← Тафсир

Тафсир · id 23610

الموسوعة القرآنية

إبراهيم الإبياري

Полный текст (5 429 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَ الطلاق: ٢، أى قاربن بلوغ الأجل، أى انقضاء العدة، لأن الإمساك لا يكون بعد انقضاء العدة، فيكون بلوغ الأجل تمامه. ٢٤- إطلاق الأمر بالشىء للمتلبس به والمراد دوامه، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا النساء: ١٣٦. ٢٥- إطلاق اسم البشرى على المبشر به، كقوله تعالى: بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ الحديد: ١٤، والتقدير: بشراكم دخول جنات، ادخلوا جنات، لأن البشرى مصدر، والجنابت ذات، فلا يخبر بالذات عن المعنى. ٢٦- وقد يتجوز عن المجاز بالمجاز، وهو أن تجعل المجاز المأخوذ عن الحقيقة بمثابة الحقيقة بالنسة إلى مجاز آخر، فتتجوز بالمجاز الأول عن الثانى لعلاقة بينهما، كقوله تعالى: وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا البقرة: ٢٣٥، فإنه مجاز عن مجاز، فإن الوطء تجوز عنه، بالسر، لأنه لا يقع غالبا إلا فى السر، وتجوز بالسر عن العقد، لأنه مسبب عنه، فالصحيح للمجاز الأول الملازمة، والثانى السببية، والمعنى: لا تواعدوهن عقد نكاح. (٤٨) الخبر: والقصد به إفادة المخاطب، وقد يشرب مع ذلك معان أخر، منها: ١- التعجب، وهو تفضيل الشىء على أضرابه بوصف، وله صيغ: (ا) ما أفعله (ب) أفعل به (ج) صيغ من غير لفظه، نحو: كبر. ٢- الأمر، كقوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ البقرة، ٢٢٨، فإن سياق يدل على أن الله تعالى أمر بذلك، لا أنه خبر.

стр. 1052

٣- النهى، كقوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ البقرة: ١٩٧، أى لا ترفشوا ولا تفسقوا. ٤- الوعد، كقوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ فصلت: ٥٢. ٥- الوعيد، كقوله تعالى: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ الشعراء: ٢٢٧. ٦- الدعاء، كقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ الفاتحة: ٥، أى أعنا على عبادتك. ٧- الإنكار والتبكيت، كقوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ الدخان: ٤٩. ٨- الشرط، فقد يكون اللفظ خبرا والمعنى شرطا وجزاء، كقوله تعالى: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ الدخان: ١٥، والمعنى: إنا إن نكشف عنكم العذاب تعودوا. ٩- التمنى، وكلمته الموضوعة له «ليت» ، وقد تستعمل مكانها ثلاثة أحرف، وهى: (ا) هل، كقوله تعالى: فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا الأعراف: ٥٣، حملت «هل» على إفادة التمنى لعدم التصديق بوجود شفيع فى ذلك المقام. فيتولد التمنى بمعونة قرينة الحال. (ب) لو، سواء كانت مع «ود» كقوله تعالى: (ودوا لو تدهن فيدهنوا) ن: ٩، فى قراءة النصب. (ج) لعل، كقوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ. أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ غافر: ٣٦، ٣٧، فى قراءة النصب. ١٠- الترجى، والفرق بينه وبين التمنى، أن الترجى لا يكون إلا فى الممكنات، والتمنى يدخل المستحيلات.

стр. 1053

١١- النداء، وهو طلب إقبال المدعو على الداعى بحرف مخصوص، وإنما يصحب فى الأكثر الأمر والنهى، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ البقرة: ٢١. وربما تقدمت جملة الأمر جملة النداء، كقوله تعالى: تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ النور: ٣١. وإذا جاءت جملة الخبر بعد النداء تتبعها جلمة الأمر، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ الحج: ٧٣. (٤٩) الخروج على خلاف الأصل: الأصل فى الأسماء أن تكون ظاهرة وأصل المحدث عنه كذلك، والأصل أنه إذا ذكر ثانيا أن يذكر مضمرا للاستغناء عنه بالظاهر السابق. وللخروج على خلاف الأصل أسباب، وهى: ١- التعظيم، كقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ البقرة: ٢٨٢. ٢- الإهانة والتحقير، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ النور: ٢١. ٣- الاستلذاذ بذكره، كقوله تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ الإسراء: ١٠٥. ٤- زيادة التقدير، كقوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ الإخلاص: ١، ٢. ٥- إزالة اللبس حيث يكون الضمير يوهم أنه غير المراد، كقوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ آل عمران: ٢٦، فلو قال: تؤتيه، لأوهم أنه الأول. ٦- تربية المهابة وإدخال الروعة فى ضمير السامع، كقوله تعالى: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ الحاقة: ١، ٢ (- ٧- الموسوعة القرآنية- ج ٣)

стр. 1054

٧- تقوية داعية المأمور، كقوله تعالى: فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ آل عمران: ١٥٩، فلم يقل «على» حين قال «على الله» ولم يقل «إنه يحب» أو «إنى إحب» تقوية لداعية المأمور بالتوكل بالتصريح باسم المتوكل عليه. ٨- تعظيم الأمر، كقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً. إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ الدهر: ١، ٢ فلم يقل «خلقناه» للتنبيه على عظم خلقة الإنسان. ٩- التوصل بالظاهر إلى الوصف، كقوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ... فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ الأعراف: ١٥٨، فلم يقل «آمنوا بالله وبى» ليتمكن من إجراء الصفات التى ذكرها، فإنه لو قال «ربى» لم يتمكن من ذلك لأن الضمير لا يوصف ليعلم أن الذى وجب الإيمان به هو من وصف بهذه الصفات. ١٠- التنبيه على علة الحكم، كقوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ البقرة: ٩٨، أى من كان عدوّا لهؤلاء فهو كافر، هذا إن خيف الإلباس لعوده للمذكورين. ١١- العموم، كقوله تعالى: حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها الكهف: ٧٧، ولم يقل استطعمهم للإشعار بتأكيد العموم، وأنهما لم يتركا أحدا من أهلها إلا استطعماه وأبى. ١٢- الخصوص، كقوله تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ الأحزاب: ٥٠، ولم يقل «لك» ، لأنه لو أتى بالضمير لأخذ جوازه لغيره، كما فى قوله تعالى: وَبَناتِ عَمِّكَ الأحزاب: ٥٠، فعدل عنه إلى الظاهر للتنبيه على الخصوصية وأنه ليس لغيره ذلك.

стр. 1055

١٣- التجنيس، كقوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ. مَلِكِ النَّاسِ. إِلهِ النَّاسِ الناس: ١- ٣. ١٤- كونه أهم من الضمير، كقوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى البقرة: ٢٨٢. ١٥- كون ما يصلح للعود ولم يسق الكلام له، كقوله تعالى: حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ الأنعام: ١٢٤. ١٦- الإشارة إلى عدم دخول الجملة فى حكم الأولى، كقوله تعالى: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ الشورى: ٢٤، فإن (يمح) استئناف وليس عطفا على الجواب، لأن المعلق على الشرط عدم قبل وجوده. (٥٠) خط المصحف: من الناظرين فى رسم القرآن فريق صرفهم الإجلال له عن أن يفصلوا بين ما هو وحى من عند الله حرك به لسان رسوله، وبين ما صوره كتاب الرسول حروفا وكلمات. وأنت تعرف أن الكلمة الواحدة قد تختلف صورة رسمها على أيدى كتبة يستملون عن ممل واحد، إذا اختلفت طرق تلقيهم للإملاء، غير أنهم حين ينطقون هذه الكلمة يجمعون على نطق واحد. وما من شك فى أن القرآن الكريم تعرض رسمه لهذا الخلاف، وكان حفظ الله له فى بقاء حفظته، يعى الناس عنهم أكثر ما يعون عن القراءة، وكانوا بهذا مطمئنين، وحين عدت العاديات على الحفظة بدأ الخوف يدب، وبدأ تفكير الصحابة يتجه إلى ما هو أبقى، أعنى جمع القرآن مكتوبا. وكانت محاولة أبى بكر وعمر التى مرت بك، واجتمع للناس قرآنهم مكتوبا،

стр. 1056

وبدأ شغلهم بما هو متلو أو يعادله، وأخذ الرسم يملى برسمه، ويقومه الحفظ، فى فترة لم يكن الصحابة فيها أبعدوا كثيرا عن فترة نزول القرآن. وما كانت الأمة العربية عهد كتابة الوحى أمة عريقة فى الكتابة، وما كان كتاب النبى إلا صورة من العصر البادىء فى الكتابة، ولم تكن الكتابة العربية على حالها اليوم من التجويد والكمال إملاء ورسما. ونظرة فى رسم المصحف، وما يحمل من صور إملائية تخالف ما استقر عليه الوضع الإملائى أخيرا، تكشف لك عما كان العرب عليه إملاء، وعما أصبحنا عليه نحن إملاء. وقد لا يفوتك أن الخط العربى، عصر كتابة الوحى إلى أيام عبد الملك بن مروان، لم يكن عرف النقط المميز للحروف فى صورته الأخيرة، كما لم يكن عرف شكل الكلمات، وبقى المصحف المرسوم ينقصه الشكل وعاش يحميه حفظ الحفاظ من اللحن. وللسلف والخلف فى مرسوم المصحف آراء نجملها فيما يلى: يقول السلف: إن الخط ثلاثة أقسام: ١- خط يتبع به الاقتداء اللفى، وهو رسم المصحف. ٢- خط جرى على ما أثبته اللفظ وإسقاط ما حذفه، وهو خط العروض، فيكتبون التنوين ويحذفون همزة الوصل. ٣- خط جرى على العادة المعروفة، وهو الذى يتكلم عليه النحو. ويقول ابن درستويه: خطان لا يقاس عليهما: خط المصحف. وخط تقطيع العروض. ويقول الفراء: إتباع المصحف، إذا وجدت له وجها من كلام العرب وقراءة القرآن، أحب إلى من خلافه. ويقول الشيخ عز الدين عبد السلام: لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسوم الأولى باصطلاح الأئمة، لئلا يوقع فى تغيير من الجهال، ولكن لا ينبغى إجراء

стр. 1057

هذا على إطلاقه لئلا يؤدى إلى دروس العلم، وشىء أحكمته القدماء لا تترك مراعاته لجهل الجاهلين. وقال البيهقى: من كتب مصحفا فينبغى أن يحافظ على الهجاء التى كتبوا بها تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيها، ولا يغير مما كتبوه شيئا. ويقال: اتباع حروف المصاحف كالسنن القائمة التى لا يجوز لأحد أن يتعداها. وسئل مالك رحمه الله تعالى: أرأيت من استكتب مصحفا اليوم، أترى أن يكتب على ما أحدث الناس من الهجاء؟ فقال: لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكتبة الأولى. فسأله السائل عن نقط القرآن، فقال: أما الإمام من المصاحف فلا أرى أن ينقط، ولا يزاد في المصاحف ما لم يكن فيها، وأما المصاحف التى يتعلم فيها الصبيان، فلا أرى بذلك بأسا. وقال الإمام أحمد: تحرم مخالفة خط مصحف عثمان فى: واو، أو ألف، أو ياء، أو غير ذلك. وقال صاحب فتح الرحمن: فما كتبوه فى المصاحف بغير ألف فواجب أن يكتب بغير ألف، وما كتبوه بألف كذلك، وما كتبوه متصلا فواجب أن يكون متصلا، وما كتبوه منفصلا فواجب أن يكتب منفصلا، وما كتبوه بالتاء فواجب أن يكتب بالتاء، وما كتبوه بالهاء فواجب أن يكتب بالهاء، ومن خالف فى شىء من ذلك فقد أثم. وقال ابن القاضى المغربى: لا يلتفت إلى اعتلال من قال: إن العامة لا تعرف مرسوم المصحف، ويدخل عليهم الخلل فى قراءتهم فى المصحف إذا كتب على المرسوم العثمانى، فهذا ليس بشىء، لأن من لا يعرف المرسوم من الأمة يجب عليه ألا يقرأ فى المصحف

стр. 1058

حتى يتعلم القراءة على وجهها ويتعلم مرسوم الصحف، فإن فعل غير ذلك فقد خالف ما اجتمعت عليه الأمة. والقائلون بالتزام الرسم الأول يرون لذلك حكما خفية، وأن هذه الأحرف إنما اختلفت حالها زيادة أو نقصا فى الخط بسبب اختلاف أحوال معانى كلماتها. ١- الزائد: وفيه أقسام: (أ) زيادة الألف، وهى إما أن تزاد من أول الكلمة أو من آخرها، أو من وسطها. ١- فمن زيادتها أولا، وتكون بمعنى زائد بالنسبة إلى ما قبله فى الوجود قوله تعالى: لَأَذْبَحَنَّهُ النمل: ٢١، و (ولا أوضعوا خلالكم) التوبة: ٤٧، فقد زيدت الألف تنبيها على أن المؤخر أشد فى الوجود من المقدم عليه لفظا، فالذبح أشد من العذاب، يعنى قوله تعالى فى أول الآية: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً والإيضاح أشد إفسادا من زيادة الخيال، يعنى قوله تعالى فى أول الآية: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا واختلفت المصاحف فى حرفين، وهما: (لا لإلى الجحيم) الصافات: ٦٨، و (لا لإلى الله تحشرون) آل عمران: ١٥٨. فمن رأى أن مرجعهم إلى الجحيم أشد من أكل الزقوم وشرب الحميم، يعنى قوله تعالى: أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ... الصافات: ٦٤، وثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ الصافات: ٦٧، وأن حشرهم إلى الله أشد عليهم من موتهم أو قتلهم فى الدنيا، يعنى قوله تعالى: وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ، أثبت الألف، ومن لم ير ذلك، لأنه غيب عنا، فلم يستو القسمان فى العلم بهما، لم يثبت، وهو أولى. ٢- ومن زيادتها آخرا، وهذا يكون باعتبار معنى خارج عن الكلمة

стр. 1059

يحصل فى الوجود لزيادتها بعد الواو فى الأفعال، نحو: (يرجو) ، و (يدعو) ، وذلك لأن الفعل أثقل من الاسم فى الوجود، والواو أثقل حروف المد، واللين، والضمة أثقل الحركات، والمتحرك أثقل من الساكن، فزيدت الألف تنبيها على ثقل الجملة، وإذا زيدت مع الواو التى هى لام الفعل، فمع الواو التى هى ضمير الفاعلين أولى، لأن الكلمة جملة، مثل: (قالوا) و (عصوا) ، إلا أن يكون الفعل مضارعا وفيه النون علامة الرفع، فتختص الواو بالنون، التى هى من جهة ثمام الفعل، إذ هى إعرابه، فيصير ككلمة واحدة وسطها واو، كالعيون والسكون، فإن دخل ناصب أو جازم، مثل: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا البقرة: ٢٤، أثبتت الألف. ٣- ومن زيادتها وسطا، وهذه تكون لمعنى فى نفس الكلمة ظاهرا، مثل: (وجاىء يومئذ بجهنم) الفجر: ٢٣، فقد زيدت الألف دليلا على أن هذا المجىء هو بصفة من الظهور ينفصل بها معهود المجىء، وقد عبر عنه بالماضى، ولا يتصور إلا بعلامة من غيره ليس مثله، فيستوى فى علمنا ملكها وملكوتها فى ذلك المجىء، هذا بخلاف حال وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ الزمر: ٦٩، حيث لم تكتب الألف، لأنه على المعروف فى الدنيا. (ب) زيادة الواو: زيدت للدلالة على ظهور معنى الكلمة فى الوجود، فى أعظم رتبة فى العيان. وهذا مثل قوله تعالى: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ الأعراف: ١٤٥، وقوله تعالى: سَأُرِيكُمْ آياتِي الأنبياء: ٣٧، وهذا يدل على أن الآيتين جائتا للتهديد والوعيد.

стр. 1060

(ج) زيادة الياء: زيدت لاختصاص ملكوتى باطن، وهذا فى تسعة مواضع، وهى: ١- أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ آل عمران: ١٤٤، ومِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ الأنعام: ١٤، ومِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي يونس: ١٥، ووَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى النحل: ٩٠، ووَ مِنْ آناءِ اللَّيْلِ طه: ١٣٠، وأَ فَإِنْ مِتَّ الأنبياء: ٣٤، ومِنْ وَراءِ حِجابٍ الشورى: ٥١، وو السماء بنيناها بأييد الذاريات: ٤٧ وهذه كتبت بياءين فرقا بين «الأيد» الذى هو القوة، وبين «الأيدى «جمع يد» . ولا شك أن القوة التى بنى الله بها السماء هى أحق بالثبوت فى الوجود من «الأيدى» وبأييكم المفتون ن: ٦، كتبت بياءين تخصيصا لهم بالصفة، لحصول ذلك وتحققه فى الوجود، فإنهم هم المفتونون دونه، فانفصل حرف (أى) بياءين لصحة هذا الفرق بينه وبينهم قطعا، لكنه باطن، فهو ملكوتى. ٢- الناقص، وهو ما ينقص عن اللفظ، وهو أقسام: (ا) نقص الألف. فكل ألف فى كلمة لمعنى له تفصيل فى الوجود، له اعتباران. اعتبار: من جهة ملكوتية، أو صفات حالية أو أمور علوية مما لا يدركه الحس، فإن الألف تحذف فى الخط علامة لذلك، واعتبار من جهة ملكية حقيقية فى العلم، أو أمور سفلية، فإن الألف تشبت، وأعتبر هذا فى لفظىّ: القرآن، والكتاب، فإن القرآن هو تفصيل الآيات التى أحكمت فى الكتاب، فالقرآن أدنى إلينا فى الفهم من الكتاب، وأظهر فى التنزيل، ولذلك تثبت فى الخط ألف القرآن، وحذفت ألف الكتاب. (ب) نقص الواو وهذا اكتفاء بالضمة قصدا للتخفيف، فإذا اجتمع واوان والضم، فتحذف الواو التى ليست عمدة وتبقى العمدة، سواء كانت الكلمة فعلا، مثل:

стр. 1061

لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ الإسراء: ٧، أو صفة مثل: الْمَوْؤُدَةُ التكوير: ٨، أو اسما مثل: (داود) إلا أن ينوى كل واحد منهما فتثبتان جميعا، مثل: تَبَوَّؤُا الحشر: ٩، فإن الواو الأولى تنوب عن حرفين لأجل الإدغام، فنويت فى الكلمة، والواو الثانية ضمير الفاعل، فثبتا جميعا. ٣- نقص الياء اكتفاء بالكسرة، وهذا ضربان: (ا) ضرب محذوف فى الخط ثابت فى التلاوة. (ب) ضرب محذوف فيهما. ويلحق بهذا الباب أشياء، منها: ١- كتابة الألف واوا على سبيل التفخيم، فى نحو (الصّلوة) و (الزّكواة) . ٢- مد التاء وقبضها، وذلك لأن هذه الأسماء لما لازمت الفعل صار لها اعتباران: (ا) أحدهما من حيث هى أسماء وصفات، وهذه تقبض فيها التاء. (ب) والثانى من حيث أن يكون مقتضاها فعلا أو أثرا ظاهرا فى الوجود، وهذه تمد فيها التاء، كما تمد فى: قالت، وحفت. ٣- الفصل والوصل: (ا) فالموصول فى الوجود توصل كلماته فى الخط، كما توصل حروف الكلمة الواحدة. (ب) والمفصول معنى فى الوجود يفصل فى الخط، كما تفصل كلمة عن كلمة، مثل (إنما) بالكسر، فهى موصولة كلها إلا فى موضع واحد، وهو قوله تعالى: إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ الأنعام: ١٣٤، لأن حرف «ما» هنا وقع على مفصل، فمنه خير موعود به لأهل الخير، ومنه شر موعود به

стр. 1062

لأهل الشىء فمعنى «ماء» مفصول فى الوجود والعلم. وكذلك وصلوا (الم) و (المر) و (الر) لأنه ليس هجاء لاسم معروف، وإنما هى حروف اجتمعت يراد بكل حرف فيها معنى. وقطعوا (حم عسق) ولم يقطعوا (كهيعص) ، لأن (حم) قد جرت فى أوائل سبع سور فصارت اسما للسورة فقطعت مما قبلها، أو جوزوا فى (ق والقرآن) و (ص القرآن) وجهين، من جزمهما فهما حرفان ومن كسر آخرهما فعلى أنه أمر كتب على لفظهما. ٤- الحروف المتقاربة: تختلف لفظا باختلاف المعنى، مثل قوله تعالى: وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ البقرة: ٢٤٧، وقوله تعالى: يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ الرعد: ٢٦، وقوله تعالى: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ البقرة: ٢٤٥، فبالسين السعة الجزئية، كذلك علة التقييد، وبالصاد السعة الكلية، بدليل علو معنى الإطلاق، وعلو الصاد مع الجهارة، والإطباق. هذا مجمل ما قيل على ألسنة الملتزمين للرسم العثمانى. وإليك مجمل ما يقوله غيرهم، وهم من المحدثين، فهم يقولون: ١- قد كتب المصحف فى العصر الأول بالهجاء، الذى تعارفوه والرسم الذى ألفوه، وذلك غاية جهدهم ومبلغ علمهم. ٢- وإن الإملاء مهما تطور رسمه وتعددت مناحيه فإنه لا يغير نطقا ولا يحرف معنى. ٣- وإن رسم المصحف إنما كان باصطلاح من الصحابة، ولهذا تجوز مخالفته. ٤- وأن ما جاء من وجوب رسم المصحف إنما كان فى الصدر الأول والعلم غض، وأما الآن فقد يخشى الالتباس.

стр. 1063

٥- وهم يتخذون من قول مالك الذى سقناه قبل فى المصاحف التى يتعلم فيها الصبيان حجة لهم. ٦- وكذلك يتخذون حجة لهم ثانية من قول العز بن عبد السلام: لا تجوز كتابة المصحف على الرسوم الأولى، لئلا يوقع فى تغيير من الجهال. ٧- ويجعلون من تنقيط المصاحف وما زيد عليها مما لم يكن فيها من علامات وإشارات حجة لهم ثانية. ٨- مستندين فى ذلك إلى ما جاء عن ابن عمر وقتادة وإبراهيم وهشام وابن سيرين، من كراهة نقط المصاحف. ومجمل ما يجاب به على المخالفين غير ما ذكر قبلا: ١- إن المرسوم القديم أحد الأركان التى عليها مدار للقراءة. ٢- ثم إن فيه دلالة على الأصل فى الشكل والحروف، وذلك كمثل كتابة الحركات حروفا باعتبار أصلها. ٣- ثم هو نص على بعض اللغات الفصيحة، وذلك ككتابة هاء التأنيث تاء مجرورة على لغة طيء، وكحذف ياء المضارع بغير جازم على لغة هذيل، وهذا فى قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ هود: ١٠٥. ٤- ثم من اللفظ المرسوم برسم واحد تأخذ القراءات المختلفة، وهذا نحو قوله تعالى: وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ البقرة: ٩، فلو كتبت يخادعون لفاتت قراءة يخدعون، ونحو قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الأنعام: ١١٥، فلو كتبت «كلمة» بألف على قراءة الجمع لفاتت قراءة الإفراد. ٥١- الخطاب: ١- الخطاب بالشىء عن اعتقاد المخاطب دون ما فى نفس الأمر، كقوله

стр. 1064

تعالى: أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ الأنعام: ٢٢، وقعت إضافة الشريك إلى الله سبحانه على ما كانوا يقولون. ٢- التأدب فى الخطاب بإضافة الخير إلى الله، وأن الكل بيده، كقوله تعالى: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ الفاتحة: ٧، ثم قال تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ الفاتحة: ٧، ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم. ٣- الفرق بين الخطاب بالاسم والفعل، فالفعل يدل على التجدد والحدوث، والاسم على الاستقرار والثبوت، ولا يحسن وضع أحدهما موضع الآخر، فمنه قوله تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ الكهف: ١٨، ولو قيل: يبسط، لم يؤد الغرض، لأنه لم يؤذن بمزاولة الكلب البسط، وأنه يتجدد له شىء بعد شىء، فباسط أشعر بثبوت الصفة. والخطاب على وجوه: ١- خطاب العام المراد به العموم، نحو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ المجادلة: ٧. ٢- خطاب الخاص والمراد به الخصوص، نحو قوله تعالى: أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ آل عمران: ١٠٦. ٣- خطاب الخاص والمراد به العموم، نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ الطلاق: ١. ٤- خطاب العام والمراد الخصوص، نحو قوله تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً العنكبوت: ١٤. وأنكره بعضهم لأن الدلالة الموجهة للخصوص بمنزلة الاستثناء المتصل بالجملة، والصحيح أنه واقع. ٥- خطاب الجنس، نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ، فإن المراد جنس لا كل فرد، ومعلوم أن غير المكلف لم يدخل تحت هذا الخطاب.

стр. 1065

٦- خطاب النوع، نحو قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ البقرة: ٤٠، والمراد: بنو يعقوب. ٧- خطاب العين، نحو قوله تعالى: يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ البقرة: ٣٥. ٨- خطاب المدح، نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. ٩- خطاب الذم، نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ التحريم: ٧. ١٠- خطاب الكرامة، نحو قوله تعالى: وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ الأعراف: ١٩. ١١- خطاب الإهانة نحو قوله تعالى لإبليس: فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ الحجر: ٣٤، ٣٥. ١٢- خطاب التهكم، وهو الاستهزاء بالمخاطب، نحو قوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ الدخان: ٥٠. ١٣- خطاب الجمع بلفظ الواحد، نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ الانشقاق: ٦. ١٤- خطاب الواحد بلفظ الجمع، نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً المؤمنون: ٥١. ١٥- خطاب الواحد بلفظ الاثنين، نحو قوله تعالى: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ ق: ٢٤، والمراد: مالك، خازن النار. ١٦- خطاب الاثنين بلفظ الواحد، نحو قوله تعالى: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى طه: ٤٩، أى ويا هارون. ١٧- خطاب الجمع بعد الواحد، نحو قوله تعالى: وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ

стр. 1066

وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا ... يونس: ٦١، فجمع ثالثها، والخطاب للنبى ﷺ . ١٨- خطاب عين والمراد غيره، نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ الأحزاب: ١، الخطاب له والمراد المؤمنون، لأنه ﷺ كان تقيّا. ١٩- خطاب الاعتبار، نحو قوله تعالى حاكيا عن صالح لما هلك قومه: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ الأعراف: ٧٩، خاطبهم بعد هلاكهم، إما لأنهم يسمعون ذلك، كما فعل النبى ﷺ بأهل بدر، وقال: ما أنتم بأسمع منهم. وإما للاعتبار كقوله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا العنكبوت: ٢٠. ٢٠- خطاب الشخص ثم العدول إلى غيره، نحو قوله تعالى: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ: هود ١٤، الخطاب للنبى ﷺ ، ثم قال تعالى للكفار: فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ هود: ١٤، بدليل قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ هود: ١٤. ٢١- خطاب التلوين، أو المتلون، نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ الطلاق: ١، ويسميه أهل المعانى الالتفات. ٢٢- خطاب الجمادات خطاب من يعقل، نحو قوله تعالى: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فصلت: ١٤، تقديره: طائعة. ٢٣- خطاب التهييج، نحو قوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ المائدة: ٢٣، فهذا لا يدل على أن من لم يتوكل ينتفى عنه الإيمان، بل حث لهم على التوكل. ٢٤- خطاب الإغضاب، نحو قوله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا الكهف: ٥٠.

стр. 1067

٢٥- خطاب التشجيع والتحريض، وهو الحث على الاتصاف بالصفات الجميلة، نحو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ الصف: ٤. ٢٦- خطاب التنفير، نحو قوله تعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ الحجرات: ١٥، فقد جمعت هذه الآية أوصافا وتصويرا لما يناله المغتاب من عرض من يغتابه على أفظع وجه. ٢٧- خطاب التحنن والاستعطاف، نحو قوله تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الزمر: ٥٣. ٢٨- خطاب التحبيب، نحو قوله تعالى: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ مريم: ٤٢. ٢٩- خطاب التعجين، نحو قوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ البقرة: ٢٣. ٣٠- خطاب التحسير والتلهف، نحو قوله تعالى: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ آل عمران: ١١٩. ٣١- خطاب التكذيب، نحو قوله تعالى: قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الأنعام: ١٥٠. ٣٢- خطاب، التشريف، نحو قوله تعالى: قُلْ آمَنَّا آل عمران: ٨٤، وهو تشريف منه، سبحانه، لهذه الأمة، بأن يخاطبها بغير واسطة لتفوز بشرف المخاطبة. ٣٣- خطاب المعدوم، ويصح ذلك تبعا لموجود، نحو قوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ الأعراف: ٢٦، فإنه خطاب لأهل ذلك الزمان ولكل من بعدهم.

стр. 1068

٥٢- خواتم السور: مثل الفواتح فى الحسن: لأنها آخر ما يقرع الأسماع، فلهذا جاءت متضمنة المعانى البديعة مع إيذان السامع بإنهاء الكلام حتى يرتفع من تشوف النفس إلى ما يذكر بعد، من ذلك: ١- الوصايا التى ختمت بها سورة آل عمران، وذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ الآية: ٢٠٠، من الصبر على تكاليف الدين، والمصابرة لأعداء الله فى الجهاد ومعاقبتهم، والصبر على شدائد الحرب، والمرابطة فى الغزو المحضوض عليها بقوله تعالى: وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ الأنفال: ٦٠، والتقوى الموعود عليها بالتوفيق فى المضايق وسهولة الرزق فى قوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ الطلاق: ٢، ٣، وبالفلاح، لأن «لعل» من الله واجبة. ٢- وكالوصايا والفرائض التى ختمت بها سورة النساء، وذلك قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ... الآية: ١٧٦. فقد حسن الختم بها لأنها آخر ما نزل من الأحكام عام حجة الوداع. ٣- وكالتبجيل والتعظيم الدى ختمت به المائدة: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الآية: ١٢٠، فلإرادة المبالعة فى التعظيم اختيرت «ما» على «من» لإفادة العموم، فيتناول الأجناس كلها. ٤- وكالوعد والوعيد الذى ختمت به سورة الأنعام بقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ الآية: ١٦٥، ولذلك أورد على وجه المبالغة فى وصف العقاب بالسرعة وتوكيد الرحمة بالكلام المفيد لتحقيق الوقوع. ٥- وكالتحريض على العبادة بوصف حال الملائكة الذى ختمت به سورة الأعراف، وذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ

стр. 1069

وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ الآية: ٢٠٦، والحض على الجهاد وصلة أرحام الذى ختمت به سورة الأنفال، وذلك قوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ الآية: ٧٥. ٦- ووصف الرسول ﷺ ومدحه والاعتداد على الأمم به وتسليمه ووصيته والتهليل الذى ختمت به سورة براءة، وذلك قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الآية: ١٢٩. ٧- وتسليته ﵊ التى ختمت بها سورة يونس، وذلك قوله تعالى: وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ الآية: ١٠٩، ومثلها خاتمة سورة هود، وذلك قوله تعالى: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ الآية: ١٢٣. ٨- ووصف القرآن ومدحه الذى ختمت به سورة يوسف، وذلك قوله تعالى: ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ الآية: ١١١. ٩- والرد على من كذب الرسول ﷺ الذى ختمت به سورة الرعد، وذلك قوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ الآية: ٤٣. ١٠- ومدح القرآن وذكر فائدته والعلة فى أنه إله واحد، وهو الذى ختمت به سورة إبراهيم، وذلك كقوله تعالى: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ ... الآية: ٥٢. ١١- وتحضيض الرسول على البلاغ، والإقرار بالتنزيل، والأمر بالتوحيد، وهو الذى ختمت به سورة الكهف، وذلك وقوله تعالى: (- ٨- الموسوعة القرآنية- ٨ ج ٣)

стр. 1070

قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ... الآية: ١١٠. (٥٣) - رسم المصحف: (ظ: انظر الخط) . ٥٤- الزيادة: إما أن تكون: (ا) لتأكيد النفى، كالباء فى خبر «ليس» و «ما» . (ب) لتأكيد الإيجاب، كاللام الداخله على المبتدأ. وحروف الزيادة سبعة: إن، أن، لا، ما، من، الباء، بمعنى أنها تأتى فى بعض الموارد زائدة، لا أنها لازمة للزيادة. ١- إن، الخفيفة، وتطرد زيادتها مع ما النافية، كقوله تعالى: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ الأحقاف: ٢٦، فجمعوا بينها وبين ما النافية تأكيدا النفى، فهو بمنزلة تكرار ما، وكأنه إنما عدل عن «ما» لئلا تتكرر فيثقل اللفظ، وهو عند الفراء، من التأكيد اللفظى، وعند سيبويه من التأكيد المعنوى. ٢- أن، المفتوحة، وتزاد بعد لما الظرفية، كقوله تعالى: وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ العنكبوت: ٣٣، وإنما تمكتوا بزيادتها، لأن «لما» ظرف زمان ومعناها وجود الشىء لوجود غيره، وظروف الزمان غير المتمكنة لا يضاف إلى المفرد، و «أن المفتوحة» تجعل الفعل بعدها فى تأويل المفرد، فلم تبق «لما» مضافة إلى الجمل، فلذلك حكموا بزيادتها. ٣- ما وتزاد بعد خمس كلمات من حروف الجر،: من، عن، (غير كافة لهما عن العمل) . الكاف، رب، الباء (كافة وغير كافة) .

стр. 1071

والكافة إما أن تكف: (ا) عن عمل النصب والرفع، وهى المتصلة بإن وأخواتها، نحو قوله تعالى: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ النساء: ١٧١. (ب) عن عمل الجر، كقوله تعالى: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ الأعراف: ١٢٨: وغير الكافة تقع: (ا) بعد الجازم، نحو قوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ الأعراف: ٢٠٠. (ب) بعد الخافض حرفا كان أو اسما، فمن الأول قوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ آل عمران: ١٥٩. وقيل: إنها زائدة هنا لتقوية الكلام. ومن الثانى قوله تعالى: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ القصص: ٢٨. (ج) بعد أداة الشرط، جازمة كانت أو غير جازمة، فمن الأول قوله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ النساء: ٧٨، ومن الثانى قوله تعالى: حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ البقرة: ٨٨. (د) بين المتبوع وتابعه، نحو قوله تعالى: مَثَلًا ما بَعُوضَةً البقرة: ٢٦، فهى منا حرف زائد للتوكيد. ٤- لا، وتزاد: (ا) مع الواو بعد النفى، كقوله تعالى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ فصلت: ٣٤، لأن «تستوى» من الأفعال التى تطلب اسمين، أى لا تليق بفاعل واحد. (ب) بعد «أن» المصدرية، كقوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ الحديد: ٩، فزيدت «لا» لتوكيد النفى.

стр. 1072

(ج) قبل القسم، نحو: قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ المعارج: ١٤٠، أى: أقسم بثبوتها. ٥- من، وتزاد فى الكلام الوارد بعد نفى أو شبهة، نحو قوله تعالى: وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها الأنعام: ٥٩. ٦- الباء، وتزاد فى: (ا) فاعل كفى، نحو: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً يونس: ٢٩، وقد دخلت لتضمن «كفى» معنى «اكتفى» . (ب) فى المفعول: نحو قوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ البقرة: ١٩٥، لأن الفعل يتعدى بنفسه. (ج) فى المبتدأ، وهو قليل، نحو قوله تعالى: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ق: ٦. (د) فى خبر المبتدأ، نحو قوله تعالى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها يونس: ٢٧. (هـ) فى خبر ليس، كقوله تعالى: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى القيامة: ٤٠. ٧- اللام، وتزاد: (ا) معترضة بين الفعل ومفعوله، كقوله تعالى: رَدِفَ لَكُمْ النمل: ٧٢، والأكثرون على أنه ضمن «ردف» معنى «اقترب» . (ب) لتقوية العامل الضعيف، إما: ١- لتأخره، نحو قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ يوسف: ٤٣ ٢- لكونه فرعا فى العمل، نحو قوله تعالى: مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ البقرة: ٩١ (ج) للتوكيد بعد النفى، وتسمى لام الجحود، نحو قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ الأنفال: ٣٣. (د) مؤكدة فى موضع وتحذف فى آخر، لاقتضاء المقام ذلك، كقوله تعالى:

стр. 1073

ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ. ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ المؤمنون: ١٥، ١٦. فإنه سبحانه أكد إثبات الموت الذى لا ريب فيه تأكيدين، وأكد إثبات البعث الذى أنكروه تأكيدا واحدا، ولما كانت اللام تخلص المضارع للحال لم تجيء مع يوم القيامة لأنه مستقبل، وجاءت مع «تبعثون» لأن «تبعثون» عامل فى الظرف المستقبل. (٥٥) السورة: وينتظم هذا الباب ثلاثة أضرب: ١- أسماء السور. ٢- ترتيبها ٣- تقسيمها ١- أسماء السور: كما كانت الآيات بفواصلها وبترتيبها توقيفا كذلك كانت الحال فى السور فى جمعها وفى أسمائها، فكلاهما- أعنى اسم السورة وما تنتظمه من آيات- توقيف. وقد يكون للسورة اسم واحد، وعليه الكثرة من سور القرآن. وقد يكون لها اسمان فأكثر، من ذلك مثلا: ١- الفاتحة، فهى تسمى أيضا: أم الكتاب، والسبع المثانى، والحمد، والواقية، والشافية. ٢- النمل، فهى تسمى أيضا: سورة سليمان. ٣- السجدة، فهى تسمى أيضا: سورة المضاجع. ٤- فاطر، فهى تسمى أيضا: سورة الملائكة. ٥- الزمر، فهى تسمى أيضا: سورة الغرف. ٦- غافر، فهى تسمى أيضا: سورة المؤمن.

стр. 1074

٧- الجاثية، فهى تسمى أيضا: سورة الدهر. ٨- محمد، فهى تسمى أيضا: سورة القتال. ٩- الصف، فهى تسمى أيضا: سورة الحواريين. ١٠- تبارك، فهى تسمى أيضا: سورة الملك. ١١- عم، فهى تسمى أيضا: سورة النبأ، والتساؤل، والمعصرات. ١٢- لم يكن، فهى تسمى أيضا: سورة أهل الكتاب، والبينة، والقيامة. ٢- ترتيبها: وأما عن ترتيب السور، فمن السلف من يقول إنه توقيفى، ويستدل على ذلك بورود الحواميم مرتبة ولاء، وكذا الطواسين، على حين لم ترتب المسبحات ولاء، بل جاءت مفصولا بين سورها، وفصل بين طسم الشعراء وطسم القصص بطس، مع أنها أقصر منها، ولو كان الترتيب اجتهادا لذكرت المسبحات ولاء وأخرت طس عن القصص. كما يجعلون فيما نقله، الشهرستانى محمد بن عبد الكريم فى تفسيره «مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار» عند الكلام على قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي: هى السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس، دليلا على أن هذا الترتيب كان توقيفيّا. والذين يقولون إن ترتيب السور اجتهادى يستدلون على ذلك بورود السور مختلفة الترتيب فى المصاحف الأربعة التى أثرت عن أربعة من كبار الصحابة، على بن أبى طالب، وأبىّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله، ابن عباس. أما عن مصحف «على» فيعزى إليه أنه رأى من الناس طيرة عند وفاة النبى

стр. 1075

صلّى الله عليه وسلم، فأقسم ألا يضع عن ظهره رداءه حتى يجمع القرآن، فجلس فى بيته حتى جمع القرآن، فكان أول مصحف جمع فيه القرآن من قلبه. ويروى ابن النديم فى كتابه «الفهرست» أن هذا المصحف كان عند أهل جعفر، ويقول: «ورأيت أنا فى زماننا عند أبى يعلى حمزة الحسنى ﵀ مصحفا قد سقطت منه أوراق بخط على بن أبى طالب، يتوارثه، بنو حسن على مر الزمان، وهذا ترتيب السور من ذلك المصحف» . غير أن كتاب «الفهرست» فى طبعتيه الأوربية والمصرية يسقط منه ما بعد هذا، فلا يورد ترتيب السور الذى أشار إليه. ونجد اليعقوبى أحمد بن أبى يعقوب، وهو من رجال القرآن الثالث الهجرى، يطالعنا بما سقط من الفهرست فى الجزء الثانى من تاريخه (١٥٢- ١٥٤) طبعة «بريل» سنة ١٨٨٣ م، فيقول، قبل أن يسوق الترتيب-: وروى بعضهم أن على ابن أبى طالب ﵇ كان جمعه- يعنى القرآن- لما قبض رسول الله ﷺ ، وأتى به يحمله على جمل، فقال: هذا القرآن جمعته، وكان قد جزأه سبعة أجزاء: جزء البقرة، جزء آل عمران، جزء النساء. جزء المائدة، جزء الأنعام، جزء الأعراف، جزء الأنفال، وذلك باعتبار أول كل جزء. ويروى غير واحد أن مصحف «على» كان على ترتيب النزول، وتقديم المنسوخ على الناسخ. وأما عن مصحف «أبى» فيقول ابن النديم: قال الفضل بن شاذان: أخبرنا الثقة من أصحابنا قال: كان تأليف السور فى قراءة أبى بن كعب بالبصرة فى قرية يقال لها: قرية الأنصار، على رأس فرسخين، عند محمد بن عبد الملك الأنصارى، أخرج إلينا مصحفا وقال: هو مصحف «أبىّ» ، رويناه عن آبائنا. فنظرت فيه

стр. 1076

فاستخرجت أوائل السور وخواتيم السور وعدد الآى، ثم مضى يذكر السور مرتبة كما جاءت فى هذا المصحف. وأما عن مصحف عبد الله بن مسعود فينقل ابن النديم عن الفضل بن شاذان أيضا فيقول: قال: وجدت فى مصحف عبد الله بن مسعود تأليف سور القرآن على هذا الترتيب. ثم يسوق ابن النديم هذا الترتيب. ثم يقول ابن النديم: قال ابن شاذان: قال ابن سيرين: وكان عبد الله بن مسعود لا يكتب المعوذتين فى مصحفه ولا فاتحة الكتاب. ثم يقول ابن النديم: رأيت عدة مصاحف ذكر نساخها أنها مصحف ابن مسعود، ليس فيها مصحفان متفقان، وأكثرها فى رق كثير النسخ. وقد رأيت مصحفا قد كتب منذ نحو مائتى سنة فيه فاتحة الكتاب. وأما عن مصحف عبد الله بن عباس (٦٨ هـ) وكان رأس المفسرين، فقد ذكر الشهرستانى محمد بن عبد الكريم (٥٤٨ هـ) سوره مرتبة فى مقدمة تفسيره «مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار» . ٣- تقسيهما: ويقسمون سور القرآن الكريم أربعة أقسام: ١- الطول، جمع: طولى، وهى: سبع، وهى: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس. ٢- المئون، وهى ماولى السبع الطول، سميت بذلك لأن كل سورة منها تزيد على مائة آية أو تقاربها. ٣- المثانى، وهى ماولى المئين، وقد تسمى سور القرآن كلها مثانى، ومنه قوله تعالى: كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ الزمر: ٢٣، وإنما سمى القرآن مثانى لأن الأنباء والقصص تثنى فيه.

стр. 1077

٤- المفصل، وهو مايلى المثانى من قصار السور، وسمى مفصلا لكثرة المفصول التى بين السور ببسم الله الرحمن الرحيم. وقيل: لقلة المنسوخ فيه. (٥٦) الشرط: وتتعلق به قواعد: ١- المجازاة إنما تتعقد بين جملتين: أولا هما فعلية تلائم الشرط. وثانيتهما: قد تكون اسمية، وقد تكون فعلية جازمة، وغير جازمة، أو ظرفية، أو شرطية. فإذا جمع بينهما وبين الشرط، اتحدتا جملة واحدة. ويسمى المناطقة الأول مقدما والثانى تاليا. فإذا انحل الرباط الواصل بين طرفى المجازاة عاد الكلام جملتين كما كان. ٢- أصل الشرط والجزاء أن يتوقف الثانى على الأول، بمعنى أن الشرط إنما يستحق جوابه بوقوعه هو فى نفسه، كقوله تعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ المائدة: ١١٨، وهم، عباده، عذبهم أو رحمهم. ٣- أنه لا يتعلق إلا بمستقبل، فإن كان ماضى اللفظ كان مستقبل المعنى. ٤- جواب الشرط أصله الفعل المستقبل، وقد يقع ماضيا، لا على أنه جواب فى الحقيقة، نحو قوله تعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ آل عمران: ١٤٠، ومس القرح قد وقع بهم، والمعنى: إن يؤلمكم ما نزل بكم فيؤلمهم ما وقع، فالمقصود ذكر الألم الواقع لجميعهم، فوقع الشرط والجزاء على الألم. ٥- أدوات الشرط حروف، وهى «إن» ، وأسماء مضمنة معناها، وأقواها دلالة على الشرط «إن» ، لبساطتها، ولهذا كانت أم الباب، وما سواها فمركب معنى «إن» وزيادة معه.

стр. 1078

٦- قد يعلق الشرط بفعل محال يستلزمه محال آخر، وتصدق الشرطية دون مفرديها، أما صدقها فلا يستلزم المحال، وأما كذب مفرديها فلاستحالتهما، وعليه قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ الزخرف: ٨١. ٧- الاستفهام إذا دخل على الشرط، كقوله تعالى: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ آل عمران: ١٤٤، فالهمزة فى موضعها، ودخولها على أداة الشرط، والفعل الثانى، الذى هو جزاء، ليس جوابا للشرط، وإنما هو المستفهم عنه، والهمزة داخلة عليه تقديرا، فينوى به التقديم، وحينئذ لا يكون جوابا، بل الجواب محذوف، والتقدير: أانقبلتم على أعقابكم. إن مات محمد؟ لأن الغرض إنكار انقلابهم على أعقابهم بعد موته. ٨- إذا تقدمت أداة الشرط جملة تصلح أن تكون جزاء، ثم ذكر فعل الشرط ولم يذكر له جواب، فلا تقدير عند الكوفيين، بل المقدم هو الجواب، وعند البصريين دليل الجواب. ٩- إذا دخل على أداة الشرط واو الحال، لم يحتج إلى جواب، فإن أجيب الشرط كانت الواو عاطفة لاللحال. ١٠- الشرط والجزاء لابد أن يتغايرا لفظا، وقد يتحدان فيحتاج إلى التأويل كقوله تعالى: وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً الفرقان: ٧١، على حذف الفعل، أى: من أراد التوبة فإن التوبة معرضة له، لا يحول بينه وبينها حائل. وقد يتقاربان في المعنى، كقوله تعالى: وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ محمد: ٣٨. ١١- أن يعترض الشرط على الشرط، كقوله تعالى: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ الواقعة ٨٨، ٨٩، فقد اجتمع هنا شرطان وجواب واحد، فإما أن يكون جوابا لأما أو لأن، ولا يجوز أن يكون جوابا لهما، لأنه ليس ثمة شرطان لهما جواب واحد، ول كان هذا الجاز شرط واحد له جوابان، ولا يجوز أن يكون جوابا لأن دون أما، لأن

стр. 1079

أما لم تستعمل بغير جواب، فجعل جوابا لأما، فتجعل أما وما بعدها جوابا لأن. وقيل: إذا دخل الشرط على الشرط، فإن كان الثانى، بالقاء فالجواب المذكور جوابه، وهو وجوابه جواب الشرط الأول. وإن كان، بغير الفاء، فإن كان الثانى متأخرا فى الوجود عن الأول كان مقدرا بالفاء، وتكون الفاء جواب الأول، والجواب المذكور جواب الثانى، وإن كان الثانى متقدما فى الوجود على الأول فهو فى نية التقديم وما قبله جوابه، والفاء مقدرة فيه. وأما إن لم يكن أحدهما متقدما فى الوجود، وكان كل واحد منهما صالحا لأن يكون هو المتقدم، والآخر متأخرا، كان الحكم راجعا إلى التقدير والنية، فأيهما قدرته شرطا كان الآخر جوابا له. وإن كان مقدرا بالفاء كان المتقدم فى اللفظ أو المتأخر، وعلى كلا التقديرين فجواب الشرط الذى هو الجواب محذوف. (٥٧) الصفة: وهو مخصصة إن وقعت صفة لنكرة، وموضحة إن وقعت صفة لمعرفة، وتأتى: ١- لازمة لا للتقييد، كقوله تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ المؤمنون: ١١٧، وهى صفة لازمة جىء بها للتوكيد. ٢- بلفظ والمراد غيره، كقوله تعالى: صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها البقرة: ٦٩، قيل: المراد: سوداء ناصع، وقيل: بلى هى على بابها. ٣- للتنبيه على التقسيم، كقوله تعالى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ الأنعام: ٩٩، فهى لنفى توهم توقف الإباحة على الإدراك والنضج بدلالته على الإباحة من أول إخراج الثمرة، إذ المعلوم أنه إنما يؤكل إذا أثمر.

стр. 1080

(٥٨) الطباق: وهو إن يجمع بين متضادين مع مراعاة التقابل، وهو قسمان: ١- لفظى، كقوله تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً التوبة: ٨٢. ٢- معنوى، كقوله تعالى: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ. قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ يس: ١٥، ١٦ معناه: ربنا يعلم إنا لصادقون. (٥٩) الطلب: وضعه موضع الخير، كقوله تعالى: فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وَأَلْقِ عَصاكَ النمل: ٨- ١٠، فقوله: «ألق» معطوف على قوله «أن بورك» ، فكلمة «ألق» وإن كانت إنشاء لفظا لكنها خبر معنى، والمعنى: فلما جاءها قيل: بورك من فى النار، وقيل: ألق. (٦٠) العدد: وتحته قواعد: (ا) القاعدة الأولى: اسم الفاعل المشتق من العدد، وله استعمالات: (ا) أن يراد به واحد من ذلك العدد، وهذا يضاف العدد الموافق له، نحو قوله تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ التوبة: ٥، وهذا القسم لا يجوز إطلاقه فى حق الله تعالى، ولهذا قال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ المائدة: ٧٣.

стр. 1081

(ب) أن يكون بمعنى التصيير، وهذا يضاف إلى العدد المخالف له فى اللفظ بشرط أن يكون أنقص منه بواحد، كقوله تعالى: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ المجادلة: ٧. (ب) القاعدة الثانية حق ما يضاف إليه العدد من الثلاثة إلى العشرة أن يكون اسم جنس أو اسم جمع، وحينئذ يجوز: (ا) أن يجر بالحرف «من» ، كقوله تعالى: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ البقرة: ٢٦٠. (ب) كما يجوز إضافته، كقوله تعالى: تِسْعَةُ رَهْطٍ النمل: ٤٨. وإن كان غيرهما من الجموع أضيف إليه الجمع على مثال جمع القلة من التكسير، وعلته أن المضاف موضوع للقلة، فتلزم إضافته إلى جمع القلة، طلبا لمناسبة المضاف إليه المضاف فى القلة، لأن المفسر على حسب المفسر، كقوله تعالى: مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ لقمان: ٢٧. (ح) القاعدة الثالثة ألفاظ العدد نصوص، ولهذا لا يدخلها تأكيد، لأنه لدفع المجاز فى إطلاق الكل وإرادة البعض، وهو منتف فى العدد، وقد أورد على ذلك آيات شريفة، منها قوله تعالى: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ البقرة: ١٩٦، والجواب أن التأكيد هنا ليس لدفع نقصان أصل العدد، بل لدفع نقصان الصفة، لأن الغالب فى البدل أن يكون دون المبدل منه، فأفاد أن الفاقد للهدى لا ينقص من أجره شىء.

стр. 1082

(٦١) العطف: وينقسم إلى: ١- عطف مفرد على مثله، وفائدته تحصيل مشاركة الثانى للأولى فى الإعراب، ليعلم أنه مثل الأول فى فاعليته أو مفعوليته، فيتصل الكلام بعضه ببعض، أوفى حكم خاص دون غيره، كقوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ المائدة: ٦، فمن قرأ بالنصب عطفا على «الوجوه» كانت الأرجل مغسولة، ومن قرأ بالجر عطفا على «الرءوس» كانت ممسوحة. ٢- عطف جملة على جملة: (ا) إن كانت الأولى لا محل لها من الأعراب، كان من قبيل عطف المفرد على المفرد، وكانت فائدة العطف الاشتراك فى مقتضى الحرف العاطف، فإن كان العطف بغير الواو ظهر له فائدة من التعقيب، مثل الفاء، أو الترتيب مثل ثم، أو نفى الحكم عن الباقى مثل لا. (ب) إذا كان ما قبلها بمنزلة الصفة من الموصوف والتأكيد من المؤكد فلا يدخلها عطف، لشدة الامتزاج، كقوله تعالى: الم. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ البقرة: ١، ٢. (ج) إذا غايرت الثانية ما قبلها، وليس بينهما نوع ارتباط يوجه، فلا عطف، إذ شرط العطف المشاكلة، وهو مفقود، وذلك كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ البقرة: ٦، بعد قوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ البقرة: ٥. (د) إذا غايرت الثانية ما قبلها، ولكن بينهما نوع ارتباط، كان العطف كقوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ البقرة: ٥. (هـ) إذا كان بتقدير الاستئناف، فلا عطف، كقوله تعالى: وَجاؤُ أَباهُمْ

стр. 1083

عِشاءً يَبْكُونَ. قالُوا يا أَبانا يوسف: ١٦، ١٧، كأن قائلا قال: لم كان كذا؟ فقال: كذا. (ز) إذا طالت الحكاية عن المخاطبين فلا عطف، كقوله تعالى: إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ البقرة: ٢٥٨. (٦٢) العكس: وهو أن يقدم فى الكلام جزء ثم يؤخر، كقوله تعالى: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ الممتحنة: ١٠ (٦٣) فواتح السور: افتتح كتابه العزيز بعشرة أنواع من الكلام لا يخرج شىء من السور عنها: ١- الاستفتاح بالثناء عليه جل وعز، والثناء قسمان: (ا) إثبات لصفات المدح، نحو: الْحَمْدُ لِلَّهِ الفاتحة «الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر. (ب) نفى وتنزيه من صفات النقص، نحو قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ الإسراء: ١. ٢- الاستفتاح بحروف التهجى، نحو: الم، المص. وهذه الحروف التى افتتح الله بها السور نصف أسماء حروف للعجم، أربعة

стр. 1084

عشر: الألف، واللام، والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والطاء، والسين، والخاء، والقاف، والنون، يجمعها قولك: لم يكرها نص حق سطع. ثم هى مشتملة على أنصاف أجناس الحروف. المهموسة، والمجهورة، والشديدة، والمطبقة، والمستعلية، والمنخفضة، وحروف القلقلة. والأسماء المتهجاة فى أوائل السور ثمانية وسبعون حرفا. وهى فى القرآن فى تسعة وعشرين سورة. وكل سورة استفتحت بهذه الأحرف فهى مشتملة على مبدأ الخلق ونهايته وتوسطه، مشتملة على خلق العالم وغايته، وعلى التوسط بين البداية من الشرائع والأوامر. وإذا تأملنا السور التى اجتمعت على الحروف المفردة نجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف، فمن ذلك: (ا) ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ فإن السورة مبنية على الكلمات القافية، من ذكر القرآن، ومن ذكر الخلق، وتكرار القول ومراجعته مرارا، والقرب من ابن آدم، وتلقى الملكين، وقول العتيد، وذكر الرقيب، وذكر السابق، والقرين، والإلقاء فى جهنم، والتقدم بالوعد، وذكر المتقين، وذكر القلب، والقرن، والتنقيب فى البلاد، وذكر القتل مرتين، وتشقق الأرض، وإلقاء الرواسى فيها، وبسوق النخل، والرزق، وذكر القوم، إلى غير ذلك. ثم إن كل معانى السورة مناسب لما فى حرف القاف من الشدة والجهر والقلقلة والانفتاح. (ب) (ص) فإن السورة تشتمل على خصومات متعددة، فأولها خصومة الكفار مع النبى ﷺ ، ثم اختصام الخصمين عند داود، ثم تخاصم أهل النار،

стр. 1085

ثم اختصام الملأ الأعلى فى العلم، وهو الدرجات والكفارات، ثم تخاصم إبليس واعتراضه على ربه وأمره بالسجود، ثم اختصامه ثانيا فى شأن بنيه وحلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم. (ج) ن وَالْقَلَمِ فإن فواصلها كلها على هذا الوزن، مع ما تضمنت من الألفاظ النونية. ويعد المفسرون هذا من المتشابه فى القرآن الذى لا يعلم تأويله إلا الله، غير أن ابن قتيبة يرى أن الله لم ينزل شيئا من القرآن إلا لينفع به عباده ويدل به على معنى أراده، ويقول: فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال وتعلق علينا بعلة. ويمضى ابن قتيبة فى حديثه فيقول: وهل يجوز لأحد أن يقول: إن رسول الله ﷺ لم يكن يعرف المتشابه، وإذا جاز أن يعرفه مع قوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ جاز أن يعرفه الربانيون من صحابته. فقد علم «عليّا» التفسير. ودعا لابن عباس فقال: اللهم علمه التأويل وفقهه فى الدين. ثم يقول ابن قتيبة: وبعد. فإنا لم نر المفسرين توقفوا عن شىء من القرآن فقالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلا الله، بل أمروه كله على التفسير حتى فسروا الحروف المقطعة فى أوائل السور. ويقول ابن قتيبة فى تفسير قوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ آل عمران: ٧: فإن قال قائل: كيف يجوز فى اللغة أن يعلمه الراسخون فى العلم، وأنت إذا أشركت الراسخين فى العلم انقطعوا عن «يقولون» ، وليست هاهنا واو نسق توجب للراسخين فعلين؟ قلنا له: إن «يقولون» هاهنا فى معنى الحال، (- ٩- الموسوعة القرآنية- ج ٣)

стр. 1086

كأنه قال: «والراسخون فى العلم قائلين أمنا به» . والمفسرون مختلفون فى تفسير هذه الحروف المقطعة. فمنهم من يجعلها أسماء للسور، تعرف كل سورة بما افتتحت به منها، فهى أعلام تدل على ما تدل عليه الأسماء من أعيان الأشياء، وتفرق بينها، فإذا قال القائل: قرأت «المص» ، أو قرأت «ص» ، أو «ن» ، دل بذاك على ما قرأ. ولا يرد هذا أن بعض هذه الأسماء يقع لعدة سور، مثل «حم» و «الم» ، إذ من الممكن التمييز بأن يقول: «حم السجدة» و «والم» البقرة، كما هى الحال عند وقوع الوفاق فى الأسماء، فتمييزها بالإضافات، وأسماء الأباء والكنى. ويجعلها بعضهم للقسم، وكأن الله أقسم بالحروف المقطعة كلها، واقتصر على ذكر بعضها من جميعها، فقال: «الم» وهو يريد جميع الحروف المقطعة كما يقول القائل: تعلمت «اب ت ث» ، وهو لا يريد تعلم هذه الأحرف دون غيرها من الثمانية والعشرين. ولقد أقسم الله بحروف المعجم لشرقها وقضلها، إذ هى مبانى كتابه المنزل على رسوله. ويجعلها بعضهم حروفا مأخوذة من صفات الله تعالى يجتمع بها فى المفتتح صفات كثيرة، ويكون هذا فنّا من فنون الاختصار عند العرب. وهذا الاختصار عند العرب كثير. يقول الوليد بن عقبة، من رجز له: قلت لها قفى فقالت قاف أى قالت: قد وقفت، فأومأ بالقاف إلى معنى الوقوف.

стр. 1087

وعلى هذا يجعل المفسرون كل حرف من هذه الحروف يشير إلى صفة من صفات الله. فيقول ابن عباس مثلا فى تفسير قوله تعالى: كهيعص إن الكاف، من كاف، والهاء، من هاد، والياء، من حكيم، والعين، من عليم، والصاد، من صادق. ويقول بعضهم: وهذه الحروف التى فى أوائل السور جعلها الله تعالى حفظا للقرآن من الزيادة والنقصان، ولعل هذا الذى جعل بعض المحدثين- أعنى الأستاذ على نصوح- الطاهر يقول فى: كتابه أوائل السور فى القرآن الكريم: ١- إن أوائل السور تقوم على حساب الجمل. ٢- إنها تبين عدد الآيات المكية أيام كان القرآن يخشى عليه من أعدائه فى مكة من أن يزيدوا فيه أو أن ينقصوا منه، ودليله على ذلك: (ا) أنها وردت مع تسع وعشرين سورة من سور القرآن. (ب) من هذه السور سبع وعشرون مكية واثنتان مدنيتان، هما البقرة وآل عمران. (ج) أن هاتين السورتين المدنيتين نزلتا فى أول العهد المدنى، ولم يكن قد استقر أمر المسلمين كثيرا، فهو عهد أشبه بعهد مكة. (د) أنه حين أشند أمر المسلمين وكانت كثرة من القارئين والكاتبين لم تكن ثمة فواتح سور. ولقد تتبع فى كتابه سور القرآن الكريم، ذات الفواتح، وطابق بين جملها والآيات المكية بها فإذا هو ينتهى إلى رأى شبه قاطع. ٣- الاستفتاح بالنداء، نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا المائدة، الحجرات، الممتحنة.

стр. 1088

٤- الاستفتاح بالجمل الخبرية، نحو قوله تعالى: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ، وجملة هذه السور ثلاث وعشرون سورة. ٥- الاستفتاح بالقسم، نحو قوله تعالى: وَالصَّافَّاتِ، وجملة هذه السور خمس عشرة سورة. ٦- الاستفتاح بالشرط، نحو قوله تعالى: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ. وجملة هذه السور سبع سور. ٧- الاستفتاح بالأمر، نحو قوله تعالى: قُلْ أُوحِيَ، وجملة هذا السور ست سور. ٨- الاستفتاح بالاستفهام، نحو قوله تعالى: هَلْ أَتى، وجملة هذه السورست سور. ٩- الاستفتاح بالدعاء، نحو قوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، وجملة هذه السور ثلاث سور ١٠- الاستفتاح بالتعليل، نحو قوله تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، وهذا فى موضع واحد. (٦٤) الفواصل: الفاصلة: كلمة آخر الآية، وتكون من حروف متشا كلة فى المقاطع يقع بها إفهام المعانى، وتفع الفاصلة عند الاستراحة فى الخطاب لتحسين الكلام بها، وهى ما يباين القرآن بها سائر الكلام. وسميت فاصلة لأنه ينفصل عندها الكلامان، وذلك أن آخر الآية فصل بينهما وبين ما بعدها كقوله تعالى: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ فصلت: ٣، من أجل هذا كان اختيار هذا الاسم لها، ولم تسم أسجاعا، لشرف القرآن الكريم عن أن يشارك غيره من كلام الأحاد فى صفة من صفاته، ثم إن السجع هو الذى يقصد فى نفسه ثم يحيل المعنى عليه، والفواصل تتبع المعانى، ولا تكون مقصودة فى نفسها، أعنى أن السجع يتبع المعنى فيه اللفظ الذى به يؤدى السجع، وليس كذلك ما اتفق مما هو فى تقدير السجع من القرآن لأن اللفظ وقع فيه تابعا للمعنى، وفرق بين أن ينتظم الكلام فى نفسه بألفاظه التى تؤدى المعنى المقصود فيه، وبين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ.

стр. 1089

والمناسبة فى مقاطع الفواصل حيث تطرد واقعة، من ذلك: ١- زيادة حرف، ولهذا لحقت الألف «الظنون» فى قوله تعالى وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا الأحزاب: ١٠، لأن مقاطع فواصل هذه السورة ألفات متقلبة عن تنوين فى الوقف» فزيد على النون ألف لتساوى المقاطع، وتناسب نهايات الفواصل. ٢- حذف همزة أو حرف اطرادا، كقوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ الفجر: ٤. ٣- الجمع بين المجرورات، كقوله تعالى: ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً الإسراء: ٦٩ فأخر «تبيعا» وترك الفصل بين المجرورات، لتكون نهاية هذه الآية مناسبة لنهايات ما قبلها حتى تتناسق على صورة واحدة. ٤- تأخير ما أصله أن يقدم، كقوله تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى طه: ٦٧، لأن أصل الكلام أن يتصل الفعل بفاعله ويؤخر المفعول، ولكن آخر الفاعل، وهو موسى، لرعاية الفاصلة. ٥- إفراد ما أصله أن يجمع، كقوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ القمر: ٥٤، قال الفراء: الأصل: الأنهار، وإنما وحد لأنه رأس آية، فقابل بالتوحيد رئوس الآى. ٦- جمع ما أصله أن يفرد، كقوله تعالى: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ إبراهيم: ٣١، إذ المراد: ولا خلة، بدليل الآية الأخرى لكن جمعه لمناسبة رءوس الآى. ٧- تثنية ما أصله أن يفرد، كقوله تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ الرحمن: ٤٦.

стр. 1090

فالتثنية هنا لأجل الفاصلة، رعاية للتى قبلها والتى بعدها على الوزن، وقال الفراء: هذا من باب مذهب العرب فى تثنية البقعة الواحدة وجمعها. ورد عليه ابن قتيبة فقال: إنما يجوز فى رءوس الآى زيادة هاء السكت أو الألف، أو حذف همزة أو حرف، فأما أن يكون الله وعد جنتين فتجعلهما جنة واحدة من أجل رءوس الآى فمعاذ الله، وكيف هذا وهو يصفها بصفات الاثنين، قال تعالى: ذَواتا أَفْنانٍ الرحمن: ٤٨: ثم قال تعالى: فِيهِما الرحمن: ٥٠. ٨- تأنيث ما أصله أن يذكر، كقوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ المدثر: ٥٤، وإنّما عدل إليها للفاصلة. ٩- الزيادة، كقوله تعالى فى سورة الأعلى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الأعلى: ١، وفى سورة العلق: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ العلق: ١، فزاد فى الأولى «الأعلى» وزاد فى الثانية «خلق» مراعاة للفواصل فى السورتين، وهى فى الأعلى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى الأعلى: ٢، وفى العلق خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ العلق: ٢. ١٠- صرف ما أصله ألا ينصرف، كقوله تعالى: قَوارِيرَا. قَوارِيرَا الإنسان: ١٥، ١٦. صرف الأول لأنه آخر الآية، وآخر الثانى بالألف، فمن جعله منونا ليقلب تنوينه ألفا، فيتناسب مع بقية الآى، كقوله تعالى: سلاسلا وأغلالا- هذه قراءة نافع وأبى بكر، والكسائى، وأبى جعفر- فإن «سلاسلا» لما نظم إلى أَغْلالًا وَسَعِيراً الإنسان: ٤، صرف ونون للتناسب، وبقى «قواريرا» الثانى، فإنه وإن لم يكن آخر الآية جاز صرفه، لأنه لمانون «قواريرا» الأول ناسب أن ينون «قواريرا» الثانى ليتناسبا ولأجل هذا لم ينون «قواريرا» الثانى إلا من ينون «قواريرا» الأول
следующие страницы →