← Тафсир

Тафсир · id 23610

الموسوعة القرآنية

إبراهيم الإبياري

Полный текст (5 429 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

وقرىء بالياء والنصب بإضمار (أن) . والمعنى: ان تخفوها يكن خيرا لكم، وأن يكفر عنكم. مِنْ سَيِّئاتِكُمْ للتبغيض المحض. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ وعد ووعيد. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٧٢ الى ٢٧٣] لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) ٢٧٢- لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ أي ليس عليك أن تجعلهم مهديين الى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والانفاق من الخبيث، وغير ذلك، وما عليك الا أن تبلغهم النواهي فحسب. وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي يلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه فينتهى عما نهى عنه. وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ أي مال. فَلِأَنْفُسِكُمْ أي فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم. وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وليست نفقتكم الا لابتغاء وجه الله ولطلب ما عنده فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله الى الله. وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أي ثوابه أصنافا مضاعفة فلا عذر لكم فى أن ترغبوا عن إنفاقه، وأن يكون على أحسن الوجوه وأجملها، هذا الى أن ثواب الانفاق يوفى الى المنفقين ولا يبخسون منه شيئا، فيكون ذلك البخس ظلما لهم. ٢٧٣- لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ:

стр. 3992

لِلْفُقَراءِ الجار والمجرور متعلق بمحذوف، والمعنى: اعمدوا الفقراء، واجعلوا ما تنفقون للفقراء. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي صدقاتكم للفقراء. الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي الذين أحصرهم الجهاد، أي حبسوا ومنعوا عن التصرف فى معايشهم مخافة العدو. لا يَسْتَطِيعُونَ لاشتغالهم بالجهاد. ضَرْباً فِي الْأَرْضِ أي سعيا فى الأرض للكسب. يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أي يخالهم من لا علم له بحالهم. أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ أي مستغنين من أجل تعففهم عن المساءلة. تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ أي من صفرة الوجه ورثاثة الحال. لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً الالحاف: الإلحاح، وهو اللزوم، وأن لا يفارق الا بشىء يعطاه، أي ان سألوا سألوا بتلطيف ولم يلحوا. وقيل: هو نفى للسؤال والالحاف جميعا. ويقال: انهم هم أصحاب الصفة، وكانوا نحوا من أربعمائة رجل من مهاجرى قريش، لم يكن لهم مساكن فى المدينة ولا عشائر، وكانوا يخرجون فى كل سرية يبعثها رسول الله ﵌، وكانوا فى صفة المسجد، أي سقيفته، يتعلمون القرآن بالليل ويرضخون النوى بالنهار فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٧٤ الى ٢٧٥] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) ٢٧٤- الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة لحرصهم على الخير فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه ولم يتعللوا بوقت ولا حال. ٢٧٥- الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ

стр. 3993

الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ : يَأْكُلُونَ يأخذون، فعبر عن الأخذ بالأكل، لأن الأخذ انما يراد للأكل. الرِّبا الكسب الحرام. لا يَقُومُونَ إذا بعثوا من قبورهم. يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ أي المصروع. الْمَسِّ متعلق بقوله لا يَقُومُونَ أي لا يقومون من المس الذي بهم الا كما يقوم المصروع، ويجوز أن يتعلق بالفعل يَقُومُ أي كما يقوم المصروع من جنونه. والمعنى: أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين، تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف. وقيل: الذين يخرجون من الأجداث يوفضون الا أكلة الربا فانهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله فى بطونهم حتى أثقلهم فلا يقدرون على الايفاض. ذلِكَ أي العقاب بسبب قولهم: انما البيع مثل الربا. إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وإذ كانوا قد شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه، من أجل هذا قدم البيع على طريق المبالغة، أي انهم قد بلغ من اعتقادهم فى حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانونا فى الحل حتى شبهوا به البيع. وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا انكار لتسويتهم بينهما، ودلالة على أن القياس يهدمه النص، لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله وتحريمه. فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ أي فمن بلغه وعظ من الله وزجر بالنهى عن الربا. وذكر الفعل لأنها فى معنى الوعظ.

стр. 3994

فَانْتَهى أي فتبع النهى وامتنع. فَلَهُ ما سَلَفَ أي فلا يؤخذ بما مضى منه، لأنه أخذ قبل نزول. التحريم. وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ يحكم فى شأنه يوم القيامة، وليس من أمره إليكم شىء فلا تطالبوه به. وَمَنْ عادَ أي الى الربا معتقدا جوازه. فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ أي لا يفارقونها. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٧٦ الى ٢٧٨] يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) ٢٧٦- يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا أي يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه. وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ ما يتصدق به، بأن يضاعف عليه الثواب ويزيد المال الذي أخرجت منه ويبارك فيه. وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ تغليظ فى أمر الربا بأنه من فعل الكفار لا من فعل المسلمين. ٢٧٧- إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: خص الصلاة والزكاة بالذكر، وقد تضمنهما عمل الصالحات، تشريفا لهما وتنبيها على قدرهما إذ هما رأس الأعمال، الصلاة فى أعمال البدن، والزكاة فى أعمال المال. ٢٧٨- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا، فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها.

стр. 3995

إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ان صح ايمانكم. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٧٩ الى ٢٨٠] فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) ٢٧٩- فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ أي: فاعلموا بها، يقال: أذن بالشيء، إذا علم به. وقرىء: فآذنوا، بالمد، أي: فأعلموا بها غيركم. وَإِنْ تُبْتُمْ من الارتياب. لا تَظْلِمُونَ المديونين بطلب الزيادة عليها. وَلا تُظْلَمُونَ بالنقصان منها. وهذا حكمهم ان تابوا، أما حكمهم إذا لم يتوبوا فيكون ما لهم فيئا للمسلمين. ٢٨٠- وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ أي وان وقع غريم من غرماءكم ذو عسرة أو ذو إعسار. فَنَظِرَةٌ أي: فالحكم، أو الأمر، نظرة، وهى الانظار. إِلى مَيْسَرَةٍ أي الى يسار. وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ندب الى أن يتصدقوا برءوس أموالهم على من أعسر من غرمائهم أو ببعضها. وقيل: أراد بالتصديق: الانظار. إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ: أنه خير لكم فتعملوا به. جعل من لا يعلم به وان علمه كأنه لا يعلمه.

стр. 3996

[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٨١ الى ٢٨٢] وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) ٢٨١- وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ: تُرْجَعُونَ قرىء على البناء للفاعل والمفعول. وقرىء: يرجعون، بالياء، على الالتفات. ٢٨٢- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: إِذا تَدايَنْتُمْ أي إذا داين بعضكم بعضا. بِدَيْنٍ معطيا أو آخذا. إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي إذا تعاملتم بدين مؤجل الى وقت معلوم. فَاكْتُبُوهُ أي: فاكتبوا الدين. بِالْعَدْلِ صفة لكاتب، أي كاتب مأمون على ما يكتب، يكتب بالسوية والاحتياط، لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص. وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أي: ولا يمتنع أحد من الكتاب. أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ أي مثل ما علمه الله كتابة الوثائق لا يبدل ولا يغير.

стр. 3997

وقيل: ينفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعلمها. وهى فرض كفاية. كَما عَلَّمَهُ يجوز أن يتعلق: (أ) - بقوله أَنْ يَكْتُبَ ويكون نهيا عن الامتناع من الكتابة المقيدة، ثم قيل له: فليكتب، يعنى: فليكتب تلك الكتابة المقيدة لا يعدل عنها للتوكيد. (ب) - أو بقوله فَلْيَكْتُبْ يكون نهيا عن الامتناع من الكتابة على سبيل الإطلاق، ثم أمر بها مقيدة. وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أي: ولا يكن المملى الا من وجب عليه الحق، لأنه هو المشهود على ثباته فى ذمته وإقراره به. والاملاء، والإملال، لغتان قد نطق بهما القرآن. وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ أي من الحق، أي لا ينقص. شَيْئاً وقرىء: شيا، بطرح الهمزة. سَفِيهاً أي محجورا عليه لتبذيره وجهله بالتصرف. أَوْ ضَعِيفاً أي صبيا أو شيخا مختلا. أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ أي غير مستطيع الاملاء بنفسه لعى به أو خرس. فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ أي الذي يلى أمره من وصى ان كان سفيها أو صبيا، أو وكيلا ان كان غير مستطيع. وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ أي واطلبوا أن يشهد لكم شهيدان على الدين. مِنْ رِجالِكُمْ أي من رجال المؤمنين. فَإِنْ لَمْ يَكُونا أي ان لم يكن الشهيدان.

стр. 3998

فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ أي فليشهد رجل وامرأتان. مِمَّنْ تَرْضَوْنَ أي ممن تعرفون عدالتهم. أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما أي: أن لا تهتدى إحداهما للشهادة بأن تنساها. وقرىء: ان تضل، على الشرط. فَتُذَكِّرَ أي ارادة أن تذكر إحداهما الأخرى ان ضلت. إِذا ما دُعُوا ليقيموا الشهادة، أو ليستشهدوا. تَكْتُبُوهُ الضمير للدين أو الحق. صَغِيراً أَوْ كَبِيراً أي على أي حال كان الحق من صغر أو كبر. ويجوز أن يكون الضمير للكتاب، وأن يكتبوه مختصرا أو مشبعا لا يخلو بكتابته. إِلى أَجَلِهِ الى وقته الذي اتفق الغريمان على تسميته. ذلِكُمْ اشارة الى: أن تكتبوه، لأنه فى معنى المصدر، أي ذلكم الكتاب. أَقْسَطُ: أعدل. وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ أي: وأعون على اقامة الشهادة. وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا أي: وأقرب من انتفاء الريب. حاضِرَةً أي ناجزة. تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ أي: تعاطيهم إياها يدا بيد. أي الا أن تتبايعوا بيعا ناجزا يدا بيد فلا بأس أن لا تكتبوه. وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ أمر بالإشهاد على التبايع مطلقا، ناجزا أو كالئا، لأنه أحوط وأبعد مما عسى يقع من الاختلاف.

стр. 3999

ويجوز أن يراد: وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع، يعنى التجارة الحاضرة، على أن الاشهاد كاف فيه دون الكتابة. وَلا يُضَارَّ يحتمل البناء للفاعل والمفعول. والمعنى: نهى الكاتب والشهيد عن ترك الاجابة الى ما يطلب منهما، وعن التحريف والزيادة والنقصان. أو النهى عن الضرار بهما بأن يعجلا عن مهم ويلزا. أو لا يعطى الكاتب حقه من الجعل. أو يحمل الشهيد مؤونة مجيئه من بلد. وَإِنْ تَفْعَلُوا أي وان تضاروا. فَإِنَّهُ أي فان الضرار. فُسُوقٌ بِكُمْ أي معصية. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٣] وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) ٢٨٣- وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ: عَلى سَفَرٍ أي مسافرين. وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً وقرىء: كتابا. وعن ابن عباس قال: أرأيت ان وجدت الكاتب ولم تجد الصحيفة والدواة. كما قرىء: كتابا، جمع كاتب. فَرِهانٌ جمع رهن، وهو ما يستوثق به. وليس الغرض تجويز الارتهان فى السفر خاصة ولكن السفر لما كان مظنة لإعواز الكتاب والاشهاد، أمر على سبيل الإرشاد الى حفظ المال من كان على سفر بأن يقيم التوثق بالارتهان مقام التوثق بالكتاب والاشهاد. فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أي فان أمن بعض الدائنين بعض المديونين لحسن ظنه به.

стр. 4000

فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ حث المديون على أن يكون عند ظن الدائن وأمنه منه وائتمانه له، وأن يؤدى اليه الحق الذي ائتمنه عليه فلم يرتهن منه. وسمى الدين أمانة وهو مضمون لائتمانه عليه بترك الارتهان منه. آثِمٌ خبر: ان. قَلْبُهُ رفع بقوله آثِمٌ على الفاعلية، كأنه قيل: فانه يأثم قلبه. وإذ كان الإثم مقترنا بالقلب أسند اليه. ويجوز أن يرتفع قَلْبُهُ بالابتداء، وآثِمٌ خبر مقدم، والجملة خبر (ان) . [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٨٤ الى ٢٨٥] لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) ٢٨٤- لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يعنى من السوء. فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ أي لمن استوجب المغفرة بالتوبة مما أظهر منه أو أضمره. وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ لمن استوجب العقوبة بالإصرار. ولا يدخل فيما يخفيه الإنسان: الوساوس، وحديث النفس، لأن ذلك مما ليس فى وسعه الخلو منه، لكن ما اعتقده وعزم عليه. ٢٨٥- آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ: وَالْمُؤْمِنُونَ عطف على الرَّسُولُ، ويكون الضمير الذي التنوين نائب عنه فى كُلٌّ راجع الى: الرسول، والمؤمنين. ويصح أن يكون مبتدأ، ويكون الضمير للمؤمنين.

стр. 4001

ووحد ضمير كُلٌّ فى آمَنَ على معنى: كل واحد منهم آمن. أَحَدٍ فى معنى الجمع. سَمِعْنا أي أجبنا. غُفْرانَكَ منصوب بإضمار فعله. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٦] لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦) ٢٨٦- لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ: وُسْعَها الوسع: ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه، أي لا يكلفها ولا يحملها الا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر عليه دون مدى الطاقة والمجهود. وهذا اخبار عن عدله ورحمته. لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ أي ينفعها ما كسبت من خير ويضرها ما اكتسبت من شر، لا يؤاخذ بذنبها غيرها، ولا يثاب غيرها بطاعتها. ووصف الشر بالاكتساب، لأن فى الاكتساب اعتمالا، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهى منجذبة اليه وأمارة به، كانت فى تحصيله أعمل وأجد، فجعلت لذلك مكتسبة فيه. ولما لم تكن كذلك فى باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال. لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا أي لا تؤاخذنا بالنسيان والخطأ ان فرط منا. وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً أي ثقلا.

стр. 4002

كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا أي لا تشدد علينا كما شددت على من كان قبلنا. وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ أي لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق. وَاعْفُ عَنَّا أي عن ذنوبنا. وَاغْفِرْ لَنا أي استر علينا ذنوبنا. وَارْحَمْنا أي تفضل برحمة مبتدئا منك علينا. أَنْتَ مَوْلانا أي ولينا وناصرنا.

стр. 4003

(٣) سورة آل عمران [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) ١- الم: م، حقها أن يوقف عليها كما وقف على ألف ولام، وأن يبدأ بما بعدها. ٢- اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ: الْحَيُّ أي الذي لا يجوز عليه الفناء. الْقَيُّومُ وقرىء: القيام، وكلاهما بمعنى واحد، أي الذي لا ند له. ٣- نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ: الْكِتابَ يعنى القرآن. بِالْحَقِّ أي بالصدق، وقيل: بالحجة الغالبة، وهى فى موضع الحال من الْكِتابَ ولا تتعلق بالفعل نَزَّلَ لأنه قد تعدى الى مفعولين أحدهما بحرف جر ولا يتعدى الى ثالث. والباء متعلقة بمحذوف التقدير: آتيا بالحق. وإذا كان القرآن قد نزل نجوما، أي شيئا بعد شىء، لذلك قال نزل. والتنزيل مرة بعد مرة. مُصَدِّقاً حال مؤكدة غير منتقلة، لأنه لا يمكن أن يكون غير مصدق، أي غير موافق. لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يعنى من الكتب المنزلة. وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ قال: أنزل، لأنهما نزلا دفعة واحدة.

стр. 4004

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٤ الى ٧] مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) ٤- مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ: مِنْ قَبْلُ يعنى القرآن. هُدىً لِلنَّاسِ أي هدى للناس المتقين، وهى فى موضع نصب على الحال. الْفُرْقانَ: القرآن. بِآياتِ اللَّهِ من كتبه المنزلة وغيرها. ذُو انْتِقامٍ له انتقام شديد لا يقدر على مثله منتقم. ٥- إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ: فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ أي فى العالم فعبر عنه بالسماء والأرض، فهو مطلع على كفر من كفر وايمان من آمن وهو مجازيهم عليه ٦- هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: كَيْفَ يَشاءُ من الصور المختلفة المتفاوتة. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي لا خالق ولا مصور سواه. الْعَزِيزُ الذي لا يغالب. الْحَكِيمُ ذو الحكمة، أو المحكم. ٧- هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ: مُحْكَماتٌ: ما عرف تأويلها وفهم معناها وتفسيرها. مُتَشابِهاتٌ: ما لم يكن لأحد الى علمها سبيل مما استأثر الله تعالى بعلمها دون خلقه وذلك مثل وقت الساعة.

стр. 4005

هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أي أصل الكتاب تحمل المتشابهات عليها وترد إليها. فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ أي ميل، يعنى أهل البدع. فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ أي فيتعلقون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب اليه المبتدع مما لا يطابق الحكم ويحتمل ما يطابقه من قول أهل الحق. ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ أي طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم. وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ أي وطلب أن يؤولوه التأويل الذي يشتهونه. وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أي لا يعلم تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله وعباده الذين رسخوا فى العلم، أي ثبتوا فيه وتمكنوا. ويكون قوله يَقُولُونَ حالا من الراسخين، هذا لمن جعل وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ معطوفا على ما قبله فلا يقف عند قوله اللَّهُ. أما من وقف فيجعل وَالرَّاسِخُونَ مبتدأ، خبره جملة يَقُولُونَ. آمَنَّا بِهِ أي بالمتشابه. كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا أي كل واحد منه ومن المحكم، أو بالكتاب كل من متشابهه ومحكمه من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه ولا يختلف كتابه. وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ أي ما يقول هذا ويؤمن ويقف حيث وقف، ويدع اتباع المتشابه إلا ذو لب، وهو العقل. وقيل: ان الجملة مدح للراسخين بإلقاء الذهن وحسن التأمل. [سورة آل عمران (٣) : آية ٨] رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) ٨- رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ:

стр. 4006

رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا فى الكلام حذف، تقديره: يقولون، أي لا تبتلينا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا ونميل عن الحق. بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا أي بعد أن أرشدتنا لدينك. مِنْ لَدُنْكَ من عندك. رَحْمَةً نعمة بالتوفيق والمعونة. [سورة آل عمران (٣) : آية ٩] رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩) ٩- رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ: جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ أي تجمعهم لحساب يوم، أو لجزاء يوم. إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ أي ان الالهية تنافى خلف الميعاد. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٠ الى ١١] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١) ١٠- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله ورسوله. مِنَ اللَّهِ أي لن تغنى عنهم من رحمة الله، أو من طاعة الله. شَيْئاً أي بدل رحمته وطاعته وبدل الحق. وقيل: أي لا تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا. ١١- كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ: كَدَأْبِ الدأب: الكدح، وضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله. والكاف مرفوع المحل، تقديره دأب هؤلاء الكفرة كدأب من قبلهم من آل فرعون وغيرهم. ويجوز أن ينتصب محل (الكاف) بقوله لَنْ تُغْنِيَ أو بقوله وَقُودُ.

стр. 4007

أي لن تغنى عنهم مثل ما لم تغن عن أولئك، أو توقد بهم النار كما توقد بهم. كَذَّبُوا بِآياتِنا تفسير لدأبهم ما فعل وفعل بهم، على أنه جواب سؤال مقدر عن حالهم. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٢ الى ١٣] قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣) ١٢- قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هم مشركو مكة. سَتُغْلَبُونَ يعنى يوم بدر. وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ أي وتساقون جميعا الى جهنم. وَبِئْسَ الْمِهادُ أي وبئس المستقر. وقيل: بئس ما مهدتم لأنفسكم، أي بئس فعلكم الذي أداكم الى جهنم. ١٣- قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ الخطاب لمشركى قريش. فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا يوم بدر. يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ أي يرى المشركون المسلمين مثلى عدد المشركين. أراهم الله إياهم من قتلهم أضعافهم ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم، وكان ذلك مددا من الله لهم، كما أمدهم بالملائكة. رَأْيَ الْعَيْنِ أي رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها، معاينة كسائر المعاينات. وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ كما أيد أهل بدر بتكثيرهم فى عين العدو.

стр. 4008

[سورة آل عمران (٣) : آية ١٤] زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) ١٤- زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ: زُيِّنَ لِلنَّاسِ المزين هو الله تعالى، للابتلاء. وقيل: المزين، هو الشيطان، وتزيينه انما هو بالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجوهها. وتزيين الله تعالى انما هو بالإيجاد والتهيئة للانتفاع وإنشاء الجبلة على الميل الى هذه الأشياء. حُبُّ الشَّهَواتِ جعل الأعيان التي ذكرها بعد شهوات مبالغة فى كونها مشتهاة محروصا على الاستمتاع بها. والوجه أن يقصد تخسيسها فيسميها شهوات، لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية، وقال زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ثم جاء بالتفسير ليقرر أولا فى النفوس أن المزين لهم حبه ما هو الا شهوات لا غير، ثم يفسره بهذه الأجناس، فيكون أقوى لتخسيسها وأدل على ذم من يستعظمها ويتهالك عليها ويرجع طلبها على طلب ما عند الله. وَالْقَناطِيرِ جمع قنطار، وزن معروف، يريد الكثير. الْمُقَنْطَرَةِ للتوكيد، كما يقال: ألف مؤلفة. الْمُسَوَّمَةِ: المعلمة، أو المطهمة، أو المرعية. وَالْأَنْعامِ: كل ما يرعى. وَالْحَرْثِ أي الزرع. ذلِكَ المذكور. مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي ما يتمتع به فيها ثم يذهب ولا يبقى. وهذا منه تعالى تزهيد فى الدنيا وترغيب فى الآخرة. وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ابتداء وخبر. والمآب: المرجع.

стр. 4009

يشير الى تقليل الدنيا وتحقيرها، والترغيب فى حسن المرجع الى الله تعالى فى الآخرة. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٥ الى ١٧] قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧) ١٥- قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ: مِنْ ذلِكُمْ منتهى الاستفهام. لِلَّذِينَ اتَّقَوْا خبر مقدم. جَنَّاتٌ رفع بالابتداء. وفى هذا دلالة على ما هو خير من ذلكم. وقيل: منتهى الاستفهام عِنْدَ رَبِّهِمْ. و (جنات) على هذا رفع بابتداء مضمر تقديره: ذلك جنات. ويجوز على هذا التأويل (جنات) بالخفض بدلا من (خير) . وَرِضْوانٌ مصدر من: الرضا. وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ أي يثيب ويعاقب على الاستحقاق. أو بصير بالذين اتقوا وبأحوالهم فلذلك أعد لهم جنات. ١٦- الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ: الَّذِينَ يَقُولُونَ نصب على المدح، أو رفع، ويجوز الجر صفة (للمتقين) أو (للعباد) . ١٧- الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ: الواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كمالهم فى كل واحدة منها. الصَّابِرِينَ أي عن المعاصي والشهوات. وقيل: على الطاعات. وَالصَّادِقِينَ أي فى الأفعال والأقوال.

стр. 4010

وَالْقانِتِينَ أي الطائعين. وَالْمُنْفِقِينَ يعنى فى سبيل الله. بِالْأَسْحارِ لأنهم كانوا يقدمون قيام الليل فيحسن طلب الحاجة بعده. وقيل: كانوا يصلون فى أول الليل حتى إذا كان السحر أخذوا فى الدعاء والاستغفار، هذا نهارهم، وهذا ليلهم. والسحر: من حين يدبر الليل الى أن يطلع الفجر الثاني. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٨ الى ١٩] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩) ١٨- شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: شَهِدَ اللَّهُ أي بين وأعلم. قائِماً نصب على الحال المؤكدة من اسمه تعالى فى قوله شَهِدَ اللَّهُ أو من قوله إِلَّا هُوَ. وقيل: هو منصوب على القطع، كان أصله (القائم) فلما قطعت الألف واللام نصب. بِالْقِسْطِ أي مقيما للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآجال، ويثيب ويعاقب وما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم البعض والعمل على السوية. فيما بينهم. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ كرر، لأن الأولى حلت محل الدعوى، والشهادة الثانية حلت محل الحكم. وقيل: الأول وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم، يعنى: قولوا لا إله إلا الله العزيز الحكيم. ١٩- إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ: إِنَّ الدِّينَ يعنى الطاعة والملة.

стр. 4011

جملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى. وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي اليهود والنصارى، يعنى فى نبوة محمد ﵌. إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ يعنى بيان صفته ونبوته فى كتبهم. بَغْياً نصب على المعقول من أجله، أو على الحال من الَّذِينَ. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢٠ الى ٢١] فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) ٢٠- فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ: فَإِنْ حَاجُّوكَ أي جاءوك بالأقاويل المزورة والمغالطات. فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ فأسند أمرك الى ما كلفت من الايمان والتبليغ وعلى الله نصرك. ووجهى أي ذاتى. وقيل: الوجه: القصد. وَمَنِ اتَّبَعَنِ من، فى محل رفع عطفا على التاء فى قوله أَسْلَمْتُ، أي: ومن اتبعن أسلم أيضا. وجاز العطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد للفصل بينهما. وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، يعنى اليهود والنصارى. وَالْأُمِّيِّينَ الذين لا كتاب لهم، وهم مشركو العرب. أَأَسْلَمْتُمْ استفهام معناه التقرير وفى ضمنه الأمر، أي أسلموا. وقيل: أأسلمتم، تهديد. فَقَدِ اهْتَدَوْا بالماضي، مبالغة فى الاخبار بوقوع الهدى لهم وتحصيله. الْبَلاغُ أي انما عليك أن تبلغ. ٢١- إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ:

стр. 4012

بِالْقِسْطِ أي بالعدل. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢٢ الى ٢٥] أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥) ٢٢- أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ: حَبِطَتْ أي خسرت. فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لأن لهم اللعن والخزي فى الدنيا والعذاب فى الآخرة. ٢٣- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ: أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يريد أحبار اليهود، وأنهم حصلوا نصيبا وافرا من التوراة. و (من) للتبعيض أو للبيان. يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ هو التوراة. لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إذا ما تبينوا ما فيه. ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ أي يعرض، وفيه استبعاد لتوليهم بعد علمهم بأن الرجوع الى كتاب الله واجب. وَهُمْ مُعْرِضُونَ أي وهم قوم لا يزال الاعراض دينهم. ٢٤- ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ: ذلِكَ أي التولي والاعراض بسبب تسهيلهم على أنفسهم أمر العقاب وطمعهم فى الخروج من النار بعد أيام قلائل. وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من أن آباءهم هم الأنبياء يشفعون لهم كما غرت أولئك شفاعة رسول الله ﵌ فى كبائرهم. ٢٥- فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ:

стр. 4013

فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ فكيف يصنعون، فكيف تكون حالهم. وهو استعظام لما أعد لهم وتهويل لهم وأنهم يقعون فيما لا حيلة لهم فى دفعه والمخلص منه، وأن ما حدثوا به أنفسهم وسهلوه عليها تعلل باطل وتطمع بما لا يكون. وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ يرجع الى كُلُّ نَفْسٍ على المعنى، لأنه فى معنى كل الناس. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢٦ الى ٢٧] قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧) ٢٦- قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: اللَّهُمَّ الميم عوض عن (يا) ولذلك لا يجتمعان. مالِكَ الْمُلْكِ أي تملك جنس الملك تتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون. تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ أي تعطى من تشاء النصيب الذي قسمته له واقتضته حكمتك من الملك. وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ النصيب الذي أعطيته منه. فالملك الأول عام وشامل. والملكان الآخران خاصان بعضان من الكل. بِيَدِكَ الْخَيْرُ ذكر الخير دون الشر، لأن الكلام انما وقع فى الخير الذي يسوقه الله الى المؤمنين وهو الذي أنكره الكفرة، فقال: بيدك الخير تؤتيه أولياءك على الرغم من أعدائك ولأن كل أفعال العباد من نافع وضار صادر عن الحكمة والمصلحة فهو خير كله، كإيتاء الملك ونزعه. ٢٧- تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ: ثم ذكر قدرته الباهرة بذكر حال الليل والنهار فى المعاقبة بينهما، وحال الحي والميت فى إخراج أحدهما من الآخر، وعطف عليه رزقه بغير حساب، على أن من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة للأفهام، ثم قدر أن يرزق

стр. 4014

من يشاء من عباده بغير حساب، فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢٨ الى ٢٩] لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) ٢٨- لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ: نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق ويتعاشر عليها. إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً أي الا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه. وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ فلا تتعرضوا لسخطه بموالاة أعدائه وهذا وعيد شديد. ويجوز أن يضمن تَتَّقُوا معنى: تحذروا وتخافوا فيتعدى بالحرف (من) وينتصب تُقاةً على المصدر. وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ أي والى جزاء الله المصير وفيه اقرار بالبعث. ٢٩- قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ من ولاية الكفار وغيره مما لا يرضى الله. يَعْلَمْهُ اللَّهُ فلا يخفى عليه سركم وعلنكم. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فهو قادر على عقوبتكم، وهذا بيان لقوله: ويحذركم الله نفسه، لأن نفسه وهى ذاته المميزة من سائر الذوات متصفة بعلم ذاتى لا يختص بمعلوم دون معلوم فهى متعلقة بالمعلومات كلها وبقدرة ذاتية لا تختص بمقدور دون مقدور، فهى قادرة على المقدورات كلها، فكان حقها أن تحذر وتتقى فلا يجسر أحد على قبيح، ولا يقصر عن واجب، فان ذلك مطلع عليه لا محالة، فلا حق به العقاب.

стр. 4015

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٠ الى ٣١] يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) ٣٠- يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ: يَوْمَ تَجِدُ منصوب بالفعل تَوَدُّ. ويجوز أن ينتصب يَوْمَ بمضمر، نحو: اذكر، ويقع على ما عملت وحده، أي يقع فعل الوجدان على ما عَمِلَتْ من خير وحده. وَما عَمِلَتْ يرتفع على الابتداء. تَوَدُّ خبره. أي والذي عملته من سوء هى تود لو تباعد ما بينها وبينه. ولا يصح أن تكون (ما) شرطية، لارتفاع تَوَدُّ. ويجوز أن يعطف وَما عَمِلَتْ على ما عَمِلَتْ ويكون تَوَدُّ حالا أي يوم تجد عملها محضرا وادّة تباعد ما بينها وبين اليوم، أو عمل السوء محضرا. وَبَيْنَهُ الضمير لليوم، أي يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرها وشرها حاضرين، تتمنى لو أن بينها وبين ذلك اليوم وهوله أمدا بعيدا. وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ليكون على بال منهم لا يغفلون عنه. وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ يعنى أن تحذيره نفسه وتعريفه حالها من العلم والقدرة من الرأفة العظيمة بالعباد، لأنهم إذا عرفوه حق المعرفة وحذروه. دعاهم ذلك الى طلب رضاه واجتناب سخطه. وقيل: من رأفته بهم أن حذرهم نفسه. وقيل: انه مع كونه محذورا لعلمه وقدرته، مرجو لسعة رحمته. ٣١- قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ:

стр. 4016

تُحِبُّونَ اللَّهَ محبة العباد الله مجاز عن ارادة نفوسهم اختصاصه بالعبادة دون غيره ورغبتهم فيها. ومحبة الله عباده أن يرضى عنهم ويحمد فعلهم. والمعنى: ان كنتم مريدين لعبادة الله على الحقيقة. فَاتَّبِعُونِي حتى يصح ما تدعونه من ارادة عبادته. يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ يرض عنكم ويغفر لكم. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٢ الى ٣٤] قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢) إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) ٣٢- قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ: فَإِنْ تَوَلَّوْا يحتمل أن يكون ماضيا، وأن يكون مضارعا، بمعنى: فان تتولوا، ويدخل فى جملة ما يقول الرسول لهم. ٣٣- إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ: اصْطَفى: اختار. آلَ إِبْراهِيمَ إسماعيل وإسحاق وأولادهما. وَآلَ عِمْرانَ ابنا عمران بن يصهر. وقيل: عيسى ومريم بنت عمران بن ماثان. ٣٤- ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: ذُرِّيَّةً بدل من آل ابراهيم وآل عمران. بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ يعنى أن الآلين ذرية واحدة متسلسلة بعضها تتشعب من بعض: موسى وهارون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من قاهث، وقاهث من لاوى، ولاوى من يعقوب، ويعقوب من إسحاق. وكذلك عيسى بن مريم بنت عمران بن ماثان بن سليمان بن داود بن ايشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق. وقيل: بعضها من بعض فى الدين.

стр. 4017

وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يعلم من يصلح للاصطفاء، أو يعلم أن بعضهم من بعض فى الدين، أو سميع عليم لقول امرأة عمران وبنتها. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٥ الى ٣٦] إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦) ٣٥- إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: إِذْ منصوب بقوله سَمِيعٌ عَلِيمٌ. وقيل بإضمار: اذكر. امْرَأَتُ عِمْرانَ هى امرأة عمران بن ماثان، أم مريم البتول، جدة عيسى ﵇. وقوله إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ على أثر قوله آلَ عِمْرانَ مما يرجح أن عمران، هو عمران بن ماثان، جد عيسى. وقد تزوج زكريا بن آذان، بنت عمران بن ماثان، وهى أخت مريم، واسمها ايشاع، فولدت له يحيى فكان يحيى وعيسى ابني خالة. مُحَرَّراً معتقا لخدمة بيت المقدس، لا يتولى عليه ولا أستخدمه ولا أشغله بشىء. وكان هذا النوع من النذر مشروعا عندهم. وقيل: محررا، أي مخلصا للعبادة. وما كان التحرير الا للغلمان. ٣٦- فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ: فَلَمَّا وَضَعَتْها الضمير لما فِي بَطْنِي وانما أنث على المعنى، لأن ما فى بطنها كان أنثى فى علم الله. أو على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة. أُنْثى حال من الضمير فى وَضَعَتْها، وهو كقولك: وضعت الأنثى أنثى. والأصل: وضعته أنثى، وانما أنث لتأنيث الحال، لأن الحال وذا الحال لشىء واحد.

стр. 4018

ولقد قالت ما قالت إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى تحسرا على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها فتحزنت الى ربها لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكرا، ولذلك نذرته محررا للسدانة. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ أي بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آية للعالمين، وهى جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئا، فلذلك تحسرت. وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى بيان لما فى قوله وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ من التعظيم للموضوع والرفع منه. والمعنى: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها. واللام فيهما للعهد. وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ عطف على إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وما بينهما جملتان معترضتان. ومريم، بمعنى: العابدة. ولهذا أتبعته بطلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان الرجيم. [سورة آل عمران (٣) : آية ٣٧] فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧) ٣٧- فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ: فَتَقَبَّلَها رَبُّها فرضى بها فى النذر مكان الذكر، أو فاستقبلها. بِقَبُولٍ حَسَنٍ قد يكون القبول اسم ما تقبل به الشيء، وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر فى النذر، ولم يقبل قبلها أنثى فى ذلك، أو بأن تسلمها من أمها عقب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة. وقد يكون القبول مصدرا على تقدير حذف المضاف، بمعنى: فتقبلها بذي قبول حسن، أي بأمر ذى قبول حسن، وهو الاختصاص. وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها بما يصلحها فى جميع أحوالها.

стр. 4019

وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا الفعل لله تعالى، أي وضمها الى زكريا وجعله كافلا لها وضامنا لمصالحها. الْمِحْرابَ: أشرف المجالس ومقدمها، كأنها وضعت فى أشرف موضع فى بيت المقدس. وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً أي طعاما. أَنَّى لَكِ هذا أي من أين لك هذا الرزق والأبواب مغلقة عليك لا سبيل للداخل به إليك. قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فلا تستبعد. إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ من كلام مريم ﵍، أو من كلام رب العزة، عز من قائل. بِغَيْرِ حِسابٍ، أي بغير تقدير، لكثرته، أو تفضلا بغير محاسبة ولا مجازاة على عمل بحسب الاستحقاق. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٨ الى ٣٩] هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) ٣٨- هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ: هُنالِكَ فى ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم فى المحراب، أو فى ذلك الوقت لما رأى حال مريم فى كرامتها على الله ومنزلتها رغب فى أن يكون له من ايشاع مثل ولد أختها. ذُرِّيَّةً ولدا. والذرية يقع على الواحد والجمع، وكانت ايشاع عجوزا عاقرا كأختها. سَمِيعُ الدُّعاءِ مجيبه. ٣٩- فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ: فَنادَتْهُ وقرىء: فناداه. الْمَلائِكَةُ على ارادة المفرد، وهو جبريل ﵇.

стр. 4020

أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ أن، بالفتح على تقدير: بأن الله، وبالكسر على ارادة القول، أو لأن النداء نوع من القول. مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي بعيسى مؤمنا به. قيل: وهو أول من آمن به. وَحَصُوراً الحصور: الذي لا يقرب النساء حصرا لنفسه، أي منعا لها من الشهوات. وقيل: هو الذي لا يدخل مع القوم فى الميسر، فاستعير لمن لا يدخل فى اللعب واللهو. مِنَ الصَّالِحِينَ أي ناشئا من الصالحين، لأنه كان من أصلاب الأنبياء، أو كائنا من جملة الصالحين. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٤٠ الى ٤١] قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١) ٤٠- قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ استبعاد، من حيث العادة. وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ أي أثر فىّ الكبر فأضعفنى. كَذلِكَ أي يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل، وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر. أو كَذلِكَ اللَّهُ مبتدأ وخبره، أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات. ٤١- قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ: اجْعَلْ لِي آيَةً علامة أعرف بها الحبل لأتلقى النعمة إذا جاءت بالشكر. قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ: ألا تقدر على تكليم الناس. وانما خص

стр. 4021

تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة، مع ابقاء قدرته على التكليم بذكر الله، ولذلك قال: إِلَّا رَمْزاً حال منه ومن الناس، أي الا مترامزين، كما يكلم الناس الأخرس بالاشارة ويكلمهم. والرمز وان كان ليس من جنس الكلام الا أنه يؤدى مؤدى الكلام ويفهم منه ما يفهم منه، لذا سمى كلاما، وصح الاستثناء. ويجوز أن يكون استثناء منقطعا. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٤٢ الى ٤٤] وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) ٤٢- وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ: يا مَرْيَمُ يقال ان التكليم كان شفاها إرهاصا لنبوة عيسى. اصْطَفاكِ أولا حين تقبلك من أباك ورباك واختصك بالكرامة السنية. وَطَهَّرَكِ مما يستقذر من الأفعال ومما قرفك به اليهود. وَاصْطَفاكِ آخرا. عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ بأن وهب لك عيسى من غير أب، ولم يكن ذلك لأحد من النساء. ٤٣- يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ: اقْنُتِي وَاسْجُدِي أمر بالصلاة، فالقنوت والسجود من هيئات الصلاة وأركانها. وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ أي لتكن صلاتك مع المصلين وفى عدادهم. ٤٤- ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ: ذلِكَ اشارة الى ما سبق من نبأ زكريا ويحيى ومريم وعيسى ﵈.

стр. 4022

نُوحِيهِ إِلَيْكَ أي إن ذلك من الغيوب التي لا تعرفها الا بالوحى. وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ أي شاهدهم. إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ إذ يطرحون أقلام. والأقلام: الأزلام، وهى قداحهم التي طرحوها مقترعين أيهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ متعلق بمحذوف دل عليه يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ، كأنه قيل: يلقونها ينظرون أيهم يكفل، أو ليعلموا. إِذْ يَخْتَصِمُونَ فى شأنها تنافسا فى التكفل بها. [سورة آل عمران (٣) : آية ٤٥] إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) ٤٥- إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ بدل من قوله إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ. ويجوز أن يبدل من إِذْ يَخْتَصِمُونَ على أن الاختصام والبشارة وقعا فى زمان واسع. بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ذكر ضميرها لأن المسمى بها ذكر. الْمَسِيحُ بالعبرانية: مشيحا، بمعنى: المبارك. عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ إعلام بنسبه إليها إذ الأبناء ينسبون الى الآباء لا الى الأمهات فأعلمت بنسبته إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب الا الى أمه. وقال: المسيح عيسى بن مريم، فذكر ثلاثة أشياء، الاسم منها: عيسى، وأما المسيح والابن، فلقب وصفة، ليشير الى أن الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة. وَجِيهاً حال من بِكَلِمَةٍ. والوجاهة فى الدنيا: النبوة والتقدم على الناس، وفى الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة فى الجنة. وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ حال أخرى من كلمة يعنى رفعه الى السماء.

стр. 4023

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٤٦ الى ٤٩] وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) ٤٦- وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ حال ثالثة من كلمة. فِي الْمَهْدِ المهد: ما يمهد للصبى من مضجعه، سمى بالمصدر. وفى المهد، فى محل النصب على الحال. وَكَهْلًا عطف عليه، بمعنى: ويكلم الناس طفلا وكهلا، أي يكلم الناس فى هاتين الحالتين كلام الأنبياء. والكهل ما بين حال الغلومة وحال الشيخوخة. وَمِنَ الصَّالِحِينَ حال رابعة من كلمة أي يبشرك به موصوفا بهذه الصفات: وجيها، ومن المقربين، ويكلم الناس، ومن الصالحين. ٤٧- قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ: رَبِّ نداء لجبرئيل ﵇، بمعنى: يا سيدى. وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ أي بنكاح. ٤٨- وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ: وَيُعَلِّمُهُ عطف على يُبَشِّرُكِ، أو على وَجِيهاً أو على يَخْلُقُ أو هو كلام مبتدأ. الْكِتابَ أي الكتابة. وقيل: كتاب غير التوراة والإنجيل. ٤٩- وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: وَرَسُولًا حال للضمير فى وَيُعَلِّمُهُ فى الآية السابقة. أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ على إضمار (وأرسلت) على ارادة القول،

стр. 4024

تقديره: ونعلمه الكتاب والحكمة، ويقول: أرسلت رسولا بأنى قد جئتكم. أو على أن الرسول فيه معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقا بأنى قد جئتكم. أَنِّي أَخْلُقُ نصب، بدل من أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ أو جزء بدل من آية أو رفع على: هى أنى أخلق. وقرىء بالكسر على الاستئناف. كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ أي أقدر لكم شيئا على صورة الطير. فَأَنْفُخُ فِيهِ الضمير للكاف، أي فى ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير. فَيَكُونُ طَيْراً أي فيصير طيرا كسائر الطيور حيا. الْأَكْمَهَ الذي ولد أعمى. بِإِذْنِ اللَّهِ التكرير دفعا لو هم من توهم فى عيسى الألوهية. [سورة آل عمران (٣) : آية ٥٠] وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) ٥٠- وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ: وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ على إضمار (وأرسلت) على ارادة القول، تقديره، ونعلمه الكتاب والحكمة، ويقول: أرسلت رسولا بأنى قد جئتكم، ومصدقا لما بين يدى. ويجوز أن يكون ردا على قوله بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي جئتكم بآية وجئتكم مصدقا. أو على أن المصدق فيه معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقا بأنى أصدق ما بين يدى. وما حرم عليهم فى شريعة موسى: الشحوم، ولحوم الإبل، والسمك، وكل ذى ظفر، فأحل لهم عيسى بعض ذلك. وَلِأُحِلَّ رد على قوله بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، أي جئتكم بآية من ربكم ولأحل لكم. حُرِّمَ عَلَيْكُمْ قرىء (حرم) على تسمية الفاعل، وهو لِما بَيْنَ

стр. 4025

يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ أو الله ، أو موسى ﵇، لأن ذكر التوراة دل عليه. وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ شاهدة على صحة رسالتى وهى قوله إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ لأن جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه. فَاتَّقُوا اللَّهَ لما جئتكم به من الآيات. وَأَطِيعُونِ فيما أدعوكم اليه. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥١ الى ٥٢] إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) ٥١- إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ على الابتداء. وقرىء بالفتح على البدل من آية وقوله فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ اعتراض. ويجوز أن يكون المعنى: وجئتكم بآية على أن الله ربى وربكم فاعبدوه. ٥٢- فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ: فَلَمَّا أَحَسَّ أي فلما علم. الْكُفْرَ علما لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس. إِلَى اللَّهِ من صلة أَنْصارِي متضمنا معنى الاضافة، كأنه قيل: من الذين يضيفون أنفسهم الى الله ينصروننى كما ينصرنى. أو هو متعلق بمحذوف حالا من الياء، أي من أنصارى ذاهبا إلى الله ملتجئا اليه. الْحَوارِيُّونَ حوارى الرجل: صفوته وخالصته. نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ أي أنصار دينه ورسوله. وَاشْهَدْ طلبوا شهادته بإسلامهم تأكيدا لايمانهم، لأن الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم.

стр. 4026

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥٣ الى ٥٦] رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤) إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦) ٥٣- رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ: مَعَ الشَّاهِدِينَ أي مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم، أو مع الذين يشهدون بالوحدانية. ٥٤- وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ: وَمَكَرُوا أي كفار بنى إسرائيل الذين أحس منهم الكفر، ومكرهم أنهم وكلوا به من يقتله غيلة. وَمَكَرَ اللَّهُ أن رفع عيسى الى السماء وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل. وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ أي أقوالهم مكرا، وأنفذهم كيدا، وأقدرهم على العقاب، من حيث لا يشعر المعاقب. ٥٥- إذ قال الله يا عيسى إنى متوفاك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلى مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون: إِذْ قالَ اللَّهُ ظرف لخير الماكرين، أو لمكر الله. أو مَكَرُوا. إنى متوفاك أي مستوفى أجلك وعاصمك من أن يقتلك الكفار، ومؤخرك الى أجل كتبته لك. وقيل: متوفيك أي قابضك من الأرض. وَرافِعُكَ إِلَيَّ أي الى سمائى. وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا من سوء جوارهم وخبث صحبتهم. فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعلونهم بالحجة. فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فأجازى كلا بما فعل، ان خيرا فخير، وان شرا فشر. وسيأتى تفصيل هذا فى الآية التالية: ٥٦- فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ:

стр. 4027

وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ أي من يدفع عنهم ما ينالهم فى الدنيا من سوء ولا ما سوف يلقون فى الآخرة من عذاب. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥٧ الى ٥٩] وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) ٥٧- وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ أي أجرا غير منقوص فالله لا يحب أن يظلم انسان أجره. ٥٨- ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ: ذلِكَ اشارة الى ما سبق من نبأ عيسى وغيره، وهو مبتدأ، خبره نَتْلُوهُ. مِنَ الْآياتِ خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف. ويجوز أن يكون ذلِكَ بمعنى: الذي. ونتلوه، صلته. ومن الآيات، الخبر. ويجوز أن ينتصب ذلِكَ بمضمر تفسيره: نتلوه. وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ القرآن، وصف بصفة من هو سببه، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه. ٥٩- إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ: إِنَّ مَثَلَ عِيسى ان شأن عيسى وحاله الغريبة كشأن آدم. خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ جملة مفسرة لما له شبه عيسى بآدم، أي خلق آدم من تراب، ولم يكن ثمة أب ولا أم، وكذلك حال عيسى. وصح تشبيهه به، وقد وجد هو من غير أب، ووجد آدم من غير أب وأم، لأنه مثيله فى أحد الطرفين، فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به، لأن المماثلة مشاركة فى بعض الأوصاف، وهو قد

стр. 4028

شبه به لأنه وجد وجودا خارجا عن العادة المستمرة، وهما فى ذلك نظيران، ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود بغير أب، فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه. خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ قدره جسدا من طين. ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ أي أنشأه بشرا. فَيَكُونُ حكاية حال ماضية. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٦٠ الى ٦١] الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١) ٦٠- الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ خبر مبتدأ محذوف، أي هو الحق. فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ونهيه عن الامتراء، وجل رسول الله ﵌ أن يكون ممتريا، من باب التهييج لزيادة الثبات والطمأنينة، وأن يكون لطفا بغيره. ٦١- فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ: فَمَنْ حَاجَّكَ من النصارى. فِيهِ أي فى عيسى. مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أي من البينات الموجبة للعلم. تَعالَوْا هلموا والمراد المجيء بالرأى والعزم. نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ أي يدعو كل منى ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه الى المباهلة. ثُمَّ نَبْتَهِلْ بأن نقول: بهلة الله على الكافرين منا ومنكم. والبهلة، بالفتح وبالضم: اللعنة.

стр. 4029

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٦٢ الى ٦٤] إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) ٦٢- إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: إِنَّ هذا الذي قص عليك من نبأ عيسى. لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ هو، ضمير فصل بين اسم (ان وخبرها) ، وقد يكون مبتدأ، والقصص الحق، خبره، والجملة خبر إِنَّ. وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ رد على النصارى فى تثليثهم. ٦٣- فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ: تَوَلَّوْا أعرضوا. عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ: وعيد لهم بالعذاب. ٦٤- قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ: يا أَهْلَ الْكِتابِ هم أهل الكتابين. وقيل: وفد نجران. وقيل: يهود المدينة. سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ مستوية بيننا وبينكم لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل. أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ: تفسير قوله كَلِمَةٍ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فإن أعرضوا. فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أي لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم. ويجوز أن يكون من باب التعريض، ومعناه: اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره.

стр. 4030

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٦٥ الى ٦٧] يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) ٦٥- يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ: زعم كل فريق من اليهود والنصارى أن ابراهيم كان منهم، وجادلوا رسول الله ﵌ والمؤمنين فيه، فقيل لهم: ان اليهودية انما حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، وبين ابراهيم وموسى ألف سنة، وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يكون ابراهيم على دين لم يحدث الا بعد عهده بأزمنة متطاولة. أَفَلا تَعْقِلُونَ حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال. ٦٦- ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ ها، للتنبيه. وأنتم، مبتدأ. وهؤلاء: خبره. وقيل: ها أنتم، أي: أأنتم، على الاستفهام. فقلبت الهمزة. هاء، ومعنى الاستفهام: التعجب من حماقتهم. وقيل: هؤلاء، بمعنى: الذين، وحاجَجْتُمْ صلته. حاجَجْتُمْ جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى. يعنى: أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى، وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم: فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ مما نطق به التوراة والإنجيل. فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ولا ذكر له فى كتابيكم من دين ابراهيم. وَاللَّهُ يَعْلَمُ علم ما حاججتم به. وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ جاهلون به. ٦٧- ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ:
следующие страницы →