليه.. فما يملكه الإنسان من قدرات على دفع ما يدفع به من شرور، ومكاره، هى أسلحة من عند الله سلّحه بها، فلا يعظلها، وليذكر فضل المنعم بها عليه، فإنها عند المؤمن استعاذة بالله.
وليس الشرّ المستعاذ بالله منه، هو شرّ فى ذاته، لأن الله سبحانه ما خلق شرّا، وإنما هو شرّ إضافىّ، أو نسبىّ، وذلك بالإضافة إلى من وقع عليه، والذي يعدّه شرّا بالنسبة له هو، ولكنه فى النظام العام للوجود، هو خير مطلق، كما قلنا.
وأما الشر المستعاذ به، فهو شر يقع من احتكاك الموجودات بعضها ببعض، أشبه بالشرر المتطاير من احتكاك الزناد بالصّوان، بل هو أشبه بآلام المخاض لميلاد حياة متجددة فى الحياة! فالإنسان فى ذاته يشعر بآلام المرض، والجوع، ويجد لذعة الحرمان والفقر، ومرارة فقد الأحباب والأعزاء، وخيبة الآمال، وضياع الفرص- إلى غير ذلك مما يساء به الإنسان، ويألم منه، ويعده شرا مقيسا بمقياس ذاته. مضبوطا على تلقيات مشاعره له، وإحساسه به.. وهذا كله غير منكور، ومن حقّ الإنسان أن يلجأ إلى حمى ربه، وأن يستعيذ به، وأن يطلب منه اللطف والعافية..
стр. 6856
والمستعيذ بالله اللّاجئ إلى حماه، عن إيمان وثيق، وعن معرفة تامة، بما لله ، من علم، وحكمة، وقدرة، وسلطان- يجد نفسه دائما فى هذا الحمى العزيز الذي لا ينال، وتحت ظل هذا السلطان القوى الذي لا يغلب، وأن هذه الشرور التي استعاذ بربه منها، قد انصرفت عنه جملة، أو خفّت وطأتها، وذلك حين يعيد النظر فى هذه الشرور على ضوء هذه المشاعر الجديدة التي لقى بها ربه، وفوض إليه فهيا أمره- فيرى كثيرا من هذه الشرور أوهاما وتخيلات، كما يرى كثير منها أقرب إلى الخير منها إلى الشر، ثم ما كان منها شرّا خالصا- فى تقديره- يصبح فى ظل التفويض لله، والتسليم لحكمه، مستساغ الطعم، خفيف الحمل، لما يرى من حسن المثوبة عند الله، على ما أصابه، وصبر عليه، محتسبا عند الله أجره «١» ..
قوله تعالى:
«وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ» .
فى لآية السابقة كانت الاستعاذة بالله، استعاذة عامة من جميع الشرور التي ترد على الإنسان من المخلوقات كلها..
وفى قوله تعالى: «وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ» - وما بعدها من الآيات إلى آخر السورة، استعاذة من شرور بعض المخلوقات، البادي شرها..
فالليل حين يهجم على الكائنات، ويحتوى الإنسان، يثير فيه كثيرا من المخاوف، التي تطل عليه من وراء هذا العالم المجهول، المحجب بهذا الستار
стр. 6857
الكثيف من الظلام.. من عدوّ متربص، أو حيوان مفترس، أو حشرة سامة، ونحو هذا..
وفى الليل، وفى وحشة الظلام، والسكون، والوحدة- تطرق الإنسان همومه ووساوسه، وتتوارد عليه آلامه وأشجانه، فيبيت مؤرقا يئن تحت وطأة هذه الهموم، وتلك الوساوس.. ومن هنا كثرت مناجاة الناس لليل، وشكايتهم له، وبثهم إياه ما توارد عليهم فيه من هموم، وما طرقهم من غائبات الذكريات الموجعة..
يقول امرؤ القيس:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علىّ بأنواع الهموم ليبتلى
ويقول النابغة الذبياني:
كلينى لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يرعى النجوم بآيب
فالليل، هو الليل، بوحشته، وتوارد الهموم على صدور الناس فيه، ولن يتغير هذا الوجه من الليل، ولن يتحول إلى نهار بما أطلع الإنسان فيه من شموس وأقمار، من مولدات الكهرباء.. إن لظلامه سلطانا، يتسلل من هذه الثياب المصطنعة من النور، إلى داخل الإنسان، فيجتم على صدره، وينسكب فى مشاعره.
وقوله تعالى:
«وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ» ..
النفث فى العقد: هو السعى بين الناس بالوشاية والنميمة، فتنحل بذلك عقد الإخاء، والمودة بينهم..
وأصل النفث فى الشيء النفخ فيه.. ومنه يقال للحية نفثت سمومها أي
стр. 6858
ألقت بها من فمها فى جسد الضحية التي وقعت لها..
وهذه استعاذة بالله من شر جزئى، من شرور المخلوقات، وهو الشر الذي الذي ينجم من مثيرى الفتن والفلاقل، ومن مهيجى النفوس وإيقاد نار العداوة بين الناس، فتنحلّ بذلك روابط الإخاء بينهم، وتنفك عقد التواصل والتراحم بين المتواصلين والمتراحمين.. وإن أكثر ما يقع بين الناس من شر، وما يقوم بينهم من صراع، هو من حصاد هؤلاء النفاثين فى العقد، من الرجال والنفاثات فيها من النساء، ابتغاء الفتنة، وتمزيق الوحدة، وتشتيت الشمل..
وإذ كانت الكلمة هنا هى الأداة العاملة فى هذا المجال، فى إيغار الصدور، وإثارة النفوس، وبلبلة المشاعر، وتعكير صفو العواطف، بالحديث الكاذب والقلة المفتراة، والشائعة المضللة- فقد نصح الله لنا، بالاستفادة من شر تلك الأفواه الآثمة التي تنفث سمومها فى العقد الموثّقة بيننا وبين أهلنا، وأصدقائنا، أبناء مجتمعنا الذي نعيش فيه..
والنصيحة هنا ذات شقين: أن نأخذ حذرنا من هؤلاء الساعين بالنميمة، المتنقلين بين الناس بالفتنة، فنحذرهم كما نحذر الحيات والأفاعى، ونعوذ بالله من شرهم، ونستعين به سبحانه على ردّ كيدهم، ودفع أذاهم، والله يقول: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ» (٦: الحجرات) .. ومن جهة أخرى، نحذر من أنفسنا أن توردنا هذا المورد، وأن تدفع بنا إلى هذا الطريق الذي يلبسنا ثوب الشر الذي يستعاذ بالله منه..
وفى الاستعاذة بالله من النفاثات، استعاذة ضمنية أيضا من النفاثين، إذ
стр. 6859
كانت النساء فى هذا المجال أكثر من الرجال عددا، وأثرا، وإذ كان غالبا وراء كل رجل يثير فتنة، امرأة تغريه بها، وتدفع به إليها، وحسبنا أن نذكر هنا امرأة أبى لهب حمالة الحطب، والعهد بها قريب..
وقيل النفاثات: النفوس الخبيثة، والأرواح الفاسدة. سواء تعلقت بالرجال أو بالنساء..
هذا، وفى هذا التعبير عن إفساد ما بين الناس من روابط، بكلمة «النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ» - إعجاز من إعجاز النظم القرآنى..
والذي يتأمل هذا اللفظ المعجز يجد:
أولا: أن كلمة النّفث تشير إلى هذا الشبه بين فم هذا الذي يسعى بين الناس بالكلمة الآثمة الفاجرة، وبين الحية التي تنفث سمومها فتصيب بها من الناس مقتلا..
وثانيا: أن هذا النفث المنطلق من فم هذا الإنسان، يصدر عن صدر ملىء بالعداوة والبغضاء للناس جميعا.. أشبه بتلك العداوة المتوارثة بين الحية والناس.
وثالثا: أن كلمة «العقد» وهى الروابط القائمة بين الناس، هى حياة لهم أشبه بتلك الحياة السارية فى أبدانهم، وأن حلها يفسد هذه الحياة، كما يفسد حياتهم نفث الأفاعى فيهم..
ورابعا: ان النفث فى العقد المادية، من حبال ونحوها، من شأنه أن يلين من صلابتها، وأن يعين على حلها، وكذلك الشأن فى العقد المعنوية، من روابط الأخوة والمودة بين الناس، فإن النفث فيها بالنميمة موهن لها، وممهد لحلّها..
стр. 6860
وقوله تعالى:
«وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ» والحسد، فى الأعمّ الأغلب هو الدافع إلى كل عداوة، الموقد لكل فتنة، المغرى بالكذب والافتراء على الناس، لحلّ عقد الوئام والوفاق بينهم، ولنزع هذه البسمة التي تعلو الشفاه بين المتحابّين، ولإطفاء إشراقة البشاشة والرضا التي تفيض من وجوه أهل النعمة والرضا..
فالحسد- وهو ما يجده الحاسد فى قلبه ضيق وحسرة، حين يرى فى يد أحد خيرا ليس فى يده، ثم لا يهدأ له بال، ولا تستريح له نفس، حتى يغرب وجه هذا الخير- هو داء يغتال كل معانى الإنسانية فى الإنسان، فيصبح عداوة متحركة فى الناس، ترميهم برجوم من العداوة والبغضاء، وتنفث فيهم سموم الحقد والضغينة، حتى يميت أو يموت.
كالنار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله..
والحسد- وليس غيره- هو الذي أغرى أهل الكتاب- وخاصة اليهود- بهذا الموقف الضال الآثم، من رسالة رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- وكتمانهم الحق عن علم بأنه رسول الله، وأنه الذي يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل، كما يقول فيهم: «يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (٧١: آل عمران) ويقول عنهم: «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» (١٤٦: البقرة) ويقول جل شأنه فيهم أيضا: «وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ
стр. 6861
إِيمانِكُمْ كُفَّاراً، حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ»
(١٠٩: البقرة) .
وفى نار الحسد التي تأججت فى صدور اليهود، ذابت كلّ معالم الحق الذي كان معهم من أمر النبي، فكفروا به، واتخذوا طريق الضلال مركبا إلى عذاب الجحيم..
والحسد- وليس غيره- هو الذي أغرق مشركى قريش فى الضلال، وأغراهم بهذا الموقف اللئيم الآئم الذي وقفوه من النبي، حتى كان عمه أبو لهب هو وامرأته من أشدّ الناس حسدا له، وتصديا لدعوته، وتشنيعا عليه، وكان من مقولات المشركين ما ذكره الله عنهم من قولهم: «أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا» ؟
(٢٥: القمر) .. «لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ» (٣١:
الزخرف) «أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ؟ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ» (٢٤: القمر) وقوله تعالى: «إِذا حَسَدَ» - هو قيد للاستعاذة بالله من الشر الذي ينقدح من صدر الحاسد، فتشتعل ناره، وتعلق بمن حسده..
أما الحسد الساكن، الذي لم ينضبح بعد، ولم يتحرك من صدر صاحبه، ولم يبلغ من القوة بحيث يأخذ صورة عملية، أبعد من دائرة الخواطر والمشاعر- أما هذا الحسد، فهو طبيعة غالبة فى الناس، قلّ أن يسلم منه قلب، أو تخلو منه نفس.. فما أكثر ما يمد الإنسان بصره إلى ما عند الناس، مما ليس فى يده، من مال، أو علم، أو صحة، أو شباب، أو جمال، أو بنين، أو نحو هذا، مما ترغب فيه النفوس، وتتداعى عليه الآمال، وما أكثر ما تتولد مشاعر الحسد من المحروم إلى حيث مواطن هذه المحبّبات إلى النفوس، ثم يجد من دينه، أو عقله، أو مروءته ما يردّه عن موقف الحسد، ثم لا تلبث هذه المشاعر أن
стр. 6862
تزول وتختفى.. فهذا الحسد الذي لا يجد من صاحبه قلبا مفتوحا له، أو نفسا راضية عنه، هو حسد قد تولى صاحبه دفعه عن الناس، وأطفأ ناره قبل أن تمتد إلى أحد، ومن هنا لم يكن وراءه شر يستعاذ به منه..
هذا، وقد تكرر لفظ «شر» أربع مرات، مضافا فى كل مرة إلى جهة خاصة غير الجهات الثلاث، وذلك لأن الشر الناجم من كل جهة منها مختلف عن غيرها..
[النبي.. وحديث السحر] هذا ما يفهم من منطوق آيات الله فى قوله تعالى: «وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ» .. وهو فهم يتفق مع سياق السورة، ومع سورة الإخلاص التي سبقتها، وسورة الناس التي جاءت بعدها، والتي كان من ثلاثتها خاتمة كتاب الله على ترتيبه فى المصحف، الذي رتبت سورة بتوقيف من الله تعالى، على ما وقع فى يقيننا.
ولكن بعض المفسرين قد ذهب فى فهم هاتين الآيتين فهما آخر، إذ زعم أن سورتى الفلق، والناس نزلتا على رسول الله ﷺ ليسترقى بهما من السحر الذي أصابه، والذي كان قد صنعه به رجل يهودى، يدعى لبيد بن الأعصم.. وقد استند هؤلاء المفسرون فى هذا على ما جاء فى صحيحى البخاري ومسلم وغيرهما من كتب الحديث، من حديث هذا السحر الذي يقال إنه أصاب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
روى البخاري، عن هشام بن عروة بن الزبير، عن أبيه.، عن عائشة- رضى الله عنها- قالت:
стр. 6863
«سحر رسول الله ﷺ ، رجل من بنى زريق، يقال له لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله، ﷺ ، يخيّل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله.. حتى إذا كان ذات يوم، أو ذات ليلة، وهو عندى، دعا الله، ودعاه، ثم قال: يا عائشة.. أشعرت أن الله أفتانى فيما أستفتيه فيه؟
أتانى رجلان، فجلس أحدهما عند رأسى، والآخر عند رجلى، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب! قال من طبّه؟ قال لبيد بن الأعصم اليهودي، من بنى زريق! قال فى أي شىء؟ قال فى مشط ومشاطة، وجفّ طلع تخلة ذكر! «١» قال: فأين هو؟ قال فى بئر ذروان! .. فأتاها رسول الله صلى الله عليه فى ناس من أصحابه، فنظر إليها، وعليها نخل، ثم رجع إلى عائشة، فقال:
والله لكأن ماءها نقاعة الحنّاء، وكأنّ رءوس، نخلها الشياطين» قلت يا رسول الله أفأخرجته؟ قال: لا.. أما أنا فقد عافانى الله وشفانى، وخشيت أن أثير على الناس منه شرا.. فأمر بها- أي البئر- فدفنت» . أي ردمت هذا حديث يرويه البخاري عن السيدة عائشة.
ويروى البخاري، أيضا عن هشام بن عروة بن الزبير، عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها، قال: كان رسول الله ﷺ ، سحر حتى كان يرى أنه يأتى النساء ولا يأتيهن- وهذا أشدّ ما يكون من السحر، إذا كان كذا- فقال يا عائشة: أعلمت أن الله أفتانى فيما أستفتيه فيه؟ أتانى رجلان، فقعد أحدهما عند رأسى، والآخر عند رجلى فقال الذي عند رأسى للآخر:
ما بال الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟
стр. 6864
قال لبيد بن الأعصم، رجل من بنى زريق، حليف ليهود، كان منافقا.
قال: وفيم؟ قال فى مشط ومشاطة؟ قال: وأين؟ قال: فى جفّ طلعة ذكر، تحت راعوفة «١» فى بئر ذى أروان.. قالت: فأنى النبي- ﷺ البئر حتى استخرجه، فقال هذه البئر التي أريتها، وكأن ماءها نقاعة الحنّاء، وكأن نحلها رءوس الشياطين..»
وفى حديث ثالث يرويه البخاري عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله، عنها.. قالت: «سحر رسول الله ﷺ ، حتى إنه ليخيّل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم وهو عندى، دعا الله ودعاه، ثم قال: «أشعرت يا عائشة أن الله قد أفنانى فيما أستفتيه فيه؟» قلت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «جاءنى رجلان..
فجلس أحدهما عند رأسى، والآخر عند رجلى، ثم قال أحدهما لصاحبه:
ما وجع الرجل؟ قال مطبوب؟ قال: ومن طبّه؟ قال لبيد بن الأعصم اليهودي من بنى زريق! قال: فى ماذا؟ قال: فى مشط ومشاطة وجف لطلعة ذكر. قال فأين هو؟ قال: فى بئر ذى أروان «٢» . قالت: فذهب النبي ﷺ فى ناس من أصحابه إلى البئر، فنظر إليها، وعليها نخل ثم رجع إلى عائشة، فقال: والله لكأن ماءها نقّاعة الحنّاء «٣» ، ولكأن نخلها رءوس الشياطين.. قلت: يا رسول الله، أفأخرجته؟ قال: لا..
أمّا أنا فقد عافانى الله، وشفانى، وخشيت أن أثير على الناس منه شرّا..
وأمر بها فدفنت» .
стр. 6865
هذا ما رواه البخاري من حديث السّحر، ومثله ما رواه مسلم- والروايات الثلاث للحديث متقاربة اللفظ والمعنى.. وهى تشير إلى أن رسول الله ﷺ قد وقع تحت تأثير السّحر من رجل يهودىّ، وأن هذا التأثير قد بلغ به حدّا يخيّل إليه فيه أنه يفعل الشيء وما فعله، وأنه يأتى النساء ولا يأتيهن.
وفى مسند الإمام أحمد عن إبراهيم بن خالد عن معمر عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: لبث رسول الله ﷺ ستة أشهر يرى أنه يأتى النساء ولا يأتى، فأتاه ملكان فجلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه..
الحديث» وفى تفسير الثعلبي عن ابن عباس وعائشة رضى الله عنهما، أن غلاما من اليهود كان يخدم رسول الله ﷺ ، فدبّت «١» إليه اليهود، فلم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس رسول الله ﷺ ، وعدّة من أسنان مشطه، فأعطاها اليهود فسحروه فيها، وكان الذي تولّى ذلك رجل منهم يقال له ابن أعصم، ثم دسّها فى بئر لبنى زريق، يقال له ذروان، فمرض رسول الله ﷺ ، وانتثر شعر رأسه، ولبث ستة أشهر، يرى أنه يأتى النساء ولا يأتيهن، وجعل يذوى، ولا يدرى ما عراه، فبينما هو نائم أتاه ملكان، فجلس أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رأسه للذى عند رجليه: ما بال الرجل؟ قال: طبّ، قال:
وما طبّ، قال: سحر، قال: ومن سحره؟ قال لبيد بن الأعصم اليهودي! قال: وبم طبّه؟ قال: بمشط ومشاطة.. قال: وأين هو؟ قال: فى جفّ طلعة ذكر، تحت راعوفة فى بئر ذروان.. فانتبه النبىّ ﷺ