٩٥- زوجاته ﷺ .
وتوفى رسول الله ﷺ عن تسع من زوجاته، هن:
عائشة بنت أبى بكر، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم حبيبة بنت أبى سفيان، وأم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة، وسودة بنت زمعة بن قيس، وزينب بنت جحش بن رئاب، وميمونة بنت الحارث بن حزن، وجويرية بنت الحارث بن أبى ضرار، وصفية بنت حيى بن أخطب.
وكان جميع من تزوج رسول الله ﷺ ثلاث عشرة:
خديجة، وهى أولى من تزوج، زوجه إياها أبوها خويلد بن أسد، ويقال أخوها عمرو بن خويلد، وأصدقها رسول الله ﷺ عشرين بكرة.
وكانت خديجة قبله عند أبى هالة بن مالك، أحد بنى أسيد بن عمرو بن تميم، حليف بنى عبد الدار، فولدت له: هند بنت أبى هالة، وزينب بنت أبى هالة، وكانت قبل أبى هالة عند عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فولدت له: عبد الله، وجارية.
وتزوج رسول الله ﷺ عائشة بنت أبى بكر الصديق بمكة، وهى بنت عشر سنين، ولم يتزوج رسول الله ﷺ بكرا غيرها زوجه إياها، أبوها أبو بكر، وأصدقها رسول الله ﷺ أربعمائة درهم.
وتزوج رسول الله ﷺ سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى، زوجه
стр. 282
إياها سليط بن عمرو، وأصدقها رسول الله ﷺ أربعمائة درهم،
وكانت قبله عند السكران بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك ابن حسل.
وتزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش بن رئاب الأسدية، زوجه إياها أخوها أبو أحمد بن جحش، وأصدقها رسول الله ﷺ أربعمائة درهم
، وكانت قبله عند زيد بن حارثة، مولى رسول الله ﷺ .
وتزوج رسول الله ﷺ أم سلمة بنت أمية بن المغيرة المخزومية، واسمها هند، زوجه إياها سلمة بن أبى سلمة ابنها، وأصدقها رسول الله ﷺ فراشا حشوه ليف، وقدحا، وصحفة، ومجشة «١» .
وكانت قبله عند أبى سلمة عبد الله بن عبد الأسد، فولدت له: سلمة، وعمر، وزينب، ورقية.
وتزوج رسول الله ﷺ حفصة بنت عمر بن الخطاب، زوجه إياها أبوها عمر بن الخطاب، وأصدقها رسول الله ﷺ أربعمائة درهم
، وكانت قبله عند خنيس بن حذافة السهمى.
وتزوج رسول الله ﷺ أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان بن حرب، زوجه إياها خالد بن سعيد بن العاص، وهما بأرض الحبشة، وأصدقها النجاشى عن رسول الله ﷺ أربعمائة درهم
، وهو الذى كان
стр. 283
خطبها على رسول الله ﷺ ، وكانت قبله عند عبيد الله بن جحش.
وتزوج رسول الله ﷺ جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار الخزاعية، وكانت فى سبايا بنى المصطلق، من خزاعة، ودفعها رسول الله ﷺ إلى رجل من الأنصار وديعة. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أقبل أبوها الحارث بن ضرار بفداء ابنته، ثم كان أن أسلم الحارث، وأسلم معه ابنان له، ودفعت إليه ابنته جويرية، فأسلمت، وخطبها رسول الله ﷺ إلى أبيها، فزوجه إياها، وأصدقها أربعمائة درهم.
وكانت قبل رسول الله ﷺ عند ابن عم لها يقال له:
عبد الله.
وتزوج رسول الله ﷺ صفية بنت حيى بن أخطب، سباها من خيبر فاصطفاها لنفسه
، وكانت قبله عند كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق.
وتزوج رسول الله ﷺ ميمونة بنت الحارث، زوجه إياها العباس بن عبد المطلب، وأصدقها العباس عن رسول الله ﷺ أربعمائة درهم
، وكانت قبله عند أبى رهم بن عبد العزى، ويقال:
إنها هى التى وهبت نفسها للنبى ﷺ .
وتزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة بن الحارث، وكانت تلقب: أم المساكين، لرحمتها إياهم ورقتها عليهم، زوجه إياها قبيصة ابن عمرو الهلالى، وأصدقها رسول الله ﷺ أربعمائة درهم
،
стр. 284
وكانت قبله عند عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف: وكانت قبل عبيدة عند جهم بن عمرو بن الحارث، وهو ابن عمها.
فهؤلاء اللائى بنى بهن رسول الله ﷺ ، إحدى عشرة، فمات قبله منهن اثنتان، وهما: خديجة بنت خويلد، وزينب بنت خزيمة.
وثمة ثنتان لم يدخل بهما، وهما: أسماء بنت النعمان الكندية، تزوجها فوجد بها بياضا «١» ، فمنعها وردها إلى أهلها، وعمرة بنت يزيد الكلابية، وكانت حديثة عهد بكفر، فلما قدمت على رسول الله ﷺ استعاذت منه، فردها إلى أهلها.
والقرشيات من أزواج الرسول الله ﷺ ست، وهن:
خديجة، وعائشة وحفصة، وأم حبيبة، وأم سلمة، وسودة.
والعربيات ست، وهن: زينب بنت جحش، وميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة، وجويرية بنت الحارث، وأسماء بنت النعمان، وعمرة بنت يزيد.
ومن غير العربيات: صفية بنت حيى.
٩٦- سراريه ﷺ
وأما سراريه ﷺ ، فقيل إنهن أربعة:
مارية القبطية، أهداها إليه المقوقس فى سنة سبع من الهجرة
وكان ﷺ يطؤها بملك اليمين
، وكانت من كورة أنصفا من صعيد مصر، على البر الشرقى فى مقابلة الأشمونين.
стр. 285
وريحانة- ربيحة- بنت شمنون، من بنى عمرو بن قريظة، وقيل من بنى النضير،
وكان ﷺ يطؤها بملك اليمين.
ونفيسة، جارية زينب بنت جحش، وهبتها له زينب.
وجارية أصلبها ﷺ فى بعض السبى.
٩٧- أولاده ﷺ
وأما أولاده ﷺ فكلهم من خديجة، ما عدا إبراهيم فإنه من مارية القبطية، فولدت له خديجة: القاسم، وكان أول من ولد لرسول الله ﷺ قبل النبوة، وبه كان يكنى ﷺ ، ثم ولدت له: زينب، ورقية، وفاطمة، وأم كلثوم، ثم ولد له فى الإسلام: عبد الله، والطيب «الطاهر» . ومات عبد الله بمكة. فأما القاسم، والطيب «الطاهر» فماتا فى الجاهلية. وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن معه ﷺ .
وأما إبراهيم فإنه من مارية القبطية ولدته أمه فى سنة ثمان من الهجرة، وقد مات إبراهيم صغيرا، مات وهو ابن ثمانية عشر شهرا.
٩٨- أعمامه وعمامته ﷺ
وكان له ﷺ اثنا عشر عمّا، هم بنو عبد المطلب، وهم:
الحارث، وأبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب عبد العزى، والفيداق، والمقوم، وضرار، وقثم، والزبير: الكعبة، وجحل.
стр. 286
وزاد بعضهم: العوام، فيكونون ثلاثة عشر.
والذين أدركهم الإسلام من أعمامه، هم: عبد مناف، وأبو لهب، والعباس، وحمزة، لم يسلم منهم غير اثنين: حمزة والعباس.
وأما عماته ﷺ . فست، بنات عبد المطلب، وهن: عاتكة، وأميمة، والبيضاء، وأم حكيم، وبرة، وصفية، وأروى.
لم تسلم منهن على الأصح غير صفية، أم الزبير بن العوام.
٩٩- جداته ﷺ
وأما جداته ﷺ من جهة أبيه، فهن: فاطمة بنت عمرو بن عائذ، أم عبد الله أبيه، وسلمى بنت عمرو، من بنى النجار، وهم أم عبد المطلب، وعاتكة بنت عمرة بن هلال بن فالج بن ذكوان، وهى أم هاشم، وعاتكة بنت فالج بن ذكوان، وهى أم عبد مناف، وفاطمة بنت سعد، من أزد السراة، وهى أم قصى، ونعم، وقيل: هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث، وهى أم كلاب، ووحشية بنت شيبان بن محارب، وهى أم مرة، وسلمى بنت محارب من فهم، وهى أم كعب، وخشية بنت مدلج بن مرة، وهى أم لؤى، وسلمى بنت سعد بن هذيل، وهى أم غالب، وجندلة بنت الحارث بن مضاض، وهى أم فهر، وهند- وقيل: عاتكة- بنت عدوان، وهى أم مالك، وبرة بنت مرة، وهى أم النضير، وعوانة بنت سعد بن قيس عيلان، وهى أم كنانة، وأم خزيمة، امرأة من قضاعة، وخندف بن عمران القضاعية، وهى أم مدركة، وأم إلياس جرهمية، وسودة بنت عك بن عدنان، وهى أم مضر، والأمينة، وهى أم معد.
стр. 287
وأما جداته ﷺ من قبل أمه، فأم آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب: برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار ابن قصى بن كلاب بن مرة، وأم أبيها وهب: عاتكة بنت الأوقص، ويعرف الأوقص بأبى كبشة، الذى كان ينسب إليه رسول الله ﷺ فيقال: ابن أبى كبشة، وأم برة: أم حبيبة بنت أسد بن عبد العزى، وأم حبيبة:
نرة بنت عوف بن عبيد بن عدى بن كعب بن لؤى، وأم برة بنت عوف:
قلابة بنت الحارث بن طابخة بن صعصعة بن عائذ بن لحيان بن هذيل، وأم قلابة: هند بنت يربوع، من ثقيف.
١٠٠- أخواته ﷺ
وأما إخوته ﵊ من الرضاعة: حمزة، عمه، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد، أرضعتهما معا معه ثويبة، جارية أبى لهب بلبن ابنها مسروح، ولقد أرضعته ثويبة ﷺ أياما قلائل قبل أن تأخذه حليمة، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، أرضعته ورسول الله ﷺ حليمة السعدية، وعبد الله بن الحارث بن عبد العزى السعدى، وآسية بنت الحارث السعدية، وجدامة، وقيل: خذامة. وقيل: حذافة، وتعرف بالشيماء، والثلاثة أولاد حليمة من زوجها الحارث.
وكانت حاضنته ﷺ أم أيمن بركة بن ثعلبة بن حصن ابن مالك، وكنيت باسم ابنها أيمن، وهى أم أسامة بن زيد، تزوجها زيد بعد موت عبيد بن زيد الذى كان قد تزوجها فى الجاهلية بمكة، ثم نقلها إلى يثرب فولدت له أيمن، ثم مات عنها فرجعت إلى مكة، فتزوجها زيد بن حارثة، فولدت له أسامة.
стр. 288
وكانت الشيماء بنت حليمة السعدية تحضنه أيضا، فهى أخته وحاضنته.
١٠١- خدمه ﷺ
وأما خدمه ﷺ ، فمنهم من الرجال:
أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد الأنصارى الخزرجى، ويكنى:
أبا حمزة، خدم النبى ﷺ سبع سنين أو عشر، وأمه أم سليم هى التى أتت به النبى ﷺ لما قدم المدينة فقالت له: هذا أنس غلام يخدمك.
ومنهم: ربيعة بن كعب بن مالك، أبو فراس الأسلمى، صاحب وضوئه.
ومنهم: أيمن، ابن أم أيمن، وهو أيمن بن عبيد بن زيد بن عمرو بن بلال الأنصارى الخزرجى، صاحب مطهرته.
ومنهم: عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلى، وكان صاحب الوسادة والنعلين.
ومنهم: عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو الجهنى، وكان صاحب بغلته، يقودها به فى الأسفار.
ومنهم: أسلع بن شريك بن عوف، صاحب راحلته، الذى كان ينزل الرحل عنها ويضعه عليها.
ومنهم: سعد، مولى أبى بكر الصديق.
ومنهم: أبو ذر جندب بن جنادة، الزاهد المشهود.
ومنهم: أبو حذيفة مهاجر، مولى أم سلمة.
ومنهم: حنين، مولى عباس بن عبد المطلب.
(م ١٩- الموسوعة القرآنية- ج ١)
стр. 289
ومنهم: نعيم بن ربعية بن كعب الأسلمى.
ومنهم: أبو الحمراء هلال بن الحارث.
ومنهم: أبو السمع إياد.
ومنهم: من النساء:
بركة أم أيمن، وهى والدة أسامة بن زيد.
وخولة، جدة حفص بن سعد.
وسلمى، أم رافع، زوج أبى رافع.
وميمونة بنت سعد.
وأم عياش، مولاة رقية بنت النبى ﷺ .
١٠٢- مواليه ﷺ
وأما مواليه ﷺ فمنهم:
أسامة بن زيد بن حارثة، وزيد بن حارثة، وثوبان بن بجدد، وأبو كبشة، من مولدى مكة، وشقران صالح بن عدى، حبشى، وقيل: فارسى، ورباح الأسود النوبى. وهو مؤذن الرسول ﷺ ، ويسار النوبى الراعى، وزيد النوبى، ومدعم، وكان لرفاعة بن زيد، فأهداه إلى رسول الله ﷺ ، وأسلم أبو رافع القبطى، كان للعباس فوهبه للنبى ﷺ ، وسفينة، اشتراه ﷺ ، فأعتقه، وأبو واقد، القبطى الخصى، وهو من جملة من أهداه المقوقس للنبى ﷺ ، وأنجشة الحبشى، وسلمان بن عبد الله الفارسى، وشمعون بن زيد أبو ريحانة، أبو بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة.
стр. 290
١٠٣- كتّابه ﷺ
أما كتّابه ﷺ ، فهم:
أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب، وطلحة بن عبد الله التميمى، والزبير بن خويلد الأسدى، وسعيد بن العاص. بن أمية، وسعد بن أبى وقاص، وعامر بن فهيرة التميمى، مولى أبى بكر، وعبد الله بن الأرقم القرشى الزهرى، وأبى بن كعب بن قيس الأنصارى، وثابت ابن قيس بن شماس الأنصارى الخزرجى، وحنظلة بن الربيع بن صيفى، وأبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، ومعاوية بن أبى سفيان، وزيد بن ثابت بن الضحاك الأنصارى الخزرجى، وشرحبيل بن حسنة، وخالد بن الوليد بن المغيرة المخزومى، وعمرو بن العاص بن وائل القرشى السهمى، والمغيرة بن شعبة الثقفى، وعبد الله بن رواحة الخزرجى الأنصارى، ومعيقيب بن أبى فاطمة الدوسى، وحذيفة بن اليمان، وحويطب بن عبد العزى.
١٠٤- مؤذنوه ﷺ
أما مؤذنوه ﷺ فأربعة، اثنان بالمدينة، وهما:
بلال بن رباح، وهو أول من أذن لرسول الله ﷺ ، وعبد الله بن أم مكتوم القرشى الأعمى.
وأذن له ﷺ بقباء: سعد بن عائذ، المعروف بسعد القرظ، مولى عمار بن ياسر.
وأذن له ﷺ بمكة: أبو محذورة الجمحى القرشى.
стр. 291
١٠٥- شعراؤه ﷺ
وأما شعراؤه ﷺ :
فكعب بن مالك الأنصارى السلمى، وعبد الله بن رواحة الخزرجى الأنصارى، وحسان بن ثابت الأنصارى الخزرجى.
١٠٦- سلاحه ﷺ
وأما أسيافه ﷺ ، فكانت تسعة، وهى:
مأثور، والعضب، وذو الفقار، والقلعى، والبتار، والحتف، والمخذم، والرسوب، والقضيب.
وأما أدراعه ﷺ فكانت سبعة، وهى:
ذات الفضول، وذات الوشاح، والسعدية، والغين، ووفضة، والبتراء، والخرنق.
وأما أقواسه ﷺ وكانت ستة، وهى:
الزوراء، والروحاء، والصفراء، وشوحط، والكتوم، والسداد.
١٠٧- دوابه ﷺ
وأما خيله ﷺ فكانت سبعة، وهى:
السكب، وهو أول فرس ملكه، اشتراه ﷺ بعشر أواق،
стр. 292
وكان أغر محجلا طلق اليمين كميتا، والمرتجز، وكان أبيض، وهو الذى شهد له فيه خزيمة بن ثابت فجعل شهادته بشهادة رجلين، والظرب، أهداه له فروة بن عمرو الخذامى، واللحيف، أهداها له ربيعة بن أبى البراء، واللزاز، سمى به لشدة تلززه أو لاجتماع خلقه، والورد، أهداها له تميم الدارمى، فأعطاه عمر ابن الخطاب رضى الله عنه، فحمل عمر عليه فى سبيل الله تعالى، ثم وجده يباع برخص، فأراد شراءه،
فقال ﷺ : لا تشتره
، وسبحة، وكانت فرسا شقراء، اشتراها ﷺ من أعرابى.
وكان له ﵊ من البغال:
دلدل، وكانت شهباء، وفضة، أهداها له فروة بن عمرو الجذامى، فوهبها لأبى بكر.
وأخرى أهداها له ابن العلماء، صاحب أيلة.
وأخرى أهداها له صاحب دومة الجندل.
وأخرى أهداها له كسرى.
وكان له ﵊ من الحمير: عفير، أهداه له المقوقس.
ويعفور، أهداه له فروة بن عمرو الجذامى.
وكان له ﵊ من اللقاح:
القصواء، وهى التى هاجر عليها، اشتراها من أبى بكر بثمانمائة درهم.
والعضباء، والجدعاء.
стр. 293
١٠٨- تلخيص وتعقيب:
فالرسول الكريم، ﷺ ، وهو- كما مر بك:
محمد بن عبد الله بن عبد المطلب «شيبة» بن هاشم «عمرو» بن عبد مناف «المغيرة» بن قصى «زيد» بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب ابن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة «عامر» بن مضر ابن نزار بن معد بن عدنان.
إلى هنا ينتهى النسب الصحيح، وما فوق ذلك فهو من صنع النسابين.
وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر، يلتقى نسبها مع نسب أبيه ﷺ عند جدهما الأعلى: كلاب بن مرة.
ولقد مات أبوه عبد الله بالمدينة وأمه حامل به لشهرين، وكان قد خرج فى تجارة فمرض فعرج بالمدينة يسلم بأخواله من بنى النجار، فأقام عندهم شهرا مات بعده عن خمسة وعشرين عاما.
وكان مولده، ﷺ ، يوم الاثنين التاسع من ربيع الأول- ٢٠ من أبريل سنة ٥١- على الصحيح، بالدار التى عند الصفا، والتى كانت بعد لمحمد بن يوسف، أخى الحجاج، وقد بنتها زبيدة مسجدا حين حجت.
وكانت قابلته التى نزل على يديها: الشفاء، أم عبد الرحمن بن عوف.
وأرضعته امرأة من بنى سعد بن بكر بن هوازن، يقال لها: حليمة بنت أبى ذؤيب.
стр. 294
واسم أبيه فى الرضاعة: الحارث بن عبد العزى، من بنى سعد بن بكر ابن هوازن.
وكان إخوته فى الرضاعة: عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، والشيماء حذافة بنت الحارث.
وحين بلغ محمد ست سنين توفيت أمه آمنة بنت وهب بالأبواء- موضع بين مكة والمدينة، وعمرها ثلاثون عاما.
وبعد وفاة آمنة بسنتين توفى جده عبد المطلب، وكان يكفله، وعمر محمد عندها ثمانى سنين.
فكان محمد بعد وفاة جده عبد المطلب مع عمه أبى طالب، وأبو طالب وعبد الله- أبو رسول الله- أخوان لأب وأم، وأمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم.
وحين بلغ محمد أربعة عشر عاما- أو خمسة عشر- كانت حرب الفجار بين قريش ومن معهم من كنانة وبين قيس عيلان. ولقد شهد محمد بعض أيامها، أخرجه أعمامه معهم ينبل عليهم، أى يرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم به.
ولما بلغ محمد خمسة وعشرين عاما تزوج خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد المعزى بن قصى بن كلاب بن مرة، يلتقى نسبها مع نسبه فى جدهما الأعلى قصى، كما يلتقى نسبها مع نسب أمه آمنة فى كلاب بن مرة.
وكانت خديجة أول امرأة تزوجها محمد، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت، وكانت سنها حين بنى بها محمد أربعين عاما. ولقد تزوجها قبل محمد رجلان هما: أبو هالة بن زرارة التميمى، وعتيق بن عائذ المخزومى.
стр. 295
وقد عرفت خديجة محمدا حين خرج فى تجارة لها إلى الشام فى رحلته الثانية مع غلامها ميسرة، وكانت رحلته الأولى إلى الشام حين خرج مع عمه أبى طالب، وسنه اثنا عشر عاما، حدثها ميسرة عن صدقه وأمانته فرغبت فيه وسعت إلى الزواج منه.
وولدت خديجة لمحمد أولاده كلهم إلا إبراهيم، فإنه من مارية القبطية، فولدت له القاسم، وبه كان يكنى، والطيب «الطاهر» ، ورقية، وزينب، وأم كلثوم، وفاطمة.
ومات القاسم والطيب فى الجاهلية. وأدركت بناته كلهن الإسلام وأسلمن.
وحين بلغ محمد خمسة وثلاثين أخذت قريش فى تجديد بناء الكعبة، وكانت قد أصابها حريق، ومن بعد الحريق سيل. وحين بلغت قريش موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يكون له الشرف فى وضعه موضعه، وكاد الخلاف يثير بينهم حربا، ثم انتهوا إلى أن يكون الفصل بينهم إلى أول داخل عليهم من باب بنى شيبة، وكان محمد أول داخل عليهم من هذا الباب، فارتضوه حكما فيما شجر بينهم، فبسط محمد رداءه ووضع الحجر عليه، وأمر كل قبيلة أن تأخذ بطرف من أطراف الرداء، حتى إذا ما استووا رفع الحجر بيديه ووضعه مكانه.
ولقد عرفت قريش محمدا صبيّا فلم تعهد عليه ما تعهد مثله على الصبيان من إسفاف أو تدن، وعرفته يافعا فلم تعد له نزوة أو زلة، ثم عرفته زوجا فى سن مبكرة فعرفته أطهر الأزواج ذيلا.
وهو منذ أن درج بين أهله ووعى كان الصادق الأمين، لا يقول إلا صدقا، ولا يعطى أو يأخذ إلا أمينا حين يعطى، أمينا حين يأخذ، أمينا
стр. 296
حين يستشار ويشير. والنفس إن ملكت الصدق والأمانة ملكت ما بعدهما من كل ما هو محمود من الصفات، وهكذا كان محمد قبل أن يبعثه الله رسولا.
ولقد حبّب إلى محمد التحنث والتحنف شأن الصادفين عن متاع الحياة، العازفين عن لينها المفضى إلى الاستنامة إليها، فكان يعتكف فى حراء- جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال منها- شهرا من كل سنة، يجعله خالصا لعبادة ربه على ما رسم إبراهيم، ومن بعده إسماعيل ﵉.
وبقى محمد على هذا الذى أخذ به نفسه يختلف إلى غار حراء شهرا من كل عام، إلى أن كانت السنة التى اختاره الله فيها رسولا لرسالته، وكان عندها فى الأربعين من عمره.
وهكذا كان محمد حين دبت قدماه على أرض مكة من الجزيرة العربية محط الأبصار، وشغل الأفكار، حاطه ربه باليمين وليدا، إيذانا منه لعباده بما سيؤهله له، وصانه عن اللهو العابث صبيّا ليرتفع به عما يتدنى فيه غيره كى يمهد لإجلاله، وأجرى الصدق على لسانه، وبسط بالأمانة يديه، وملأ بالرحمة قلبه، وبالحكمة رأسه، ليرى الناس فيه ما يفقدون من صفات فيلتفوا حوله اليوم تمهيدا لالتفافهم حوله فى غد.
وحين استوى محمد شابّا، واستوت باستوائه صفات الكمال كلها فيه، رأى الناس أنهم بين يدى عجب استعصى على عامتهم تأويله، ولم يستعص على خاصتهم من أولى الكتاب، فعرفوا أنه النبى المرتقب.
ومضى محمد فى طريقه المرسوم يهيئه الله لتلقى ما سوف يوحى به إليه.
فغدا لا يرى فى منامه رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح، وغدت الخلوة
стр. 297
محببة إلى نفسه، يقضى فى غار حراء الليالى ذوات العدد خاليا لعبادته، ولا يعود إلى أهله إلا لكى يتزود لمثلها.
وفيما كان محمد فى غار حراء خاليا يتحنث تمثل له جبريل يحمل إليه الوحى من ربه، ويؤذنه بدعوة قومه إلى الله الواحد الأحد وترك عبادة الأوثان.
وكان ابتداء الوحى فى شهر رمضان وفى السابع عشر منه، يشير إلى قوله تعالى فى سورة البقرة: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ. ويشير إلى الثانية قوله تعالى فى سورة الأنفال: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وكان التقاء الجمعين- أعنى المسلمين والمشركين يوم بدر- فى السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة.
وكان أول ما نزل عليه من الوحى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ.
ولقد تلقاه الرسول مجهودا وانصرف به مشدوها، ووقف فى مكانه بعد خروجه من حراء ناظرا فى آفاق السماء، لا يتقدم أمامه ولا يرجع إلى الوراء، إلى أن ارتدت إليه نفسه وانتهى إلى خديجة وهو يحس هزة المقرور.
وفتر الوحى فترة بلغت أعواما ثلاثة، كانت لتلك النفس البشرية المختارة بمثابة الفترة التى سبقت الرحى وحبّب فيها إلى الرسول أن يتحنث، فلقد هيأ هذا التحنث نفس محمد لهذا التلقى وقارب بها منه، وإذا هى على الرغم من هذا التقريب وذاك الإعداد تهتز لجلال ما ترى وتسمع، وإذا هى بهذا قد انتهت من مرحلة لتبدأ فى مرحلة، وإذا المرحلة الجديدة فى حاجة إلى زاد كما كانت المرحلة الأولى فى حاجة إلى زاد، وإذا هذا الزاد الجديد فترة يخلو فيها محمد إلى نفسه بما شاهد يتمثله مرة وسرة لتراح إليه روحه، وليأنس به
стр. 298
روعه، حتى إذا ما تلقاه بعدها تلقاه متهيئا له. وهكذا كانت تلك الفترة خلو ثانية، بعد تلك الخلوة الأولى فى غار حراء، هيأت الأولى نفسه لتلقى الوحى وهيأت الثانية نفسه للأنس بالوحى.
وحركت فترة الوحى ألسنة أهل مكة بالقول فاسترسلوا يقولون: ودعه ربه؟؟
وقلاه. يرددها لسان الضلال شماتة بلسان الحق، ويحاول العقل الغافل أن يخدع بها العقل الواعى ليصرفه عن الدعوة الجديدة.
وانضمت هذه التى خلا بها الخصوم من شماتة إلى تلك التى خلا بها الرسول من لهفة، فإذا هو بعد هذه وتلك أحزن ما يكون على انقطاع الوحى، وأشوق ما يكون إلى اتصاله.
ومع هذا التهيؤ الكامل لهذه النفس البشرية المختارة اتصل الوحى ونزل على محمد قوله تعالى: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى. ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى يرد على المتقولين. ونزل عليه قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ يأمره أن يكون رسول ربه إلى الناس يدعوهم إليه وإلى الحق، ويصرفهم عن الأوثان وعن الباطل.
وأخذ محمد يدعو إلى ربه، وإلى هذا الدين الجديد الذى اصطفاه ربه له، فى بيئة قد عرفت لها إيغالها فى الباطل واستكانتها إليه، وبين قوم أشربوا الضلال فعاندوا عليه، فاقتضت الحكمة الحكيمة أن تأخذ الدعوة طريقها سرّا لاعلانية، وخفية لا جهرا، تضم إليها الآنس بها وتجمع عليها من تفتح قلبه لها.
وكان أقرب الناس إلى الرسول من الرجال أبو بكر، وكان له صديقا وإلفا، ومن الصبيان على بن أبى طالب، فى ظله نشأ وبين يديه شب، ومن
стр. 299
النساء زوجه خديجة، وكانت كالئته فى خلواته وملاذه فى فزعاته، ومن الموالى زيد بن حارثة، وكان حب رسول الله، وهبته خديجة له قبل النبوة، وكان عمره إذ ذاك ثمانى سنين، فأعتقه رسول الله وتبناه، ومن العبيد بلال بن رباح الحبشى، وكان قريبا من أبى بكر غير بعيد عما يرى. فكان هؤلاء جميعا أول من آمنوا بمحمد وأول من صدقوه. وبقى الرسول بمن آمن معه يدعو الناس خفية، وما سلم الرسول وما سلم من معه- على الرغم من عدم مجاهرتهم بالدعوة- من أذى كبير حملوه راضين، حتى إذا ما أفصحت الدعوة عن نفسها شيئا، وغدت حديث البيئة، لم يكن بد من أن يقف محمد ومن حوله القليلون المستضعفون للناس جهرا يدعون، بعد أن قضوا نحوا من أعوام ثلاثة يسرون.
وكان الصدام بين الحق والباطل. وما جبلت النفوس الغافلة أن تخرج من غفلتها فى يسر، ولا سيما إذا كانت تلك الغفلة تظلها عقيدة وبحميها تقليد، وكانت تلك العقيدة وذلك التقليد إرث قرون.
ومشت قريش إلى الرسول تساومه على أن يطلب ما يشاء من ملك أو سيادة أو مال على أن يترك ما يدعو إليه، فعادوا بغير ما كانوا يأملون، ولقد كانت لهم فيها عظة لو كانوا يتدبرون.
من أجل هذا عنف هذا الصدام وقسا، وذاق دعاة الحق من عنفه ومن قسوته الشىء الكثير، وكان ماذاقوا ابتلاء لهذا الحق وابتلاء لهم، إذ لو كان هو زيفا ما ضمهم إليه على عسره، ولو كانوا هم على غير اليقين به ما انضموا إليه حاملين ما يمر.
ومضى محمد يشق الطريق بمن تبعه وسط هو جاء عاصفة، يدبر للدعوة
стр. 300
بتدبير السماء، وكان حين يصبر على الأذى يصيبه يأسى للأذى يصيب أصحابه.
فلقد كان رسولا، وكان فى عافية بمكانه من رسالته، لا يخشى أن يزلزل إيمانه بها ترغيب أو ترهيب، وكان أتباعه على حسن إيمانهم وعظيم صبرهم بشرا يجوز عليهم ما يجوز على البشر من الوعد والإيعاد، ولقد وفى أكثرهم لمعتقده فلم يصرفه إيذاء كما لم يحوله إعطاء، وهلك نفر منهم تحت سوط البلاء، كما لان نفر منهم فأعطوا بألسنتهم وما نظنهم أعطوا بقلوبهم.
فلقد تتبع مشركو مكة من يسلمون بألوان الأذى كلها لا يقصدون، فآذوهم فى أموالهم وآذوهم فى أهليهم وآذوهم فى أجسادهم، وعز على رسول الله ما يلقى أصحابه، وكانوا كلهم قد تخلت قبائلهم عن حمايتهم، فمن كان منهم ذا بأس هابوه، ومن كان منهم مستضعفا حملوا عليه.
وهنا يرى الرسول رأيا، ويراه معه الذين استضعفوا أمرا، لقد رأى الرسول لهؤلاء أن يهاجروا إلى الحبشة بعد أن سمع عن النجاشى عدله وإنصافه، فخرج إلى الحبشة نفر من المسلمين، على ما فى هذه الرحلة من ألم الفراق ووعثاء الطريق وعذاب الغربة.
ولكن قريشا لم ترض لمسلم أن يقر آمنا، وإن كان على أرض غير أرضهم، فحين بلغهم أن المسلمين أصابوا بالحبشة دارا وقرارا بعثوا فى إثرهم رجلين من من رجالهم وحملوهما هدايا للنجاشى وبطارقته، وكاد الرجلان أن يكيدا للمسلمين عند النجاشى، ولكن النجاشى حين استمع لهما واستمع للمسلمين رد الرجلين خائبين وترك المسلمين آمنين.
ويسلم حمزة بن عبد المطلب، ويسلم عمر بن الخطاب، وكانا رجلى بأس
стр. 301
ففرح لإسلامهما المسلمون وأسى لإسلامهما المشركون، لما رأوه من انتشار الإسلام على الرغم مما يفعلون. وخال المشركون أنهم لم يبلغوا فى الأذى ما يريدون فائتمروا بينهم أن يمعنوا فى الإيذاء إلى حد لا يقوى المسلمون له، فكتبوا فيما بينهم كتابا تعاقدوا فيه على بنى هاشم وبنى المطلب على أن يقطعوا ما بينهم وبينهم فلا تكون ثمة صلات من زواج أو بيع أو شراء، غير أن ذلك لم يجد شيئا.
ويفقد الرسول نصير بن عزيز بن إلى نفسه كريمين عليه، الواحد بعد الآخر، قبل أن يهاجر إلى المدينة بنحو من ثلاث سنين، فلقد فقد عمه أبا طالب، وكان نعم العون له، كفله بعد وفاة جده عبد المطلب، ووقف إلى جانبه منذ بعث يناصره ويرد عنه كيد المشركين، وكان المشركون يهابون أبا طالب فلم يقدموا على كثير مما كانوا يريدون، وبعد أيام ثلاثة فقد زوجته خديجة بعد زواج دام أربعة وعشرين سنة وستة أشهر، ولقد علمت موقف خديجة من الرسول قبل أن يبعث وبعد أن بعث، وكانت أول مسلمة وأول مناصرة، رعت الرسول وقامت فى عونه أيام لاعون.
وكما حزن المشركون لإسلام حمزة وعمر فرحوا لموت أبى طالب وخديجة، واشتطوا يمعنون فى الأذى، غير أن الرسول ما أبه لأذى المشركين وما قعد عن لقاء الناس فى الأسواق يدعو لعقيدته.
وكان الإسراء الذى تم ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم المعراج إلى السماء. وفى تلك الليلة فرضت الصلاة على المسلمين، وكان ذلك قبل الهجرة بسنة.
ولسنا نحب أن نخوض فيما خاض فيه المجتهدون من قبل حول الإسراء
стр. 302
والمعراج، أكان بالجسد أم كان بالروح، واختلافهم دليل على أنه ليس ثمة قول قاطع، وعندى أن الخير فى مثل هذه تقبل الصورة على إجمالها، فنحن ملزمون بالتصديق بالإسراء والمعراج وأنهما وقعا حقّا، ولكنا غير ملزمين أن نؤمن بالصورة التى وقعا بها، ما دمنا لا نجد أثرا يملى إملاء صريحا، وثمة حقائق دينية منها هذه، يجب أن نقف عند مدلولها ولا نناقش صورها، وأى شىء يعنى المؤمن عن الرسول فى هذه إلا أن يصدق بأنه أسرى به، وأنه مع هذا الإسراء فرضت الصلاة، وأين نفوسنا وما تملك من نفوس الرسل وما تملك، وأين بصائرنا وما تحوز من بصائر الرسل وما تحوز، ثم أين مكان المغمور فى حمأة المادة من مكان السابح فى شفافية المعنويات.
لقد أسرى بالرسول، وعرج به، ما فى ذلك شك، ولقد فرضت الصلاة فى تلك الليلة، ما فى ذلك شك، بهدا حدثنا الرسول ونطق القرآن. ولو شاءا تفصيلا لزادا، ولكنهما أعطيانا مانعى وما يعنينا وحجبا عنا ما بعد ذلك.
ولعل نظرة المشركين للإسراء يناقشون صورته التى وقع بها هى التى حفزت المسلمين بعد إلى أن يكدوا أنفسهم فى هذا الخلاف، وليست صورة الوحى تبعد كثيرا عن صورة الإسراء، ومن آمن بالأولى يؤمن بالثانية، فكما اتصل محمد بربه فى تلك اتصل محمد بربه فى هذه، وكما تلقى محمد عن ربه فى الأولى تلقى محمد عن ربه فى الثانية.
وحين ازداد المشركون إيذاء ازداد الرسول تعرضا للقبائل يعرض عليها ما نزل عليه من السماء، وبينما هو عند العقبة قريبا من مكة لقى نفرا من
стр. 303
الخزرج فعرض عليهم الإسلام فأجابوه وأسلموا ورجعوا إلى قومهم فى المدينة بالإسلام يدعونهم إليه.
حتى إذا كان العام المقبل لقى الرسول من الأنصار رجالا آخرين فبايعوه على الإيمان به، وفى اللقية الثانية كان الاتفاق بين الأنصار والرسول على خروج الرسول إلى المدينة، واستوثق الرسول واستوثق له عمه العباس، وكان حاضرا فى هذا الاجتماع، وكانت الهجرة إلى المدينة، خرج إليها المسلمون وأقام الرسول بمكة يدبر لأمر خروجه.
وعلى الرغم من حيطة قريش خرج الرسول ومعه أبو بكر وركبا إلى المدينة، وخرجت قريش فى إثرهما تطلبهما، ففوت الله عليهم ما يطلبون.
وكان خروج الرسول من مكة يوم الخميس فى اليوم الأول من ربيع الأول، وكان بلوغه المدينة لاثنتى عشرة ليلة خلت منه، وكان ذلك ظهر يوم اثنين، وكان عمره إذ ذاك ثلاثا وخمسين سنة.
ولقد علم المسلمون أول ما علموا أن هذا البلاء زاد المسلم إلى الجنة، وعصمته يوم الميعاد، وما على الرسول إلا البيان، وأن عليهم التمكن لهذا البيان، ونصر الله صنو جهاد العبد وكفاحه وصبره، على هذا رسالات السماء، وعلى هذا رسل السماء إلى العباد، يهبط الهدى حين تنتشر الظلمة، ويتلقف الهدى رسول مختار، يصطفيه الله صادقا جلدا صبورا، فإذا الناس معه على الطريق لهم مثل همه، نصرا نصراء للحق ينصرونه بصدقهم وجلدهم وصبرهم، لا يحرصون على الحياة، ولا يغريهم متاعها، وإذا هم حين يؤيدون رسالة السماء، قد أيدتهم رسالة السماء، وإذا الدنيا معهم على هذا الحق، وإذا هم سادة الدنيا بهذا الحق.
على هذا عرف المسلمون محمدا، وبهذا قدم محمد نفسه للمسلمين، لم يطمعوا
стр. 304
فى أن تكشف السماء عنهم ضرّا لم يشمروا هم لكشفه، ولا فى أن تزيح عنهم السماء بلاء لم يتهيئوا هم لإزاحته، كما لم يجعلوا كلمة التوحيد وحدها سلاحهم على أعدائهم وعدتهم التى بها يقوون، بل جعلوا هذه الكلمة هى اللبنة الأولى فى سرح إيمانهم، وانضم بها بعضهم إلى بعض يتناصحون، والرسول من بينهم يملى عليهم ويشير.
على هذا عاهد المسلمون الله، وعلى هذا عاهد المسلمون الرسول، وعاهدوا الله على أن يناصروا رسوله، وعاهدوا الرسول على أن يناصروا رسالته، ثم عاهدوا أنفسهم على البذل للتمكين للرسالة، لا يسألون الله نصرا قبل أن يسألوا أنفسهم بذلا.
وعلى هذا عاش منهم فى مكة من أنس فى نفسه قوة على احتمال الأذى ولم يخش أن يفتن فى دينه، وهاجر منهم إلى الحبشة من لم يقو على احتماله الأذى وخاف أن يفتن فى دينه، حتى إذا كانت الهجرة إلى المدينة لم ينظر المهاجرون إلى وطن عزيز عليهم، وأهل قريبين إلى نفوسهم، ومال هو قوام حياتهم، وإنما نظروا إلى عقيدة هى لهم الحياة كلها وطنا وأهلا ومالا، وسرعان ما لحق بهم الرسول إلى المدينة ليبدأ بالمهاجرين معه من مكة وبالأنصار أهل المدينة مرحلة جديدة من مراحل الدعوة كانت معها حروب، وكانت معها تضحيات، وكان نصر الله صنو نصر المسلمين لرسوله ولرسالته، وكتب الله بجهاد المجاهدين لهذه الدعوة أن تستقر، وكتب لها أن تدخل بهم مكة فاتحين ليمحوا كلمة الإثم ويردوا أهلها إلى الهدى.
وغزا رسول الله بالمسلمين سبعا وعشرين غزوة، كما بعث بعوثا وأرسل سرايا بلغت جميعا ثمانيا وثلاثين. وكانت هذه البعوث والسرايا والغزوات (م ٢٠- الموسوعة القرآنية- ج ١)
стр. 305
كلها دفاعا عن النفس وذيادا عن الحق، فلقد لبث الرسول بالمسلمين منذ بدأت الدعوة ثلاث عشرة سنة داعيا إلى الله بالمعروف، يعرض به كما يعرض بالمسلمين، فلا يعنيه ولا يعنيهم هذا التعريض، ويؤذى المسلمون بين يديه فيدعوهم إلى الصبر ولا يهيجهم إلى الشر، وكان ذلك يظن عن ضعف حين كان المسلمون قلة فما بالك بهم بعد أن أصبحوا كثرة. وكم من أيام آب فيها الصحابة إلى الرسول وهم ما بين مشجوج ومضروب يستأذنونه فى أن يردوا عن أنفسهم أو يثأروا من ضاربيهم فما كان جواب الرسول لهم إلا
قوله: اصبروا فإنى لم أومر بقتالهم.
وكانت حكمة السماء فى هذا الصبر أن يخرج الرسول بالأمة العربية من بعده على ود لم يعكره عداء أو عدوان، وكانت حكمتها فى الإرخاء فيه إلى أن بلغ ثلاثة عشر عاما أن تعذر إلى من لم يسلموا، ولم يكونوا غير أهل وإخوان، الإعذار كله فلا تذر فى أيديهم سببا من أسباب اللوم، ثم كانت حكمة السماء فى هذا الصبر الطويل أن تخلق فى المسلمين قوة الاحتمال والجلد والأناة والترفق، إلى غير ذلك من صفات تعوز النفوس المقبلة على مهام جسمية، وهل كانت رسالة الإسلام إلا رسالة جسمية؟
حتى إذا ما أعذر المسلمون إلى إخوانهم وأبلغوا فى الإعذار، وصبروا وأمعنوا فى الصبر، لم يكن بد من أن تتولى حكمة السماء هؤلاء الصابرين بتدبر يحفظ عليهم صبرهم من أن ينفد، ويحفظ عليهم وجودهم من أن يستذل، وترعى لهم كيانهم من أن يهان، وما جاءت الدعوة الجديدة إلا لتحمى لهؤلاء وجودهم وكيانهم، لهذا أذن للرسول فى أن يدفع عن نفسه، وعن المسلمين.
стр. 306
ونحن إذا تتبعنا الغزوات غزوة غزوة، والسرايا سرية سرية، والبعوث بعثا بعثا، لا نجدها خرجت جميعها إلا لتدفع غزوا أو لترهب حتى تمنع غزوا.
فلقد خرج حمزة على أول بعث بعد سبعة أشهر من الهجرة ليلقى عيرا لقريش فيها أبو جهل قادمة من الشام، وكان هذا البعث الأول نذيرا لقريش عله يكفها عن غيها، لم يقصد فيه المسلمون إلا إلى هذا، فحين دخل بين الفريقين رجل صلح كف المسلمون أيديهم ولم يدخلوا فى قتال.
وبعد شهر من هذا البعث خرجت سرية لتلقى أبا سفيان فى نفر من أصحابه، وكانت بين الفريقين مناوشة أصيب فيها سعد بن أبى وقاص بسهم من سهام المشركين، فكان أول سهم أصيب به مسلم فى الإسلام.
ثم كانت سرية سعد بن أبى وقاص التى خرجت تعترض عيرا لقريش، فمرت العير ولم تقع عليها السرية.
وعلى رأس اثنى عشر شهرا من الهجرة خرج رسول الله وجمع من المسلمين يريدون ودان- الأبواء- حيث عير لقريش، وحيث بنو ضمرة الذين كانوا يعينون عليه. ورجع رسول الله بمن معه من هذه الغزوة بعد أن صالحته بنو ضمرة على ألا تعين عليه. ولقد فاتته عير قريش فى هذه الغزوة كما فاتته فى غزوة بعدها هى غزوة بواط، وكانت بعد شهر من غزوة ودان.
وبعد غزوة بواط كانت غزوة بدر الأولى التى خرج فيها رسول الله ﷺ ليدرك كرز بن جابر الفهرى، وكان قد أغار على المدينة واستاق سرحا لها. غير أن كرزا فات جيش المسلمين فلم يدركوه.
وعلى رأس ستة عشر شهرا من الهجرة خرج حمزة بن عبد المطلب فى نفر
стр. 307
من المسلمين يريدون عيرا لقريش قافلة من الشام، وحين أدركوا العشيرة، وجدوا أن العير فاتتهم.
وبعد شهر خرجت سرية فى اثنى عشر رجلا تبغى نخلة، وهو مكان بين مكة والطائف، لترصد قريشا وتعرف ما عندها، غير أن تلك السرية التقت بعير لقريش فكان بينهما عدوان تورط فيه المسلمون وعادوا بغنائم وأسرى، وكانوا فى رجب، وهو شهر حرام، فعاتبهم الرسول عليها حين عادوا إليه.
ثم كانت غزوة بدر الثانية فى السابع عشر من رمضان فى السنة الثانية من الهجرة، وكانت بسبب تلك العير التى فاتت المسلمين فى العشيرة، وفيها كانت الحرب بين المسلمين والمشركين، وفيها انتصف المسلمون من المشركين على الرغم من قلة عدد المسلمين وكثرة عدد المشركين.
وبعد ليال سبع من مرجع المسلمين من بدر خرج الرسول يريد بنى سليم، وحين أحس بنو سليم بالمسلمين يطلبونهم ولوا هاربين.
وهكذا بدأت رهبة المسلمين تدب فى قلوب المشركين، وبعد أن كانوا قلة مستضعفين غدوا كثرة مرهوبين.
وهنا أحب أن أقف بك وقفة قصيرة، فالحديث عن هذه الغزوات والسرايا والبعوث ذو شقين، ينتهى شقه الأول إلى ما قبل بدر الثانية، ثم هو منذ بدر الثانية ذو شق آخر.
ولقد مر بك فى هذا الشق الأول عرض لكل ما كان فيه من هذه السرايا والبعوث والغزوات، ولقد رأيت فيها المسلمين قد شمروا لإثبات وجودهم وليظهروا فى مظهر القوى بعد أن عاشوا فى مظهر المستضعف، وأن ذلك كان منذ أن استقرت أقدامهم فى المدينة بقليل، وأنهم لم يلبثوا غير سبعة أشهر فى المدينة كان بعدها خروجهم لهذا الإعلان عن قوتهم.
стр. 308
والدعوات عجلة بقدر ماهى مستأنية، تستأنى وتطيل الاسنئناء ما وجدت فى هذا الاستئناء الخير، وتعجل فتسرع إلى العجلة ما وجدت فى هذه العجلة الخير. ولقد تلبث الرسول بمن معه من المسلمين ثلاثة عشر عاما- كما قلت لك- لا يحب أن يخرج بالمسلمين عن الصبر والاحتمال لأسباب بينتها لك، حتى إذا ما نفدت حكمة الصبر كانت حكمة الخروج عن الصبر.
ولقد خرج المسلمون من المدينة فى تلك السرايا والبعوث والغزوات ليثبتوا للملأ من حولهم أنهم خرجوا عن صبرهم، وليثبتوا للملأ من حولهم أنهم قوة تملك أن ترهب.
ولا غرو أن نرى هذا الشق الأول كله يمضى فى التعرض لعير بعد عير، فلقد كان هذا أسلوب ذلك العصر فى الإرهاب، وما أراد المسلمون غير أن يهابوا ويرهبوا وأن يبادلوا جيرانهم هذا الأسلوب الإرهابى.
ولم يكن فيه عليهم غضاضة، فلقد رأيتهم فى كل ما فعلوا لم يقصدوا إلا الإعلان عن خروجهم، ولقد فاتتهم العير فى الكثير من خرجاتهم، وحين التقوا بخصومهم مرة كان هذا الصلح الذى ثم بين حمزة وأبى جهل فى البعث الأول، ثم لقد رأيت كيف عاتب الرسول أصحابه على ما كان منهم فى نخلة.
إذن لم يكن صحيحا ما اتهم به المغرضون محمدا وأصحابه عن هذا الشق الأول من الحروب بأنها كانت للسلب، فلقد رأيت معى كم سلب المسلمون فيها وكم عيرا لقوا. والصحيح كما ثبت لك أن هذه الحروب- إن صح أنها كانت حروبا- لم يقصد منها المسلمون إلا الذى حدثتك عنه، وأنها لم تكن غير وثبة بعد صبر طويل، وكانت وثبة تحكى وثبات العصر فى شىء وتخالفه فى شىء، تحكيه فى مظهرها الإرهابى وتخالفه فى مظهرها السلبى.
стр. 309
ومنذ أن دخل المسلمون مع المشركين فى غزوة بدر الثانية بدأ الشق الثانى من الحروب، فلقد أخذت الحرب فى هذا الشق الثانى مظهرها الحق، فنشبت تمليها الخصومة القائمة بين عقيدة وعقيدة، وكان الخروج إليها خروجا من أجل إثبات عقيدة ومحو أخرى، واختفت تلك الأسباب الأولى التى أثارت حروب الشق الأول، اختفى مظهر الإرهاب وما إليه من تتبع عير أو التعرض لها، وبدا مظهر التطاحن من أجل العقيدة، وعلى هذا توالت غزوات الشق الثانى.
فكانت غزوة بنى سليم التى حدثتك عنها، ثم غزوة بنى قينقاع يهود المدينة، وكانوا على غير صفاء مع المسلمين، وبعد هذه الغزوة كانت غزوة السويق التى خرج فيها أبو سفيان ليثأر لبدر.
وحين رجع الرسول من غزوة السويق خرج يغزو غطفان، وكان قد بلغه أنهم أعدوا العدة لغزوه.
ثم كانت غزوة أحد التى خرج فيها المشركون ليثأروا من المسلمين بيوم بدر، وفيها خالف رماة المسلمين أمر الرسول وتدبيره فكانت الغلبة للمشركين.
وبلغ رسول الله عقب قفوله من «أحد» أن المشركين يهمون بالرجوع إلى المدينة بعد أن كسبوا شيئا من النصر فى أحد، فخرج الرسول بأصحابه الذين كانوا معه فى أحد وحدهم إلى حمراء الأسد على ثمانية أميال من المدينة حتى لا يطمع فيه عدوه.
وفى ربيع الأول من السنة الرابعة للهجرة كانت غزوة بنى النضير من يهود المدينة، وكانوا قد كادوا للرسول وهموا بقتله.
стр. 310
وبعد هذه الغزوة بنحو من شهرين خرج رسول الله إلى غزوة ذات الرقاع ليغزو قوما من غطفان كان قد بلغه عنهم أنهم جمعوا جموعا لمحاربته.
ثم كانت غزوة بدر الأخيرة، وقد كان أبو سفيان حدد موعدها بعد بدر الثانية، غير أنه خشى بأس المسلمين فلم ينهض إليهم.
ولمثل ما خرج إليه الرسول يوم ذات الرقاع كان خروجه إلى دومة الجندل- مدينة بينها وبين دمشق خمس ليال وتبعد عن المدينة خمس عشرة ليلة- فلقد بلغ الرسول أن قوما يعسفون، وأنهم على أن يمتدوا بعسفهم إلى المدينة، فخرج إليهم فإذا هم يقرون، فعاد المسلمون وقد غنموا شيئا.
ولمثل هذا أيضا كان خروج الرسول إلى المريسيع.
واتفقت كلمة اليهود مع كلمة المشركين على أن يغزو محمدا فى المدينة مجتمعين، فكانت غزوة الخندق التى حفر فيها الرسول خندقا حول المدينة يحميها من هذا الهجوم، ولقد كتب فيها النصر للمسلمين وارتد المشركون عن المدينة مدحورين.
ولم يكن بد من أن يأخذ المسلمون اليهود بمناصرتهم لقريش فى غزوة الخندق، فما كاد المشركون يرتدون عن المدينة حتى خرج المسلمون لغزو بنى قريظة وإملاء شروطهم عليهم.
وكانت بعد هذه غزوات وسرايا، كان الخروج إليها لمثل تلك الأسباب التى مرت بك، إلى أن كان أمر الحديبية حين خرج رسول الله يريد مكة بعد ست سنوات من الهجرة وحيث كانت المصالحة بينه وبين قريش على أن يرجع عنهم عامهم هذا.
стр. 311
وفى السنة السابعة من الهجرة كانت غزوة خيبر حيث اجتمع اليهود على حرب المسلمين ثم فتحها.
وبين غزوة خيبر سنة سبع وفتح مكة سنة ثمان كانت سرايا وغزوات لرد عدوان أو كبت خصومة. وبفتح مكة عاد الإسلام إلى موطن الرسالة ومكان البيت، وقضى على كلمة الشرك القضاء الأخير بعد أن اقتحم عليه معقله.
ولقد خاض المسلمون بعد فتح مكة حربين حملوا عليهما، كانت أولى هاتين الحربين غزوة حنين التى تهيأت فيها هوازن لحرب الرسول، وكانت بينهم وبين المسلمين حرب طاحنة كتب فيها النصر أخيرا للمسلمين.
وتبعت هذه الحرب حرب ثانية كانت امتدادا للحرب الأولى وهى غزوة الطائف.
وكانت بعد غزوة الطائف سرايا من نوع ما سبق من سرايا، إلى أن كانت غزوة تبوك سنة تسع وكانت آخر غزواته ﷺ ، وكان قد خرج فيها للقاء الروم، ولم يكن لقاء.
وإن نظرة إلى جيش المجاهدين المسلمين عند أول بعث خرجوا له، وعند آخر جيش تعبئوا له، ندرك كيف بدأ المسلمون وكيف انتهوا، فلقد كان بعث حمزة ثلاثين راكبا وكان جيش تبوك ثلاثين ألفا، وكانت الخيل فيه عشرة آلاف.
وهكذا خلقت العقيدة من القلة كثرة، ومن الضعف قوة، وبعد أن كان المؤمنون قلة مستضعفين غدوا كثرة مرهوبين. وكان نصر الله فى ظل راياتهم أنى تخفق، ومع خطوات جيوشهم أنى تسير.
стр. 312
وفى ذى الحجة من السنة العاشرة للهجرة حج الرسول بالمسلمين حجة الوداع وفيها خطب الناس خطبته البلقاء التى رسم للناس فيها الحدود وذكرهم بمعالم الدين، وفيها ودع الناس وكأنه يحس أنه ملاق ربه.
وفى أواخر صفر من السنة الحادية عشر للهجرة أخذ المرض رسول الله ولبث مريضا أياما، يقدرها بعضهم بسبعة أيام ويقدرها بعضهم بثلاثة عشر يوما.
وفى يوم الاثنين الثانى عشر من ربيع الأول من تلك السنة- أعنى السنة الحادية عشرة للهجرة- قبض رسول الله عن ثلاث وستين سنة قمرية.
وكانت أعوام بعثته، منذ بعثه الله إلى أن قبضه إليه، نحوا من ثلاثة وعشرين عاما، قضى أكثرها وما يزيد على نصفها فى مكة تسانده زوجته خديجة إلى أن ماتت قبل الهجرة إلى المدينة بنحو من أعوام ثلاثة.
وفى المدينة عاش الرسول نحوا من أحد عشر عاما وقعت فيها الغزوات كلها، والسرايا والبعوث كلها، وعلى الصحيح فى تسع منها، لأن أول بعث كان فى السنة الثانية من الهجرة. ولقد علمت من قبل أن مجموع تلك الحروب كانت نحوا من خمس وستين، لتعلم هنا أن نصيب كل عام من تلك الأعوام من هذه الحروب بلغ السبع، أى أنه ﷺ كان له فى كل شهر تدبير جيش ولقاء عدو، هذا إلى تلك التشريعات الكثيرة التى وضعها عن أمر ربه والحدود التى بينها بوحى من ربه، ثم ما بين هذا وذاك من لقاء وفود ولقاء أفراد، وكتب إلى الملوك والأمراء، وقيام بأمور المسلمين جميعا، وما كان أكثرها.
ترى فى ظل هذا كله كيف كان الرسول يفرغ لشأنه، وكم من ساعات
стр. 313
يومه كانت له خالصة، ونحن نعلم، إلى هذا الذى ذكرناه له من واجبات، واجبات أخرى، وكانت لربه يختصها بالعبادة.
هذه هى حياة أعوام تسعة رأيت كيف ملأت الواجبات الثقال صفحاتها، ورأيت كيف شغل فيها الرسول بتدبير شئون العقيدة شغلا متصلا.
ومن الغريب أن هذه الأعوام التسعة التى لا نكاد نجد فيها بين ساعاتها ساعة كانت للرسول خاصة، هى الأعوام التى يتطاول المتقولون فيقولون:
إن الرسول عاش فيها لمتاعه بثلاث عشرة امرأة.
وهذا التطاول يرده ما قدمت، ويرده أن الرسول فى شبابه لم تعهد عليه ريبة، فقد بنى على خديجة وهو فى الخامسة والعشرين وهى فى الأربعين، وبقى معها إلى أن توفاها الله قبل الهجرة بأعوام ثلاثة كما مر بك، وكان عمره إذ ذاك خمسين سنة.
وكانت أول امرأة تزوجها بعد وفاة خديجة هى سودة بنت زمعة، وكانت تحت ابن عمها السكران بن عمرو، وكان السكران هو وزوجته من مهاجرة الحبشة، وحين رجع بزوجته من الحبشة إلى مكة مات بها ولم يكن له عقب يرعى سودة فتزوجها الرسول.
ولم يتزوج الرسول بكرا غير عائشة بنت أبى بكر وبنى بها بالمدينة، كما تزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب، وكانت تحت خنيس بن حذافة السهمى، ثم مات خنيس فعرضها عمر على أبى بكر فلم يجب، ثم عرضها على عثمان فسكت، ورأى الرسول الأسى فى وجه عمر فضم حفصة إليه.
وضم إليه الرسول زينب بنت خزيمة بعد أن قتل عنها زوجها عبد الله ابن جحش يوم أحد.
стр. 314
وضم إليه بنت عمته زينب بنت جحش، وكانت من قبله زوجة لمولاه زيد بن حارثة.
وبعد زينب ضم إليه الرسول أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان، وكانت هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة بعد أن أسلما، ثم تنصر زوجها هناك فى الحبشة ومات بها، وأبت هى أن تتنصر وبقيت على إسلامها فتزوجها الرسول وهى بالحبشة.
وضم إليه الرسول أم سلمة هند بنت أبى أمية، وكانت هى الأخرى من مهاجرات الحبشة توفى عنها زوجها وخلف لها ولدين وبنتين.
وضم إليه الرسول خالة خالد بن الوليد ميمونة بنت الحارث، وكانت قبله عند أبى رهم العامرى.
وضم إليه رسول الله صفيه بنت حيى بن أخطب، وكانت زوجة لسلام ابن مشكم اليهودى، ثم لكنانة بن أبى الحقيق، فقتل عنها كنانة يوم خيبر.
وضم إليه رسول الله جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار، وكانت فى سبى غزوة المصطلق، وما إن علم المسلمون بزواج الرسول منها حتى أطلقوا ما فى أيديهم من بنى المصطلق، وقد بلغ عدد من أعتقوا مائة.
وأنت ترى أن اثنتين منهن، وهما عائشة وحفصة، كانتا ابنتى صحابيين جليلين هما أبو بكر وعمر، وأن ثلاثا منهن كن من المهاجرات إلى الحبشة اللاتى فقدن أزواجهن، وهن: سودة، ورملة، وهند، وأن واحدة منهن، وهى زينب بنت خزيمة، قتل عنها زوجها يوم أحد، وأن واحدة منهن، وهى ميمونة بنت الحارث كانت خالة لخالد بن الوليد الفارس المعروف، وكان بناء الرسول بها مع دخول خالد فى الإسلام، وأن واحدة منهن،
стр. 315
وهى جويرية بنت الحارث، قرب الرسول ببنائه بها ما بين المصطلق والمسلمين.
وأن واحدة منهن، وهى بنت عمه زينب بنت جحش، كان بناؤه بها تشريعا فى الإسلام فى إبطال جعل الموالى لهم حكم الأبناء.
وأن واحدة منهن، وهى خولة بنت حكيم، كانت قد وهبت نفسها للنبى.
وأما عن صفية بنت حيى اليهودية فلقد كادت تثير لجاجا بين المسلمين حين وقعت فى نصيب دحية بن خليفة الكلبى، فحسم الرسول هذا الخلاف ببنائه بها، وكانت من بيت رياسة فى اليهود.
أرأيت إلى الرسول ومن بنى بهن وكيف بنى بهن، ثم أرأيت إلى أن هذا كله كان فى تلك الأعوام التى أحيطت بالشدائد وكان عبء تدبير هذا كله على عاتقه. ثم استمع لتعلم كيف كان الرسول فى حياته، لقد كان زاهدا فى دنياه غليظا على نفسه فى مسكنه وما كله ومشربه وملبسه، وكثيرا ما كان يجتزىء بالخبز والماء.
وكم كانت الشهور تمضى دون أن توقد فى داره نار لطهى، وكثيرا ما رئى وهو يرفو ثوبه بيده، وكان ﷺ يرقد ليس بينه وبين الأرض إلا حصير قد أثر بجنبه، وتحت رأسه وسادة من أدم محشوة ليفا، وكانت بيوته من لبن، والحجر من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود.
ولقد دخلت امرأة من الأنصار على عائشة فرأت فراش رسول الله ﷺ عباءة مثنية فانطلقت فبعثت إليها بفراش حشوه صوف، فدخل عليها رسول الله ﷺ فقال: ما هذا؟ فأخبرته، فأمرها بردها ثلاثا، فلم تفعل، فقال لها ﷺ : يا عائشة لو شئت لأجرى الله معى جبال الذهب
стр. 316
والفضة، ثم هو بعد هذا كان القوّام الصوّام المتبتل.
فأية دنيا تلك التى أرادها الرسول بهذا الزواج؟ وإن حياة الرسول الأولى لتملى عليه حياته الثانية، ولقد كان الرسول عفّا فى شبابه، عفّا فى زواجه من خديجة، أثقل أعباء مع عفته فى حياته الأخيرة.
صفحات من جهاد طويل متصل أخرج بها محمد الجزيرة العربية من عماية الضلال إلى نور الحقيقة، ومن رجس الشرك إلى طهر الإيمان، ومن آثام الباطل إلى صالحات الأعمال.
فإذا الجزيرة العربية على دين الإسلام تؤمن برب واحد حق بعد أن كانت موزعة بين أرباب كثيرة زائفة، برئت من الأوثان والأصنام وكانت آفة العقل، واطرحت وأد البنات وكانت سبة الأبد، وعفت عن الآثام وكانت غارقة فيها للأذقان، واستقامت على الطريق لتحمل راية الدعوة تبشر بها الآفاق فإذا هى بعد قليل قد أظلت برأيتها بقاعا لا تحصى وخلقا لا يعد.
تلك حياة الرسول أجملت لك مآثرها وماتم منها، وما تم هذا كله بعيدا عن تدبير السماء، وما تم هذا كله إلا عن وحى متصل يملى على الرسول بكرة وعشيّا فيمليه هو على قومه.
وهذا الوحى الذى تلقاه الرسول عن ربه وتلقاه المسلمون عن رسولهم إلى أن قبضه الله إليه، هو هذا الكتاب الكريم الذى جمع للمسلمين دينهم، وجمعهم على دينهم، وحفظ لهم حياتهم أمة مسلمة، وحفظهم على حياتهم أخوة مسلمين.
стр. 317
وما من شك فى أن هذا الكتاب الكريم يحمل معجزة ثانية خالدة بخلوده، فلقد كانت معجزته الأولى فى بيانه الذى خرست معه الألسنة فما تنطق، وفى فصاحته التى شدهت معها الأفئدة فما تعى، وسوف يظل هذا البيان وتلك الفصاحة حجة على العالمين.
تلك كانت معجزة القرآن الأولى يوم طالع الرسول العرب، وهم ما هم بيانا وفصاحة، فخروا لها ساجدين وأذعنوا لها مسلمين.
أما عن معجزته الثانية فهى فى حمايته أمة من أن تشيع فى أمم، ولغة من أن تذوب فى لغات.
فما نعرف شيئا حمى اللغة العربية من الضياع- مع تلك الأزمات العاصفة التى مرت بها والتى كم أودت مثيلات لها من لغات وبلبلت من ألسنة- غير هذا الكتاب الكريم، أبعدت ما أبعدت الشعوب العربية عن الكلام بلغتها العربية وكان هو مردها إليها، كلما أو شكت أن تنفصم صلتها بها ربطها هو بها.
وهكذا عاشت الأمة العربية بعيدة بكل ما فى يديها عن لغتها قريبة بهذا الكتاب وحده إلى لغتها.
وحين حمى هذا الكتاب اللغة لأهلها حمى هؤلاء من أن يتفرقوا أيدى سبأ، فلو أن الزمن بلبل ألسنتهم أمما مختلفة ذات ألسنة مختلفة ما وجدت بينهم هذه الصلة الضامة من اجتماع على تراث خالد، كان هو بمثابة الأب الروحى الذى يصل بين الأرواح والنفوس والقلوب.
стр. 318
ويكذبك من ينكر عليك أثر اللغة فى التقريب بين شعوب مختلفة الجنس، فما بالك بشعوب يكاد يجمعها جنس واحد.
وكما حفظ هذا الكتاب الكريم هذا المقوم للأمة العربية، وهو اللغة، حفظ مقوما آخر هو الدين، فلقد عاش هذا الكتاب على الألسنة وفى القلوب فوق ما هو مكتوب يسمع ويتلى فى أوقات متلاحقة متصلة، لا يكاد الناس ينسون حتى يتذكروا، ولا يكادون يبعدون حتى يقربوا، فإذا هم على دينهم كما هم على لغتهم، وإذا هذه اللغة وذاك الدين يمسكان الأمة العربية فلا تضل عنها لغتها ولا تضل هى عن دينها.
ولا غرو أن كانت للمسلمين به عنايات متصلة طالت وتنوعت، وهذا أوان ضم هذا كله فى سرد مختصر جامع يعرف به المسلم ما يتصل بقرآنه فى يسر يسير، دون أن يفوته شىء أو يبهم عليه أمر.
стр. 319
الباب الثانى تأريخ القرآن الكريم
(م ٢١- الموسوعة القرآنية- ج ١)
стр. 320
١- أمية الرسول
لقد كان محمد صلوات الله عليه أميّا لا يعرف أن يقرأ ولا يعرف أن يكتب، ما فى ذلك شك، يدلك على ذلك اتخاذه بعد أن أوحى إليه كتّابا يكتبون عنه الوحى، منهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وعلىّ بن أبى طالب، والزّبير بن العوام، وأبىّ بن كعب بن قيس، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبى سفيان، ومحمد بن مسلمة، والأرقم بن أبى الأرقم، وأبان بن سعيد بن العاص، وأخوه خالد بن سعيد، وثابت بن قيس، وحنظلة بن الربيع، وخالد بن لوليد، وعبد الله بن الأرقم، والعلاء بن عتبة، والمغيرة بن شعبة، وشرحبيل بن حسنة. وكان أكثرهم كتابة عنه: زيد بن ثابت، ومعاوية «١» .
كما يدلك على ذلك أيضا ما ذكره المؤرخون عند الكلام على غزوة «أحد» أن العباس وهو بمكة كتب إلى النبى كتابا يخبره فيه بتجمّع قريش وخروجهم، وأن العباس أرسل هذا الكتاب مع رجل من بنى غفار، وأن النبىّ حين جاءه الغفارىّ بكتاب العبّاس استدعى أبىّ بن كعب- وكان كاتبه- ودفع إليه الكتاب يقرؤه عليه، وحين انتهى «أبىّ» من قراءة الكتاب استكتمه النبىّ.
ولو كان النبى غير أمى لكفى نفسه دعوة «أبىّ» لقراة كتاب العبّاس فى أمر ذى بال.
وثمة ثالثة يذكرها المؤرخون أيضا عند قدوم وفد ثقيف على النبى، فلقد سألوا النبى حين أسلموا أن يكتب لهم كتابا فيه شروط، فقال لهم: اكتبوا ما بدا لكم ثم ائتونى به. فسألوه فى كتابهم أن يحل لهم الرّبا والزّنا. فأبى علىّ بن أبى طالب أن يكتب لهم. فسألوا خالد بن سعيد بن العاص أن يكتب لهم. فقال له على: تدرى ما تكتب؟ قال: أكتب ما قالوا ورسول الله أولى بأمره. فذهبوا بالكتاب إلى رسول الله فقال للقارىء: اقرأ. فلما انتهى إلى الرّبا، قال له الرسول: ضع يدى عليها. فوضع يده. فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا «٢» ثم محاها. فلما بلغ الزّنا وضع يده ثم قال: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى «٣» ثم محاها، وأمر بكتابنا أن ينسخ لنا «٤» .