Полный текст (5 429 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
(وهج) : الوهج حصول الضوء والحر من النار، والوهجان كذلك وقوله تعالى: وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً أي مضيئا وقد وهجت النار توهج ووهج يهج، ويوهج وتوهج الجوهر تلألأ.
(ولى) : الولاء والتوالي أن يحصل شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان ومن حيث النسبة ومن حيث الدين ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد، والولاية النصرة، والولاية تولى الأمر، وقيل الولاية والولاية نحو الدلالة والدلالة، وحقيقته نولى الأمر.
والولي والمولى يستعملان فى ذلك كل واحد منهما يقال فى معنى الفاعل أي الموالي، وفى معنى المفعول أي الموالي، يقال للمؤمن هو ولى اللَّه ولم يرد مولاه، وقد يقال: اللَّه تعالى ولى المؤمنين ومولاهم، فمن الأول قال اللَّه تعالى:
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا- إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ- وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ- ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا- نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ- وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى قال : قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ- وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ- ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ والوالي الذي فى قوله: وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ بمعنى الولي ونفى اللَّه تعالى الولاية بين المؤمنين والكافرين فى غير آية، فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ- إلى قوله- وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ- لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ- وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ- ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ- تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا- إلى قوله- وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وجعل بين الكافرين والشياطين موالاة فى الدنيا ونفى بينهم الموالاة فى الآخرة، قال اللَّه تعالى فى الموالاة بينهم فى الدنيا: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ وقال: إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ- إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ- فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ فكما جعل بينهم وبين الشيطان موالاة جعل للشيطان فى الدنيا عليهم سلطانا فقال: إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ونفى الموالاة بينهم فى الآخرة فقال فى موالاة الكفار بعضهم بعضا: يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً- يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ- قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا الآية، وقولهم
стр. 3782
تولى إذا عدى بنفسه اقتضى معنى الولاية وحصوله فى أقرب المواضع منه يقال وليت سمعى كذا ووليت عينى كذا ووليت وجهى كذا أقبلت به عليه، قال الله : فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها- فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وإذا عدى بعن لفظا أو تقديرا اقتضى معنى الإعراض وترك قربه، فمن الأول قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ- وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ومن الثاني قوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ- إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ- فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا- وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ- فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ- وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ- فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ والتولي قد يكون بالجسم وقد يكون بترك الإصغاء والائتمار، قال اللَّه : وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ أي لا تفعلوا ما فعل الموصوفون بقوله: وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً ولا ترتسموا قول من ذكر عنهم: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ويقال ولاه دبره إذا انهزم. وقال تعالى:
وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ- وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ وقوله: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا أي أبناء يكون من أوليائك، وقوله: خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي قيل ابن العم وقيل مواليه. وقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ فيه نفى الولي بقوله : مِنَ الذُّلِّ إذ كان صالحو عباده هم أولياء اللَّه كما تقدم لكن موالاتهم ليستولى هو تعالى بهم وقوله: وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا والولي المطر الذي يلى الوسمى، ى المولى يقال للمعتق والمعتق والحليف وابن العم والجار وكل من ولى أمر الآخر فهو وليه، ويقال فلان أولى بكذا أي أحرى، قال تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ- إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ- فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما- وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ وقيل:
أَوْلى لَكَ فَأَوْلى من هذا، معناه العقاب أولى لك وبك، وقيل هذا فعل المتعدى بمعنى القرب معناه انزجر. ويقال ولى الشيء الشيء وأوليت الشيء شيئا آخر أي جعلته يليه، والولاء فى العتق هو ما يورث به ونهى عن بيع الولاء وعن هبته، والموالاة بين الشيئين المتابعة.
(وهن) : الوهن ضعف من حيث الخلق أو الخلق، قال تعالى: قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي- فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ- وَهْناً عَلى وَهْنٍ أي كلما
стр. 3783
عظم فى بطنها زادها ضعفا على ضعف: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ- وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا- ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ.
(وهى) : الوهي شق فى الأديم والثوب ونحو هما ومنه يقال وهت عزالى السحاب بمائها، قال تعالى: وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ وكل شىء استرخى رباطه فقد وهى.
(وى) : وى كلمة تذكر للتحسر والتندم والتعجب، تقول وى لعبد اللَّه، قال تعالى: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ- وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ وقيل وى لزيد، وقيل ويك كان ويلك فحذف منه اللام.
(ويل) : قال الأصمعي: ويل قبح، وقد يستعمل على التحسر، وويس استصغار، وويح ترحم. ومن قال ويل واد فى جهنم فإنه لم يرد أن ويلا فى اللغة هو موضوع لهذا، وإنما أراد من قال اللَّه تعالى ذلك فيه فقد استحق مقرا من النار وثبت ذلك له: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ- وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ- وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ- فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا- فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا- وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ- وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ- يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا- يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ- يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ.
стр. 3784
الهاء
(هبط) : الهبوط الانحدار على سبيل القهر كهبوط الحجر، والهبوط بالفتح المنحدر، يقال هبطت أنا وهبطت غيرى، يكون اللازم والمتعدى على لفظ واحد، قال تعالى: وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ يقال هبطت وهبطته هبطا، وإذا استعمل فى الإنسان الهبوط فعلى سبيل الاستخفاف بخلاف الإنزال، فإن الإنزال ذكره تعالى فى الأشياء التي نبه على شرفها كإنزال الملائكة والقرآن والمطر وغير ذلك. والهبط ذكر حيث نبه على الغض نحو قوله: وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ- فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها- اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وليس فى قوله: فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ تعظيم وتشريف، ألا ترى أنه تعالى قال: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وقال جل ذكره: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً ويقال هبط المرض لحم العليل حطه عنه، والهبيط الضامر من النوق وغيرها إذا كان ضمره من سوء غذاء وقلة تفقد.
(هبا) : هبا الغبار يهبو ثار وسطع، والهبوة كالغبرة والهباء دقاق التراب وما نبت فى الهواء فلا يبدو إلا فى أثناء ضوء الشمس فى الكوة، قال تعالى:
فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً- فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا.
(هجد) : الهجود النوم والهاجد النائم، وهجدته فتهجد أزلت هجوده نحو مرضته. ومعناه أيقظته فتيقظ، وقوله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ أي تيقظ بالقرآن وذلك حث على إقامة الصلاة فى الليل المذكور فى قوله: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ والمتهجد المصلى ليلا، وأهجد البعير ألقى جرانه على الأرض متحريا للهجود.
(هجر) : الهجر والهجران مفارقة الإنسان غيره إما بالبدن أو باللسان أو بالقلب، قال تعالى: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ كناية عن عدم قربهن، وقوله تعالى: إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً فهذا هجر بالقلب أو بالقلب واللسان. وقوله: وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا يحتمل الثلاثة ومدعو إلى أن يتحرى أي الثلاثة إن أمكنه مع تحرى المجاملة، وكذا قوله تعالى: وَاهْجُرْنِي
стр. 3785
مَلِيًّا
وقوله تعالى: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ فحث على المفارقة بالوجوه كلها.
والمهاجرة فى الأصل مصارمة العير ومتاركته من قوله : وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا وقوله: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ وقوله: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ- فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فالظاهر منه الخروج من دار الكفر إلى دار الإيمان كمن هاجر من مكة إلى المدينة، وقيل مقتضى ذلك هجران الشهوات والأخلاق الذميمة والخطايا وتركها ورفضها، وقوله: إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي أي تارك لقومى وذاهب إليه. وقوله: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها وكذا المجاهدة تقتضى مع العدى مجاهدة النفس كما
روى فى الخبر: «رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»
وهو مجاهدة النفس،
وروى: «هاجروا ولا تهجروا»
أي كونوا من المهاجرين ولا تتشبهوا بهم فى القول دون الفعل، والهجر الكلام القبيح المهجور لقبحه.
وفى الحديث «ولا تقولوا هجرا»
وأهجر فلان إذا أتى بهجر من الكلام عن قصد، وهجر المريض إذا أتى ذلك من غير قصد وقرىء:
مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ وقد يشبه المبالغ فى الهجر بالمهجر فيقال أهجر إذا قصد ذلك، قال الشاعر:
كما جدة الأعراق قال ابن ضرة ... عليها كلاما جار فيه وأهجرا
ورماه بها جرات كلامه أي فضائح كلامه، وقوله فلان هجيراه كذا إذا أولع بذكره وهذى به هذيان المريض المهجر، ولا يكاد يستعمل الهجير إلا فى العادة الذميمة اللهم إلا أن يستعمله فى ضده من لا يراعى مورد هذه الكلمة عن العرب. والهجير والهاجر الساعة التي يمتنع فيها من السير كالحر كأنها هجرت الناس وهجرت لذلك، والهجار حبل يشد به الفحل فيصير سببا لهجرانه الإبل، وجعل على بناء العقال والزمام، وفحل مهجور أي مشدود به، وهجار القوس وترها وذلك تشبيه بهجار الفحل.
(هجع) : الهجوع: النوم ليلا، قال تعالى: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وذلك يصح أن يكون معناه كان هجوعهم قليلا من أوقات الليل، ويجوز أن يكون معناه لم يكونوا يهجعون والقليل يعبر به عن النفي والمشارف لنفيه لقلته، ولقيته بعد هجعة أي بعد نومة وقولهم رجل هجع كقولك نوم للمستنيم إلى كل شىء.
стр. 3786
(هدد) : الهد هدم له وقع وسقوط شىء ثقيل، والهدة صوت وقعه، قال تعالى: وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا وهددت البقرة إذا أوقعتها للذبح، والهد المهدود كالذبح للمذبوح ويعبر به عن الضعيف والجبان، وقيل مررت برجل هدك من رجل كقولك حسبك وتحقيقه يهدك ويزعجك وجود مثله، وهددت فلانا وتهددته إذا زعزعته بالوعيد، والهدهدة تحريك الصبى لينام، والهدهد طائر معروف، قال تعالى: ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ وجمعه هداهد، والهداهد بالضمّ واحد قال الشاعر:
كهداهد كسر الرماة جناحه ... يدعو بقارعة الطريق هديلا
(هدم) : الهدم إسقاط البناء، يقال هدمته هدما، والهدم ما يهدم ومنه استعير دم هدم أي هدر، والهدم بالكسر كذلك لكن اختص بالثوب البالي وجمعه أهدام، وهدمت البناء على التكثير، قال تعالى: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ.
(هدى) : الهداية دلالة بلطف ومنه الهدية وهوادى الوحش أي متقدماتها الهادية لغيرها، وخص ما كان دلالة بهديت وما كان إعطاء بأهديت نحو أهديت الهدية وهديت إلى البيت إن قيل كيف جعلت الهداية دلالة بلطف وقد قال اللَّه تعالى: فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ- وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ قيل ذلك استعمل فيه استعمال اللفظ على التهكم مبالغة فى المعنى كقوله: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ وقول الشاعر:
تحية بينهم ضرب وجيع
وهداية اللَّه تعالى للإنسان على أربعة أوجه، الأول: الهداية التي عم بجنسها كل مكلف من العقل والفطنة والمعارف الضرورية التي أعم منها كل شىء بقدر فيه حسب احتماله كما قال تعالى: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى الثاني: الهداية التي جعل للناس بدعائه إياهم على ألسنة الأنبياء وإنزال القرآن ونحو ذلك وهو المقصود بقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا الثالث:
التوفيق الذي يختص به من اهتدى وهو المعنى بقوله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وقوله: مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ وقوله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا- وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً- فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا- وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ
стр. 3787
يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
، الرابع: الهداية فى الآخرة إلى الجنة المعنى بقوله:
سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ- وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إلى قوله:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وهذه الهدايات الأربع مترتبة فإن من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثانية بل لا يصح تكليفه، ومن لم تحصل له الثانية لا تحصل له الثالثة والرابعة، ومن حصل له الرابع فقد حصل له الثلاث التي قبلها، ومن حصل له الثالث فقد حصل له اللذان قبله. ثم ينعكس فقد تحصل الأولى ولا يحصل له الثاني ولا يحصل الثالث، والإنسان لا يقدر أن يهدى أحدا إلا بالدعاء وتعريف الطرق دون سائر أنواع الهدايات وإلى الأول أشار بقوله:
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- يَهْدُونَ بِأَمْرِنا- وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ أي داع، وإلى سائر الهدايات أشار بقوله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وكل هداية ذكر اللَّه أنه منع الظالمين والكافرين فهى الهداية الثالثة وهى التوفيق الذي يختص به المهتدون، والرابعة التي هى الثواب فى الآخرة وإدخال الجنة نحو قوله : كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً إلى قوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وكقوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ وكل هداية نفاها اللَّه عن النبي ﷺ وعن البشر، وذكر أنهم غير قادرين عليها فهى ما عدا المختص من الدعاء وتعريف الطريق، وذلك كإعطاء العقل والتوفيق وإدخال الجنة، كقوله عز ذكره: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ- وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى - وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ- إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ- وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ- وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ- إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وإلى هذا المعنى أشار بقوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وقوله: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ أي طالب الهدى ومتحريه هو الذي يوفقه ويهديه إلى طريق الجنة لا من ضاده فيتحرى طريق الضلال والكفر كقوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ وفى أخرى: الظَّالِمِينَ وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ الكاذب الكفار هو الذي لا يقبل هدايته، فإن ذلك راجع إلى هذا وإن لم يكن لفظه موضوعا لذلك، ومن لم يقبل هدايته لم يهده، كقولك من لم يقبل هديتى لم أهد له ومن لم يقبل عطيتى لم أعطه، ومن رغب عنى لم أرغب فيه، وعلى هذا النحو قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وفى أخرى: الْفاسِقِينَ وقوله: أَفَمَنْ يَهْدِي
стр. 3788
إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى
وقد قرىء: (يهدى إلى أن يهدى) أي لا يهدى غيره ولكن يهدى أي لا يعلم شيئا ولا يعرف أي لا هداية له ولو هدى أيضا لم يهتد لأنها موات من حجارة ونحوها، وظاهر اللفظ أنه إذا هدى اهتدى لإخراج الكلام أنها أمثالكم كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ وإنما هى أموات. وقال فى موضع آخر: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ وقوله :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ- وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ- وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فذلك إشارة إلى ما عرف من طريق الخير والشر وطريق الثواب والعقاب بالعقل والشرع.
وكذا قوله: فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ- إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ- وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ فهو إشارة إلى التوفيق الملقى فى الروع فيما يتحراه الإنسان وإياه عنى بقوله : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وعدى الهداية فى مواضع بنفسه وفى مواضع باللام وفى مواضع بإلى، قال تعالى: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وقال تعالى: أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ وقال: هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى وما عدى بنفسه نحو: وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً- وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ- اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ- أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ- وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً- أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ- وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً.
ولما كانت الهداية والتعليم يقتضى شيئين: تعريفا من المعرف، وتعرفا من المعرف، وبهما تم الهداية والتعليم فإنه متى حصل البذل من الهادي والمعلم ولم يحصل القبول صح أن يقال لم يهد ولم يعلم اعتبارا بعدم القبول وصح أن يقال هدى وعلم اعتبارا ببذله، فإذا كان كذلك صح أن يقال إن اللَّه تعالى لم يهد الكافرين والفاسقين من حيث إنه لم يحصل القبول الذي هو تمام الهداية والتعليم، وصح أن يقال هداهم وعلمهم من حيث إنه حصل البذل الذي هو مبدأ الهداية.
فعلى الاعتبار بالأول يصح أن يحمل قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ- وَالْكافِرِينَ وعلى الثاني قوله : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى والأولى حيث لم يحصل القبول المفيد فيقال: هداه اللَّه فلم يهتد كقوله:
وَأَمَّا ثَمُودُ الآية، وقوله: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلى قوله:
وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فهم الذين قبلوا هداه واهتدوا به وقوله
стр. 3789
تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ- وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً فقد قيل عنى به الهداية العامة التي هى العقل وسنة الأنبياء وأمرنا أن نقول ذلك بألسنتنا وإن كان قد فعل ليعطينا بذلك ثوابا كما أمرنا أن نقول اللهم صل على محمد وإن كان قد صلى عليه بقوله:
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ وقيل إن ذلك دعاء بحفظنا عن استغواء الغواة واستهواء الشهوات، وقيل هو سؤال للتوفيق الموعود به فى قوله: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وقيل سؤال للهداية إلى الجنة فى الآخرة وقوله : وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فإنه يعنى به من هداه بالتوافق المذكور فى قوله : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً.
والهدى والهداية فى موضوع اللغة واحد لكن قد خص اللَّه لفظة الهدى بما تولاه وأعطاه واختص هو به دون ما هو إلى الإنسان نحو قوله تعالى:
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ- أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ- وَهُدىً لِلنَّاسِ- فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ- قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى - وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ- وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى - إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ- أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى.
والاهتداء يختص بما يتحراه الإنسان على طريق الاختيار إما فى الأمور الدنيوية أو الأخروية قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها وقال: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. ويقال ذلك لطلب الهداية نحو قوله تعالى: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وقال: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ- فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا- فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا.
ويقال المهتدى لمن يقتدى بعالم نحو قوله تعالى: أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ تنبيها أنهم لا يعلمون بأنفسهم ولا يقتدون بعالم وقوله تعالى: فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها فإن الاهتداء هاهنا يتناول وجوه الاهتداء من طلب الهداية ومن الاقتداء ومن تحريها، وكذا قوله: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ وقوله: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى فمعناه ثم أدام طلب الهداية ولم يفتر عن تحريه ولم يرجع إلى المعصية. وقوله: الَّذِينَ إِذا
стр. 3790
أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ
إلى قوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ أي الذين تحروا هدايته وقبلوها وعملوا بها، وقال مخبرا عنهم: وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ.
والهدى مختص بما يهدى إلى البيت. قال الأخفش والواحدة هدية، قال:
ويقال للأنثى هدى كأنه مصدر وصف به، قال اللَّه تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ- هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ- وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ- وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً.
والهدية مختصة باللطف الذي يهدى بعضنا إلى بعض، قال تعالى: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ- بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ والمهدى الطبق الذي يهدى عليه، والمهداء من يكثر إهداء الهدية، قال الشاعر:
وإنك مهداء الخنا نطف الحشا
والهدى يقال فى الهدى، وفى العروس يقال هديت العروس إلى زوجها، وما أحسن هدية فلان وهديه أي طريقته، وفلان يهادى بين اثنين إذا مشى بينهما معتمدا عليهما، وتهادت المرأة إذا مشت مشى الهدى.
(هرع) : يقال هرع وأهرع ساقه سوقا بعنف وتخويف، قال اللَّه تعالى: وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وهرع برمحه فتهرع إذا أشرعه سريعا، والهرع السريع المشي والبكاء، قيل والهريع والهرعة القملة الصغيرة.
(هرت) : قال تعالى: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ قيل هما الملكان وقال بعض المفسرين هما اسما شيطانين من الإنس أو الجن وجعلهما نصبا بدلا من قوله تعالى: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ بدل البعض من الكل كقولك القوم قالوا إن كذا زيد وعمرو. والهرت سعة الشدق، يقال فرس هريت الشدق وأصله من هرت ثوبه إذا مزقه ويقال الهريت المرأة المفضاة.
(هرن) : هرون اسم أعجمى ولم يرد فى شىء من كلام العرب.
(هزز) : الهز التحريك الشديد، يقال هززت الرمح فاهتز وهززت فلانا للعطاء، قال تعالى: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ- فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ واهتز
стр. 3791
النبات إذا تحرك لنظارته، قال تعالى: فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ واهتزت الكوكب فى انقضاضه وسيف هزهز وماء هزهز ورجل هزهز خفيف.
(هزل) : قال تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ الهزل كل كلام لا تحصيل له ولا ريع تشبيها بالهزال.
(هزؤ) : الهزء مزح فى خفية وقد يقال لما هو كالمزح، فما قصد به المزح قوله: اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً- وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً- وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً- وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً- أَتَتَّخِذُنا هُزُواً- وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً، فقد عظم تبكيتهم ونبه على خبثهم من حيث إنه وصفهم بعد العلم بها، والوقوف على صحتها بأنهم يهزءون بها، يقال هزئت به واستهزأت، والاستهزاء ارتياد الهزؤ وإن كان قد يعبر به عن تعاطى الهزؤ، كالاستجابة فى كونها ارتيادا للإجابة، وإن كان قد يجرى مجرى الإيجاب. قال تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ- وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ- ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ- إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها- وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ والاستهزاء من اللَّه فى الحقيقة لا يصح كما لا يصح من اللَّه اللهو واللعب، تعالى اللَّه عنه.
وقوله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ أي يجازيهم جزاء الهزء. ومعناه أنه أمهلهم مدة ثم أخذهم مغافصة فسمى إمهاله إياهم استهزاء من حيث إنهم اغتروا به اغترارهم بالهزء، فيكون ذلك كالاستدراج من حيث لا يعلمون، أو لأنهم استهزءوا فعرف ذلك منهم، فصار كأنه يهزأ بهم كما قيل من خدعك وفطنت له ولم تعرفه فاحترزت منه فقد خدعته.
وقد روى: أن المستهزئين فى الدنيا يفتح لهم باب من الجنة فيسرعون نحوه فإذا انتهوا إليه سد عليهم
فذلك قوله: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ وعلى هذه الوجوه قوله : سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
(هزم) : أصل الهزم غمز الشيء اليابس حتى ينحطم كهزم الشن، وهزم القثاء والبطيخ ومنه الهزيمة لأنه كما يعبر عنه بذلك يعبر عنه بالحطم والكسر، قال تعالى: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ- جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ وأصابته هازمة الدهر أي كاسرة كقولهم: فاقرة، وهزم الرعد
стр. 3792
تكسر صوته، والمهزام عود يجعل الصبيان فى رأسه نارا فيلعبون به كأنهم يهزمون به الصبيان. ويقولون للرجل الطبع هزم واهتزم.
(هشش) : الهش يقارب الهز فى التحريك ويقع على الشيء اللين كهش الورق أي خبطه بالعصا. قال تعالى: وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وهش الرغيف فى التنور يهش وناقة هشوش لينة غزيرة اللبن، وفرس هشوش ضد الصلود، والصلود الذي لا يكاد يعرق. ورجل هش الوجه طلق المحيا، وقد هششت، وهش للمعروف يهش وفلان ذو هشاش.
(هشم) : الهشم كسر الشيء الرخو كالنبات قال تعالى: فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ- فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ يقال هشم عظمه ومنه هشمت الخبز قال الشاعر:
عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف
والهاشمة الشجة تهشم عظم الرأس، واهتشم كل ما فى ضرع الناقة إذا احتلبه ويقال تهشم فلان على فلان تعطف.
(هضم) : الهضم شدخ ما فيه رخاوة، يقال هضمته فانهضم وذلك كالقصبة المهضومة التي يزمر بها ومزمار مهضم، قال تعالى: وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ أي داخل بعضه في بعض كأنما شدخ، والهاضوم ما يهضم من الطعام وبطن هضوم وكشح مهضم وامرأة هضيمة الكشحين واستعير الهضم للظلم، قال تعالى: فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً.
(هطع) : هطع الرجل ببصره إذا صوبه، وبعير مهطع إذا صوب عنقه، قال تعالى: مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ- مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ.
(هلل) : الهلال القمر في أول ليلة والثانية، ثم يقال له القمر ولا يقال له هلال وجمعه أهلة، قال اللَّه تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وقد كانوا سألوه عن علة تهلله وتغيره. وشبه به فى الهيئة السنان الذي يصاد به وله شعبتان كرمى الهلال، وضرب من الحيات والماء المستدير القليل في أسفل الركي وطرف الرحا، فيقال لكل واحد منهما هلال، وأهل الهلال رؤى،
стр. 3793
واستهل طلب رؤيته. ثم قد يعبر عن الإهلال بالاستهلال نحو الإجابة والاستجابة، والإهلال رفع الصوت عند رؤية الهلال ثم استعمل لكل صوت وبه شبه إهلال الصبى، وقوله: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي ما ذكر عليه غير اسم اللَّه وهو ما كان يذبح لأجل الأصنام، وقيل الإهلال والتهلل أن يقول لا إله إلا اللَّه، ومن هذه الجملة ركبت هذه اللفظة كقولهم التبسمل والبسملة، والتحولق والحوقلة إذا قال بسم اللَّه الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، ومنه الإهلال بالحج، وتهلل السحاب ببرقة تلألأ ويشبه فى ذلك بالهلال، وثوب مهلل سخيف النسج ومنه شعر مهلهل.
(هل) : هل حرف استخبار، إما على سبيل الاستفهام وذلك لا يكون من اللَّه قال تعالى: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا وإما على التقرير تنبيها أو تبكيتا أو نفيا نحو قوله تعالى: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً. وقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا- فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ كل ذلك تنبيه على النفي. وقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ- هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ- هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ- هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ- هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ قيل ذلك تنبيه على قدرة اللَّه، وتخويف من سطوته.
(هلك) : الهلاك على ثلاثة أوجه: افتقاد الشيء عنك وهو عند غيرك موجود كقوله تعالى: هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ وهلك الشيء باستحالة وفساد كقوله: وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ويقال هلك الطعام. والثالث: الموت كقوله: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ وقال تعالى مخبرا عن الكفار: وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ولم يذكر اللَّه الموت بلفظ الهلاك حيث لم يقصد الذم إلا فى هذا الموضع وفى قوله: وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا وذلك لفائدة يختص ذكرها بما بعد هذا الكتاب. والرابع: بطلان الشيء من العالم وعدمه رأسا وذلك المسمى فناء المشار إليه بقوله: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ويقال للعذاب والخوف والفقر والهلاك وعلى هذا قوله: وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ- وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ- وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها- فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها- أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ- أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا. وقوله: فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ
стр. 3794
الْفاسِقُونَ
وهو الهلاك الأكبر الذي دل
النبي ﷺ بقوله: «لا شر كشر بعده النار»
، وقوله تعالى: ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ والهلك بالضم الإهلاك، والتهلكة ما يؤدى إلى الهلاك، قال تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وامرأة هلوك كأنها تتهالك فى مشيها كما قال الشاعر:
مريضات أوبات التهادي كأنما ... تخاف على أحشائها أن تقطعا
وكنى بالهلوك عن الفاجرة لتمايلها، والهالكى كان حدادا من قبيلة هالك فسمى كل حداد هالكيا، والهلك الشيء الهالك.
(هلم) : هلم دعاء إلى الشيء وفيه قولان: أحدهما أن أصله هالم من قولهم لممت الشيء أي أصلحته فحذف ألفها فقيل هلم، وقيل أصله هل أم كأنه قيل هل لك فى كذا أمه أي قصده فركبا، قال : وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا فمنهم من تركه على حالته فى التثنية والجمع وبه ورد القرآن، ومنهم من قال هلما وهلموا وهلمى وهلممن.
(همم) : الهم الحزن الذي يذيب الإنسان، يقال هممت الشحم فانهم والهم ما هممت به فى نفسك وهو الأصل ولذا قال الشاعر:
وهمك ما لم تمضه لك منصب
قال اللَّه تعالى: إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا- وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها- إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ- لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ
- وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا- وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ- وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ وأهمنى كذا أي حملنى على أن أهم به، قال اللَّه تعالى: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ويقال هذا رجل همك من رجل، وهمتك من رجل كما تقول ناهيك من رجل. والهوام حشرات الأرض، ورجل هم وامرأة همة أي كبير، قد همه العمر أي أذابه.
(همد) : يقال همدت النار طفئت ومنه أرض هامدة لا نبات فيها ونبات هامد يابس، قال تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً والإهماد الإقامة بالمكان كأنه صار ذا همد، وقيل الإهماد السرعة فإن يكن ذلك صحيحا فهو كالإشكاء فى كونه تارة لإزالة الشكوى وتارة لإثبات الشكوى.
(همر) : الهمر صب الدمع والماء، يقال همره فانهمر قال تعالى:
فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وهمر ما فى الضرع حلبه كله، وهمر الرجل
стр. 3795
فى الكلام، وفلان يهامر الشيء أي يجرفه، ومنه همر له منه همر له من ماله أعطاه، والهميرة العجوز.
(همز) : الهمز كالعصر، يقال همزت الشيء فى كفى ومنه الهمز فى الحرف وهمز الإنسان اغتيابه، قال تعالى: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ يقال رجل هامز وهماز وهمزة، قال تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ وقال الشاعر:
وإن اغتيب فأنت الهامز اللمزة
وقال تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ.
(همس) : الهمس الصوت الخفي وهمس الأقدام أخفى ما يكون من صوتها، قال تعالى: فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً.
(هنا) : هنا يقع إشارة إلى الزمان والمكان القريب، والمكان أملك به، يقال هنا وهناك وهنالك كقولك ذا وذاك وذلك، قال اللَّه تعالى: جُنْدٌ ما هُنالِكَ- إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ- هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ
- هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ- هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ- فَغُلِبُوا هُنالِكَ.
(هن) : هن كناية عن الفرج وغيره مما يستقبح ذكره وفى فلان هنات أي خصال سوء وعلى هذا ما روى: «سيكون هنات» ، قال تعالى: إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ.
(هنأ) : الهنيء كل مالا يلحق فيه مشقة ولا يعقب وخامة وأصله فى الطعام يقال هنىء الطعام فهو هنىء، قال : فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً- كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ- كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، والهناء ضرب من القطران، يقال هنأت الإبل فهى مهنوءة.
(هود) : الهود الرجوع برفق ومنه التهويد وهو مشى كالدبيب وصار الهود فى التعارف التوبة. قال تعالى: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ أي تبنا، قال بعضهم:
يهود فى الأصل من قولهم هدنا إليك، وكان اسم مدح ثم صار بعد نسخ شريعتهم لازما لهم وإن لم يكن فيه معنى المدح كما أن النصارى في الأصل من قوله تعالى:
مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ ثم صار لازما لهم بعد نسخ شريعتهم. ويقال هاد فلان إذا تحرى طريقة اليهود فى الدين، قال اللَّه : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ
стр. 3796
هادُوا
والاسم العلم قد يتصور منه معنى ما يتعاطاه المسمى به أي المنسوب إليه ثم يشتق منه نحو قولهم تفرعن فلان وتطفل إذا فعل فعل فرعون فى الجور، وفعل طفيل فى إتيان الدعوات من غير استدعاء، وتهود فى مشيه إذا مشى مشيا رفيقا تشبيها باليهود فى حركتهم عند القراءة، وكذا هود الرائض الدابة سيرها برفق، وهود فى الأصل جمع هائد أي تائب وهو اسم نبى ﵇.
(هار) : يقال هار البناء وتهور إذا سقط نحو انهار، قال تعالى: عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وقرىء: هار يقال بئر هائر وهار وهار، ومهار، ويقال انهار فلان إذا سقط من مكان عال، ورجل هار وهائر ضعيف فى أمره تشبيها بالبئر الهائر، وتهور الليل اشتد ظلامه، وتهور الشتاء ذهب أكثره، وقيل تهير، وقيل تهيره فهذا من الياء، ولو كان من الواو لقيل تهوره.
(هيت) : هيت قريب من هلم وقرىء: هَيْتَ لَكَ: أي تهيأت لك، ويقال هيت به وتهيت إذا قالت هيت لك، قال اللَّه تعالى: وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ.
(هات) : يقال هات وهاتيا وهاتوا، قال تعالى: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ قال الفراء: ليس فى كلامهم هاتيت وإنما ذلك فى ألسن الخبرة، قال ولا يقال لا تهات. وقال الخليل المهاتاة والهتاء مصدر هات.
(هيهات) : هيهات كلمة تستعمل لتبعيد الشيء، يقال هيهات هيهات وهيهاتا ومنه قوله : هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ قال الزجاج: البعد لما توعدون، وقال غيره غلط الزجاج واستهواه اللام فإن تقديره بعد الأمر والوعد لما توعدون أي لأجله، وفى ذلك لغات: هيهات وهيهات وهيهاتا وهيها، وقال الفسوي: هيهات بالكسر، جمع هيهات بالفتح.
(هاج) : يقال هاج البقل يهيج اصفر وطاب، قال : ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا وأهيجت الأرض صار فيها كذلك، وهاج الدم والفحل هيجا وهياجا وهيجت الشر والحرب والهيجاء الحرب وقد يقصر، وهيجت البعير: أثرته.
стр. 3797
(هيم) : يقال رجل هيمان وهائم شديد العطش، وهام على وجهه ذهب وجمعه هيم، قال تعالى: فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ والهيام داء يأخذ الإبل من العطش ويضرب به المثل فيمن اشتد به العشق، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ أي فى كل نوع من الكلام يغلون فى المدح والذم وسائر الأنواع المختلفات، ومنه الهائم على وجهه المخالف للقصد الذاهب على وجهه، وهام ذهب فى الأرض واشتد عشقه وعطش، والهيم الإبل العطاش وكذلك الرمال تبتلع الماء، والهيام من الرمل اليابس، كأن به عطشا.
(هون) : الهوان على وجهين، أحدهما تذلل الإنسان فى نفسه لما لا يلحق به غضاضه فيمدح به نحو قوله: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ونحو ما
روى عن النبي ﷺ : «المؤمن هين لين»
الثاني: أن يكون من جهة متسلط مستخف به فيذم به. وعلى الثاني قوله تعالى: فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ- فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ- وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ- وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ- فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ- وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ويقال هان الأمر على فلان سهل. قال اللَّه تعالى: هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ- وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ- وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً والهاوون فاعول من الهون ولا يقال هاون لأنه ليس فى كلامهم فاعل.
(هوى) : الهوى ميل النفس إلى الشهوة. ويقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة، وقيل سمى بذلك لأنه يهوى بصاحبه فى الدنيا إلى كل داهية وفى الآخرة إلى الهاوية، والهوى سقوط من علو إلى سفل، وقوله : فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ قيل هو مثل قولهم هوت أمه أي ثكلت وقيل معناه مقره النار والهاوية هى النار، وقيل: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ أي خالة كقوله: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً وقد عظم اللَّه تعالى ذم اتباع الهوى فقال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ- وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى - وَاتَّبَعَ هَواهُ وقوله: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ فإنما قاله بلفظ الجمع تنبيها على أن لكل واحد هوى غير هوى الآخر، ثم هوى كل واحد لا يتناهى، فإذا اتباع أهوائهم نهاية الضلال والحيرة، وقال : وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ- كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ أي حملته على اتباع الهوى: وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا- قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ- وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ- وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ
стр. 3798
بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ
والهوى ذهاب فى انحدار، والهوى ذهاب فى ارتفاع، قال الشاعر:
يهوى محارمها هوى الأجدل
والهواء ما بين الأرض والسماء، وقد حمل على ذلك قوله: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ إذ هى بمنزلة الهواء فى الخلاء، ورأيتهم يتهاوون فى المهواة أي يتساقطون بعضهم فى إثر بعض، وأهواه أي رفعه فى الهواء وأسقطه، قال تعالى: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى.
(هيأ) : الهيئة الحالة التي يكون عليها الشيء محسوسة كانت أو معقولة لكن فى المحسوس أكثر، قال تعالى: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ والمهايأه ما يتهيأ القوم له فيتراضون عليه على وجه التخمين، قال تعالى:
وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً- وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً وقيل هياك أن تفعل كذا بمعنى إياك، قال الشاعر:
هياك هياك وحنواء العنق
(ها) : ها للتنبيه فى قولهم هذا وهذه وقد ركب مع ذا وذه وأولاء حتى صار معها بمنزلة حرف منها، وها فى قوله تعالى: ها أَنْتُمْ استفهام، قال تعالى: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ- ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ- هؤُلاءِ جادَلْتُمْ
- ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ- لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وها كلمة فى معنى الأخذ وهو نقيض هات أي أعط، يقال هاؤم وهاؤما وهاؤموا وفيه لغة أخرى: هاء وهاآ، وهاؤا، وهائى، وهأن، نحو خفن وقيل هاك، ثم يثنى الكاف ويجمع ويؤنث قال تعالى: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ وقيل هذه أسماء الأفعال، يقال هاء يهاء نحو خاف يخاف، وقيل هانى يهانى مثل نادى ينادى، وقيل إهاء نحو إخال.
стр. 3799
الياء
(يبس) : يبس الشيء ييبس، واليبس يابس النبات وهو ما كان فيه رطوبة فذهبت، واليبس المكان يكون فيه ماء فيذهب، قال تعالى: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً والأيبسان ما لا لحم عليه من الساقين إلى الكعبين.
(يتم) : اليتم انقطاع الصبى عن أبيه قبل بلوغه وفى سائر الحيوانات من قبل أمه، قال تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى - وَيَتِيماً وَأَسِيراً وجمعه يتامى:
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ- إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى - وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى وكل منفرد يتيم، يقال درة يتيمة تنبيها على أنه انقطع مادتها التي خرجت منها وقيل بيت يتيم تشبيها بالدرة اليتيمة.
(يد) : اليد الجارحة، أصله يدى لقولهم فى جمعه أيد ويدى. وأفعل فى جمع فعل أكثر نحو أفلس وأكلب، وقيل يدى نحو عبد وعبيد، وقد جاء فى جمع فعل نحو أزمن وأجبل، قال تعالى: إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ- أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها وقولهم يديان على أن أصله يدى على وزن فعل، ويديته ضربت يده، واستعير اليد للنعمة فقيل يديت إليه أي أسديت إليه، وتجمع على أياد، وقيل يدى. قال الشاعر:
فإن له عندى يديا وأنعما
وللحوز والملك مرة يقال هذا فى يد فلان أي فى حوزه وملكه، قال تعالى:
إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وقولهم وقع فى يدى عدل.
وللقوة مرة، يقال لفلان يد على كذا ومالى بكذا يد ومالى به يدان. قال الشاعر:
فاعمد لما تعلو فما لك بالذي ... لا تستطيع من الأمور يدان
وشبه الدهر فجعل له يد فى قولهم يد الدهر ويد المسند وكذلك الريح فى قول الشاعر:
بيد الشمال زمامها
لما له من القوة، ومنه قيل أنا يدك ويقال وضع يده فى كذا إذا شرع فيه. ويده مطلقة عبارة عن إيتاء النعيم، ويد مغلولة عبارة عن إمساكها. وعلى ذلك قيل:
стр. 3800
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ- غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ويقال نفضت يدى عن كذا أي خليت، وقوله : إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ أي قويت يدك، وقوله: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ فنسبته إلى أيديهم تنبيه على أنهم اختلقوه وذلك كنسبة القول إلى أفواههم فى قوله : ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ تنبيها على اختلافهم.
وقوله: أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها وقوله: أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ إشارة إلى القوة الموجودة لهم. وقوله: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ أي القوة.
وقوله: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ أي يعطون ما يعطون عن مقابلة نعمة عليهم فى مقارتهم. وموضع قوله: عَنْ يَدٍ فى الإعراب حال وقيل بل اعتراف بأن أيديكم فوق أيديهم أي يلتزمون الذل. وخذ كذا أثر ذى يدين، ويقال فلان يد فلان أي وليه وناصره، ويقال لأولياء اللَّه هم أيدى اللَّه وعلى هذا الوجه قال : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فإذا يده ﵊ يد اللَّه وإذا كان يده فوق أيديهم فيد اللَّه فوق أيديهم، ويؤيد ذلك ما روى: «لا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها» وقوله تعالى: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا وقوله: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ فعبارة عن توليه لخلقه باختراعه الذي ليس إلا له . وخص لفظ اليد ليتصور لنا المعنى إذ هو أجل الجوارح التي يتولى بها الفعل فيما بيننا ليتصور لنا اختصاص المعنى لا لنتصور منه تشبيها، وقيل معناه بنعمتي التي رشحتها لهم، والباء فيه ليس كالباء فى قولهم قطعته بالسكين بل هو كقولهم خرج بسيفه أي معه سيفه، معناه خلقته ومعه نعمتاى الدنيوية والأخروية اللتان إذا رعاهما بلغ بهما السعادة الكبرى. وقوله: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ أي نصرته ونعمته وقوته، ويقال رجل يدى وامرأة يدية أي صناع وأما قوله تعالى: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ أي ندموا، يقال سقط فى يده وأسقط عبارة عن المتحسر أو عمن يقلب كفيه كما قال : فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وقوله:
فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ أي كفوا عما أمروا بقبوله من الحق، يقال رد يده فى فمه أي أمسك ولم يجب، وقيل ردوا أيدى الأنبياء فى أفواههم أي قالوا ضعوا أناملكم على أفواهكم واسكتوا، وقيل ردوا نعم اللَّه بأفواههم بتكذيبهم.
стр. 3801
(يسر) : اليسر ضد العسر، قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ- سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً- وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً- فَالْجارِياتِ يُسْراً وتيسر كذا واستيسر أي تسهل، قال تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ- فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ أي تسهل وتهيأ، ومنه أيسرت المرأة وتيسرت فى كذا أي سهلته وهيأته، قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ- فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ واليسرى السهل، وقوله: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى فهذا وإن كان أعاره لفظ التيسير فهو على حسب ما قال : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ واليسير والميسور: السهل قال تعالى: فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً واليسير يقال فى الشيء القليل، فعلى الأول يحمل قوله: يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً وقوله: إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ وعلى الثاني يحمل قوله: وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً والميسرة واليسار عبارة عن الغنى. قال تعالى: فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ واليسار أخت اليمين، وقيل اليسار بالكسر، واليسرات القوائم الخفاف، ومن اليسر الميسر.
(يأس) : اليأس انتفاء الطمع، يقال يئس واستيأس مثل عجب واستعجب وسخر واستسخر، قال تعالى: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا- حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ- قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ- إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ وقوله: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا قيل معناه أفلم يعلموا ولم يرد أن اليأس موضوع فى كلامهم للعلم وإنما قصد أن يأس الذين آمنوا من ذلك يقتضى أن يحصل بعد العلم بانتفاء ذلك فإذا ثبوت يأسهم يقتضى ثبوت حصول علمهم.
(يقن) : اليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها، يقال علم يقين ولا يقال معرفة يقين، وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم، وقال علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين وبينها فروق مذكورة فى غير هذا الكتاب، يقال استيقن وأيقن، قال تعالى: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ- وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ- لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وقوله : وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً أي ما قتلوه قتلا تيقنوه بل إنما حكموا تخمينا ووهما.
(اليم) : اليم البحر، قال تعالى: فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ويممت كذا
стр. 3802
وتيممته قصدته، قال تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً وتيممته برمحى قصدته دون غيره. واليمام طير أصغر من الورشان، ويمامة اسم امرأة وبها سميت مدينة اليمامة.
(يمن) : اليمين أصله الجارحة واستعماله فى وصف اللَّه تعالى فى قوله:
وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ على حد استعمال اليد فيه وتخصيص اليمين فى هذا المكان والأرض بالقبضة حيث قال جل ذكره: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ يختص بما بعد هذا الكتاب. وقوله: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ أي عن الناحية التي كان منها الحق فتصرفوننا عنها، وقوله: لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ أي منعناه ودفعناه فعبر عن ذلك الأخذ باليمين كقولك خذ بيمين فلان عن تعاطى الهجاء، وقيل معناه بأشرف جوارحه وأشرف أحواله، وقوله جل ذكره:
وَأَصْحابُ الْيَمِينِ أي أصحاب السعادات والميامن وذلك على حسب تعارف الناس فى العبارة عن الميامن باليمين وعن المشائم بالشمال. واستعير اليمين للتيمن والسعادة، وعلى ذلك: وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ- فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ، وعلى هذا حمل:
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
واليمين فى الحلف مستعار من اليد اعتبارا بما يفعله المعاهد والمحالف وغيره قال تعالى: أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ- وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ- لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ- وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ- إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ وقولهم يمين اللَّه فإضافته إليه هو إذا كان الحلف به. ومولى اليمين هو من بينك وبينه معاهدة، وقولهم ملك يمينى أنفذ وأبلغ من قولهم فى يدى، ولهذا قال تعالى: مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
وقوله ﷺ : «الحجر الأسود يمين اللَّه»
أي به يتوصل إلى السعادة المقربة إليه. ومن اليمين تنوول اليمن، يقال هو ميمون النقيبة أي مبارك، والميمنة: ناحية اليمين.
(ينع) : ينعت الثمرة تينع ينعا وينعا وأينعت إيناعا وهى يانعة ومونعة، قال
стр. 3803
تعالى: انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ وقرأ ابن أبى اسحق وَيَنْعِهِ، وهو جمع يانع، وهو المدرك البالغ.
(يوم) : اليوم يعبر به عن وقت طلوع الشمس إلى غروبها. وقد يعبر به عن مدة من الزمان أي مدة كانت، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ- وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وقوله : وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ فإضافة الأيام إلى اللَّه تعالى تشريف لأمرها لما أفاض اللَّه عليهم من نعمه فيها. وقوله : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ الآية، فالكلام فى تحقيقه يختص بغير هذا الكتاب. ويركب يوم مع إذ فيقال يومئذ نحو قوله : فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ وربما يعرب ويبنى، وإذا بنى فللإضافة إلى إذ.
(يس) : يس قيل معناه يا إنسان، والصحيح أن يس هو من حروف التهجي كسائر أوائل السور.
(ياء) : يا حرف النداء، ويستعمل فى البعيد وإذا استعمل فى اللَّه نحو يا رب فتنبيه للداعى أنه بعيد من عون اللَّه وتوفيقه.
стр. 3804
الجزء التاسع
الباب الثالث عشر التفسير والمفسرون
(ا) التفسير
стр. 3805
التفسير والتأويل
التفسير، تفعيل من الفسر، وهو البيان والكشف.
ويقال: هو مقلوب السفر، تقول: أسفر الصبح، إذا أضاء.
وقيل: مأخوذ من التفسرة، وهى اسم لما يعرف به الطبيب المرض.
والتأويل: أصله من الأول، وهو الرجوع. فكأنه صرف الآية إلى ما تحتمله من المعاني.
وقيل: من الإيالة، وهى السياسة، كأن المؤوّل للكلام ساس الكلام ووضع المعنى فيه موضعه.
واختلف فى التفسير والتأويل.
فقال أبو عبيد وطائفة: هما بمعنى.
وقيل: التفسير أعم من التأويل، وأكثر استعماله فى الألفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل فى المعاني والجمل، وأكثر ما يستعمل فى الكتب الإلهية، والتفسير يستعمل فيها وفى غيرها.
وقيل: التفسير بيان لفظ لا يحتمل إلا وجها واحدا، والتأويل: توجيه لفظ متوجه إلى معان مختلفة إلى واحد منها بما ظهر من الأدلة.
وقيل: التفسير القطع على أن المراد من اللفظ هذا، والشهادة على الله أنه عنى باللفظ هذا، فإن قام دليل مقطوع به فصحيح، وإلا فتفسير بالرأى، وهو المنهي عنه.
والتأويل: ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة على الله.
وقيل: التفسير بيان وضع اللفظ، إما حقيقة أو مجازا، كتفسير الصراط بالطريق، والصيب بالمطر.
والتأويل: تفسير باطن اللفظ، مأخوذ من الأول، وهو الرجوع لعاقبة الأمر.
стр. 3806
فتأويل: إخبار عن حقيقة المراد، والتفسير إخبار عن دليل المراد، لأن اللفظ يكشف عن المراد والكاشف دليل، مثاله قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ.
تفسيره: أنه من الرصد، يقال: رصدته: رقبته، والمرصاد، مفعال منه.
وتأويله: التحذير من التهاون بأمر الله، والغفلة عن الأهبة والاستعداد للعرض عليه.
وقواطع الأدلة تقتضى بيان المراد منه على خلاف وضع اللفظ فى اللغة.
وقيل: إن التفسير فى عرف العلماء كشف معانى القرآن، وبيان المراد أعم من أن يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره، وبحسب المعنى الظاهر وغيره، والتأويل أكثره فى الجمل. والتفسير إما أن يستعمل فى غريب الألفاظ، نحو البحيرة والسائبة والوصيلة، أو فى وجيز تبيين لشرح. نحو: أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ، وإما فى كلام متضمن لقصة لا يمكن تصويره إلا بمعرفتها، كقوله:
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ وقوله: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها.
وأما التأويل فإنه يستعمل مرة عاما ومرة خاصا، نحو الكفر المستعمل تارة فى الجحود المطلق، وتارة فى الجحود بالباري خاصة، والإيمان المستعمل فى التصديق المطلق تارة، وفى تصديق الحق أخرى.
وإما فى لفظ مشترك بين معان مختلفة، نحو لفظ، وجد: المستعمل فى الجدة والوجد والوجود.
وقيل: التفسير يتعلق بالرواية، والتأويل يتعلق بالدراية.
وقيل: التفسير، مقصود على الاتباع والسماع والاستنباط مما يتعلق بالتأويل.
وقال قوم: ما وقع مبينا فى كتاب الله ومعينا فى صحيح السنة سمى تفسيرا، لأن معناه قد ظهر ووضح، وليس لأحد أن يتعرض إليه باجتهاد ولا غيره، بل يحمله على المعنى الذي ورد لا يتعداه.
стр. 3807
والتأويل: ما استنبطه العلماء العاملون لمعانى الخطاب الماهرون فى آلات العلوم. وقال قوم منهم البغوي والكواشي: التأويل: صرف الآية إلى معنى موافق لما قبلها وما بعدها تحتمله الآية، غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط.
وقال بعضهم: التفسير فى الاصطلاح: علم نزول الآيات وشؤونها وأقاصيصها والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكيها ومدنيها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها، وحلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعبرها وأمثالها.
وقال أبو حيان: التفسير: علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك.
ثم قال: فقولنا: علم، جنس.
وقولنا: يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن. هو علم القراءة.
وقولنا: ومدلولاتها: أي مدلولات تلك الألفاظ، وهذا متن علم اللغة الذي يحتاج إليه فى هذا العلم.
وقولنا: أحكامها الإفرادية والتركيبية، هذا يشمل على التصريف والبيان والبديع:
وقولنا: ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب، يشمل ما دلالته بالحقيقة وما دلالته بالمجاز. فإن التركيب، قد يقتضى بظاهره شيئا. ويصدّ عن الحمل عليه صاد، فيحمل على غيره، وهو المجاز.
وقولنا: وتتمات لذلك، هو مثل معرفة النسخ وسبب النزول وقصة توضح بعض ما أبهم فى القرآن، ونحو ذلك.
وقال الزركشي: التفسير: علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﵌، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه، واستمداد ذلك من علم اللغة، والنحو، والتصريف، وعلم البيان، وأصول الفقه والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ.
стр. 3808
ثم اعلم أن من المعلوم أن الله إنما خاطب خلقه بما يفهمونه، ولذلك أرسل كل رسول بلسان قومه، أنزل كتابه على لغتهم.
ولكى تعلم لم احتيج إلى التفسير، فاعلم أن كل من وضع من البشر كتابا فإنما وضعه ليفهم بذاته من غير شرح، وإنما احتيج إلى الشروح لأمور ثلاثة:
أحدها: كمال فضيلة المصنف، فإن لقوّته العلمية يجمع المعاني الدقيقة فى اللفظ الوجيز، فربما عسر فهم مراده فقصد بالشرح ظهور تلك المعاني الخفية، ومن هنا كان شرح بعض الأئمة تصنيفه أدل على المراد من شرح غيره له.
وثانيها: إغفاله بعض تتمات المسألة أو شروط لها اعتمادا على وضوحها، أو لأنها من علم آخر فيحتاج الشارح لبيان المحذوف ومراتبه.
وثالثها: احتمال اللفظ لمعان. كما فى المجاز والاشتراك ودلالة الالتزام، فيحتاج الشارح إلى بيان غرض المصنف وترجيحه. وقد يقع فى التصانيف ما لا يخلو عنه بشر من السهو والغلط، أو تكرار الشيء أو حذف المبهم وغير ذلك، فيحتاج الشارح للتنبيه على ذلك.
لهذا إن القرآن إنما نزل بلسان عربى فى زمن أفصح العرب، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه، أما دقائق باطنه فإنما كان يظهر لهم بعد البحث والنظر مع سؤالهم النبي ﵌ فى الأكثر،
كسؤالهم لما نزل قوله: وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ فقالوا: وأينا لم يظلم نفسه، ففسره النبي ﵌ بالشرك، واستدل عليه بقوله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.
وكسؤال عائشة عن الحساب اليسير فقال: ذلك العرض.
وكقصة عدىّ بن حاتم فى الخيط الأبيض والأسود، غير ذلك مما سألوا عن آحاد منه.
ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه وزيادة على ذلك مما لم يحتاجوا إليه من أحكام الظواهر لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلم، فنحن أشد الناس احتياجا إلى التفسير. ومعلوم أن تفسير بعضه يكون من قبل الألفاظ الوجيزة وكشف معانيها، وبعضه من قبل ترجيح بعض الاحتمالات على بعض.
стр. 3809
وعلم التفسير عسر يسير.
أما عسره فظاهر من وجوه: أظهرها أنه كلام متكلم لم تصل الناس إلى مراده بالسماع منه ولا إمكان الوصول إليه، بخلاف الأمثال والأشعار ونحوها، فإن الإنسان يمكن علمه منه إذا تكلم بأن يسمع منه أو ممن سمع منه.
وأما القرآن فتفسيره على وجه القطع لا يعلم إلا بأن يسمع من الرسول ﵌، وذلك متعذر إلا فى آيات قلائل.
فالعلم بالمراد يستنبط بأمارات ودلائل، والحكمة فيه أن الله تعالى أراد أن يتفكر عباده فى كتابه فلم يأمر نبيه بالتنصيص على المراد فى جميع آياته.
وأما شرفه فلا يخفى، قال تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً فعن ابن عباس فى قوله تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ قال: المعرفة بالقرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه، ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله. وعنه: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ قال: يعنى تفسيره، فإنه قد قرأه البرّ والفاجر.
وعن أبى الدرداء: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ قال: قراءة القرآن والفكرة فيه.
وعن عمرو بن مرة قال: ما مررت بآية فى كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنتني، لأنى سمعت الله يقول: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ.
وعن الحسن قال: ما أنزل الله آية إلا وهو يحبّ أن تعلم فيما أنزلت وما أراد بها.
وعن ابن عباس قال: الذي يقرأ القرآن ولا يحسن تفسيره كالأعرابى يهذ الشعر هذا وعن أبى هريرة: «أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه» وعن أبى بكر الصديق قال: لأن أعرب آية من القرآن أحبّ إلىّ من أن أحفظ آية.
وعن رجل من أصحاب النبي ﵌ قال: لو أنى أعلم إذا سافرت أربعين ليلة أعربت آية من كتاب الله لفعلت.
وقال عمر: من قرأ القرآن فأعربه كان له عند الله أجر شهيد. ومعنى هذه إرادة البيان والتفسير، لأن إطلاق الإعراب على الحكم النحوي اصطلاح حادث، ولأنه كان فى سليقتهم لا يحتاجون إلى تعلمه.
стр. 3810
وقد أجمع العلماء أن التفسير من فروض الكفايات وأجلّ العلوم الثلاثة الشرعية.
وقيل أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان تفسير القرآن. فإن شرف الصناعة:
إما بشرف موضوعها مثل الصياغة فإنها أشرف من الدباغة، لأن موضوع الصياغة الذهب والفضة، وهما أشرف من موضوع الدباغة الذي هو جلد الميتة.
وإما بشرف غرضها، مثل صناعة الطب، فإنها أشرف من صناعة الكناسة، لأن غرض الطب إفادة الصحة وغرض الكناسة تنظيف المستراح.
وإما بشدة الحاجة إليها كالفقه، فإن الحاجة إليه أشد من الحاجة إلى الطب، إذ ما من واقعة فى الكون فى أحد من الخلق إلا وهى مفتقرة إلى الفقه، لأن به انتظام صلاح أحوال الدنيا والدين، بخلاف الطب فإنه يحتاج إليه بعض الناس فى بعض الأوقات.
وإذا عرف ذلك فصناعة التفسير قد حازت الشرف من الجهات الثلاث:
أما من جهة الموضوع فلأن موضوعه كلام الله تعالى الذي هو ينبوع كل حكمة ومعدن كل فضيلة، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضى عجائبه.
وأما من جهة الغرض، فلأن الغرض منه هو الاعتصام بالعروة الوثقى والوصول إلى السعادة الحقيقة التي لا تفنى.
وأما من جهة شدة الحاجة. فلأن كل كمال دينى أو دنيوى عاجلى أو آجلى مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية، وهى متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى.
وقد اشترطوا فى المفسر شروطا وألزموه بآداب.
قال العلماء: من أراد تفسير الكتاب العزيز طلبه أولا من القرآن، فما أجمل منه فى مكان فقد فسر فى موضع آخر، وما اختصر فى مكان فقد بسط فى موضع آخر منه. فإن أعياه ذلك طلبه من السنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له.
стр. 3811
وقد قال الشافعي رضى الله عنه: كل ما حكم به رسول الله ﵌ فهو مما فهمه من القرآن، قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ فى آيات أخر.
وقال ﵌: ألا إنى أتيت القرآن ومثله معه، يعنى السنة.
فإن لم يجده من السنة رجع إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله ولما اختصوا به من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح.
ومما ألزموا المفسر به من آداب: صحة الاعتقاد أولا ولزوم سنة الدين، فإن من كان مغموصا عليه فى دينه لا يؤتمن على الدنيا فكيف على الدين؟ ثم لا يؤتمن فى الدين على الأخبار عن عالم فكيف يؤتمن فى الأخبار عن أسرار الله تعالى؟ ولأنه لا يؤمن إن كان متهما بالإلحاد أن يبغى الفتنة ويغرّ الناس بليه وخداعه كدأب الباطنية وغلاة الرافضة.
وإن كان متهما بهوى لم يؤمن أن يحمله هواه كلما يوافق بدعته كدأب القدرية، فإن أحدهم يصنف الكتاب فى التفسير ومقصوده منه الإيضاح الساكن ليصدّهم عن اتباع السلف ولزوم طريق الهدى.
ويجب أن يكون اعتماده على النقل عن النبي ﵌ وعن أصحابه ومن عاصرهم ويتجنب المحدثات، وإذا تعارضت أقوالهم وأمكن الجمع بينها فعل، نحو أن يتكلم على الصراط المستقيم.
وأقوالهم فيه ترجع إلى شىء واحد فيدخل منها ما يدخل فى الجمع، فلا تنافى بين القرآن وطريق الأنبياء، فطريق السنة وطريق النبي ﵌ وطريق أبى بكر وعمر، فأىّ هذه الأقوال أفرده كان محسنا. وإن تعارضت ردّ الأمر إلى ما ثبت فيه السمع، فإن لم يجد سمعا وكان للاستدلال طريق إلى تقوية أحدهما رجح ما قوى الاستدلال فيه، كاختلافهم فى معنى حروف الهجاء، يرجح قول من قال: إنها قسم.
وإن تعارضت الأدلة فى المراد علم أنه قد اشتبه عليه فيؤمن بمراد الله تعالى، ولا يتهجم على تعيينه، وينزله منزلة المجمل قبل تفصيله، والمتشابه قبل تبيينه.
стр. 3812
ومن شروط صحة المقصد فيما يقول ليلقى التسديد، فقد قال تعالى:
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وإنما يخلص له القصد إذا زهد فى الدنيا لأنه إذا رغب فيها لم يؤمن أن يتوسل به إلى غرض يصده عن صواب قصده ويفسد عليه صحة علمه.
وتمام هذه الشرائط أن يكون ممتلئا من عدّة الإعراب لا يلتبس عليه اختلاف وجوه الكلام، فإنه إذا خرج بالبيان عن وضع اللسان إما حقيقة أو مجازا فتأويله تعطيله، ويجب أن يعلم أن النبي ﵌ بين لأصحابه معانى القرآن كما بين لهم ألفاظه، فقوله تعالى: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ يتناول هذا وهذا. وقد قال أبو عبد الرحمن السلمى: حدثنا الذين كانوا يقرءون القرآن. كعثمان بن عفان. وعبد الله بن مسعود، وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﵌ عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا. ولهذا كانوا يبقون مدة فى حفظ السورة.
وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فى أعيننا.
ولقد أقام ابن عمر على حفظ البقرة ثمان سنين. وذلك أن الله تعالى قال:
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن.
وأيضا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا فى فن من العلم كالطب والحساب ولا يستشرحونه، فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم؟
ولهذا كان النزاع بين الصحابة فى تفسير القرآن قليلا جدا، وهو إن كان بين التابعين أكثر منه بين الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم، ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة. وربما تكلموا فى بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال.
والخلاف بين السلف فى التفسير قليل، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوّع لا اختلاف تضادّ، وذلك صنفان:
أحدهما: أن يعبر واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى، فى المسمى، غير المعنى الآخر، مع اتحاد المسمى، كتفسيرهم الصراط
стр. 3813
المستقيم: بعض بالقرآن، أي اتباعه، وبعض بالإسلام، فالقولان متفقان لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ صراط يشعر بوصف ثالث.
وكذلك قول من قال: هو السنة والجماعة، وقول من قال: هو طريق العبودية، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله، وأمثال ذلك.
فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها.
الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود فى عمومه وخصوصه، مثاله ما نقل فى قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا الآية، فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للحرمات، والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات، والسابق يدخل فيه من سبق فتقرّب بالحسنات مع الواجبات. فالمقتصدون أصحاب اليمين، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ.
ثم إن كلا منهم يذكر هذا فى نوع من أنواع الطاعات كقول القائل:
السابق الذي يصلى فى أول الوقت، والمقتصد الذي يصلى فى أثنائه، والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار.
أو يقول: السابق المحسن بالصدقة مع الزكاة، والمقتصد الذي يؤدى الزكاة المفروضة فقط، والظالم مانع الزكاة.
وهذان الصنفان اللذان ذكرنا هما فى تنوع التفسير تارة لتنوّع الأسماء والصفات، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى، وهو الغالب فى تفسير سلف الأمة الذي يظن أنه مختلف.
ومن التنازع الموجود منهم ما يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين:
إما لكون مشتركا فى اللغة كلفظ القصورة، الذي يراد به الرامي ويراد به الأسد، ولفظ عسعس الذي يراد به إقبال الليل وإدباره.
وإما لكونه متواطئا فى الأصل لكن المراد به أحد النوعين أو أحد
стр. 3814
الشخصين، كالضمائر فى قوله: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى الآية، وكلفظ الفجر، والشفع، والوتر، وليال عشر، وأشباه ذلك.
فمثل ذلك قد يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالها السلف، وقد لا يجوز ذلك.
فالأول إما لكون الآية نزلت مرتين فأريد بها هذا تارة وهذا تارة.
وإما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه.
وإما لكون اللفظ متواطئا فيكون عاما إذا لم يكن لمخصصه موجب.
فهذا النوع إذا صح فيه القولان كان من الصنف الثاني.
ومن الأقوال الموجودة عنهم ويجعلها بعض الناس اختلافا، أن يعبروا عن المعاني بألفاظ متقاربة، كما إذا فسر بعضهم تبسل بتحبس، وبعضهم بترتهن، لأن كلا منهما قريب من الآخر.
والاختلاف فى التفسير على نوعين:
منه ما مستنده النقل فقط.
ومنه ما يعلم بغير ذلك.
والمنقول إما عن المعصوم أو غيره.
ومنه ما يمكن معرفة الصحيح منه من غيره.
ومنه ما لا يمكن ذلك.
وهذا القسم الذي لا يمكن معرفة صحيحه من ضعيفه عامته مما لا فائدة فيه ولا حاجة بنا إلى معرفته، وذلك كاختلافهم فى لون كلب أصحاب الكهف واسمه، وفى البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، وفى قدر سفينة نوح وخشبها، وفى اسم الغلام الذي قتله الخضر، ونحو ذلك.
فهذه الأمور طريق العلم بها النقل، فما كان منه منقولا نقلا صحيحا عن النبي ﵌ قبل، وما لا، بأن نقل عن أهل الكتاب، ككعب ووهب، وقف عن تصديقه وتكذيبه
لقوله ﵌: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم» .
стр. 3815
وكذا ما نقل عن بعض التابعين.
وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب، فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض، وما نقل فى ذلك عن الصحابة نقلا صحيحا فالنفس إليه أسكن مما ينقل عن التابعين، ولأن احتمال أن يكون سمعه من النبي ﵌، أو من بعض من سمعه منه أقوى، ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين، ومع جزم الصحابي بما يقوله كيف يقال إنه أخذه عن أهل الكتاب، وقد نهوا عن تصديقهم.
وأما القسم الذي يمكن معرفة الصحيح منه، فهذا موجود كثير.
وأما ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين:
أحدها: قوم اعتقدوا معانى ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها.
والثاني: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان من الناطقين بلغة العرب من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به.
فالأولون راعوا المعنى الذي رآوه من غير نظر إلى ما بستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان.
والآخرون راعوا مجرد اللفظ وما يجوز أن يراد به العربي من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم وسياق الكلام.
ثم هؤلاء كثيرا ما يغلطون فى احتمال اللفظ لذلك المعنى فى اللغة كما يغلط فى ذلك الذين قبلهم.
كما أن الأولين كثيرا ما يغلطون فى صحة المعنى الذي فسروا به القرآن كما يغلط فى ذلك الآخرون.
وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق ونظر الآخرين إلى اللفظ أسبق.
والأولون صنفان:
تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به.
وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به.
وفى كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلا فيكون خطؤهم فى الدليل والمدلول.
стр. 3816
وقد يكون حقا فيكون خطؤهم فى الدليل لا فى المدلول.
فالذين أخطئوا فيهما مثل طوائف من أهل البدع اعتقدوا مذاهب باطلة وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على رأيهم، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لا فى رأيهم ولا فى تفسيرهم، فإن من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئا فى ذلك بل مبتدعا، لأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله.
وأما الذين أخطئوا فى الدليل لا فى المدلول كمثل كثير من الصوفية والوعاظ والفقهاء يفسرون القرآن بمعان صحيحة فى نفسها لكن القرآن لا يدل عليها، فإن كان فيما ذكروه معان باطلة دخل فى القسم الأول.
وللناظر فى القرآن لطلب التفسير مآخذ كثيرة، أمهاتها أربعة:
الأول: النقل عن النبي ﵌، وهذا هو الطراز المعلم، لكن يجب الحذر من الضعيف منه والموضوع فإنه كثير، ولهذا قال أحمد: ثلاث كتب لا أصل لها: المغازي، والملاحم، والتفسير: يعنى أن الغالب أنه ليس لها أسانيد صحاح متصلة، وإلا فقد صح من ذلك كثير كتفسير الظلم بالشرك فى آية الأنعام، والحساب اليسير بالعرض، والقوة بالرمي فى قوله: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ.
الثاني: الأخذ بقول الصحابي، فإن تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع إلى النبي ﵌.
وفى الرجوع إلى قول التابعي روايتان، واختار ابن عقيل المنع، لكن عمل المفسرين على خلافه، فقد حكوا فى كتبهم أقوالهم لأن غالبها تلقوها من الصحابة، وربما يحكى عنهم عبارات مختلفة الألفاظ فيظن من لا فهم عنده أن ذلك اختلاف محقق فيحكيه أقوالا وليس كذلك، بل يكون كل واحد منهم ذكر معنى من الآية لكونه أظهر عنده أو أليق بحال السائل.
стр. 3817
وقد يكون بعضهم يخبر عن الشيء يلازمه ونظيره والآخر بمقصوده وثمرته، والكل يؤول إلى معنى واحد غالبا.
فإن لم يمكن الجمع فالمتأخر من القولين عن الشخص الواحد مقدم إن استويا فى الصحة عنه، وإلا فالصحيح المقدم.
الثالث: الأخذ بمطلق اللغة، فإن القرآن نزل بلسان عربىّ، وهذا قد ذكره جماعة ونص عليه أحمد فى مواضع.
لكن نقل الفضل بن زياد عنه أنه سئل عن القرآن يمثل له الرجل ببيت من الشعر فقال: ما يعجبنى، فقيل: ظاهره المنع. ولهذا قال بعضهم فى جواز تفسير القرآن بمقتضى اللغة روايتان عن أحمد.
وقيل: الكراهة تحمل على من صرف الآية عن ظاهرها إلى معان خارجة محتملة يدل عليها القليل من كلام العرب، ولا يوجد غالبا إلا فى الشعر ونحوه ويكون المتبادر خلافها.
وعن مالك قال: لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا.
الرابع: التفسير بالمقتضى من معنى الكلام والمقتضب من قوّة الشرع، وهذا هو الذي
دعا به النّبى ﵌ لابن عباس حيث قال: اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل
،
والذي عناه علىّ بقوله: إلا فهما يؤتاه الرجل فى القرآن.
ومن هنا اختلف الصحابة فى معنى الآية، فأخذ كل برأيه على منتهى نظره. ولا يجوز تفسير القرآن بمجرد الرأى والاجتهاد من غير أصل، قال تعالى:
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ وقال: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ وقال: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ أضاف البيان إليه.
وقال ﵌: «من تكلم فى القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» .
وقال: «من قال فى القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» .
وتأويله أن من تكلم فى القرآن بمجرد رأيه ولم يعرج على سوى لفظه وأصاب الحق فقد أخطأ الطريق وإصابته اتفاق، إذ الغرض أنه مجرد رأى لا شاهد له،
وفى الحديث: «القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه»
، فقوله: ذللول: يحتمل معنيين:
стр. 3818
أحدهما أنه مطيع لحامليه تنطق به ألسنتهم.
والثاني: أنه موضح لمعانيه حتى لا يقصر عنه أفهام المجتهدين.
وقوله: ذو وجوه: يحتمل معنيين:
أحدهما: أن من ألفاظه ما يحتمل وجوها من التأويل.
والثاني: قد جمع وجوها من الأوامر والنواهي والترغيب والترهيب والتحريم.
وقوله: فاحملوه على أحسن وجوهه، يحتمل معنيين:
أحدهما: الحمل على أحسن معانيه.
والثاني: أحسن ما فيه من العزائم دون الرخص والعفو دون الانتقام.
وفيه دلالة ظاهرة على جواز الاستنباط والاجتهاد فى كتاب الله تعالى.
والنهى إنما انصرف إلى المتشابه منه لا إلى جميعه كما قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ لأن القرآن إنما نزل حجة على الخلق فلو لم يجب التفسير لم تكن الحجة بالغة.
فإذا كان كذلك لجاز لمن عرف لغات العرب وأسباب النزول أن يفسره.
وأما من لم يعرف وجوه اللغة فلا يجوز أن يفسره إلا بمقدار ما سمع، فيكون ذلك على وجه الحكاية لا على وجه التفسير، ولو أنه يعلم التفسير وأراد أن يستخرج من الآية حكما أو دليل الحكم فلا بأس. ولو قال المراد كذا من غير أن يسمع فيه شيئا فلا يحل، وهو الذي نهى عنه.
وقيل فى الحديث الأول: حمله بعض أهل العلم على أن الرأى معنى به الهوى. فمن قال فى القرآن قولا يوافق هواه فلم يأخذه عن أئمة السلف وأصاب فقد أخطأ، لحكمه على القرآن بما لا يعرف أصله ولا يقف على مذاهب أهل الأثر والنقل فيه.
وقيل فى الحديث الثاني: له معنيان:
أحدهما: من قال فى مشكل القرآن بما لا يعرف من مذاهب الأوائل من الصحابة والتابعين فهو متعرّض لسخط الله تعالى.
стр. 3819
والآخر وهو الأصح: من قال فى القرآن قولا يعلم أن الحق غيره فليتبوأ مقعده من النار.
وقال البغوي: التأويل: صرف الآية إلى معنى موافق لما قبلها وبعدها، تحتمله الآية غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط. غير محظور على العلماء بالتفسير كقوله تعالى: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا قيل: شبابا وشيوخا، وقيل: أغنياء وفقراء، وقيل: عزابا ومتأهلين، وقيل: نشاطا وغير نشاط، وقيل: أصحاء ومرضى، وكل ذلك سائغ والآية تحتمله.
وأما التأويل المخالف للآية والشرع فمحظور لأنه تأويل الجاهلين مثل تأويل الروافض، قوله تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ إنهما علىّ وفاطمة. يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ يعنى الحسن والحسين.
وقد اختلف فى تفسير القرآن: هل يجوز لكل أحد الخوض فيه؟.
فقال قوم: لا يجوز لأحد أن يتعاطى تفسير شىء من القرآن وإن كان عالما أديبا متسعا فى معرفة الأدلة والفقه والنحو والأخبار والآثار، وليس له إلا أن ينتهى إلى ما روى عن النبي ﵌ فى ذلك.
ومنهم من قال: يجوز تفسيره لمن كان جامعا للعلوم التي يحتاج المفسر إليها، وهى خمسة عشر علما:
أحدها: اللغة، لأن بها يعرف شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها بحسب الوضع، قال مجاهد: لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم فى كتاب الله إذا لم يكن عالما بلغات العرب. ولا يكفى فى حقه معرفة اليسير منها فقد يكون اللفظ مشتركا وهو يعلم أحد المعنيين والمراد الآخر.
الثاني: النحو، لأن المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعراب فلا بد من اعتباره. وعن الحسن أنه سئل عن الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حسن النطق ويقيم بها قراءته، فقال: حسن فتعلمها، فإن الرجل يقرأ الآية فيعيا بوجهها فيهلك فيها.
الثالث: التصريف، لأن به تعرف الأبنية والصيغ. ومن فاته علمه فاته المعظم، لأن وجد مثلا كلمة مبهمة فإذا صرفناها اتضحت بمصادرها.
وقال الزمخشري: من بدع التفاسير قول من قال: إن الإمام فى قوله
стр. 3820
تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ جمع أم، وإن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم.
قال: وهذا غلط أوجبه جهله بالتصريف، فإنا أما لا تجمع على إمام.
الرابع: الاشتقاق، لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين اختلف باختلافهما، كالمسيح هل هو من السياحة أو المسح.
الخامس، والسادس، والسابع: المعاني، والبيان، والبديع، لأنه يعرف بالأول خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى، وبالثاني خواصها من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها، وبالثالث وجوه تحسين الكلام.
وهذه العلوم الثلاثة هى علوم البلاغة، وهى من أعظم أركان المفسر لأنه لا بد له من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، وإنما يدرك بهذه العلوم.
وقال السكاكي: اعلم أن شأن الإعجاز عجيب، يدرك ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها وكالملاحة، ولا طريق إلى تحصيله لغير ذوى الفطرة السليمة إلا التمرّن على علمى المعاني والبيان.
وقال ابن الحديد: اعلم أن معرفة الفصيح والأفصح والرشيق والأرشق من الكلام أمر لا يدرك إلا بالذوق، ولا يمكن إقامة الدلالة عليه، وهو بمنزلة جاريتين إحداهما بيضاء مشربة بحمرة دقيقة الشفتين نقية الثغر كحلاء العين أسيلة الخد دقيقة الأنف معتدلة القامة، والأخرى دونها فى هذه الصفات والمحاسن لكنها أحلى فى العيون والقلوب منها، ولا يدرى سبب ذلك ولكنه يعرف بالذوق والمشاهدة ولا يمكن تعليله، وهكذا الكلام، نعم يبقى الفرق بين الوصفين أن حسن الوجوه وملاحتها وتفضيل بعضها على بعض يدركه كل من له عين صحيحة. وأما الكلام فلا يدرك إلا بالذوق، وليس كل من اشتغل بالنحو واللغة والفقه يكون من أهل الذوق وممن يصلح لانتقاد الكلام، وإنما أهل الذوق هم الذين اشتغلوا بعلم البيان وراضوا أنفسهم بالرسائل والخطب والكتابة والشعر وصارت لهم بذلك دراية وملكة تامة، فإلى أولئك ينبغى أن يرجع فى معرفة الكلام وفضل بعضه على بعض.
وقال الزمخشري: من حق مفسر كتاب الله الباهر وكلامه المعجز أن يتعاهد بلقاء النظم على حسنه والبلاغة على كمالها وما وقع به التحدي سليما من القادح.
следующие страницы →