إذن فقد كان مصحف أبى بكر وعمر أوّل مصحف رسمىّ جمعه زيد بن ثابت لهما فى ظلّ هذا التحرّى الدقيق، الذى كان أبو بكر وعمر من ورائه. غير أن هذا المصحف الرّسمى لم يأخذ طريقه الرسمى إلى الأمصار، ولعل مقتل عمر هو الذى أخّر ذلك.
والمرحلة الثالثة والأخيرة هى المرحلة التى تمت على يد عثمان، وكانت تتمّة للمرحلة الرّسميّة التى بدأت فى عهد أبى بكر وشاركه فيها عمر. فلقد وقع الذى كان يخشاه عمر، والذى فكّر من أجله فى هذا الجمع الرسمى، وعجل به القتل عن أن يمضى فيه إلى آخره.
فلقد مرّ بك كيف استقل كلّ مصر بمصحف، وكانت مصاحف فردية لم يجتمع لها ما اجتمع لمصحف أبى بكر الذى انتهى إلى حفصة، ثم انتهى إلى عثمان، من جهد جماعىّ مستوعب، ولقد سعى «على» جهده، وسعى «أبىّ» جهده، وسعى «ابن عباس» جهده، وسعى «جعفر الصادق» جهده، ولكن هذه الجهود لو تلاقت كما تلاقت حياة أبى بكر وعمر لخضعت لتعديل كثير، ودليلنا على ذلك أنه لما خرج إلى الأمصار مصحف عثمان دان الناس لتحريره قبل أن يدينوا لسلطان الخليفة، وما يستطيع أحد أن يظن بالمسلمين اللّين والضّعف عن أن يقفوا لأقوى الخلفاء يلزموه رأيهم، إن كانوا يعرفون أنهم على الحق وأن الخليفة على غير الحق فى مثل هذا الأمر الدينىّ الجلل، ولكن انصياع المسلمين فى الأمصار كلها لمصحف عثمان، وما كان عثمان بالعنيف، يدلّك على أن المصحف العثمانى خرج من إجماع اطمأنت القلوب إليه.
ويروى أبو بكر السّجستانى بسند متّصل عن «على» فى المصاحف وحرق «عثمان» لها: «لو لم يصنعه عثمان لصنعته «١» » .
ولقد كان «على» صاحب مصحف اختفى بظهور مصحف عثمان. ولكن هذا لم يمنعه من نصرة الحق الذى جاهد من أجله حياته كلها.
والذى قبله «علىّ» قبله «ابن مسعود» ، ولكن بعد لأى «٢» ، وقبله يعد هذين كثيرون من الصحابة.
يروى أبو بكر السّجستانى بسند متّصل عن مصعب بن سعد، قال: أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك ولم ينكر ذلك منهم أحد.
стр. 352
وما أجلّ هذه التى فعلها عثمان، وحسبه عنها ما يرويه أبو بكر السّجستانى بسند متّصل عن عبد الرحمن بن مهدى يقول: خصلتان لعثمان بن عفان ليستا لأبى بكر ولا لعمر: صبره نفسه حتّى قتل مظلوما، وجمعه النّاس على المصحف.
وحسبك أن تعلم أن الحال فى اختلاف الناس لم تكن أيام عثمان فى الأمصار دون المدينة، بل لقد شملت المدينة أيضا، فلقد كان المعلّمون فيها لكل معلّم قراءته، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون. فكان هذا لعثمان، إلى ما بلغه من حذيفة، مما أفزعه وجعله يقوم بين الناس خطيبا، ويقول: أنتم عندى مختلفون فيه فتلحنون، فمن نأى عنّى من الأمصار أشدّ فيه اختلافا وأشدّ لحنا، اجتمعوا يا أصحاب محمد واكتبوا للنّاس إماما.
ومن أجل هذا سمّى مصحف عثمان: الإمام.
وقد أرسل عثمان من هذا المصحف نسخا للأمصار- كما مر بك- وأمر بأن يحرق ما عداها.
ويحكى ابن فضل الله العمرى فى كتابه «مسالك الأبصار» «١» . وهو يصف مسجد دمشق: «وإلى جانبه الأيسر المصحف العثمانى بخطّ أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى الله عنه» .
ومعنى هذا أن المصحف كان بدمشق حياة العمرى، أى إلى النصف الأول من القرن الثامن الهجرى، فلقد كانت وفاة العمرى سنة ٧٤٩ هـ.
ويرجّح المتصلون بالترات العربى أن هذا المصحف هو الذى كان فى دار الكتب بمدينة لينجراد، ثم انتقل منها إلى إنجلترا، ولا يزال بها إلى اليوم.
ويروى السّفاقسى فى كتابه «غيث النفع» «٢» : «ورأيت فيه- يعنى مصحف عثمان- أثر الدّم، وهو بالمدرسة الفاضليّة بالقاهرة» .
ولقد كان فى دار الكتب العلوية فى النّجف مصحف بالخطّ الكوفى مكتوب فى آخره: «كتبه علىّ ابن أبى طالب فى سنة أربعين من الهجرة» ، وهى السنة التى توفى فيها علىّ.
١٣- كتب المصاحف
ولقد كتب نفر من السّلف كتبا عرضوا فيها للمصاحف القديمة التى سبقت مصحف عثمان، والتى جاء مصحف عثمان ملغيا لها، نذكر منها:
стр. 353
١- اختلاف مصاحف الشام والحجاز والعراق، لابن عامر، المتوفى سنة ١١٨ هـ.
٢- اختلاف مصاحف أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة، عن الكسائى، المتوفى سنة ١٨٩ هـ.
٣- اختلاف أهل الكوفة والبصرة والشام فى المصاحف، للفراء، المتوفى سنة ٢٠٧ هـ.
٤- اختلاف المصاحف لخلف بن هشام، المتوفى سنة ٢٢٩ هـ.
٥- اختلاف المصاحف وجامع القراءات، للمدائنى، المتوفى سنة ٢٣١ هـ.
٦- اختلاف المصاحف، لأبى حاتم سهل بن محمد السجستانى، المتوفى سنة ٢٤٨ هـ.
٧- المصاحف والهجاء، لمحمد بن عيسى الأصبهانى، المتوفى سنة ٢٥٣ هـ.
٨- المصاحف، لأبى عبد الله بن أبى داود السجستانى، المتوفى سنة ٣١٦ هـ.
٩- المصاحف، لابن الأنبارى، المتوفى سنة ٣٢٧ هـ.
١٠- المصاحف، لابن أشته الأصبهانى، المتوفى سنة ٣٦٠ هـ.
١١- غريب المصاحف للوراق.
وترى من هذا العرض لهذه الكتب ومؤلفيها أن المصحف الإمام لم يلغ المصاحف، التى جاء ليلغيها، إلغاء تامّا، وأن هذه المصاحف بخلافها على المصحف الإمام ظلّت حيّة، إن لم تكن كتابة فحفظا، وإن كنا نرجّح الأولى. وأول كتاب فى هذا كان لابن عامر- كما ترى- وابن عامر كانت وفاته سنة ١١٨ هـ، أى بعد مقتل عثمان بما يقرب من ثلاثة وثمانين سنة، فلقد كانت وفاة عثمان فى الخامسة والثلاثين من الهجرة.
ولقد انتهى إلينا من هذه الكتب كلها كتاب المصاحف لأبى بكر عبد الله بن أبى داود السّجستانى، وقد نقلت لك نصوصا مرت بك، وأشرت إلى موضعها من النسخة المطبوعة من هذا الكتاب.
ويكاد يكون كتاب أبى بكر السّجستانى جامعا لكلام من سبقوه، لتأخّره فى الزمن عنهم، وما أظن من بعده أضاف كثيرا. أعنى بهذا أن كتاب أبى بكر السّجستانى يكاد يمثّل لنا هذا الخلاف كله.
وإنى لأعدّ إقدام هؤلاء النفر من السّلف على مثل هذا التأليف إحياء لخلاف حاول الخلفاء الثلاثة أبو بكر، وعمر، وعثمان- أو قل، الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلىّ- أن يضعوا له نهاية، بالمحاولة الأولى التى تمّت على يد أبى بكر وعمر، ثم بالمحاولة الثانية التى تمت على يد عثمان وأقرّه عليها علىّ، وشارك فيها كثير من الصحابة، ومنهم من كان صاحب مصحف. مثل «أبى» .
وعثمان لم يقدم على ما فعل إلا حين فزّعه الخلاف، ولم يمض ما أقدم عليه إلا بعد أن اطمأنت نفسه
стр. 354
إلى ما انتهى إليه، ولم يطمئن إليه اطمئنانه إلا بعد أن آزرته عليه الكثرة. وبعد هذا كله وقف عثمان موقفه الحازم القاطع فألزم الأمصار بالمصحف الإمام، ثم أحرق ما عداه. ومعنى هذا أنه لا رجعة إلى هذا الخلاف، ولا سبيل إلى الرّجعة إليه، إذ لو صحّ أن ثمة شكّا وقع فى روع عثمان لما كان منه هذا القرار الحازم القاطع.
ولعلك تذكر ما كان من مروان من إحراقه مصحف حفصة، الذى كان مرجعا من مراجع الإمام.
ولقد أراد من هذا ألّا يكون ثمة رجعة إلى الوراء تثير هذا الخلاف فى كتاب قال فيه تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «١» .
وبعد ما يقرب من قرن إلا قليلا يطالعنا ابن عامر بمؤلفه فى اختلاف مصاحف الشام والحجاز والعراق، أو قل بعد أن اختفى جيل القرّاء الأول والثانى والثالث من الميدان، وبعد أن نفض أصحاب المصحف الإمام أيديهم من أدلّتهم واطرحوها وأحرقوها، بعد هذا كله تثار قضية لا تكافؤ فيها، أدلتها الخلافيّة قطع فيها بالرأى، واستبعد شىء لا يستقيم، وأقيم مقامه شىء مستقيم.
وإنا من أجل هذا من القائلين- لا خوفا على ما بين أيدينا- بأن إثارة مثل هذا ليست نوعا من الدّراسة، فتلك دراسة بتراء لا تملك أسلوبها العلمى الصّحيح. ولقد كنا نرحّب بها لو كانت شيئا جديدا لم تعرفه البيئة الأولى حين حكمت فى أمره، بل لقد كان شيئا معهودا للبيئة الأولى تعرفه وتعرف أكثر منه، ولقد حكمت فيه وفرغت منه، فإثارته بعد هذا ليكون شيئا يدرس نوع من الكيد، ولو كنا نملك لعفّينا آثاره كما عفى عثمان آثارا مثله، ولن نكون معها متجنّين أو متعسفين أو خائفين، بل نكون مع الحزم الذى اتصف به «عثمان» وناصره عليه «علىّ» ، واجتمع معه فى الرأى عليه اثنا عشر صحابيّا، جمعهم عثمان لهذا العمل الجليل.
وما أصدقها كلمة جرت على لسان أبى بكر السّجستانى فى ختام عرضه لمصحف «أبىّ بن كعب» حين يقول: لا نرى أن يقرأ القرآن إلّا بمصحف عثمان الّذى اجتمع عليه أصحاب النّبى ﷺ ، فإن قرأ إنسان بخلافه فى الصّلاة أمرته بالإعادة.
ولقد جاء فى المصحف الإمام من الرسم القديم، ما كان مظنة اللبس، ولقد رأى عثمان أن ألسنة العرب تقيمه على وجهه، وإن بدا على غير وجهه، فلم يعرض له، ولعل هذا هو تفسير ما عزى إلى عثمان حين قال:
стр. 355
إن فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها. ويزيد هذا بيانا قوله، أعنى: عثمان: «لو كان المملى من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا» .
ويقول ابن أشته فى كتابه «المصاحف» : جميع ما كتب خطأ يجب أن يقرأ على صحة لغته لا على رسمه، وذلك فى نحو «لا أوضعوا» و «لا أذبحنه» بزيادة ألف فى وسط الكلمتين، إذا لو قرئ بظاهر الخط لكان لحنا شنيعا، يقلب معنى الكلام ويخل بنظامه.
ويقول أبو بكر السّجستانى فى كتابه «المصاحف» «١» تعقيبا على الحديث المعزوّ إلى عثمان: «هذا عندى يعنى: بلغتها- يريد: معنى قوله بألسنتها- وإلا لو كان فيه لحن لا يجوز فى كلام العرب جميعا لما استجاز أن يبعث به إلى قوم يقرءونه» .
ويؤيد هذا ما روى عن عمر بن الخطاب: «إنا لنرغب عن كثير من لحن أبىّ. يعنى: لغة أبى «٢» » .
١٤- تعقيب على كتب المصاحف
ويعزو أبو بكر السجستانى إلى عائشة، يرويه هشام بن عروة عن أبيه، قال: سألت عائشة عن لحن القرآن إِنْ هذانِ لَساحِرانِ «٣» ، وعن قوله تعالى وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ «٤» ، وعن قوله تعالى: وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ «٥» ، فقالت: يابن أختى، هذا عمل الكتّاب أخطئوا فى الكتاب «٦» .
ومثل هذا الذى عزى لعائشة يعزى لأبان بن عثمان يرويه الزبير يقول: قلت لأبان بن عثمان: كيف صارت لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ ما بين يديها وما خلفها رفع وهى نصب؟ قال: من قبل الكتّاب، كتب ما قبلها ثم قال: ما أكتب؟ قال: اكتب «المقيمين الصلاة» فكتب ما قيل له «٧» .
وينضم إلى هذا ما يعزى إلى سعيد بن جبير أنه قال: فى القرآن أربعة أحرف لحن: وَالصَّابِئُونَ، ووَ الْمُقِيمِينَ، وفَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ «٨» ، وإِنْ هذانِ لَساحِرانِ. وإليك ما يقوله عالم جليل من علماء التفسير واللّغة:
стр. 356
يقول الزمخشرى محمود بن عمر فى كتابه «الكشاف «١» » : وَالصَّابِئُونَ (المائدة: ٦٩) رفع على الابتداء، والنية به التأخير عما فى حيز «إن» من اسمها وخبرها، كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك، وأنشد سيبويه «٢» شاهدا له:
وإلّا فاعلموا أنّا وأنتم ... بغاة ما بقينا فى شقاق
أى: فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك. فإن قلت: هلا زعمت أن ارتفاعه للعطف على محل إن واسمها؟
قلت: لا يصح ذلك قبل الفراغ من الخبر، لا تقول: إن زيدا وعمرو منطلقان. فإن قلت: لم لا يصح والنّية به التأخير، فكأنك قلت: إن زيدا منطلق وعمرو؟ قلت: لأنى إذا رفعته عطفا على محل «إن» واسمها، والعامل فى محلهما هو الابتداء، فيجب أن يكون هو العامل فى الخبر، لأن الابتداء ينتظم الجزأين فى عملهما كما تنتظمهما «إن» فى عملها، فلو رفعت «الصابئون» والمنوىّ به التأخير بالابتداء، وقد رفعت الخبر بأن، لأعملت فيهما رافعين مختلفين.
فإن قلت: فقوله «والصابئون» معطوف لا بد له من معطوف عليه فما هو؟ قلت: مع خبره المحذوف جملة معطوفة على جملة قوله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ولا محل لها، كما لا محل للتى عطفت عليها.
فإن قلت: ما التقديم والتأخير إلا لفائدة، فما فائدة هذا التقديم؟ قلت: فائدته التنبيه على أن «الصابئين» أبين هؤلاء المعدودين ضلالا وأشدهم غيّا، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبئوا عن الأديان كلها، أى خرجوا. كما أن الشاعر قدم قوله «وأنتم» تنبيها على أن المخاطبين أو غل فى الوصف بالبغاة من قومه، حيث عاجل به قبل الخبر الذى هو «بغاة» ، لئلا يدخل قومه فى البغى قبلهم، مع كونهم أوغل فيه منهم وأثبت قدما.
فإن قلت: فلو قيل: والصابئين وإياكم، لكان التقديم حاصلا؟ قلت: لو قيل هكذا لم يكن من التقديم فى شىء، لأنه لا إزالة فيه عن موضعه، وإنما يقال: مقدم ومؤخر، للمزال لا للقارّ فى مكانه، ومجرى هذه الجملة مجرى الاعتراض فى الكلام.
وقال الزمخشرى «٣» : وَالْمُقِيمِينَ (النساء: ١٦٢) نصب على المدح لبيان فضل الصلاة، وهو باب واسع. وقد كسّره سيبويه على أمثلة وشواهد، ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا فى خط المصحف.
стр. 357
وربما التفت إليه من لم ينظر فى الكتاب، ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم فى النصب على الاختصاص من الافتنان، وخفى عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الإنجيل، كانوا أبعد همة فى الغيرة على الإسلام وذب المطاعن عنه من أن يتركوا فى كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم، وخرقا يرفوه من لحق بهم.
وقيل: هو عطف على بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ أى يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة، وهم الأنبياء.
وفى مصحف عبد الله (والمقيمون) بالواو، هى قراءة مالك بن دينار، والجحدرى، وعيسى الثقفى.
وقال الزمخشرى «١» : وَأَكُنْ (المنافقون: ١٠) عطفا على محل «فأصدق» . كأنه قيل: إن أخرتنى أصدق وأكن. ومن قرأ «وأكون» على النصب، فعلى اللفظ. وقرأ عبيد بن عمير «وأكون» على الرفع، وتقديره: وأنا أكون، عدة منه بالصلاح» .
وقال الزمخشرى «٢» : (إنّ هذان لساحران) (طه: ٦٣) : قرأ أبو عمرو: (إنّ هذين لساحران) ، على الجهة الظاهرة المكشوفة. وابن كثير وحفص: إنّ هذان لساحران، على قولك: إن زيد لمنطلق.
واللام هى الفارقة بين «إن» النافية والمخففة من الثقيلة. وقرأ «أبىّ» : إنّ ذان إلا ساحران. وقرأ ابن مسعود:
أن هذان ساحران، بفتح أن وبغير لام، بدل من «النجوى» . وقيل فى القراءة المشهورة- وهو يعنى المصحف الإمام- إنّ هذان لساحران، هى لغة بلحارث بن كعب، جعلوا الاسم المثنى نحو الأسماء التى آخرها ألف، كعصا وسعدى، فلم يقلبوها فى الجر والنصب. وقال بعضهم: «إنّ» بمعنى: «نعم» و «ساحران» خبر مبتدأ محذوف، واللام داخلة على الجملة، تقديره: لهما ساحران، وقد أعجب به أبو إسحاق.
وها أنت ذا ترى فى كلام الزمخشرى دليلا جديدا يؤيد ما قلنا من قبل عن القراءات السبع فى القرآن وأنها لغات العرب جاءت مبثوثة فى القرآن، وبها كلها يتجه الكلام.
وأما ما جاء معزوّا إلى عائشة، فما نظن عائشة تسكت على خطأ الكتّاب فى كتاب الله وترضى به يشيع ويخرج عن المدينة إلى الأمصار، ولم تكن بعيدة عن عثمان ولا عن الصحابة الكاتبين، وما نظنها كانت أقل منهم حرصا على سلامة كتاب الله، وحسبك ما قدمه الزمخشرى فى هذه.
стр. 358
وأما عن تلك التى تعزى لأبان بن عثمان، فلا ندرى كيف جاءت على لسانه، مع العلم بأنه ممن لم يشهدوا عصر التدوين، ولا كان حاضر ذلك، فلقد كانت وفاته سنة ١٠٥ هـ، وعثمان مات سنة ٣٥ هـ.
فهذا الذى نسب إلى «أبان» استنباط لا رواية مأثورة. وهذا الاستنباط الذى استنبطه «أبان» لا يصح إلا عن مشاهدة أو سماع عن مشاهدة، وكلاهما لم يتوفر لهذا الحكم.
وثمة شىء آخر: ما يعزوه أصحاب التواليف فى المصاحف إلى الحجاج بن يوسف، وأنه غير فى مصحف عثمان أحد عشر حرفا، وقد رواها أبو بكر السجستانى فى كتابه المصاحف مرتين:
الأولى يقول فيها: حدثنا عبد الله: حدثنا أبو حاتم السجستانى: حدثنا عبّاد بن صهيب، عن عوف ابن أبى جبلة: أن الحجاج بن يوسف غير فى مصحف عثمان أحد عشر حرفا «١» .
والثانية يقول فيها: قال أبو بكر- يعنى نفسه- كان فى كتاب أبىّ: حدثنا رجل، فسألت أبىّ: من هو؟ فقال: حدثنا عبّاد بن صهيب، عن عوف بن أبى جميلة: أن الحجاج بن يوسف غير فى مصحف عثمان أحد عشر حرفا «٢» .
وهذه هى الأحرف كما ذكرها أبو بكر السجستانى:
١- كانت فى البقرة (لم يتسنّ) فغيرها (لم يتسنّه) بالهاء (الآية: ٢٥٩) .
وأحب أن أعقّب أن ابن مسعود قرأ (لم يتسن) والأصل فيها «يتسنن» ، فقلبت لأن الثانية حرف علة، كما فى: تقضض، وتقضى. وقرأ حمزة والكسائى بحذف الهاء فى الوصل، على أنها هاء السكت. وقرأ باقى السبعة بإثبات الهاء فى الوصل والوقف، على أنها أصلية. وقرأ «أبى» «لم يسّنّه» بإدغام التاء فى السين.
٢- وكانت فى سورة المائدة: (شريعة ومنهاجا) ، فغيّره (شرعة ومنهاجا) (الآية: ٤٨) وأحب أن أعقّب أن هذه لم يقرأ بها أحد من القرّاء.
٣- وكانت فى سورة يونس (هو الّذى ينشّركم) ، فغيّره (هو الّذى يسيّركم) (الآية: ٢٢) .
стр. 359
وأحب أن أعقب أن (ينشّركم) قراءة ابن عامر ويزيد بن القعقاع. وينشركم، أى يحييكم.
٤- وكانت فى سورة يوسف (أنا آتيكم بتأويله) ، فغيرها (أنا أنبّئكم بتأويله) (الآية: ٤٥) .
وأحب أن أعقّب: أن هذه لم يقرأ بها أحد من القراء.
٥- وكانت فى سورة المؤمنين (سيقولون لله) ، فغيرها (سيقولون الله) (الآيات: ٨٥ و ٨٧ و ٨٩) .
وأحب أن أعقّب: أن الأولى هى القراءة المشهورة، وبالثانية قرأ أبو عمرو، ويعقوب.
٦ و ٧- وكانت فى سورة الشعراء (من المخرجين) (الآية: ١١٦) فغيرها (من المرجومين) ، و (من المرجومين) (الآية: ١٦٧) فغيرها (من المخرجين) .
وأحب أن أعقّب: أن هذه وتلك هما القراءتان المشهورتان.
٨- وكانت فى سورة الزخرف (معائشهم) ، فغيرها (معيشتهم) (الآية: ٣٢) .
وأحب أن أعقّب: أنّ هذه هى القراءة المشهورة، ولم يقرأ بالأولى أحد من القراء.
٩- وكانت فى سورة (الذين كفروا) ، (ياسن) فغيرها (آسن) (الآية: ١٥) .
وأحب أن أعقب أن حمزة قرأ (ياسن) وقفا لا وصلا، وأن (آسن) هى القراءة المشهورة.
١٠- وكانت فى سورة الحديد (فالّذين آمنوا منكم واتّقوا) ، فغيرها (وأنفقوا) (الآية: ٧) .
وأحب أن أعقب أن القراءة المشهورة (وأنفقوا) ولم يقرأ أحد من القراء (واتّقوا) .
١١- وكانت فى سورة التكوير (وما هو على الغيب بظنين) فغيرها (بضنين) (الآية: ٢٤) .
وأحب أن أعقب أن مكيّا، وأبا عمرو، وعليّا، ويعقوب، قرءوا «بظنين» أى: متهم، وأن الباقين قرءوا «بضنين» أى: ببخيل.
هذه هى الأحرف التى يروى أن الحجاج غيّرها فى مصحف عثمان.
وأحب أن أزيد الأمر وضوحا ولا أتركه على إيهامه هذا الذى يثير شكّا ويكاد القول فيه على ظاهره يعطى للحجاج أن يغيّر فى كتاب الله:
١- لقد رأيت كيف روى أبو بكر السجستانى هذا الخبر فى كتابه «المصاحف» فى مكانين بسندين، وهما وإن اتفقا، إلا أن ثانيهما رواه أبو بكر فى أسلوب يهوّن فيه من شأن المسند إليه الخبر.
стр. 360
٢- ولقد رأيت، من التعقيب الذى عقبنا به على هذه الأحرف، أن ثمانية منها تحتمل قراءات، وأن ما أثبته الحجاج كان المشهور.
٣- ولقد رأيت كذلك أن ثلاثة منها لم يقرأ بها أحد من القراء، وهى «شريعة» التى غيرت إلى «شرعة» ، و «آتيكم» التى غيرت إلى «أنبئكم» و «معائشهم» ، التى غيرت إلى «معيشتهم» .
ونحن نعرف:
٤- أن الحجاج كان من حفّاظ القرآن المعدودين.
٥- وأن الحجاج كانت على يديه الجولة الثانية فى نقط المصاحف وشكلها، بعد أن كانت الجولة الأولى على يد الصحابة، وكانت جولة الصحابة بداية لم تشمل القرآن كله بل كانت نوعا من التيسير.
يقول الدانى «١» بسند متّصل عن قتادة: بدءوا فنقطوا ثم خمّسوا ثم عشّروا- وهو يعنى الصحابة. ثم يقول فى إثر هذا: هذا يدل على أن الصحابة وأكابر التابعين هم المبتدئون بالنّقط ورسم الخموس والعشور.
وفى الجولة الثانية خلاف، فمن الرّواة من يعزوها إلى أبى الأسود الدؤولى بعد أن طلبها منه زياد، ومنهم من يعزوها إلى يحيى بن يعمر العدوانى، وكان ذلك عن طلب الحجّاج.
ويقول الدانى: إن هذا هو الأعرف.
وما نظن الحجاج، وهو الحافظ للقرآن- كان بعيدا عن يحيى بن يعمر، كما لم يكن عثمان بعيدا عن زيد بن ثابت، وسعيد.
وبهذا نستطيع أن نقول:
١- إن هذه الأحرف الثلاثة التى لم يقرأ بها أحد لم تكن منقوطة ولا مشكولة، فميزها النقط وبيّنها، وكانت على ألسنة الناس كما كانت على لسان الحجّاج، بدليل أنها لم ترد فى قراءة، ولا ندرى كيف قامت هذه دعوى.
٢- إن الأحرف الثمانية الباقية، فيها قراءات، كما مر بك، والمشهور منها ما يعزى إلى الحجّاج أنه أثبته، ولكن من أتّى لنا أن هذا الذى يقال إنّ الحجاج أثبته لم يكن، وأن رسم مصحف عثمان كان يشتمل عليه، وأن الحجاج لم يفعل غير أن بيّنه وميّزه.
стр. 361
يؤكد هذا ما روى أن عثمان حين كان يعرض عليه المصحف غيّر «لم يتسنّ» إلى «لم يتسنّه» .
إذن فالذى يعزى إلى الحجاج فعله عزى إلى عثمان أنه فعله من قبله، ولا يمنع أن يكون هذا كله- أعنى الأحرف الثمانية- كانت مقروء مصحف عثمان، وأن الحجّاج حين نقط وشكل ميّز الرّسم وبينه، يستوحى فى ذلك من مقروئه ومقروء الناس الذين يقرءون مصحف عثمان.
وإذن فلا تغيير للحجّاج فى كتاب الله، ولم يكن ما فعل غير تبيين رسم وتمييزه، وما نظن الحجاج خرج فيما فعل على مصحف عثمان بقراءة أخرى، بل نكاد نؤيد أنه التزم فيها مقروء مصحف عثمان، وأنه لم يفعل غير التمييز والتبيين، بدليل تلك التى سقناها عن «لم يتسن» و «لم يتسنه» ، وأن الحجاج فيما فعل كان حريصا على أن يمكّن للمصحف الإمام، وأن ينفى عنه ما عساه أن يكون دخل عليه من قراءات.
١٥- القراءات
وقد مر بك الرأى فى القراءات السبع،
وفى قوله ﷺ : «نزل القرآن على سبعة أحرف» ،
وأن المراد: على سبعة أوجه من اللّغات: متفرقة فى القرآن «١» .
ولقد روى عن عمر أنه قال: نزل القرآن بلغة مضر.
وإذا رجعنا نحصى قبائل مضر وجدناها سبع قبائل، وهى: هذيل، وكنانة، وقيس، وضبة، وتيم الرباب، وأسد بن خزيمة، وقريش.
كما يروى عن ابن عباس أنه قال: نزل القرآن على سبع لغات، منها خمس بلغة العجز من هوازن، واثنان لسائر العرب.
والعجزهم: سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف، وكان يقال لهم: عليا هوازن.
كما يروى عن أبى حاتم السّجستانى أنه قال: نزل القرآن بلغة قريش، وهذيل، وتميم، والأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر.
كما يرى السّيوطى فى «الإتقان «٢» » آراء غير مسندة، منها:
(١) أنها سبع لغات متفرقة لجميع العرب، كل حرف منها لقبيلة مشهورة.
(٢) أنها سبع لغات: أربع لعجز هوازن، وثلاث لقريش.
стр. 362
(٣) أنها سبع لغات، لغة لقريش، ولغة لليمن، ولغة لجرهم، ولغة لهوازن، ولغة لقضاعة، ولغة لتميم، ولغة لطيئ.
(٤) أنها لغة الكعبين: كعب بن عمر، وكعب بن لؤى، ولهما سبع لغات.
وهذا الخبر مسند لابن عباس من طريق آخر غير الطريق الأول الذى روى به خبره السابق.
وهذا الاختلاف فى التعيين لا يضير فى شىء، فثم لغات سبع مفرقة فى القرآن، أخبر الرسول عن جملتها ولم يخبر عن تفصيلها، وكان هذا التفصيل مكان الاجتهاد بين المجتهدين.
وليس معنى الحديث أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات، بل اللغات السبع مفرقة، تقرأ قريش بلغتها، وتقرأ هذيل بلغتها، وتقرأ هوازن بلغتها، وتقرأ اليمن بلغتها.
وفى ذلك يقول أبو شامة نقلا عن بعض شيوخه: أنزل القرآن بلسان قريش، ثم أبيح للعرب أن يقرءوه بلغاتهم التى جرت عادتهم باستعمالهم على اختلافهم فى الألفاظ والإعراب «١» .
ويعقب ابن الجوزى على هذه الأحرف السبعة يقول: وأما وجه كونها سبعة أحرف، دون أن لم تكن أقل أو أكثر، فقال الأكثرون: إن أصول قبائل العرب تنتهى إلى سبعة، وإن اللغات الفصحى سبع، وكلاهما دعوى.
وقيل: ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد بحيث لا يزيد ولا ينقص، بل المراد السّعة والتيسير، وأنه لا حرج عليهم فى قراءته بما هو فى لغات العرب، من حيث إن الله تعالى أذن لهم فى ذلك.
والعرب يطلقون لفظ السبع والسبعين والسبعمائة ولا يريدون حقيقة العدد بحيث لا يزيد ولا ينقص، بل يريدون الكثرة والمبالغة من غير حصر «٢» .
وكانت هذه اللغات علمها إلى الرسول، قد أحاطه الله بها علما، وحين يقرأ الهذلى بين يديه (عتّى حين) وهو يريد (حتّى حين) «٣» يجيزه، لأنه هكذا يلفظ بها ويستعملها.
وحين يقرأ الأسدى بين يديه (تسود وجوه) «٤» بكسر التاء في «تسود» ، و (ألم أعهد إليكم) «٥» بكسر الهمزة فى «أعهد» يجيزه، لأنه هكذا يلفظ وهكذا يستعمل.
وحين يهمز التّميمى على حين لا يهمز القرشى، يجيزه، لأنه هكذا يلفظ وهكذا يستعمل.
стр. 363
وحين يقرأ قارئهم (وإذا قيل لهم) «١» و (غيض الماء) «٢» بإشمام الضم مع الكسر، يجيزه لأنه هكذا يلفظ وهكذا يستعمل.
وحين يقرأ قارئهم (هذه بضاعتنا ردت إلينا) «٣» بإشمام الكسر مع الضم فى «ردت» يجيزه، لأنه هكذا يلفظ وهكذا يستعمل.
وحين يقرأ قارئهم (مالك لا تأمنا) «٤» بإشمام الضم مع الإدغام فى ميم «تأمنا» يجيزه، لأنه هكذا يلفظ وهكذا يستعمل، وتكليفه غير هذا عسير.
وحين يقرأ قارئهم «عليهم» و «فيهم» بالضم، ويقرأ قارئ آخر «عليهمو» و «فيهمو» بالصلة، يجيزه، لأنه هكذا يلفظ وهكذا يستعمل.
وحين يقرأ قارئهم (قد أفلح) و «قل أوحى» و «خلو إلى» بالنّقل، يجيزه، لأنه هكذا يلفظ وهكذا يستعمل.
وحين يقرأ قارئهم «موسى» و «عيسى» و «سبأ» بالإمالة يجيزه، لأنه هكذا يلفظ وهكذا يستعمل.
وحين يقرأ قارئهم «خبيرا» و «بصيرا» بالتّرقيق، يجيزه، لأنه هكذا يلفظ وهكذا يستعمل.
وحين يقرأ قارئهم «الصلوات» و «الطلاق» بالتفخيم، يجيزه، لأنه هكذا يلفظ وهكذا يستعمل «٥» .
ويفسر لك هذا ما
روى عن «عمر» قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة «الفرقان» على غير ما أقرؤها، وقد كان النبى ﷺ أقرأ نيها، فأتيت به النبىّ ﷺ فأخبرته، فقال له: اقرأ، فقرأ تلك القراءة. فقال: هكذا أنزلت، ثم قال لى: أقرأ، فقرأت. فقال: هكذا أنزلت، ثم قال: هذا القرآن نزل على سبعة أحرف فاقرءوا منه ما تيسر «٦» .
وكذلك يفسر لك هذا ما
روى عن «أبىّ» قال: دخلت المسجد أصلّى فدخل رجل فافتتح «النحل» فقرأ، فخالفنى فى القراءة. فلما انتقل قلت: من أقرأك؟ قال: رسول الله ﷺ . ثم جاء رجل فقام يصلّى، فقرأ وافتتح «النحل» ، فخالفنى وخالف صاحبى، فلما انتقل قلت: من أقرأك؟ قال: رسول
стр. 364
الله ﷺ . قال: فأخذت بأيديهما فانطلقت بهما إلى النبى ﷺ . فقلت: استقرئ هذين، فاستقرأ أحدهما. فقال: أحسنت. ثم استقرأ الآخر، فقال: أحسنت.
ويقول ابن قتيبة: «ولو أن كل فريق من هؤلاء أمر أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلا وناشئا وكهلا لا شتدّ ذلك عليه، وعمّت المحنة فيه، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان، وقطع للعادة «١» » .
١٦- القراء
ولقد كانت كتابة المصحف بلغة قريش، أو بحرف قريش، بذلك أمر عثمان زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزّبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهم ينسخون المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى شىء فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم.
وأرسل عثمان المصاحف إلى الأمصار، وأخذ كلّ أهل مصر يقرءون بما فى مصحفهم، يتلقّون ما فيه عن الصحابة الذين تلقّوا عن رسول الله ﷺ ، ثم قاموا بذلك مقام الصحابة الذين تلقّوه عن النّبى ﷺ ، فكان بالمدينة نفر، منهم: ابن المسيّب، ومعاذ بن الحارث، وشهاب الزّهرى، وكان بمكة نفر، منهم: عطاء، وطاووس، وعكرمة، وبالكوفة نفر، منهم: علقمة، والشّعبى، وسعيد بن جبير، وبالبصرة نفر، منهم: الحسن، وابن سيرين، وقتادة، وبالشام نفر، منهم: المغيرة بن أبى شهاب المخزومى، صاحب عثمان بن عفان.
ثم تجرد قوم للقراءة واعتنوا بضبطها أتمّ عناية حتى صاروا فى ذلك أئمة يقتدى بهم، ويرحل إليهم.
ويؤخذ عنهم، وأجمع أهل بلدهم على تلقى قراءتهم بالقبول، ولم يختلف عليهم فيها أثنان، ولتصدّيهم للقراءة نسبت إليهم.
فكان بالمدينة نفر، منهم: أبو جعفر يزيد بن القعقاع، ثم نافع بن أبى نعيم.
وكان بمكة نفر، منهم: عبد الله بن كثير، ومحمد بن محيصن.
وكان بالكوفة نفر، منهم: سليمان الأعمش، ثم حمزة، ثم الكسائى.
وكان بالبصرة نفر، منهم: عيسى بن عمر، وأبو عمرو بن العلاء.
стр. 365
وكان بالشام نفر، منهم: عبد الله بن عامر وشريح بن يزيد الحضرمى «١» .
غير أن القرّاء بعد هذا كثروا وتفرّقوا فى البلاد، وانتشروا فى الأقطار، وكاد يدخل على هذا العلم ما ليس فيه، فشمّر لضبطه وتنقيته أئمّة مشهود لهم، منهم:
(١) الإمام الحافظ الكبير أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد الدانى، من أهل دانية بالأندلس، وكانت وفاته سنة أربع وأربعين وأربعمائة، وكتابه فى هذا الباب هو: «التيسير» .
(٢) الإمام المقرئ المفسر أبو العباس أحمد بن عمارة بن أبي العبّاس المهدوى، المتوفّى بعد الثلاثين وأربعمائة، وله كتاب «الهداية» .
(٣) الإمام أبو الحسن طاهر بن أبى الطيب بن أبى غلبون الحلبى، نزيل مصر، وتوفى بها سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، وله كتاب: «التّذكرة» .
(٤) الإمام أبو محمد مكّى بن أبى طالب القيروانى، وكانت وفاته سبع وثلاثين وأربعمائة بقرطبة، وله كتاب: «التّبصرة» .
(٥) الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل، المعروف بأبى شامة، وله كتاب: والمرشد الوجيز» .
وكان رائد هؤلاء جميعا، فيما أخذوا فيه، أن كل قراءة وافقت العربيّة ولو بوجه، ووافقت المصحف الإمام، وصحّ سندها، فهى قراءة صحيحة لا يجوز ردّها ولا يحل إنكارها، وإذا اختل ركن من هذه الأركان كانت تلك القراءة ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة.
وفى ظل هذه القيود التى أجمع عليها القراء:
(١) الموافقة للعربية ولو بوجه.
(٢) الموافقة للمصحف الإمام، ولو احتمالا.
(٣) أن يصح سندها.
قام الأئمة بتأليف كتب فى القراءات، وكان أول إمام جمع القراءات فى كتاب هو أبو عبيد القاسم ابن سلام، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين. وقد جعل القراءات نحوا من خمس وعشرين قراءة.
وتوالى بعده أئمة مؤلّفون جمعوا القراءات فى كتب، منهم من جعلها عشرين، ومنهم من زاد، ومنهم من نقص، إلى أن كان الأمر إلى أبى بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد، فاقتصر على قراءات سبع
стр. 366
لقرّاء سبع، هم: عبد الله بن كثير، فى مكة، ونافع بن أبى رويم، فى المدينة، وأبو عمرو بن العلاء، فى البصرة، وعاصم بن أبى النّجود، وحمزة بن حبيب الزّيات، وعلى الكسائى، فى الكوفة، وعبد الله ابن عامر، فى الشام.
ثم جاء بعدهم من رفعها إلى عشر، نذكر منهم إماما متأخرا وهو: ابن الجزرى أبو الخير محمد بن محمد، المتوفى سنة ٨٣٣ هـ، وكتابه هو: النّشر فى القراءات العشر.
والقرّاء الثلاثة الذين زادوا على السبعة، هم: يزيد بن القعقاع، فى المدينة، ويعقوب الحضرمى، فى البصرة، وخلف البزّاز، فى الكوفة.
هذا غير قراء جاءوا بقراءات شاذة، كان على رأسهم ابن شنبوذ، المتوفى سنة ٣٢٨، ثم أبو بكر العطّار النحوى المتوفى سنة ٣٥٤ هـ.
١٧- رأى ابن قتيبة فى القراءات
وقد لخص ابن قتيبة وجوه الخلاف فى القراءات، فقال «١» :
وقد تدبّرت وجوه الخلاف فى القراءات فوجدتها سبعة أوجه:
أولها: الاختلاف فى إعراب الكلمة، أو فى حركة بنائها بما لا يزيلها عن صورتها فى الكتاب ولا يغيّر معناها، نحو قوله تعالى: (هؤلاء بناتى هنّ أطهر لكم) - هود: ٧٨- و (أطهر لكم) بالنصب-، (وهل نجازى إلّا الكفور) - سبأ: ١٧- و (هل يجازى إلّا الكفور) ، (ويأمرون النّاس بالبخل) النساء: ٤٧، الحديد: ٢٤ و (بالبخل) بفتح الباء والخاء و (فنظرة إلى ميسرة) - البقرة: ٢٨٠- و (ميسرة) بضم السين.
ثانيها: أن يكون الاختلاف فى إعراب الكلمة وحركات بنائها بما يغيّر معناها، ولا يزيلها عن صورتها فى الكتاب، نحو قوله تعالى (ربّنا باعد بين أسفارنا) سبأ: ١٩، و (ربّنا باعد بين أسفارنا) ، الأولى على صيغة الأمر، والثانية على صيغة الماضى، و (إذا تلّقونه بألسنتكم) النور: ١٥- و (تلقونه) بفتح فكسر فضم: و (وادّكر بعد أمّة) يوسف: ٤٥- و «أمه» أى: نسيان.
ثالثها: أن يكون الاختلاف فى حروف الكلمة دون إعرابها بما يغيّر معناها، ولا يزيل صورتها، نحو قوله تعالى: (وانظر إلى العظام كيف ننشزها) - البقرة: ٢٥٩- و (ننشرها) بالراء، و (حتى إذا فزّع عن قلوبهم) سبأ: ٢٣- و (فرّغ) بالراء والغين المعجمة.
стр. 367
رابعها: أن يكون الاختلاف فى الكلمة بما يغير صورتها فى الكتاب، ولا يغير معناها فى الكلام، نحو قوله تعالى: (إن كانت إلّا صيحة واحدة) يس: ٢٩، و (زقية واحدة) ، و (كالعهن المنفوش) القارعة: ٥، و (كالصّوف) .
خامسها: أن يكون الاختلاف فى الكلمة بما يزيل صورتها ومعناها، نحو قوله تعالى: (وطلع منضود) الواقعة: ٢٩، و (طلح) .
سادسها: أن يكون الاختلاف بالتقديم والتأخير، نحو قوله تعالى: (وجاءت سكرة الموت بالحقّ) ق: ١٩، وفى موضع آخر: (وجاءت سكرة الحقّ بالموت) .
سابعها: أن يكون الاختلاف بالزيادة والنقصان، نحو قوله تعالى: (وما عملت أيديهم) و (وما عملته أيديهم) يس: ٣٥، ونحو قوله: (إنّ الله هو الغنىّ الحميد) لقمان: ٢٦، و (إنّ الله الغنىّ الحميد) .
ثم قال ابن قتيبة:
فإن قال قائل: هذا جائر فى الألفاظ المختلفة إذا كان المعنى واحدا، فهل يجوز أيضا إذا اختلفت المعانى؟
قيل له: الاختلاف نوعان: اختلاف تغاير واختلاف تضادّ.
فاختلاف التضاد لا يجوز، ولست واجده بحمد الله فى شىء من القرآن إلا فى الأمر والنّهى من الناسخ والمنسوخ.
واختلاف التغاير جائز، وذلك مثل قوله: «وادّكر بعد أمّة» أى بعد حين، و «بعد أمه» أى بعد نسيان له، والمعنيان جميعا، وإن اختلفا، صحيحان، لأن ذكر أمر يوسف بعد حين وبعد نسيان له، وكقوله: «إذ تلقّونه بألسنتكم» أى تقبلونه وتقولونه، و «تلقونه» من الولق، وهو الكذب، والمعنيان جميعا، وإن اختلفا، صحيحان، لأنهم قبلوه، وقالوه وهو كذب.
وكقوله: (ربّنا باعد بين أسفارنا) على طريق الدعاء والمسألة، و (ربّنا باعد بين أسفارنا) على جهة الخبر، والمعنيان، وإن اختلفا، صحيحان.
وكقوله: (وأعتدت لهنّ متّكأ) وهو الطعام، و (وأعتدت لهنّ متّكأ) بضم الميم وسكون التاء وفتح الكاف، وهو الأترجّ، فدلت هذه القراءة على معنى ذلك الطعام.
стр. 368
وكذلك «ننشرها» و «ننشزها» لأن الإنشار: الإحياء، والإنشاز: هو التحريك للنقل، والحياة حركة، فلا فرق بينهما.
وكذلك «فزّع عن قلوبهم» و «فزّغ» ، لأن «فزّع» : خفّف عنها الفزع، وفرّغ: فرّغ عنها الفزع.
ثم قال ابن قتيبة: وكل ما فى القرآن من تقديم أو تأخير، أو زيادة أو نقصان، فعلى مثل هذه السبيل.
١٨- تعقيب على القراءات
والأمر فى القراءات كما يبدو لك، ينحصر فى أحوال ثلاث:
الأولى- وهى تتصل بأحرف العرب أو لغاتها- وهى التى قدمنا منها مثلا فى الإمالة، والإشمام والتّرقيق، والتفخيم، وغير ذلك، مما لفظت به القبائل ولم تستطع ألسنتها غيره، وهذا الذى قلنا عنه:
إنه المعنىّ بالأحرف السبعة التى جاءت فى الحديث.
وما من شك فى أن ذلك كان رخصة للعرب يوم أن كانوا لا يستطيعون غيره، وكان من العسير عليهم تلاوة القرآن بلغة قريش.
ثم ما من شك فى أن هذه الرّخصة قد نسخت بزوال العذر وتيسّر الحفظ، وفشوّ الضبط، وتعلم القراءة والكتابة «١» .
وإليك ما قاله الطبرى بعد أن عرفت ما قاله الطحاوى، يقول الطبرى:
ثم لما رأى الإمام أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه اختلاف الناس فى القراءة، وخاف من تفرّق كلمتهم، جمعهم على حرف واحد، وهو هذا المصحف الإمام، واستوثقت له الأمّة على ذلك، بل أطاعت ورأت أن فيما فعله الرّشد والهداية، وتركت القراءة بالأحرف السبعة التى عزم عليها إمامها العادل فى تركها، طاعة منها له، ونظرا منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملّتها، حتى درست من الأمة معرفتها، وعفت آثارها، فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها لدثورها وعفّو آثارها.
فإن قال من ضعفت معرفته: وكيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهم إيّاها رسول الله ﷺ وأمرهم بقراءتها؟ قيل: إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة.
стр. 369
الثانية: وهى تتصل برسم المصحف وبقائه عهدا غير منقوط ولا مشكول إلى زمن عبد الملك، حتى قام الحجاج بإسناد هذا العمل إلى رجلين، هما: يحيى بن يعمر، والحسن البصرى، فنقطاه وشكلاه.
وما نرى صحيحا هذا الذى ذهب إليه القراء من تأويلات كثيرة تكاد تحمّل الكلمة عشرين وجها، أو ثلاثين، أو أكثر من ذلك، حتى لقد بلغت طرق هذه القراءات للقراءات العشر فقط تسعمائة وثمانين طريقة.
فلقد كان هذا اجتهادا من القراء، ولكنه كان إسرافا فى ذلك الاجتهاد، وإنك لو تتبعب ما عقّب به الزّمخشرى فى تفسيره على القرّاء لوجدت له الكثير مما ردّه عليهم ولم يقبله منهم. فلقد عقب على ابن عامر، فى قراءته لقوله تعالى: (وكذلك زيّن للمشركين قتل أولادهم شركاؤهم) (الأنعام: ١٣٧) ، فلقد قرأها ابن عامر (زيّن للمشركين قتل أولادهم شركائهم) برفع «القتل» ، ونصب «الأولاد» ، وجر «الشركاء» ، على إضافة «القتل» ، إلى «الشركاء» والفصل بينهما بغير الظرف.
فقال الزمخشرى: فهذا لو كان فى مكان الضّرورات- وهو الشّعر- لكان شيئا مردودا، فكيف به فى الكلام المنثور، وكيف به فى القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته، والذى حمله على ذلك أن رأى فى بعض المصاحف «شركائهم» مكتوبا بالياء.
ويعقّب الزمخشرىّ مرة أخرى على أبى عمرو حين يدغم الراء فى اللام فى قوله تعالى:
(فيغفر لمن يشاء) (البقرة: ٢٨٤، آل عمران: ١٢٩، المائدة: ٢٠ و ٤٣، الفتح: ١٤) فيقرؤها أبو عمرو: (فيغفلمن يشاء) . ويقول الزمخشرى: ومدغم الراء فى اللام لاحن مخطئ خطأ فاحشا، وروايه عن أبى عمرو مخطئ مرتين، لأنه يلحن، وينسب إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم.
وكذلك تتّبع ابن قتيبة القرّاء وأحصى لهم الكثير، وفى ذلك يقول: وما أقلّ من سلم من هذه الطبقة فى حرفه من الغلط والوهم «١» .
ونحن حين نمكن لهذه القراءات أن تعيش نكون كمن يحاول أن يخرج على ما أراده عثمان، ومعه علىّ من قبل، ثم الصّحابة، على وحدة القرآن تلاوة. هذا بعد أن صح لنا أن هذه القرآت اجتهاد، وأن رسم المصحف، وإهماله نقطا وشكلا، جرّ إلى شىء منها.
стр. 370
يقول ابن قتيبة. وهو يناقش بعض القراءات:
وليست تخلو هذه الحروف من أن تكون على مذهب من مذاهب أهل الإعراب فيها، أو أن تكون غلطا من الكاتب.
فإن كانت على مذهب النحويين، فليس هاهنا لحن بحمد الله.
وإن كانت خطأ فى الكتابة، فليس على الله ولا على رسوله ﷺ جناية الكاتب فى الخط.
ولو كان هذا عيبا يرجع على القرآن لرجع عليه كل خطأ وقع فى كتابة المصحف من طريق التهجّى، فقد كتب فى الإمام: (إنّ هذن لساحران) بحذف ألف التثنية، وكذلك ألف التثنية تحذف فى هجاء هذا المصحف فى كل مكان. وكتب كتّاب المصحف: الصّلوة والزّكوة، والحيوة، بالواو، واتبعناهم فى هذه الحروف خاصة على التيمّن بهم «١» .
فنحن إذن بين رسم لكتّاب كان ما رسموا آخر الجهد عندهم، ولقد حفظ الله كتابه بالحفظة القارئين أكثر مما حفظه بالكتّاب الكاتبين، ثم كانت إلى جانب الحفظة حجة أخرى على الرسم، وهى لغة العرب، أقامت الرسم لتدعيم الحفظ ولم تقم الحفظ لتدعيم الرسم، وكان هذا ما عناه عثمان حين قال: أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها. ولقد أقامته بألسنتها، وتركت الرسم على حاله ممثّلا فى مصحفه الإمام، الذى كان حريصا على أن تجتمع عليه الأمة الإسلامية، ومن أجل ذلك أحرق ما سواه.
غير أن ما فعله عثمان لم يقض على كل خلاف، وأوسع فى هذا الخلاف بقاء المصحف الإمام غير منقوط ولا مشكول، كما مرّ بك.
من أجل ذلك كان أول شىء عمله الحجّاج، بعد ما فرغ من نقط المصحف وشكله، أن وكل إلى «عاصم الجحدرى» ، و «ناجية بن رمح» ، و «على بن أصمع» ، أن يتتبّعوا المصاحف وأن يقطعوا كل مصحف يجدونه مخالفا لمصحف عثمان، وأن يعطوا صاحبه ستّين درهما. وفى ذلك يقول الشاعر:
وإلّا رسوم الدّار قفرا كأنّها ... كتاب محاه الباهليّ ابن أصمعا «٢»
стр. 371
ونحن اليوم فى أيدينا هذا المصحف الإمام أقوم ما يكون ضبطا، وأصحّ ما يكون شكلا، فما أغنانا به عن كل قراءة لا يحملها رسمه ولا يشير إليها ضبطه، من تلك القراءات التى كانت تلك حالها التى بسطناها لك.
الثالثة: وهى التى تتصل بإحلال كلمة مكان كلمة، أو تقديم كلمة على كلمة، أو زيادة أو نقصان.
وما أظن هذه تكون كلمة تذكر بعد أن أصبح فى أيدينا المصحف الإمام، هيّأه لنا عثمان فى الأولى، وزفّه إلينا الحجاج فى الثانية، وما كان هذا العملان إلا خطوتين: خطوة دعّمت خطوة، فى سبيل الوحدة الكاملة لكتاب الله، كما حفظه الله على لسان الحفظة من الصحابة والتابعين.
وآخر ما نختم به الحديث عن القراءات قول الزركشى فى كتابه «البرهان» حيث يقول:
«القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان:
فالقرآن: هو الوحى المنزل على محمد ﷺ للبيان والإعجاز.
والقراءات السبع متواترة عند الجمهور، وقيل: بل مشهورة، والتحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة.
أما تواترها عن النبى ﷺ ففيه نظر» .
١٩- رسم المصحف
ومن الناظرين فى رسم القرآن: فريق صرفهم الإجلال له عن أن يفصلوا بين ما هو وحى من عند الله حرّك به لسان رسوله، وبين ما صوّره كتّاب الرّسول حروفا وكلمات.
وأنت تعرف أن الكلمة الواحدة قد تختلف صورة رسمها على أيدى كتبة يكتبون عن ممل واحد، إذا اختلفت طرق تلقّيهم للإملاء، غير أنهم حين يلفظون هذه الكلمة مجمعون على نطق واحد.
وما من شك فى أن القرآن الكريم تعرّض رسمه لهذا الخلاف، وكان حفظ الله له فى بقاء حفظته، يعى الناس عنهم أكثر مما يعون عن القراءة، وكانوا بهذا مطمئنين، وحين عدت العاديات على الحفظة بدأ الخوف يدب، وبدأ تفكير الصحابة يتّجه إلى ما هو أبقى، أعنى جمع القرآن مكتوبا.
وكانت محاولة أبى بكر وعمر التى مرّت بك، واجتمع للناس قرآنهم مكتوبا، وبدأ شغلهم بما هو
стр. 372
مكتوب يزحم شغلهم بما هو متلوّ، أو يعادله. وأخذ الرسم يملى برسمه ويقوّمه الحفظ فى عهد لم يكن الصحابة منه أبعدوا كثيرا عن عهد نزول القرآن.
وما كانت الأمة العربية عهد كتابة الوحى أمة عريقة فى الكتابة، وما كان كتّاب النبىّ ﷺ إلا صورة من العصر البادئ فى الكتابة، ولم تكن الكتابة العربية بالأمس البعيد على حالها اليوم من التجويد والكمال إملاء ورسما. وإن نظرة فى رسم المصحف، وما يحمل من صور إملائية تخالف ما استقر عليه الوضع الإملائى أخيرا، لتكشف لك عما كان العرب عليه إملاء، وعما أصبحنا عليه نحن.
وحين أطل عهد عثمان كاد اختلاف الناس فى قراءة المرسوم يجر إلى خروجهم على المحفوظ، من أجل هذا فزع عثمان إلى نفر من الصحابة كتبوا للرسول وحيه، ليدركوا هذا المرسوم، كى يخرجوا منه بصورة خطيّة تصوّر ما أجمع عليه الحفّاظ.
وقد لا يفوتك أن الخط العربى عصر كتابة الوحى إلى أيام عبد الملك بن مروان لم يكن عرف النقط المميّز للحروف فى صورته الأخيرة، كما لم يكن عرف شكل الكلمات، وبقى المصحف المرسوم ينقصه النّقط فى صورته الأخيرة وينقصه الشّكل، وعاش يحميه حفظ الحفاظ من اللحن.
غير أن الأمة العربية كانت قد انتشرت وأظلّ الإسلام تحت لوائه أمما مختلفة، وأصبح الحفظ فى هذه البيئة الواسعة، وبين هؤلاء الأقوام المختلفين، لا يغنى غناءه أيّام أن كانت البيئة محدودة والأقوام غير مختلفين، من هنا كان لا بد من نقط وشكل على يد «الحجّاج» كما مرّ بك.
ولقد كانت هذه المراحل التى مرّ بها جمع القرآن وكتابته ونقطه وشكله نتيجة لقصور الكتابة العربية والخطّ العربى. إذ لو كانا فى كمالهما اليوم لما احتاج القرآن فى رسمه إلى مرحلة بعد مرحلة، ولكتب يوم أن كتب للمرة الأولى فى صورة أخيرة.
ونحن بحمد الله، على الرغم من بعد عهدنا بنزول القرآن، لم نبعد عن وعيه كما أنزل، تصديقا لقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ، غير أنه يجب أن يلفتنا إلى قرآننا ما لفت الشيخين أبا بكر وعمر إليه، ثم ما لفت عثمان إليه، ثم ما لفت الحجّاج إليه. فهذه لفتات أحسّ فيها أصحابها الخوف من أن يمسّ القرآن سوء، فجمعوه للناس مكتوبا يوم أن خافوا ذهاب الحفّاظ. ثم جمعوا الناس على مصحف واحد يوم أن خافوا تفرق الناس على مصاحف، ثم نقطوه وضبطوه يوم أن خافوا أن يتفرّق الناس فى قراءته.
стр. 373
٢٠- كتابة المصحف وطبعه
ولقد مر بك كيف كان الوحى يكتب، وعلى أى شىء كان يكتب، ثم: من كانوا كتابه.
ومر بك أيضا كيف جمعه أبو بكر وعمر، ثم كيف كتب عثمان مصحفه الإمام، وأرسل منه مصاحف أربعة إلى الأمصار: مكة. والبصرة. والكوفة، والشام، وأنه أبقى اثنين آخرين فى المدينة، اختص نفسه بواحد منهما.
ومنذ أن دخلت هذه المصاحف الأمصار أقبل المسلمون ينسخونها، ولقد نسخوا منها عددا كثيرا لا شك فى ذلك.
فنحن نقرأ للمسعودى وهو يتكلم على وقعة صفّين، التى كانت بين علىّ ومعاوية، وما أشار به عمرو ابن العاص من رفع المصاحف، حين أحسّ ظهور «علىّ» عليه: «ورفع من عسكر معاوية نحو من خمسمائة مصحف «١» » .
وما نظن هذا العدد الذى رفع من المصاحف فى معسكر معاوية كان كل ما يملكه المسلمون حينذاك.
والذى نظنه أنه كان بين أيدى المسلمين ما يربى على هذا العدد بكثير، هذا ولم يكن قد مضى على كتابة عثمان لمصحفه الإمام، وإرساله إلى الأمصار، ما يزيد على سنين سبع.
والجديد الذى نحب أن نسوقه هنا نقلا عمن نظروا فى نشأة الخط العربى «٢» : أن العرب كانوا قبيل الإسلام يكتبون بالخط الحيرىّ- نسبة إلى الحيرة- ثم سمى هذا الخط بعد الإسلام بالخط الكوفى.
وهذا الخط الكوفى فرع- كما يقولون- من الخط السّريانى، وأنه على الأخص طور من أطوار قلم للسّريان كانوا يسمونه «السّطر نجيلى» ، وكان السريان يكتبون به الكتاب المقدّس، وعن السريان انتقل إلى العرب قبل الإسلام، ثم كان منه الخط الكوفى، كما سبق القول.
ولقد كان للعرب إلى جانب هذا القلم الكوفى قلم نبطى، انتقل إليهم من حوران مع رحلاتهم إلى الشام، وعاش العرب ولهم هذان القلمان: الكوفى والنّبطىّ، يستخدمون الكوفى لكتابة القرآن، ويستخدمون النّبطىّ فى شئون أخرى.
وبالخط الكوفى كانت كتابة المصاحف، غير أنه كان أشكالا، واستمر ذلك إلى القرن الخامس
стр. 374
تقريبا، ثم ظهر الخط الثلث. وعاش من القرن الخامس إلى ما يقرب من القرن التاسع، إلى أن ظهر القلم النسخ، الذى هو أساس الخط العربى إلى اليوم.
فلقد كتب القرآن بالكوفى أيام الخلفاء الراشدين، ثم أيام بنى أمية، وفى أيام بنى أمية صار هذا الخط الكوفى إلى أقلام أربعة. ويعزون هذا التشكّل فى الأقلام إلى كاتب اسمه «قطبة» وكان كاتب أهل زمانه، وكان يكتب لبنى أمية المصاحف.
وفى أوائل الدولة العباسية ظهر «الضّحاك بن عجلان» ومن بعده «إسحاق بن حمّاد» ، فإذا هما يزيدان على «قطبة» ، وإذا الأقلام العربية تبلغ اثنى عشر قلما: قلم الجليل، قلم السجلات، قلم الديباج، قلم اسطور مار الكبير، قلم الثلاثين، قلم الزنبور، قلم المفتتح، قلم الحرم، قلم المؤامرات، قلم العهود، قلم القصص، قلم الحرفاج.
وحين ظهر الهاشميون حدث خط يسمى: العراقى، وهو المحقن. ولم تزل الأقلام تزيد إلى أن انتهى الأمر إلى المأمون فأخذ كتّابه يتجويد خطوطهم، وظهر رجل يعرف «بالأحول المحرر» ، فتكلم على رسوم الخط وقوانينه وجعله أنواعا.
ثم ظهر قلم «المرصع» ، وقلم «النساخ» ، وقلم «الرياس» ، نسبة إلى ذى الرياستين الفضل بن سهل، وقلم الرقاع، وقلم غبار الحلبة.
فزادت الخطوط على عشرين شكلا، ولكنها كلها من الكوفى. حتى إذا ما ظهر ابن مقلة (٣٢٨ هـ) نقل الخط من صورة القلم الكوفى إلى صورة القلم النسخى، وجعله على قاعدة جميلة كانت أساسا لكتابة المصاحف.
وينقل المقرّى عن ابن خليل السّكونى: أنه شاهد يجامع «العديس» بأشبيلية ربعة مصحف فى أسفار ينحى به لنحو خطوط الكوفة، إلا أنه أحسن خطّا وأبينه وأبرعه وأتقنه، وأن أبا الحسن بن الطّفيل بن عظيمة قال له: هذا خط ابن مقلة.
ثم يقول المقرّى: وقد رأيت بالمدينة المنورة- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- مصحفا بخط ياقوت المستعصمى «١» .
ولقد كانت وفاة ياقوت هذا سنة ٦٩٨ هـ «٢» ، وكان سبّاقا فى هذا الميدان.
стр. 375
ويقول محمد بن إسحاق: أول من كتب المصاحف فى الصدر الأول ويوصف بحسن الخط: خالد بن أبى الهياج. رأيت مصحفا بخطه، وكان «سعد» نصبه لكتب المصاحف، والشعر والأخبار للوليد بن عبد الملك، وهو الذى كتب الكتاب الذى فى قبلة مسجد النبى ﷺ بالذهب من وَالشَّمْسِ وَضُحاها إلى آخر القرآن.
ويقال إن عمر بن عبد العزيز قال له: أريد أن تكتب لى مصحفا على هذا المثال. فكتب له مصحفا تنوّق فيه. فأقبل عمر يقلبّه ويستحسنه واستكثر ثمنه فردّه عليه.
ومالك بن دينار مولى أسامة بن لؤى بن غالب، ويكنى: أبا يحيى. وكان يكتب المصاحف بأجر.
ومات سنة ثلاثين ومائتين.
ثم أورد ابن إسحاق نفرا من كتاب المصاحف بالخط الكوفى وبالخط المحقق المشق، وقد رآهم جميعا.
والذى لا شك فيه أن هذه الأقلام المختلفة تبارت فى كتابة المصحف، كما كتب بأقلام غير هذه، ذكر منها الكردى فى كتابه (تاريخ الخط العربى) قلمين هما: سياقت، وشكسته، وأورد لهما نماذج.
وظلت المصاحف على هذه الحال إلى أن ظهرت المطابع سنة ١٤٣١ م، وكان أول مصحف طبع بالخط العربى فى مدينة «همبرج» بألمانيا، ثم فى «البندقية» فى القرن السادس عشر الميلادى.
وحين أخذت المطابع تشيع كثر طبع المصحف، إذ هو كتاب المسلمين الأول وعليه معتمدهم.
٢١- تجزئة المصحف
ولقد سقنا لك الحديث عن عدد سور القرآن، وعدد كلماته، وعدد حروفه، وما نظن هذا كله بدأ مع السنين الأولى أيام كان المسلمون مشغولين بجمع القرآن وتدوينه، عهد أبى بكر وعمر، ثم عهد عثمان، وما نظنه إلا تخلّف زمنا بعد هذا إلى أيّام الحجّاج.
ولقد كان المسلمون والوحى لا يزال متصلا، يختصون يومهم بنصيب من القرآن، يخلون إلى أنفسهم ساعة من يومهم هذا يتلون فيها ما تيسّر، يفرض كلّ منهم على نفسه جزءا بعينه، وإلى هذا يشير ما
روى عن المغيرة بن شعبة، قال: استأذن رجل على رسول الله ﷺ ، وهو بين مكة والمدينة، فقال:
إنه قد فاتنى الليلة جزئى من القرآن، فإنى لا أوثر عليه شيئا «١» .
وما نشك فى أن هذه التجزئة كانت فرديّة، أى إن مرجعها كان لكلّ فرد على حدة، ونكاد نذهب إلى أنها لم تكن على التّساوى.
стр. 376
وهذه التجزئة التى أخذ المسلمون بها أنفسهم مبكّرين ليجعلوا للقرآن حظّا من ساعات يومهم حتى لا يغيبوا عنه فيغيب عنهم، وحتىّ ييّسروا على أنفسهم ليمضوا فيه إلى آخره أسبوعا بعد أسبوع، أو شهرا بعد شهر، هذه التّجزئة الأولى غير المضبوطة هى التى أملت على المسلمين بعد فى أن يأخذوا فى تجزئة القرآن تجزئة تخضع لمعابير مضبوطة، ولم يكن عليهم ضير فى أن يفعلوا.
عند هذه، وبعد أن استوى المصحف بين أيديهم مكتوبا، كان عدّ السور وعد الكلمات وعد الآيات، ولا يعنى هذا أن المسلمين الأول أيام الرسول كانوا بعيدين البعد كله عن هذا كله، بل إن ما نعنيه هو الإحصاء المستوعب الشامل، وأمّا غيره فما نظننا ننكره على المسلمين الأول، من ذلك ما
روى عن ابن مسعود أنه قال: أقرأنى رسول الله ﷺ سورة من الثلاثين من آل حم. يعنى الأحقاف.
ويقول السيوطى: كانت السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سميت الثلاثين «١» .
ولكن هذا الاستيعاب الشامل لم يكن إلا مع أيام الحجاج، ودليلنا على هذا: ما يرويه أبو بكر بن أبى داود يقول: جمع الحجاج بن يوسف الحفّاظ والقرّاء- ويقول أبو بكر: وكنت منهم- فقال الحجاج: أخبرونى عن القرآن كله كم هو من حرف؟ قال أبو بكر: فجعلنا نحسب حتى أجمعوا أن القرآن ثلاثمائة ألف حرف وأربعين ألفا وسبعمائة ونيف وأربعين حرفا.
قال الحجّاج: فأخبرونى إلى أى حرف ينتهى نصف القرآن. فحسبوا فأجمعوا أنه ينتهى فى الكهف وَلْيَتَلَطَّفْ (الآية: ١٩، فى الفاء) .
قال الحجاج: فأخبرونى بأسباعه على الحروف؟ قال أبو بكر: فإذا أول سبع فى النساء فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ (الآية: ٥٥، فى الدال) . والسبع الثانى فى الأعراف أُولئِكَ حَبِطَتْ (الآية: ١٤٧، فى التاء) والسبع الثالث فى الرعد أُكُلُها دائِمٌ (الآية: ٣٥، فى الألف آخر أُكُلُها، والسبع الرابع فى الحج وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً (الآية: ٣٤، فى الألف) ، والسبع الخامس فى الأحزاب وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ (الآية: ٣٦، فى الهاء) ، والسبع السادس فى الفتح الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ (الآية: ٦، فى الواو) والسابع ما بقى من القرآن.
قال الحجاج: فأخبرونى بأثلاثه؟ قالوا: الثّلث الأول رأس مائة من براءة. والثلث الثانى رأس إحدى ومائة آية من طسم الشعراء، والثلث الثالث ما بقى من القرآن.
стр. 377
ثم سألهم الحجاج عن أرباعه. فإذا أول ربع خاتمة سورة الأنعام. والربع الثانى الكهف وَلْيَتَلَطَّفْ (الآية: ١٩) والربع الثالث خاتمة «الزّمر» ، والربع الرابع ما بقى من القرآن.
كانت هذه نظرة الحجاج مع القراء والحفاظ، وكانت تجزئته للقرآن بوفق عدد حروفه، ولقد رأيناه كيف جزّأه نصفين، ثم أسباعا، ثم أثلاثا، ثم أرباعا.
وما نظن الحجاج كان يستملى فى هذه التجزئة إلا عن تفكير فى التيسير، فجعله نصفين على القارىء المجد، ثم أثلاثا على اللاحق، ثم أرباعا على من يتلو اللاحق، ثم أسباعا على من يريد أن يتمه فى أسبوع، وكانت ذلك هى النهاية التى أحبها الحجّاج للمسلمين، وكأنه لم يحب لهم أن يتجاوزوها، لذلك لم يمض مع القراء والحفاظ يسألهم عما بعدها، ونحن نعلم أن الحجاج كان يقرأ القرآن كله فى كل ليلة «١» .
وحين نظر الحجاج فى القرآن يجزئه هذه التجزئة التى تحدها الحروف، بدأ غيره من بعده ينظرون فى تجزئة القرآن تجزئة تمليها الآيات، فقسموه أنصافا، وأثلاثا، وأرباعا، وأخماسا، وأسداسا، وأسباعا وأثمانا، وأتساعا، وأعشارا.
وما نظن هؤلاء الذين جاءوا فى إثر الحجاج بهذه التجزئة التى تخالف تجزئة الحجاج كانوا يستملون إلا عن مثل ما استملى الحجاج عنه، وهو التيسير، ثم الإرخاء فى هذا التيسير، ثم تخصيص كل يوم بنصيب لا يزيد ولا ينقص، وكان أقصى ما أرادوه لكل مسلم أن يتم قراءة القرآن فى أيام لا تعدو العشرة.
ولقد مر بك قبل، عند الكلام على عد آيات القران، ما كان من خلاف يسير علمت سببه، ولكن هذا الخلاف اليسير فى عد الآيات جر إلى خلاف يسير فى هذه التجزئة.
ولقد كانت فكرة الحجاج، وفكرة من جاء بعد الحجاج، فى تجزئة القرآن هى التيسير على التّالى، ولكن الحجاج كان متشدّدا، متشددا على نفسه أولا، كما رأيت، فلم يجاوز فى تيسيره إلى غير سبعة أيام، ولكن من جاءوا بعد الحجّاج لم يكونوا على تشدّد الحجاج فأرخوا شيئا فى التيسير وزادوا الأيام إلى عشرة.
وما وقف التيسير عند هذا الحد الذى انتهى إليه الذين جاءوا فى إثر الحجاج، بل نرى الميسّرين أرخوا للقارئين إلى أن يلغوا بهم الثلاثين، فإذا القرآن مجزّا إلى ثلاثين جزءا.
стр. 378
غير أن هذه المراحل التى جاءت بعد الحجاج لم تتم فى يوم وليلة، بل امتدّت بامتداد الأيام، ولقد كانت وفاة الحجّاج فى العام الخامس والتسعين من الهجرة، ونرى السّجستانى يروى أخباره في تجزئة القرآن تلك التجزئة الثانية عن رواة تنحصر وفاتهم فى القرن الثانى للهجرة، ثم نرى ابن النديم وهو يتكلم عن الكتب المؤلفة في أجزاء القرآن يذكر لنا:
١- كتاب أسباع القرآن لحمزة بن حبيب بن عمارة الزيات. ولقد كانت وفاة حمزة سنة ١٥٨ هـ.
٢- كتاب أجزاء ثلاثين، عن أبى بكر بن عياش، ولقد كانت وفاة أبى بكر بن عياش سنة ١٩٣ هـ «١» .
وما يعنينا الكتاب الأول، فلقد علمنا أن تجزئة القرآن أسباعا، كانت على يد الحجاج حروفا، وقد تكون على يد حمزة آيات، نقول لا تعنينا هذه ولكن تعنينا الثانية، فهى تدلنا على أن تجزئة القرآن إلى ثلاثين جزءا، وهى التجزئة التى عليها مصاحفنا اليوم، تجزئة قديمة انتهت إلى أبى بكر بن عياش، بهذا يشعرنا أسلوب ابن النديم، إذ لم يعز الكتاب لأبى بكر وإنما قال: عن أبى بكر بن عياش.
إذن فتجزئة القرآن ثلاثين جزءا لم تغب عن القرن الثانى الهجرى، ولا يبعد أن تكون دون منتهاه بكثير، فقد كان مولد أبى بكر بن عياش سنة ست وتسعين من الهجرة، والرجل يصلح للتلقّى والرواية مع الخامسة والعشرين من عمره، أى إن أبا بكر بن عياش كان رجل رواية وتلقّ مع العام العشرين بعد المائة الأولى من الهجرة.
وهذه التجزئة الأخيرة، أعنى تجزئة القرآن ثلاثين جزءا، هى التجزئة التى غلبت وعاشت، ولعل ما ساعد على غلبتها يسرها، ثم ارتباطها بعدد أيام الشهر، ونحن نعلم كم تجد هذه التجزئة إقبالا عظيما فى شهر رمضان من كل عام، وما نظن الذين جزءوا انتهوا إلى هذه التجزئة الأخيرة فى مرحلة واحدة متجاوزين التجزئة العشرية إلى التجزئة الثلاثينية، والذى نقطع به أنه كانت ثمة تجزئات بين هاتين المرحلتين لا ندرى تدرجها، ولكن يعنينا أن نقيّد أن ثمة تجزئة تقع في عشرين جزءا، تحتفظ بها مكتبة دار الكتب المصرية.
وبهذه التجزئة- أى إلى ثلاثين جزءا- أصبح القرآن يعرض أجزاء منفصلة كل جزء على حدة، وأصبحنا نراه فى المساجد- لا سيما فى شهر رمضان- محفوظا فى صناديق بأجزائه الثلاثين، كل مجموعة فى صندوق، يقدمه الراغبون فى الثواب إلى المختلفين إلى المساجد رغبة فى تلاوة نصيب من القرآن.
стр. 379
وأصبح يطلق على هذه الأجزاء الثلاثين اسم ريعة. والرّيعة فى اللغة: الصندوق أو الوعاء من جلد.
ولعل تسمية الأجزاء الثلاثين بهذا الاسم جاءت من إطلاق المحلّ على الحال فيه.
ولكن هذا التيسير الأخير جر إلى تيسير آخر يتصل به، وما نشك فى أن الدافع إليه كان التيسير هنا على الحافظين، بعد أن كان التيسير قبل على القارئين، وفرق بين أن تيسّر على قارئ وبين أن تيسر على حافظ.
من أجل هذه فيما نظن كان تقسيم الأجزاء الثلاثين إلى أحزاب، كل جزء ينقسم إلى حزبين، ثم تقسيم الحزب إلى أرباع، كل حزب ينقسم إلى أربعة أرباع.
وعلى هذا التقسيم الأخير طبعت المصاحف، واعتمد هذا التقسيم على الجانب الراجح بين القراء فى عدد الآيات، فأنت تعلم هذا الخلاف الذى بينهم:
فالمدنيون الأول يعدون آيات القرآن ٦٠٠٠ آية والمدنيون المتأخرون يعدون آيات القرآن ٦١٢٤ آية والمكيون المتأخرون يعدون آيات القرآن ٦٢١٩ آية والكوفيون يعدون آيات القرآن ٦٢٦٣ آية والبصريون يعدون آيات القرآن ٦٢٠٤ آية والشاميون يعدون آيات القرآن ٦٢٢٥ آية وفى هذا الخلاف كان ثمة ترجيح، وثمة اتفاق وثمة تغليب. وقد انبرى لهذا «السّفاقسى» فى كتابه «غيث النفع» . ولقد اعتمد السفاقسى على رجلين سبقاه فى هذه الصناعة، هما: أبو العباس أحمد بن محمد بن أبى بكر القسطلانى فى كتابه «لطائف الإشارات فى علم القراءات» ، والقادرى محمد، وكتابه «مسعف المقرئين معبين المشتغلين بمعرفة الوقف والابتداء» ، وانتهى إلى الرأى الراجح أو المتّفق عليه، وبهذا أخذ الذين أشرفوا على طبع المصحف طبعته الأخيرة فى مصر، وخرج يحمل الإشارات الجانبية الدالّة على مكان الأجزاء والأحزاب وأرباع الأحزاب.
٢٢- الناسخ والمنسوخ:
النسخ، لغة: إبطال الشىء ورفعه، والمتكلمون عن النسخ فى القرآن يجعلونه على ثلاثة أضرب:
١- ما نسخ خطه وحكمه، ويروون فى ذلك عن أنس أنه قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى
стр. 380
الله عليه وسلم سورة تعدلها سورة التوبة، ما أحفظ منها غير آية واحدة «ولو أن لابن آدم واد بين من ذهب لابتغى إليهما ثالثا، ولو أن لهم ثالثا لابتغى إليها رابعا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» .
كما يروون عن ابن مسعود أنه قال: أقرأنى رسول الله ﷺ آية فحفظتها وكتبتها فى مصحفى، فلما كان الليل رجعت إلى مصحفى فلم أرجع منها بشىء، وغدوت على مصحفى فإذا الورقة بيضاء.
فأخبرت النبى ﷺ ، فقال لي: يابن مسعود، تلك رفعت البارحة.
وهذا قسم يكاد سرده يدل عليه ويكشف عن سقوطه، فما أجّل الله حكيما عليما. وما كانت الرسالة تجربة بشرية يجوز عليها تعديل أو الوقوع فيما سينقض بعد حين. ولقد كان الرسول يحدّث المسلمين بحديثه ويقرأ عليهم وحى السماء، ولقد كان ﵇ يعارضهم فيما حملوه عنه على التوالى حرصا على سلامة الوحى من أن يختلط به غيره، وكم من سامع خلط ما بين ما هو وحى وبين ما هو حديث للرسول، ولكنه كان بعد حين قليل مردودا إلى السلامة حين يلقى الرّسول، أو يقابل صحابيّا على بصيرة بما هو وحى وما هو حديث. وسرعان ما كانت تستقيم الأمور، ويبين هذا من ذاك، حتى إذا ما حان أن يقبض الله إليه رسوله كانت العرضة الأخيرة للقرآن، ولم تكن إلا لهذا ومثله.
٢- ما نسخ خطّه وبقى حكمه. ويروون لهذا خبرا عن عمر بن الخطاب، يقول:
لولا أكره أن يقول الناس قد زاد فى القرآن ما ليس فيه لكتبت آية الرّجم وأثبتها، فو الله لقد قرأناها على رسول الله ﷺ : «لا ترغبوا عن آبائكم فإن ذلك كفر بكم. الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم» .
وأحسب أن عمر لو صح هذا عنه، وأنه سمعها عن الرسول ما تخلّف عن أن يكتبها، ثم ألم يسمعها مع «عمر» غيره فيجعل منه شاهدا معه، إن كان «عمر» لا يرى أنه وحده مجزئ، اللهم إن هذا ينقض علينا تلك المعارضات التى كانت تتمّ بين الرسول والقارئين، وينقض علينا التفكير السليم، وما نحب لمن يعالج ما يتصل بكتاب الله إلا أن يكون ذا تفكير سليم.
٣- ما نسخ حكمه وبقى خطّه، وهذا شىء يقتضيه التشريع والانتقال من حكم إلى حكم، مثال ذلك الآيات التى تتصل بالقبلة، والتى انتهت بقوله تعالى يخاطب نبيّه: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ «١» وكانت قبلها فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ «٢» .
стр. 381
ومثل قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ «١» فجاء
قوله ﵊: «أحلّت لنا ميتتان ودمان: السّمك والجراد والكبد والطّحال»
يستثنى شيئا من الميتة المذكورة فى القرآن.
وقد عد الناظرون فى هذا نحوا من ١٤٤، منها:
(١) ثلاثون آية فى البقرة (٢) عشر آيات فى آل عمران (٣) أربع وعشرون آية فى النساء (٤) تسع آيات فى المائدة (٥) خمس عشرة آية فى الأنعام (٦) آيتان فى الأعراف (٧) ست آيات فى الأنفال (٨) إحدى عشرة آية فى التوبة (٩) ثمانى آيات فى يونس (١٠) أربع آيات فى هود (١١) آيتان فى الرعد (١٢) آية فى إبراهيم (١٣) خمس آيات فى الحجر (١٤) أربع آيات فى النحل (١٥) ثلاث آيات فى بنى إسرائيل (١٦) آية فى الكهف (١٧) خمس آيات فى مريم (١٨) ثلاث آيات فى طه (١٩) ثلاث آيات فى الأنبياء (٢٠) ثلاث آيات فى الحج (٢١) آيتان فى المؤمنين (٢٢) سبع آيات فى النور (٢٣) آيتان فى الفرقان (٢٤) آية واحدة فى النمل (٢٥) آية واحدة فى القصص (٢٦) آية واحدة فى العنكبوت (٢٧) آية واحدة فى الروم (٢٨) آية واحدة فى السجدة (٢٩) آيتان فى الأحزاب (٣٠) آية واحدة فى سبأ (٣١) آية واحدة فى الملائكة (٣٢) أربع آيات فى الصافات (٣٣) آيتان فى ص (٣٤) ثلاث آيات فى الزمر (٣٥) آيتان فى حم (المؤمن) (٣٦) آية واحدة فى حم (السجدة) (٣٧) سبع آيات فى الشورى (٣٨) آيتان فى الزخرف (٣٩) آية واحدة فى الدخان (٤٠) آيتان فى الجاثية
стр. 382
(٤١) آيتان فى الأحقاف (٤٢) آيتان فى محمد (٤٣) آيتان فى ق (٤٤) آيتان فى الذاريات (٤٥) آيتان فى الطور (٤٦) آيتان فى النجم (٤٧) آية واحدة فى القمر (٤٨) آية واحدة فى المجادلة (٤٩) ثلاث آيات فى الممتحنة (٥٠) آيتان فى القلم (٥١) آيتان فى المعارج (٥٢) ست آيات فى المزمل (٥٣) آيتان فى الإنسان (٥٤) آية واحدة فى عبس (٥٥) آية واحدة فى التكوير (٥٦) آية واحدة فى الطارق (٥٧) آية واحدة فى الغاشية (٥٨) آية واحدة فى التين (٥٩) آية واحدة فى العصر (٦٠) آية واحدة فى الكافرين وسوف نرى أن كل ما يتصل بها هو ترتّب أحكام اقتضاها التّشريع السماوى الذى أملاه نزول القرآن مجزءا بوفق أحوال المسلمين وتدرّجهم فى الحياة، الأمر الذى قد منا عنه حديثا عند الكلام على نزول القرآن مجزّءا لا جملة واحدة «١» .
٢٣- المحكم والمشابه والحروف المقطعة فى أوائل السور
يذهب العلماء فى المحكم والمتشابه مذاهب، ويفرعها ابن حبيب النيسابورى إلى أقوال ثلاثة:
أولها: أن القرآن كله محكم، لقوله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ١١: ١ ثانيها: أنه كله متشابه، لقوله تعالى: كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ ٣٩: ٢٣ ثالثها: انقسامه إلى محكم ومتشابه، لقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ، هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ٣: ٧ وكما اختلفوا فى هذه اختلفوا فى معنى المحكم ومعنى المتشابه، فقيل:
المحكم: ما عرف المراد منه، إما بالظهور وإما بالتأويل.
والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه، كقيام الساعة، وخروج الدجال، والحروف المقطعة فى أوائل السور.
وقيل:
المحكم: ما وضح معناه، والمتشابه، نقيضه.
стр. 383
وقيل:
المحكم: ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، والمتشابه: ما احتمل أوجها.
وقيل:
المحكم: ما كان معقول المعنى، والمتشابه بخلافه، كأعداد الصلوات، واختصاص الصيام برمضان دون شعبان.
وقيل:
المحكم: ما استقل بنفسه، والمتشابه: ما لا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره.
وقيل:
المحكم: ما لم تكرر ألفاظه، ويقابله المتشابه.
وقيل:
المحكم: الفرائض، والوعد، والوعيد، والمتشابه: القصص والأمثال.
وقيل:
المحكم: ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما يؤمن به ويعمل به.
والمتشابه: منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وما يؤمن به ولا يعمل به.
وقيل:
المحكم: الحلال والحرام، وما سوى ذلك منه فهو متشابه، يصدق بعضه بعضا.
ثم اختلفوا بعد هذين فى المتشابه، هل يمكن الاطلاع على علمه، أولا يعلمه إلا الله؟
وكان مرد هذا إلى اختلافهم فى تفسيرهم قوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ٣: ٧ منهم من جعل الواو للاستئناف، وعلى هذا يكون السياق: والراسخون فى العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا.
ومنهم من جعلها للعطف، وعلى هذا يكون السياق: والراسخون فى العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا «١» .
ويقول ابن قتيبة «٢» : إن الله لم ينزّل شيئا من القرآن إلا لينفع به عباده، ويدل به على معنى أراده.
ويقول: فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال، وتعلّق علينا بعلّة.
стр. 384
ويمضى ابن قتيبة فى حديثه فيقول: وهل يجوز لأحد أن يقول: إن رسول الله ﷺ لم يكن يعرف المتشابه، وإذا جاز أن يعرف مع قوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ جاز أن يعرفه الرّبانيون من صحابته.
فقد علّم «عليّا» التّفسير، ودعا لابن عباس فقال: اللهم علّمه التأويل وفقّهه فى الدين.
ثم يقول ابن قتيبة: وبعد. فإنا لم نر المفسرين توقّفوا عن شىء من القرآن فقالوا: هذا متشابه لا يعمله إلا الله: بل أمرّوه كله على التفسير حتى فسروا الحروف المقّطعة فى أوائل السور.
ويقول ابن قتيبة فى تفسير قوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ «١» : فإن قال قائل: كيف يجوز فى اللغة أن يعلمه الرسخون فى العلم، وأنت إذا أشركت الراسخين فى العلم انقطعوا عن «يقولون» ، وليست هاهنا فى نسق توجب للراسخين فعلين؟ قلنا له: إنّ «يقولون» هاهنا فى معنى الحال، كأنه قال: «والراسخون فى العلم قائلين آمنا به» .
«٢» ثم اختلفوا بعد هذا فى تفسير الحروف المقطعة.
١- فمنهم من يجعلها أسماء للسور، تعرف كل سورة بما افتتحت به منها، فهى أعلام تدل على ما تدل عليه الأسماء من أعيان الأشياء وتفرّق بينها، فإذا قال القائل: قرأت «المص» ، أو قرأت «ص» ، أو «ن» دل بذلك على ما قرأ.
ولا يرد هذا أن بعض هذه الأسماء يقع لعدة سور، مثل، «حم» و «الم» ، إذ من الممكن التمييز بأن يقول: حم السجدة، و «الم» البقرة، كما هى الحال عند وقوع الوفاق فى الأسماء، فتميّزها بالإضافات، وأسماء الآباء، والكنى.
٢- ويجعلها بعضهم للقسم، وكأن الله أقسم بالحروف المقطّعة كلها، واقتصر على ذكر بعضها من ذكر جميعها، فقال «الم» ، وهو يريد جميع الحروف المقطّعة، كما يقول القائل: تعلمت «أب ت ث» وهو لا يريد تعلّم هذه الأحرف دون غيرها من الثمانية والعشرين.
ولقد أقسم الله بحروف المعجم لشرفها وفضلها، إذ هى مبانى كتابه المنزل على رسوله.
٣- ويجعلها بعضهم حروفا مأخوذة من صفات الله تعالى، ويكون هذا فنّا من فنون الاختصار عند العرب.
стр. 385
وهذا الاختصار عند العرب كثير، يقول الوليد بن عقبة، من رجز له:
قلت لها قفى ... فقالت قاف
أى قالت: وقد وقفت، فأومأ بالقاف إلى معنى الوقوف.
وعلى هذا يجعل المفسرون كل حرف من هذه الحروف يشير إلى صفة من صفات الله.
فيقول ابن عباس مثلا فى تفسير قوله تعالى: كهيعص إن الكاف من كاف، والهاء من هاد، والياء من حكيم، والعين من عليم، والصاد من صادق.
هذا مجمل ما ذهب إليه المفسرون القدامى فى معانى هذه الحروف المقطعة وفى كل منها مقنع.
أما ما ذهب إليه المحدثون فى هذا فحسبك ما انتهى إليه «على نصوح الطاهر» فى كتابه «أوائل السور فى القرآن الكريم» . وإليك مجمل ما قال فى خاتمة كتابه:
١- إن أوائل السور تقوم على حساب الجمل.
٢- إنها تبين عدد الآيات المكية أيام كان القرآن يخشى عليه من أعدائه فى مكة من أن يزيدوا فيه أو أن ينقصوا منه، ودليله على ذلك.
(ا) أنها وردت مع تسع وعشرين سورة من سور القرآن.
(ب) من هذه السور سبع وعشرون مكية واثنتان مدنيتان، هما البقرة وآل عمران.
(ح) أن هاتين السورتين المدنيتين نزلتا فى أوائل العهد المدنى، ولم يكن قد استقر أمر المسلمين كثيرا، فهو عهد أشبه بعهد مكة.
(د) أنه حين اشتد أمر المسلمين، وكانت كثرة من القارئين والكاتبين، لم تكن ثمة حروف مقطعة فى فواتح سور.
ولقد تتبع فى كتابه «أوائل السور فى القرآن الكريم» السّور ذات الفواتح، وطابق بين جملها والآيات المكية بها فإذا هو ينتهى إلى رأى شبه قاطع.
هذا مجمل ما للسلف عن المتشابه والمحكم عامة، ثم مجمل ما للسلف والخلف من المحدثين عن الحروف المقطعة فى أوائل السور خاصة.
وتكاد أراء السلف عن الشق الأول تملى تعقيبا، فالآيات الثلاث التى فرعوا عليها أحكامهم تكاد تكون كل آية منها لمعنى قائم بذاته.
стр. 386
فقوله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ١١: ١، المراد بالإحكام هنا: غاية الإبداع، أى: إنه على صورة من البيان لا يدانى فيها إبداعا، وهذا من دلائل إعجاز القرآن.
وقوله تعالى: كِتاباً مُتَشابِهاً ٣٩: ٢٣، المراد بالتشابه هنا الاتفاق، إذ لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، وهذا دليل ثان من دلائل إعجاز القرآن.
وقوله تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ٣: ٧، فالمراد أن من آياته ما جاء لغرض بعينه لا تشاركه فيه غيرها، ومنها ما جاءت حول غرض عام تشاركها فيه غيرها.
وعلى هذا يستوى لنا رأى ابن قتيبة ومن لفّ لفّه فى أنه ليس ثمة فى الكتاب الكريم شىء إلا وهو مناط تفكيرنا وتدبيرنا، وإعمال الرأى فيه، لأنه كتاب الله لعباده، نزله على رسوله ليبلغه عباده ليعملوا به وبما فيه، ولن يبلغوا هذا أو يقاربوه إلا إذا نظروا فى معانيه وتدبروها.
وقد كتب السلف عن الشق؟؟؟ الثانى وقالوا فيه ما رأوا، وإذ كان القرآن للناس إلى يوم الدين، يقول كل ما يرى، إذا ما بلغ مبلغ من يقول فى القرآن، فقد نقلنا لك هذا الرأى المحدث.
٢٤- البسملة، والاستعاذة، والسجدة
والبسملة عند الأكثرين آية تقرأ من أول كل سورة، غير «براءة» .
والتعوذ قبل القراءة من السنة، لقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ «١» .
وصيغته المختارة: أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم.
وعند بعض السلف: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
وقال ابن الجزرى فى كتابه «النشر فى القراءات العشر» : المختار عند أئمة القراء الجهر بها.
ويسن السجود عند قراءة آية السجدة، وهى أربع عشرة آية، فى:
الأعراف: الرعد، النحل، الإسراء، مريم، وفيها «سجدتان» ، الفرقان، النمل، الم، فصلت، النجم، إذا السماء انشقت، اقرأ باسم ربك.
وأما فى «ص» فمستحبة وليست من عزائم السجود، أى متأكداته.
стр. 387
٢٥- كتاب المصحف
كان «المسند» - هو الخط الحميرى، الذى كان مستعملا فى الأنبار والحيرة- المرحلة الثالثة من المراحل التى جازها الخط العربى، فلقد سبقته فى سلّم التّرقّى مرحلتان: المرحلة المصرية بفروعها الثلاثة: الهير وغليفية، والهيراطيقية، والديموطيقية، والمرحلة الفينيقية، نسبة إلى فينيقية، أرض كنعان.
ومن الحيرة انتقل هذا الخط «المسند» إلى الجزيرة العربية، وكان أقدم خط عرف بها، وسمى مع انتقاله «الجزم» ، لأنه جزم، أى قطع من «المسند» .
وبعد بناء الكوفة، فى عهد عمر بن الخطاب، سمى هذا الخط «المسند» : الخطّ الكوفى، نسبة إليها، وما إن عمرت الكوفة حتى رحلت إليها القبائل، وكان من بين القبائل الراحلة قبائل يمنية، وكان من بينها من يكتب بالخط المسند، فسرعان ما انتشر هذا الخط بين الكوفيين، وجوّدوا فيه، وأضافوا إليه حليات وزخرفات على شاكلة تلك التى كانت فى الخط السريانى المعروف باسم: «السطرنجيلى» .
وحين انتهى الخط الكوفى إلى الحجاز كان بين مقوّر ومبسوط، وسمى الخط المقوّر باسم «اللين» ، أو «النسخى» ، وهو ما تكون عراقاته منخسفة إلى أسفل، وشاع استخدام هذا النوع من الخط فى الرقاع، والمراسلات، والكتابات العامة.
أما الخط «المبسوط» ، وهو ما يعرف باسم «اليابس» ، فلقد كانت عراقاته مبسوطة، وقصر استخدام هذا النوع من الخط على النقش فى المحارب، وأبواب المساجد والمعابد وجدرانها، وعلى كتابة المصاحف الكبيرة.
وكان كتّاب الرسول ﷺ يكتبون بالخط المقور «النسخى» ، وبهذا الخط كتب زيد بن ثابت- رضى الله عنه- صحف القرآن فى خلافة أبى بكر بأمره وإشارة عمر بن الخطاب، رضى الله عنهما.
ويتبين لك الفرق بين الخطين واضحا فى تلك الصور الثلاث: فالصورتان الأولى والثانية تمثلان خطا بين بعث أولهما رسول الله ﷺ إلى المقوقس [ش: ١] ، وبعث ثانيهما إلى المنذر بن سارى [ش: ٢] .
стр. 388
ش: ١ خطاب النبى ﷺ إلى المقوقس ش: ٢ خطاب النبى ﷺ إلى المنذر بن ساوى
стр. 389
أما الصورة الثالثة فتمثل صفحة من القرآن الكريم كتبت فى القرن الأول الهجرى [ش: ٣] ش: ٣ صفحة من القرآن الكريم. القرن الأول الهجرى وهكذا تجد أن الفرق بين خط القرآن وخط الرسائل واسع.
وحين جمع القرآن بالمدينة، وأرسلت المصاحف إلى مكة، والشام، والبصرة، والكوفة، وغيرها، أقبل الناس على نسخ القرآن الكريم، وأصبحت لكل إقليم طريقة تميز بها عن غيره، وكان لها اسمها، ونشأ عن ذلك:
١- الخط المدنى، وكان يسمى: المحقق، والوراقى، نسبة إلى الوراقين الذين كانو يكتبون المصاحف بالخط المحقق أو النسخى.
٢- الخط المكى، ويتميز هذا الخط المكى والخط المدنى بأن فى لفاتهما تعويجا إلى يمنة اليد، أو إلى أعلى الأصابع، فى انضجاع يسير.
٣- الخط البصرى (الكوفى، الأصفهانى، العراقى) ، وكان على ثلاثة أنواع: المدور، والمثلث، والتئم (وهو خط التعليق الذى بين الثلث والنسخ) .
وحين أطل العهد الأموى، وأقبل الناس على تعلم العربية، أخذ الخط العربى يرقى، وظهر فى أواخر عهد بنى أمية رجل اسمه «قطبة» اشتهر بتجديد الخط، وكان على يديه انتقال الخط العربى من الشكل
стр. 390
الكوفى إلى قريب من الشكل الذى هو عليه الآن، وإلى «قطبة» هذا يعزى اختراع القلم الجليل، الذى ينسب إليه الخط الجليلى، أى الكبير الواضح.
وكان ثمة فى أيام «الوليد بن عبد الملك» كاتب مختصّ به، هو «خالد بن أبى الهياج» ، انقطع لكتابة المصاحف للوليد، وكان مجوّدا فى كتابتها. «وابن أبى الهياج» هذا هو الذى كتب بالذهب على محراب مسجد النبى ﷺ فى المدينة سورة وَالشَّمْسِ وَضُحاها، وما بعدها من السّور إلى آخر القرآن الكريم، ولكن هذا كله للأسف ذهب ولم يبق له أثر.
وجاء من بعد «خالد بن أبى الهياج» رجل من كبار الزاهدين، كانت وفاته سنة إحدى وثلاثين ومائة من الهجرة، هو: مالك بن دينار، وكان «مالك» هو الآخر من المجددين فى كتابة المصاحف.
فلما كانت أيام «الرشيد» برز كاتبان من الكتّاب المجددين للمصاحف هما: خشنام البصرى، ومهدى الكوفى.
ويقول ابن النديم: ولم ير مثلهما إلى حيث انتهينا- أى إلى عصر ابن النديم- حتى إذا ما كانت أيام المعتصم ظهر «أبو حدى الكوفى» ، وكان يكتب المصاحف اللطاف.
ثم كانت بعد «أبى حدى» جماعة من الكوفيين اشتهروا بكتابة المصاحف، منهم: ابن أم شيبان، والمسحور، وأبو حميرة، وأبو الفرج.
هذا إلى جماعة أخرى من الوراقين كانوا يكتبون المصاحف بالخط المحقق (المشق) ، منهم: ابن أبى حسان، وابن الحضرمى، وابن زيد، والفريابى، وابن أبى فاطمة، وابن مجالد، وشراشير المصرى، وابن حسن المليح، وأبو حديدة، وأبو عقيل، وأبو محمد الأصفهانى، وأبو بكر أحمد بن نصر، وابنه أبو الحسن.
ولقد ظهر فى أوائل الدولة العباسية رجلان من أهل الشام عرفا بجودة الخط، وإليهما انتهت الرياسة فى ذلك العصر، هما: الضحاك بن عجلان، وكان فى خلافة السفاح، وإسحاق بن حماد، وكان فى خلافة المنصور والمهدى، وفى عهدهما بلغت الأقلام العربية اثنى عشر قلما، كان لكل قلم طريقته.
ثم انتهت رياسة الخط إلى ابنى مقلة: أبى على محمد بن مقلة، وعبد الله، وكان يضرب بخطهما المثل.
وعن الوزير «ابن مقلة» أخذ عبد الله بن محمد بن أسد (٤١٠ هـ) ، وعن «ابن أحمد» أخذ «ابن البواب» (٤١٣ هـ) ، وهو الذى أكمل قواعد الخط، وعن «ابن البواب» أخذ «محمد بن عبد الملك» ، وعن «محمد بن عبد الملك» أخذت «شهدة زينب بنت الابرى» (٥٧ هـ) الكاتبة المحدّثة.