Полный текст (5 429 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
كأنه قال: «والراسخون فى العلم قائلين أمنا به» .
والمفسرون مختلفون فى تفسير هذه الحروف المقطعة.
فمنهم من يجعلها أسماء للسور، تعرف كل سورة بما افتتحت به منها، فهى أعلام تدل على ما تدل عليه الأسماء من أعيان الأشياء، وتفرق بينها، فإذا قال القائل:
قرأت «المص» ، أو قرأت «ص» ، أو «ن» ، دل بذاك على ما قرأ.
ولا يرد هذا أن بعض هذه الأسماء يقع لعدة سور، مثل «حم» و «الم» ، إذ من الممكن التمييز بأن يقول: «حم السجدة» و «والم» البقرة، كما هى الحال عند وقوع الوفاق فى الأسماء، فتمييزها بالإضافات، وأسماء الأباء والكنى.
ويجعلها بعضهم للقسم، وكأن الله أقسم بالحروف المقطعة كلها، واقتصر على ذكر بعضها من جميعها، فقال: «الم» وهو يريد جميع الحروف المقطعة كما يقول القائل: تعلمت «اب ت ث» ، وهو لا يريد تعلم هذه الأحرف دون غيرها من الثمانية والعشرين.
ولقد أقسم الله بحروف المعجم لشرقها وقضلها، إذ هى مبانى كتابه المنزل على رسوله.
ويجعلها بعضهم حروفا مأخوذة من صفات الله تعالى يجتمع بها فى المفتتح صفات كثيرة، ويكون هذا فنّا من فنون الاختصار عند العرب.
وهذا الاختصار عند العرب كثير. يقول الوليد بن عقبة، من رجز له:
قلت لها قفى فقالت قاف أى قالت: قد وقفت، فأومأ بالقاف إلى معنى الوقوف.
стр. 1087
وعلى هذا يجعل المفسرون كل حرف من هذه الحروف يشير إلى صفة من صفات الله.
فيقول ابن عباس مثلا فى تفسير قوله تعالى: كهيعص إن الكاف، من كاف، والهاء، من هاد، والياء، من حكيم، والعين، من عليم، والصاد، من صادق.
ويقول بعضهم: وهذه الحروف التى فى أوائل السور جعلها الله تعالى حفظا للقرآن من الزيادة والنقصان، ولعل هذا الذى جعل بعض المحدثين- أعنى الأستاذ على نصوح- الطاهر يقول فى: كتابه أوائل السور فى القرآن الكريم:
١- إن أوائل السور تقوم على حساب الجمل.
٢- إنها تبين عدد الآيات المكية أيام كان القرآن يخشى عليه من أعدائه فى مكة من أن يزيدوا فيه أو أن ينقصوا منه، ودليله على ذلك:
(ا) أنها وردت مع تسع وعشرين سورة من سور القرآن.
(ب) من هذه السور سبع وعشرون مكية واثنتان مدنيتان، هما البقرة وآل عمران.
(ج) أن هاتين السورتين المدنيتين نزلتا فى أول العهد المدنى، ولم يكن قد استقر أمر المسلمين كثيرا، فهو عهد أشبه بعهد مكة.
(د) أنه حين أشند أمر المسلمين وكانت كثرة من القارئين والكاتبين لم تكن ثمة فواتح سور.
ولقد تتبع فى كتابه سور القرآن الكريم، ذات الفواتح، وطابق بين جملها والآيات المكية بها فإذا هو ينتهى إلى رأى شبه قاطع.
٣- الاستفتاح بالنداء، نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا المائدة، الحجرات، الممتحنة.
стр. 1088
٤- الاستفتاح بالجمل الخبرية، نحو قوله تعالى: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ، وجملة هذه السور ثلاث وعشرون سورة.
٥- الاستفتاح بالقسم، نحو قوله تعالى: وَالصَّافَّاتِ، وجملة هذه السور خمس عشرة سورة.
٦- الاستفتاح بالشرط، نحو قوله تعالى: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ. وجملة هذه السور سبع سور.
٧- الاستفتاح بالأمر، نحو قوله تعالى: قُلْ أُوحِيَ، وجملة هذا السور ست سور.
٨- الاستفتاح بالاستفهام، نحو قوله تعالى: هَلْ أَتى، وجملة هذه السورست سور.
٩- الاستفتاح بالدعاء، نحو قوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، وجملة هذه السور ثلاث سور ١٠- الاستفتاح بالتعليل، نحو قوله تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، وهذا فى موضع واحد.
(٦٤) الفواصل:
الفاصلة: كلمة آخر الآية، وتكون من حروف متشا كلة فى المقاطع يقع بها إفهام المعانى، وتفع الفاصلة عند الاستراحة فى الخطاب لتحسين الكلام بها، وهى ما يباين القرآن بها سائر الكلام. وسميت فاصلة لأنه ينفصل عندها الكلامان، وذلك أن آخر الآية فصل بينهما وبين ما بعدها كقوله تعالى: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ فصلت: ٣، من أجل هذا كان اختيار هذا الاسم لها، ولم تسم أسجاعا، لشرف القرآن الكريم عن أن يشارك غيره من كلام الأحاد فى صفة من صفاته، ثم إن السجع هو الذى يقصد فى نفسه ثم يحيل المعنى عليه، والفواصل تتبع المعانى، ولا تكون مقصودة فى نفسها، أعنى أن السجع يتبع المعنى فيه اللفظ الذى به يؤدى السجع، وليس كذلك ما اتفق مما هو فى تقدير السجع من القرآن لأن اللفظ وقع فيه تابعا للمعنى، وفرق بين أن ينتظم الكلام فى نفسه بألفاظه التى تؤدى المعنى المقصود فيه، وبين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ.
стр. 1089
والمناسبة فى مقاطع الفواصل حيث تطرد واقعة، من ذلك:
١- زيادة حرف، ولهذا لحقت الألف «الظنون» فى قوله تعالى وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا الأحزاب: ١٠، لأن مقاطع فواصل هذه السورة ألفات متقلبة عن تنوين فى الوقف» فزيد على النون ألف لتساوى المقاطع، وتناسب نهايات الفواصل.
٢- حذف همزة أو حرف اطرادا، كقوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ الفجر: ٤.
٣- الجمع بين المجرورات، كقوله تعالى: ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً الإسراء: ٦٩ فأخر «تبيعا» وترك الفصل بين المجرورات، لتكون نهاية هذه الآية مناسبة لنهايات ما قبلها حتى تتناسق على صورة واحدة.
٤- تأخير ما أصله أن يقدم، كقوله تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى طه: ٦٧، لأن أصل الكلام أن يتصل الفعل بفاعله ويؤخر المفعول، ولكن آخر الفاعل، وهو موسى، لرعاية الفاصلة.
٥- إفراد ما أصله أن يجمع، كقوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ القمر: ٥٤، قال الفراء: الأصل: الأنهار، وإنما وحد لأنه رأس آية، فقابل بالتوحيد رئوس الآى.
٦- جمع ما أصله أن يفرد، كقوله تعالى: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ إبراهيم:
٣١، إذ المراد: ولا خلة، بدليل الآية الأخرى لكن جمعه لمناسبة رءوس الآى.
٧- تثنية ما أصله أن يفرد، كقوله تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ الرحمن: ٤٦.
стр. 1090
فالتثنية هنا لأجل الفاصلة، رعاية للتى قبلها والتى بعدها على الوزن، وقال الفراء: هذا من باب مذهب العرب فى تثنية البقعة الواحدة وجمعها. ورد عليه ابن قتيبة فقال: إنما يجوز فى رءوس الآى زيادة هاء السكت أو الألف، أو حذف همزة أو حرف، فأما أن يكون الله وعد جنتين فتجعلهما جنة واحدة من أجل رءوس الآى فمعاذ الله، وكيف هذا وهو يصفها بصفات الاثنين، قال تعالى: ذَواتا أَفْنانٍ الرحمن: ٤٨: ثم قال تعالى: فِيهِما الرحمن: ٥٠.
٨- تأنيث ما أصله أن يذكر، كقوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ المدثر: ٥٤، وإنّما عدل إليها للفاصلة.
٩- الزيادة، كقوله تعالى فى سورة الأعلى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الأعلى: ١، وفى سورة العلق: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ العلق: ١، فزاد فى الأولى «الأعلى» وزاد فى الثانية «خلق» مراعاة للفواصل فى السورتين، وهى فى الأعلى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى الأعلى: ٢، وفى العلق خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ العلق: ٢.
١٠- صرف ما أصله ألا ينصرف، كقوله تعالى: قَوارِيرَا. قَوارِيرَا الإنسان: ١٥، ١٦.
صرف الأول لأنه آخر الآية، وآخر الثانى بالألف، فمن جعله منونا ليقلب تنوينه ألفا، فيتناسب مع بقية الآى، كقوله تعالى: سلاسلا وأغلالا- هذه قراءة نافع وأبى بكر، والكسائى، وأبى جعفر- فإن «سلاسلا» لما نظم إلى أَغْلالًا وَسَعِيراً الإنسان: ٤، صرف ونون للتناسب، وبقى «قواريرا» الثانى، فإنه وإن لم يكن آخر الآية جاز صرفه، لأنه لمانون «قواريرا» الأول ناسب أن ينون «قواريرا» الثانى ليتناسبا ولأجل هذا لم ينون «قواريرا» الثانى إلا من ينون «قواريرا» الأول
стр. 1091
وقيل: إنما صرفت للتناسب، واجتماعه مع غيره من المنصرفات، فيرد إلى لأصل ليتناسب معها.
١١- إمالة ما أصله ألا يمال، وهو أن تنحو بالألف نحو الياء، كإمالة ألف وَالضُّحى. وَاللَّيْلِ إِذا سَجى الضحى: ١، ٢، ليشاكل التلفظ بها التلفظ بما بعدها.
١٢- العدول عن صيغة الماضى إلى الاستقبال، كقوله تعالى: فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ البقرة: ٨٧، حيث لم يقل: وفريقا قتلتم، إذ هى هنا رأس آية.
(٦٥) القراءات:
سيأتى لرأى فى القراءات السبع، عند الكلام على اللغات، ومعنى
قوله ﷺ : نزل القرآن على سبعة أحرف،
أى: على سبعة أوجه من اللغات متفرقة فى القرآن.
ويقول ابن العربى: لم يأت فى معنى هذا السبع نص ولا أثر، واختلف الناس فى تعيينها.
ويقول أبو حيان: اختلف الناس فيها على خمسة وثلاثين قولا.
وروى عن عمر أنه قال: نزل القرآن بلغة مضر.
وإذا رجعنا نحصى قبائل مضر وجدنا هنا سبع قبائل، وهى: هذيل، وكنانة، وقيس، وضبة، وتيم الرباب، وأسد بن خزيمة، وقريش.
كما يروى عن ابن عباس أنه قال: نزل القرآن على سبع لغات، منها خمس بلغة العجز من هوازن، واثنان لسائر العرب، والعجز هم: سعد بن بكر، وجشم ابن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف، وكان يقال لهم: عليا هوازن.
стр. 1092
كما يروى عن أبى حاتم السجستانى أنه قال: نزل القرآن بلغة قريش، وهذيل وتميم، والأزد، وربيعة، وهوازن وسعد بن بكر.
كما يروى السيوطى فى الإتقان آراء غير مسندة، منها:
١- أنها سبع لغات متفرقة لجميع العرب، كل حرف منها لقبيلة مشهورة.
٢- أنها سبع لغات، أربع لعجز هوازن: وثلاث لقريش.
٣- أنها سبع لغات، لغة لقريش، ولغة لليمن، ولغة لجرهم، ولغة لهوازن، ولغة لقضاعة، ولغة لتميم، ولغة لطيئ.
٤- أنها لغة الكعبين: كعب بن عمر، وكعب بن لؤى، ولهما سبع لغات.
وهذا الخبر مسند لابن عباس من طريق آخر غير الطريق الأول الذى روى به خبره السابق.
وهذا الاختلاف فى التعيين لا يضير فى شىء، فثم لغات سبع مفرقة فى القرآن أخبر الرسول عن جملتها ولم يخبر عن تفصيلها، وكان هذا التفصيل مكان الاجتهاد بين المجتهدين.
وليس معنى الحديث أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات، بل اللغات السبع مفرقة، تقرأ قريش بلغتها. وتقرأ هذيل بلغتها، وتقرأ هوازن بلغتها، وتقرأ اليمن بلغتها.
وفى ذلك يقول أبو شامة نقلا عن بعض شيوخه: أنزل القرآن بلسان قريش ثم أبيح للعرب أن يقرءوه بلغاتهم التى جرت عادتهم باستعمالها على اختلاف فى الألفاظ والإعراب.
ويقول ابن الجوزى: وأما وجه كونها سبعة أحرف دون أن لم تكن أقل أو أكثر، فقال الأكثرون: إن أصول قبائل العرب تنتهى إلى سبعة، وأن اللغات الفصحى سبع، وكلاهما دعوى.
وقيل: ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد بحيث لا يزيد ولا ينقص، بل المراد
стр. 1093
السعة والتيسير، وأنه لا حرج عليهم فى قراءته بما هو فى لغات العرب من حيث إن الله تعالى أذن لهم فى ذلك.
والعرب يطلقون لفظ السبع والسبعين والسبعائة ولا يريدون حقيقة العدد، بحيث لا يزيد ولا ينقص، بل يريدون الكثرة والمبالغة من غير حصر.
وكانت هذه المغات علمها إلى الرسول قد أحاطه الله بها علما، وحين يقرأ الهذلى بين يديه «عتى حين» وهو يريد حَتَّى حِينٍ المؤمنون: ٥٤- الصافات:
١٧٤ و ١٧٨- الذاريات: ٤٣. يحيزه- لأنه هكذا يلفظ بها ويستعملها.
وحين يقرأ الأسدى بين يديه تَسْوَدُّ وُجُوهٌ آل عمران: ١٠٦، بكسر التاء فى «تسود» ، وأَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يس: ٦٠، بكسر الهمزة فى «أعهد» ، يجيزه، لأنه هكذا يلفظ وهكذا يستعمل.
وحين يهمز التميمى على حين لا يهمز القرشى، يجيزه، لأنه هكذا يلفظ وهكذا يستعمل.
وحين يقرأ قارئهم «وإذا قيل لهم» البقرة: ١١، و «غيض الماء» هود: ٤٤، بإشمام الضم مع الكسر: يجيزه لأنه هكذا يلفظ وهكذا يستعمل.
وحين قرأ قارئهم هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا يوسف: ٦٥، بإشمام الكسر مع الضم فى «ردت» ، حين، لأنه هكذا يلفظ وهكذا يستعمل.
وحين يقرأ فارئهم ما لَكَ لا تَأْمَنَّا يوسف: ١١، بإشمام الضم مع الإدغام فى ميم «تأمنا» يجيزه، لأنه هكذا يلفظ وهكذا يستعمل وتكليفه غير هذا عسير.
وحين يقرأ قارئهم «عليهم» و «فيهم» بالضم، ويقرأ قارئ أخر «عليهم و» و «فيهمو» ، بالصلة، يجيزه، لأنه هكذا يلفظ وهكذا يستعمل.
стр. 1094
وحين يقرأ قارئهم «قد أفلح» ، و «قل أوحى» ، و «خلوا إلى» بالنقل» يجيزه، لأنه هكذا يلفظ وهكذا يستعمل.
وحين يقرأ قارئهم «موسى» و «عيسى» ، بالإمالة وغيره بغيرها، يجيزه لأنه هكذا يلفظ وهكذا يستعمل.
وحين يقرأ قارئهم «خبيرا» ، و «بصيرا» بالترفيق، يجيزه، لأنه هكذا يلفظ وهكذا يستعمل.
وحين يقرأ قارئهم «الصلوات» و «الطلاق» ، بالتفخيم، يجيزه، لأنه هكذا يلفظ وهكذا يستعمل.
ويفسر لك هذا ما
روى عن عمر قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وقد كان النبى ﷺ أقرأنيها، فأتيت به النبى ﷺ فأخبرته: فقال له: اقرأ، فقرأ تلك القراءة: فقال:
هكذا أنزلت، ثم قال لى: اقرأ فقرأت. فقال: هكذا أنزلت. ثم قال: هذا القرآن نزل على سبعة أحرف فاقرءوا منه ما تيسر.
وكذلك يفسر لك هذا ما
روى عن أبى قال: دخلت المسجد أصلى فدخل رجل فافتتح «النحل» فقرأ، فخالفنى فى القراءة، فلما انفتل قلت: من أقرأك؟
فقال: رسول الله ﷺ . ثم جاء رجل فقام يصلى، فقرأ، وافتتح النحل، فخالفنى وخالف صاحبى، فلما انفتل قلت: من أقرأك؟ فقال: رسول الله ﷺ ، قال: فأخذت بأيديهما فانطلقت بهما إلى النبى ﷺ . فقلت: استقرئ هذين، فاستقرأ أحدهما، فقال: أحسنت. ثم استقرأ الآخر، فقال: أحسنت.
ويقول ابن قتيبة: «ولو أن كل فريق من هؤلاء أمر أن يزول عن لغته، وما جرى عليه اعتياده طفلا وناشئا وكهلا لاشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان وقطع للعادة.
стр. 1095
ويقول ابن قتيبة:
وقد تدبرت وجوه الخلاف فى القراءات فوجدتها سبعة أوجه:
أولها: الاختلاف فى إعراب الكلمة، أو فى حركة بنائها بما لا يزيلها عن صورتها فى الكتاب، ولا يغير معناها، نحو قوله تعالى: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ هود: ٧٨، و «أطهر لكم» بالنصب- وهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ سبأ ١٧: و «هل يجازى إلا الكفور» - ويَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ النساء ٣٧، الحديد ٢٤- و «بالبخل» بفتح الباء والخاء- و «فنظرة إلى ميسرة» البقرة: ٢٨٠، و «ميسرة» بضم السين.
ثانيها: أن يكون الاختلاف فى إعراب الكلمة وحركات بنائها بما يغير معناها ولا يزيلها عن صورتها فى الكتاب، نحو قوله تعالى: رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا سبأ: ١٩، ورَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا- وإِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ «النور: ١٥ و «تلقونه» بفتح فكسر فضم- ووَ ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ: يوسف ٤٥» و «أمة» أى: نسيان.
ثالثها: أن يكون الاختلاف فى حروف الكلمة دون إعرابها، بما يغير معناها ولا يزيل صورتها، نحو قوله: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها البقرة: ٢٥٩، و «ننشرها» بالراء و «حتى إذا فزع عن قلوبهم» سبأ: ٢٣، و «فرغ» بالراء والغين المعجمة.
رابعها: أن يكون الاختلاف فى الكلمة بما يغير صورتها فى الكتاب ولا يغير معناها فى الكلام، نحو قوله تعالى: إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً يس: ٢٩، و «زقية واحدة» - وكَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ القارعة: ٥، و «كالصوف» .
خامسها: أن يكون الاختلاف فى الكلمة بما يزيل صورتها ومعناها، نحو قوله: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ الواقعة: ٢٩ و «طلح» .
стр. 1096
سادسها: أن يكون الاختلاف بالتقديم والتأخير، نحو قوله: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ. ق: ١٩، وفى قراءة أخرى: «وجاءت سكرة الحق بالموت» .
سابعها: أن يكون الاختلاف بالزيادة والنقصان، نحو قوله تعالى: (وما عملت أيديهم) وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ يس: ٣٥ ونحو قوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ لقمان ٢٦، و (إن الله الغنى الحميد) .
ثم قال ابن قتيبة:
فإن قال قائل: هذا جائز فى الألفاظ المختلفة إذا كان المعنى واحدا، فهل يجوز أيضا إذا اختلفت المعانى؟
قيل له: الاختلاف نوعان: اختلاف تغاير، واختلاف تضاد.
فاختلاف التضاد لا يجوز، ولست واجده بحمد الله فى شىء من القرآن إلا فى الأمر والنهى من الناسخ والمنسوخ.
واختلاف التغاير جائز، وذلك مثل قوله: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أى بعد حين و «بعد أمة» أى بعد نسيان له، والمعنيان جميعا، وإن اختلفا، صحيحان، لأن ذكر أمر يوسف بعد حين وبعد نسيان له.
وكقوله: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ، أى تقبلونه وتقولونه، (وتلقونه) من الولق، وهو الكذب، والمعنيان جميعا، وإن اختلفا، صحيحان، لأنهم قبلوه وقالوه وهو كذب.
وكقوله: رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا على طريق الدعاء والمسألة، ورَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا على جهة الخبر، والمعنيان، وإن اختلفا، صحيحان.
وكقوله: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وهو الطعام، وأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً بضم الميم وسكون التاء وفتح الكاف، وهو الأترج. فدلت هذه القراءة على معنى ذلك الطعام.
стр. 1097
وكذلك (ننشرها) ونُنْشِزُها لأن الإنشار: الإحياء، والإنشاز: هو التحريك للنقل، والحياة حركة، فلا فرق بينهما.
وكذلك فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ و (فرغ) ، لأن فزع: خفف عنها الفزع، وفرغ: فرغ عنها الفزع.
ثم قال ابن قتيبة: وكل ما فى القرآن من تقديم أو تأخير، أو زيادة أو نقصان، فعلى مثل هذا السبيل.
والأمر فى القراءات كما يبدو لك، ينحصر فى أحوال ثلاث:
الأولى- وهى تتصل بأحرف العرب أو لغاتها، وهى التى قدمنا منها مثلا فى الإمالة والإشمام والترقيق والتفخيم، وغير ذلك مما لفظت به القبائل ولم تستطع ألسنتها غيره، وهذا الذى قلنا عنه: إنه المعنى بالأحرف السبعة التى جاءت فى الحديث.
يقول الطحاوى أحمد بن محمد فى كتابه «فى الآثار» : ما من شك فى أن ذلك كان رخصة للعرب يوم أن كانوا لا يستطيعون غيره، وكان من العسير عليهم تلاوة القرآن بلغة قريش.
ثم ما من شك فى أن هذه الرخصة قد نسخت بزوال العذر وتيسر الحفظ وفشو الضبط وتعلم القراءة والكتابة.
وأسوق إليك ما قاله الطبرى بعد ما سقت إليك ما قاله الطحاوى، يقول الطبرى:
ثم لما رأى الإمام أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه اختلاف الناس فى القراءة وخاف من تفرق كلمتهم، جمعهم على حرف واحد، وهو هذا المصحف الإمام، واستوثقت له الأمة على ذلك، بل أطاعت ورأت أن فيما فعله المرشد والهداية، وتركت القراءة بالأحرف السبعة التى عزم عليها إمامها العادل
стр. 1098
فى تركها، طاعة منها له، ونظرا منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها، حتى درست من الأمة معرفتها وعفت آثارها، فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها لدثورها وعفو آثارها. فإن قال من ضعفت معرفته: وكيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهم إياها رسول الله ﷺ وأمرهم بقراءتها؟ قيل: إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة.
الثانية: وهى تتصل برسم المصحف وبقائه فترة غير منقوط ولا مشكول إلى زمن عبد الملك، حين قام الحجاج بإسناد هذا إلى رجلين، هما: يحيى بن يعمر والحسن البصرى، فنقطاه وشكلاه.
ولقد حفظ الله كتابه بالحفظة القارئين أكثر مما حفظه بالكتاب الكاتبين، ثم كانت إلى جانب الحفظ حجة أخرى على الرسم، وهى لغة العرب أقامت الرسم لتدعيم الحفظ ولم تقم الحفظ لتدعيم الرسم. وكان هذا ما عناه عثمان: أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها. ولقد أقامته العرب بألسنتها وتركت الرسم على حاله ممثلا فى مصحفه الإمام الذى كان حريصا على أن تجتمع عليه الأمة الإسلامية، من أجل ذلك أحرق ما سواه.
وكان أول شىء عمله الحجاج، بعد ما فرغ من نقط المصحف وشكله، أن وكل إلى عاصم الجحدرى، وناجية بن رمح، وعلى بن أصمع، أن يتتبعوا المصاحف وأن يقطعوا كل مصحف يجدونه مخالفا لمصحف عثمان، وأن يعطوا صاحبه ستين درهما. وفى ذلك يقول الشاعر:
وإلا رسوم الدار قفرا كأنها ... كتاب محاه الباهلى ابن أصمعا
ونحن اليوم فى أيدينا هذا المصحف الإمام أقوم ما يكون ضبطا، وأصح ما يكون شكلا، فما أغنانا به عن كل قراءة لا يحملها رسمه، ولا يشير إليها ضبطه، من تلك القراءات التى كانت تلك حالها التى بسطتها لك.
стр. 1099
الثالثة: وهى التى تتصل بإحلال كلمة مكان كلمة، أو تقديم كلمة على كلمة، أو زيادة أو نقصان.
وما أظن هذه يعتد بها بعد أن أصبح فى أيدينا المصحف الإمام، هيأه لنا عثمان فى الأولى، وزفه إلينا الحجاج فى الثانية، وما كان هذان العملان إلا خطوتين:
خطوة تدعم خطوة في سبيل الوحدة الكاملة لكتاب الله، كما حفظه الله على لسان الحفظة من الصحابة والتابعين.
(٦٦) القراء:
ولقد كانت كتابة المصحف بلغة قريش، أو بحرف قريش، بذلك أمر عثمان زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث ابن هشام، وهم ينسخون المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى شىء فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم.
وأرسل عثمان المصاحف إلى الأمصار، وأخذ كل أهل مصر يقرءون بما فى مصحفهم، يتلقون ما فيه عن الصحابة الذين تلقوا عن رسول الله ﷺ ، ثم قاموا بذلك مقام الصحابة الذين تلقوه عن النبى ﷺ ، فكان بالمدينة نفر، منهم: ابن المسيب، ومعاذ بن الحارث، وشهاب الزهرى، وكان بمكة نفر، منهم: عطاء، وطاووس، وعكرمة. وبالكوفة نفر، منهم:
علقمة والشعبى، وسعيد بن جبير. وبالبصرة نفر، منهم: الحسن، وابن سيرين، وقتادة. وبالشام نفر، منهم: المغيرة بن أبى شهاب المخزومى، صاحب عثمان بن عفان.
ثم تجرد قوم للقراءة واعتنوا بضبطها أتم عناية حتى صاروا فى ذلك أئمة يقتدى بهم ويرحل إليهم ويؤخذ عنهم، وأجمع أهل بلدهم على تلقى قراءتهم بالقبول، ولم يختلف عليهم فيها اثنان، ولتصديهم للقراءة نسبت إليهم.
стр. 1100
فكان بالمدنية نفر، منهم: أبو جعفر يزيد بن القعقاع، ثم نافع بن أبى نعيم. وكان بمكة نفر، منهم: عبد الله بن كثير، ومحمد بن محيض. وكان بالكوفة نفر، منهم: سليمان الأعمش، ثم حمزة، ثم الكسائى. وكان بالبصرة نفر، منهم: عيسى بن عمر، وأبو عمرو بن العلاء. وكان بالشام نفر، منهم: عبد الله ابن عامر، وشريح بن يزيد الحضرمى.
غير أن القراء بعد هذا كثروا وتفرقوا فى البلاد وانتشروا فى الأقطار، وكاد يدخل على هذا العلم ما ليس فيه، فشمر لضبطه وتنقيته أئمة مشهود لهم، منهم:
(١) الإمام الحافظ الكبير أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد الدانى، من أهل دانية بالأندلس. وكانت وفاته سنة أربع وأربعين وأربعمائة، وكتابه فى هذا الباب هو: التيسير.
(٢) الإمام المقرئ المفسر أبو العباس أحمد بن عمارة بن أبى العباس المهدوى، المتوفى بعد الثلاثين وأربعمائة، وله كتاب الهداية.
(٣) الإمام أبو الحسن طاهر بن أبى الطيب بن أبى غلبون الحلبى، نزيل مصر، وتوفى بها سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، وله: كتاب التذكرة.
(٤) الإمام أبو محمد مكى بن أبى طالب القيروانى. وكانت وفاته سنة سبع وثلاثين وأربعمائة بقرطبة، وله كتاب: التبصرة.
(٥) الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل، المعروف بأبى شامة: وله كتاب المرشد الوجين.
ولقد كان رائد هؤلاء جميعا فيما أخذوا فيه أن كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت المصحف الإمام، وصح سندها، فهى قراءة صحيحة لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها.
стр. 1101
وإذا اختل ركن من هذه الأركان كانت تلك القراءة ضعيفة أو شاذة أو باطلة.
وفى ظل هذه القيود التى أجمع عليها القراء:
(١) الموافقة للعربية ولو بوجه.
(٢) الموافقة للعربية ولو بوجه.
(٣) أو يصح سندها.
قام الأئمة بتأليف كتب فى القراءات، وكان أول إمام جمع القراءات فى كتاب هو أبو عبيد القاسم بن سلام، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين. وقد جعل القراءات نحوا من خمس وعشرين قراءة، وتوالى بعده أئمة مؤلفون جمعوا القراءات فى كتب، منهم من جعلها عشرين، ومنهم من زاد ومنهم من نقص، إلى أن كان الأمر إلى أبى بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد، فاقتصر على قراءات سبع لقراء سبع، هم: عبد الله بن كثير، فى مكة، ونافع بن أبى رويم، فى المدينة، وأبو عمرو بن العلاء، فى البصرة، وعاصم بن أبى النجود، وحمزة ابن حبيب الزيات، وعلى الكسائى، فى الكوفة، وعبد الله بن عامر، فى الشام.
ثم جاء بعده من رفعها إلى عشر، نذكر منهم إماما متأخرا، وهو:
ابن الجزرى أبو الخير محمد بن محمد، المتوفى سنة ٨٣٣ هـ، وكتابه هو: النشر فى القراءات العشر.
والقراء الثلاثة الذين زادوا على السبعة، هم: يزيد بن القعقاع، فى المدينة، ويعقوب الحضرمى، فى البصرة، وخلف البزار، فى الكوفة.
هذا غير قراء جاءوا بقراءات شاذة، كان على رأسهم ابن شنبوذ، المتوفى سنة ٣٢٨، ثم أبو بكر العطار النحوى، المتوفى سنة ٣٥٤ هـ.
(- ١٠- الموسوعة القرآنية- ج ٣)
стр. 1102
(٦٧) القسم:
جملة يؤكد بها الخبر، ولقد أقسم سبحانه بثلاثة أشياء:
(١) بذاته، كقوله تعالى: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ الذاريات: ٢٣.
(٢) بفعله، كقوله تعالى: وَالسَّماءِ وَما بَناها الشمس: ٥.
(٣) مفعوله، كقوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى النجم: ١.
(٦٨) قصص الأنبياء:
تكرارها، لفائدة خلت عنها فى الموضع الآخر، وفيه أمور:
(١) إنه إذا كرر القصة زاد فيها شيئا.
(٢) إن الرجل كان يسمع القصة من القرآن ثم يعود إلى أهله، ثم يهاجر بعده آخرون يحكون عنه ما نزل بعد صدور الأولى، وكان أكثر من آمن به مهاجريّا، فلولا تكرر القصة لوقعت قصة موسى إلى قوم، وقصة عيسى إلى آخرين، وكذلك سائر القصص، فأراد الله اشتراك الجميع فيها، فيكون فيه إفادة القوم وزيادة تأكيد وتبصرة لآخرين، وهم الحاضرون.
(٣) تسليته لقلب النبى ﷺ مما اتفق للأنبياء مثله مع أممهم، يقول تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ هود: ١٢٠.
(٤) إن إبراز الكلام الواحد فى فنون كثيرة وأساليب مختلفة فيه من الفصاحة ما فيه.
(٥) إن الدواعى لا تتوفر على نقلها توفرها على نقل الأحكام، فلهذا كروت القصة دون الأحكام.
(٦) إن الله تعالى أنزل هذا القرآن، وعجز القوم عن الإتيان بمثل آية،
стр. 1103
لصحة نبوة محمد ﷺ ، ثم بين وأوضح الأمر فى عجزهم، بأن كرر ذكر القصة فى مواضع إعلاما بأنهم أعجز عن الإتيان بمثله بأى نظم جاءوا، وأى عبارة عبروا.
(٧) إنه لما سحر العرب بالقرآن، قال تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ البقرة: ٢٣، وقال فى موضع آخر: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ هود: ١٣، فلو ذكر قصة آدم مثلا فى موضع واحد واكتفى بها لقال العربى بما قال الله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ: ائتونا أنتم بسورة من مثله، فأنزلها سبحانه فى تعداد السور دفعا لحجتهم من كل وجه.
(٨) إن القصة الواحدة من هذه القصص، كقصة موسى مع فرعون، وإن ظن أنها لا تغاير الأخرى، فقد يوجد فى ألفاظها زيادة ونقصان وتقدم وتأخر، وتلك حال المعانى الواقعة بحسب تلك الألفاظ، فإن كل واحدة لا بد وأن تخالف نظيرتها من نوع معنى زائد منها، لا يوقف عليه إلا منها دون غيرها، فكأن الله تعالى فرق ذكر ما دار بينهما وجعله أجزاء، ثم قسم تلك الأجزاء على تارات، لتكرار، لتوجد متفرقة فيها، ولو جمعت تلك القصص فى موضع واحد لأشبهت ما وجد الأمر عليه فى الكتب المتقدمة من انفراد كل قصة منها بموضع، كما وقع فى القرآن بالنسبة ليوسف ﵇ خاصة.
(٩) إن التكرار فيها مع سائر الألفاظ لم يوقع فى اللفظ هجنة، ولا أحدث مللا، فباين بذلك كلام المخلوقين.
(١٠) إنه ألبسها زيادة ونقصانا وتقديما وتأخيرا ليخرج بذلك الكلام أن تكون ألفاظه واحدة بأعيانها، فيكون شيئا معادا، فنزهه عن ذلك بهذه التغييرات.
(١١) إن المعانى التى اشتملت عليها القصة الواحدة من هذه القصص متفرقة
стр. 1104
فى تارات التكرير، فيجد البليغ، لما فيها من التغيير، ميلا إلى سماعها، لما جبلت عليه النفوس من حب التنقل فى الأشياء المتجددة التى لكل منها حصة من الالتذاذ به مستأنفة.
(١٢) ظهور الأمر العجيب من إخراج صور متباينة فى النظم بمعنى واحد، وقد كان المشركون فى عصر النبى ﷺ يعجبون من اتساع الأمر فى تكرار هذه القصص والأنباء مع تغاير أنواع النظم وبيان وجوه التأليف، فعرفهم الله أن الأمر بما يتعجبون منه مردود إلى قدرة من لا تلحقه نهاية، ولا يقع على كلامه مدد، لقوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً الكهف: ١٠٩.
(١٣) إن سوق قصة يوسف ﵇ مساقا واحدا فى موضع واحد، دون غيرها من القصص، فيه غير ما ذكر قبل وجوه، وهى:
أ- إن ما فيها من تشبيب النسوة به، وتضمن الأخبار عن حال امرأة ونسوة افتتن بأبدع الناس جمالا وأرقهم مثالا، ناسب عدم تكرارها لما فيها من الإغضاء والستر عن ذلك، وثمة حديث مرفوع فى مستدرك الحاكم، جاء فيه النهى عن تعليم النساء سورة يوسف.
ب- إنها اختصت بحصول الفرج بعد الشدة، بخلاف غيرها من القصص، فإن مثالها إلى الوبال، كقصة إبليس وقوم نوح وقوم هود وقوم صالح وغيرهم، بذلك اتفقت الدواعى على نقلها لخروجها عن سمت القصص.
ج- كرر الله تعالى قصص الأنبياء وساق قصة يوسف مساقا واحدا إشارة إلى عجز العرب،
كأن النبى ﷺ قال لهم: إن كان من تلقاء نفسى تصويره على للفصاحة فافعلوا فى قصة يوسف ما فعلت فى قصص سائر الأنبياء.
стр. 1105
١٤- ذكر الله تعالى قصة نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وموسى فى سورة الأعراف وهود والشعراء، ولم يذكر معهم قصة إبراهيم، وإنما ذكرها فى سورة الأنبياء، ومريم، والعنكبوت، والصافات، وهذا لأن السور الأولى، ذكر الله تعالى فيها نصر رسله، بإهلاك قومهم ونجاة الرسل وأتباعهم، أما السور الأخرى فالمقصود ذكر الأنبياء وإن لم يذكر قومهم.
(٦٩) القلب:
وهو ما اتفق لفظه واختلف معناه، وهو أنواع:
١- قلب الإسناد، وهو أن يشمل الإسناد إلى شىء والمراد غيره، ومنه قوله تعالى: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ الأنبياء: ٣٧، أى خلق العجل من الإنسان.
٢- قلب المعطوف، وهو أن تجعل المعطوف عليه معطوفا، والمعطوف معطوفا عليه، كقوله تعالى: فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ النمل:
٢٨، حقيقته: فانظر ما يرجعون ثم تول عنهم، لأن نظره ما يرجعون من القول غير مئات مع توليه عنهم.
٣- العكس، وهو أمر لفظى، كقوله تعالى. ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ الأنعام: ٥٢.
٤- المستوى، وهو أن الكلمة، أو الكلمات، تقرأ من أولها إلى آخرها، ومن آخرها إلى أولها، لا يختلف لفظها ولا معناها، كقوله تعالى: كُلٌّ فِي فَلَكٍ الأنبياء: ٣٣.
٥- مقلوب البعض، وهو أن تكون الكلمة الثانية مركبة من حروف الكلمة الأولى، مع بقاء بعض حروف الكلمة الأولى، كقوله تعالى: رَّقْتَ بَيْنَ
стр. 1106
بَنِي إِسْرائِيلَ
طه: ٩٤، فكلمة «بنى» مركبة من حروف «بين» وهى مفرقة، إلا أن الباقى بعضها فى الكلمتين، وهو أولها.
(٧٠) الكلام:
١- إخراجه مخرج الشك فى اللفظ دون الحقيقة. لضرب من المسامحة وحسم العناد كقوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ سبأ: ٢٤، وهو يعلم أنه على الهدى وأنهم على الضلال، ولكنه أخرج الكلام مخرج الشك، تقاضيا ومسامحة، ولا شك عنده ولا ارتياب.
٢- خروج الواجب فى صورة الممكن، كقوله تعالى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً الإسراء: ٧٩.
٣- خروج الإطلاق فى صورة التقييد، كقوله تعالى: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ الأعراف ٤٠.
(٧١) الكلمة:
١- الزيادة فى بنيتها.
إذا كان اللفظ على وزن من الأوزان، ثم نقل إلى وزن آخر أعلى منه فلا بد أن يتضمن من المعنى أكثر مما تضمنه أولا، لأن الألفاظ أدلة على المعانى، فإذا زيدت فى الألفاظ وجب زيادة المعانى ضرورة، ومنه قوله تعالى: فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ القمر: ٤٢، فإن مقتدر أبلغ من قادر.
والزيادة أنواع:
(أ) زيادة بالتكرير، ومنه قوله تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيها الشعراء: ٩٤،
стр. 1107
فلم يقل: وكبوا، والكبكبة: تكرير الكب، جعل التكرير فى اللفظ دليلا على التكرير فى المعنى.
(ب) الزيادة بالتشديد، ومنه قوله تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً نوح: ١٠، فإن غفارا أبلغ من غافر.
(ج) الزيادة بالتضعيف، وهو أن يؤتى بالصيغة دالة على وقوع الفعل مرة بعد مرة، وشرطه أن يكون فى الأفعال المتعدية قبل التضعيف.
٢- خروجها مخرج الغالب، كقوله تعالى: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ النساء: ٢٣، فإن الحجر ليس بقيد عند العلماء، لكن فائدة التقييد تأكيد الحكم فى هذه الصورة مع ثبوته عند عدمها، ولهذا قال: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ولم يقل: فإن لم تكونوا دخلتم بهن ولم يكونوا فى جحوركم، فدل على أن الحجر خرج مخرج العادة.
(٧٢) الكناية:
وهى الدلالة على شىء من غير تصريح باسمه، ولها أسباب، منها:
١- التنبيه على عظم القدرة، كقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ الأعراف: ١٨٩، كناية عن آدم.
٢- فطنة المخاطب، كقوله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ الأحزاب: ٤٠، أى: زيد، فكنى.
٣- ترك اللفظ إلى ما هو أجمل منه، كقوله تعالى: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ص: ٢٣، فكنى بالنعجة عن المرأة، كعادة العرب.
٤- أن يفحش ذكره فى السمع، فيكنى عنه بما لا ينبو عنه الطبع، كقوله تعالى:
وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً الفرقان ٧٢، أى كنوا عن لفظه ولم يوردوه على صيغته.
стр. 1108
٥- تحسين اللفظ، كقوله تعالى: بَيْضٌ مَكْنُونٌ الصافات: ٤٩، فإن العرب كانت من عادتهم الكناية عن حرائر النساء بالبيض.
٦- قصد البلاغة، كقوله تعالى: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ الزخرف: ١٨، كنى عن النساء بأنهن ينشأن فى الترفه والتزين والتشاغل عن النظر فى الأمور ودقيق المعانى، ولو أتى بلفظ النساء لم يشعر بذلك. والمراد نفى الأنوثة عن الملائكة، وكونهم بنات الله، تعالى الله عن ذلك.
٧- قصد المبالغة فى التشنيع، كقوله تعالى حكاية عن اليهود: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ المائدة: ٦٤، فإن الغل كناية عن البخل، وكان سبب نزولها أن جماعة كانوا متمولين فكذبوا النبى ﷺ ، فكف الله عنهم ما أعطاهم.
٨- التنبيه على مصيره، كقوله تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ المسد: ١، أى جهنمى مصيره إلى اللهب.
٩- قصد الاختصار، ومنه الكناية عن أفعال متعددة بلفظ «فعل» ، كقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا البقرة: ٢٤، أى فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا.
١٠- أن يعمد إلى جملة ورد معناها على خلاف الظاهر، فيأخذ الخلاصة منها، من غير اعتبار مفرداتها بالحقيقة أو المجاز، فتعبر بها عن مقصودك، كقوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى طه: ٥، فالاستواء كناية عن الملك.
(٧٣) اللغات:
وهذا الوحى ألهم الرسول معناه كما ألهم لفظه، فهو بمعناه ولفظه من صنع السماء، والرسول ناطق بلسان السماء، يملى على قومه ما أملته عليه السماء، يصور ما تصور فى وعيه، وينطق بما أنطقته السماء، تفيض عليه السماء فإذا هو قد خلص لهذا الفيض بكلياته، وإذا هو إشعاع لهذا الفيض يصدر عنه ويشكل جرسه، فإذا ما انفصل عنه هذا الفيض عاد يصدر عن نفسه يطوع له نطقه.
стр. 1109
ولسان الرسول عربى، ولهذا جرى القرآن على لسانه عربيّا، وإذا كان القرآن لسان السماء جرى على لسان الرسول مبينا إلى جريانه عربيّا، يمثل أعلى ما ينتظمه اللسان العربى من لغات، وأحوى ما يجمع من لهجات، وكانت لغة مضر أعلى ما يجرى على لسان قريش وأحواه، فنزل بها القرآن، وفى هذا يقول عمر: نزل القرآن بلغة مضر: وكانت لغة مضر هذه تنتظم لغات سبعا لتبائل سبع، هم: هذيل، وكنانة، وقيس، وضبة، وتيم الرباب، وأسد بن خزيمة، وقريش.
ولقد مثل القرآن هذه اللغات السبع كلها مفرقة فيه لكل لغة منه نصبب.
وهو أولى الأقوال بتفسير
الحديث «نزل القرآن على سبعة أحرف» .
(وانظر القراءات) .
(٧٤) المبالغة:
١- وهى أن يكون للشىء صفة ثابتة فتزيد فى التعريف بمقدار شدته أو ضعفه، فيدعى له من الزيادة فى تلك الصفة ما يستبعد عند السماع، أو يحيل عقله ثبوتة، كقوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ النور: ٤٠، يعنى: ظلمة البحر، وظلمة الموج فوقه، وظلمة السحاب فوق الموج.
٢- ومنه المبالغة فى الوصف بطريق التشبيه، كقوله تعالى: إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ المرسلات ٣٢، ٣٣.
٣- ومنه ما جرى مجرى الحقيقة، كقوله تعالى: يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ النور: ٤٣ وقد تجىء المبالغة مدبحة، كقوله تعالى: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ الرعد: ١٠، فإن المبالغة فى هذه الآية مدبحة فى المقابلة، وهى بالنسبة إلى من تخاطب لا إلى
стр. 1110
من يخاطب، والمعنى: أن علم ذلك متعذر، عندكم، وإلا فهو بالنسبة إليه سبحانه ليس بمبالغة.
(٧٥) المبهمات:
ولها أسباب:
١- أن يكون أبهم فى موضع استغناء ببيانه فى آخر فى سياق الآية، كقوله تعالى: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ الفاتحة: ٧، بينه بقوله: مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ النساء: ٦٩.
٢- أن يتعين لاشتهاره، كقوله تعالى: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ البقرة:
٣٥، ولم يقل: حواء، لأنه ليس غيرها.
٣- قصد الستر عليه، ليكون أبلغ فى استعطافه، ولهذا كان النبى ﷺ إذا بلغة عن قوم شىء خطب فقال: ما بال رجال قالوا كذا، وهو غالب ما فى القرآن الكريم، كقوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ البقرة: ١٠٠، قيل: هو مالك بن الصيف وكان من أحبار يهود، فقال حين بعث رسول الله ﷺ ، وذكر لهم ما أخذ عليهم من الميثاق وما عهد الله إليهم فيه: والله ما عهد إلينا فى محمد عهد، وما أخذ له علينا من ميثاق.
٤- ألا يكون فى تعيينه كثير فائدة، كقوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ البقرة: ٢٥٩، والمراد بها: بيت المقدس.
٥- التنبيه على التعميم، وهو غير خاص بخلاف ما لو عين، كقوله تعالى:
وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ النساء: ١٠٠، قيل: هو ضمرة ابن العيص، وكان من المستضعفين بمكة، وكان مريضا، فلما نزلت آية الهجرة، خرج منها فمات بالتنعيم، وهو موضع بمكة.
стр. 1111
٦- تعظيمه بالوصف الكامل دون الاسم، كقوله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ النور: ٢٢، قيل: هو الصديق حين حلف ألا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة أبدا بعد ما قال فى عائشة ما قال فى حديث الإفك.
٧- تحقيره بالوصف الناقص، كقوله تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ الكوثر: ٦٣، والمراد: العاصى بن وائل.
٨- أن يكون للشخص اسمان فيقتصر على أحدهما دون الآخر لنكتة، كقوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ البقرة: ٤٠، ولم يذكروا فى القرآن إلا بهذا دون (يا بنى يعقوب) .
٩- المبالغة فى الصفات للتنبيه أن على المراد إنسان بعينه، كقوله تعالى:
وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ القلم: ١٠، ١١، قيل: إنه أمية ابن خلف.
(٧٦) المتشابه- (وانظر: المحكم والمتشابه) .
وهو إيراد القصة الواحدة فى صور شتى وفواصل مختلفة، ويكثر فى إيراد القصص والأنباء، وحكمته التصرف فى الكلام وإتيانه على ضروب، وفيه فصول:
(ا) أن يكون باعتبار الأفراد، وهو على أقسام:
١- أن يكون فى موضع على نظم، وفى آخر على عكسه، يقول تعالى فى سورة البقرة: وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ البقرة: ٥٨، ويقول تعالى فى سورة الأعراف: وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً الأعراف: ١٦١.
٢- ما يشتبه بالزيادة والنقصان، يقول تعالى فى سورة البقرة: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ البقرة: ٦، ويقول تعالى فى سورة يس: وَسَواءٌ
стр. 1112
يس: ١٠، بزيادة واو، لأن ما فى البقرة جملة هى خبر عن اسم «ان» ، وما فى يس جملة عطف بالواو على جملة.
٣- التقديم والتأخير، وهو قريب من الأول، يقول تعالى فى سورة البقرة: يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ البقرة: ١٢٩، ويقول تعالى فى سورة الجمعة: وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ الجمعة: ٢.
٤- التعريف والتنكير، يقول تعالى فى سورة البقرة: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ البقرة: ٦١، ويقول تعالى فى سورة آل عمران: بِغَيْرِ حَقٍّ آل عمران:
١١٢.
٥- الجمع والإفراد، يقول تعالى فى سورة البقرة: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً البقرة: ٨٠، ويقول تعالى فى سورة آل عمران: مَعْدُوداتٍ آل عمران: ٢٤، والأصل فى الجمع إذا كان واحدة مذكرا، أن يقتصر فى الوصف على التأنيث، فجاء فى البقرة على الأصل، وفى آل عمران على النوع.
٦- إبدال حرف بحروف غيره، يقول تعالى فى سورة البقرة: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا البقرة: ٣٥، بالواو، ويقول تعالى فى سورة الأعراف:
فَكُلا الأعراف: ١٩، بالفاء. وحكمته أن «اسكن» فى البقرة، من السكون، الذى هو الإقامة، فلم يصلح إلا بالواو، ولو جاءت الفاء لوجب تأخير الأكل، إلى الفراغ من الإقامة، والذى فى الأعراف، من السكن، وهو اتخاذ الموضع سكنا، فكانت الفاء أولى، لأن المسكن لا يستدعى زمنا متجددا.
٧- إبدال كلمة بأخرى، يقول تعالى فى سورة البقرة: ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا البقرة: ١٧٠، ويقول تعالى فى سورة لقمان: وَجَدْنا لقمان: ٢١.
٨- الإدغام وتركه، يقول تعالى فى سورة النساء: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ النساء: ١١٥، ويقول تعالى فى سورة الحشر: وَمَنْ يُشَاقِّ الحشر: ٤.
стр. 1113
(ب) ما جاء على حرفين:
ومنه قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فقد جاءت مرتين فى البقرة: ٢١٩، ٢٦٦.
(ج) ما جاء على ثلاثة أحرف:
ومنه قوله تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فى الروم: ٩، وفى فاطر: ٤٤.
وفى غافر (المؤمن) : ٢١.
(د) ما جاء على أربعة أحرف:
ومنه قوله تعالى: مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ بتكرير «من» فى:
يونس: ٦٦، والحج: ١٨، والنمل: ٨٧، والزمر: ٦٨.
(هـ) ما جاء على خمسة حروف:
ومنه قوله تعالى: حَكِيمٌ عَلِيمٌ فى الأنعام ثلاثة: ٨٣، ١٢٨، ١٣٩، وفى الحجر: ٢٥، وفى النمل: ٦.
(و) ما جاء على ستة حروف:
ومنه قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فى الأنعام: ٩٩، وفى النحل: ٧٩، وفى النمل: ٨٦، وفى العنكبوت: ٢٤، وفى الروم: ٣٧، وفى الزمر: ٥٢.
(ز) ما جاء على سبعة حروف:
ومنه قوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فى البقرة: ٢٢١، وفى إبراهيم: ٢٥، وفى القصص: ٤٣، ٤٦، ٥١، وفى الزمر: ٢٧، وفى الدخان: ٥٨.
(ح) ما جاء على ثمانية حروف:
ومنه مجىء النفع قبل الضر، فى الأنعام: ٧١، وفى الأعراف: ٨٨. وفى يونس:
١٠٦، وفى الرعد: ١٦، وفى الأنبياء: ٦٦، وفى الفرقان: ٥٥، وفى الشعراء: ٧٣، وفى سبأ: ٤٢.
(ط) ما جاء على تسعة حروف:
ومنه قوله تعالى: مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بغير تكرار «من» فى آل عمران:
стр. 1114
٨٣، وفى الرعد: ١٥، وفى الإسراء: ٥٥، وفى مريم: ٩٣، وفى الأنبياء: ١٩، وفى النور:
٤١، وفى النمل: ٦٥، وفى الروم: ٢٦، وفى الرحمن: ٢٩.
(ى) ما جاء على عشرة أحرف:
ومنه قوله تعالى: أَنْ لا تكتب فى المصحف بالنون منفصلة فى عشرة مواضع، فى الأعراف: ١٠٥، ١٦٩، وفى التوبة: ١١٨، وفى هود: ١٤، ٢٦، وفى الحج:
٢٦، وفى يس: ٦٠، وفى الدخان: ١٩، وفى الممتحنة: ١٢، وفى القلم: ٢٤.
(ك) ما جاء على أحد عشر حرفا:
ومنه قوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ فى التوبة: ٧٢، وفى الرعد: ٢٣، وفى النحل: ٣١، وفى الكهف: ٣١، وفى مريم: ٦١، وفى طه: ٧٦، وفى فاطر: ٣٣، وفى ص: ٥٠، وفى غافر:
٨، وفى الصف: ١٢، وفى البينة: ٨.
(ل) ما جاء على خمسة عشر وجها:
ومنه قوله تعالى: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وليس فيها «خالدين» فى البقرة: ٢٥، ٢٦٦، وفى آل عمران: ١٩٥، وفى المائدة: ١٢، وفى الرعد: ٣٥، وفى النحل ٣١، وفى الحج: ١٤، ٢٣، وفى الفرقان: ١٠، وفى الزمر: ٢٠ وفى القتال: ١٢، وفى الفتح:
٥، وفى الصف: ١٢، وفى التحريم: ٨، وفى البروج: ١١.
(م) ما جاء على عشرين وجها:
ومنه قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً على التوحيد، فى البقرة: ٢٤٨، وفى آل عمران: ٤٩، وفى هود: ١٠٣، وفى الحجر: ٧٧، وفى النحل: ١١، ١٣، ٦٥، ٦٧، ٦٩، وفى الشعراء: ٨، ٦٧، ١٠٣، ١٢١، ١٣٩، ١٥٨، ١٧٤، ١٩٠، وفى النمل:
٥٢، وفى العنكبوت: ٤٤، وفى سبأ: ٩.
стр. 1115
(٧٧) المثنى:
(١) إطلاقه وإرادة الواحد، كقوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ الرحمن: ٢٢، وإنما يخرج من أحدهما.
(٢) إطلاقه وإرادة الجمع، كقوله تعالى: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ الملك: ٤، والمعنى: كرات، لأن البصر لا يحصر إلا بالجمع.
(٧٨) المجاز (انظر: الحقيقة والمجاز) .
(٧٩) المحاذاة:
وهو أن يؤتى باللفظ على وزن الآخر، لأجل انضمامه إليه، وإن كان لا يجوز فيه ذلك لو استعمل منفردا، ومن هذا كتابة المصحف وَاللَّيْلِ إِذا سَجى الضحى: ٢، بالياء، وهو من ذوات الواو، لما قرن بغيره مما يكتب بالياء.
(٨٠) والمحكم والمتشابه:
وصف القرآن الكريم:
(١) بأنه كله محكم، لقوله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ هود: ١.
(٢) وبأنه كله متشابه، لقوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً الزمر: ٢٣.
(٣) وأن منه محكما ومنه متشابها، وهو الصحيح، لقوله تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ، وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ آل عمران: ٧.
والمحكم: ما أحكمته بالأمر والنهى وبيان الحلال والحرام.
وقيل: هو الذى لم ينسخ.
وقيل: هو الناسخ.
وقيل: والذى وعد الله تعالى عليه ثوابا أو عقابا.
стр. 1116
وقيل: الذى تأويله تنزيله، يجعل القلوب تعرفه عند سماعه، كقوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الإخلاص: ١.
وقيل: ما لا يحتمل فى التأويل إلا وجها واحدا.
وقيل: ما تكرر لفظه.
وأما المتشابه، فهو المشتبه الذى يشبه بعضه بعضا.
وقيل: هو المنسوخ غير المعمول به.
وقيل: القصص والأمثال.
وقيل: ما أمرت أن تؤمن به وتكل علمه إلى عالمه.
وقيل: فواتح السور.
وقيل: ما لا يدرى إلا بالتأويل، ولا بد من صرفه إليه.
وقيل: الآيات التى يذكر فيها وقت الساعة، ومجىء الغيث، وانقطاع الآجال.
وقيل: ما يحتمل وجوها.
وقيل: ما لا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره.
(٨١) المشاكلة:
وهى نوعان:
١- شاكلة اللفظ للفظ، وهذه تكون:
(ا) المشاكلة بالثانى للأول، كقوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ المائدة: ٦: بالجر على مذهب الجمهور، وأن الجر للجوار.
(ب) المشاكلة بالأول للثانى كقوله تعالى: (الحمد لله) بكسر الدال، وهى أفصح من ضم اللام للدال، وهى قراءة إبراهيم بن أبى عبيلة.
٢- مشاكلة اللفظ للمعنى، كقوله تعالى:
стр. 1117
خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ آل عمران: ٥٩، ولم يقل: من طين، كما أخبر به تعالى فى غير موضع، ولقد عدل عن الطين الذى هو مجموع الماء والتراب إلى ذكر مجرد التراب لمعنى لطيف، وذلك أنه أدنى العنصرين وأكثفهما، لما كان المقصود مقابلة من ادعى فى المسيح الإلهية أتى بما يصغر أمر خلقه عند من ادعى ذلك، فلهذا كان الإتيان بلفظ التراب أمس فى المعنى من غيره من العناصر.
(٨٢) المصحف:
١- كتابته .
٢- تجزئته.
١- كتابته
مربك كيف كان الوحى يكتب، وعلى أى شىء كان يكتب، ثم من كانوا كتابه.
ومربك أيضا كيف جمعه أبوبكر وعمر، ثم كيف كتب عثمان مصحفه الإمام، وأرسل منه مصاحف أربعة إلى الأمصار: مكة والبصرة والكوفة والشام، وأنه أبقى اثنين آخرين فى المدينة اختص نفسه بواحد منهما.
ومنذ أن دخلت هذه المصاحف الأمصار أقبل المسلمون ينسخونها، ولقد نسخوا منها عددا كثيرا لا شك فى ذلك.
فنحن نقرأ للمسعودى وهو يتكلم على وقعة صفين، التى كانت بين على ومعاوية، وما أشار به عمرو بن العاص من رفع المصاحف، حين أحس ظهور على عليه، ورفع من عسكر معاوية نحو من خمسمائة مصحف.
وما نظن هذا العدد الذى رفع من المصاحف فى معسكر معاوية كان كل ما يملكه المسلمون حينذاك. والذى نظنه أنه كان بين أيدى المسلمين ما يربى على هذا العدد (- ١١- الموسوعة القرآنية- ج ٣)
стр. 1118
بكثير، هذا ولم يكن قد مضى على كتابة عثمان لمصحفه الإمام، وإرساله إلى الأمصار، ما يزيد على سنين سبع.
والجديد الذى أحب أن أسوقه هنا نقلا عمن نظروا فى نشأة الخط العربى أن العرب كانوا قبيل الإسلام يكتبون بالخط الحيرى- نسبة إلى الحيرة- ثم سمى هذا الخط بعد الإسلام بالخط الكوفى.
وهذا الخط الكوفى فرع- كما يقولون- من الخط السريانى» وأنه على الأخص طور من أطوار قلم للسريان، كانوا يسمونه: السطرنجيل، وكان السريان يكتبون به الكتاب المقدس، وعن السريان انتقل إلى العرب قبل الإسلام، ثم كان منه الخط الكوفى، كما ذكرت لك.
ولقد كان للعرب إلى جانب هذا القلم الكوفى قلم نبطى، انتقل إليهم من حوران مع رحلاتهم إلى الشام، وعاش العرب ولهم هذان القلمان: الكوفى والنبطى، يستخدمون الكوفى لكتابة القرآن، ويستخدمون النبطى فى شئون أخرى.
وبالخط الكوفى كان كتب المصاحف، غير أنه كان أشكالا، واستمر ذلك إلى القرن الخامس تقريبا، ثم ظهر الخط الثلث، وعاش من القرن الخامس إلى ما يقرب من القرن التاسع، إلى أن ظهر القلم النسخ، الذى هو أساس الخط العربى إلى اليوم.
فلقد كتب القرآن بالكوفى أيام الخلفاء الراشدين، ثم أيام بنى أمية. وفى أيام بنى أمية صار هذا الخط الكوفى إلى أقلام أربعة. ويعزون هذا الشكل فى الأقلام إلى كاتب اسمه قطبة، وكان كاتب أهل زمانه، وكان يكتب لبنى أمية المصاحف.
وفى أوائل الدولة العباسية ظهر الضحاك بن عجلان، ومن بعده إسحاق بن حماد، فإذا هما يزيدان على قطبة، وإذا الأقلام العربية تبلغ اثنى عشر قلما: قلم
стр. 1119
الجليل، قلم السجلات، قلم الديباج، قلم أسطور مار الكبير، قلم الثلاثين، قلم الزنبور، قلم المفتتح، قلم الحرم، قلم المؤامرات، قلم العهود، قلم القصص، قلم الحرفاج.
وحين ظهر الهاشميون حدث خط يسمى: العراقى، وهو المحقن. ولم تزل الأقلام تزيد إلى أن انتهى الأمر إلى المأمون فأخذ كتابه بتجويد خطوطهم، وظهر رجل يعرف بالأحول المحرر، فتكلم على رسوم الخط وقوانينه وجعله أنواعا.
ثم ظهر قلم المرصع، وقلم النساخ، وقلم الرياسى، نسبة إلى ذى الرياستين الفضل بن سهل، وقلم الرقاع، وقلم غبار الحلبة.
فزادت الخطوط على عشرين شكلا، ولكنها كلها من الكوفى، حتى إذا ما ظهر ابن مقلة «٣٢٨ هـ» نقل الخط من صورة القلم الكوفى إلى سورة القلم النسخى، وجعله على قاعدة كانت أساسا لكتابة المصاحف.
وينقل المقرى عن ابن خليل السكونى أنه شاهد يجامع العديس بأشبيلية ربعة مصحف فى أسفار ينحى به لنحو خطوط الكوفة، إلا أنه أحسن خطأ وأبينه وأبرعه وأتقنه، وأن أبا الحسين بن الطفيل بن عظيمة قال له هذا خط ابن مقلة.
ثم يقول المقرى: وقد رأيت بالمدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، مصحفا بخط ياقوت المستعصمى.
ولقد كانت وفاة ياقوت هذا سنة ٦٩٨ هـ، وكان سباقا فى هذا الميدان.
ويقول محمد بن إسحاق: أول من كتب المصاحف فى الصدر الأول، ويوصف بحسن الخط: خالد بن أبى الهياج، رأيت مصحفا بخطه، وكان سعد نصبه لكتب المصاحف والشعر والأخبار للوليد بن عبد الملك، وهو الذى كتب الكتاب الذى فى قبلة مسجد النبى ﷺ بالذهب، من وَالشَّمْسِ وَضُحاها إلى آخر القرآن.
стр. 1120
ويقال: إن عمر بن عبد العزيز قال له: أريد أن تكتب لى مصحفا على هذا المثال، فكتب له مصحفا تنوق فيه، وأقبل عمر يقلبه ويستحسنه واستكثر ثمنه فرده عليه.
ومالك بن دينار مولى أسامة بن لؤى بن غالب، ويكنى أبا يحيى، وكان يكتب المصاحف بأجر. ومات سنة ثلاثين ومائتين.
ثم أورد ابن إسحاق نفرا من كتاب المصاحف بالخط الكوفى وبالخط المحقق المشق، وقد رآهم جميعا.
والذى لا شك فيه أن هذه الأقلام المختلفة تبارت فى كتابة المصحف، كما كتب بأقلام غير هذه ذكر منها الكردى فى كتابه «تاريخ الخط العربى» قلمين، هما:
سباقت، وشكسته وأورد لهما نماذج، فارجع إليها إن شئت.
وظلت المصاحف على هذه الحال إلى أن ظهرت المطابع سنة ١٤٣١ م، وكان أول مصحف طبع بالخط العربى فى مدينة همبرج بألمانيا، ثم فى البندقية فى القرن السادس عشر الميلادى.
وحين أخذت المطابع تشيع كثر طبع المصحف، إذ هو كتاب المسلمين الأول وعليه اعتمادهم ومعتمدهم.
٢- تجزئته
ولقد سقنا لك الحديث عن عدد سور القرآن وعدد كلماته وعدد حروفه.
وما نظن هذا كله بدأ مع السنين الأولى أيام كان المسلمون مشغولين بجمع القرآن وتدوينه، عهد أبى بكر وعمر ثم عهد عثمان، وما نظنه إلا تخلف زمنا بعد هذا إلى أيام الحجاج.
ولقد كان المسلمون والوحى لا يزال متصلا يختصون يومهم بنصيب من القرآن يخلون إلى أنفسهم ساعة من يومهم هذا يتلون فيها ما تيسر، بفرض كل منهم على
стр. 1121
نفسه جزءا بعينه، وإلى هذا يشير ما روى عن المغيرة بن شعبة قال: استأذن رجل على رسول الله ﷺ ، وهو بين مكة والمدينة، فقال: إنه قد فاتنى الليلة جزئى من القرآن، فإنى لا أوثر عليه شيئا.
وما نشك فى أن هذه التجزئة كانت فردية، أى إن مرجعها كان لكل فرد على حدة، ونكاد نذهب إلى أنها لم تكن على التساوى.
وهذه التجزئة التى أخذ فيها المسلمون مبكرين ليجعلوا للقرآن حظّا من ساعات يومهم، حتى لا يغيبوا عنه فيغيب عنهم، وحتى ييسروا على أنفسهم ليمضوا فيه إلى آخره، أسبوعا بعد أسبوع، أو شهرا بعد شهر، هذه التجزئة الأولى غير المضبوطة، هى التى أملت على المسلمين بعد فى أن يأخذوا فى تجزئة القرآن تجزئة تخضع لمعايير مضبوطة، ولم يكن عليهم ضير فى أن يفعلوا.
عند هذه، وبعد أن استوى المصحف بين أيديهم، مكتوبا، كان عد السور وعد الكلمات وعد الآيات. لا يدفع هذا أن المسلمين الأول أيام الرسول كانوا بعيدين البعد كله عن هذا كله، بل إن ما نعنيه هو الإحصاء المستوعب الشامل، وأما غيره فما نظننا ننكره على المسلمين الأول، من ذلك ما روى عن ابن مسعود أنه قال: أقرأنى رسول الله ﷺ سورة من الثلاثين من آل حم، يعنى الأحقاف.
وأزيدك بعد هذا شيئا أنقله لك عن السيوطى، لتشاركنى رأيى، قال السيوطى:
كانت السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سميت الثلاثين.
وأرانى قد ذكرت لك فى بدء هذا الحديث أن هذا الاستيعاب الشامل لم يكن إلا مع أيام الحجاج، وأحب أن أسوق إليك دليلى عليه:
يروى أبو بكر بن أبى دواد، يقول: جمع الحجاج بن يوسف الحفاظ والقراء- ويقول أبوبكر: وكنت منهم- فقال الحجاج: أخبرونى عن القرآن كله كم هو
стр. 1122
من حرف؟ قال: أبو بكر: فجعلنا نحسب حتى أجمعوا أن القرآن ثلثمائة ألف حرف وأربعين ألفا وسبعمائة ونيف وأربعين حرفا. قال الحجاج: فأخبرونى إلى أى حرف ينتهى نصف القرآن. فحسبوا فأجمعوا أنه ينتهى فى الكهف وَلْيَتَلَطَّفْ الآية: ١٩- فى الفاء: قالى الحجاج: فأخبرونى بأسباعه على الحروف. قال أبوبكر:
فإذا أول سبع فى النساء فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ- الآية: ٥٥- فى الدال والسبع الثانى فى الأعراف حَبِطَتْ- الآية: ١٤٧- فى التاء، والسبع الثالث فى الرعد «أكلها دائم» - الآية: ٣٥- فى الألف آخر «أكلها» الآية: ٣٢ والسبع الرابع فى الحج لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً- الآية: ٣٤- فى الألف، والسبع الخامس فى الأحزاب وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ- الآية ٣٦- فى الهاء أو السبع السادس فى الفتح الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ- الآية ٦- فى الواو. والسابع ما بقى من القرآن. قال الحجاج: فأخبرونى بأثلاثة؟ قالوا: الثلث الأول رأس مائة من براءة. والثلث الثانى رأس إحدى ومائة آية من طسم الشعراء. والثلث الثالث ما بقى من القرآن. ثم سألهم الحجاج عن أرباعه، فإذا أول ربع خاتمة الأنعام، والربع الثانى الكهف وَلْيَتَلَطَّفْ- الآية: ١٩- والربع الثالث خاتمة الزمر، والربع الرابع ما بقى من القرآن.
كانت هذه نظرة الحجاج مع القراء والحفاظ، وكانت تجزئته للقرآن وفق عدد حروفه. ولقد رأيناه كيف جزأه نصفين، ثم أسباعا، ثم أثلاثا، ثم أرباعا.
وما نظن الحجاج كان يستعملى فى هذه التجزئة إلا عن تفكير فى التيسير، فجعله نصفين على القارىء المجد، ثم أثلاثا على اللاحق، ثم أرباعا على من يتلو اللاحق، ثم أسباعا على من يريد أن يتمه فى أسبوع، وكانت تلك هى النهاية التى أحبها الحجاج للمسلمين، وكأنه لم يحب لهم أن يتجاوزوها، لذلك لم يمض مع القراء
стр. 1123
والحفاظ يسألهم عما بعدها. ونحن نعلم أن الحجاج كان يقرأ القرآن كله فى كل ليلة.
وحين نظر الحجاج فى القرآن يجزئه هذه التجزئة التى تحدها الحروف، بدأ غيره من بعده ينظرون فى تجزئة القرآن تجزئة تمليها الآيات، فقسموه أنصافا وأثلاثا وأرباعا وأخماسا وأسداسا وأسباعا وأثمانا وأتساعا وأعشارا.
وما نظن هؤلاء الذين جاءوا فى إتر الحجاج بهذه التجزئة، التى ثخالف تجزئة الحجاج، كانوا يستملون إلا عن مثل ما استملى الحجاج عنه، وهو التيسير، ثم الإرخاء فى هذا التيسير، ثم تخصيص كل يوم بنصيب لا يزيد ولا ينقص، وكان أقصى ما أرادوه لكل مسلم أن يتم قراءة القرآن فى أيام لا تعدو العشرة.
ولقد مربك قبل عند الكلام على عد آيات القرآن ما كان من خلاف يسير علمت سببه، وأحبك أن تعلم أن هذا الخلاف اليسير فى عد الآيات جر إلى خلاف يسير فى هذه التجزئة.
وإذ كانت فكرة الحجاج، وفكرة من جاء بعد الحجاج، فى تجزئة القرآن، هى التيسير على التالى- كما أرى- وكان الحجاج متشددا، متشددا على نفسه أولا، كما رأيت، فلم يتجاوز فى تيسيره إلى غير سبعة أيام، ولكن من جاءوا بعد الحجاج لم يكونوا على تشدد الحجاج فأرخوا شيئا فى التيسير وزادوها إلى عشرة.
وما وقف التيسير عند هذا الحد الذى انتهى إليه من جاءوا فى إثر الحجاج، بل نرى الميسرين أرخوا للقارئين إلى أن بلغوا بهم الثلاثين، فإذا القرآن يجزأ إلى ثلاثين جزءا.
غير أن هذه المراحل التى جاءت بعد الحجاج لم تتم فى يوم وليلة، بل امتدت بامتداد الأيام، ولقد كانت وفاة الحجاج فى العام الخامس والتسعين من الهجرة، ونرى السجستانى يروى أخباره، فى تجزئة القرآن تلك التجزئة الثانية، عن رواة
стр. 1124
تنحصر وفاتهم فى القرن الثانى للهجرة، ثم نرى ابن النديم وهو يتكلم عن الكتب المؤلفة فى أجزاء القرآن يذكر لنا:
١- كتاب أسباع القرآن لحمزة بن حبيب بن عمّارة الزيات. ولقد كانت وفاة حمزة سنة ١٥٨ هـ.
٢- كتاب أجزاء ثلاثين، عن أبى بكر بن عياش، ولقد كانت وفاة أبى بكر بن عياش سنة ١٩٣ هـ.
وما يعنينا الكتاب الأول، فلقد علمنا أن تجزئة القرآن أسباعا، كانت على يد الحجاج حروفا، وقد تكون على يد حمزة آيات، أقول: لا تعنينى هذه ولكن تعنينى الثانية، فهى تدلنا على أن تجزئة القرآن إلى ثلاثين جزءا، وهى التجزئة التى عليها مصاحفنا اليوم، تجزئة قديمة انتهت إلى أبى بكر، بهذا يشعرنا أسلوب ابن النديم، إذ لم يعز الكتاب لأبى بكر، وإنما قال: عن أبى بكر.
إذن فتجزئة القرآن ثلاثين جزءا لم تغب عن القرن الثانى الهجرى، ولا يبعد أن تكون دون منتهاه بكثير، فلقد كان مولد أبى بكر سنة ست وتسعين من الهجرة، والرجل يصلح للتلقى والرواية مع الخامسة والعشرين من عمره، أى إن أبا بكر كان رجل رواية وتلق مع العام العشرين بعد المائة الأولى من الهجرة.
وهذه التجزئة الأخيرة، أعنى تجزئة القرآن ثلاثين جزءا، هى التجزئة التى غلبت وعاشت، ولعل ما ساعد على غلبتها يسرها ثم ارتباطها بعدد أيام الشهر، ونحن نعلم كم تجد هذه التجزئة إقبالا عظيما فى شهر رمضان من كل عام.
وما نظن الذين جزءوا انتهوا إلى هذه التجزئة الأخيرة فى مرحلة واحدة، متجاوزين التجزئة العشرية إلى التجزئة الثلاثينية، والذى نقطع به أنه كانت ثمة تجزئات بين هاتين المرحلتين لا ندرى تدرجها، ولكن يعنينا أن نقيد أن ثمة تجزئة تقع فى عشرين جزءا، تحتفظ بها مكتبة دار الكتب.
وبهذه التجزئة- أى إلى ثلاثين جزءا- أصبح القرآن يعرض أجزاء منفصلة كل جزء على حدة، وأصبحنا نراه فى المساجد، لا سيما فى شهر رمضان
стр. 1125
محفوظا فى صناديق بأجزائه الثلاثين، كل مجموعة فى صندوق، يقدمه الراغبون فى الثواب إلى الوافدين إلى المساجد، رغبة فى تلاوة نصيب من القرآن.
وأصبح يطلق على هذه الأجزاء الثلاثين اسم ربعة. والربعة فى اللغة: الصندوق، أو الوعاء من جلد. ولعل تسمية الأجزاء الثلاثين بهذا الاسم جاءت من إطلاق المحل على الحال فيه.
ولكن هذا التيسير الأخير جر إلى تيسير آخر يتصل به، وما نشك فى أن الدافع إليه كان التيسير على الحافظين، بعد أن كان التيسير على القارئين، وفرق بين أن تيسر على قارئ وبين أن تيسر على حافظ.
من أجل هذه فيما نظن كان تقسيم الأجزاء المتمة الثلاثين إلى أحزاب، كل جزء ينقسم إلى حزبين، ثم تقسيم الحزب إلى أرباع، كل حزب بنقسم إلى أربعة أرباع.
وعلى هذا التقسيم الأخيرة طبعت المصاحف، واعتمد هذا التقسيم على الجانب الراجح بين القراء فى عدد الآيات، فأنت تعلم هذا الخلاف الذى بينهم.
آية فالمدنيون الأول يعدون آيات القرآن ٦٠٠٠ والمدنيون المتأخرون يعدون آيات القرآن ٦١٢٤ والمكيون المتأخرون يعدون آيات القرآن ٦٢١٩ والكوفيون يعدون آيات القرآن ٦٢٦٣ والبصريون يعدون آيات القرآن ٦٢٠٤ والشاميون يعدون آيات القرآن ٦٢٢٥ وفى هذا الخلاف كان ثمة ترجيح ثمة اتفاق وثمة تغليب. وقد انبرى لهذه السفاقسى فى كتابه غيث النفع. ولقد اعتمد السفاقسى على رجلين سبقاه فى هذه الصناعة، هما أبو العباس أحمد بن محمد بن أبى القسطلانى فى كتابه «لطائف الإشارات فى علم
следующие страницы →