← Тафсир

Тафсир · id 23610

الموسوعة القرآنية

إبراهيم الإبياري

Полный текст (5 429 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

مؤمنا بكافر، فأدخل النار. فقال: رسول الله ﷺ : بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقى معنا. وجعل بعد ذلك إذا حدث الحدث، كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب، حين بلغه ذلك من شأنهم: كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلته يوم قلت لى لأرعدت له آنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته. قال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمرى. وكان رسول الله ﷺ قد أصاب من بنى المصطلق سبيا كثيرا، فقاسمه المسلمون، وكان فيمن أصيب يومئذ من السبابا، جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار. ولما انصرف رسول الله ﷺ من غزوة بنى المصطلق، ومعه جويرية بنت الحارث- وكان بذات الجيش- دفع جويرية إلى رجل من الأنصار وديعة، وأمره بالاحتفاظ بها، وقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأقبل أبوها الحارث بن أبى ضرار بفداء ابنته، فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التى جاء بها للفداء، فرغب فى بعيرين منها، فغيبهما فى شعب من شعاب العقيق، ثم أتى إلى النبى ﷺ وقال: يا محمد، أصبتم ابنتى، وهذا فداؤها. فقال رسول الله ﷺ : فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق، فى شعب كذا وكذا؟ فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله، فو الله ما اطلع على ذلك إلا الله، فأسلم الحارث ، وأسلم معه ابنان له، وناس من قومه، وأرسل إلى البعيرين، فجاء بهما، فدفع الإبل إلى النبى ﷺ ، ودفعت إليه ابنته جويرية، فأسلمت، وحسن إسلامها،

стр. 212

فخطبها رسول الله ﷺ إلى أبيها، فزوجه إياها، وأصدقها أربعمائة درهم. ٧٩- حديث الإفك وتقول عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيهن خرج سهمها خرج بها معه، فلما كانت غزوة بنى المصطلق أقرع بين نسائه كما كان يصنع، فخرج سهمى عليهن معه، فخرج بى رسول الله ﷺ ، وكنت إذا رحل لى بعيرى، جلست فى هودجى، ثم يأتى القوم الذين يرحلون لى ويحملوننى، فيأخذون بأسفل الهودج، فيرفعونه، فيضعونه على ظهر البعير، فيشدونه بحباله، ثم يأخذون برأس البعير، فينطلقون به. فلما فرغ رسول الله ﷺ من سفره ذلك، رجع قافلا، حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا، فبات به بعض الليل، ثم أذن فى الناس بالرحيل، فارتحل الناس، وخرجت لبعض حاجتى، وفى عنقى عقد لى، فيه جزع ظفار «١» ، فلما فرغت انسل من عنقى ولا أدرى، فلما رجعت إلى الرحل، ذهبت ألتمسه فى عنقى، فلم أجده، وقد أخذ الناس فى الرحيل، فرجعت إلى مكانى الذى ذهبت إليه، فالتمسته حتى وجدته، وجاء القوم خلافى، الذين كانوا يرحلون لى البعير، وقد فرغوا من رحلته، فأخذوا الهودج، وهم يظنون أنى فيه، كما كنت أصنع، فاحتملوه، فشدوه على البعير، ولم يشكوا أنى فيه، ثم أخذوا برأس البعير، فانطلقوا به، فرجعت إلى العسكر وما فيه من داع ولا مجيب. قد انطلق الناس.

стр. 213

فتلففت بجلبابى، ثم اضطجعت فى مكانى، وعرفت أن لو قد افتقدت لرجع إلى، فو الله إنى لمضطجعة إذ مر بى صفوان بن المعطل السلمى، وقد كان تخلف عن العسكر لبعض حاجته، فلم يبت مع الناس، فرأى سوادى، فأقبل حتى وقف علىّ- وقد كان برانى قبل أن يضرب علينا الحجاب- فلما رآنى قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ظعينة رسول الله ﷺ ، وأنا متلففة فى ثيابى، قال: ما خلفك برحمك الله؟ قالت: فما كلمته، ثم قرب البعير، فقال: اركبى، واستأخر عنى. قالت: فركبت، وأخذ برأس البعير، فانطلق سريعا، يطلب الناس، فو الله ما أدركنا الناس، وما اقتقدت حتى أصبحت. ونزل الناس، فلما اطمأنوا طلع الرجل بقود بى البعير، فقال أهل الإفك ما قالوا، فاضطرب العسكر، ووالله ما أعلم بشىء من ذلك. ثم قدمنا المدينة، فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة، ولا يبلغنى من ذلك شىء، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله ﷺ ، وإلى أبوى، لا يذكرون لى منه قليلا ولا كثيرا، إلا أنى قد أنكرت من رسول الله ﷺ بعض لطفه بى، كنت إذا اشتكيت رحمنى، ولطف بى، فلم يفعل ذلك بى فى شكواى تلك، فأنكرت ذلك منه، كان إذا دخل علىّ وعندى أمى تمرضنى، قال: كيف تيكم، لا يزيد على ذلك، حتى وجدت فى نفسى، فقلت: يا رسول الله، حين رأيت ما رأيت من جفائه لى: لو أذنت لى فانتقلت إلى أمى، فمرضتنى؟ قال: لا عليك. فانتقلت إلى أمى، ولا علم لى بشىء مما كان، حتى نقهت من وجعى بعد بضع وعشرين ليلة. وكنا قوما عربا، لاتتخذ فى بيوتنا هذه الكنف التى تتخذها الأعاجم، نعاقها ونكرهها، إنما كنا نذهب فى فسح المدينة، وإنما كانت النساء يخرجن

стр. 214

كل ليلة فى حوائجهن، فخرجت ليلة لبعض حاجتى، ومعى أم مسطح بنت أبى رهم بن المطلب بن عبد مناف، وكانت أمها خالة أبى بكر الصديق رضى الله عنه، فو الله إنها لتمشى معى إذ عثرت فى مرطها، فقالت: تعس مسطح، قلت: بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدرا، قالت: أو ما بلغك الخير يا بنت أبى بكر؟ قلت: وما الخبر؟ فأخبرتنى بالذى كان من قول أهل الإفك، قالت: قلت: أو قد كان هذا؟ قالت: نعم والله لقد كان. قالت: فو الله ما قدرت على أن أقضى حاجتى، ورجعت. فو الله ما زلت أبكى حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدى، وقلت لأمى: يغفر الله لك، تحدث الناس بما تحدثوا به، ولا تذكرين لى من ذلك شيئا. قالت: أى بنية، خففى عليك الشأن، فو الله لقلما كانت امرأة حسناء، عند رجل يحبها. لها ضرائر، إلا كثرن وكثر الناس عليها. قالت: وقد قام رسول الله ﷺ فى الناس يخطبهم ولا أعلم بذلك، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، ما بال رجال يؤذوننى فى أهلى، ويقولون عليهم غير الحق، والله ما علمت منهم إلا خيرا، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا، وما يدخل بيتا من بيوتى إلا وهو معى. وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبىّ بن سلول، فى رجال من الخزرج، مع الذى قال مسطح وحمنة بنت جحش، وذلك أن أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول الله ﷺ ، ولم تكن من نسائه امرأة تناصبنى «١» فى المنزلة عنده غيرها، فأما زينب فعصمها الله تعالى بدينها، فلم تقل إلا خيرا، وأما حمنة بنت جحش، فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضادنى لأختها، فشقيت بذلك.

стр. 215

فلما قال رسول الله ﷺ تلك المقالة، قال أسيد بن حضير: يا رسول الله، إن يكونوا من الأوس نكفكهم، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج، فمرنا بأمرك، فو الله إنهم لأهل أن نضرب أعناقهم، قالت: فقام سعد بن عبادة- وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا- فقال: كذبت لعمر الله، لا نضرب أعناقهم، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا. فقال أسيد: كذبت لعمر الله، ولكنك منافق، تجادل عن المنافقين، وتساور الناس، حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر. ونزل رسول الله ﷺ ، فدخل على. فدعا على بن أبى طالب رضوان الله عليه، وأسامة بن زيد، فاستشارهما، فأما أسامة فأثنى علىّ خيرا وقاله، ثم قال: يا رسول الله، أهلك ولا نعلم منهم إلا خيرا، وهذا الكذب والباطل. وأما علىّ فإنه قال: يا رسول الله، إن النساء لكثير، وإنك لقادر على أن تستخلف، وسل الجارية، فإنها ستصدقك. فدعا رسول الله ﷺ بريرة ليسألها، قالت: فقام إليها على بن أبى طالب، فضربها ضربا شديدا، ويقول: اصدقى رسول الله ﷺ ، قالت: فتقول: والله ما أعلم إلا خيرا، وما كنت أعيب على عائشة شيئا، إلا أنى كنت أعجن عجينى، فآمرها أن تحفظه، فتنام عنه، فتأتى الشاة فتأكله. ثم دخل على رسول الله ﷺ ، وعندى أبواى، وعندى امرأة من الأنصار، وأنا أبكى، وهى تبكى معى، فجلس، فحمدالله، وأثنى عليه، ثم قال: يا عائشة، إنه قد كان ما قد بلغك من قول الناس، فاتقى الله، وإن كنت قد فارفت سوءا

стр. 216

مما يقول الناس، فتوبى إلى الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده، فو الله ما هو إلا أن قال لى ذلك، فقلص دمعى، حتى ما أحس منه شيئا، وانتظرت أبواى أن يجيبا عنى رسول الله ﷺ ، فلم يتكلما. قالت: وايم الله، لأنا كنت أحقر فى نفسى، وأصغر شأنا من أن ينزل الله فى قرآنا يقرأ به فى المساجد، ويصلى به، ولكنى قد كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ فى نومه شيئا، يكذب به الله عنى، لما يعلم من براءتى، أو يخبر خبرا، فأما قرآن ينزل فىّ، فو الله لنفسى كانت أحقر عندى من ذلك. قالت: فلما لم أر أبواى يتكلمان، قلت لهما: ألا تجيبان رسول الله ﷺ ؟ فقالا: والله ما ندرى بماذا نجيبه! قالت: والله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبى بكر، فى تلك الأيام، فلما أن استعجما علىّ، استعبرت فبكيت، ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا، والله إنى لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس، والله يعلم أنى منه بريئة، لأقولن ما لم يكن، ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدقوننى، ثم ألتمست اسم يعقوب فما أذكره، فقلت: ولكن سأقول كما قال أبو يوسف: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ. فو الله ما برح رسول الله ﷺ مجلسه حتى تغشاه من الله ما تغشاه، فسجى بثوبه، ووضعت له وسادة من أدم تحت رأسه، فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت، فو الله ما فزعت ولا باليت، قد عرفت أنى بريئة، وأن الله غير ظالمى، وأما أبواى، فو الذى نفس عائشة بيده. ما سرى عن

стр. 217

رسول الله ﷺ حتى ظننت لتخرجن أنفسهما، فرقا من أن يأتى من الله تحقيق ما قال الناس. ثم سرى عن رسول الله ﷺ ، فجلس، وإنه ليتحدر منه مثل الجمان فى يوم شات، فجعل يسمح العرق عن جبينه، ويقول: أبشرى يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك، قالت: قلت: بحمد الله. ثم خرج إلى الناس، فخطبهم، وتلا عليهم ما أنزل الله عليه من القرآن فى ذلك، ثم أمر بمسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة، فضربوا حدهم. فلما نزل هذا فى عائشة، وفيمن قال لها ما قال، قال أبو بكر، وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، ولا أنفعه بنفع أبدا، بعد الذى قال لعائشة، وأدخل علينا، فأنزل الله فى ذلك: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» . فقال أبو بكر: بلى والله: إنى لأحب أن يغفر الله لى، فرجع إلى مسطح نفقته التى كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدا. وكانت عائشة تقول: لقد سئل عن أبى المعطل فوجدوه رجلا حصورا، ما يأتى النساء، ثم قتل بعد ذلك شهيدا.

стр. 218

٨٠- حديث الحديبية ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة شهر رمضان وشوالا، وخرج فى ذى القعدة معتمرا، لا يريد حربا. واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثى، واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادى من الأعراب، ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش الذى صنعوا، أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب، وخرج رسول الله ﷺ بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب، وساق معه الهدى وأحرم بالعمرة، ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت، معظما له. وساق معه الهدى سبعين بدنة، وكان الناس أربعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر، حتى إذا كان رسول الله ﷺ بعسفان «١» لقيه بشر بن سفيان الكعبى، فقال: يا رسول الله، هذه قريش، قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم العوذ المطافيل «٢» ، قد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذى طوى «٣» ، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا، وهذا خالد بن الوليد فى خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم «٤» . فقال رسول الله ﷺ : يا ويح قريش! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بينى وبين سائر العرب، فإن هم أصابونى كان الذى أرادوا، وإن أظهرنى الله عليهم دخلوا فى الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش،

стр. 219

فو الله لا أزال أجاهد على الذى بعثى الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة «١» ، ثم قال: من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التى هم بها؟ قال رجل من أسلم: أنا يا رسول الله، فسلك بهم طريقا وعرا بين شعاب، فلما خرجوا معه- وقد شق ذلك على المسلمين- قال رسول الله ﷺ : قولوا نستغفر الله ونتوب إليه. فقالوا ذلك. فقال: والله إنها للحطة «٢» التى عرضت على بنى إسرائيل فلم يقولوها. ثم أمر رسول الله ﷺ الناس، فقال: اسلكوا ذات اليمين، فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قريش غبار الجيش، قد خالفوا طريقهم، رجعوا راكضين إلى قريش، وخرج رسول الله ﷺ ، حتى إذا سلك فى ثنية المرار بركت ناقته، فقال الناس: خلأت «٣» الناقة، قال: ما خلأت، وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعونى قريش اليوم إلى خطة يسألوننى فيها صلة الرحم، إلا أعطيتهم إياها. ثم قال للناس: انزلوا، قيل له: يا رسول الله، ما بالوادى ماء ننزل عليه، فأخرج سهما من كنانته، فأعطاه رجلا من أصحابه، فنزل به فى قليب من تلك القلب، فغرزه فى جوفه، فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن. فلما اطمأن رسول الله ﷺ أتاه بديل بن ورقاء الخزاعى، فى رجال من خزاعة، فكلموه وسألوه: ما الذى جاء به؟ فأخبرهم أنه لم

стр. 220

يأت يريد حربا، وإنما جاء زائرا للبيت، ومعظما لحرمته. ثم قال لهم نحوا مما قال لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد، إن محمدا لم يأت لقتال، وإنما جاء زائرا هذا البيت، فاتهموهم وجبهوهم، وقالوا: وإن كان جاء ولا يريد قتالا، فو الله لا يدخلها علينا عنوة أبدا، ولا تحدث بذلك عنا العرب. ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص، فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلا قال: هذا رجل غادر. فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ وكلمه، قال له رسول الله ﷺ نحوا مما قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال رسول الله ﷺ . ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة، وكان يومئذ سيد الأحابيش، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: إن هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهدى فى وجهه حتى يراه. فلما رأى الهدى يسيل عليه من عرض الوادى فى قلائده، وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، رجع إلى قريش، ولم يصل إلى رسول الله ﷺ ، إعظاما لما رأى، فقال لهم ذلك. فقالوا له: اجلس: فإنما أنت أعرابى لا علم لك. ثم إن الحليس غضب عند ذلك، وقال: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفنا كم، ولا على هذا عاقدناكم، أيصد عن بيت الله من جاء معظما له؟ والذى نفس الحليس بيده، لتخلن بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد. فقالوا له: مه، كف عنا يا حليس، حتى نأخذ لأنفسنا ما ترضى به.

стр. 221

ثم بعثوا إلى رسول الله، ﷺ ، عروة بن مسعود الثقفى، فقال: يا معشر قريش، إنى قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذ جاءكم، من التعنيف وسوء اللفظ، وقد سمعت بالذى نابكم، فجمعت من أطاعنى من قومى، ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسى، قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم، فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ ، فجلس بين يديه، ثم قال: يا محمد، أجمعت أو شاب الناس، ثم جئت بهم إلى بيضتك لنفضها بهم، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا، وايم الله، لكأنى بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا. وأبو بكر الصديق خلف رسول الله ﷺ قاعد، فقال: أنحن ننكشف عنه؟ قال: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أبى قحافة، قال: أما والله لولا يد كانت لك عندى لكافأتك بها، ولكن هذه بها، ثم جعل يتناول لحية رسول الله ﷺ ، وهو يكلمه، والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله ﷺ فى الحديد، فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله ﷺ ، ويقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله ﷺ ، قبل ألا تصل إليك، فيقول عروة: ويحك! ما أفظعك وأغلظك! قال: فتبسم رسول الله ﷺ ، فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة، قال: أى غدر! وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس؟ أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة بن شعبة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلا من بنى مالك، من ثقيف، فتهايج الحيان من ثقيف: بنو مالك رهط المقتولين، والأحلاف رهط المغيرة، فودى عروة المقتولين ثلاث عشر دية

стр. 222

وأصلح ذلك الأمر. فكلمه رسول الله ﷺ بنحو مما كلم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حربا. وقد رأى عروة ما يصنع به أصحابه فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إنى قد جئت كسرى فى ملكه، وقيصر فى ملكه، والنجاشى فى ملكه، وإنى والله ما رأيت ملكا فى قوم قط مثل محمد فى أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشىء أبدا، فروا رأيكم. ثم إن رسول الله ﷺ ، دعا خراش بن أمية الخزاعى، فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على بعير له، يقال له: الثعلب، ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له. فعقروا به جمل رسول الله ﷺ ، وأرادوا قتله، فمنعته الأحابيش، فخلوا سبيله، حتى أتى رسول الله ﷺ ، ثم إن قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم، أو خمسين رجلا، وأمروهم أن يطيفوا بمعسكر رسول الله ﷺ ، ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا، فأخذوا أخذا، فأتى بهم رسول الله ﷺ ، فعفا عنهم، وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا فى معسكر رسول الله ﷺ بالحجارة والنبل. ثم دعا عمر بن الخطاب، ليبعثه إلى مكة، فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله، إنى أخاف قريشا على نفسى، وليس بمكة من بنى عدى ابن كعب أحد يمنعنى. وقد عرفت قريش عداوتى إياها، وغلظتى عليها، ولكنى أدلك على رجل أعز بها منى: عثمان بن عفان. فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان، فبعثه إلى أبى سفيان وأشراف قريش، يخبرهم

стр. 223

أنه لم يأت لحرب، وأنه إنما جاء زائرا لهذا البيت، ومعظما لحرمته. فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص، حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره، حتى بلغ رسالة رسول الله ﷺ ، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله ﷺ إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول الله ﷺ . واحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمون أن عثمان ابن عفان قد قتل. ٨١- بيعة الرضوان ثم إن رسول الله ﷺ ، قال، حين بلغه أن عثمان قد قتل: لا نبرح حتى نناجز القوم. فدعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة ، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله ﷺ على الموت. وكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله ﷺ لم يبايعنا على الموت، ولكن بايعنا على ألا نفر. فبايع رسول الله ﷺ الناس، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها، إلا الجد بن قيس، أخو بنى سلمة، فكان جابر ابن عبد الله يقول: والله لكأنى أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته، يستتر بها من الناس.

стр. 224

ثم أتى رسول الله ﷺ أن الذى ذكر من أمر عثمان باطل. ٨٢- الهدنة ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو، أخا بنى عامر بن لؤى، إلى رسول الله ﷺ ، وقالوا له: إيت محمدا فصالحه، ولا يكن فى صلحه إلا ان يرجع عنا عامه هذا، فو الله لا تحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدا. فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلا، قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل. فلما انتهى سهيل بن عمرو إلى رسول الله ﷺ ، تكلّم، فأطال الكلام، وتراجعا، ثم جرى بينهما الصلح. فلما التأم الأمر، ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطى الدنية فى ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر، الزم غرزه «١» ، فإنى أشهد أنه رسول الله ﷺ ، قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله. ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ألست برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطى الدنية فى ديننا؟ قال: أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيعنى! فكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلى وأعتق، من

стр. 225

الذى صنعت يومئذ، مخافة كلامى الذى تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيرا. ثم دعا رسول الله ﷺ على بن أبى طالب رضوان الله عليه، فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال رسول الله ﷺ : اكتب باسمك اللهم، فكتبها. ثم قال: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو، فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب: اسمك واسم أبيك، فقال رسول الله ﷺ : اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، سهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر منين يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه، وأنه من أحب أن يدخل فى عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل فى عقد قريش وعهدهم دخل فيه. فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن فى عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر، فقالوا: نحن فى عقد قريش وعهدهم، وإنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وإنه إذا كان عام قابل، خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا، معك سلاح الراكب، السيوف فى القرب، لا تدخلها بغيرها.

стр. 226

قد بعثته قريش إلى رسول الله ﷺ ، ليشد العقد، ويزيد فى المدة، وقد رهبوا الذى صنعوا. فلما لقى أبو سفيان بديل بن ورقاء، قال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه قد أتى رسول الله ﷺ ، قال: تسيرت فى خزاعة فى هذا الساحل، وفى بطن هذا الوادى، قال: أو ما جئت محمدا! قال: لا. فلما راح بديل إلى مكة، قال أبو سفيان: لئن جاء بديل المدينة لقد علف بها النوى، فأتى مبرك راحلته، فأخذ من بعرها ففته، فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا. ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبى سفيان. فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال: يا بنية، ما أدرى أرغبت بى عن هذا الفراش أم رغبت به عنى؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ ، وأنت رجل مشرك نجس، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ . قال: والله لقد أصابك يا بنية بعدى شر، ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ فكلمه، فلم يرد عليه شيئا، ثم ذهب إلى أبى بكر، فكلمه أن يكلم له رسول الله ﷺ ، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه، فقال: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ ؟ فو الله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به. ثم خرج فدخل على علىّ بن أبى طالب رضوان الله عليه، وعنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ورضى عنها، وعندها الحسن بن علىّ، غلام يدب بين يديها، فقال: يا على، إنك أمس القوم بى رحما، وإنى قد جئت فى حاجة، فلا أرجعن كما جئت خائبا، فاشفع لى إلى رسول الله، فقال: ويحك يا أبا سفيان! والله لقد عزم رسول الله ﷺ على أمر، ما نستطيع أن نكلمه فيه. فالتفت إلى فاطمة فقال: يابنة محمد، هل لك أن تأمرى بنيك هذا فيجير بين

стр. 227

ومحمود بن مسلمة، ومكرز بن حفص، وهو يومئذ مشرك، وعلى بن أبى طالب، وكتب، وكان هو كاتب الصحيفة. فلما فرغ رسول الله ﷺ من الصلح قدم إلى هديه فنحره، ثم جلس فحلق رأسه. فلما رأى الناس أن رسول الله ﷺ قد نحر وحلق، تواثبوا ينحرون ويحلقون. ثم انصرف رسول الله ﷺ من وجهه ذلك قافلا، حتى إذا كان بين مكة والمدينة، نزلت سورة الفتح. فما فتح فى الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، وإنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضا، والتقوا فتفاوضوا فى الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل فى تينك السنتين مثل من كان فى الإسلام قبل ذلك، أو أكثر. ٨٣- غزوة خيبر ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة، حين رجع من الحديبية، ذا الحجة وبعض المحرم، ثم خرج فى بقية المحرم إلى خيبر. واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثى، ودفع الراية إلى على بن أبى طالب رضى الله عنه، وكانت بيضاء. ويقول أنس بن مالك: وكان رسول الله ﷺ إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح، فإن سمع أذائا أمسك، وإن لم يسمع أذانا أغار. فنزلنا خيبر ليلا، فبات رسول الله ﷺ ، حتى إذا أصبح لم يسمع أذانا، فركب وركبنا معه، فركبت خلف أبى طلحة، وإن قدمى لتمس قدم

стр. 228

رسول الله ﷺ ، واستقبلنا عمال خيبر غادين، قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا رسول الله ﷺ والجيش، قالوا: محمد والخميس معه! فأدبروا هرابا، فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين! وتدنى «١» رسول الله ﷺ الأموال يأخذها مالا مالا، ويفتحها حصنا حصنا، وأصاب رسول الله ﷺ منهم سبايا، منهن: صفية بنت حيى بن أخطب وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق وبنتى عم لها، فاصطفى رسول الله ﷺ صفية لنفسه. وكان دحية بن خليفة الكلبى قد سأل رسول الله ﷺ صفية، فلما اصطفاها لنفسه، أعطاه ابنتى عمها، وفشت السبايا من خيبر فى المسلمين. وأتى رسول الله ﷺ بكنانة بن الربيع، وكان عنده كنز بنى النضير، فسأله عنه، فجحد أن يكون يعرف مكانه، فأتى رسول الله ﷺ رجل من يهود، فقال لرسول الله ﷺ : إنى رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة، فقال رسول الله ﷺ لكنانة: أرأيت إن وجدناه عندك: أأقتلك؟ قال: نعم. فأمر رسول الله ﷺ بالخربة فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقى، فأبى أن يؤديه، فأمر به رسول الله ﷺ الزبير بن العوام، فقال: عذبه حتى تستأصل ما عنده ، فكان الزبير يقدح بزند فى صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول الله ﷺ إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة.

стр. 229

فلما اطمأن رسول الله ﷺ ، أعدت له زينب بنت الحارث، امرأة سلام بن مشكم، شاة مصلية «١» ، وقد سألت: أى عضو من الشاة أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها السم، ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدى رسول الله ﷺ ، تناول الذراع، فلاك منها مضغة، فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء ابن معرور، قد أخذ منها كما أخذ رسول الله ﷺ ، فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله ﷺ فلفظها، ثم قال: إن هذا العظم ليخبرنى أنه مسموم، ثم دعا بها، فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك؟ قالت: بلغت من قومى ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكا استرحت منه، وإن كان نبيّا فسيخبر، فتجاوز عنها رسول الله ﷺ ، ومات بشر من أكلته التى أكل. فلما فرغ رسول الله ﷺ من خيبر، قذف الله الرعب فى قلوب أهل فدك، حين بلغهم ما أوقع الله تعالى بأهل خيبر، فبعثوا إلى رسول الله ﷺ ويصالحونه على النصف من فدك، فقدمت عليه رسلهم بخيبر، أو بالطائف، أو بعد ما قدم المدينة، فقبل ذلك منهم، فكانت فدك لرسول الله ﷺ خالصة، لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب. وقدم على رسول الله ﷺ يوم فتح خيبر جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، فقبل رسول الله ﷺ بين عينيه والتزمه وقال: ما أدرى بأيهما أنا أسر: بفتح خيبر أم يقدوم جعفر؟

стр. 230

٨٤- عمرة القضاء فلما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة من خيبر، أقام بها شهرى ربيع وجماديين ورجبا وشعبان ورمضان، وشوالا، يبعث فيما بين ذلك من غزوه وسراياه ﷺ ، ثم خرج فى ذى القعدة فى الشهر الذى صده فيه المشركون معتمرا عمرة القضاء مكان عمرته التى صدوه عنها. واستعمل على المدينة عويف بن الأضبط الديلى، ويقال لها: عمرة القصاص، لأنهم صدوا رسول الله ﷺ فى ذى القعدة فى الشهر الحرام من سنة ست، فاقتص رسول الله ﷺ منهم. فدخل مكة فى ذى القعدة وفى الشهر الحرام الذى صدوه فيه، من سنة سبع. وخرج معه المسلمون ممن كان صد معه فى عمرته تلك، وهى سنة سبع، فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه، وتحدثت قريش بينها أن محمدا وأصحابه فى عسرة وجهد وشدة، وصفوا له عند دار الندوة، لينظروا إليه، وإلى أصحابه، فلما دخل رسول الله ﷺ المسجد اضطجع بردائه، وأخرج عضده اليمنى، ثم قال: رحم الله أمرا أراهم اليوم من نفسه قوة ، ثم استلم الركن وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه، حتى إذا واراه البيت منهم واستلم الركن اليمانى، مشى حتى يستلم الركن الأسود، ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف، ومشى سائرها فكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنون أنها ليست عليهم، وذلك أن رسول الله ﷺ إنما صنعها لهذا الحى من قريش للذى بلغه عنهم، حتى إذا حج حجة الوداع فلزمها، فمضت السنة بها. ثم إن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة بنت الحارث فى سفره ذلك وهو حرام، وكان الذى زوجه إياها العباس بن عبد المطلب، وكانت

стр. 231

جعلت أمرها إلى أختها أم الفضل، وكانت أم الفضل تحت العباس، فجعلت أم الفضل أمرها إلى العباس، فزوجها رسول الله ﷺ بمكة، وأصدقها عن رسول الله ﷺ أربعمائة درهم. فأقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاثا، فأتاه حويطب بن عبد العزى فى نفر من قريش، فى اليوم الثالث، وكانت قريش قد وكلته بإخراج رسول الله ﷺ من مكة، فقالوا له: إنه قد انقضى أجلك، فأخرج عنا. فقال النبى ﷺ : وما عليكم لو تركتمونى فأعرست بين أظهركم، وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه؟ قالوا: لا حاجة لنا فى طعامك، فأخرج عنا. فخرج رسول الله ﷺ ، وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة، حتى أتاه بها بسرف، فبنى بها رسول الله ﷺ هنا لك، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة فى ذى الحجة، فأقام بها بقية ذى الحجة، والمحرم وصفر وشهرى ربيع. ٨٥- غزوة مؤتة وبعث رسول الله ﷺ بعثة إلى مؤتة، فى جمادى الأولى سنة ثمان، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبى طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس. فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج، وهم ثلاثة آلاف، فلما حضر خروجهم، ودع الناس أمراء رسول الله ﷺ ، وسلموا عليهم، فلما ودع عبد الله بن رواحة من ودع، من أمراء رسول الله ﷺ ، بكى،

стр. 232

فقالوا: ما يبكيك يابن رواحة؟ فقال: أما والله ما بى حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكنى سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله ، يذكر فيها النار وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا، فلست أدرى كيف لى بالصدور بعد الورود؟ فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين. ثم خرج القوم، وخرج رسول الله ﷺ يودعهم، ثم مضوا حتى نزلوا معان، من أرض الشام، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب، من أرض البلقاء، فى مائة ألف من الروم، وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلى، مائة ألف منهم، فلما بلغ ذلك المسلمون أقاموا على معان ليلتين، يفكرون فى أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ ، فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره، فنمضى له. فشجع الناس عبد الله بن رواحة، وقال: يا قوم، والله إن التى تكرهون، للتى خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما تقاتلهم إلا بهذا الدين الذى أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هى إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة. فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة. فمضى الناس، حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء، لقيتهم جموع هرقل، من الروم والعرب، بقرية من قرى البلقاء، يقال لها: مشارف، ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: مؤتة، فالتقى الناس عندها، فتعبأ لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بنى عذرة، يقال له: قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار، يقال له: عباية بن مالك، ثم التقى الناس واقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ حتى شاط «١» فى رماح القوم.

стр. 233

ثم أخذها جعفر، فقاتل بها، حتى إذا ألجمه القتال، اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل القوم حتى قتل، فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر فى الإسلام، أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل رضى الله عنه، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين فى الجنة يطير بهما حيث شاء. فلما قتل جعفر، أخذ عبد الله بن رواحة الراية، ثم تقدم بها، وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، ويتردد بعض التردد، ثم نزل. فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق من لحم، فقال: شد بهذا صلبك، فإنك قد لقيت فى أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده، ثم انتهش منه نهشة، ثم سمع الحطمة «١» فى ناحية الناس، فقال: وأنت فى الدنيا! ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فتقدم، فقاتل حتى قتل. ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم، أخو بنى العجلان، فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم، وحاشى بهم، ثم انحاز وانحيز عنه، حتى انصرف بالناس. ولما أصيب القوم قال رسول الله ﷺ : أخذ الراية زيد بن حارثة، فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر، فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم صمت رسول الله ﷺ حتى تغيرت وجوه الأنصار، وظنوا أنه قد كان فى عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال: ثم أخذها عبد الله بن رواحة، فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم قال: لقد رفعوا إلى فى الجنة، فيما يرى النائم، على سرر من ذهب، فرأيت فى سرير

стр. 234

عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريرى صاحبيه، فقلت: عم هذا؟ فقيل لى: مضيا، وتردد عبد الله بعض التردد، ثم مضى. ولما دنوا من حول المدينة، تلقاهم رسول الله ﷺ والمسلمون، ولقيهم الصبيان يشتدون، ورسول الله ﷺ مقبل مع القوم على دابة، فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم، وأعطونى ابن جعفر، فأتى بعبد الله، فأخذه فحمله بين يديه، وجعل الناس يحثون على الجيش التراب، ويقولون: يا فرار، فررتم فى سبيل الله! فيقول رسول الله ﷺ : ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى. ثم أقام رسول الله ﷺ بعد بعثه إلى مؤتة جمادى الآخرة ورجبا. ٨٦- فتح مكة: ثم إن بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة عدت على خزاعة، وهم على ماء لهم بأسفل مكة، وكان الذى هاج ما بين بنى بكر وخزاعة، أن رجلا من بنى الحضرمى، خرج تاجرا، فلما توسط أرض خزاعة، عدوا عليه فقتلوه، وأخذوا ماله، فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة فقتلوه، فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك حجز بينهم الإسلام، وتشاغل الناس به، فلما كان صلح الحديبية بين رسول الله ﷺ وبين قريش، كان فيما شرطوا لرسول الله ﷺ وشرط لهم، أنه من أحب أن يدخل فى عقد رسول الله ﷺ وعهده فليدخل فيه، ومن أحب أن يدخل فى عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه، فدخلت بنو بكر فى عقد قريش وعهدهم، ودخلت خزاعة فى عقد

стр. 235

رسول الله ﷺ وعهده. فلما كانت الهدنة اغتنمها بنو الديل، من بنى بكر من خزاعة، وأرادوا أن يصيبوا منها ثأرا، ورفدت بنى بكر قريش بالسلاح، وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم. فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة، وأصابوا منهم ما أصابوا، ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد والميثاق، بما استحلوا من خزاعة- وكانوا فى عقده وعهده- خرج عمرو بن سالم الخزاعى، أحد بنى كعب، حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة- وكان ذلك مما هاج فتح مكة- فوقف عليه وهو جالس فى المسجد بين ظهرانى الناس، فقال: يا رب إنى ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا فقال رسول الله ﷺ : نصرت يا عمرو بن سالم. ثم عرض لرسول الله ﷺ عنان من السماء، فقال: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بنى كعب. ثم خرج بديل بن ورقاء فى نفر من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، فأخبروه بما أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بنى بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة، وقد قال رسول الله ﷺ للناس: كأنكم بأبى سفيان قد جاءكم ليشد العقد، ويزيد فى المدة. ومضى بديل بن ورقاء وأصحابه حتى لقوا أبا سفيان بن حرب بعسفان،

стр. 236

قد بعثته قريش إلى رسول الله ﷺ ، ليشد العقد، ويزيد فى المدة، وقد رهبوا الذى صنعوا. فلما لقى أبو سفيان بديل بن ورقاء، قال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه قد أتى رسول الله ﷺ ، قال: تسيرت فى خزاعة فى هذا الساحل، وفى بطن هذا الوادى، قال: أو ما جئت محمدا! قال: لا. فلما راح بديل إلى مكة، قال أبو سفيان: لئن جاء بديل المدينة لقد علف بها النوى، فأتى مبرك راحلته، فأخذ من بعرها ففته، فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا. ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبى سفيان. فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ ، طوته عنه، فقال: يا بنية، ما أدرى أرغبت بى عن هذا الفراش أم رغبت به عنى؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ ، وأنت رجل مشرك نجس، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ . قال: والله لقد أصابك يا بنية بعدى شر، ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ فكلمه، فلم يرد عليه شيئا، ثم ذهب إلى أبى بكر، فكلمه أن يكلم له رسول الله ﷺ ، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه، فقال: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ ؟ فو الله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به. ثم خرج فدخل على علىّ بن أبى طالب رضوان الله عليه، وعنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ورضى عنها، وعندها الحسن بن علىّ، غلام يدب بين يديها، فقال: يا على، إنك أمس القوم بى رحما، وإنى قد جئت فى حاجة، فلا أرجعن كما جئت خائبا، فاشفع لى إلى رسول الله، فقال: ويحك يا أبا سفيان! والله لقد عزم رسول الله ﷺ على أمر، ما نستطيع أن نكلمه فيه. فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنة محمد، هل لك أن تأمرى بنيك هذا فيجير بين

стр. 237

الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بنى ذاك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله ﷺ . قال: يا أبا الحسن، إنى أرى الأمور قد اشتدت على، فانصحنى. قال: والله ما أعلم لك شيئا يغنى عنك شيئا، ولكنك سيد بنى كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيا عنى شيئا؟ قال: لا والله ما أظنه، ولكنى لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان فى المسجد، فقال: أيها الناس، إنى قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره فانطلق. فلما قدم على قريش، قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدا فكلمته، فو الله مارد علىّ شيئا، ثم جئت ابن أبى قحافة، فلم أجد فيه خيرا، ثم جئت عليّا فوجدته ألين القوم، وقد أشار على بشىء صنعته، فو الله ما أدرى هل يغنى ذلك شيئا أم لا؟ قالوا: ويلك! والله إن زاد الرجل على أن لعب بك، فما يغنى عنك ما قلت، قال: لا والله، ما وجدت غير ذلك. وأمر رسول الله ﷺ بالجهاز، وأمر أهله أن يجهزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة رضى الله عنها، وهى تحرك بعض جهاز رسول الله ﷺ ، فقال: أى بنية: أأمركم رسول الله ﷺ أن تجهزوه؟ قالت: نعم، فتجهز، قال: فأين قرينه يريد؟ قالت: لا والله ما أدرى. ثم إن رسول الله ﷺ أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجهد والتهيؤ، وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها فى بلادها. فتجهز الناس.

стр. 238

ولما أجمع رسول الله ﷺ المسير إلى مكة، كتب حاطب ابن أبى بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذى أجمع عليه رسول الله ﷺ من الأمر، فى السير إليهم، ثم أعطاه امرأة، وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، فجعلته فى رأسها، ثم فتلت قرونها، ثم خرجت به. وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث على بن أبى طالب والزبير ابن العوام، رضى الله عنهما، فقال: أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بن أبى بلتعة بكتاب إلى قريش، يحذرهم ما قد أجمعنا له فى أمرهم. فخرجا حتى أدركاها بالخليفة «١» فاستنزلاها، فالتمسا فى رحلها، فلم يجدا شيئا، فقال لها على ابن أبى طالب: إنى أحلف بالله ما كذب رسول الله ﷺ ولا كذبنا، ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك. فلما رأت الجد منه، قالت: أعرض، فأعرض، فحلت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه، فأتى به رسول الله ﷺ ، فدعا رسول الله ﷺ حاطبا، فقال: يا حاطب، ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله، أما والله إنى لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدلت، ولكنى كنت امرأ ليس لى فى القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لى بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعنى فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، فقال رسول الله ﷺ : وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم.

стр. 239

ثم مضى رسول الله ﷺ لسفره، واستخلف على المدينة أبارهم، كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفارى، وخرج لعشر مضين من رمضان، فصام رسول الله ﷺ ، وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد، بين عسفان وأمج، أفطر. ثم مضى حتى نزل مرالظهران فى عشرة آلاف من المسلمين، وأوعب مع رسول الله ﷺ المهاجرون والأنصار، فلم يتخلف عنه منهم أحد. فلما نزل رسول الله ﷺ من الظهران، وقد عميت الأخبار عن قريش فلم يأتهم خبر عن رسول الله ﷺ ، ولا يدرون ما هو فاعل. وخرج فى تلك الليالى أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، يتحسسون الأخبار، وينظرون هل يجدون خبرا، أو يسمعون به. وقد كان العباس بن عبد المطلب لقى رسول الله ﷺ ببعض الطريق، وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة، قد لقيا رسول الله ﷺ أيضا بنيق العقاب، فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله، ابن عمك وابن عمتك وصهرك. قال: لا حاجة لى بهما، أما ابن عمى فهتك عرضى، وأما ابن عمتى وصهرى فهو الذى قال لى بمكة ما قال. فلما خرج الخبر إليهما بذلك، ومع أبى سفيان بنى له، فقال: والله ليأذنن لى أو لآخذن بيدى بنى هذا ثم لنذهبن فى الأرض حتى نموت عطشا وجوعا. فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ رق لهما، ثم أذن لهما، فدخلا عليه فأسلما.

стр. 240

ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى ذى طوى، وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة حمراء. وإن رسول الله ﷺ ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل. ثم إن رسول الله ﷺ حين فرق جيشه من ذى طوى، أمر الزبير بن العوام أن يدخل فى بعض الناس من كدى، وكان الزبير على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل فى بعض الناس من كداء. وأمر رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فدخل من الليط، أسفل مكة، فى بعض الناس، وكان خالد على المجنبة اليمنى، وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب. وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين، ينصب لمكة بين يدى رسول الله ﷺ . ودخل رسول الله ﷺ من أذاخر، حتى نزل بأعلى مكة، وضربت له هنالك قبته. ثم إن صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبى جهل، وسهيل بن عمرو، كانوا قد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا، وقد كان حماس بن قيس بن خالد، أخو بنى بكر، يعد سلاحا قبل دخول رسول الله ﷺ ، ويصلح منه، فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه، قالت: والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شىء، قال: والله إنى لأرجو أن أخدمك بعضهم. ثم شهد الخندمة مع صفوان وسهيل وعكرمة. فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن (م ١٦- الموسوعة القرآنية- ج ١)

стр. 241

الوليد، ناوشوهم شيئا من قتال، فقتل كرز بن جابر، أحد بنى محارب بن فهر، وخنيس بن خالد بن ربيعة بن أصرم، حليف بنى منقذ، وكانا فى خيل خالد بن الوليد، فشذا عنه، فسلكا طريقا غير طريقه فقتلا جميعا. وأصيب من جهينة سلمة بن الميلاء، من خيل خالد بن الوليد، وأصيب من المشركين ناس قريب من اثنى عشر رجلا، أو ثلاثة عشر رجلا، ثم انهزموا فخرج حماس منهزما، حتى دخل بيته، ثم قال لامرأته: أغلقى على بابى، فقالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال: إنك لو شهدت يوم الخندمه ... إذ فر صفوان وفر عكرمه لهم نهيت «١» خلفنا وهمهمه ... لم تنطقى فى اللوم أدنى كلمه ثم إن رسول الله ﷺ لما نزل مكة واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت، فطاف به سبعا على راحلته، يستلم الركن بمحجن فى يده. فلما قضى طوافه، دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له، فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استدار له الناس فى المسجد، ثم جلس رسول الله ﷺ فى المسجد، فقام إليه على بن أبى طالب ومفتاح الكعبة فى يده، فقال يا رسول الله، أجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك، فقال رسول الله ﷺ : أين عثمان بن طلحة؟ فدعى له، فقال: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء.

стр. 242

٨٧- غزوة حنين ولما سمعت هوازن برسول الله ﷺ ، وما فتح الله عليه من مكة، جمعها مالك بن عوف النصرى. ولما سمع بهم نبى الله ﷺ بعث إليهم عبد الله بن أبى حدرد الأسلمى، وأمره أن يدخل فى الناس، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم. فانطلق بن أبى حدرد، فدخل فيهم فأقام فيهم، حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله ﷺ ، وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم عليه، ثم أقبل حتى أتى رسول الله ﷺ ، فأخبره الخبر. فدعا رسول الله، ﷺ ، عمر بن الخطاب، فأخبره الخبر. فقال عمر: كذب ابن أبى حدرد. فقال ابن أبى حدرد: إن كذبتنى فربما كذبت بالحق يا عمر، فقد كذبت من هو خير منى. فقال عمر: يا رسول الله، ألا تسمع ما يقول ابن أبى حدرد؟ فقال رسول الله ﷺ : قد كنت ضالا فهداك الله يا عمر. فلما أجمع رسول الله ﷺ السير إلى هوازن ليلقاهم، ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعا له وسلاحا، فأرسل إليه- وهو يومئذ مشرك- فقال: يا أبا أمية، أعرنا سلاحك هذا، نلق فيه عدونا غدا، فقال: صفوان: أغصبا يا محمد؟ قال: بل عارية ومضمونة حتى نؤديها إليك، قال: ليس بهذا بأس. فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، فزعموا أن رسول الله ﷺ سأله أن يكفيهم حملها، ففعل. ثم خرج رسول الله ﷺ معه ألفان من أهل مكة، مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه، ففتح الله بهم مكة، فكانوا اثنى عشر ألفا. واستعمل رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد بن أبى العيص

стр. 243

ابن أمية بن عبد شمس على مكة، أميرا على من تخلف عنه من الناس، ثم مضى رسول الله ﷺ على وجهه يريد لقاء هوازن. ويقول جابر: لما استقبلنا وادى حنين انحدرنا فى واد من أودية تهامة أجوف حطوط، إنما ننحدر فيه انحدارا، فى عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادى، فكمنوا لنا فى شعابه وأحنائه ومضايقه، وقد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا، فو الله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد، واستمر الناس راجعين، لا يلوى أحد على أحد، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين، ثم قال: أين أيها الناس؟ هلموا لى، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله. فانطلق الناس، إلا أنه قد بقى مع رسول الله ﷺ نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، فلما انهزم الناس، ورأى من كان مع رسول الله ﷺ من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلم رجال منهم بما فى أنفسهم من الضغن. ويقول العباس بن عبد المطلب: إنى لمع رسول الله ﷺ آخذ بحكمة بغلته البيضاء، وكنت امرأ جسما شديد الصوت، ورسول الله ﷺ يقول، حين رأى ما رأى من الناس: أين أيها الناس؟ فلم أر الناس يلوون على شىء، فقال: يا عباس، اصرخ، يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب السمرة! فأجابوا: لبيك! لبيك! قال: فيذهب الرجل ليثنى بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه، فيقذفها فى عنقه، ويأخذ سيفه وترسه، ويقتحم عن بعيره، ويخلى سبيله، فيؤم الصوت، حتى ينتهى إلى رسول الله ﷺ ، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة، استقبلوا الناس

стр. 244

فاقتتلوا، وكانت الدعوى أول ما كانت: ياللأنصار! ثم خلصت أخيرا: باللخزرج! وكانوا صبرا عند الحرب. فأشرف رسول الله ﷺ فى ركائبه، فنظر إلى مجتلد القوم وهم يجتلدون، فقال: الآن حمى الوطيس، والتفت رسول الله ﷺ إلى أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وكان ممن صبر يومئذ مع رسول الله ﷺ ، وكان حسن الإسلام حين أسلم، وهو آخذ بسير بغلته، فقال: من هذا؟ قال: أنا ابن أمك، يا رسول الله. ولما انهزم المشركون، أتو الطائف، ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجه بعضهم نحو نخلة، ولم يكن فيمن توجه نحو نخلة إلا بنو غيرة من ثقيف، وتبعت خيل رسول الله ﷺ من سلك فى نخلة من الناس، ولم تتبع من سلك الثنايا. وبعث رسول الله ﷺ فى آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعرى، فأدرك من الناس بعض من انهزم، فناوشوه القتال، فرمى أبو عامر بسهم فقتل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعرى، وهو ابن عمه، فقاتلهم، ففتح الله على يديه وهزمهم. ثم إن رسول الله ﷺ مر يومئذ بامرأة، وقد قتلها خالد ابن الوليد والناس مزدحمون عليها، فقال: ما هذا؟ فقالوا؟ امرأة قتلها خالد ابن الوليد: فقال رسول الله ﷺ لبعض من معه: أدرك خالدا فقل له: إن رسول الله ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا «١» .

стр. 245

٨٨- غزوة الطائف ولما قدم فل ثقيف الطائف، أغلقوا عليهم أبواب مدينتها، وصنعوا الصنائع للقتال. ثم صار رسول الله ﷺ إلى الطائف حين فرغ من حنين، فسلك رسول الله ﷺ على نخلة اليمانية، ثم مضى رسول الله ﷺ ، حتى نزل قريبا من الطائف، فضرب به عسكره، فقتل به ناس من أصحابه بالنبل، وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف، فكانت النبل تنالهم، ولم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطهم، أغلقوه دونهم، فلما أصيب أولئك النفر من أصحابه بالنبل، وضع عسكره عند مسجده الذى بالطائف اليوم، فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، ومعه امرأتان من نسائه، إحداهما أم سلمة بنت أبى أمية، فضرب لهما قبتين، ثم صلى بين القبتين، ثم أقام. فلما أسلمت ثقيف بنى على مصلى رسول الله ﷺ عمرو بن أمية مسجدا، وكانت فى ذلك المسجد سارية، فيما يزعمون فحاصرهم رسول الله ﷺ ، وقاتلهم قتالا شديدا، وتراموا بالنبل. ورماهم رسول الله ﷺ بالمنجنيق، حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف، دخل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ تحت دبابة، ثم زحفوا بها إلى جدران الطائف ليخرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل، فقتلوا منهم رجالا، فأمر رسول الله ﷺ بقطع أعناب ثقيف، فوقع الناس فيها يقطعون. ثم إن خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية، وهى امرأة عثمان، قالت: يا رسول الله، أعطنى إن فتح الله عليك الطائف حلى

стр. 246

بادية بنت غيلان بن مظعون بن سلمة، أو حلى الفارعة بنت عقيل، وكانتا من أحلى نساء ثقيف، فذكر لى أن رسول الله ﷺ قال لها: وإن كان لم يؤذن لى فى ثقيف يا خويلة؟ فخرجت خويلة، فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ما حديث حدثتنيه خويلة، زعمت أنك قلته؟ قال: قد قلته، قال: أو ما أذن لك فيهم يا رسول الله؟ قال: لا. قال: أفلا أؤذن بالرحيل؟ قال: بلى. قال: فأذن عمر بالرحيل. وتزل على رسول الله ﷺ فى إقامته ممن كان محاصرا بالطائف عبيد، فأسلموا، فأعتقهم رسول الله ﷺ . ولما أسلم أهل الطائف تكلم نفر منهم فى أولئك العبيد، فقال رسول الله ﷺ : لا، أولئك عتقاء الله. ثم خرج رسول الله ﷺ حين انصرف عن الطائف فيمن معه من الناس، ومعه من هوازن سى كثير. وقد قال له رجل من أصحابه يوم ظعن عن ثقيف: يا رسول الله، ادع عليهم، فقال رسول الله ﷺ : اللهم اهد ثقيفا وائت بهم. ثم إن وفد هوازن أتوا رسول الله صلى الله عليه وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا، منّ الله عليك. وقام رجل من هوازن فقال: يا رسول الله، إنما فى الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا «١»

стр. 247

للحارث بن أبى شمر، أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل بنا بمثل الذى نزلت به، رجونا عطفه وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين. فقال رسول الله ﷺ : أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ فقالوا: يا رسول الله، خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا، بل ترد إلينا نساءنا وأبناءنا، فهو أحب إلينا. قال لهم: أماما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم، وإذا ما أنا صليت الظهر بالناس، فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله، فى أبنائنا ونسائنا، فسأعطيكم عند ذلك، وأسأل لكم. فلما صلى رسول الله ﷺ بالناس الظهر، قاموا، فتكلموا بالذى أمرهم به، فقال رسول الله ﷺ : وأما ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم. فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ . ولما فرغ رسول الله ﷺ من رد سبايا حنين إلى أهلها، ركب، واتبعه الناس يقولون: يا رسول الله، أقسم علينا فيئنا من الإبل والغنم، حتى ألجئوه إلى شجرة، فاختطفت عنه رداءه، فقال: أدوا على ردائى، أيها الناس، فو الله أن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتمونى بخيلا ولا جبانا ولا كذابا، ثم قام إلى جنب بعير، فأخذه وبرة من سنامه، فجعلها بين إصبعيه، ثم رفعها، ثم قال: أيها الناس، والله مالى من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم.

стр. 248

وأعطى رسول الله ﷺ المؤلفة قلوبهم، وكانوا أشرافا من أشراف الناس، يتألفهم ويتألف بهم قومهم. ولما أعطى رسول الله ﷺ ما أعطى من تلك العطايا، فى قريش وفى قبائل العرب، ولم يكن فى الأنصار منها شىء، وجد هذا الحى من الأنصار فى أنفسهم، حتى كثرت منهم القالة، حتى قال قائلهم: لقد لقى والله رسول الله ﷺ قومه. فدخل عليه سعد بن عبادة، فقال: يا رسول الله، إن هذا الحى من الأنصار قد وجدوا عليك فى أنفسهم، لما صنعت فى هذا الفىء الذى أصبت، قسمت فى قومك، وأعطيت عطايا عظاما فى قبائل العرب، ولم يك فى هذا الحى من الأنصار منها شىء. قال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ قال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومى. قال: فاجمع لى قومك فى هذه الحظيرة. فخرج سعد، فجمع الأنصار فى تلك الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين فتركهم، فدخلوا وجاء آخرون فردهم. فلما اجتمعوا له أتاه سعد، فقال: قد اجتمع لك هذا الحى من الأنصار، فأتاهم رسول الله ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتنى عنكم، وجدة وجدتموها علىّ فى أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل. ثم قال: ألا تجيبوننى يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المنّ والفضل. قال رسول الله ﷺ : أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم ولصدّقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك: ومخذولا فنصرناك، وطريدا فاويناك، وعائلا فآسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار فى أنفسكم فى أنفسكم فى لعاعة «١» من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم

стр. 249

إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار، أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فو الذى نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار. فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظّا، ثم انصرف رسول الله ﷺ وتفرقوا. ثم خرج رسول الله ﷺ من الجعرانة معتمرا، وأمر ببقايا الفىء فحبس بمجنة، بناحية مر الظهران، فلما فرغ رسول الله ﷺ من عمرته انصرف راجعا إلى المدينة، واستخلف عتاب بن أسيد على مكة، وخلف معه معاذ بن جبل، يفقه الناس فى الدين، ويعلمهم القرآن، واتبع رسول الله ﷺ ببقايا الفىء. ولما استعمل النبى ﷺ عتاب بن أسيد على مكة رزقه كل يوم درهما، فقام فخطب الناس، فقال: أيها الناس، أجاع الله كبد من جاع على درهم، فقد رزقنى رسول الله ﷺ درهما كل يوم، فليست بى حاجة إلى أحد. وكانت عمرة رسول الله ﷺ فى ذى القعدة، فقدم رسول الله ﷺ المدينة فى بقية ذى القعدة، أو فى ذى الحجة.

стр. 250

وقدم رسول الله ﷺ المدينة لست ليال بقين من ذى القعدة. وحج الناس تلك السنة، على ما كانت العرب تحج عليه، وحج بالمسلمين تلك السنة عتاب بن أسيد، وهى سنة ثمان. وأقام أهل الطائف على شركهم وامتناعهم فى طائفهم، ما بين ذى القعدة، إذ انصرف رسول الله ﷺ إلى شهر رمضان من سنة تسع. ٨٩- غزوة تبوك ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة، وذلك فى زمان من عسرة الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، والناس يحبون المقام فى ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذى هم عليه. وكان رسول الله ﷺ قلما يخرج فى غزوة إلا كنى عنها، وأخبر أنه يريد غير الوجه الذى يصند له، إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بينها للناس، لبعد الشقة، وشدة الزمان، وكثرة العدو الذى يصمد له، ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم. فقال رسول الله ﷺ ذات يوم، وهو فى جهازه ذلك، للجدين قيس، أحد بنى سلمة: يا جد، هل لك العام فى جلاد بنى الأصفر؟
следующие страницы →