Полный текст (5 429 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
كما صح نزول عشر آيات من أول «المؤمنين» جملة، وصح نزول غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ النساء: ٩٤ وحدها، وهى بعض آية، وكذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً التوبة: ٢٩، إلى آخر الآية، وهى بعض آية، نزلت بعد نزول أول الآية.
(٣٩) التنكير: أسبابه:
١- إرادة الوحدة، كقوله تعالى: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى القصص: ٢٠.
٢- إرادة النوع، كقوله تعالى: هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ص: ٤٩، أى نوع من الذكر.
٣- التعظيم، كقوله تعالى: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ البقرة: ٢٧٩، أى بحرب، وأى حرب.
٤- التكثر، كقوله تعالى: إِنَّ لَنا لَأَجْراً الأعراف: ١١٣، أى أجرا وافرا جزيلا، ليقابل المأجور عنه من الغلبة على مثل، موسى ﵇، فإنه لا يقابل الغلبة عليه بالأجر إلا وهو عديم النظير فى الكثرة.
٥- التحقير، كقوله تعالى: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ عبس: ١٨، أى من شىء حقير مهين، ثم بين تعالى بقوله: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ عبس: ١٩.
٦- التعليل: كقوله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ التوبة: ٧٢، أى رضوان قليل من بحار رضوان الله الذى لا يتناهى، أكبر من الجنات، لأن رضى المولى رأس كل سعادة.
(٤٠) التوجيه:
وهو ما احتمل معنيين. ويؤتى به عند فطنة المخاطب، كقوله تعالى حكاية عن أخت موسى ﵇: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ القصص: ١٢
стр. 1017
، فإن الضمير فى (له) يحتمل أن يكون موسى، وأن يكون لفرعون.
(٤١) التورية:
وهى أن يتكلم المتكلم بلفظ مشترك بين معنيين قريب وبعيد، ويريد المعنى البعيد، ويوهم السامع أنه أراد القريب، ومثاله قوله تعالى: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ الرحمن: ٦، أراد بالنجم: النبات الذى لا ساق له، والسامع يتوهم أن المراد الكوكب، لا سيما مع تأكيد الإيهام بذكر الشمس والقمر.
والفرق بينها وبين الاستخدام، أن التورية استعمال أحد المعنيين فى اللفظ وإهمال الآخر، وفى الاستخدام: استعمالهما معا بقرينتين.
(٤٢) التوسع:
وهو أنواع:
١- الاستدلال بالنظر فى الملكوت، كقوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ البقرة: ١٦٤.
٢- التوسع فى ترادف الصفات، كقوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها النور: ٤٠.
٣- التوسع فى الذم، كقوله تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ القلم: ١٠، ١١، إلى قوله تعالى: عَلَى الْخُرْطُومِ القلم: ١٦.
стр. 1018
(٤٣) الجمع:
١- إطلاقه وإرادة الواحد، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ المؤمنون: ٥١، فهذا خطاب للنبى ﷺ وحده، إذ لا نبى معه ولا بعده.
٢- وضع جمع القلة موضع الكثرة، إذ الجموع يقع بعضها موقع بعض لاشتراكها فى مطلق الجمعية، كقوله تعالى: وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ سبأ: ٣٧، فإن المجموع بالألف والتاء للقلة، وغرف الجنة لا تحصى.
(٤٤) جمع القرآن:
ولقد مات رسول الله والقرآن كله مكتوب على العسب- جريد النخل- واللخاف- صفائح الحجارة- والرقاع والأديم والأكتاف- عظام الأكتاف- والأقتاب- ما يوضع على ظهور الإبل- كما كان محفوظا فى صدور الرجال يحفظه حفظة من المسلمين.
وقيل أن يقبض الله رسول إليه عارض الرسول ما أنزله عليه ربه بسوره وآياته على ما حفظه عنه حفظة المسلمين، فكان ما فى صدور الحفظة صورة مما كان فى صدر الرسول.
وكان لا بد لهذا المكتوب على الرقاع وغيرها من أن يعارض على المحفوظ فى الصدور ليخرج من بينهما كتاب الله فى صورة مقروءة، كى يفيد منه الناس جميعا على تعاقب الأزمان، فما تغنى الرقاع، ثم هى عرضة إلى بلى وتشتّت، وما يغنى الحفظة وهم إلى فناء والناقلون عنهم ليس لهم ميزة المعاصرة.
ويحرك الله المسلمين لهذه الحسنة حين استحز القتل يوم اليمامة بقراء القرآن، فيخف عمر بن الخطاب إلى أبى بكر، وكان عندها خليفة، وكان الذى استخف عمر إلى أبى بكر فزعه من أن يتخطف الموت القراء فى مواطن أخرى، كما تختطفهم
стр. 1019
فى ذاك الموطن- أعنى اليمامة- فيضيع على المسلمين جمّاع دينهم، ويعز عليهم كتابهم.
وحين جلس عمر إلى أبى بكر أخذ يناقشه فيما أتى إليه من جمع القرآن، بعد أن بسط السبب الحافز، وتلبث أبو بكر يراجع نفسه، ثم أرسل إلى زيد بن ثابت، وكان من كتاب الوحى، وحضر زيد مجلس أبى بكر وعمر وسمع منهما ما هما فيه، فإذا هو معهما فى الرأى، وإذا أبو بكر حين يجد من زيد حسن الاستجابة يتجه إليه يقول: إنك شاب عاقل لانتهمك، وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله، فتتبع القرآن اجمعه.
ومضى زيد يتتبع القرآن يجمعه ويكتبه، وكان زيد حافظا، فيسر عليه حفظه عبئه شيئا، ولكنه كان إلى هذا لا يقنع فى إثبات الآية يختلف فيها إلا بشهادة.
واجتمعت هذه الصحف فى بيت أبى بكر حياته، ثم فى بيت عمر حياته.
وكما حركت محنة اليمامة عمر إلى حسنة، حركت محنة أخرى- بعد مقتل عمر- عثمان إلى حسنة، فقد قدم حذيفة بن اليمان من حرب أرمينية وأذربيجان على عثمان فزعا من اختلاف المسلمين فى قراءة القرآن، يقول لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا.
وكما استجاب أبو بكر إلى عمر استجاب عثمان إلى حذيفة، فأرسل عثمان يطلب الصحف من عند حفصة بنت عمر وزوج النبى. وأرسلت حفصة بالصحف إلى عثمان، وجمع عثمان إليه زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وكلهم من كتاب الوحى، وأمرهم بنسخ هذه الصحف. فكتبوا منها سبع مصاحف، ثم رد عثمان الصحف إلى حفصة. فلم نزل عندها حتى أرسل مروان بن الحكم بن أبى العاصى فأخذها فحرقها، كما ذكر أبو بكر السجستانى.
стр. 1020
ويقول أبو بكر السجستانى فى مكان آخر بسند متصل عن سالم بن عبد الله:
إن مروان كان يرسل إلى حفصة يسألها الصحف التى كتب فيها القرآن، فتأبى حفصة أن تعطيه إياها. قال سالم: فلما توفيت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيمة إلى عبد الله بن عمر، ليرسلن إليه بتلك الصحف، فأرسل بها إليه عبد الله ابن عمر، فأمر بها مروان فشققت. فقال مروان: إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب فى شأن هذه الصحف مرتاب، أو يقول: إنه قد كان شىء منها لم يكتب.
ولا قدرى إلى أى حد كان توفيق مروان فيما فعل، ولكنه، وهو الرجل الذى كان معاصرا لما وقع، كان عليه أن يطمئن إلى أن الأمر قد تم على أحسن ما يكون دقة وضبطا، وما نظنه غاب عنه كيف احتاط عثمان لذلك، وما نظنه إلا كان شاهد عثمان وهو يخطب الناس يناشدهم أن يأتوه بما معهم من كتاب الله، وكان عهدهم بالنبى قريبا، إذ لم يكن مضى على وفاته أكثر من ثلاث عشرة سنة، وما نظن الناس إلا قد وفوا لعثمان وجاءه كل رجل بما كان عنده، فلقد كان الرجل يأتيه بالورقة والأديم فيه القرآن.
ولقد جمع من ذلك عثمان الشىء الكثير. وما وقف عثمان عند هذه، بل لقد دعاهم رجلا رجلا، فيناشده: لسمعت رسول الله ﷺ وهو أملاه عليك؟ فيقول الرجل: نعم، حتى إذا فرغ من ذلك قال: من أكتب الناس؟
فقال الناس: كاتب رسول الله زيد بن ثابت. قال عثمان: فأى الناس أعرب؟
قالوا: سعيد بن العاص- وكان سعيد أشبههم لهجة برسول الله- قال عثمان: فليمل سعيد وليكتب زيد.
هذا كله فعله عثمان، وفعل إلى جانبه الاستئناس بالصحف التى تم جمعها فى عهد أبى بكر وشارك فيها عمر، والتى كانت عند حفصة، تلك الصحف التى مثلت المصحف الأول المعتمد.
стр. 1021
من أجل هذا لم يختلف زيد بن ثابت وسعيد بن العاص فى شيء، ووجدا ما اجتمع لهما من قبل على يد أبى بكر وعمر هو هو الذى جمعه عثمان ثانية واستحلف الناس عليه.
ويحكى المؤرخون أن زيدا وسعيدا لم يختلفا إلا في حرف واحد فى سورة البقرة، فقال سعيد (التابوت) وقال زيد (التابوه) واختيرت قراءة سعيد ابن العاص، لأن القرآن نزل بلسان قريش.
وأرسل عثمان ستّا من هذه المصاحف إلى مكة والشام واليمن والبحرين والبصرة والكوفة، وحبس مصحفا بالمدينة، وأمر عثمان فحرق ما كان مخالفا لمصحفه.
وسيجىء بعد فى رسم المصحف: أن على بن أبى طالب كان له مصحف باسمه، أعنى كان إليه جمعه، وأنه بعد موت النبى كان قد أقسم ألا يرتدى برداء إلا لجمعة حتى يجمع القرآن فى مصحف، ففعل.
وينقل أبو بكر السجستانى بسند متصل عن أشعث عن ابن سيرين، أنه حين تخلف عن بيعة أبى بكر أرسل إليه أبو بكر يقول له: أكرهت إمارتى يا أبا الحسن؟
فقال على: لا والله، إنى اتسمت ألا أرتدى برداء إلا لجمعة، فبايعه ثم رجع.
ثم يقول أبو بكر: لم يذكر «المصحف» أحد إلا أشعث، وهو لين الحديث، وإنما: حتى أجمع القرآن، يعنى أتم حفظه.
غير أن ابن النديم- فيما سيجىء بعد- يذكر أنه رأى عند أبى يعلى حمزة الحسنى مصحفا سقطت منه أوراق بخط على بن أبى طالب يتوارثه بنو الحسن، ثم أورد ترتيب السور فيه، وسرّى هذا (فى رسم المصحف) .
ولقد كان إلى مصحف على مصاحف أخر مرت بك، هى مصحف أبى، ومصحف ابن مسعود، ومصحف ابن عباس، وكان ثمة مصاحف أخرى هى:
مصحف أبى موسى الأشعرى، ومصحف للمقداد بن الأسود، ومصحف لسالم، مولى أبى حذيفة.
ولقد كانت هذه المصاحف موزعة فى الأمصار، فكان أهل الكوفة على مصحف (- ٥- الموسوعة القرآنية- ج ٣)
стр. 1022
ابن مسعود، وأهل البصرة على مصحف أبى موسى الأشعرى، وأهل دمشق على مصحف المقداد بن الأسود، وأهل الشام على مصحف أبى بن كعب.
وكان ثمة خلاف بين هذه المصاحف، وهذا الخلاف هو الذى شهد به حذيفة حين كان مع الجيش فى فتح أذربيجان، وهذا الخلاف هو الذى فزع من أجله عثمان فنهض يجمع أصول القرآن، ويجمع إلى هذه الأصول الحفظة الموثوق بهم.
فنحن الآن بين مراحل ثلاث مر بها تدوين المصحف.
أولى هذه المراحل تلك التى كانت فى حياة النبى ﷺ ، فلقد كان من حوله كتابه يكتبون ما يملى عليهم، وكان الرسول حريصا على ألا يكتب عنه غير القرآن حتى لا يلتبس به شىء آخر،
ويروون عنه ﷺ أنه قال: لا تكتبوا عنى شيئا سوى القرآن، فمن كتب عنى شيئا سوى القرآن فليمحه.
ولم يترك رسول الله دنياه إلى آخرته إلا بعد أن عارض ما فى صدره على ما فى صدور الحفظة الذين كانوا كثرة، وحسبك ما يقال عن كثرتهم أنه فى غزوة بئر معونة قتل منهم- أى من القراء- سبعون- ثم حسبك عن كثرتهم أنه كانت منهم سيّدة، هى أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث:
وكان رسول الله يزورها ويسميها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن، وقد أمرها رسول الله أن تؤم أهل دارها.
ثم حسبك دليلا على أن القرآن كتب فى حياة الرسول، وأنه كتب فى صحة وضبط، ما رواه البراء مع نزول قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ النساء: ٩٤، قال الرسول: ادع لى زيدا، ثم قال: اكتب «لا يستوى» ، أى إن الرسول كان يملى على كاتبه لساعته.
ثم لعلك تذكر فى إسلام عمر أن رجلا من قريش قال له: أختك قد صبأت- أى خرجت عن دينك- فرجع إلى أخته ودخل عليها بيتها ولطمها لطمة شج بها وجهها. فلما سكت عنه الغضب نظر فإذا صحيفة فى ناحية البيت فيها «بسم الله الرحمن الرحيم سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
стр. 1023
الحديد: ١، واطلع على صحيفة أخرى فوجد فيها: بسم الله الرحمن الرحيم طه. ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى» طه: ١، فأسلم بعد ما وجد نفسه بين يدى كلام معجز ليس من قول بشر.
فهذه وتلك تدلانك على أن الكتاب كانوا يكتبون بإملاء الرسول، وأن هذا المكتوب كان يتناقله الناس.
والثانية من تلك المراحل ما كان من عمر مع أبى بكر حين استحر القتل بالقراء فى اليمامة، وما انتهى إليه الرأى بين أبى بكر وعمر فى أن يكلا إلى زيد بن ثابت جمع المصحف، لتكون معارضة بين ما هو مكتوب فى الألواح وبين ما هو محفوظ فى الصدور، قبل أن تأتى المواقع على حفظة القرآن، فما من شك في أن الاثنين يكمل أحدهما الآخر، لمن أراد أن يبلغ الكمال والدقة والضبط.
وما يمنع من هذا الذى فكر فيه عمر أن يكون هناك جمع سابق على يد نفر من الصحابة، مثل ما فعل على، ومثل ما فعل ابن مسعود، ومثل ما فعل ابن عباس، ومثل ما فعل غير هم.
وما كان هذا يغيب عن عمر، ولكن كان ثمة فرق بين ما فكر فيه عمر وما سبق بعض الصحابة به، فلقد كان الرأى عند عمر أن يبادر فى ظل وجود القراء إلى إيجاد مصحف رسمى يصدر بتكليف من الخليفة، والخليفة أقوى على حشد الجهود العظيمة لهذا العمل العظيم.
ولقد أحس زيد بثقل المهمة التى أرادها عمر وأرادها معه أبو بكر، فأبوبكر وعمر لم يريدا عملا فريديّا يحمل عبئه فرد واحد، وإنما أرادا عملا جماعيّا تحمل عبئه الخلافة وباسم الخلافة يصدر.
من أجل ذلك قال زيد: فو الله لو كلفونى نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل على مما كان أمرونى به من جمع القرآن.
ومن أجل ذلك مضى زيد يتحرى، لم يكتف بما فى صدره وما بين يديه، بل
стр. 1024
لقد تلمس آية يفقدها فوجدها عند رجل من الأنصار يدونها، وهى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ الأحزاب: ٢٣.
ومن أجل ذلك قال أبو بكر لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت: اقعدا على باب المسجد فمن جاء كما بشاهدين على شىء من كتاب الله فاكتباه.
ومن أجل ذلك لم يقعد زيد عن السعى ليجد آخر المطاف آخر سورة التوبة مع خزيمة بن ثابت.
إذن فلقد كان مصحف أبى بكر وعمر أول مصحف رسمى جمعه زيد بن ثابت لهما فى ظل هذا التحرى الدقيق، الذى كان أبو بكر وعمر من ورائه، غير أن هذا المصحف الرسمى لم يأخذ طريقه الرسمى إلى الأمصار، ولعل مقتل عمر هو الذى أخر ذلك.
والمرحلة الثالثة والأخيرة هى المرحلة التى تمت على يد عثمان. وكانت تتمة للمرحلة الرسمية التى بدأت فى عهد أبى بكر وشاركه فيها عمر، فلقد وقع الذى كان يخشاه عمر، والذى فكر من أجله فى هذا الجمع الرسمى، وعجل به القتل عن أن يمضى فيه إلى آخره.
فلقد مر بك كيف استقل كل مصر بمصحف، وكانت مصاحف فردية لم يجتمع لها ما اجتمع لمصحف أبى بكر الذى انتهى إلى حفصة، ثم انتهى إلى عثمان، من جهد جماعى مستوعب، ولقد سعى «على» جهده، وسعى «أبى» جهده، وسعى «ابن عباس» جهده، ولكن هذه الجهود لو تلاقت كما تلاقت حياة أبى بكر وعمر لخضعت لتعديل كثير، ودليلنا على ذلك أنه لما خرج إلى الأمصار مصحف عثمان دان الناس لتحريره قبل أن يدينوا لسلطان الخليفة، وما يستطيع أحد أن يظن بالمسلمين اللين والضعف على أن يقفوا لأقوى الخلفاء يلزموه رأيهم إن كانوا يعرفون أنه الحق، ولكن انصياع المسلمين فى الأمصار كلها لمصحف عثمان، وما كان عثمان بالعنيف، يدلك على أن المصحف العثمانى خرج من إجماع اطمأنت القلوب إليه.
стр. 1025
ويروى أبو بكر السجستانى بسند متصل عن «على» فى المصاحف وحرق عثمان لها: «لو لم يصنعه عثمان لصنعته» .
ولقد كان «على» صاحب مصحف اختفى بظهور مصحف عثمان، ولكن هذا لم يمنعه من نصرة الحق الذى جاهد من أجله حياته كلها.
والذى قبله «على» قبله «ابن مسعود» ، وقبله بعد هذين كثيرون من الصحابة.
يروى أبو بكر السجستانى بسند متصل عن مصعب بن سعد، قال: أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك ولم ينكر ذلك منهم أحد.
وما أجل هذه التى فعلها عثمان، وحسبه عنها ما يرويه أبو بكر السجستانى بسند متصل عن عبد الرحمن بن مهدى يقول: خصلتان لعثمان بن عفان ليستا لأبى بكر ولا لعمر: صبره نفسه حتى قتل مظلوما، وجمعه الناس على المصحف.
وحسبك أن تعلم أن الحال فى اختلاف الناس لم تكن أيام عثمان فى الأمصار دون المدينة، بل شملت المدينة أيضا، فلقد كان المعلمون فيها لكل معلم قراعته، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون، فكان هذا لعثمان، إلى ما بلغه من حذيفة، مما أفزعه وجعله يقوم بين الناس خطيبا ويقول: أنتم عندى مختلفون فيه فتلحنون، فمن نأى عنى من الأمصار أشد فيه اختلافا وأشد لحنا، اجتمعوا يا أصحاب محمد واكتبوا للناس إماما.
من أجل هذا سمى مصحف عثمان: الإمام.
وقد أرسل عثمان من هذا المصحف نسخا للأمصار- كما مربك- وأمر بأن يحرق ما عداها.
ويحيك ابن فضل الله العمرى فى كتابه مسالك الأبصار وهو يصف مسجد
стр. 1026
دمشق: «وإلى جانبه الأيسر المصحف العثمانى بخط أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى الله عنه» .
ومعنى هذا أن المصحف كان بدمشق حياة العمرى أى النصف الأول من القرن الثامن الهجرى، فلقد كانت وفاة العمرى سنة ٧٤٩ هـ.
ويرجح المتصلون بالتراث العربى أن هذا المصحف هو الذى كان في دار الكتب بمدينة لينجراد ثم انتقل منها إلى إنجلترا، ولا يزال بها إلى اليوم.
ويروى السفاقسى فى كتابه «غيث النفع» : «ورأيت فيه- يعنى مصحف عثمان- أثر الدم وهو بالمدرسة الفاضلية بالقاهرة» .
ولقد كان فى دار الكتب العلوية فى النجف مصحف بالخط الكوفى مكتوب فى آخره، كتبه على بن أبى طالب فى سنة أربعين من الهجرة، وهى السنة التى توفى فيها على.
ولقد كتب نفر من السلف كتبا عرضوا فيها للمصاحف القديمة التى سبقت مصحف عثمان. والتى جاء مصحف عثمان ملغيا لها، نذكر منها:
١- اختلاف مصاحف الشام والحجاز والعراق، لابن عامر، المتوفى سنة ١٨٨ هـ.
٢- اختلاف مصاحف أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة. عن الكسائى، المتوفى سنة ١٨٩ هـ.
٣- اختلاف أهل الكوفة والبصرة والشام فى المصاحف، للغراء، المتوفى سنة ٢٠٧ هـ.
٤- اختلاف المصاحف لخلف بن هشام، المتوفى سنة ٢٢٩ هـ.
٥- اختلاف المصاحف وجامع القراءات، للمدائنى، المتوفى سنة ٢٣١ هـ.
٦- اختلاف المصاحف، لأبى حاتم سهل بن محمد السجستانى، المتوفى سنة ٢٤٨ هـ.
стр. 1027
٧- المصاحف والهجاء، لمحمد بن عيسى الأصبهانى، المتوفى سنة ٢٥٣ هـ.
٨- المصاحف، لأبى بكر عبد الله بن أبى داود السجستانى، المتوفى سنة ٣١٦ هـ.
٩- المصاحف، لابن الأنبارى، المتوفى سنة ٣٢٧ هـ.
١٠- المصاحف، لابن أشته الأصبهانى، المتوفى سنة ٣٦٠ هـ.
١١- غريب المصاحف، للوراق.
ولقد انتهى إلينا من هذه الكتب كلها كتاب المصاحف لأبى بكر عبد الله بن أبى داود السجستانى. وقد نقلت منه نصوصا وأشرت إلى مواضعها من النسخة المطبوعة من هذا الكتاب.
ويكاد يكون كتاب أبى بكر السجستانى جامعا لكلام من سبقوه، لتأخره فى الزمن عنهم، وما أظن من بعده أضاف كثيرا، أعنى بهذا أن كتاب أبى بكر السجستانى يكاد يمثل لنا هذا الخلاف كله.
وعثمان لم يقدم على ما فعل إلا حين فزعه من الخلاف، ولم يمض ما أقدم عليه إلا بعد أن اطمأنت نفسه إلى ما انتهى إليه، ولم يطمئن إلى اطمئنانه إلا بعد أن آزرته عليه الكثرة، وبعد هذا كله وقف عثمان موقفه الحازم القاطع فألزم الأمصار بالمصحف الإمام، ثم حرق ما عداه. ومعنى هذا أنه لا رجعة إلى هذا الخلاف ولا سبيل إلى الرجعة إليه، إذ لو صح أن ثمة شك قد انتهى إليه عثمان لما كان منه هذا القرار الحازم القاطع.
ولعلك تذكر ما كان من مروان من إحراقه مصحف حفصة الذى كان مرجعا من مراجع المصحف الإمام، ولقد كان سنده، غير أنه أراد من هذا ألا يكون ثمة رجعة إلى الوراء تثير هذا الخلاف فى كتاب قال فيه تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ الحجر: ١٢.
وثمة أشياء ثلاثة أثارتها كتب المصاحف أحب أن أعرضها وأذكر أى فيها:
стр. 1028
أولها: ما يعزى إلى عثمان بن عفان عن قتادة ويحيى بن يعمر من أنه رضى الله عنه لما رفع إليه المصحف قال: إن فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها.
وهذا الحديث لا يحب أن يمر دون أن يضم إليه حديث ثان يعزى إلى عثمان أيضا عن عكرمة الطائى يقول: لما أتى عثمان رضى الله عنه بالمصحف رأى فيه شيئا من لحن فقال: لو كان المملى من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا.
ولقد مر بك أن عثمان اختار حين كتب مصحفه رجلين، هما: زيد بن ثابت، وكان أكتب الناس، وسعيد بن العاصى، وكان أفصح الناس، وأشبههم لهجة برسول الله ﷺ . وما كانت تغيب عن عثمان، ولا عمن كانوا مع عثمان، يوم شمروا لكتابة المصاحف، هذه الاختلافات فى الرسم الإملائى التى ظهرت بعد كتابة المصحف، وتمنى عثمان لو لم تكن حين قال: لو كان المعلى من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا.
ثم كيف ترد هذه التى وردت فى الحديث الأول عن عثمان، وهو الذى كان من وراء من يكتبان، يراجع ما يكتبانه حرفا حرفا وكلمة كلمة ويصلح ما فاتهما، وما نظن عثمان ونى فى هذا العبء ولا فتر، وهو يعلم جده وخطره، وهو يعلم المتحفزين به من وراء ذلك على عمل حمل عبئه على الرغم منهم.
اللهم إن ثمة شيئا لا ندفعه، وهو ما جاء فى المصحف الإمام من رسم قديم كان مظنة اللبس، ورأى عثمان أن ألسنة العرب تقيمه على وجهه، وإن بدا على غير وجهه، فلم يعرض له. ولعل هذا هو تفسيرا ما جاء على لسان عثمان فى حديثه، إن صح أنه له، يؤيدنا على ذلك حديثه الثانى الذى عقبت به.
ويفسر هذا قول ابن أشته فى كتابه «المصاحف» : جميع ما كتب خطأ يجب أن يقرأ على صحة لغته لا على رسمه، وذلك فى نحو (لا أوضعوا) و (لا أذبحنه) بزيادة ألف فى وسط الكلمتين. إذ لو قرئ بظاهر الخط لكان لحنا شنيعا، يقلب معنى الكلام ويخل بنظامه.
стр. 1029
ويؤبده وضوحا أبو بكر السجستانى من قبل ابن أشتة، حيث يقول فى كتابه المصاحف، هذا عندى يعنى: بلغتها- يريد معنى قوله بألسنتها- وإلا لو كان فيه لحن لا يجوز فى كلام العرب جميعا لما استجاز أن يبعث به إلى قوم يقرءونه.
ويؤيد هذا ما روى عن عمر بن الخطاب: «إنا لنرغب عن كثير من لحن أبى» .
يعنى: لغة أبى.
وثانيها: ما يعزى إلى عائشة، يرويه هشام بن عروة عن أبيه، قال: سألت عائشة عن لحن القرآن: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ طه: ٦٣، وعن قوله تعالى:
وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ النساء: ١٦٢، وعن قوله تعالى: وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ المائدة: ٦٩، فقالت: يابن أختى، هذا عمل الكتاب، اخطئوا فى الكتاب.
ومثل هذا الذى عزى لعائشة يعزى لأبان بن عثمان يرويه الزبير يقول: قلت لأبان بن عثمان: كيف صارت لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ ما بين يديها وما خلفها رفع وهى نصب؟ قال: من قبل الكتاب، كتب ما قبلها ثم قال:
ما أكتب؟ قال: «اكتب: المقيمين الصلاة» فكتب ما قيل له.
وينضم إلى هذا ما يعزى إلى سعيد بن جبير أنه قال: فى القرآن أربعة أحرف لحن: وَالصَّابِئُونَ، (والمقيمون) ، فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ، إِنْ هذانِ لَساحِرانِ.
وقبل أن أقول كلمتى أحب أن تأنس معى بقول عالم جليل من علماء التفسير واللغة، وما أبغى أن أضم إليه غيره لأثقل عليك.
يقول الزمخشرى محمود بن عمر فى كتابه «الكشاف» : وَالصَّابِئُونَ- المائدة: ٦٩، رفع على الابتداء، والنية به التأخير عما فى حيز «إن» من اسمها وخبرها، كأنه قيل:
стр. 1030
إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك. وأنشد سيبويه شاهدا له:
وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا فى شقاق
أى: فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك. فإن قلت: هلا زعمت أن ارتفاعه للعطف على محل «إن» واسمها؟ قلت: لا يصح ذلك قبل الفراغ من الخبر، لا تقول: إن زيدا وعمرو منطلقان. فإن قلت: لم لا يصح والنية به التأخير. فكأنك قلت: إن زيدا منطلق وعمرو؟ قلت: لأنى إذا رفعته عطفا على محل «إن» واسمها، والعامل فى محلهما هو الابتداء، فيجب أن يكون هو العامل فى الخبر، لأن الابتداء ينتظم الجز أين فى عملهما، كما تنتظمهما «إن» فى عملها، فلو رفعت «الصابئون» والمنوى به التأخير بالابتداء، وقد رفعت الخبر بأن، لأعملت فيهما رافعين مختلفين. فإن قلت: فقوله:
وَالصَّابِئُونَ معطوف لا بد له من معطوف عليه فما هو؟ قلت: مع خبره المحذوف جملة معطوفة على جملة قوله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ولا محل لها، كما لا محل للتى عطفت عليها. فإن قلت: ما التقديم والتأخير إلا لفائدة، فما فائدة هذا التقديم؟ قلت:
فائدته التنبيه على أن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالا وأشدهم غيّا، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبئوا عن الأديان كلها، أى خرجوا، كما أن الشاعر قدم قوله: «وأنتم» تنبيها على أن المخاطبين أوغل فى الوصف بالبغاة من قومه، حيث عاجل به قبل الخبر الذى هو «بغاة» لئلا يدخل قومه فى البغى قبلهم، مع كونهم أوغل فيه منهم وأثبت قدما. فإن قلت: فلو قيل: والصابئين وإياكم، لكان التقديم حاصلا؟ قلت: لو قيل هكذا لم يكن من التقديم فى شىء، لأنه لا إزالة فيه عن موضعه، وإنما: يقال مقدم ومؤخر، للمزال لا للقار فى مكانه، ومجرى هذه الجملة مجرى الاعتراض فى الكلام.
وقال الزمخشرى: وَالْمُقِيمِينَ النساء: ١٦٢، نصب على المدح ولبيان فضل الصلاة، وهو باب واسمع، وقد كسره سيبويه على أمثلة وشواهد، ولا يلتفت إلى
стр. 1031
ما زعموا من وقوعه لحنا في خط المصحف، وربما التفت إليه من لم ينظر فى الكتاب ولم يعرف مذاهب العرب، وما لهم من النصب على الاختصاص من الافتنان وغمى عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الإنجيل، كانوا أبعد همة فى الغيرة على الإسلام وذب المطاعن عنه من أن يتركوا فى كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم، وخرقا يرفوه من لحق بهم.
وقيل: هو عطف على بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ، أى يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة، وهم الأنبياء. وفى مصحف عبد الله (والمقيمون) بالواو، وهى قراءة مالك بن دينار، والجحدرى، وعيسى الثقفى.
وقال الزمخشرى: وَأَكُنْ المنافقون: ١٠، عطفا على محل فَأَصَّدَّقَ، كأنه قيل: إن أخرتى أصدر وأكن. ومن قرأ (وأكون) على النصب، فعلى اللفظ.
وقرأ عبيد بن عمير (وأكون) على: وأنا أكون، عدة منه بالصلاح.
وقال الزمخشرى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ، طه: ٦٣، قرأ أبو عمر: إن هذين لساحران، على الجهة الظاهرة المكشوفة، وابن كثير وحفص: إن هذا لساحران، على قولك: إن زيد لمنطلق. واللام هى الفارقة بين أن النافية والمخففة من الثقيلة.
وقرأ أبى: إن ذان إلا ساحران. وقرأ ابن مسعود: أن هذان ساحران، بفتح إن وبغير لام، بدل من «النجوى» . وقيل فى القراءة المشهورة- وهو يعنى المصحف الإمام- إن هذان لساحران، هى لغة بلحارث بن كعب، جعلوا الاسم المثنى نحو الأسماء التى آخرها ألف، كعصا وسعدى، فلم يقلبوها فى الجر والنصب. وقال بعضهم: «إن» بمعنى: نعم، و «ساحران» خبر مبتدأ محذوف واللام داخلة على الجملة، تقديره: لهما ساحران. وقد أعجب به أبو إسحاق.
ومن هذا ترى أن القراءات السبع فى القرآن، لغات للعرب جاءت مبثوثة فى القرآن، وبها كلها يتجه الكلام.
ثم إن ما جاء منسوبا إلى عثمان فقد قدمت دفعى له وتأويله، ويحضرنى هنا بعد
стр. 1032
عرض آراء الزمخشرى أن اللحن الذى جاء على لسان عثمان مراد به توجيه الكلام توجيها ليس على ظاهره، وأن المراد بتقويم الألسنة أو اللغات له: بيان الوجه المراد معه، هذا إن صح ما نسب إلى عثمان.
وأما ما جاء منسوبا إلى عائشة، فما أظن عائشة تسكت على خطأ الكتّاب فى كتاب الله وترضى به يشيع ويخرج عن المدينة إلى الأمصار، ولم تكن بعيدة عن عثمان ولا عن الصحابة الكاتبين، وما أظنها كانت أقل منهم حرصا على سلامة كتاب الله. وحسبك ما قدمه الزمخشرى فى هذه.
وأما عن تلك التى ينسبونها لأبان بن عثمان، فلا أدرى كيف جاءت على لسانه، مع العلم بأنه ممن لم يشهدوا عصر التدوين، ولا كان حاضرا ذلك، فلقد كانت وفاته سنة ١٠٥ هـ، وعثمان مات سنة ٣٥ هـ.
وبعد. فهذا الذى نسب إلى أبان استنباط لا رواية مأثورة، وهذا الاستنباط الذى استنبطه أبان لا يصح إلا عن مشاهدة أو سماع عن مشاهدة. وكلاهما لم يتوفر لهذا الحكم.
وثالث الأشياء التى أردت ألا أسكت عنها: هو ما يعزوه أصحاب التواليف فى المصاحف إلى الحجاج بن يوسف، وأنه غير فى مصحف عثمان أحد عشر حرفا، وقد رواها أبو بكر السجستانى فى كتابة المصاحف مرتين.
الأولى يقول فيها: حدثنا عبد الله: حدثنا أبو حاتم السجستانى: حدثنا عباد ابن صهيب، عن عوف بن أبى جبلة: أن الحجاج بن يوسف غير فى مصحف عثمان أحد عشر حرفا.
والثانية يقول فيها: قال أبوبكر- يعنى نفسه- كان فى كتاب أبى: حدثنا رجل. فسألت أبى: من هو؟ فقال: حدثنا عباد بن صهيب، عن عوف بن أبى جبلة: أن الحجاج بن يوسف غير فى مصحف عثمان أحد عشر حرفا.
стр. 1033
وهذه هى الأحرف كما ذكرها أبو بكر السجستانى:
١- كانت فى البقرة (لم يتسن) فغيرها لَمْ يَتَسَنَّهْ الآية: ٢٥٩، وأحب أن أعقب أن ابن مسعود قرأ (لم يتسن) والأصل فيها (يتسنن) .
فقلبت لأن الثانية حرف علة، كما فى: تقضض، وتقضى. وقرأ حمزة والكسائى بحذف الهاء فى الوصل، على أنها هاء السكت، وقرأ باقى السبعة بإثبات الهاء فى الوصل والوقف، على أنها أصلية. وقرأ أبى (لم يسنه) بإدغام التاء فى السين.
٢- وكانت فى سورة المائدة: (شريعة ومنهاجا) فغيره شِرْعَةً وَمِنْهاجاً الآية: ٤٨.
وأحب أن أعقب أن هذه لم يقرأ بها أحد من القراء.
٣- وكانت فى سورة يونس: (هو الذى ينشركم) فغيره: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ الآية: ١٠.
وأحب أن أعقب أن (يبشركم) قراءة ابن عامر ويزيد بن القعقاع، «وينشركم» ، أى يحييكم.
٤- وكانت فى سورة يوسف (أنا آتيكم بتأويله) فغيرها: أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ الآية: ٤٥.
وأحب أن أعقب أن هذه، لم يقرأ بها أحد من القراء.
٥- وكانت فى سورة المؤمنون: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ فغيرها: (سيقولون الله) الآيتان: ٨٧، ٨٩.
وأحب أن أعقب أن الأولى هى القراءة المشهورة، وقرأ بالثانية أبو عمرو، ويعقوب.
٦، ٧- وكانت فى سورة الشعراء: مِنَ الْمُخْرَجِينَ الآية: ١١٦، فغيرها.
مِنَ الْمَرْجُومِينَ ومِنَ الْمَرْجُومِينَ الآية: ١٦٧، فغيرها مِنَ الْمُخْرَجِينَ.
وأحب أن أعقب أن هذه وتلك هما القراءتان المشهورتان.
٨- وكانت فى سورة الزخرف: (معايشهم) فغيرها: مَعِيشَتَهُمْ الآية: ٣٢.
وأحب أن أعقب أن هذه هى القراءة المشهورة، ولم يقرأ بالأولى أحد من القراء.
стр. 1034
٩- وكانت فى سورة الذين كفروا: (ياسن) فغيرها (آسن) الآية: ١٥.
وأحب أن أعقب أن حمزة قرأ (ياسن) وقفا لا وصلا، وأن (آسن) هى القراءة المشهورة.
١٠- وكانت فى سورة الحديد: (فالذين آمنوا منكم واتقوا) فغيرها وَأَنْفِقُوا الآية: ٧.
وأحب أن أعقب أن القراءة المشهورة وَأَنْفِقُوا ولم يقرأ أحد من القراء (واتقوا) .
١١- وكانت فى سورة التكوير: (وما هو على الغيب بظنين) فغيرها بِضَنِينٍ الآية: ٢٤.
وأحب أن أعقب أن مكيّا، وأبا عمرو، وعليّا، ويعقوب، قرءوا (بظنين) ، أى: متهم، وأن الباقين قرءوا: (بضنين) أى: ببخيل.
هذه هى الأحرف التى يروى أن الحجاج غيرها فى مصحف عثمان.
وأحب أن أزيد الأمر وضوحا ولا أتركه على إبهامه هذا الذى يثير شكّا، ويكاد القول فيه على ظاهره يعطى للحجاج أن يغير فى كتاب الله:
١- لقد رأيت كيف روى أبو بكر السجستانى هذا الخبر فى كتابه «المصاحف» فى مكانين بسندين، هما وإن اتفقا إلا أن ثانيهما رواه أبو بكر فى أسلوب يهون فيه من شأن المسند إليه الخبر.
٢- ولقد رأيت من هذا التعقيب الذى عقبنا به على هذه الأحرف، أن ثمانية منها تحتمل قراءات، وأن ما أثبته الحجاج كان المشهور.
٣- ولقد رأيت أن ثلاثة منها لم يقرأ بها أحد من القراء، وهى (شريعة) التى غيرت إلى (شرعة) و (آتيكم) التى غيرت إلى (أنبئكم) و (معيشتهم) التى غيرت إلى (معايشهم) .
стр. 1035
وأحبك أن تعرف:
١- أن الحجاج كان من حفاظ القرآن المعدودين.
٢- وأن الحجاج كانت على يديه الجولة الثانية فى نقط المصاحف وشكلها، بعد أن كانت الجولة الأولى على يد الصحابة، وكانت جولة الصحابة بداية لم تشمل القرآن كله بل كانت نوعا من التيسير.
يقول الدانى فى كتابه المحكم فى نقط المصاحف، بسند متصل عن قتادة: بدءوا فنقطوا ثم خمسوا ثم عشروا، وهو يعنى الصحابة. ثم يقول إثر هذا: هذا يدل على أن الصحابة وأكابر التابعين هم المبتدئون بالنقط ورسم الخموس والعشور.
وفى الجولة الثانية خلاف، فمن الرواة من يعزوها إلى أبى الأسود الدؤلى، بعد أن طلبها منه زياد.
ومنهم من يعزوها إلى يحيى بن يعمر العدوانى، وكان ذلك عن طلب الحجاج، ويقول: إن هذا هو الأعرف.
وما نظن الحجاج، وهو الحافظ للقرآن، كان بعيدا عن يحيى بن يعمر، كما لم يكن عثمان بعيدا عن زيد بن ثابت وسعيد.
وإذن نستطيع أن نقول:
١- إن هذه الأحرف الثلاثة التى لم يقرأ بها أحد لم تكن منقوطة ولا مشكولة فميزها النقط وبينها، وكانت على ألسنة الناس كما كانت على لسان الحجاج، بدليل أنها لم ترد فى قراءة، ولا أدرى كيف قامت هذه دعوى ٢- إن الأحرف الثمانية الباقية، وفيها قراءات كما مربك، والمشهور منها ما يعزى إلى الحجاج أنه أثبته. ولكن من أنى لنا أن هذا الذى يقال إن الحجاج أثبته لم يكن، وأن رسم مصحف عثمان كان يحتمله، وأن الحجاج لم يفعل غير أن بينه وميزه.
стр. 1036
يحدونى إلى هذا ما روى من أن عثمان حين كان يعرض عليه المصحف غير (لم يتسن) إلى (يتسنه) ، إذن فالذى يعزى إلى الحجاج أنه فعله عزى إلى عثمان أنه فعله من قبله، ولا يمنع أن يكون هذا كله- أعنى الأحرف الثمانية- كانت مقروء مصحف عثمان، وأن الحجاج حسين نقط وشكل ميز الرسم وبينه، يستوحى فى ذلك من مقروئه مقروء الناس الذين يقرءون بقراءة مصحف عثمان.
إذن فلا تغيير للحجاج فى كتاب الله، ثم ما أهون مدلول ما نسبوه إلى الحجاج، وهل كان بعد هذا غير تبيين رسم وتمييزه، وما أظن الحجاج خرج فيها على مصحف عثمان بقراءة أخرى، بل أكاد أؤكد أنه التزم فيها مقروء مصحف عثمان، وأنه لم يفعل غير التميين والتبيين، بدليل تلك التى سقتها عن (لم يتسن) و (لم يتسنه) ، وأن الحجاج فيما فعل كان حريصا على أن يمكن للمصحف الإمام، وأن ينفى عنه ما عساه أن يكون دخل عليه من قراءات.
(٤٥) الجملة:
١- التفسيرية: وهذه لا يحسن الوقف على ما قبلها دونها، لأن تفسير الشىء لا حق به ومتمم له، وجار مجرى بعض أجزائه، كالصلة من الموصول، والصفة من الموصوف، ومنه قوله تعالى: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ البقرة: ٤٩، فجملة يُذَبِّحُونَ وما بعده تفسير.
٢- لبيان العلة والسبب، قوله تعالى: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ يس: ٧٦، فهذه ليست من كقولهم وإلا لما حزن الرسول، وإنما جىء بها لبيان السبب فى أنه لا يحزنه قولهم.
٣- إبرازها فى صورة المستحيل على طريق المبالغة لتدل على بقية الجمل، كقوله تعالى: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ الأعراف: ٤٠، والجمل لا يلج فى السم فهؤلاء لا يدخلون، فهو فى المعنى متعلق بالحال، فالمعنى: أنهم لا يدخلون
стр. 1037
الجنة أصلا، وليس للغاية هنا مفهوم، ووجه التأكيد فيه كدعوى الشىء ببينة، لأنه جعل ولوج الجمل فى السم غاية لنفى دخولهم الجنة، وتلك غاية لا توجد، فلا يزال دخولهم الجنة منتفيا.
(٤٦) الحذف:
إسقاط جزء الكلام أو كله لدليل، وهو خلاف الأصل، لذا فإنه إذا دار الأمر بين الحذف وعدمه كان الحمل على عدمه أولى، لأن الأصل عدم التغيير، وإذا دار الأمر بين قلة المحذوف وكثرته كان الحمل على قلته أولى.
ولا بد للحذف من دليل، والدليل تارة يدل على محذوف مطلق، وتارة على محذوف معين ومن أدلة الحذف:
١- أن يدل عليه العقل حيث تستحيل صحة الكلام عقلا إلا بتقدير محذوف، كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ يوسف: ٨٢ فإنه يستحيل عقلا تكلم الأمكنة إلا بمعجزة.
٢- أن تدل عليه العادة الشرعية، كقوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ النحل: ١١٥، فإن الذات لا تتصف بالحل والحرمة شرعا، إنما هما من صفات الأفعال الواقعة على الذوات، فعلم أن المحذوف التناول، ولكنه لما حذف وأقيمت الميتة مقامه أسند إليها الفعل وقطع النظر عنه.
٣- أن يدل العقل على الحذف والتعيين، كقوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ الفجر:
٢٢، أى أمره أو عذابه وملائكته، لأن العقل دل على أصل الحذف، ولاستحالة مجىء البارى عقلا، لأن المجىء من سمات الحدوث، ودل العقل أيضا على التعيين، وهو الأمر ونحوه.
٤- أن يدل العقل على أصل الحذف، وتدل عادة الناس تعيين المحذوف، كقوله تعالى: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ يوسف: ٣٢، فإن يوسف ﵇ ليس طرفا (- ٦- الموسوعة القرآنية- ج ٣)
стр. 1038
للومهن، فتعين أن يكون غيره، فقد دل العقل على أصل الحذف. ثم يجوز أن يكون الظرف جثة «بدليل: شَغَفَها حُبًّا يوسف: ٣٠، أو مراودته، بدليل: تُراوِدُ فَتاها يوسف: ٣٠، لكن العقل لا يعين واحدا منها، بل العادة دلت على أن اللوم فيما للنفس فيه اختيار، وهو المراودة، لقدرته على دفعها.
٥- أن تدل العادة على تعيين المحذوف، كقوله تعالى: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا آل عمران: ١٦٧، أى مكان قتال، والمراد مكانا صالحا للقتال، لأنهم كانوا أخبر الناس بالقتال.
والعادة تمنع أن يريدوا «لو نعلم حقيقية القتال» فلذلك قدره بعضهم: مكان قتال.
٦- أن يدل اللفظ على الحذف، والشروع فى الفعل على تعيين المحذوف، كقوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الفاتحة: ١، فإن اللفظ يدل على أن فيه حذفا، لأن حرف الجر لا بد له من متعلق، ودل الشروع على تعيينه، وهو الفعل الذى جعلت التسمية فى مبدئه من قراءة أو أكل أو شرب أو نحوه، ويقدر فى كل موضع مما يليق.
٧- تقدم ما يدل على المحذوف وما فى سياقه، كقوله تعالى: وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ الصافات: ١٧٩.
٨- إعفاؤه بسبب النزول، كما فى قوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ المائدة:
٥ فإنه لا بد فيه من تقدير، أى إذا قمتم من المضاجع، أو إذا قمتم محدثين.
ولا بد أن تكون فى المذكور دلالة على المحذوف، إما من لفظه أو من سياقه، وتلك الدلالة:
(أ) مثالية، تحصل من إعراب اللفظ، فإذا كان منصوبا فلا بد له من ناصب ظاهر أو مقدر، نحو قوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ النساء: ٢، والتقدير: واحفظوا الأرحام.
стр. 1039
(ب) حالية: تحصل من النظر إلى المعنى، كقوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ القيامة: ١ والتقدير: لأنا أقسم، لأن فعل الحال لا يقسم عليه.
والحذف أقسام:
١- الاقتطاع: وهو ذكر حرف من الكلمة وإسقاط الباقى، كقوله تعالى:
وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ المائدة: ٧، فقيل: إن الباء هنا أول كلمة «بعض» ، ثم حذف الباقى.
٢- الاكتفاء، وهو أن يقتضى المقام ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط، فيكتفى بأحدهما عن الآخر، ومنه قوله تعالى: وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الأنعام: ١٣، فقد قيل: المراد: وما تحرك، وإنما آثر ذكر السكون لأنه أغلب الحالين على المخلوق من الحيوان والجماد، ولأن الساكن أكثر عددا من المتحرك، أو لأن كل متحرك يصير إلى السكون، ولأن السكون هو الأصل والحركة طارئة.
٣- الإضمار، وهو أن يضمر من القول المجاور لبيان أحد جزأيه، كقوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ الأنفال: ٢٣، أى لو أفهمتهم لما أجدى فيهم التفهيم، فكيف وقد سلبوا القوة الفاهمة، فعلم بذلك أنهم مع انتفاء الفهم أحق بنقد القبول والهداية.
٤- أن يستدل بالفعل لشيئين، وهو فى الحقيقة لأحدهما، فيضمر للآخر فعل يناسبه، كقوله تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ الحشر: ٩، أى واعتقدوا الإيمان.
٥- أن يقتضى الكلام شيئين فيقتصر على أحدهما لأنه المقصود، كقوله تعالى حكاية عن فرعون: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى طه: ٤٨، ولم يقل: وهارون، لأن موسى المقصود المتحمل أعباء الرسالة
стр. 1040
٦- أن يذكر شيئان ثم يعود الضمير إلى أحدهما دون الآخر، كقوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها الجمعة: ١١، والتقدير: إذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، وخص التجارة لأنها كانت سبب انفضاض الذين نزلت فيهم هذه الآية، ولأنه قد تشغل التجارة عن العبادة ما لا يشغله اللهو.
٧- الحذف المقابل، وهو أن يجتمع فى الكلام متقابلان فيحذف من واحد منهما مقابله لدلالة الآخر عليه، كقوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ هود: ٣٥، الأصل: فإن افتريته فعلىّ إجرامى وأنتم برآء منه، وعليكم إجرامكم وأنا برىء مما تجرمون، فنسبة قوله تعالى:
(إجرامى) وهو الأول، إلى قوله تعالى: (وعليكم إجرامكم) ، وهو الثالث، كنسبة قوله: «وأنتم برآء منه» ، وهو الثانى، إلى قوله تعالى: وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ وهو الرابع، واكتفى من كل متناسبين بأحدهما.
٨- الاختزال، وهو حذف كلمة أو أكثر، وهى إما:
(ا) اسم. (ب) فعل. (ج) حرف، (ا) الاسم ومنه:
١- حذف المبتدأ، كقوله تعالى: بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ الأحقاف: ٣٥، أى هذا بلاغ.
٢- حذف الخبر، ومنه قوله تعالى: أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها الرعد: ٣٥، أى وظلها دائم.
٣- حذف الفاعل، كقوله تعالى: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ القيامة: ١، أى بلغت الروح.
стр. 1041
٤- حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ومنه قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ الأنبياء: ٩٦، أى سد يأجوج ومأجوج.
٥- حذف المضاف والمضاف إليه، كقوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ الروم: ٤، أى من قبل ذلك ومن بعده.
٦- حذف المضاف والمضاف إلهى، كقوله تعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ الواقعة: ٨٢، أى بدل شكر رزقكم.
٧- حذف الجار والمجرور، كقوله تعالى: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً التوبة:
١٠٢، أى بسىء.
٨- حذف الموصوف، ويشترط فيه:
(ا) كون الصفة خاصة بالموصوف حتى يحصل العلم بالموصوف، فمتى كانت الصفة عامة امتنع حذف الموصوف.
(ب) أن يعتمد على مجرد الصفة من حيث هى متعلق عرض السياق، ومنه قوله تعالى: وَعَمِلَ صالِحاً القصص: ٦٧، أى عملا صالحا.
٩- حذف الصفة، كقوله تعالى: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً الكهف:
١٠٥، أى وزنا نافعا.
١٠- حذف المعطوف، كقوله تعالى: ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ النمل: ٤٩، أى ما شهدنا مهلك أهله ومهلكه.
١١- حذف المعطوف عليه كقوله تعالى: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ آل عمران: ٩١، أى لو ملكه ولو افتدى به.
١٢- حذف الموصول، كقوله تعالى: آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ العنكبوت: ٤٦، أى والذى أنزل إليكم، لأن الذى أنزل إلينا ليس هو هو الذى أنزل إلى من قبلنا، ولذلك أعيدت «ما» بعد «ما» .
стр. 1042
١٣- حذف المخصوص باب «نعم» إذا علم من سياق الكلام، كقوله تعالى:
نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ص: ٣٠، التقدير: نعم العبد هو، و «هو» عائد على أيوب.
١٤- حذف الضمير المنصوب المتصل، ويقع فى:
(أ) الصلة، كقوله تعالى: أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا الفرقان، ٤١، والتقدير، بعثه.
(ب) الصفة، كقوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً البقرة:
٤٨، أى: فيه.
(ج) الخبر، كقوله تعالى: (وكل وعد الله الحسنى) النساء: ٩٥، فى قراءة ابن عامر.
١٥- حذف المفعول، وهو ضربان:
(ا) أن يكون مقصودا مع الحذف فينوى لدليل، ويقدر فى كل موضع ما يليق به، كقوله تعالى: فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ البروج: ١٦، أى يريده (ب) ألا يكون المفعول أصلا، وينزل المتعدى منزلة القاصر، وذلك عند إرادة وقوع نفس الفعل فقط وجعل المحذوف نسيا منسيّا، كما ينسى الفاعل عند بناء الفعل فلا يذكر المفعول ولا يقدر، غير أنه لازم الثبوت عقلا لموضوع كل فعل متعد، لأن الفعل لا يدرى تعيينه، وبهذا يعلم أنه ليس كل ما هو لازم من موضوع الكلام مقدرا فيه، كقوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا البقرة: ٦٠ لأنه لم يرد الأكل من معين، وإنما أراد وقوع الفعلين، ويسمى المفعول حينئذ مماتا.
١٦- حذف الحال، كقوله تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ الرعد: ٢٣، ٢٤، أى قائلين: سلام عليكم.
١٧- حذف الشرط، كقوله تعالى: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا
стр. 1043
الصَّلاةَ
إبراهيم: ٣١، أى إن قلت لهم: أقيموا يقيموا.
١٨- حذف جواب الشرط، كقوله تعالى: إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ الأحقاف: ١٠، أى أفلستم ظالمين.
١٩- حذف الأجوبة، ويكثر ذلك فى جواب: لو، ولولا، كقوله تعالى:
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ الأنعام: ٢٧، والتقدير: لرأيت عجبا، وكقوله تعالى: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ يوسف: ٢١، أى لولا أن رأى برهان ربه لخالطها.
٢٠- حذف جواب القسم، وهذا لعلم السامع المراد منه، كقوله تعالى:
وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً. وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً. وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً. فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً. فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً. يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ النازعات: ١- ٦، والتقدير: لتبعثن ولتحاسبن.
(ب) الجملة حذف الجملة، وهذا أقسام:
(أ) قسم هى مسببة عن المذكور، ومنه قوله تعالى: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ الأنفال: ٨، فإن اللام الداخلة على الفعل لا بد لها من متعلق يكون سببا عن مدخول اللام، فلما لم يوجد لها متعلق فى الظاهر وجب تقديره ضرورة، فيقدر: فعل ما فعل ليحق الحق.
(ب) قسم هى سبب له، ومنه قوله تعالى: فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً البقرة: ٦٠.
فإن الفاء إنما تدخل على شىء مسبب عن شىء، ولا مسبب إلا له سبب، فإذا وجد المسبب ولا سبب له ظاهر، أوجب أن يقدر ضرورة، فيقدر: فضربه فانفجر.
(ج) قسم خارج عنهما، ومنه قوله تعالى: فَنِعْمَ الْماهِدُونَ الذاريات: ٤٨، أى نحن هم، أو هم نحن.
стр. 1044
٢- حذف القول، ومنه قوله تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى. كُلُوا طه:
٨، ٨١، أى، قلنا كلوا، أو قائلين كلوا.
٣- حذف الفعل، وهو:
(أ) خاص، نحو «أعنى» مضمرا، وينتصب المفعول به فى المدح، ومنه قوله تعالى: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ البقرة: ١٧٧، أى أمدح.
(ب) عام، وهو كل منصوب دل عليه الفعل لفظا أو معنى أو تقديرا، ويحذف لأسباب:
١- أن يكون مفسرا، كقوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ الانشقاق: ١.
٢- أن يكون هناك حذف حرف جر، كقوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الفاتحة: ١، فإنه يفيد أن المراد: بسم الله أقرأ، أو أقوم، أو أقعد عند القراءة وعند الشروع فى القيام أو القعود، أى فعل كان.
٣- أن يكون جوابا لسؤال واقع أو مقدر، فمن الأول قوله تعالى: كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ البقرة: ١٣٥، أى بل نتتبع، ومن الثانى قوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ. رِجالٌ النور: ٣٦، ٣٧، ببناء الفعل للمفعول، فإن التقدير: يسبحه رجال.
٤- أن يدل عليه معنى الفعل الظاهر، كقوله تعالى: انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ النساء ١٧١، أى وائتوا أمرا خيرا لكم.
٥- أن يدل عليه العقل، كقوله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ البقرة: ٦٠، أى فضرب فانفجرت.
٦- أن يدل عليه ذكره فى موضع آخر، كقوله تعالى: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ الأنبياء ٨١، أى وسخرنا.
стр. 1045
٧- المشاكلة، كحذف الفاعل فى: (بسم الله) لأنه موطن لا ينبغى أن تقدم فيه سوى ذكر الله، ولو ذكر الفعل، وهو لا يستغنى عن فاعله، كان ذلك مناقضا للمقصود، وكان فى حذفه مشاكلة اللفظ للمعنى، ولكن لا تقول هذا المقدر ليكون اللفظ فى اللسان مطابقا لمقصود الجنان، وهو أن يكون فى القلب ذكر الله وحده، وأيضا فلأن الحذف أعم من الذكر، فإن أى فعل ذكرته كان المحذوف أعم منه، لأن التسمية تشرع عند كل فعل.
٨- أن يكون بدلا من مصدره، كقوله تعالى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً القتال: ٤، أى فإما أن تمنوا وإما أن تفادوا.
ج- الحرف وحذف الحرف ليس يقاس، وذلك لأن الحرف نائب عن الفعل بفاعله، ومنه.
١- حذف الواو، تحذف لقصد البلاغة، كقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ الغاشية ٨، أى ووجوه.
٢- حذف الفاء، كقوله تعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ البقرة: ١٨٠، أى فالوصية.
٣- حذف ألف ما الاستفهامية مع حرف الجر، للفرق بين الاستفهامية والخبرية، كقوله تعالى: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ البقرة: ٩١.
٤- حذف الياء، للتخفيف، ورعاية الفاصلة، كقوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ الفجر: ٤.
٥- حذف حرف النداء، كقوله تعالى: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ آل عمران: ٦٦، أى يا هؤلاء.
٦- حذف لو، ومنعه قوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ
стр. 1046
إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ المؤمنون: ٩١، تقديره:
لو كان معه إله لذهب كل إله بما خلق.
٧- حذف قد، ومنه قوله تعالى: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ الشعراء: ١١١، أى وقد اتبعك، لأن الماضى لا يقع فى موقع الحال إلا ومعه قد، ظاهرة، أو مقدرة.
٨- حذف أن، ومنه قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً الروم: ٢٤، والمعنى: أن يريكم.
٩- حذف لا، ومنه قوله تعالى: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يوسف: ٨٥، أى لا تفتأ، لأنها ملازمة للنفى ومعناها: لا تبرح.
(٤٧) الحقيقة والمجاز:
١- الحقائق كل كلام بقى على موضوعه. كالآيات التى يتجوز فيها، وهى الآيات الناطفة ظواهرها بوجود الله تعالى وتوحيده وتنزيهه، والدعاية إلى أسمائه وصفاته، كقوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ... الحشر: ٢٢.
٢- المجاز: طريق القول:
وقد اختلف فى وقوعه القرآن، والجمهور على الوقوع، وله سببان:
(ا) الشبه، ويسمى المجاز اللغوى، وهو الذى يتكلم فيه الأصولى، وهو مجاز فى المفرد.
(ب) الملابسة، وهو الذى يتكلم فيه أهل اللسان، ويسمى المجاز العقلى، وهو أن تسند الكلمة إلى غيره ما هى له أصالة بضرب من التأويل، وهو مجاز فى المركب، كقوله تعالى: يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ القصص: ٤، والفاعل غيره، ونسبه الفعل إليه لكونه الآمر به.
والمجاز المركب على ثلاثة أقسام:
стр. 1047
١- ما طرفاه حقيقيان. نحو قوله تعالى: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً الأنفال: ٢.
٢- ما طرفاه مجازيان، نحو قوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ البقرة: ١٦.
٣- ما كان أحد طرفيه مجازا دون الآخر، كقوله تعالى: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها محمد: ٤.
وأنواع المجاز الإفرادى كثيرة يعجز العد عن إحصائها، منها:
١- إيقاع المسبب موقع السبب، كقوله تعالى: قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً الأعراف: ٢٧، والمنزل سببه، وهو الماء.
٢- إيقاع السبب، موقع المسبب كقوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها الشورى: ١٤٠، سمى الجزاء، الذى هو السبب، سيئة واعتداء، فسمى الشىء باسم سببه، وإن فسرت السيئة بما ساء، أى أضر، لم يكن من هذا الباب، لأن الإساءة تحزن فى الحقيقة.
٣- إطلاق اسم الكل على الجزء، نحو قوله تعالى: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ البقرة: ١٩، أى أناملهم.
٤- إطلاق اسم الجزء على الكل، نحو قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ القصص: ٨٨، أى ذاته.
٥- إطلاق اسم الملزوم على اللازم، كقوله تعالى: أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ الروم: ٣٥، أى أنزلنا برهانا يستدلون به وهو يدلهم، سمى الدلالة كلاما، لأنها من لوازم الكلام.
٦- إطلاق اسم اللازم على الملزوم، كقوله تعالى: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ الصافات: ١٤٣، أى المصلين.
٧- إطلاق اسم المطلق على المقيد، كقوله تعالى: فَعَقَرُوا النَّاقَةَ الأعراف:
стр. 1048
٧٧، والعاقر لها من قوم صالح قدار. لكنهم لما رضوا الفعل نزلوا منزلة الفاعل.
٨- إطلاق اسم المقيد على المطلق، كقوله تعالى: تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ آل عمران: ٦٤، والمراد كلمة الشهادة، وهى عدة كلمات.
٩- إطلاق اسم الخاص وإرادة العام، كقوله تعالى: الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ المنافقون: ٤، أى الأعداء.
١٠- إطلاق اسم العام وإرادة الخاص، كقوله تعالى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ الشورى: ٤٠، أى للمؤمنين.
١١- إطلاق الجمع وإرادة المثنى، كقوله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما التحريم:
٤، أطلق اسم القلوب على القلبين.
١٢- النقصان، ومنه حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى:
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ يوسف: ٨٢، أى أهلها.
١٣- الزيادة، كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ الشورى: ١١، أى ليس كهو شىء، على زيادة: مثل، أو ليس مثله شىء، على زيادة الكاف، وإن (مثل) خبر لشىء، وهذا هو المشهور.
١٤- تسمية الشىء بما يئول إليه، كقوله تعالى: وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً نوح: ٢٤، أى صائرا إلى الفجور والكفر.
١٥- تسمية الشىء بما كان عليه، كقوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ النساء: ٢، أى الذين كانوا يتامى، فلا يتم بعد البلوغ.
١٦- إطلاق اسم المحل على الحال، كقوله تعالى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ العلق: ١٧.
١٧- إطلاق اسم الحال على المحل، كقوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ آل عمران: ١٠٧، أى فى الجنة، لأنها محل الرحمة
стр. 1049
١٨- إطلاق اسم آلة الشىء عليه، كقوله تعالى: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ الشعراء: ٨٤، أى ذكرا حسنا، أطلق اللسان وعبر به عن الذكر.
١٩- إطلاق اسم الضدين على الآخر، كقوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها الشورى: ٤٠، وهى من المبتدىء سيئة ومن الله حسنة، فحمل اللفظ على اللفظ.
٢٠- تسمية الداعى إلى الشىء باسم الصارف عنه، لما بينهما من التعلق، كقوله تعالى: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ الأعراف: ١٢، كأنه قيل: ما أمنك حتى خالفت، بيانا لا غرّاره وعدم رشده، وأنه إنما خالف وحاله حال من امتنع بقوته من عذاب ربه، فكنى عنه ب ما مَنَعَكَ تهكما، لا أنه امتنع حقيقة، وإنما جسر جسارة من هو فى منعة.
٢١- إقامة صيغة مقام أخرى، ومنه:
(ا) فاعل بمعنى مفعول، كقوله تعالى: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عود:
٤٣، أى لا معصوم.
(ب) معفول بمعنى فاعل، كقوله تعالى: إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا مريم: ٦١، أى آتيا.
(ج) فعيل بمعنى مفعول، كقوله تعالى: وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً البقرة:
١٣٨، أى مظهورا فيه، ومنه: وظهرت به فلم التفت إليه.
(د) مجىء المصدر على فعول، كقوله تعالى: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً الإنسان: ٩، المراد، شكر، وليس المراد الجمع.
(هـ) إقامة الفاعل مقام المصدر، كقوله تعالى: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ الواقعة:
٢، أى تكذيب.
стр. 1050
(و) إقامة المفعول مقام المصدر، كقوله تعالى: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ القلم: ٢، أى الفتنة.
(ز) وصف الشىء بالمصدر، كقوله تعالى: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي الشعراء: ٧٧، لأنه فى معنى المصدر، كأنه قال: فإنهم عداوة.
(ح) مجىء المصدر بمعنى المفعول، كقوله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ البقرة: ٢٥٥، أى من معلومه.
(ط) مجىء فعيل بمعنى الجمع، كقوله تعالى: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ التحريم: ٤.
(س) إطلاق الخبر وإرادة الأمر، كقوله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ البقرة ٢٣٣، أى ليرضع الوالدات أولادهن.
(ك) إطلاق الأمر وإرادة الخبر. كقوله تعالى: فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا مريم:
٧٥ والتقدير: مد له الرحمن مدّا.
(ل) إطلاق الخبر وإرادة النهى، كقوله تعالى: لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ البقرة:
٨٣، ومعناه، لا تعبدوا.
٢٢- إضافة الفعل إلى ما ليس بفاعل له فى الحقيقة:
(ا) إما على التشبيه، كقوله تعالى: جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ الكهف: ٧٧ فإنه شبه ميله للوقوع بشبه المريد له.
(ب) وإما لأنه وقع به ذلك الفعل، كقوله تعالى: الم غُلِبَتِ الرُّومُ الروم ١، ٢، فالغلبة واقعة بهم من غيرهم، ثم قال: وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ الروم ٣، فأضاف الغلب إليهم، وإنما كان كذلك، لأن الغلب وإن كان لغيرهم فهو متصل بهم لوقوعه بهم.
(ج) وإما لوقوعه فيه، كقوله تعالى: يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً المزمل: ١٧.
(د) وإما لأنه سببه، كقوله تعالى: فَزادَتْهُمْ إِيماناً التوبة: ١٢٤.
٢٣- إطلاق الفعل والمراد مقاربته ومشارفته، كقوله تعالى: فَإِذا بَلَغْنَ
стр. 1051
أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَ
الطلاق: ٢، أى قاربن بلوغ الأجل، أى انقضاء العدة، لأن الإمساك لا يكون بعد انقضاء العدة، فيكون بلوغ الأجل تمامه.
٢٤- إطلاق الأمر بالشىء للمتلبس به والمراد دوامه، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا النساء: ١٣٦.
٢٥- إطلاق اسم البشرى على المبشر به، كقوله تعالى: بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ الحديد: ١٤، والتقدير: بشراكم دخول جنات، ادخلوا جنات، لأن البشرى مصدر، والجنابت ذات، فلا يخبر بالذات عن المعنى.
٢٦- وقد يتجوز عن المجاز بالمجاز، وهو أن تجعل المجاز المأخوذ عن الحقيقة بمثابة الحقيقة بالنسة إلى مجاز آخر، فتتجوز بالمجاز الأول عن الثانى لعلاقة بينهما، كقوله تعالى: وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا البقرة: ٢٣٥، فإنه مجاز عن مجاز، فإن الوطء تجوز عنه، بالسر، لأنه لا يقع غالبا إلا فى السر، وتجوز بالسر عن العقد، لأنه مسبب عنه، فالصحيح للمجاز الأول الملازمة، والثانى السببية، والمعنى:
لا تواعدوهن عقد نكاح.
(٤٨) الخبر:
والقصد به إفادة المخاطب، وقد يشرب مع ذلك معان أخر، منها:
١- التعجب، وهو تفضيل الشىء على أضرابه بوصف، وله صيغ:
(ا) ما أفعله (ب) أفعل به (ج) صيغ من غير لفظه، نحو: كبر.
٢- الأمر، كقوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ البقرة، ٢٢٨، فإن سياق يدل على أن الله تعالى أمر بذلك، لا أنه خبر.
стр. 1052
٣- النهى، كقوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ البقرة: ١٩٧، أى لا ترفشوا ولا تفسقوا.
٤- الوعد، كقوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ فصلت: ٥٢.
٥- الوعيد، كقوله تعالى: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ الشعراء: ٢٢٧.
٦- الدعاء، كقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ الفاتحة: ٥، أى أعنا على عبادتك.
٧- الإنكار والتبكيت، كقوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ الدخان: ٤٩.
٨- الشرط، فقد يكون اللفظ خبرا والمعنى شرطا وجزاء، كقوله تعالى:
إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ الدخان: ١٥، والمعنى: إنا إن نكشف عنكم العذاب تعودوا.
٩- التمنى، وكلمته الموضوعة له «ليت» ، وقد تستعمل مكانها ثلاثة أحرف، وهى:
(ا) هل، كقوله تعالى: فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا الأعراف: ٥٣، حملت «هل» على إفادة التمنى لعدم التصديق بوجود شفيع فى ذلك المقام.
فيتولد التمنى بمعونة قرينة الحال.
(ب) لو، سواء كانت مع «ود» كقوله تعالى: (ودوا لو تدهن فيدهنوا) ن: ٩، فى قراءة النصب.
(ج) لعل، كقوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ. أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ غافر: ٣٦، ٣٧، فى قراءة النصب.
١٠- الترجى، والفرق بينه وبين التمنى، أن الترجى لا يكون إلا فى الممكنات، والتمنى يدخل المستحيلات.
стр. 1053
١١- النداء، وهو طلب إقبال المدعو على الداعى بحرف مخصوص، وإنما يصحب فى الأكثر الأمر والنهى، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ البقرة: ٢١.
وربما تقدمت جملة الأمر جملة النداء، كقوله تعالى: تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ النور: ٣١.
وإذا جاءت جملة الخبر بعد النداء تتبعها جلمة الأمر، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ الحج: ٧٣.
(٤٩) الخروج على خلاف الأصل:
الأصل فى الأسماء أن تكون ظاهرة وأصل المحدث عنه كذلك، والأصل أنه إذا ذكر ثانيا أن يذكر مضمرا للاستغناء عنه بالظاهر السابق.
وللخروج على خلاف الأصل أسباب، وهى:
١- التعظيم، كقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ البقرة: ٢٨٢.
٢- الإهانة والتحقير، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ النور: ٢١.
٣- الاستلذاذ بذكره، كقوله تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ الإسراء: ١٠٥.
٤- زيادة التقدير، كقوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ الإخلاص: ١، ٢.
٥- إزالة اللبس حيث يكون الضمير يوهم أنه غير المراد، كقوله تعالى:
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ آل عمران: ٢٦، فلو قال: تؤتيه، لأوهم أنه الأول.
٦- تربية المهابة وإدخال الروعة فى ضمير السامع، كقوله تعالى: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ الحاقة: ١، ٢ (- ٧- الموسوعة القرآنية- ج ٣)
стр. 1054
٧- تقوية داعية المأمور، كقوله تعالى: فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ آل عمران: ١٥٩، فلم يقل «على» حين قال «على الله» ولم يقل «إنه يحب» أو «إنى إحب» تقوية لداعية المأمور بالتوكل بالتصريح باسم المتوكل عليه.
٨- تعظيم الأمر، كقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً. إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ الدهر: ١، ٢ فلم يقل «خلقناه» للتنبيه على عظم خلقة الإنسان.
٩- التوصل بالظاهر إلى الوصف، كقوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ... فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ الأعراف: ١٥٨، فلم يقل «آمنوا بالله وبى» ليتمكن من إجراء الصفات التى ذكرها، فإنه لو قال «ربى» لم يتمكن من ذلك لأن الضمير لا يوصف ليعلم أن الذى وجب الإيمان به هو من وصف بهذه الصفات.
١٠- التنبيه على علة الحكم، كقوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ البقرة: ٩٨، أى من كان عدوّا لهؤلاء فهو كافر، هذا إن خيف الإلباس لعوده للمذكورين.
١١- العموم، كقوله تعالى: حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها الكهف: ٧٧، ولم يقل استطعمهم للإشعار بتأكيد العموم، وأنهما لم يتركا أحدا من أهلها إلا استطعماه وأبى.
١٢- الخصوص، كقوله تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ الأحزاب: ٥٠، ولم يقل «لك» ، لأنه لو أتى بالضمير لأخذ جوازه لغيره، كما فى قوله تعالى: وَبَناتِ عَمِّكَ الأحزاب: ٥٠، فعدل عنه إلى الظاهر للتنبيه على الخصوصية وأنه ليس لغيره ذلك.
стр. 1055
١٣- التجنيس، كقوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ. مَلِكِ النَّاسِ. إِلهِ النَّاسِ الناس: ١- ٣.
١٤- كونه أهم من الضمير، كقوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى البقرة: ٢٨٢.
١٥- كون ما يصلح للعود ولم يسق الكلام له، كقوله تعالى: حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ الأنعام: ١٢٤.
١٦- الإشارة إلى عدم دخول الجملة فى حكم الأولى، كقوله تعالى: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ الشورى: ٢٤، فإن (يمح) استئناف وليس عطفا على الجواب، لأن المعلق على الشرط عدم قبل وجوده.
(٥٠) خط المصحف:
من الناظرين فى رسم القرآن فريق صرفهم الإجلال له عن أن يفصلوا بين ما هو وحى من عند الله حرك به لسان رسوله، وبين ما صوره كتاب الرسول حروفا وكلمات.
وأنت تعرف أن الكلمة الواحدة قد تختلف صورة رسمها على أيدى كتبة يستملون عن ممل واحد، إذا اختلفت طرق تلقيهم للإملاء، غير أنهم حين ينطقون هذه الكلمة يجمعون على نطق واحد.
وما من شك فى أن القرآن الكريم تعرض رسمه لهذا الخلاف، وكان حفظ الله له فى بقاء حفظته، يعى الناس عنهم أكثر ما يعون عن القراءة، وكانوا بهذا مطمئنين، وحين عدت العاديات على الحفظة بدأ الخوف يدب، وبدأ تفكير الصحابة يتجه إلى ما هو أبقى، أعنى جمع القرآن مكتوبا.
وكانت محاولة أبى بكر وعمر التى مرت بك، واجتمع للناس قرآنهم مكتوبا،
следующие страницы →