بادية بنت غيلان بن مظعون بن سلمة، أو حلى الفارعة بنت عقيل، وكانتا من أحلى نساء ثقيف، فذكر لى
أن رسول الله ﷺ قال لها: وإن كان لم يؤذن لى فى ثقيف يا خويلة؟ فخرجت خويلة، فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ما حديث حدثتنيه خويلة، زعمت أنك قلته؟ قال: قد قلته، قال: أو ما أذن لك فيهم يا رسول الله؟ قال: لا. قال: أفلا أؤذن بالرحيل؟ قال: بلى. قال:
فأذن عمر بالرحيل.
وتزل على رسول الله ﷺ فى إقامته ممن كان محاصرا بالطائف عبيد، فأسلموا، فأعتقهم رسول الله ﷺ .
ولما أسلم أهل الطائف تكلم نفر منهم فى أولئك العبيد،
فقال رسول الله ﷺ : لا، أولئك عتقاء الله.
ثم خرج رسول الله ﷺ حين انصرف عن الطائف فيمن معه من الناس، ومعه من هوازن سى كثير.
وقد قال له رجل من أصحابه يوم ظعن عن ثقيف: يا رسول الله، ادع عليهم، فقال رسول الله ﷺ : اللهم اهد ثقيفا وائت بهم.
ثم إن وفد هوازن أتوا رسول الله صلى الله عليه وقد أسلموا، فقالوا:
يا رسول الله، إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا، منّ الله عليك. وقام رجل من هوازن فقال: يا رسول الله، إنما فى الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا «١»
стр. 247
للحارث بن أبى شمر، أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل بنا بمثل الذى نزلت به، رجونا عطفه وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين.
فقال رسول الله ﷺ : أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ فقالوا: يا رسول الله، خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا، بل ترد إلينا نساءنا وأبناءنا، فهو أحب إلينا. قال لهم: أماما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم، وإذا ما أنا صليت الظهر بالناس، فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله، فى أبنائنا ونسائنا، فسأعطيكم عند ذلك، وأسأل لكم. فلما صلى رسول الله ﷺ بالناس الظهر، قاموا، فتكلموا بالذى أمرهم به، فقال رسول الله ﷺ :
وأما ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم. فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ .
ولما فرغ رسول الله ﷺ من رد سبايا حنين إلى أهلها، ركب، واتبعه الناس يقولون: يا رسول الله، أقسم علينا فيئنا من الإبل والغنم، حتى ألجئوه إلى شجرة، فاختطفت عنه رداءه، فقال: أدوا على ردائى، أيها الناس، فو الله أن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتمونى بخيلا ولا جبانا ولا كذابا، ثم قام إلى جنب بعير، فأخذه وبرة من سنامه، فجعلها بين إصبعيه، ثم رفعها، ثم قال: أيها الناس، والله مالى من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم.
стр. 248
وأعطى رسول الله ﷺ المؤلفة قلوبهم، وكانوا أشرافا من أشراف الناس، يتألفهم ويتألف بهم قومهم.
ولما أعطى رسول الله ﷺ ما أعطى من تلك العطايا، فى قريش وفى قبائل العرب، ولم يكن فى الأنصار منها شىء، وجد هذا الحى من الأنصار فى أنفسهم، حتى كثرت منهم القالة، حتى قال قائلهم: لقد لقى والله رسول الله ﷺ قومه. فدخل عليه سعد بن عبادة، فقال:
يا رسول الله، إن هذا الحى من الأنصار قد وجدوا عليك فى أنفسهم، لما صنعت فى هذا الفىء الذى أصبت، قسمت فى قومك، وأعطيت عطايا عظاما فى قبائل العرب، ولم يك فى هذا الحى من الأنصار منها شىء. قال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ قال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومى. قال: فاجمع لى قومك فى هذه الحظيرة. فخرج سعد، فجمع الأنصار فى تلك الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين فتركهم، فدخلوا وجاء آخرون فردهم.
فلما اجتمعوا له أتاه سعد، فقال: قد اجتمع لك هذا الحى من الأنصار، فأتاهم رسول الله ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتنى عنكم، وجدة وجدتموها علىّ فى أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل. ثم قال: ألا تجيبوننى يا معشر الأنصار؟ قالوا:
بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المنّ والفضل. قال رسول الله ﷺ : أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم ولصدّقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك:
ومخذولا فنصرناك، وطريدا فاويناك، وعائلا فآسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار فى أنفسكم فى أنفسكم فى لعاعة «١» من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم
стр. 249
إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار، أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فو الذى نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار.
فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظّا، ثم انصرف رسول الله ﷺ وتفرقوا.
ثم خرج رسول الله ﷺ من الجعرانة معتمرا، وأمر ببقايا الفىء فحبس بمجنة، بناحية مر الظهران، فلما فرغ رسول الله ﷺ من عمرته انصرف راجعا إلى المدينة، واستخلف عتاب بن أسيد على مكة، وخلف معه معاذ بن جبل، يفقه الناس فى الدين، ويعلمهم القرآن، واتبع رسول الله ﷺ ببقايا الفىء.
ولما استعمل النبى ﷺ عتاب بن أسيد على مكة رزقه كل يوم درهما، فقام فخطب الناس، فقال: أيها الناس، أجاع الله كبد من جاع على درهم، فقد رزقنى رسول الله ﷺ درهما كل يوم، فليست بى حاجة إلى أحد.
وكانت عمرة رسول الله ﷺ فى ذى القعدة، فقدم رسول الله ﷺ المدينة فى بقية ذى القعدة، أو فى ذى الحجة.
стр. 250
وقدم رسول الله ﷺ المدينة لست ليال بقين من ذى القعدة.
وحج الناس تلك السنة، على ما كانت العرب تحج عليه، وحج بالمسلمين تلك السنة عتاب بن أسيد، وهى سنة ثمان.
وأقام أهل الطائف على شركهم وامتناعهم فى طائفهم، ما بين ذى القعدة، إذ انصرف رسول الله ﷺ إلى شهر رمضان من سنة تسع.
٨٩- غزوة تبوك
ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة، وذلك فى زمان من عسرة الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، والناس يحبون المقام فى ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذى هم عليه. وكان رسول الله ﷺ قلما يخرج فى غزوة إلا كنى عنها، وأخبر أنه يريد غير الوجه الذى يصند له، إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بينها للناس، لبعد الشقة، وشدة الزمان، وكثرة العدو الذى يصمد له، ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم.
فقال رسول الله ﷺ ذات يوم، وهو فى جهازه ذلك، للجدين قيس، أحد بنى سلمة: يا جد، هل لك العام فى جلاد بنى الأصفر؟
стр. 251
فقال: يا رسول الله، أو تأذن لى ولا تفتنى؟ فو الله لقد عرف قومى أنه ما من رجل بأشد عجبا بالنساء منى، وأنى أخشى إن رأيت نساء بنى الأصفر ألا أصبر، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، وقال: قد أذنت لك.
وبلغ رسول الله ﷺ ، أن ناسا من المنافقين يجتمعون فى بيت سويلم اليهودى، يثبطون الناس عن رسول الله ﷺ فى غزوة تبوك، فبعث إليهم النبى ﷺ طلحة بن عبيد الله فى نفر من أصحابه، وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة، فاقتحم الضحاك بن حليفة من ظهر البيت، فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه، فأفلتوا.
ثم إن رسول الله ﷺ جد فى سفره، وأمر الناس بالجهاز والانكماش، وحفص أهل الغنى على النفقة والحملان «١» فى سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان بن عفان فى ذلك نفقة عظيمة، لم ينفق أحد مثلها.
ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله ﷺ ، وهم البكاءون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، فاستحملوا رسول الله ﷺ ، وكانوا أهل حاجة،
فقال: لا أجد ما أحملكم عليه
، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون.
стр. 252
فلقى ابن يامين بن عمير بن كعب النضرى، أبا ليلى عبد الرحمن بن كعب، وعبد الله بن مغفل، وهما يبكيان، قال: ما يبكيكما؟ قالا: جئنا رسول الله ﷺ ليحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه، فأعطاهما ناضحا له، فارتحلاه، وزودهما شيئا من تمر، فخرجا مع رسول الله ﷺ .
وجاءه المعذرون من الأعراب، فاعتذروا إليه، فلم يعذرهم الله تعالى.
واستعمل على المدينة محمد بن مسلمة الأنصارى، فلما سار رسول الله ﷺ تخلف عنه عبد الله بن أبى، فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب.
وخلف رسول الله ﷺ على بن أبى طالب، رضوان الله عليه، على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون، وقالوا:
ما خلفه إلا استثقالا له، وتخففا منه، فلما قال ذلك المنافقون
أخذ على بن أبى طالب، رضوان الله عليه، سلاحه، ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ وهو نازل بالجرف، فقال: يا نبى الله، زعم المنافقون أنك إنما خلفتنى أنك استثقلتنى وتخففت منى، فقال: كذبوا، ولكننى خلفتك لما تركت ورائى، فارجع فاخلفنى فى أهلى وأهلك، أفلا ترضى يا على أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبى بعدى، فرجع على إلى المدينة، ومضى رسول الله ﷺ على سفره.
стр. 253
ثم إن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول الله ﷺ ، أياما إلى أهله فى يوم حار، فوجد امرأتين له فى عريشين لهما فى حائطه، قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماء، وهيأت له طعاما، فلما دخل، قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله ﷺ فى الضح «١» والريح والحر، وأبو خيثمة فى ظل بارد وطعام مهيأ، وامرأة حسناء، فى ماله مقيم، ما هذا بالنصف! ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما، حتى ألحق برسول الله ﷺ ، فهيئا لى زادا، ففعلتا. ثم قدم بعيره فارتحله، ثم خرج فى طلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حين نزل تبوك.
وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحى فى الطريق، يطلب رسول الله ﷺ ، فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك، قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لى ذنبا، فلا عليك أن تخلف عنى حتى آتى رسول الله ﷺ ، ففعل، حتى إذا دنا من رسول الله ﷺ وهو نازل بتبوك، قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل،
فقال رسول الله ﷺ : كن أبا خيثمة، فقالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة.
فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : أولى لك يا أبا خيثمة. ثم أخبر رسول الله صلى الله
стр. 254
عليه وسلم الخبر، فقال له رسول الله ﷺ خيرا، ودعا له بخير.
وقد كان رسول الله ﷺ حين مر بالحجر نزلها، واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا قال رسول الله ﷺ : لا تشربوا من مائها شيئا، ولا تتوضئوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له. ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله ﷺ ، إلا أن رجلين من بنى ساعدة خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر فى طلب بعير له.
فأما الذى ذهب لحاجة فإنه خنق على مذهبه، وأما الذى ذهب فى طلب بعيره، فاحتملته الريح، حتى طرحته بجبلى طيىء، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ ، فقال: ألم أنهكم أن يخرج منكم أحد إلا ومعه صاحبه. ثم دعا رسول الله ﷺ للذى أصيب على مذهبه فشفى، وأما الآخر الذى وقع بجبلى طيىء، فإن طيئا أهدته لرسول الله ﷺ حين قدم المدينة.
ولما مر رسول الله ﷺ بالحجر سجى ثوبه على وجهه، واستحث راحلته، ثم قال: لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون، خوفا أن يصيبكم مثل ما أصابهم.
فلما أصبح الناس ولا ماء معهم، شكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فدعا رسول الله ﷺ ، فأرسل الله سبحانه سحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء.
стр. 255
ثم إن رسول الله ﷺ سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ناقته، فخرج أصحابه فى طلبها، وعند رسول الله ﷺ رجل من أصحابه، يقال له: عمارة بن حزم، وكان عقبيّا بدريّا، وهو عم بنى عمرو بن حزم، وكان فى رحله زيد بن اللصيت القينقاعى، وكان منافقا. فقال زيد بن اللصيت، وهو فى رحل عمارة، وعمارة عند رسول الله ﷺ :
أليس محمد يزعم أنه نبى، ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدرى أين ناقته؟
فقال رسول الله ﷺ ، وعمارة عنده: إن رجلا قال: هذا محمد يخبركم أنه نبى، ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء، وهو لا يدرى أين ناقته؟ وإنى والله ما أعلم إلا ما علمنى الله، وقد دلنى الله عليها، وهى فى هذا الوادى، فى شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتونى بها.
فذهبوا، فجاءوا بها. فرجع عمارة بن حزم إلى رحله، فقال: والله لعجب من شىء حدثناه رسول الله ﷺ آنفا، عن مقالة قائل أخبره الله عند بكذا وكذا، للذى قال زيد بن اللصيت. فقال رجل ممن كان فى رحل عمارة، ولم يحضر رسول الله ﷺ : زيد والله قال هذه المقالة قبل أن تأتى. فأقبل عمارة على زيد يضرب فى عنقه ويقول: إلى عباد الله، إن فى رحلى لداهية وما أشعر! اخرج أى عدو الله من رحلى، فلا تصحبنى.
ثم مضى رسول الله ﷺ سائرا، فجعل يتخلف عنه الرجل، فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان، فيقول: دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله تعالى بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه، حتى قيل: يا رسول
стр. 256
الله، قد تخلف أبوذر، وأبطأ به بعيره، فقال: دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه. وتلوّم «١» أبوذر على بعيره، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله ﷺ ماشيا. ونزل رسول الله فى بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشى على الطريق وحده، فقال رسول الله ﷺ : كن أباذر. فلما تأمله القوم قالوا:
يا رسول الله، هو والله أبوذر، فقال: رسول الله ﷺ : رحم الله أباذر، يمشى وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده.
وقد كان رهط من المنافقين، يشيرون إلى رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بنى الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟ والله لكأنا بكم غدا مقرنين فى الحبال.. إرجانا وترهيبا المؤمنين.
وقال رسول الله ﷺ لعمار بن ياسر: أدرك القوم، فإنهم قد احترقوا «٢» فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قلتم كذا وكذا.
فانطلق عمار، فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله ﷺ يعتذرون إليه.
ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى نزل بذى أوان، بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار، وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجدا لذى العلة والحاجة
стр. 257
والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا، فتصلى لنا فيه، فقال: إنى على جناح سفر، وحال شغل، ولو قد قدمنا إن شاء الله لآتيناكم، فصلينا لكم فيه.
فلما نزل بذى أوان، أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله ﷺ مالك بن الدخشم أخا بنى سالم بن عوف، ومعن بن عدى، أخا بنى العجلان، فقال:
انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه وحرقاه فخرجا سريعين حتى أتيا بنى سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن: أنظرنى حتى أخرج إليك بنار من أهلى. فدخل إلى أهله، فاخذ سعفا من النخل، فأشعل فيه نارا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله، فحرقاه وهدماه، وتفرقوا عنه.
وكانت مساجد رسول الله ﷺ فيما بين المدينة إلى تبوك معلومة مسماة.
وقدم رسول الله ﷺ المدينة، وكان قد تخلّف عنه رهط من المنافقين، وتخلّف ثلاثة من المسلمين من غير شك ولا نفاق: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية،
فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: لا تكلمن أحدا من هؤلاء الثلاثة، فاعتزل المسلمون كلام أولئك النفر الثلاثة.
ويقول كعب: وآذن رسول الله ﷺ الناس بتوبة الله علينا، حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب نحو صاحبى مبشرون، وركض رجل إلى فرسا، وسعى ساع من أسلم، حتى أوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس. فلما جاءنى الذى سمعت صوته
стр. 258
يبشرنى، نزعت ثوبى فكسوتهما إياه بشارة، والله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما، ثم انطلقت أتيمم رسول الله ﷺ ، وتلقانى الناس يبشروننى بالتوبة، حتى دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس حوله الناس.
فقام إلى طلحة بن عبد الله، فحيانى وهنأنى، فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال لى، ووجهه يبرق من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: بل من عند الله.
٩٠- إسلام ثقيف
وقدم رسول الله ﷺ المدينة من تبوك فى رمضان، وقدم عليه فى ذلك الشهر وفدثفيف.
وكان من حديثهم أن رسول الله ﷺ لما انصرف عنهم، اتبع أثره عروة بن مسعود الثقفى، حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام،
فقال له رسول الله ﷺ : إنهم قاتلوك وعرف رسول الله ﷺ أن فيهم نخوة الامتناع الذى كان منهم، فقال عروة: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبكارهم.
وكان فيهم كذلك محببا مطاعا، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام، رجاء ألا يخالفوه، لمنزلته فيهم، فلما أشرف لهم على علية له، وقد دعاهم إلى الإسلام، وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه، فأصابه سهم فقتله، فقيل لعروة:
стр. 259
ما ترى فى دمك؟ قال: كرامة أكرمنى الله بها، وشهادة ساقها الله إلىّ، فليس فى إلا ما فى الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنونى معهم، فدفنوه معهم. فزعموا أن رسول الله ﷺ قال فيه: إن مثله فى قومه لكمثل صاحب ياسين فى قومه.
ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا، ثم إنهم ائتمروا بينهم، ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا.
فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابهم، أمر عليهم عثمان بن أبى العاص، وكان أحدثهم سنّا، وذلك لأنه كان أحرصهم على التفقه فى الإسلام، وتعلم القرآن. فقال أبو بكر لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، إنى رأيت هذا الغلام منهم من أحرصهم على التفقه فى الإسلام، وتعلم القرآن.
فلما فرغوا من أمرهم، وتوجهوا إلى بلادهم راجعين، بعث رسول الله ﷺ ، معهم أبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة، فى هدم الطاغية، فهرجا مع القوم، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة بن شعبة أن يقدم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه، وقال: ادخل أنت على قومك، وأقام أبو سفيان بماله، فلما دخل المغيرة بن شعبة علاها يضربها بالمعول، وقام قومه دونه، بنو معتب، خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة، وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها.
стр. 260
٩١- حج أبى بكر بالناس
ثم أقام رسول الله ﷺ بقية شهر رمضان وشوالا وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع، ليقيم للمسلمين حجتهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم. فخرج أبو بكر رضى الله عنه ومن معه من المسلمين.
ونزلت براءة فى نقض ما بين رسول الله ﷺ وبين المشركين من العهد، الذى كان عليه فيما بينه وبينهم: ألا يصد عن البيت أحد جاءه، ولا يخاف أحد فى الشهر الحرام. وكان ذلك عهدا عاما بينه وبين الناس من أهل الشرك.
وكانت بين ذلك عهود بين رسول الله ﷺ وبين قبائل من العرب خصائص، إلى آجال مسماة، فنزلت فيه وفيمن تخلف من المنافقين عنه فى تبوك، وفى قول من قال منهم، فكشف الله تعالى فيها أسرار أقوام كانوا يستخفون بغير ما يظهرون.
٩٢- سنة الوفود وهى سنة تسع .
وكانت تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ .
ولما افتتح رسول الله ﷺ مكة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه. وإنما كانت العرب تربص بالإسلام أمر هذا الحى من قريش، وأمر رسول الله ﷺ ، وذلك أن قريشا كانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت الحرام،
стр. 261
وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هى التى نصبت لحرب رسول الله ﷺ وخلافه. ولما افتتحت مكة، ودانت له قريش، ودوخها الإسلام، وعرفت العرب أنه لا طاقة لها بحرب رسول الله ﷺ ولا عداوته، فدخلوا فى دين الله، كما قال ، أفواجا، يضربون إليه من كل وجه.
فقدمت على رسول الله ﷺ وفود العرب. فقدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمى، فى أشراف بنى تميم.
وقدم على رسول الله ﷺ وفد بنى عامر، فيهم عامر ابن الطفيل.
فقدم عامر بن الطفيل عدو الله، على رسول الله ﷺ ، وهو يريد الغدر به، وقد قال له قومه: يا عامر، إن الناس قد أسلموا فأسلم.
قال: والله لقد كنت آليت ألا أنتهى حتى تتبع العرب عقبى، فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش! ثم قال لأربد: إذا قدمنا على الرجل، فإنى سأشغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف.
فلما قدموا على رسول الله ﷺ ، قال عامر بن الطفيل: يا محمد، خالنى «١» ، قال: لا والله حتى تؤمن بالله وحده. قال: يا محمد، خالنى. وجعل يكلمه وينتظر من أريد ما كان أمره به، فجعل أريد لا يحير شيئا. فلما رأى عامر ما يصنع أربد، قال:
يا محمد، خالنى، قال: لا، حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له. فلما أبى عليه
стр. 262
رسول الله ﷺ : قال: أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا.
فلما ولى قال رسول الله ﷺ : اللهم اكفنى عامر بن الطفيل.
فلما خرجوا من عند رسول الله ﷺ ، قال عامر لأربد: ويلك يا أربد! أين ما كنت أمرتك به؟ والله ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف عندى على نفسى منك، وايم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا. قال:
لا أبالك! لا تعجل علىّ، والله ما هممت بالذى أمرتنى به من أمره، إلا دخلت بينى وبين الرجل، ما أرى غيرك، أفأضربك بالسيف؟
وخرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون فى عنقه، فقتله الله فى بيت امرأة من بنى سلول.
ثم خرج أصحابه، حين واروه، حتى قدموا أرض بنى عامر شاتين، فلما قدموا أتاهم قومهم فقالوا: ما وراءك يا أربد؟ قال: لا شىء والله، لقد دعانا إلى عبادة شىء لوددت أنه عندى الآن، فأرميه بالنبل حتى أقتله، فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين، معه جمل له يتبعه، فأرسل الله تعالى عليه وعلى جمله صاعقة، فأحرقتهما. وكان أربد بن قيس أخا لبيد بن ربيعة لأمه.
وبعثت بنو سعد بن بكر إلى رسول الله ﷺ رجلا منهم، يقال له: ضمام بن ثعلبة، وافدا إلى رسول الله ﷺ ، فقدم عليه وأناخ بعيره على باب المسجد، ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس فى أصحابه. وكان ضمام رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ فى أصحابه، فقال:
أيكم ابن عبد المطلب؟
فقال رسول الله ﷺ : أنا ابن عبد المطلب.
стр. 263
قال: أمحمد؟ قال: نعم، قال: يا بن عبد المطلب، إنى سائلك ومغلظ عليك فى المسألة، فلا تجدن فى نفسك. قال: لا أجد فى نفسى، فسل ما بدا لك. قال:
أنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك، الله بعثك إلينا رسولا؟ قال: اللهم نعم. قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، الله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الأنداد التى كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال: اللهم نعم.
قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن نصلى هذه الصلوات الخمس؟ قال: اللهم نعم. قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة: الزكاة والصيام والحج وشرائع الإسلام كلها، ينشده عند كل فريضة منها، كما ينشده فى التى قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإنى أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وسأؤدى هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتنى عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص. ثم انصرف إلى بعيره راجعا. فقال رسول الله ﷺ : إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة.
فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى. قالوا: مه يا ضمام! اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون، قال: ويلكم! إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولا، وأنزل كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإنى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به، وما نهاكم عنه.
فو الله ما أمسى من ذلك اليوم فى حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما.
стр. 264
وقدم على رسول الله ﷺ الجارود بن عمرو بن حنش، أخو عبد القيس، ولما انتهى إلى رسول الله ﷺ كلمه، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، ودعاه إليه، ورغبه فيه. فقال:
يا محمد، إنى كنت على دين، وإنى تارك دينى لدينك، أفتضمن لى دينى؟
قال: قال رسول الله ﷺ : نعم، أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه. فأسلم وأسلم أصحابه، ثم سأل رسول الله ﷺ الحملان «١» ، فقال: والله ما عندى ما أحملكم عليه. قال: يا رسول الله، فإن بيننا وبين بلادنا ضوال من ضوال الناس، أفنتبلغ عليها إلى بلادنا؟
قال: لا، إياك وإياها فإنما تلك حرقى النار.
فخرج من عنده الجارود راجعا إلى قومه، وكان حسن الإسلام، صلبا على دينه، حتى هلك وقد أدرك الردة. فلما رجع من قومه من كان أسلم منهم إلى دينهم الأول، مع الغرور بن المنذر بن النعمان بن المنذر، قام الجارود فتكلم، فتشهد شهادة الحق، ودعا إلى الإسلام، فقال: أيها الناس، إنى أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأكفر من لم يشهد.
وقد كان رسول الله ﷺ بعث العلاء بن الحضرمى قبل فتح مكة إلى المنذر بن ساوى العبدى، فأسلم وحسن إسلامه، ثم هلك بعد رسول الله ﷺ ، قبل ردة أهل البحرين، والعلاء عنده، أميرا لرسول الله ﷺ على البحرين.
стр. 265
وقدم على رسول الله ﷺ وفد بنى حنيفة، فيهم مسيلمة ابن حبيب الحنفى الكذاب، وكانوا قد خلفوا مسيلمة فى رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد خلفنا صاحبا لنا فى رحالنا وفى ركابنا يحفظها لنا، فأمر له رسول الله ﷺ بمثل ما أمر به للقوم، ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ ، وجاءوه بما أعطاه. فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله، وتنبأ وتكذب لهم، وقال: إنى قد أشركت فى الأمر معه. ثم جعل يسجع لهم الأساجيع، وأحل لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله ﷺ بأنه نبى.
وقدم على رسول الله ﷺ وفد طىء، فيهم زيد الخيل، وهو سيدهم، فلما انتهوا إليه كلموه، وعرض عليهم رسول الله ﷺ الإسلام، فأسلموا، فحسن إسلامهم.
وقال رسول الله ﷺ : ما ذكر لى رجل من العرب بفضل ثم جاءنى إلا رأيته دون ما يقال فيه، إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما كان فيه، ثم سماه رسول الله ﷺ : زيد الخير، فخرج من عند رسول الله ﷺ راجعا إلى قومه
، فلما انتهى إلى ماء من مياهه، أصابته الحمى بها فمات.
وأما عدى بن حاتم فكان يقول: ما من رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله ﷺ حين سمع به منى، فلما سمعت برسول الله ﷺ كرهته، فقلت لغلام كان لى عربى، وكان راعيا لإبلى: لا أبالك، أعدد لى من إبلى أجمالا ذللا سمانا، فاحتبسها
стр. 266
قريبا منى، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذنى، ففعل. ثم إنه أتانى ذات غداة، فقال: يا عدى، ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد، فاصنعه الآن، فإنى قد رأيت رايات، فسألت عنها فقالوا: هذه جيوش محمد. فقلت: فقرب إلى جمالى، فقربها، فاحتملت بأهلى وولدى، ثم قلت: ألحق بأهل دينى من النصارى بالشام، وخلفت بنتا لحاتم فى الحاضر، فلما قدمت الشام أقمت بها.
وتخالفنى خيل لرسول الله ﷺ ، فتصيب ابنة حاتم، فيمن أصابت، فقدم بها على رسول الله ﷺ فى سبايا من طيئ،
وقد بلغ رسول الله ﷺ هربى إلى الشام. قال: فجعلت بنت حاتم فى حظيرة بباب المسجد، كانت السبايا يحبسن فيها، فمر بها رسول الله ﷺ ، فقامت إليه، وكانت امرأة جزلة، فقالت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن علىّ منّ الله عليك. قال: ومن وافدك؟ قالت:
عدى بن حاتم. قال: الفار من الله ورسوله؟ قالت: ثم مضى رسول الله ﷺ ، وتركنى، حتى إذا كان من الغد مربى، فقلت له مثل ذلك، وقال لى مثل ما قال بالأمس. قالت: حتى إذا كان الغد، مربى، وقد يئست منه، فأشار إلى رجل من خلفه: أن قومى فكلميه، قالت: فقمت إليه، فقلت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن علىّ منّ الله عليك. فقال ﷺ : قد فعلت، فلا تتعجلى بخروج، حتى تجدى من قومك من يكون لك ثقة، حتى يبلغك إلى بلادك، ثم آذنينى. فسألت عن الرجل الذى أشار إلى أن أكلمه، فقيل: على بن أبى طالب رضوان الله عليه، وأقمت حتى قدم ركب من بلى أو قضاعة قالت: وإنما أريد أن آتى أخى بالشام. قالت: فجئت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله،
стр. 267
فد قدم رهط من قومى، لى فيهم ثقة وبلاغ. قالت: فكسانى رسول الله ﷺ ، وحملنى وأعطانى نفقة، فخرجت معهم، حتى قدمت الشام.
قال عدى: فو الله إنى لقاعد فى أهلى، إذ نظرت إلى ظعينة تصوب إلى تؤمنا، فقلت: ابنة حاتم؟ فإذا هى هى. فلما وقفت على، أخذت فى اللوم تقول:
القاطع الظالم، احتملت بأهلك وولدك، وتركت بقية والدك عورتك! قلت:
أى أخية، لا تقولى إلا خيرا، فو الله مالى من عذر، لقد صنعت ما ذكرت.
قال: ثم نزلت فأقامت عندى، فقلت لها، وكانت امرأة حازمة: ماذا ترين فى أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعا، فإن يكن الرجل نبيّا، فللسابق إليه فضله، وإن يكن ملكا، فلن تذل فى عز اليمن، وأنت أنت. قال: قلت: والله إن هذا الرأى.
قال: فخرجت حتى أقدم على رسول الله ﷺ المدينة، فدخلت عليه، وهو فى مسجده، فسلمت عليه، فقال: من الرجل؟ فقلت:
عدى بن حاتم، فقام رسول الله ﷺ ، فانطلق بى إلى بيته، فو الله إنه لعامد بى إليه، إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة، فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه فى حاجتها. قال: قلت فى نفسى: والله ما هذا بملك، قال:
ثم مضى بى رسول الله ﷺ ، حتى إذا دخل بى بيته، تناول وسادة من أدم محشوة ليفا، فقذفها إلى، فقال: اجلس على هذه، قلت: بل أنت فاجلس عليها، فقال: بل أنت، فجلست عليها، وجلس رسول الله ﷺ بالأرض. قال: قلت فى نفسى: والله ما هذا بأمر ملك، ثم قال: إيه يا عدى بن حاتم، ألم تك ركوسيّا «١» ؟ قلت: بلى. قال: أولم
стр. 268
تكن تسير فى قومك بالمرباع؟ قلت: بلى، قال: فإن ذلك لم يكن يحل لك فى دينك؟ قلت: أجل والله. قال: وعرفت أنه نبى مرسل، يعلم مالا تعلم.
ثم قال: لعلك يا عدى إنما يمنعك من دخول فى هذا الدين، ما ترى من حاجتهم، فو الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم، حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه، ما ترى من كثرة عدوهم، وقلة عددهم، فو الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت، لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه، أنك ترى أن الملك والسلطان فى غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم، قال: فأسلمت.
وقدم فروة بن مسبك المرادى على رسول الله ﷺ ، مفارقا لملوك كندة، ومباعدا لهم، إلى رسول الله ﷺ .
وقد كان قبيل الإسلام بين مراد وهمدان وقعة، أصابت فيها همدان من مراد ما أرادوا، حتى أتخنوهم فى يوم كان يقال له: يوم الردم.
فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله، من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومى يوم الردم لا يسوءه ذلك؟ فقال رسول الله ﷺ : أما إن ذلك لم يزد قومك فى الإسلام إلا خيرا.
واستعمله النبى ﷺ على مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة، فكان معه فى بلاده، حتى توفى رسول الله ﷺ .
стр. 269
وقدم على رسول الله ﷺ عمرو بن معديكرب فى أناس من بنى زبيد، فأسلم، وكان عمرو قد قال لقيس بن مكشوح المرادى، حين انتهى إليهم أمر رسول الله ﷺ : يا قيس، إنك سيد قومك، وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز، يقول إنه نبى، فانطلق بنا إليه، حتى نعلم علمه، فإن كان نبيّا كما يقول، فإنه لن يخفى عليك، وإذا لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه.
فأبى عليه قيس ذلك وسفه رأيه، فركب عمرو بن معديكرب حتى قدم على رسول الله ﷺ ، وصدقه وآمن به.
فلما بلغ ذلك قيس بن مكشوح أوعد عمرا، واشتد عليه، وقال: خالفنى وترك رأيى. فأقام عمرو بن معديكرب فى قومه من بنى زبيد، وعليهم فروة ابن مسيك. فلما توفى رسول الله ﷺ ارتد عمرو بن معديكرب.
وقدم على رسول الله ﷺ الأشعث بن قيس، فى وفد كندة فى ثمانين راكبا من كندة، فدخلوا على رسول الله ﷺ مسجده، وقد رجلوا جممهم وتكحلوا عليهم جبب الحبرة، وقد كففوها بالحرير.
فلما دخلوا على رسول الله ﷺ قال: ألم تسلموا؟ قالوا: بلى.
قال: فما بال هذا الحرير فى أعناقكم، قال: فشقوه منها، فألقوه.
وقدم على رسول الله ﷺ صرد بن عبد الله الأزدى، فأسلم، وحسن إسلامه، فى وفد من الأزد، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 270
على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك، من قبل اليمن.
فخرج صرد بن عبد الله يسير بأمر رسول الله ﷺ ، حتى نزل بجرش، وهى يومئذ مدينة مغلقة، وبها قبائل من قبائل اليمن، وقد ضمت إليهم خثعم، فدخلوها معهم، حين سمعوا بسير المسلمين إليهم.
فحاصروهم فيها قريبا من شهر، وامتنعوا فيها منه، ثم إنه رجع عنهم قافلا، حتى إذا كان إلى جبل لهم يقال له شكر، ظن أهل جرش أنه إنما ولى عنهم منهزما، فخرجوا فى طلبه، حتى إذا أدركوه، عطف عليهم، فقتلهم قتلا شديدا.
ثم بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد، فى شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى، سنة عشر، إلى بنى الحارث بن كعب بنجران، أمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا، فإن استجابوا فأقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم. فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون فى كل وجه، ويدعون إلى الإسلام، ويقولون: أيها الناس، أسلموا تسلموا، فأسلم الناس، ودخلوا فيما دعوا إليه. فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام، وكتاب الله وسنة نبيّه ﷺ ، وبذلك كان أمره رسول الله ﷺ إن هم أسلموا ولم يقاتلوا.
وقدم على رسول الله ﷺ فى هدنة الحديبية، قبل خيبر، رفاعة بن زيد الجدامى ثم الضبيبى. فأهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 271
غلاما، وأسلم، فحسن إسلامه، وكتب له رسول الله ﷺ كتابا إلى قومه.
وقدم وفد همدان على رسول الله ﷺ ، فلقوا رسول الله ﷺ مرجعه من تبوك.
٩٣- حجة الوداع
ولما دخل على رسول الله ﷺ ذو القعدة، تجهز للحج، وأمر الناس بالجهاز له، لا يذكر ولا يذكر الناس إلا الحج. حتى إذا كان بسرف، وقد ساق رسول الله ﷺ ، معه الهدى وأشراف من أشراف الناس، أمر الناس أن يحلوا بعمرة إلا من ساق الهدى.
ثم إن رسول الله ﷺ كان بعث عليّا رضى الله عنه إلى نجران، فلقيه بمكة وقد أحرم، فدخل على فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضى الله عنها، فوجدها قد حلت وتهيأت، فقال: مالك يا بنت رسول الله؟ قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن نحل بعمرة، فحللنا. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه، وسلم فلما فرغ من الخبر عن سفره، قال له رسول الله ﷺ : انطلق فطف بالبيت، وحل كما حل أصحابك؟ قال: يا رسول الله، إنى أهللت كما أهللت، فقال: ارجع فاحلل كما حل أصحابك. قال: يا رسول الله، إنى قلت حين أحرمت: اللهم إنى أهل بما أهل به نبيك وعبدك ورسولك محمد ﷺ ، قال: فهل معك من هدى؟ قال: لا.
فأشركه رسول الله ﷺ فى هديه، وثبت على إحرامه مع رسول الله ﷺ حتى فرغ من الحج ونحر
стр. 272
رسول الله ﷺ الهدى عنهما.
ثم مضى رسول الله ﷺ على حجه، فأرى الناس مناسكهم، وأعلمهم سنن حجهم، وخطب الناس خطبته التى بين فيها ما بين، وقضى رسول الله ﷺ الحج، وقد أراهم مناسكهم، وأعلمهم ما فرض الله عليهم من حجهم: من الموقف، ورمى الجمار، وطواف بالبيت، وما أحل لهم من حجهم، وما حرم عليهم، فكانت حجة البلاغ، وحجة الوداع، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يحج بعدها.
ثم قفل رسول الله ﷺ ، فأقام بالمدينة بقية ذى الحجة والمحرم وصفر، وضرب على الناس بعثا إلى الشام، وأمر عليهم أسامة بن زيد ابن حارثة مولاه، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، فتجهز الناس، وأوعب مع أسامة بن زيد المهاجرون الأولون.
وقد كان رسول الله ﷺ بعث إلى الملوك رسلا من أصحابه، وكتب معهم إليهم يدعوهم إلى الإسلام.
وكان جميع ما غزا رسول الله ﷺ بنفسه سبعا وعشرين غزوة.
وكانت بعوثه ﷺ وسراياه ثمانية وثلاثين، من بين بعث وسرية.
(م ١٨- الموسوعة القرآنية- ج ١)
стр. 273
٩٤- مرضه ﷺ وموته
ومرض رسول الله ﷺ فخرج يمشى بين رجلين من أهله:
الفضل بن العباس، وعلى بن أبى طالب، عاصبا رأسه، تخط قدماه، حتى دخل بيت عائشة، ثم غمر «١» رسول الله ﷺ ، واشتد عليه وجعه، فقال:
هريقوا على سبع قرب من آبار شتى، حتى أخرج إلى الناس، فأعهد إليهم.
تقول عائشة: فأقعدناه فى مخضب «٢» لحفصة بنت عمر، ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول: حسبكم حسبكم.
ثم إن رسول الله ﷺ خرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر، ثم كان أول ما تكلم به أنه صلى على أصحاب أحد، واستغفر لهم، فأكثر الصلاة عليهم، ثم قال: إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله. ففهمها أبو بكر، وعرف أن نفسه يريد، فبكى وقال: بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا، فقال: على رسلك يا أبا بكر، ثم قال: انظروا هذه الأبواب اللافظة «٣» فى المسجد، فسدوها إلا بيت أبى بكر، فإنى لا أعلم أحدا كان أفضل فى الصحبة عندى يدا منه.
واستبطأ رسول الله ﷺ الناس فى بعث أسامة بن زيد، وهو فى وجعه، فخرج عاصبا رأسه، حتى جلس على المنبر، وقد كان الناس قالوا فى إمرة أسامة: أمّر غلاما حدثا على جلة المهاجرين والأنصار.
стр. 274
فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة، فلعمرى لئن قلتم فى إمارته لقد قلتم فى إمارة أبيه من قبله، وإنه لخليق للإمارة، وإن كان أبوه لخليقا لها.
ثم نزل رسول الله ﷺ وانكمش «١» الناس فى جهازهم، واستعز برسول الله ﷺ وجعه، فخرج أسامة، وخرج جيشه معه حتى نزلوا الجرف، من المدينة على فرسخ، فضرب به عسكره، وتتام إليه الناس، وثقل رسول الله ﷺ ، فأقام أسامة والناس، لينظروا ما الله قاض فى رسول الله ﷺ . فاجتمع إليه ﷺ نساء من نسائه: أم سلمة، وميمونة، ونساء من نساء المسلمين، منهن: أسماء بنت عميس، وعنده العباس عمه، فأجمعوا أن يلدوه «٢» . وقال العباس: لألدنه، فلدوه. فلما أفاق رسول الله ﷺ ، قال: من صنع بى هذا؟ قالوا:
يا رسول الله، عمك. قال: هذا دواء أتى به نساء جئن من نحو هذه الأرض، وأشار نحو أرض الحبشة. ثم قال: ولم فعلتم ذلك؟ فقال عمه العباس: خشينا يا رسول الله أن يكون بك ذات الجنب، فقال: إن ذلك لداء ما كان الله ليقذفنى به، لا يبق فى البيت أحد إلا لد إلاعمى، فلقد لدت ميمونة وإنها لصائمة، لقسم رسول الله ﷺ ، عقوبة لهم بما صنعوا به.
стр. 275
ويقول أسامة: لما ثقل رسول الله ﷺ ، هبطت وهبط الناس معى إلى المدينة، فدخلت على رسول الله ﷺ ، وقد أصمت فلا يتكلم، فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها على، فأعرف أنه يدعو لى.
ولما استعز برسول الله ﷺ قال: مروا أبابكر فليصل بالناس.
قالت عائشة: قلت: يا نبى الله، إن أبا بكر رجل رقيق، ضعيف الصوت، كثير البكاء إذا قرأ القرآن. قال: مروه فليصل بالناس.
قالت: فعدت بمثل قولى، فقال: إنكن صواحب يوسف، فمروه فليصل بالناس. قالت: فو الله ما أقول ذلك إلا أنى كنت أحب أن يصرف ذلك عن أبى بكر، وعرفت أن الناس لا يحبون رجلا قام مقامه أبدا، وأن الناس سيتشاءمون به فى كل حدث كان، فكنت أحب أن يصرف ذلك عن أبى بكر.
ثم إنه لما كان يوم الاثنين الذى قبض الله فيه رسوله ﷺ ، خرج إلى الناس، وهم يصلون الصبح، فرفع الستر، وفتح الباب، فخرج رسول الله ﷺ ، فقام على باب عائشة، فكاد المسلمون يفتتنون فى صلاتهم برسول الله ﷺ حين رأوه، فرحا به، وتفرجوا، فأشار إليهم: أن اثبتوا على صلاتكم. فتبسم رسول الله ﷺ سرورا لما رأى من هيئتهم فى صلاتهم، وما رأيت رسول الله ﷺ أحسن هيئة منه تلك الساعة، ثم رجع وانصرف الناس وهم يرون أن رسول الله ﷺ قد برئ من وجعه. فرجع أبو بكر إلى أهله بالسنح.
стр. 276
وتقول عائشة: رجع إلى رسول الله ﷺ فى ذلك اليوم حين دخل من المسجد، فاضطجع فى حجرى، فدخل على رجل من آل أبى بكر، وفى يده سواك أخضر، فنظر رسول الله ﷺ إليه فى يده نظرا عرفت أنه يريده، فقلت: يا رسول الله، أتحب أن أعطيك هذا السواك؟ قال:
نعم، فأخذته، فمضغته له، حتى لينته، ثم أعطيته إياه فاستن كأشد ما رأيته يستن بسواك قط، ثم وضعه. ووجدت رسول الله ﷺ يثقل فى حجرى، فذهبت أنظر فى وجهه، فإذا بصره قد شخص، وهو يقول: بل الرفيق الأعلى من الجنة، فقلت: خيرت فاخترت والذى بعثك بالحق.
قالت: وقبض رسول الله ﷺ ، بين سحرى ونحرى، حين اشتد الضحى من يوم الاثنين لاثنتى عشرة خلت من شهر ربيع الأول، سنة عشرين من الهجرة وشهرين واثنى عشر يوما، فوضعت رأسه على وسادة، وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهى.
ولما توفى رسول الله ﷺ قام عمر بن الخطاب، فقال:
إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ قد توفى، وإن رسول الله ﷺ والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه، كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات. والله ليرجعن رسول الله ﷺ كما رجع موسى، فليقطعن أيدى رجال وأرجلهم، زعموا أن رسول الله ﷺ مات.
стр. 277
وأقبل أبو بكر، حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر، وعمر يكلم الناس، فلم يلتفت إلى شىء، حتى دخل على رسول الله ﷺ فى بيت عائشة، ورسول الله ﷺ مسجى فى ناحية البيت، عليه برد حبرة. وأقبل حتى كشف عن وجه رسول الله ﷺ ، ثم أقبل عليه فقبله، ثم قال: بأبى أنت وأمى، أما الموتة التى كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا، ثم رد البرد على وجه رسول الله ﷺ ، ثم خرج وعمر يكلم الناس، فقال: على رسلك يا عمر، أنصت، فأبى إلا أن يتكلم. فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أيها الناس، إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حىّ لا يموت. ثم تلا هذه الآية: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ.
فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت، حتى تلاها أبو بكر يومئذ، وأخذها الناس عن أبى بكر، فإنما هى فى أفواههم.
قال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت «١» ، حتى وقعت إلى الأرض ما تحملنى رجلاى، وعرفت أن رسول الله ﷺ قد مات.
стр. 278
ثم إن على بن أبى طالب، والعباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس، وقثم بن العباس، وأسامة بن زيد، وشقران مولى رسول الله ﷺ ، هم الذين تولوا غسله. وإن أوس بن خولى، أحد بنى عوف بن الخزرج، قال لعلى بن أبى طالب: أنشدك الله يا على، وحظنا من رسول الله ﷺ وكان أوس من أصحاب رسول الله ﷺ وأهل بدر- ادخل؟ فدخل فجلس، وحضر غسل رسول الله ﷺ ، فأسنده على بن أبى طالب إلى صدره، وكان العباس والفضل وقثم يقلبونه معه، وكان أسامة بن زيد وشقران مولاه، هما اللذان يصبان الماء عليه،
وعلىّ يغسله، قد أسنده إلى صدره، وعليه قميصه يدلكه به من ورائه، لا يفضى بيده إلى رسول الله ﷺ ، وعلى يقول: بأبى أنت وأمى، ما أطيبك حيا وميتا!
ولم ير من رسول الله ﷺ شيئا مما يرى من الميت.
ولما أرادوا غسل رسول الله ﷺ اختلفوا فيه، فقالوا:
والله ما ندرى أنجرد رسول الله ﷺ من ثيابه، كما نجرد موتانا، أو نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا ذقنه فى صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت، لا يدرون من هو:
أن اغسلوا النبى وعليه ثيابه. فقاموا إلى رسول الله ﷺ ، فغسلوه وعليه قميصه، ويصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه والقميص دون أيديهم.
стр. 279
فلما فرغ من غسل رسول الله ﷺ كفن فى ثلاثة أثواب:
ثوبين صحاربين «١» وبرد حبرة أدرج فيها إدراجا. ولما أرادوا أن يحفروا لرسول الله ﷺ ، وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة، وكان أبو طلحة زيد بن سهل هو الذى يحفر لأهل المدينة، فكان يلحد فدعا العباس رجلين، فقال لأحدهما: اذهب إلى أبى عبيدة بن الجراح، وللآخر:
اذهب إلى أبى طلحة، اللهم خر لرسول الله ﷺ ، فوجد صاحب أبى طلحة أبا طلحة، فجاء به، فلحد لرسول الله ﷺ .
فلما فرغ من جهاز رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء وضع على سريره فى بيته. وقد كان المسلمون اختلفوا فى دفنه، فقال قائل: ندفنه فى مسجده، وقال قائل: بل ندفنه مع أصحابه،
فقال أبو بكر: إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما قبض نبى إلا دفن حيث يقبض
، فرفع فراش رسول الله ﷺ الذى توفى عليه، فحفر له تحته. ثم دخل الناس على رسول الله ﷺ يصلون عليه أرسالا، دخل الرجال، حتى إذا فرغوا، أدخل النساء، حتى إذا فرغ النساء أدخل الصبيان. ولم يؤم الناس على رسول الله ﷺ أحد. ثم دفن رسول الله ﷺ من وسط اللّيل ليلة الأربعاء.
وكان الذين نزلوا فى قبر رسول الله ﷺ : على بن أبى طالب، والفضل بن عباس، وقثم بن عباس، وشقران مولى رسول الله ﷺ .
стр. 280
وقد قال أوس بن خولى لعلى بن أبى طالب: يا على، أنشدك الله، وحظنا من رسول الله ﷺ ، فقال له: انزل، فنزل مع القوم، وقد كان مولاه شقران حين وضع رسول الله ﷺ فى حفرته وبنى عليه، قد أخذ قطيفة، وقد كان رسول الله ﷺ يلبسها ويفترشها، فدفنها فى القبر، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك أبدا. فدفنت مع رسول الله ﷺ .
وقد كان المغيرة بن شعبة يدعى أنه أحدث الناس عهدا برسول الله ﷺ ، ويقول: أخذت خاتمى، فألقيته فى القبر، وقلت: إن خاتمى سقط منى، وإنما طرحته عمدا، لأمس رسول الله ﷺ ، فأكون أحدث الناس عهدا به ﷺ .
وكان على رسول الله ﷺ خميصة سوداء، حين اشتد به وجعه، فهو يضعها مرة على وجهه، ومرة يكشفها عنه، ويقول: قاتل الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد!
يحذر من ذلك على أمته.
وكان آخر ما عهد رسول الله ﷺ أن قال: لا يترك بجزيرة العرب دينان.
стр. 281
٩٥- زوجاته ﷺ .
وتوفى رسول الله ﷺ عن تسع من زوجاته، هن:
عائشة بنت أبى بكر، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم حبيبة بنت أبى سفيان، وأم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة، وسودة بنت زمعة بن قيس، وزينب بنت جحش بن رئاب، وميمونة بنت الحارث بن حزن، وجويرية بنت الحارث بن أبى ضرار، وصفية بنت حيى بن أخطب.
وكان جميع من تزوج رسول الله ﷺ ثلاث عشرة:
خديجة، وهى أولى من تزوج، زوجه إياها أبوها خويلد بن أسد، ويقال أخوها عمرو بن خويلد، وأصدقها رسول الله ﷺ عشرين بكرة.
وكانت خديجة قبله عند أبى هالة بن مالك، أحد بنى أسيد بن عمرو بن تميم، حليف بنى عبد الدار، فولدت له: هند بنت أبى هالة، وزينب بنت أبى هالة، وكانت قبل أبى هالة عند عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فولدت له: عبد الله، وجارية.
وتزوج رسول الله ﷺ عائشة بنت أبى بكر الصديق بمكة، وهى بنت عشر سنين، ولم يتزوج رسول الله ﷺ بكرا غيرها زوجه إياها، أبوها أبو بكر، وأصدقها رسول الله ﷺ أربعمائة درهم.
وتزوج رسول الله ﷺ سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى، زوجه
стр. 282
إياها سليط بن عمرو، وأصدقها رسول الله ﷺ أربعمائة درهم،
وكانت قبله عند السكران بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك ابن حسل.
وتزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش بن رئاب الأسدية، زوجه إياها أخوها أبو أحمد بن جحش، وأصدقها رسول الله ﷺ أربعمائة درهم
، وكانت قبله عند زيد بن حارثة، مولى رسول الله ﷺ .
وتزوج رسول الله ﷺ أم سلمة بنت أمية بن المغيرة المخزومية، واسمها هند، زوجه إياها سلمة بن أبى سلمة ابنها، وأصدقها رسول الله ﷺ فراشا حشوه ليف، وقدحا، وصحفة، ومجشة «١» .
وكانت قبله عند أبى سلمة عبد الله بن عبد الأسد، فولدت له: سلمة، وعمر، وزينب، ورقية.
وتزوج رسول الله ﷺ حفصة بنت عمر بن الخطاب، زوجه إياها أبوها عمر بن الخطاب، وأصدقها رسول الله ﷺ أربعمائة درهم
، وكانت قبله عند خنيس بن حذافة السهمى.
وتزوج رسول الله ﷺ أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان بن حرب، زوجه إياها خالد بن سعيد بن العاص، وهما بأرض الحبشة، وأصدقها النجاشى عن رسول الله ﷺ أربعمائة درهم
، وهو الذى كان
стр. 283
خطبها على رسول الله ﷺ ، وكانت قبله عند عبيد الله بن جحش.
وتزوج رسول الله ﷺ جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار الخزاعية، وكانت فى سبايا بنى المصطلق، من خزاعة، ودفعها رسول الله ﷺ إلى رجل من الأنصار وديعة. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أقبل أبوها الحارث بن ضرار بفداء ابنته، ثم كان أن أسلم الحارث، وأسلم معه ابنان له، ودفعت إليه ابنته جويرية، فأسلمت، وخطبها رسول الله ﷺ إلى أبيها، فزوجه إياها، وأصدقها أربعمائة درهم.
وكانت قبل رسول الله ﷺ عند ابن عم لها يقال له:
عبد الله.
وتزوج رسول الله ﷺ صفية بنت حيى بن أخطب، سباها من خيبر فاصطفاها لنفسه
، وكانت قبله عند كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق.
وتزوج رسول الله ﷺ ميمونة بنت الحارث، زوجه إياها العباس بن عبد المطلب، وأصدقها العباس عن رسول الله ﷺ أربعمائة درهم
، وكانت قبله عند أبى رهم بن عبد العزى، ويقال:
إنها هى التى وهبت نفسها للنبى ﷺ .
وتزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة بن الحارث، وكانت تلقب: أم المساكين، لرحمتها إياهم ورقتها عليهم، زوجه إياها قبيصة ابن عمرو الهلالى، وأصدقها رسول الله ﷺ أربعمائة درهم
،
стр. 284
وكانت قبله عند عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف: وكانت قبل عبيدة عند جهم بن عمرو بن الحارث، وهو ابن عمها.
فهؤلاء اللائى بنى بهن رسول الله ﷺ ، إحدى عشرة، فمات قبله منهن اثنتان، وهما: خديجة بنت خويلد، وزينب بنت خزيمة.
وثمة ثنتان لم يدخل بهما، وهما: أسماء بنت النعمان الكندية، تزوجها فوجد بها بياضا «١» ، فمنعها وردها إلى أهلها، وعمرة بنت يزيد الكلابية، وكانت حديثة عهد بكفر، فلما قدمت على رسول الله ﷺ استعاذت منه، فردها إلى أهلها.
والقرشيات من أزواج الرسول الله ﷺ ست، وهن:
خديجة، وعائشة وحفصة، وأم حبيبة، وأم سلمة، وسودة.
والعربيات ست، وهن: زينب بنت جحش، وميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة، وجويرية بنت الحارث، وأسماء بنت النعمان، وعمرة بنت يزيد.
ومن غير العربيات: صفية بنت حيى.
٩٦- سراريه ﷺ
وأما سراريه ﷺ ، فقيل إنهن أربعة:
مارية القبطية، أهداها إليه المقوقس فى سنة سبع من الهجرة
وكان ﷺ يطؤها بملك اليمين
، وكانت من كورة أنصفا من صعيد مصر، على البر الشرقى فى مقابلة الأشمونين.
стр. 285
وريحانة- ربيحة- بنت شمنون، من بنى عمرو بن قريظة، وقيل من بنى النضير،
وكان ﷺ يطؤها بملك اليمين.
ونفيسة، جارية زينب بنت جحش، وهبتها له زينب.
وجارية أصلبها ﷺ فى بعض السبى.
٩٧- أولاده ﷺ
وأما أولاده ﷺ فكلهم من خديجة، ما عدا إبراهيم فإنه من مارية القبطية، فولدت له خديجة: القاسم، وكان أول من ولد لرسول الله ﷺ قبل النبوة، وبه كان يكنى ﷺ ، ثم ولدت له: زينب، ورقية، وفاطمة، وأم كلثوم، ثم ولد له فى الإسلام: عبد الله، والطيب «الطاهر» . ومات عبد الله بمكة. فأما القاسم، والطيب «الطاهر» فماتا فى الجاهلية. وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن معه ﷺ .
وأما إبراهيم فإنه من مارية القبطية ولدته أمه فى سنة ثمان من الهجرة، وقد مات إبراهيم صغيرا، مات وهو ابن ثمانية عشر شهرا.
٩٨- أعمامه وعمامته ﷺ
وكان له ﷺ اثنا عشر عمّا، هم بنو عبد المطلب، وهم:
الحارث، وأبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب عبد العزى، والفيداق، والمقوم، وضرار، وقثم، والزبير: الكعبة، وجحل.