← Тафсир

Тафсир · id 23610

الموسوعة القرآنية

إبراهيم الإبياري

Полный текст (5 429 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

(أ) فتارة تقوم قرينة على التغاير، كقوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ الروم: ٥٥. (ب) وتارة تقوم قرينة على الاتحاد، كقوله تعالى: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. قُرْآناً عَرَبِيًّا الزمر: ٢٧، ٢٨. (١٠) - أسماء كتاب الله: ولقد سمى الله ما أنزله على رسوله: قرآنا، وكتابا، وكلاما، وفرقانا، وذكرا، وقولا. وقد أنهاها بعضهم إلى نيف وتسعين اسما، وجعلها بعضهم خمسة وخمسين اسما، وأكثر ما ذكروه يعد من قبيل الصفات، من ذلك: الهادى، والقيم. وأكثر هذه الأسماء دورانا هو لفظ القرآن، فقد جاء فى نحو من سبعين آية، وكان فى كلها صريحا فى اسميته ومدلوله الخاص، من أجل ذلك كتبت لهذه اللفظ الغلبة على غيره، وكان هذا الاسم الغالب لكتاب الله الذى جاء به محمد وحفظه عنه المسلمون. ويؤثر عن الشافعى أنه قال: القرآن اسم علم غير مشتق خاص بكلام الله فهو غير مهموز، لم يؤخذ من قراءة، لكنه اسم لكتاب الله، مثل: التوراة والإنجيل. ويقول الزجاج: إن ترك الهمز فيه من باب التخفيف ونقل حركة الهمز إلى الساكن الصحيح قبلها. والقائلون بالهمز مختلفون، وأوجه ما فى خلافهم رأيان: أولهما: أنه مصدر لقرأت، مثل: الرجحان، والغفران، سمى به الكتاب المقروء، من باب تسمية المفعول بالمصدر. والرأى الثانى: أنه وصف على فعلان، مشتق من القرء، بمعنى الجمع. وأما تسميته بالمصحف فكانت تسمية متأخرة جاءت بعد جمع القرآن وكتابته، وكانت من وضع الناس، فإنهم يحكون أن عثمان حين كتب المصحف التمس له اسما فانتهى الناس إلى هذا الاسم. غير أن هذا يكاد يكون مردودا، فلقد سبق

стр. 982

أن علمت أن ثمة مصاحف كانت موجودة قبل جمع عثمان، هى مصحف على، ومصحف أبى، ومصحف ابن مسعود، ومصحف ابن عباس. والمصحف: هو الجامع للصحف المكتوبة بين الدفتين. ويقال فيه: مصحف، ومصحف، بضم الميم وكسرها مع فتح الحاء، والضمة هى الأصل، والكسرة لاستثقال الضمة، فمن ضم جاء به على أصله، ومن كسر فلاستثقال الضمة. (١١) الاشتغال: وهو اشتغال الفعل عن المفعول بضميره، والشىء إذا أضمر ثم فسر كان أفخم، مما إذا لم يتقدم إضمار، ومنه قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ التوبة: ٦، فهذا لا تجد مثله إذا قلت: وإن استجارك أحد من المشركين فأجره، إذ الفعل المفسر فى تقدير المذكور مرتين. (١٢) الاعتراض: وهو أن يؤتى فى أثناء كلام أو كلامين متصلين معنى بشىء يتم الغرض الأصلى بدونه ولا يفوت بفواته، فيكون فاصلا بين الكلام والكلامين لنكتة. وله أسباب، منها: ١- تقرير الكلام، كقوله تعالى: تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ يوسف: ٧٣، فجملة لَقَدْ عَلِمْتُمْ اعتراض، والمراد تقرير إثبات البراءة من تهمة السرقة. ٢- قصد التنزيه، كقوله تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ، سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ النحل: ٥٧. ٣- قصد التبرك، كقوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ الفتح: ٢٧.

стр. 983

٤- قصد التأكيد، كقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ الواقعة: ٧٥، ٧٦ وفيها اعتراضان، اعتراض بقوله: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ بين القسم وجوابه، واعتراض بقوله لَوْ تَعْلَمُونَ بين الصفة والموصوف. والمراد تعظيم شأن ما أقسم به من مواقع النجوم وتأكيد إحلاله فى النفوس. ٥- كون الثانى بيانا للأول، كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ البقرة: ٢٢٢، فإنه اعتراض بين قوله: فَأْتُوهُنَّ البقرة: ٢٢٢، وبين قوله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ البقرة. ٢٢٣، وهما متصلان معنى، لأن الثانى بيان للأول، كأنه قال: فأتوهن من حيث يحصل منه الحرث. ٦- تخصيص أحد المذكورين بزيادة التأكيد على أمر علق بهما، كقوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ لقمان: ١٤، فاعترض بقوله: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ وبين «ووصّينا» ، وبين الموصى به، وذلك لإذكار الولد بما كابدته أمه من المشقة. فى حمله وفصاله، فذكر الحمل والفصال يفيد زيادة التوصية بالأم، لتحملها من المشاق والمتاعب فى حمل الولد ما لا يتكلفه الوالد. ٧- زيادة الرد على الخصم، كقوله تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ النحل: ١٠١، فاعترض بإذا، وجوابها بقوله وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ البقرة: ٧٣ فكأنه أراد أن يجيبهم عن دعواهم فجعل الجواب اعتراضا. ٨- الإدلاء بالحجة، كقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ النحل: ٤٣، ٤٤: فاعترض بقوله: فَسْئَلُوا بين قوله: نُوحِي إِلَيْهِمْ وبين قوله: بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ إظهارا لقوة الحجة عليهم.

стр. 984

(١٣) الإعجاز: فى خضم هذه الحياة الواسع المضطرب كان لا بد للناس من هداة يرسمون لهم الطريق إلى الخير ويبينون لهم مزالق الشر، كى تستقيم بهم ولهم حياتهم. والهداة كما يكونون من صنع المكان والزمان.، شأنهم فى ذلك شأن غيرهم من عباقرة الفن والعلم يهيشهم وجودهم بملابساته وأحداثه إلى منزلة من المنازل التى يحتلونها على أساس من فطرة يخصون بها من بين لداتهم، كما يكونون كذلك يكونون من صنع السماء، والفرق بين الحالين أنهم فى الأولى مستنبطون وفى الثانية ملهمون. وهم فى الأولى ذوو رأى يعرضونه، وفى الثانية ذوو أمر يبلغونه. وهذا هو الفرق بين الرائى والملهم. وإذ كانا مستويين فى تقدير الناس لأول وهلة كان لا بد من أن يظهر على يد ثانيهما ما يدفع هذا التساوى، وكان لا بد أن يكون هذا الذى يظهر على يديه معجزا لا يتأتى للأول فعله، ولا قوة لمألوف حياة الناس على مثله، مع اختلاف الأزمنة والبيئات. فالمعجز لا يتحقق إعجازه إلا إذا لم يسبقه شبهه فى عصر مّا ولا فى مكان مّا، وإلا إذا لم يقم له شبهه فى عصره الذى ظهر فيه بجميع بيئاته. ثم هو بهذين مالك حجته على المستقبل، لا يصح أن ينكشف هذا المستقبل عن شبيه بهذا المعجز، وإلا كان هذا المعجز نوعا من السبق تهيأت أسبابه لفرد قبل فرد وفى عصر دون عصر وفى بيئة دون بيئة. بهذا كله اتصفت حجة السماء كى تسمو على حجة الأرض وكى تملك أن تقنع الناس، وكى تملك أن يقتنع الناس بها. ولعل معترضا يقول: إذن فلا يصح تسليم بيئة بمعجز قيل أن يتم لهذه البيئة تعرف حكم البيئات الأخرى على هذا المعجز، كما أنه لا يصح أن يعجل المرء على التسليم، بل لا بد أن يرخى له إلى أن يبلغ غايته. ولقد فات هذا المعترض أن التسليم بالمقبول عقلا أو قوة فطرة الحياة وبها

стр. 985

تمضى، والتخلف عن هذا تعطيل لسنة الحياة ووقوف بالعقل دون أن يقضى فى شىء، والأمر فى الدينيات يزيد شيئا، إذ التسليم بها أو التأبى عليها أمران لهما حكمهما فى مصير الإنسان، وإن هو ودع حياته دون أن يأخذ بالأصلح مضى بوزره، ثم إن هذا الذى اشترطناه من إجماع البيئات والعصور دليل توكيد لا دليل إثبات، يقوم حجة للخلف البعيد عن المعجزة مقام الدليل للسلف الذى عاصر المعجزة، فما جاء على يد، موسى ﵇ لم يسبق إليه ولم يستطعه عصره ويجب أن يمتد هذا إلى الأبد، وما جاء على يد عيسى ﵇ لم يسبق إليه ولم يستطعه عصره، ويجب أن يمتد هذا إلى الأبد. وثمة شىء أحب أن أضيفه غير إجماع البيئات وإجماع العصور، وهو أن تكون المعجزة مما تكون أسبابه مملوكة، أو متخيلة فعلا أو قوة لمن تتحداهم، وأن يكونوا ذوى أهلية للحكم عليها، على أى لون كانت هذه الأهلية: ذاتية، مثل أن تتحدى الطبيب بطب، أو حملية مثل أن تتحدى بالطب غير الطبيب، إذ المفروض فيما يتحدى به أن يشمل من يعرف عنه ومن لا يعرف عنه، وإن اختلف موقف كل منهما من هذا المتحدى به. فإقرار العارف يختلف لا شك عن إقرار الجاهل إدراكا وتفهما، أو أهلية توثقية، مثل أن تكلف الأعمى مثلا الإقرار بإعجاز ما من شأنه أن يرى، إذ عليه أن يؤمن بما لم ير، ولكن عليه أن يتوثق لهذا الإيمان بما يشاء دون إعنات، وقريب من إيمان الأعمى إيمان أهل بيئة بما وقع فى بيئة أخرى، أو إيمان أهل عصر بما وقع لأهل عصر سابق، ومن هذه الأهلية التوثقية إيمان غير العربى بإعجاز كلام عربى، فهو والأعمى فيما لا يرى سواء، وكذلك فيما كان فيه اختلاف فى البيئة أو اختلاف فى العصر. ومما أجراه الله تعالى على يد موسى ﵇ مثلا فى عصاه، كان هذا مما يملك قوم موسى أسبابه قوة، وكانوا منه على أهلية بمراتبها الثلاث، الذانية والحملية والنوثقية. وما أجراه الله تعالى على لسان رسوله محمد صلى الله وسلم من قرآن كريم، كان

стр. 986

هذا مما يملك العرب أسبابه فعلا وغير العرب قوة، وكان هؤلاء على أهليات ثلاث، فالعرب المجودون على أهلية ذاتية، وغير المجودين منهم على أهلية حملية، وغير العرب من ذوى الألسنة الأخرى على أهلية توثقية. هذا من حيث أسلوب الكتاب الكريم وصوغه، أما من حيث معناه وما تنطق به آياته من تشريع وهداية وتبيين، فالجميع- عربا وعجما- يملكون أسبابه فعلا، وهم فيه جميعا على أهلية بأقوى مراتبها وهى الذاتية، لهذا كان هذا الشق من التحدى أجمع وأعم. فالقرآن الكريم معجز بشقيه كما قلت لك، هذا الشق اللفظى وذاك الشق المعنوى، بهما معا تحدى الرسول أمم الأرض كلها، وهو وإن كان قد جمع بشقه الأول الناس عليه بأهليات تتفاوت شيئا، فقد جمع بشقه الثانى الناس عليه بأهلية لا تفاوت فيها ولا تخلف. والله تعالى أجل من أن يجعل كتابه الكريم لذلك الشق الأول، أو ليكون لذلك الشق الأول النصيب الأوفر، فقد أرسل رسوله معلما، وهاديا، وكان هذا الكتاب الكريم لهذا التعليم وتلك الهداية، وكان هذان هما رسالة محمد ﷺ . وإذا كان محمد ﷺ عربيّا بين عرب لا يتقبلون إلا ما كان فصيحا كان لا بد من أن يساق إليهم كلام الله تعالى فصيحا ليقبلوا عليه، وكان لا بد من أن يساق إليهم كلام أفصح مما يعهدون كى لا يصرفوا بغيره مما هو فى مثل درجة فصاحته عنه، لهذا كان الإفصاح فى القرآن، ولهذا جاء كلام الله تعالى يمهد بإعجازه اللفظى لإعجازه المعنوى. إذن فالوقوف عند الشق الأول وحده من إعجاز القرآن تعطيل لشقه الآخر، فالقرآن معجز بهما كما هو معجز بكل منهما، وفى عرضهما تعريف بالإعجاز على وجهة المراد من القرآن وتعريف برسالة الرسول التى حملها القرآن، إذ هو لم يجيئ بهذا الإعجاز اللفظى فحسب، وإنما جاء بالرسالة أولا وزفها فى هذا الثوب الذى يليق بها، وكما كانت الرسالة معجزة كان هذا الثوب معجزا.

стр. 987

والغريب أن نجد الهمم قد الصرفت إلى هذا الشق الأول أكثر مما انصرفت إلى الشق الثانى، وأنهم منذ بدأ الخطابى أبو سليمان محمد بن إبراهيم (٣٨٨ هـ) فألف رسالته: «بيان إعجاز القرآن» والمؤلفون فى إثره على الطريق صانعون ما صنع، فنرى من بعده الباقلانى أبابكر محمد بر الطيب (٤٠٣ هـ) ثم أبا الحسن عبد الجبار (٤١٥ هـ) ثم الجرجانى عبد القاهر بن عبد الرحمن (٤٧١ هـ) ولكل منهم كتاب أو جزء من كتاب فى الإعجاز اللفظى، ولم يبعد عنهم الزمخشرى محمود بن عمر (٥٣٨ هـ) فى تفسيره. ولا عياض بن موسى (٥٤٤ هـ) فى كتابه «الشفا فى التعريف بحقوق المصطفى» ولا ابن عطية عبد الحق بن أبى بكر (٥٤٦ هـ) فى تفسيره المعروف باسم «الجامع المحرر» وحتى الذين تناولوا هذا الموضوع من المتأخرين. ولا نرى من هؤلاء المتأخرين من جنح للرأى الذى قلناه من قبل غير محمد فريد وجدى، فهو يضم إلى الجانب اللفظى هذا الجانب المعنوى، وأعنى به الرسالة التى تضمنها القرآن الكريم. لهذا كان علينا أن نلتفت إلى رسالة القرآن السامية بقدر ما نلتفت إلى أسلوبه الحكيم. فإعجاز القرآن أسلوبا إن ملك العرب له الأهلية الذاتية، فغير العرب وهم كثيرون يملأون العالم إلا أقله، لا يملكون هذه الأهلية الذاتية، وإن ملكوا الأهلية الحملية، أو الأهلية التوثقية، وما أحب لهؤلاء أن يجتمعوا على القرآن وإعجازه عن طريق اثنتين، وإنما أحب لهم أن يجتمعوا على القرآن وإعجازه عن طريق ثلاث أهليات، أولاها الذاتية، أحب لهؤلاء أن يعرفوا رسالة القرآن من القرآن، وأحب لهم أن يتبينوا إعجاز هذه الرسالة. وهم فى هذه الأهلية والعرب سواء. من أجل ذلك أحب للمؤلفين فى إعجاز القرآن أن يفسحوا لصفحاتهم أن تمتلئ بهذا، وأحب لهم أن تجرى أقلامهم فى هذا الشق بعد ما أجرى الكثيرون ممن سبقونا أقلامهم فى الشق الآخر، ولم يعد لنا مزيد نقوله بعدهم.

стр. 988

فأنا حين أدعو غير العربى إلى الإيمان بإعجاز القرآن أسلوبا ناظر إلى أهليته الحملية ثم أهليته التوثقية، وهو بهما مكلف بالتصديق ولا مهرب له، أما أن أحمله على تعلم العربية وأن أتلبث به إلى أن يتقنها، وقد يقضى عمره دون أن يتقنها، فذلك ما لا أقول به، ولا يحتج عليّ بأن ثمة نفرا من غير العرب تعلموا العربية أو أتقنوها إتقان العرب، مثل: عبد الحميد الكاتب، وابن المقفع، وابن العميد. ومن أجل هذا أحببت أن يكون المشق الثانى من الإعجاز، وهو الرسالة، نصيبه هو الآخر، إذا أردنا أن تعم الدعوة أهل الأرض جميعا، كما أراد لها صاحبها محمد ﷺ . ولقد وقف مؤلف قديم وهو القاضى عبد الجبار موقفى من هذه القضية، وذلك حيث يقول فى الجزء الذى أفرده من كتابه الكبير المغنى الإعجاز القرآن حيث يقول (ص ٢٩٤- ٢٩٥) : «فخبرونى عن العجم أتقولون إنهم يعرفون من حال القرآن ما ذكرتم أم لا يعرفونه؟ فإن قلتم: يعرفون ذلك. قيل لكم: فمن لا يعرف الفصاحة أصلا كيف يعرف مزية كلام فصيح على غيره، ومن لا يعرف القدر المعتاد من ربتة الفصاحة كيف يعرف الخارج عن هذا الحد؟ فإن قلتم: إنهم لا يعرفون ذلك فيجب ألا يكونوا محجوجين بالقرآن، وعندكم أنه الحجة الظاهرة والمعجزة الباهرة دون غيره، فيجب ألا تلزم العجم نبوة الرسول ﷺ ، ولو لم تلزمهم لكانوا لا يستحقون الذم على ترك الشريعة، ولما استحقوا الذم، ولما كانوا كفارا بالرد على رسول الله ﷺ ، وقد ثبت من دين رسول الله ﷺ خلافه، فيجب أن يكون ذلك قد جاء فى كون القرآن معجزا، لأن ما أوجب كونه معجزا يوجب كونه الحجة على الخلق، وما منع من كونه حجة على البعض يمنع من كونه حجة على الجميع؟ قيل له: إن الجميع من العجم يعرف حال القرآن وما يختص به من المزية

стр. 989

فى الجملة بعجز العرب عن معارضته مع توفر الدواعى، وذلك مما لا يحتاج فى معرفته إلى طريقة التفصيل، فلا يمتنع منهم أن يعرفوا ذلك. فأنت ترى معى أنى متفق والقاضى عبد الجبار فى إيمان غير العربى بإعجاز القرآن أسلوبا، وإن كنت قد زدت على القاضى عبد الجبار هذه التسمية التى سميتها بالأهلية الحملية والأهلية التوثقية. ولعلك وقفت معى عند كلمة القاضى عبد الجبار «فإن قلتم إنهم لا يعرفون ذلك فيجب ألا يكونوا محجوجين بالقرآن، وعندكم أنه الحجة الظاهرة والمعجزة الباهرة دون غيره» ، فهو من غير شك يتكلم عن إعجاز القرآن أسلوبا ولم يلتفت إلى إعجازه رسالة ليجعل منها هى الأخرى حجة القرآن. نعم إن الأمر كما قلت لك هو انصراف الأقدمين جملة إلى هذا الشق- وأعنى به الشق الأسلوبى- أكثر من انصرافهم إلى الشق الثانى من إعجاز القرآن، ألا وهو الرسالة. وقد اختلف الأقدمون فى الإعجاز على أقوال، أصحها: ١- تأليفه الخاص به، فى اعتدال مفرداته تركيبا، وعلو مركباته معنى. ٢- ما فيه من الإخبار عن الغيوب المستقبلة، مما أخبر به بأنه سيقع فوقع. ٣- ما تضمنه من إخبار عن قصص الأولين وسائر المتقدمين، حكاية من شاهدها وحضرها. ٤- أن التحدى إنما وقع بنظمه، وصحة معانيه، وتوالى فصاحة ألفاظه، ووجه إعجازه أن الله قد أحاط بكل شىء علما. والإتيان بمثل القرآن لم يكن قط فى قدرة أحد من المخلوقين. ولقد قامت الحجة على العالم بالعرب، إذ كانوا أرباب الفصاحة وفطنة المعارضة. (- ٣- الموسوعة القرآنية- ج ٣)

стр. 990

٥- ما فيه من النظم والتأليف والترصيف، وإنه خارج عن جميع وجوه النظم المعتادة فى كلام العرب، ومباين لأساليب خطاباتهم، ولهذا تمكنهم معارضته. ٦- أنه شىء لا يمكن التعبير عنه، يدرك ولا يمكن وصفه، فلا يشار إلى شىء منه إلا وكان ذلك المعنى آية فى نفسه وليس فى طاقة البشر الإحاطة بأغراض الله فى كلامه وأسراره فى كتابه. ٧- استمرار الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها فى جميعه استمرارا لا توجد له فترة، ولا يقدر عليه أحد من البشر، وكلام العرب لا تستمر الفصاحة والبلاغة فى جميع أنحائه فى العالم منه إلا فى الشىء اليسير المعدود، ثمّ تعرض الفترات له فلا تستمر فصاحته. ٨- مجيئه بأفصح الألفاظ فى أحسن نظم التأليف، مضمنا أصح المعانى، من توحيد الله تعالى وتنزيهه فى صفاته ودعاء إلى طاعته وبيان لطريق عبادته فى تحليل وتحريم وحظر، ومن وعظ وتقويم، وأمر بمعروف ونهى عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن مساويها، واضعا كل شىء منها موضعه الذى لا يرى شىء أولى منه، ولا يتوهم فى صورة العقل أمر أليق منه، مودعا أخبار القرون الماضية، وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاندمنهم، منبئا عن الكوائن المستقبلة فى الأعصار الماضية من الزمان، جامعا فى ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وإنباء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه. ٩- اختلاف المقامات ووضع كل شىء فى موضع يلائمه، ووضع الألفاظ كل فى الموضع الذى يليق به، ولو أبدل واحد منها بالآخر ذهبت تلك الطلاوة، من ذلك لفظ الأرض، لم ترد فى التنزيل إلا مفردة، وإذا ذكرت والسماء مجموعة، لم يؤت بها معها إلا مفردة، وحين أريد الإتيان بها مجموعة قيل: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ الطلاق: ١٢، تفاديا من جمعها.

стр. 991

(١٤) أفعل التفضيل: وفيه قواعد: ١- إذا أضيف إلى جنسه لم يكن بعضه، وعليه قوله تعالى: أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ هود: ٤٤ أى أحكم من كل من تسمى بحاكم. ٢- إذا ذكر بعد ما هود من متعلقاته وجب نصبه على التمييز، كقوله تعالى: أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً النساء: ٧٧، وأشد، هنا لغير الخشية، والتأويل: مثل قوم أشد خشية من أهل خشية الله. ٣- الأصل فيه الأفضلية على ما أضيف إليه، كقوله تعالى: وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها الزخرف: ٤٨، فالغرض وصفهن بالكفر من غير تفاوت فيه. ٤- لا ينبنى من العاهات، فلا يقال: (ما أعور) ، وعليه قوله تعالى: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى الإسراء: ٧٢، إذ هو من عمى القلب الذى يتولد من الضلالة، وهو ما يقبل الزيادة والنقص، لا من عمى البصر الذى يحجب المرئيات عنه. ٥- يكثر حذف المفضول إذا دل عليه دليل، وكان «أفعل» خبرا، كقوله تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ آل عمران: ٣٦. ٦- وقد يحذف المفضول، وليس «أفعل» خبرا، كقوله تعالى: فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى طه: ٧. ٧- قد يحىء مجردا عن معنى التفضيل، فيكون التفضيل لا للأفضلية، وهذا يأتى: (أ) إما مؤولا باسم فاعل، كقوله تعالى: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ النجم: ٣٢، فأعلم، هنا بمعنى: عالم.

стр. 992

(ب) وإما مؤولا بصفة مشبهة، كقوله تعالى: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ الروم: ٢٧ فأهون، هنا بمعنى: هين، إذ لا تفاوت فى نسبة المقدورات إلى قدرته تعالى. ٨- و «أفعل» فى الكلام على ثلاثة أضرب: (أ) مضاف، كقوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ التين: ٨. (ب) معرف باللام، كقوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الأعلى: ١. (ج) خال منهما، ويلزم اتصاله بالحرف «من» ، الذى هو لابتداء الغاية، جارا للمفضل عليه، كقوله تعالى: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا الكهف: ٣٤. (١٥) الاقتصاص: وهو أن يكون كلام فى سورة مقتصّا من كلام فى سورة أخرى أو نفسها كقوله تعالى: وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ الصافات: ٥٧، مقتص من قوله تعالى: فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ الروم: ١٦. (١٦) الالتفات: وهو نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب آخر، تطرية واستدرارا للسامع، وتجديدا لنشاطه وصيانة لخاطره من الملال والضجر بدوام الأسلوب الواحد على سمعه، بشرط أن يكون الضمير فى المنتقل إليه عائدا فى نفس الأمر إلى المنتقل عنه، وهو أقسام: ١- الالتفات من التكلم إلى الخطاب، كقوله تعالى: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يس: ٢٢، الأصل: وإليه أرجع، فالتفت من التكلم إلى الخطاب،

стр. 993

فلقد أخرج الكلام فى معرض مناصحته لنفسه، وهو يريد فصح قومه، تلطفا وإعلاما أنه يريد لهم ما يريد لنفسه، ثم التفت إليهم لكونه فى مقام تخويفهم ودعوتهم إلى الله. ٢- من التكلم إلى الغيبة، كقوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ الكوثر: ١، ٢، حيث لم يقل «لنا» تحريضا على فعل الصلاة لحق الربوبية. ٣- من الخطاب إلى التكلم، كقوله تعالى: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا. إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا طه: ٧٢، ٧٣. ٤- من الخطاب إلى الغيبة، كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ يونس: ٢٢، فعدل عن خطابهم إلى حكاية حالهم لغيرهم، لتعجبه من فعلهم وكفرهم، إذ لو استمر على خطابهم لفاتت تلك الفائدة. ٥- من الغيبة إلى التكلم، كقوله تعالى: وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا فصلت: ١٢. ٦- من الغيبة إلى الخطاب، كقوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا مريم: ٨٨، ٨٩. ٧- بناء الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله أو تكلمه، فيكون التفاتا عنه» كقوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ الفاتحة: ٧. وللالتفات أسباب: (أ) عامة، وهى التفنن والانتقال من أسلوب إلى آخر، لما فى ذلك من تنشيط السامع، واستحلاب صفاته، واتساع مجارى الكلام، وتسهيل الوزن والقافية. (ب) خاصة، وهذه تخلف باختلاف محاله، ومواقع الكلام فيه على ما يقصده المتكلم، ومنها:

стр. 994

١- قصد تنظيم شأن المخاطب، كقوله تعالى: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً الإسراء: ١١١، فإن التأدب فى الغيبة دون الخطاب. وقيل: إنه كما ذكر الحقيق بالحمد وأجرى عليه الصفات العظيمة، من كونه ربّا للعالمين، ورحمانا ورحيما، ومالكا ليوم الدين، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بأن يكون معبودا دون غيره، مستعانا به، فخوطب بذلك لتميزه بالصفات المذكورة، تعظيما لشأنه كله، حتى كأنه قيل: إياك يا من هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة لا غيرك. ٢- التنبيه على ما حق الكلام أن يكون واردا عليه كقوله: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يس: ٢٢، أصل الكلام: وما لكم لا تعبدون الذى فطركم، ولكنه أبرز الكلام فى معرض المناصحة لنفسه، وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويريهم أنه لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه، ثم لما انقضى غرضه من ذلك قال: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ليدل على ما كان من أصل الكلام ومقضيّا له. ٣- قصد المبالغة، كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ يونس: ٢٢، كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليتعجب منها ويستدعى منه الإنكار والتقبيح لها، إشارة منه على سبيل المبالغة إلى أن ما يعتمدونه بعد الإنجاء من البغى فى الأرض بغير الحق مما ينكر ويقبح. ٤- قصد الدلالة على الاختصاص، كقوله تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ فاطر: ٩، فإنه لما كان سوق السحاب إلى البلد الميت وإحياء الأرض بعد موتها بالمطر دالا على القدرة الباهرة التى لا يقدر عليها غيره، عدل عن لفظ الغيبة إلى التكلم، لأنه أدخل فى الاختصاص وأدل عليه. ٥- قصد التوبيخ، كقوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا مريم: ٨٨ و ٨٩، عدل عن الغيبة إلى الخطاب للدلالة على أن قائل مثل قولهم ينبغى أن يكون موبخا ومنكرا عليه، ولما أراد توبيخهم على هذا أخبر عنه بالحضور، لأن توبيخ الحاضر أبلغ فى الإهانة له.

стр. 995

(١٧) أول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل: أول ما نزل من القرآن قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ العلق: ١، ثم كانت فترة الوحى التى مكثت سنين ثلاثا، وبعدها أخذ القرآن ينزل على الرسول منجما، فنزلت: ن والقلم، ثم المزمل، ثم المدثر، إلى غير ذلك مما نزل، مقامه ﷺ بمكة، منذ بعث إلى أن هاجر، وكان ذلك اثنتى عشرة سنة وخمسة أشهر وثلاثة عشر يوما، أى منذ اليوم السابع عشر من رمضان من سنة إحدى وأربعين من مولده إلى اليوم الأول من شهر ربيع الأول من سنة أربع وخمسين من مولده. وأما آخر ما نزل من القرآن الكريم فمختلف فيه، فقيل قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ النصر: ١، وقيل: قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وقيل: قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ البقرة: ٢٨١، وكان بين نزولها ووفاة النبى ﷺ أحد وثمانون يوما، وقيل. تسع ليال. (١٨) الإيجاز: وهو قسم من الحذف، ويسمى: إيجاز القصر، وهو قسمان: (١) وجيز بلفظ (٢) وجيز بحذف ١- الوجيز باللفظ، وهو أن يكون اللفظ بالنسبة إلى المعنى أقل من القدر المعهود عادة، وهو إما: (أ) مقدر، وهو الذى يكون مساويا لمعناه، ومنه قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ... النحل: ٩٠. (ب) مقصور، وهو ما يكون أقل من معناه، ونقصان لفظه عن

стр. 996

معناه يكون لاحتمال لفظه لمعان كثيرة، وذلك كاللفظ المشترك الذى له مجازان، أو حقيقة ومجاز، إذا أريد معاينة، كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ الأحزاب: ٥٦ فإن الصلاة من الله مغايرة للصلاة من الملائكة. والإيجاز أنواع، منها: ١- الاقتصار على السبب الظاهر للشىء اكتفاء بذلك عن جميع الأسباب، ومنه قوله تعالى: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ النساء: ٤٣، ولم يذكر النوم وغيره، لأن السبب الضرورى الناقض هو خروج الخارج، فإن النوم الناقض ليس بضرورى، فذكر السبب الظاهر وعلم منه الحكم في الباقى. ٢- الاقتصار على المبتدأ أو إقامة الشىء مقام الخبر. ٣- لفظ (فعل) ، فإنه يجىء كثيرا كناية عن أفعال متعددة. ٤- باب (علم) ، إذا جعلنا الجملة سادة مسد من المفعولين. (١٩) البسملة- انظر: التعوذ . (٢٠) التأخير- انظر: التقديم والتأخير . (٢١) التتميم: وهو أن يتم الكلام فيلحق به ما يكلمه، إما احترازا، أو احتياطا، وقيل: هو أن يأخذ فى معنى فيذكره غير مشروح، وربما كان السامع لا يتأمله، ليعود المتكلم إليه شارحا، كقوله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً الدهر: ٨، فالتتميم فى قوله عَلى حُبِّهِ جعل الهاء كناية عن الطعام مع اشتهائه.

стр. 997

(٢٢) التجريد: وهو أن تعتقد أن فى الشىء من نفسه معنى آخر كأنه مباين له، فتخرج ذلك إلى ألفاظه بما اعتقدت ذلك، كقوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ آل عمران: ١٩٠، فظاهر هذا أن فى العالم من نفسه آيات، وهو عينه ونفسه تلك الآيات. (٢٣) التجنيس: وهو: ١- إما تام، وهو أن تتساوى حروف الكلمتين، كقوله تعالى: يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ الروم: ٥٥. ٢- وإما بزيادة فى إحدى الكلمتين، كقوله تعالى: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ. إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ القيامة: ٢٩، ٣٠. ٣- وإما لا حق، بأن يختلف أحد الحرفين، كقوله تعالى: وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ. وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ العاديات: ٧» ٨. ٤- وإما فى الخط، وهو أن يكون مشتبها فى الخط لا فى اللفظ، كقوله تعالى: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً الكهف: ١٠٤. ٥- وإما فى السمع، لقرب أحد المخرجين من الآخر، كقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ القيامة ٢٢، ٢٣. (٢٤) التذييل: أن يؤتى بعد تمام الكلام بكلام مستقل فى معنى الأول تحقيقا لدلالة منطوق الأول، أو مفهومه، فيكون معه كالدليل، ليظهر المعنى عند من لا يفهم، ويكمل

стр. 998

عند من فهم، كقوله تعالى: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا سبأ: ١٧، ثم قال تعالى: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ أى هل يجازى ذلك الجزاء الذى يستحقه الكفور إلا الكفور، فإن جعلنا الجزاء عاما كان الثانى مفيدا فائدة زائدة. (٢٥) الترديد: وهو أن يعلق المتكلم لفظة من الكلام ثم يردها بعينها ويعلقها بمعنى آخر، كقوله تعالى: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا الروم: ٦، ٧. (٢٦) التشبيه: وهو إلحاق شىء بذى وصف فى وصفه، أو أن تثبت للمشبه حكما من أحكام المشبه به، وقيل: هو الدلالة على اشتراك شيئين فى وصف هو من أوصاف الشىء الواحد. وهو حكم إضافى لا يرد إلا بين الشيئين، بخلاف الاستعارة. وأدواته: ١- أسماء، ومنه قوله تعالى: ثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ آل عمران: ١١٧. ٢- أفعال، ومنه قوله تعالى: يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً النور: ٢٥. ٣- حروف، وهى إما: (أ) بسيطة، كالكاف، نحو قوله تعالى: كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ إبراهيم: ١٨. (ب) مركبة، كقوله تعالى: كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ الصافات: ٦٥. وينقسم باعتبار طرقه إلى ثلاثة أقسام:

стр. 999

١- أن يكونا حسيين، كقوله تعالى: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ القمر: ٢٠. ٢- أن يكونا عقليين، كقوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً البقرة: ٧٤. ٣- أن يكون المشبه معقولا والمشبه به محسوسا، كقوله تعالى: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً الجمعة: ٥ لأن حملهم التوراة ليس كالحمل على العاتق، إنما هو القيام بما فيها. (٢٧) التضمين: وهو إعطاء الشىء معنى الشىء، ويكون: ١- فى الأسماء، وهو أن يضمن اسما معنى اسم لإفادة معنى الاسمين جميعا، كقوله تعالى: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ الأعراف: ١٠٥، ضمن «حقيق» معنى: حريص، ليفيد أنه محقوق بقول الحق وحريص عليه. ٢- فى الأفعال، وهو أن تضمن فعلا معنى فعل آخر، ويكون فيه معنى التعليق جميعا، وذلك بأن يكون الفعل يتعدى مجرف فيأتى متعديا بحرف آخر، ليس من عادته التعدى به، فيحتاج إما إلى تأويله أو تأويل الفعل ليصح تعديه به، كقوله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ الدهر: ٦، فضمن «يشرب» معنى: يروى، لأنه لا يتعدى بالباء، فلذلك دخلت الباء، وإلا فيشرب يتعدى بنفسه، فأريد باللفظ الشرب والرى معا. (٢٨) التعديد: وهو إيقاع الألفاظ المبددة على سياق واحد، وأكثر ما يؤخذ فى الصفات ومقتضاه ألا يعطف بعضها على بعض لاتحاد محلها وتجرى مجرى الوصف فى الصدق

стр. 1000

على ما صدق، ولذلك يقل عطف بعض صفات الله على بعض فى التنزيل، وذلك كقوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ البقرة: ٢٥٥. (٢٩) التعريض والتلويح: وهو الدلالة على المعنى من طريق المفهوم، وسمى تعريضا لأن المعنى باعتباره يفهم من عرض اللفظ، أى من جانبه، ويسمى التلويح، لأن المتكلم يلوح منه السامع ما يريده، كقوله تعالى: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ الأنبياء: ٦٣، لأن غرضه بقوله فَسْئَلُوهُمْ على سبيل الاستهزاء، وإقامة الحجة عليهم بما عرض لهم به من عجز كبير الأصنام عن الفعل، مستدلا على ذلك بعدم إجابتهم إذا سئلوا، ولم يرد بقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا نسبة الفعل الصادر عنه إلى الصنم، فدلالة هذا الكلام عجز كبير الأصنام عن الفعل بطريق الحقيقة. ومنه أن يخاطب الشخص، والمراد غيره سواء كان الخطاب مع نفسه، أو مع غيره، كقوله تعالى: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ البقرة: ٢٠٩. فالخطاب للمؤمنين والتعريض لأهل الكتاب، لأن الزلل لهم لا للمؤمنين. (٣٠) التعريف بالألف واللام- أسبابه: ١- الإشارة إلى معهود خارجى، كقوله تعالى: بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ. فَجُمِعَ السَّحَرَةُ الشعراء: ٣٧، ٣٨، على قراءة الأعمش، والجمهور (بكل سحار) فإنه أشير بالسحرة إلى ساحر مذكور. ٢- الإشارة إلى معهود ذهنى، أى فى ذهن مخاطبك، كقوله تعالى: إِذْ هُما فِي الْغارِ آل عمران: ٣٥.

стр. 1001

٣- الإشارة إلى معهود حضورى، كقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ المائدة: ٣، فإنها نزلت يوم عرفة. ٤- الجنس، وهو أن يقصد جنس المعنى، على وجه الحقيقة لا المبالغة، كقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ الأنبياء: ٣٠، أى جعلنا مبتدأ كل حى هذا الجنس، الذى هو الماء. (٣١) التعليل: وهو ذكر الشىء معللا، وهو أبلغ من ذكره بلا علة، وهذا لوجهين: ١- أن العلة المنصوصة قاضية بعموم المعلول. ٢- أن النفوس تنبعث إلى نقل الأحكام المعللة بخلاف غيرها. وللدلالة على العلة طرق: ١- التصريح بلفظ الحكم، كقوله تعالى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ النساء: ١١٣، والحكمة هى العلم النافع، أو العمل الصالح. ٢- أنه فعل كذا لكذا، أو امر بكذا لكذا، كقوله تعالى: ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ المائدة: ٩٧. ٣- الإتيان بكى، كقوله تعالى: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ الحشر: ٧، فعلل سبحانه قسمة الفىء بين هذه الأصناف كيلا يتداوله الأغنياء، دون الفقراء. ٤- ذكر المفعول له وهو علة للفعل المعلل به، كقوله تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً النحل: ٨٩، وقد يكون معلولا بعلة

стр. 1002

أخرى، كقوله تعالى: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ البقرة: ١٩. ٥- اللام فى المفعول له: وتقوم مقام الباء، نحو: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا النساء: ١٦٠، و «من» نحو: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا المائدة: ٣٢، والكاف، نحو: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ البقرة: ١٥١. ٦- الإتيان بإن، كقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ المزمل: ٢٠. ٧- أن والفعل المستقبل بعدها، تعليلا لما قبله: كقوله تعالى: أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا الأنعام: ١٥٦. ٨- من أجل، كقوله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ المائدة: ٣١، فإنه لتعليل الكتب، وعلى هذا فيجب الوقف على (من النّادمين) . ٩- التعليل بمعل، كقوله تعالى: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ البقرة: ٢١. ١٠- ذكر الحكم الكونى والشرعى عقب الوصف المناسب له، فتارة يذكر: (أ) بإن، كقوله تعالى: وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ. فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ الأنبياء ٨٩، ٩٠. (ب) بالفاء، كقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما المائدة: ٣٨. (ج) وتارة يجرد، كقوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. ادْخُلُوها بِسَلامٍ الحجر: ٤٥، ٤٦. ١١- تعليله سبحانه عدم الحكم بوجود المانع منه، كقوله تعالى: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ ... الزخرف: ٣٣.

стр. 1003

١٢- إخباره تعالى عن الحكم والغايات التى جعلها فى خلفه وأمره، كقوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ... البقرة: ٢٢. (٣٢) التعوذ والبسملة: لا خلاف بين العلماء أن القارىء للقرآن مطلوب منه عند البدء فى القراءة أن يتعوذ، والصيغة المختارة للتعوذ هى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وعند الجمهور أن التعوذ على الندب لا على الوجوب. ثم لا خلاف بين العلماء فى الجهر بها عند البدء فى القراءة لأنها شعارها. ولا بد من قراءة البسملة أول كل سورة تحرزا، على مذهب الشافعى. وقد اختلف العلماء فى البسملة على ثلاثة أقوال: ١- ليست بآية، لا من الفاتحة ولا من غيرها، وهو قول مالك. ٢- أنها آية من كل سورة، وهو قول عبد الله بن المبارك. ٣- أنها آية من الفاتحة، وهو قول الشافعى. (٣٣) التغليب: وهو إعطاء الشىء حكم غيره، وقيل: ترجيح أحد المغلوبين على الآخر، أو إطلاق لفظه عليهما، إجراء للمختلفين مجرى المتفقين، وهو أنواع: ١- تغليب المذكر، كقوله تعالى: وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ القيامة: ٩، غلب المذكر، لأن الواو جامعة، لأن لفظ الفعل مقتض، ولو أردت العطف امتنع. ٢- تغليب المتكلم على المخاطب والمخاطب على الغائب، ومنه قوله تعالى: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ النمل: ٥٥، غلب جانب (أنتم) على جانب «قوم» ، والقياس

стр. 1004

أن يجيء بالياء، لأنه وصف القوم وقوم اسم غيبة، ولكن حسن آخر الخطاب، وصفا لقوم لوقوعه خبرا عن ضمير المخاطبين. ٣- تغليب العاقل على غيره، كقوله تعالى: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فصلت: ١١، فجمعها جمع السلامة لأنه: أراد ائتيا بمن فيكما من الخلائق طائعين، فخرجت الحال على لفظ الجمع، وغلب من يعقل من الذكور. ٤- تغليب المتصف بالشىء على ما لم يتصف به، كقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا البقرة: ٢٣، غلب غير المرتابين على المرتابين. ٥- تغليب الأكثر على الأقل، كقوله تعالى: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا الأعراف: ٨٨، أدخل شعيب ﵇ فى قوله: لَتَعُودُنَّ بحكم التغليب، إذ لم يكن فى قريتهم أصلا حتى يعود إليها. ٧- تغليب الجنس الكثير الأفراد على فرد من غير هذا الجنس، مغمور فيما بينهم، بأن يطلق اسم الجنس على الجميع، كقوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ ص: ٧٣، ٧٤، فلقد عد إبليس منهم مع أنه كان من الجن، تغليبا لكونه جنيا واحدا فيما بينهم، ولأن جعل الاستثناء على الاتصال هو الأصل. ٧- تغليب الموجود على ما لم يوجد، كقوله تعالى: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ البقرة: ٤، فإن المراد المنزل كله، وإنما عبر عنه بلفظ المضى، وإن كان بعضه مترقبا، تغليبا للموجود على ما لم يوجد. ٨- تغليب الإسلام، كقوله تعالى: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ الأحقاف: ١٨، لأن الدرجات للعلو والدركات للسفل، فاستعمل الدرجات فى القسمين تغليبا. ٩- تغليب ما وقع بوجه مخصوص على ما وقع بغير هذا الوجه، كقوله تعالى:

стр. 1005

ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ آل عمران: ١٨٢، ذكر الأيدى، لأن أكثر الأعمال تزاول بها، فحصل الجمع بالواقع بالأيدى. ١٠- تغليب الأشهر، كقوله تعالى: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ الزخرف: ٢٨، أراد: المشرق والمغرب، فغلب المشرق، لأنه أشهر الجهتين. (٣٤) التفسير والتأويل: قال ابن فارس: معانى العبارات التى يعبر بها عن الأشياء ترجع إلى ثلاثة: المعنى، والتفسير، والتأويل، وهى وإن اختلفت فالمقاصد متقاربة. فأما المعنى، فهو القصد والمراد. وأما التفسير لغة، فهو: الإظهار والكشف، وفى الاصطلاح: هو علم نزول الآية وسورتها، والإشارات النازلة فيها، ثم ترتيب مكيها ومدنيها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصها وعامها، ومطلقها، ومقيدها، ومجملها ومفسرها، وعلم حلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعبرها وأمثالها. وأما التأويل، فهو صرف الآية إلى ما تحمله من المعانى. والتفسير أعم من التأويل، وأكثر استعماله فى الألفاظ، وأكثر استعمال التأويل فى المعانى، كتأويل الرؤيا، وأكثره يستعمل فى الكتب الإلهية، والتفسير يستعمل فى غيرها. والتفسير أكثر ما يستعمل فى معانى مفردات الألفاظ. والتفسير فى عرف العلماء كشف معانى القرآن، وبيان المراد أعم من أن يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره، وبحسب المعنى الظاهر وغيره. والتفسير إما أن يستعمل فى غريب الألفاظ، كالبحيرة والسائبة والوصيلة، أو فى وجيز مبين بشرح، كقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ البقرة: ٤٣،

стр. 1006

وإما فى كلام مضمن لقصة لا يمكن تصويره إلا بمعرفتها، كقوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ التوبة: ٣٧. وأما التأويل فإنه يستعمل مرة عامّا ومرة خاصّا، نحو الكفر، فإنه يستعمل تارة فى الجحود المطلق، وتارة فى جحود البارئ خاصة. وقيل: التأويل، كشف ما انغلق من المعنى، ولهذا يقال: التفسير يتعلق بالرواية، والتأويل يتعلق بالدراية. ويعتبر فى التفسير الإتباع والسماع، وإنما الاستنباط فيما يتعلق بالتأويل. وقيل: التأويل، صرف الآية إلى معنى موافق لما قبلها وما بعدها، تحتمله الآية، غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط، فأما التأويل المخالف للآية والشرع فمحظور، لأنه تأويل الجاهلين، وهذا مثل تأويل الروافض لقوله تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ الرحمن: ١٩، أنهما على وفاطمة، (يخرج منهما اللّؤلؤ والمرجان) الرحمن: ٢٢، أنهما الحسن والحسين، رضى الله عنهما. وأمهات مآخذ التفسير أربعة: ١- النقل عن رسول الله ﷺ . ٢- الأخذ بقول الصحابى. ٣- الأخذ بمطلق اللغة. ٤- التفسير بالمقتضى من معنى الكلام والمقتضب من قوة الشرع. ويقسمون التفسير أقساما أربعة، وهى: ١- قسم تعرفه العرب فى كلامها، وهذا ما يرجع فيه إلى لسانهم، شأن اللغة والإعراب. ٢- مالا يعذر واحد يجهله، وهو ما تتبادر الأفهام إلى معرفة معناه من النصوص المتضمنة شرائع الأحكام ودلائل التوحيد، وكل لفظ أفاد معنى واحدا جليّا لاسواه، يعلم أنه مراد الله تعالى.

стр. 1007

وهذا القسم لا يختلف حكمه ولا يلتبس تأويله، فكل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ محمد: ١٩، وأنه لا شريك له فى الهيئة، وإن لم يعلم أن «لا» موضوعة فى اللغة للنفى، و «إلا» للإثبات، وأن مقتضى هذه الكلمة الحصر. ٣- ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وهو ما يجرى مجرى الغيوب، نحو الآى المتضمنة قيام الساعة ونزول الغيث، وما فى الأرحام، وتفسير الروح. وكل متشابه فى القرآن لا مساغ للاجتهاد فى تفسيره، ولا طريق إلى ذلك إلا بالتوقيف من أحد ثلاثة أوجه: (أ) نص من التنزيل. (ب) بيان من النبى ﷺ . (ج) إجماع الأمة على تأويله. ٤- ما يرجع إلى اجتهاد العلماء، وهو الذى يغلب عليه إطلاق التأويل، وهو صرف اللفظ إلى ما يؤول إليه، فالمفسر ناقل، والمؤول مستنبط. فكل لفظ احتمل معنيين فأكثر لم يجز لغير العلماء الاجتهاد فيه، وعلى العلماء اعتماد الشواهد والدلائل، وليس لهم أن يعتمدوا مجرد رأيهم فيه. (٣٥) التقديم والتأخير: وهو تقديم ما رتبته التأخير، كالمفعول، وتأخير ما رتبته التقديم كالفاعل، نقل كل واحد منهما عن رتبته وحقه، وله أسباب، منها: ١- أن يكون فى التأخير إخلال ببيان المعنى، ومنه قوله تعالى: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ غافر: ٢٨، فإنه لو أخر مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ فلا يفهم أنه منهم. ٢- أن يكون فى التأخير إخلال بالتناسب، فيقدم لمشاكلة الكلام ولرعاية الفاصلة، كقوله تعالى: وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ فصلت:

стр. 1008

٢٧، بتقديم (إياه) على تَعْبُدُونَ لمشاكلة رءوس الآى. ٣- لعظمه والاهتمام به، كقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ: البقرة: ٤٣، فبدأ بالصلاة لأنها أهم. ٥- أن يكون الخاطر ملتفتا إليه والهمة معقودة به، كقوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الأنعام: ١٠٠، بتقديم المجرور على المفعول الأول، لأن الإنكار متوجه إلى الجعل لله لا إلى مطلق الجعل. ٦- أن يكون التقديم لإرادة النبكيت والتعجب من حال المذكور، كتقديم المفعول الثانى على الأول فى قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ الأنعام: ١٠٠، والأصل «الجن شركاء» وقدم لأن المقصود التوبيخ، وتقديم (الشركاء) أبلغ فى حصوله. ٧- الاختصاص، وذلك بتقديم المفعول والخبر والظرف والجار والمجرور، كقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ فاتحة الكتاب: ٥، أى نختصك بالعبادة، فلا نعبد غيرك. وهو إما: (أ) أن يقدم والمعنى عليه. (ب) أن يقدم وهو فى المعنى مؤخر. (ج) ما قدم فى آية وأخرى فى أخرى. (أ) ما قدم والمعنى عليه: ومقتضياته كثيرة، منها: ١- السبق، وهو أقسام: (١) السبق بالزمان والإيجاد، كقوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ آل عمران: ٦٨، والمراد: الذين اتبعوه فى زمن. (ب) سبق إنزال، كقوله تعالى: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ الأعراف: ١٥٧.

стр. 1009

(ج) سبق وجوب، كقوله تعالى: ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا الحج: ٧٧. (د) سبق تنزيه، كقوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ البقرة: ٢٨٠، فبدأ بالرسول قبل المؤمنين، ثم بدأ بالإيمان بالله، لأنه قد يحصل بدليل العقل، والعقل سابق فى الوجود على الشرع. ٢- بالذات، كقوله تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ الكهف: ٢٢ وكذلك جميع الأعداد، كل مرتبة هى متقدمة على ما فوقها بالذات. ٣- بالعلة والسببية، كقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ الفاتحة: ٥، قدمت العبادة لأنها سبب حصول الإعانة. ٤- بالمرتبة، كقوله تعالى: غَفُورٌ رَحِيمٌ البقرة: ١٧٣، فإن المغفرة سلامة والرحمة غنيمة، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة. ٥- بالداعية، كتقدم الأمر بغض الأبصار على حفظ الفروج، كقوله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ النور: ٣٠، لأن البصر داعية إلى الفرج، بقوله ﷺ : «العينان تزنيان والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» . ٦- التعظيم، كقوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ النساء: ٦٩. ٧- الشرف، كقوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ الأحزاب: ٣٥، لشرف الذكورة. والشرف أنواع: شرف الحرية، شرف الفعل، شرف الإيمان، شرف العلم، شرف الحياة، شرف المعلوم، شرف الإدراك، شرف المحازاة، شرف العموم، شرف الإباحة، الشرف بالفضيلة، وكل هذا له شواهده من القرآن الكريم. ٨- الغلبة والكثرة، كقوله تعالى: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ فاطر: ٣٢، قدم الظالم لكثرته، ثم المقتصد، ثم السابق. ٩- سبق ما يقتضى تقديمه، وهو دلالة السياق، كقوله تعالى: وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ النحل: ٦، لما كان إسراحها وهى خماص،

стр. 1010

وإراحتها وهى بطان، قدم الإراحة، لأن الجمال بها حينئذ أفخر. ١٠- مراعاة اشتقاق اللفظ، كقوله تعالى: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ المدثر: ٣٧. ١١- الحث عليه خيفة من التهاون به، كتقديم تنفيذ الوصية على وفاء الدين، كقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ النساء: ١١، فإن وفاء الدين سابق على الوصية، لكن قدم الوصية لأنهم كانوا يتساهلون بتأخيرها بخلاف الدين. ١٢- لتحقق ما بعده واستغنائه هو عنه فى تصوره، كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مريم: ٩٦. ١٣- الاهتمام عند المخاطب، كقوله تعالى: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها النساء: ٨٦. ١٤- للتنبيه على أنه مطلق لا مقيد، كقوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ الأنعام: ١٠٠، على القول بأن الله فى موضع المفعول الثانى ل «جعل» وشركاء، مفعول أول. ويكون «الجن» فى كلام ثان مقدر، كأنه قيل: فمن جعلوا شركاء؟ قيل: الجن. وهذا يقتضى وقوع الإنكار على جعلهم «لله شركاء» على الإطلاق، فيدخل بشركة غير الجن، ولو أخر فقيل: وجعلوا الجن شركاء لله، وكان الجن مفعولا أولا وشركاء ثانيا، فتكون الشركة مقيدة غير مطلقة، لأنه جرى على الجن، فيكون الإنكار توجه لجهل المشاركة للجن خاصة، وليس كذلك. ١٥- للتنبيه على أن السبب مرتب، كقوله تعالى: يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ التوبة: ٣٥، قدم الجباه ثم الجنوب، لأن مانع الصدقة كان يصرف وجهه أولا عن السائل. ثم ينوء بحانبه، ثم يتولى بظهره.

стр. 1011

١٦- التنقل، وهو أنواع: (أ) إما من الأقرب إلى الأبعد، كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ آل عمران: ٥، لقصد الترقى. (ب) وإما من الأبعد إلى الأقرب، كقوله تعالى: إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ الجاثية: ٣. (ح) وإما من الأعلى، كقوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ آل عمران: ١٨. (د) وإما من الأدنى، كقوله تعالى: وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً الكهف: ٤٩. ١٧- الترقى، كقوله تعالى: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها الأعراف: ١٩٥، فإنه سبحانه بدأ منها بالأدنى لغرض الترقى، لأن منفعة الرابع أهم من منفعة الثالث، فهو أشرف منه، ومنفعة الثالث أعم من منفعة الثانى، ومنفعة الثانى أعم من منفعة الأول، فهو أشرف منه. ١٨- مراعاة الإفراد، فإن المفرد سابق على الجمع، كقوله تعالى: الْمالُ وَالْبَنُونَ الكهف: ٤٦. ١٩- التحذير منه والتنفير منه، كقوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً النور: ٣، قرن الزنى بالشرك وقدمه. ٢٠- التخويف منه، كقوله تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ هود: ١٠٥. ٢١- التعجب من شأنه، كقوله تعالى: وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ: الأنبياء: ٧٩، قدم الجبال على الطير، لأن تسخيرها له وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة، وأدخل فى الإعجاز، لأنها جماد والطير حيوان ناطق. ٢٢- كونه أدل على القدرة، كقوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ النور: ٤٥. ٢٣- قصد الترتيب، كما فى آية الوضوء، فان إدخال المسح بين الغسلين،

стр. 1012

وقطع النظير عن النظير، مع مراعاة ذلك فى لسانهم، دليل على قصد الترتيب. ٢٤- خفة اللفظة، كتقديم الإنس على الجن، فالإنس أخف، لمكان النون والسين المهموسة. ٢٥- رعاية الفواصل، كتأخير الغفور فى قوله تعالى: لَعَفُوٌّ غَفُورٌ الحج: ٦٠. (ب) أن يقدم وهو فى المعنى مؤخر. فمنه: ١- ما يدل على ذلك الإعراب، كتقديم المفعول على الفاعل في نحو قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ فاطر: ٢٨. ٢- ما يدل على المعنى، كقوله تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها البقرة: ٧٢، فهذا أول القصة، وإن كانت مؤخرة فى التلاوة. (ج) ما قدم فى آية وأخر فى أخرى. فمن ذلك: قوله تعالى فى فاتحة الفاتحة: الْحَمْدُ لِلَّهِ وفى خاتمة الجاثية فَلِلَّهِ الْحَمْدُ الجاثية: ٣٦. ومن أنواعه: ١- أن يقدم اللفظ فى الآية ويتأخر فيها، لقصد أن يقع البداءة والختم به للاعتناء بشأنه، كقوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ آل عمران: ١٠٦. ٢- أن يقع التقديم فى موضع والتأخير فى آخر، واللفظ واحد والقصة واحدة للتفتن فى الفصاحة وإخراج الكلام على عدة أسباب، كما فى قوله تعالى: وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ البقرة: ٥٨، وقوله تعالى: وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً الأعراف: ١٦١.

стр. 1013

(٣٦) التقسيم: وهو استيفاء المتكلم أقسام الشىء بحيث لا يغادر شيئا، كقوله تعالى: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ فاطر: ٣٢، فإنه لا يخلو العالم جميعا من هذه الأقسام الثلاثة: إما ظالم نفسه، وإما سابق مبادر إلى الخيرات، وإما مقتصد فيها، وهذا من أوضح التقسيمات وأكملها. (٣٧) التكرار- وانظر: القصة: وهو إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنى، خشية تناسى الأول لطول العهد به، فإن أعيد لا لتقرير المعنى السابق لم يكن منه، وفوائده: ١- زيادة التنبيه على ما ينفى التهمة ليكمل تلقى الكلام بالقبول، ومنه قوله تعالى: وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ. يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ غافر: ٣٨، ٣٩، وتكرار النداء لهذا. ٢- إذا طال الكلام وخشى تناسى الأول أعيد ثانيا، تطرية له وتجديدا العهده، كقوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ البقرة: ٨٩، فهذا تكرار للأول، لأن «لما» لا تجيء بالفاء. ٣- فى مقام التهويل والتعظيم، كقوله تعالى: الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ القارعة: ١ ٤- فى مقام الوعيد والتهديد، كقوله تعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ التكاثر: ٦، ٧، ذكر «ثم» فى المكرر دلالة على أن الإنذار الثانى أبلغ من الأول، وفيه تنبيهه على تكرر ذلك مرة بعد أخرى، وإن تعاقبت عليه الأزمنة لا يتطرق إليه تغيير بل هو مستمر أبدا. ٥- التعجب، كقوله تعالى: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ المدثر: ١٩، ٢٠، فأعيد تعجبا من تقديره، وإصابته الغرض.

стр. 1014

٦- لتعدد المتعلق، كما فى قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ الرحمن: ١٣. وما بعدها، فإنها وإن تعددت فكل واحد منها متعلق بما قبله. (٣٨) تنجيم القرآن، أى نزوله منجما: فيما بين السابع عشر من رمضان- من السنة الحادية والأربعين من ميلاد الرسول، وكان بدء نزول الوحى، وإلى ما قبل موته ﷺ ، بأيام لا تجاوز الواحد والثمانين ولا تنقص عن العشرة، وكان آخر ما نزل من الوحى، أى فى نحو من إحدى وعشرين سنة، أو على الأصح فى نحو من ثمانى عشرة سنة، بإسقاط المدة التى فتر فيها الوحى والتى بلغت ثلاث سنين- نزل هذا القرآن منجما يشرع للناس. ويتابع الأحداث، ويجيب وببين وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ الفرقان: ٣٣ وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا الإسراء: ١٠٦. وما كانت حكمة السماء تقضى إلا بهذا مع أمة يراد لها أولا التحول من عقائد إلى عقيدة، والخروج من وثنية إلى دين، ومن أوهام وظنون إلى منطق وحق، ومن لا إيمان إلى إيمان. تلك خطوة أولى كان من الحكمة أن تبدأ بها الدعوة وتفرغ لها، حتى إذا ما ضمت الناس على الطريق أخذتهم بما تحمى إيمانهم به، فحاطتهم بعبادات وألزمتهم بواجبات، والناس لا يمضون فيما جد عليهم خرسا لا ينطقون، وعميا لا ينظرون. وغفلا لا يتدبرون، فهم مع هذا كله سائلون يتبينون، والوحى يتابعهم فى كل ما فيه يستفسرون. إذ به تمام الرسالة. ثم إن هذه الدعوة السماوية بدأت جهادا وعاشت جهادا، أملته الأيام وتمخضت عنه الأعوام، وهو وإن كان فى علم السماء قبل أن يقع لكنه كان على علم الناس جديدا لم يقع، وكان لا بد أن يلقنوه مع زمانه وأوانه.

стр. 1015

ثم ما أكثر ما أخذ الناس وأعطوا فى ظل الدعوة لتثبت أركانها فى نفوسهم، وهذا- وإن كان فى علم السماء قبل أن يقع- لكنه كان على حياة الناس جديدا لم يقع، وكان لا بد أن يلقنوا بيانه مع زمانه وأوانه. وهكذا لم تكن الرسالة كلمة ساعتها، وإنما كانت كلمات أعوام ثمانية عشر، وكانت هذه الكلمات كلها فى علم السماء وفى اللوح المحفوظ، ولكنها نزلت إلى علم الناس مع زمانها وأوانها. لهذا نزل القرآن منجما، ولقد خال المشركون أن دعوة الرسول إليهم كلمة، وأن صفحته معهم صفحة، وفاتهم أن الدعوة معها خطوات، وأن هذه الخطوات معها جديد على علمهم لا على علم السماء، وما أحوجهم مع كل جديد إلى مزيد، ومن أجل هذا الذى فاتهم استنكروا أن ينزل القرآن منجما وقالوا: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً الفرقان: ٣٢، وكان جواب السماء عليهم كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا الفرقان: ٣٢، أى: جعلناه بعضه فى إثر بعض، منه ما نزل ابتداء ومنه ما نزل فى عقب واقعة أو سؤال، ليكون فى تتابعه مع الأحداث، وما تثيره من شكوك، ما يرد النفوس إلى طمأنينة، والأفئدة إلى ثبات. وإنك لو تتبعت أسباب النزول فى القرآن ومواقع الآيات لتبينت أن رسالة الرسول لم تكن جملة واحدة ليكون القرآن جملة واحدة، بل كانت أحداثا متلاحقة تقتضى كلمات متلاحقة. فلقد نزلت آية الظهار فى سلة بن صخر، ونزلت آية اللعان فى شأن هلال بن أمية، ونزلت آية حد القذف فى رماة عائشة، ونزلت آية القبلة بعد الهجرة وبعد أن استقبل المسلمون بيت المقدس بضعة عشر شهرا، ونزلت آية اتخاذ مقام إبراهيم مصلى حين سأل عمر الرسول فى ذلك، كذلك كانت الحال فى الحجاب، وأسرى بدر، وغير ذلك كثير، فكان القرآن ينزل بحسب الحاجة خمس آيات، وعشر آيات، وأكثر وأقل، وقد صح نزول عشر آيات فى قصة الإفك جملة،

стр. 1016

كما صح نزول عشر آيات من أول «المؤمنين» جملة، وصح نزول غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ النساء: ٩٤ وحدها، وهى بعض آية، وكذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً التوبة: ٢٩، إلى آخر الآية، وهى بعض آية، نزلت بعد نزول أول الآية. (٣٩) التنكير: أسبابه: ١- إرادة الوحدة، كقوله تعالى: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى القصص: ٢٠. ٢- إرادة النوع، كقوله تعالى: هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ص: ٤٩، أى نوع من الذكر. ٣- التعظيم، كقوله تعالى: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ البقرة: ٢٧٩، أى بحرب، وأى حرب. ٤- التكثر، كقوله تعالى: إِنَّ لَنا لَأَجْراً الأعراف: ١١٣، أى أجرا وافرا جزيلا، ليقابل المأجور عنه من الغلبة على مثل، موسى ﵇، فإنه لا يقابل الغلبة عليه بالأجر إلا وهو عديم النظير فى الكثرة. ٥- التحقير، كقوله تعالى: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ عبس: ١٨، أى من شىء حقير مهين، ثم بين تعالى بقوله: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ عبس: ١٩. ٦- التعليل: كقوله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ التوبة: ٧٢، أى رضوان قليل من بحار رضوان الله الذى لا يتناهى، أكبر من الجنات، لأن رضى المولى رأس كل سعادة. (٤٠) التوجيه: وهو ما احتمل معنيين. ويؤتى به عند فطنة المخاطب، كقوله تعالى حكاية عن أخت موسى ﵇: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ القصص: ١٢

стр. 1017

، فإن الضمير فى (له) يحتمل أن يكون موسى، وأن يكون لفرعون. (٤١) التورية: وهى أن يتكلم المتكلم بلفظ مشترك بين معنيين قريب وبعيد، ويريد المعنى البعيد، ويوهم السامع أنه أراد القريب، ومثاله قوله تعالى: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ الرحمن: ٦، أراد بالنجم: النبات الذى لا ساق له، والسامع يتوهم أن المراد الكوكب، لا سيما مع تأكيد الإيهام بذكر الشمس والقمر. والفرق بينها وبين الاستخدام، أن التورية استعمال أحد المعنيين فى اللفظ وإهمال الآخر، وفى الاستخدام: استعمالهما معا بقرينتين. (٤٢) التوسع: وهو أنواع: ١- الاستدلال بالنظر فى الملكوت، كقوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ البقرة: ١٦٤. ٢- التوسع فى ترادف الصفات، كقوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها النور: ٤٠. ٣- التوسع فى الذم، كقوله تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ القلم: ١٠، ١١، إلى قوله تعالى: عَلَى الْخُرْطُومِ القلم: ١٦.

стр. 1018

(٤٣) الجمع: ١- إطلاقه وإرادة الواحد، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ المؤمنون: ٥١، فهذا خطاب للنبى ﷺ وحده، إذ لا نبى معه ولا بعده. ٢- وضع جمع القلة موضع الكثرة، إذ الجموع يقع بعضها موقع بعض لاشتراكها فى مطلق الجمعية، كقوله تعالى: وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ سبأ: ٣٧، فإن المجموع بالألف والتاء للقلة، وغرف الجنة لا تحصى. (٤٤) جمع القرآن: ولقد مات رسول الله والقرآن كله مكتوب على العسب- جريد النخل- واللخاف- صفائح الحجارة- والرقاع والأديم والأكتاف- عظام الأكتاف- والأقتاب- ما يوضع على ظهور الإبل- كما كان محفوظا فى صدور الرجال يحفظه حفظة من المسلمين. وقيل أن يقبض الله رسول إليه عارض الرسول ما أنزله عليه ربه بسوره وآياته على ما حفظه عنه حفظة المسلمين، فكان ما فى صدور الحفظة صورة مما كان فى صدر الرسول. وكان لا بد لهذا المكتوب على الرقاع وغيرها من أن يعارض على المحفوظ فى الصدور ليخرج من بينهما كتاب الله فى صورة مقروءة، كى يفيد منه الناس جميعا على تعاقب الأزمان، فما تغنى الرقاع، ثم هى عرضة إلى بلى وتشتّت، وما يغنى الحفظة وهم إلى فناء والناقلون عنهم ليس لهم ميزة المعاصرة. ويحرك الله المسلمين لهذه الحسنة حين استحز القتل يوم اليمامة بقراء القرآن، فيخف عمر بن الخطاب إلى أبى بكر، وكان عندها خليفة، وكان الذى استخف عمر إلى أبى بكر فزعه من أن يتخطف الموت القراء فى مواطن أخرى، كما تختطفهم

стр. 1019

فى ذاك الموطن- أعنى اليمامة- فيضيع على المسلمين جمّاع دينهم، ويعز عليهم كتابهم. وحين جلس عمر إلى أبى بكر أخذ يناقشه فيما أتى إليه من جمع القرآن، بعد أن بسط السبب الحافز، وتلبث أبو بكر يراجع نفسه، ثم أرسل إلى زيد بن ثابت، وكان من كتاب الوحى، وحضر زيد مجلس أبى بكر وعمر وسمع منهما ما هما فيه، فإذا هو معهما فى الرأى، وإذا أبو بكر حين يجد من زيد حسن الاستجابة يتجه إليه يقول: إنك شاب عاقل لانتهمك، وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله، فتتبع القرآن اجمعه. ومضى زيد يتتبع القرآن يجمعه ويكتبه، وكان زيد حافظا، فيسر عليه حفظه عبئه شيئا، ولكنه كان إلى هذا لا يقنع فى إثبات الآية يختلف فيها إلا بشهادة. واجتمعت هذه الصحف فى بيت أبى بكر حياته، ثم فى بيت عمر حياته. وكما حركت محنة اليمامة عمر إلى حسنة، حركت محنة أخرى- بعد مقتل عمر- عثمان إلى حسنة، فقد قدم حذيفة بن اليمان من حرب أرمينية وأذربيجان على عثمان فزعا من اختلاف المسلمين فى قراءة القرآن، يقول لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا. وكما استجاب أبو بكر إلى عمر استجاب عثمان إلى حذيفة، فأرسل عثمان يطلب الصحف من عند حفصة بنت عمر وزوج النبى. وأرسلت حفصة بالصحف إلى عثمان، وجمع عثمان إليه زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وكلهم من كتاب الوحى، وأمرهم بنسخ هذه الصحف. فكتبوا منها سبع مصاحف، ثم رد عثمان الصحف إلى حفصة. فلم نزل عندها حتى أرسل مروان بن الحكم بن أبى العاصى فأخذها فحرقها، كما ذكر أبو بكر السجستانى.

стр. 1020

ويقول أبو بكر السجستانى فى مكان آخر بسند متصل عن سالم بن عبد الله: إن مروان كان يرسل إلى حفصة يسألها الصحف التى كتب فيها القرآن، فتأبى حفصة أن تعطيه إياها. قال سالم: فلما توفيت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيمة إلى عبد الله بن عمر، ليرسلن إليه بتلك الصحف، فأرسل بها إليه عبد الله ابن عمر، فأمر بها مروان فشققت. فقال مروان: إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب فى شأن هذه الصحف مرتاب، أو يقول: إنه قد كان شىء منها لم يكتب. ولا قدرى إلى أى حد كان توفيق مروان فيما فعل، ولكنه، وهو الرجل الذى كان معاصرا لما وقع، كان عليه أن يطمئن إلى أن الأمر قد تم على أحسن ما يكون دقة وضبطا، وما نظنه غاب عنه كيف احتاط عثمان لذلك، وما نظنه إلا كان شاهد عثمان وهو يخطب الناس يناشدهم أن يأتوه بما معهم من كتاب الله، وكان عهدهم بالنبى قريبا، إذ لم يكن مضى على وفاته أكثر من ثلاث عشرة سنة، وما نظن الناس إلا قد وفوا لعثمان وجاءه كل رجل بما كان عنده، فلقد كان الرجل يأتيه بالورقة والأديم فيه القرآن. ولقد جمع من ذلك عثمان الشىء الكثير. وما وقف عثمان عند هذه، بل لقد دعاهم رجلا رجلا، فيناشده: لسمعت رسول الله ﷺ وهو أملاه عليك؟ فيقول الرجل: نعم، حتى إذا فرغ من ذلك قال: من أكتب الناس؟ فقال الناس: كاتب رسول الله زيد بن ثابت. قال عثمان: فأى الناس أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص- وكان سعيد أشبههم لهجة برسول الله- قال عثمان: فليمل سعيد وليكتب زيد. هذا كله فعله عثمان، وفعل إلى جانبه الاستئناس بالصحف التى تم جمعها فى عهد أبى بكر وشارك فيها عمر، والتى كانت عند حفصة، تلك الصحف التى مثلت المصحف الأول المعتمد.
следующие страницы →