← Тафсир

Тафсир · id 23610

الموسوعة القرآنية

إبراهيم الإبياري

Полный текст (5 429 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥٣ الى ٥٦] رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤) إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦) ٥٣- رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ: مَعَ الشَّاهِدِينَ أي مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم، أو مع الذين يشهدون بالوحدانية. ٥٤- وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ: وَمَكَرُوا أي كفار بنى إسرائيل الذين أحس منهم الكفر، ومكرهم أنهم وكلوا به من يقتله غيلة. وَمَكَرَ اللَّهُ أن رفع عيسى الى السماء وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل. وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ أي أقوالهم مكرا، وأنفذهم كيدا، وأقدرهم على العقاب، من حيث لا يشعر المعاقب. ٥٥- إذ قال الله يا عيسى إنى متوفاك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلى مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون: إِذْ قالَ اللَّهُ ظرف لخير الماكرين، أو لمكر الله. أو مَكَرُوا. إنى متوفاك أي مستوفى أجلك وعاصمك من أن يقتلك الكفار، ومؤخرك الى أجل كتبته لك. وقيل: متوفيك أي قابضك من الأرض. وَرافِعُكَ إِلَيَّ أي الى سمائى. وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا من سوء جوارهم وخبث صحبتهم. فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعلونهم بالحجة. فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فأجازى كلا بما فعل، ان خيرا فخير، وان شرا فشر. وسيأتى تفصيل هذا فى الآية التالية: ٥٦- فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ:

стр. 4027

وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ أي من يدفع عنهم ما ينالهم فى الدنيا من سوء ولا ما سوف يلقون فى الآخرة من عذاب. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥٧ الى ٥٩] وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) ٥٧- وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ أي أجرا غير منقوص فالله لا يحب أن يظلم انسان أجره. ٥٨- ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ: ذلِكَ اشارة الى ما سبق من نبأ عيسى وغيره، وهو مبتدأ، خبره نَتْلُوهُ. مِنَ الْآياتِ خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف. ويجوز أن يكون ذلِكَ بمعنى: الذي. ونتلوه، صلته. ومن الآيات، الخبر. ويجوز أن ينتصب ذلِكَ بمضمر تفسيره: نتلوه. وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ القرآن، وصف بصفة من هو سببه، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه. ٥٩- إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ: إِنَّ مَثَلَ عِيسى ان شأن عيسى وحاله الغريبة كشأن آدم. خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ جملة مفسرة لما له شبه عيسى بآدم، أي خلق آدم من تراب، ولم يكن ثمة أب ولا أم، وكذلك حال عيسى. وصح تشبيهه به، وقد وجد هو من غير أب، ووجد آدم من غير أب وأم، لأنه مثيله فى أحد الطرفين، فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به، لأن المماثلة مشاركة فى بعض الأوصاف، وهو قد

стр. 4028

شبه به لأنه وجد وجودا خارجا عن العادة المستمرة، وهما فى ذلك نظيران، ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود بغير أب، فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه. خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ قدره جسدا من طين. ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ أي أنشأه بشرا. فَيَكُونُ حكاية حال ماضية. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٦٠ الى ٦١] الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١) ٦٠- الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ خبر مبتدأ محذوف، أي هو الحق. فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ونهيه عن الامتراء، وجل رسول الله ﵌ أن يكون ممتريا، من باب التهييج لزيادة الثبات والطمأنينة، وأن يكون لطفا بغيره. ٦١- فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ: فَمَنْ حَاجَّكَ من النصارى. فِيهِ أي فى عيسى. مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أي من البينات الموجبة للعلم. تَعالَوْا هلموا والمراد المجيء بالرأى والعزم. نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ أي يدعو كل منى ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه الى المباهلة. ثُمَّ نَبْتَهِلْ بأن نقول: بهلة الله على الكافرين منا ومنكم. والبهلة، بالفتح وبالضم: اللعنة.

стр. 4029

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٦٢ الى ٦٤] إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) ٦٢- إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: إِنَّ هذا الذي قص عليك من نبأ عيسى. لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ هو، ضمير فصل بين اسم (ان وخبرها) ، وقد يكون مبتدأ، والقصص الحق، خبره، والجملة خبر إِنَّ. وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ رد على النصارى فى تثليثهم. ٦٣- فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ: تَوَلَّوْا أعرضوا. عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ: وعيد لهم بالعذاب. ٦٤- قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ: يا أَهْلَ الْكِتابِ هم أهل الكتابين. وقيل: وفد نجران. وقيل: يهود المدينة. سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ مستوية بيننا وبينكم لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل. أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ: تفسير قوله كَلِمَةٍ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فإن أعرضوا. فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أي لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم. ويجوز أن يكون من باب التعريض، ومعناه: اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره.

стр. 4030

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٦٥ الى ٦٧] يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) ٦٥- يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ: زعم كل فريق من اليهود والنصارى أن ابراهيم كان منهم، وجادلوا رسول الله ﵌ والمؤمنين فيه، فقيل لهم: ان اليهودية انما حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، وبين ابراهيم وموسى ألف سنة، وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يكون ابراهيم على دين لم يحدث الا بعد عهده بأزمنة متطاولة. أَفَلا تَعْقِلُونَ حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال. ٦٦- ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ ها، للتنبيه. وأنتم، مبتدأ. وهؤلاء: خبره. وقيل: ها أنتم، أي: أأنتم، على الاستفهام. فقلبت الهمزة. هاء، ومعنى الاستفهام: التعجب من حماقتهم. وقيل: هؤلاء، بمعنى: الذين، وحاجَجْتُمْ صلته. حاجَجْتُمْ جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى. يعنى: أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى، وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم: فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ مما نطق به التوراة والإنجيل. فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ولا ذكر له فى كتابيكم من دين ابراهيم. وَاللَّهُ يَعْلَمُ علم ما حاججتم به. وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ جاهلون به. ٦٧- ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ:

стр. 4031

ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا يعلمهم أن ابراهيم برىء من دينكم وما كان الا حنيفا مسلما. وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كما لم يكن منكم. أو أراد بالمشركين اليهود والنصارى لا شراكهم به عزيرا والمسيح. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٦٨ الى ٧١] إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٦٩) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) ٦٨- إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ أي إن أخصهم به وأقربهم منه. لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فى زمانه وبعده. وَهذَا النَّبِيُّ خصوصا. وقرىء: وهذا النبي، بالنصب عطفا على الهاء فى اتَّبَعُوهُ أي: اتبعوه واتبعوا هذا النبي، كما قرىء بالجر، عطفا على إِبْراهِيمُ. وَالَّذِينَ آمَنُوا من أمته. ٦٩- وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ: وَدَّتْ طائِفَةٌ هم اليهود. وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ أي وما يعود وبال الإضلال الا عليهم، لأن العذاب يضاعف لهم بضلالهم واضلالهم. ٧٠- يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ: بِآياتِ اللَّهِ بالتوراة والإنجيل، وكفرهم بها أنهم لا يؤمنون بما نطقت به من صحة نبوة رسول الله ﵌ وغيرها، أو تكفرون بالقرآن ودلائل نبوة الرسول. وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ وأنتم تعترفون أنها آيات الله. ٧١- يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ:

стр. 4032

تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ أي تخلطون. وقرىء: تلبسون، بفتح الباء، أي تلبسون الحق مع الباطل. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٧٢ الى ٧٣] وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) ٧٢- وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ: وَجْهَ النَّهارِ: أوله. والمعنى: أظهروا الايمان بما أنزل على المسلمين فى أول النهار. وَاكْفُرُوا آخِرَهُ أي واكفروا به فى آخره، لعلهم يشكون فى دينهم ويقولون: ما رجعوا وهم أهل كتاب وعلم الا الأمر قد تبين لهم. لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فيرجعون برجوعكم. ٧٣- وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ: وَلا تُؤْمِنُوا متعلق بقوله أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ وما بينهما اعتراض. أي: ولا تظهروا ايمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم الا لأهل دينكم دون غيرهم. أي أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتاب الله مثل ما أوتيتم، ولا تفشوه الا الى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتا، ودون المشركين لئلا يدعوهم الى الإسلام. أَنْ يُؤْتى أي لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتموه لا لشىء آخر، يعنى أن ما بكم من الحسد والبغي أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب، دعاكم الى أن قلتم ما قلتم. ويجوز أن يكون هُدَى اللَّهِ بدلا من الْهُدى، وأَنْ يُؤْتى أَحَدٌ خبر إِنَّ. ويكون المعنى: قل ان هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم حتى يحاجوكم عند ربكم فيقرعوا باطلكم بحقهم ويدحضوا حجتكم.

стр. 4033

وقرىء: ان يؤتى أحد، على أن (إن) النافية، وهو متصل بكلام أهل الكتاب، أي ولا تؤمنوا الا لمن تبع دينكم وقولوا لهم: ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم حتى يحاجوكم عند ربكم، بمعنى: ما يؤتون مثله فلا يحاجونكم. ويجوز أن ينتصب أَنْ يُؤْتى بفعل مضمر يدل عليه قوله وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ. كأنه قيل: قل ان الهدى هدى الله فلا تنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، لأن قوله وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ انكار لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ عطف على أَنْ يُؤْتى والضمير فى يُحاجُّوكُمْ، لقوله أَحَدٌ لأنه فى معنى الجمع. أي ولا تؤمنوا لغير أتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله تعالى بالحجة. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٧٤ الى ٧٥] يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) ٧٤- يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ: بِرَحْمَتِهِ أي بنبوته وهدايته. مَنْ يَشاءُ أجمل القول ليبقى معه رجاء الراجي وخوف الخائف. ٧٥- وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ هو عبد الله بن سلام استودعه رجل من قريش ألفا ومائتى أوقية ذهبا فأداه اليه. مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ فنحاص بن عازوراء استودعه رجل من قريش دينارا فجحده وخانه. إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً الا مدة دوامك عليه يا صاحب الحق قائما

стр. 4034

على رأسه متوكلا عليه بالمطالبة والتعنيف، أو بالرفع الى الحاكم واقامة البينة عليه. ذلِكَ اشارة الى ترك الأداء الذي دل عليه لا يُؤَدِّهِ أي تركهم أداء الحقوق بسبب قولهم: لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ أي لا يتطرق علينا عتاب وذم فى شأن الأميين أي الذين ليسوا من أهل الكتاب. وما فعلنا بهم من حبس أموالهم والإضرار بهم لأنهم ليسوا على ديننا وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم ويقولون: لم يجعل لهم فى كتابنا حرمة. وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بادعائهم أن ذلك فى كتابهم. وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنهم كاذبون. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٧٦ الى ٧٧] بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧) ٧٦- بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ: بَلى إثبات لما نفوه من السبيل عليهم فى الأميين. أي بلى، عليهم سبيل فيهم. مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ جملة مستأنفة مقررة للجملة التي سدت بَلى مسدها. والضمير فى بِعَهْدِهِ راجع الى مَنْ أَوْفى على أن كل من أوفى بما عاهد عليه واتقى الله فى ترك الخيانة والغدر، فان الله يحبه. وقام مقام الضمير الراجع من الجزاء الى مَنْ عموم المتقين. ٧٧- إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ: يَشْتَرُونَ يستبدلون. بِعَهْدِ اللَّهِ بما عاهدوه عليه من الايمان بالرسول المصدق لما معهم. وَأَيْمانِهِمْ وبما حلفوا به من قولهم: والله لنؤمنن به ولننصرنه.

стр. 4035

ثَمَناً قَلِيلًا متاع الدنيا من الترؤس. لا خَلاقَ لَهُمْ لا نصيب لهم. وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم. وَلا يُزَكِّيهِمْ ولا يثنى عليهم. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٧٨ الى ٧٩] وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) ٧٨- وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ: لَفَرِيقاً نفرا، منهم كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وحيى ابن أخطب. يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ يفتلونها بقراءته عن الصحيح الى المحرف. لِتَحْسَبُوهُ الضمير يرجع الى ما دل عليه يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ وهو المحرف. ويجوز أن يراد: يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه من الكتاب. وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تأكيد لقوله وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وزيادة تشنيع عليهم، وتسجيل بالكذب، ودلالة على أنهم لا يعرضون ولا يورون وانما هم يصرحون أنه فى التوراة هكذا. ٧٩- ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ: ما كانَ لِبَشَرٍ تكذيب لمن اعتقد عبادة عيسى. وَالْحُكْمَ الحكمة، وهى السنة. وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ولكن يقول: كونوا ربانيين. والرباني،

стр. 4036

منسوب الى الرب، بزيادة الألف والنون، وهو الشديد التمسك بدين الله وطاعته. بِما كُنْتُمْ أي بسبب كونكم. تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ تعلمون، من التعليم. وقرىء (تعلمون) من التعلم. تَدْرُسُونَ تقرءونه على الناس. وقرىء: تدرسون، من التدريس. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨٠ الى ٨١] وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) ٨٠- وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ: أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ وقرىء: أيأمركم، بالنصب عطفا على ثُمَّ يَقُولَ، وعليه: فإما أن تكون (لا) مزيدة لتأكيد معنى النفي فى قوله ما كانَ لِبَشَرٍ، والمعنى: ما كان لبشر أن يستنبئه الله وينصبه للدعاء الى اختصاص الله بالعبادة وترك الأنداد، ثم يأمر الناس بأن يكونوا عبادا له. وإما أن تكون (لا) غير مزيدة، والمعنى: أن رسول الله ﵌ كان ينهى قريشا عن عبادة الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح، فلما قالوا له: أنتخذك ربا؟ قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادته وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء. والقراءة بالرفع على ابتداء (الكلام) أظهر. أَيَأْمُرُكُمْ الهمزة للإنكار. بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ فيه دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين، وهم الذين استأذنوه أن يسجدوا له. ٨١- وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ

стр. 4037

وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ : مِيثاقَ النَّبِيِّينَ أي أخذ الميثاق على النبيين. ويجوز أن يضيف الميثاق الى النبيين إضافته الى الموثق عليه، كما تقول: ميثاق الله وعهد الله، كأنه قيل: وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أممهم. ويجوز أن يراد ميثاق أولاد النبيين، وهم بنو إسرائيل، على حذف المضاف. ويجوز أن يراد أهل الكتاب، وأن يرد على زعمهم تهكما بهم، لأنهم كانوا يقولون: نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون. لَما آتَيْتُكُمْ اللام لام التوطئة، لأن أخذ الميثاق فى معنى الاستحلاف. و (ما) يحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط. ولتؤمنن، سادّ مسد جواب القسم والشرط جميعا، كما يحتمل أن تكون موصولة بمعنى: الذي آتيتموه لتؤمنن به. وقرىء: لما، بكسر اللام، ومعناه: لأجل ايتائى إياكم بعض الكتاب والحكمة ثم لمجىء رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، على أن (ما) مصدرية، والفعلان معها آتَيْتُكُمْ وجاءَكُمْ فى معنى المصدرين، واللام داخلة للتعليل على معنى: أخذ الله ميثاقهم لتؤمنن بالرسول ولتنصرنه لأجل أنى آتيتكم الحكمة وأن الرسول الذي آمركم بالايمان به ونصرته موافق لكم غير مخالف. وقرىء: لما، بالتشديد، بمعنى: حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة ثم جاءكم رسول مصدق له وجب عليكم الايمان به ونصرته.

стр. 4038

وقيل: أصله: لمن ما، فاستثقلوا اجتماع ثلاث ميمات، وهى الميمان والنون المنقلبة ميما بإدغامها فى الميم، فحذفوا احداها، فصارت: لما، ومعناه: لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به. لَتُؤْمِنُنَّ لام جواب القسم. إِصْرِي: عهدى، وسمى إصرا، لأنه مما يؤصر، أي يشد ويعقد. فَاشْهَدُوا أي فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار. وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ من إقراركم وتشاهدكم. مِنَ الشَّاهِدِينَ توكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا بشهادة الله وشهادة بعضهم على بعض. وقيل: الخطاب للملائكة. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨٢ الى ٨٣] فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) ٨٢- فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ: فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ الميثاق والتوكيد. فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي المتمردون من الكفار. ٨٣- أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ دخلت همزة الاستفهام على الفاء العاطفة جملة على جملة، والمعنى: فأولئك هم الفاسقون فغير دين الله يبغون، ثم توسطت الهمزة بينهما. ويجوز أن يعطف على محذوف، تقديره: أيتولون. وقدم المفعول الذي هو فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ على فعله لأنه أهم من حيث الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه الى المعبود بالباطل. طَوْعاً بالنظر فى الأدلة والانصاف من نفسه. وَكَرْهاً بالسيف، أو بمعاينة ما يلجىء الى الإسلام ثم كنتق الجبل على بنى إسرائيل، وادراك الغرق فرعون.

стр. 4039

وانتصب: طوعا، وكرها، على الحال، بمعنى طائعين ومكرهين. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨٤ الى ٨٦] قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) ٨٤- قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ: آمَنَّا صدقنا. بِاللَّهِ المعبود وحده. وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا عدى بحرف الاستعلاء، وعدى قيل بحرف الانتهاء، لوجود المعنيين جميعا، لأن الوحى ينزل من فوق وينتهى الى الرسل، فجاء تارة بأحد المعنيين، وأخرى بالآخر. وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ موحدون مخلصون، أنفسنا له، لا تجعل له شريكا فى عبادتها. ٨٥- وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ يعنى التوحيد واسلام الوجه لله تعالى. مِنَ الْخاسِرِينَ من الذين وقعوا فى الخسران. ٨٦- كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كيف يلطف بهم وليسوا من أهل اللطف لما علم من تصميمهم على كفرهم ودل على تصميمهم بأنهم كفروا بعد ايمانهم، وبعد ما شهدوا بأن الرسول حق، وبعد ما جاءتهم الشواهد من القرآن وسائر المعجزات التي تثبت بمثلها النبوة، وهم اليهود، كفروا بالنبي ﵌ بعد أن كانوا مؤمنين به، وذلك حين عاينوا ما يوجب قوة ايمانهم من البينات. وقيل: نزلت فى رهط كانوا أسلموا ثم رجعوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، منهم: طعمة بن أبيرق، ووحوح بن الأسلت، والحارث بن سويد ابن الصاحب.

стр. 4040

وَشَهِدُوا عطف على ما فى إِيمانِهِمْ من معنى الفعل، لأن معناه: بعد أن آمنوا. ويجوز أن تكون (الواو) للحال بإضمار (قد) بمعنى: كفروا وقد شهدوا أن الرسول حق. وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي لا يلطف بالقوم الظالمين المعاندين الذين علم أن اللطف لا ينفعهم. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨٧ الى ٩٠] أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) ٨٧- أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ: جَزاؤُهُمْ عقوبتهم عند الله. أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ استحقاق غضب الله عليهم ولعنته. وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ولعنة صفوة الخلق جميعا من ملائكة وبشر. ٨٨- خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ: خالِدِينَ فِيها لا تفارقهم اللعنة. وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ولا هم يمهلون. ٨٩- إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الكفر والارتداد. وَأَصْلَحُوا ما أفسدوا، أو دخلوا فى الإصلاح. ٩٠- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ هم اليهود كفروا بعيسى والإنجيل بعد ايمانهم بموسى والتوراة. ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بكفرهم بمحمد والقرآن، أو كفروا برسول الله بعد ما كانوا به مؤمنين قبل مبعثه، ثم ازدادوا بإصرارهم على ذلك وطعنهم فى كل وقت، وعداوتهم له، ونقضهم ميثاقه، وفتنتهم للمؤمنين، وصدهم عن الايمان، وسخريتهم بكل آية تنزل.

стр. 4041

لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ عبارة عن الموت على الكفر، لأن الذي لا تقبل توبته من الكفار هو الذي يموت على الكفر. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩١ الى ٩٣] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١) لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣) ٩١- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ: ذَهَباً نصب على التمييز. وقرىء: ذهب، بالرفع، ردا على مِلْءُ. وَلَوِ افْتَدى بِهِ محمول على المعنى، كأنه قيل: فلن تقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا. ٩٢- لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ أي لن تبلغوا حقيقة البر، ولن تكونوا أبرارا. وقيل: لن تنالوا بر الله، وهو ثوابه. حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ أي: حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثرونها. فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ أي بكل شىء تنفقونه فمجازيكم بحسبه. ٩٣- كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ: كُلُّ الطَّعامِ أي: كل أنواع الطعام. كانَ حِلًّا الحل، مصدر، يقال: حل الشيء حلا، ولذلك استوى فى الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع. إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ إسرائيل، هو يعقوب ﵇، وكان حرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها. مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ يعنى أن المطاعم كلها لم تزل حلالا لبنى إسرائيل من قبل إنزال التوراة، لم يحرم منها شىء قبل ذلك غير

стр. 4042

المطعوم الواحد الذي حرمه أبوهم إسرائيل على نفسه فتبعوه على تحريمه. قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها أمر بأن يحاجهم بكتابهم ويبكتهم مما هو ناطق به من أن تحريم ما حرم عليهم تحريم حادث، لا تحريم قديم كما يدعونه. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٤ الى ٩٦] فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) ٩٤- فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ : فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بزعمه أن ذلك كان محرما على بنى إسرائيل قبل إنزال التوراة من بعد ما لزمهم من الحجة القاطعة. فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ المكابرون الذين لا ينصفون من أنفسهم، ولا يلتفتون الى البينات. ٩٥- قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ تعريض بكذبهم، أي ثبت أن الله صادق فيما أنزل وأنتم الكاذبون. فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وهى ملة الإسلام التي عليها محمد ﵌ ومن آمن معه. ٩٦- إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ: وُضِعَ لِلنَّاسِ صفة لبيت، والواضع هو الله . لَلَّذِي بِبَكَّةَ بكة، هى مكة، علم للبلد الحرام. مُبارَكاً كثير الخير لما يحصل لمن حجه واعتمره وعكف عنده. وانتصابه على الحال من المستكن فى الظرف، لأن التقدير: للذى ببكة هو، والعامل فيه المقدر فى الظرف من فعل الاستقرار.

стр. 4043

وَهُدىً لِلْعالَمِينَ لأنه قبلتهم ومتعبدهم. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٧ الى ٩٩] فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) ٩٧- فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ: مَقامُ إِبْراهِيمَ عطف بيان لقوله آياتٌ بَيِّناتٌ. وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً دل على أمن داخله، فكأنه قيل: فيه آيات بينات مقام ابراهيم وأمن داخله. وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ يعنى أنه حق واجب لله فى رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه والخروج من عهدته. وَمَنْ كَفَرَ مكان: ومن لم يحج، تغليظا على تارك الحج. ٩٨- قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ: وَاللَّهُ شَهِيدٌ الواو للحال والمعنى: لم تكفرون بآيات الله التي دلتكم على صدق محمد ﵌، والحال أن الله شهيد على أعمالكم فمجازيكم عليها. ٩٩- قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ: عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ عن دين حق علم أنه سبيل الله التي أمر بسلوكها، وهو الإسلام. تَبْغُونَها عِوَجاً تطلبون لها اعوجاجا وميلا عن القصد والاستقامة. وَأَنْتُمْ شُهَداءُ أنها سبيل الله لا يصد عنها الا ضال مضل. وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ وعيد. [سورة آل عمران (٣) : آية ١٠٠] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠) ١٠٠- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ:

стр. 4044

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعنى الأوس والخزرج. إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً يعنى شأس بن قيس اليهودي، وكان قد دس على الأوس والخزرج من يذكرهم بما كان بينهم من الحروب، ولقد هموا أن يثيروها حربا ويرتدوا فى جاهليتهم كفارا. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٠١ الى ١٠٣] وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) ١٠١- وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ استفهام فيه معنى الإنكار والتعجيب، أي من أين يتطرق إليكم الكفر. وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ أي والحال أن آيات الله، وهى القرآن المعجز، تتلى عليكم على لسان الرسول، وبين أظهركم رسول الله، ﵌، ينبهكم ويعظكم ويزيج شبهكم. وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ أي ومن يتمسك بدينه. فَقَدْ هُدِيَ أي فقد حصل له الهدى لا محالة. ١٠٢- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ: حَقَّ تُقاتِهِ أي واجب تقواه وما يحق منها، وهو القيام بما أوجب واجتناب ما حرم. وَلا تَمُوتُنَّ أي ولا تكونن على حال سوى الإسلام إذا أدرككم الموت. ١٠٣- وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ:

стр. 4045

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ يجوز أن يكون تمثيلا لاستظهارهم به ووثوقهم بحمايته، بامتساك المتدلى من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه، وأن يكون الحبل استعارة لعهده، والاعتصام لوثوقه بالعهد. أو ترشيحا لاستعارة الحبل بما يناسبه، والمعنى: واجتمعوا على استعانتكم بالله ووثوقكم به ولا تفرقوا عنه. وَلا تَفَرَّقُوا أي ولا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم، كما كنتم متفرقين فى الجاهلية. إِخْواناً متراحمين متناصحين مجتمعين على أمر واحد. وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ أي وكنتم مشرفين على أن تقعوا فى نار جهنم. فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها بالإسلام، والضمير للحفرة، أو للنار، أو للشفا، وانما أنت لاضافته الى الحفرة. وشفا الحفرة: حرفها. كَذلِكَ مثل ذلك البيان البليغ. يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ارادة أن تزدادوا هدى. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٦] وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) ١٠٤- وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ من، للتبعيض، لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من فروض الكفايات. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ هم الأخصاء بالفلاح دون غيرهم. ١٠٥- وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ: كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا هم اليهود والنصارى. مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ الموجبة للاتفاق على كلمة واحدة وهى كلمة الحق. ١٠٦- يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ:

стр. 4046

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ نصب بالظرف، وهو (لهم) أو بإضمار: اذكر. والبياض من النور. والسواد من الظلمة، فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره واشراقه، ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكسوفه وكمده. أَكَفَرْتُمْ فيقال لهم: أكفرتم؟ والهمزة للتوبيخ والتعجب من حالهم. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٠٧ الى ١٠٩] وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩) ١٠٧- وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ: فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ ففى نعمته، وهى الثواب المخلد. هُمْ فِيها خالِدُونَ فى موقع الاستئناف، كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟ فقيل: هم فيها خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون. ١٠٨- تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ الواردة فى الوعد والوعيد. نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ملتبسة بالحق والعدل من جزاء المحسن والمسيء بما يستوجبانه. وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً فيأخذ أحدا بغير جرم، أو يزيد فى عقاب مجرم، أو ثواب محسن. ونكر ظُلْماً وقال لِلْعالَمِينَ على معنى: ما يريد شيئا من الظلم لأحد من خلقه. ١٠٩- وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ: لما ذكر تعالى أحوال المؤمنين والكافرين، وأنه لا يريد ظلما للعالمين، وصل هذا بذكر اتساع قدرته وغناه عن الظلم لكون ما فى السماوات وما فى الأرض فى قبضته.

стр. 4047

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١١٠ الى ١١١] كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١) ١١٠- كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أي وجدتم خير أمة. وقيل كنتم فى علم الله خير أمة. أُخْرِجَتْ: أظهرت. تَأْمُرُونَ كلام مستأنف بين به كونهم خير أمة. وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ جعل الايمان بكل ما يجب الايمان ايمانا بالله، لأن من آمن ببعض ما يجب الإيمان به من رسول أو كتاب أو بعث أو حساب أو عقاب أو ثواب أو غير ذلك لم يعتد بإيمانه فكأنه غير مؤمن بالله. وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ مع ايمانهم بالله. لَكانَ خَيْراً لَهُمْ أي لكان الايمان خيرا لهم مما هم عليه، لأنهم انما آثروا دينهم على دين الإسلام، حبا للرياسة واستتباع العوام، ولو آمنوا لكان لهم من الرياسة والأتباع وحظوظ الدنيا، ما هو خير مما آثروا دين الباطل لأجله، مع الفوز بما وعدوه على الايمان من إيتاء الأجر مرتين. مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ كعبد الله بن سلام وأصحابه. وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ المتمردون فى الكفر. ١١١- لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً إلا ضرارا مقتصرا على أذى بقول من طعن فى الدين أو تهديد أو نحو ذلك. وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ منهزمين ولا يضروكم بقتل أو أسر. ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ثم لا يكون لهم نصر من أحد ولا يمنعون منكم.

стр. 4048

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١١٢ الى ١١٣] ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢) لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) ١١٢- ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ يعنى اليهود. أَيْنَ ما ثُقِفُوا أين ما وجدوا. إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ فى محل النصب على الحال، والتقدير: الا معتصمين متمسكين أو متلبسين بحبل من الله، وهو استثناء من أعم عام الحال. والمعنى: ضربت عليهم الذلة فى عامة الأحوال الا فى حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس، يعنى ذمة الله وذمة المسلمين، أي لا عز لهم قط الا هذه الواحدة. وهى التجاؤهم الى الذمة لما قبلوه من الجزية. وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ أي استوجبوه. وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ كما يضرب البيت على أهله، فهم ساكنون فى المسكنة غير ظاعنين عنها. ذلِكَ اشارة الى ما ضرب عليهم من الذلة والمسكنة والبواء بغضب الله، أي ذلك كائن بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء. ذلِكَ بِما عَصَوْا أي ذلك كائن بسبب عصيانهم لله واعتدائهم لحدوده ليعلم أن الكفر وحده ليس بسبب فى استحقاق سخط الله، وأن سخط الله يستحق بركوب المعاصي كما يستحق بالكفر. ١١٣- لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ: لَيْسُوا الضمير لأهل الكتاب. أي ليس أهل الكتاب مستوين. مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ كلام مستأنف لبيان قوله لَيْسُوا سَواءً.

стр. 4049

أُمَّةٌ قائِمَةٌ مستقيمة عادلة، وهم الذين أسلموا منهم. يَتْلُونَ فى محل رفع صفة لقوله أُمَّةٌ. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١١٤ الى ١١٧] يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧) ١١٤- يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ: يُؤْمِنُونَ فى محل رفع صفة لقوله أُمَّةٌ. وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ المسارعة فى الخير فرط الرغبة فيه، لأن من رغب فى الأمر سارع فى توليه والقيام به وآثر الفور على التراخي. وَأُولئِكَ الموصوفون بما وصفوا به. مِنَ الصَّالِحِينَ الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم واستحقوا ثناءه عليهم. ١١٥- وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ: فَلَنْ يُكْفَرُوهُ أي فلن يحرموا جزاءه. وقرىء: فلن تكفروه، بالتاء المثناة الفوقية. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ بشارة للمتقين بجزيل الثواب. ١١٦- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي لن تغنى عنهم كثرة أموالهم ولا كثرة أولادهم من عذاب الله شيئا. وخص الأولاد لأنهم أقرب أنسابهم إليهم. وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ ابتداء وخبر. ١١٧-ثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ :

стр. 4050

مَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ الصر من الرياح: الباردة، فوصف بها القرة، بمعنى: فيها قرة صر، كما تقول: برد بارد على المبالغة. وقد يكون الصر مصدرا، فجىء به على أصله فشبه ما كانوا ينفقون من أموالهم فى المكارم والمفاخر وكسب حسن الذكر بين الناس لا يبتغون به وجه الله بالزرع الذي حسه البرد فذهب حطاما. َهْلَكَتْهُ عقوبة لهم على معاصيهم. ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ الضمير للمنفقين على معنى: وما ظلمهم الله بأن لم يقبل نفقاتهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث لم يأتوا بها مستحقة للقبول. أو يكون الضمير لأصحاب الحرث الذين ظلموا أنفسهم، وما ظلمهم الله باهلاك حرثهم، ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبة. [سورة آل عمران (٣) : آية ١١٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) ١١٨- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ: بِطانَةً بطانة الرجل: خصيصه وصفيه الذي يفضى إليه بشقوره ثقة به، شبه ببطانة الثوب. مِنْ دُونِكُمْ أي من دون أبناء جنسكم وهم المسلمون. لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا ألا فى الأمر يألو، إذا قصر فيه، ثم استعمل فعدى الى مفعولين فى قولهم: لا آلوك نصحا، على التضمين، والمعنى: لا أمنعك نصحا ولا أنقصكه. والخبال: الفساد. وَدُّوا ما عَنِتُّمْ ودوا عنكم، على أن (ما) مصدرية. والعنت: شدة الضرر والمشقة. قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ لأنهم لا يتمالكون مع ضبطهم أنفسهم أن ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضهم للمسلمين. قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ الدالة على وجوب الإخلاص فى الدين، وموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه.

стр. 4051

إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ما بينا لكم فعملتم به. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١١٩ الى ١٢٠] ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠) ١١٩- ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ: (ها) للتنبيه. (أنتم) مبتدأ. أُولاءِ خبره، أي أنتم أولاء الخاطئون فى موالاة منافقى أهل الكتاب. تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ بيان لخطئهم فى موالاتهم حيث يبذلون محبتهم لأهل البغضاء. وقيل: أولاء، موصول، وتُحِبُّونَهُمْ صلته. وَتُؤْمِنُونَ الواو للحال. قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ فهو يعلم ما فى صدور المنافقين من الحنق والبغضاء، وما يكون منهم فى حال خلو بعضهم ببعض. ١٢٠- إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ: حَسَنَةٌ الحسنة: الرخاء والخصب والنصرة والغنيمة ونحوها من المنافع. سَيِّئَةٌ السيئة، ما كان ضد ذلك. هذا بيان لفرط معاداتهم حيث يحسدونهم على ما نالهم من الخير، ويشمتون بهم فيما أصابهم من الشدة. والمس مستعار لمعنى الاصابة فهما بمعنى. وَإِنْ تَصْبِرُوا على عداوتهم.

стр. 4052

وَتَتَّقُوا ما نهيتم عنه من موالاتهم. بِما يَعْمَلُونَ فى عداوتهم. مُحِيطٌ فمعاتبهم عليه. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٢١ الى ١٢٣] وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) ١٢١- وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ بالمدينة. وهو غدوه الى أحد من حجرة عائشة رضى الله عنها. تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ تنزلهم. مَقاعِدَ لِلْقِتالِ مواطن ومواقف. وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي سميع لأقوالكم عليم بنياتكم وضمائركم. ١٢٢- إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ: إِذْ هَمَّتْ بدل من إِذْ غَدَوْتَ، أو عمل فيه معنى سَمِيعٌ عَلِيمٌ. طائِفَتانِ حيان من الأنصار، بنو مسلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وهما الجناحان، خرج رسول الله ﵌ فى ألف، والمشركون فى ثلاثة آلاف، ووعدهم الفتح ان صبروا، فانخزل عبد الله ابن أبىّ بثلث الناس، وقال: يا قوم، علام نقتل أنفسنا وأولادنا، وهم الحيان باتباع عبد الله، فعصمهم الله، فمضوا مع رسول الله ﵌. أَنْ تَفْشَلا أن تجبنا وتخورا. وَاللَّهُ وَلِيُّهُما ناصرهما ومتولى أمرهما. ١٢٣- وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: بِبَدْرٍ اسم ماء بين مكة والمدينة.

стр. 4053

أَذِلَّةٌ جمع قلة، وجاء به ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلا، وذلتهم: ما كانوا فيه من ضعف الحال وقلة السلاح والمال والمركوب. وقلتهم: أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان عددهم زهاء ألف مقاتل. فَاتَّقُوا اللَّهَ فى الثبات مع رسوله. لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ بتقواكم ما أنعم به عليكم من نصرته. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٢٤ الى ١٢٦] إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) ١٢٤- إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ: (إذ) ظرف لنصركم، أو بدل ثان من إِذْ غَدَوْتَ. أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ انكار ألا يكفيهم الامداد بثلاثة آلاف من الملائكة، وجىء بلفظة أَلَنْ الذي هو لتأكيد النفي، للاشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عددهم وشوكتهم كالآيسين من النصر. ١٢٥- بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ: بَلى إيجاب لما بعد (لن) ، والمعنى: بل يكفيكم الامداد بهم، فأوجب الكفاية. إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا يمددكم بأكثر من ذلك العدد. وَيَأْتُوكُمْ يعنى المشركين. مِنْ فَوْرِهِمْ هذا أي من ساعتهم هذه. يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بالملائكة فى حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن إتيانهم. مُسَوِّمِينَ معلمين بعلامات، على بناء اسم المفعول. وقرىء: مسومين، بكسر الواو المشددة، أي معلمين أنفسهم وخيلهم. ١٢٦- وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ:

стр. 4054

وَما جَعَلَهُ الهاء ل- (أن يمد) ، أي وما جعل الله امدادكم بالملائكة الا بشارة لكم بأنكم تنصرون. وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ كما كانت السكينة لبنى إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة لقلوبهم. وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لا من عند المقاتلة إذا تكاثروا، ولا من عند الملائكة والسكينة، ولكن ذلك مما يقوى به الله رجاء النصرة والطمع فى الرحمة ويربط به قلوب المجاهدين. الْعَزِيزِ الذي لا يغالب فى حكمه. الْحَكِيمِ الذي يعطى النصر ويمنعه لما يرى من المصلحة. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٢٧ الى ١٢٨] لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) ١٢٧- لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ: لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ليهلك طائفة منهم بالقتل والأسر، وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء قريش وصناديدهم. أَوْ يَكْبِتَهُمْ أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة. فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ غير ظافرين بمبتغاهم. ١٢٨- لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ اعتراض. والمعنى: أن الله مالك أمرهم، فاما يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم ان أسلموا، أو يعذبهم ان أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شىء، انما أنت مبعوث لانذارهم ومجاهدتهم. أَوْ يَتُوبَ منصوب بإضمار (أن) . و (أن يتوب) فى حكم اسم معطوف بأو على الْأَمْرِ، أو على شَيْءٌ، أو المثوبة عليهم، أو تعذيبهم. وقيل (أو) بمعنى: الا أن، على معنى: ليس لك من أمرهم شىء الا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفى منهم.

стр. 4055

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٢٩ الى ١٣٣] وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) ١٢٩- وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ بالتوبة، ولا يشاء أن يغفر الا للتائبين. وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ولا يشاء أن يعذب الا المستوجبين للعذاب. ١٣٠- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً نهى عن الربا، مع توبيخ فيما كانوا عليه من تضعيفه، فلقد كان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله زاد فى الأجل فاستغرق بالشيء الطفيف مال المديون. ١٣١- وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ: قيل: هى أخوف آية فى القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين ان لم يتقوه فى اجتناب محارمه. ١٣٢- وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ: وَأَطِيعُوا اللَّهَ أي أطيعوا الله فى الفرائض. وَالرَّسُولَ فى السنن. لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي كى يرحمكم الله. ١٣٣- وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي سارعوا وبادروا الى ما يوجب المغفرة، وهى الطاعة. عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ المراد وصفها بالسعة والبسطة فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه. وخص العرض، لأنه فى العادة أدنى من الطول، للمبالغة.

стр. 4056

والمسارعة الى المغفرة والجنة الإقبال على ما يستحقان به. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٣٤ الى ١٣٥] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) ١٣٤- الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ: فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ فى حال الرخاء واليسر وحال الضيقة والعسر لا يخلون بأن ينفقوا فى كلتا الحالتين ما قدروا عليه من قليل أو كثير. وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ الذين يمسكون على ما فى نفوسهم منه بالصبر فلا يظهر له أثر. وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ إذا جنى أحد لم يؤاخذوه. وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ اللام فى (المحسنين) للجنس، فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون. وقد تكون للعهد فتكون اشارة الى هؤلاء. ١٣٥- وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ: وَالَّذِينَ عطف على (المتقين) ، أي أعدت للمتقين وللتائبين. فاحِشَةً فعلة متزايدة القبح. أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أي: أو أذنبوا أي ذنب كان مما يؤاخذون به. وقيل: الفاحشة: الكبيرة. وظلم النفس: الصغيرة. ذَكَرُوا اللَّهَ تذكروا عقابه، أو وعيده، أو نهيه. فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ فتابوا عنها لقبحها نادمين عازمين على عدم العودة. وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وصف لذاته بسعة الرحمة وقرب المغفرة، وأنه لا مفزع للمذنبين الا فضله وكرمه، وأنه وحده معه مصححات المغفرة. وهى جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه.

стр. 4057

وَلَمْ يُصِرُّوا ولم يقيموا على قبيح فعلهم غير مستغفرين. وَهُمْ يَعْلَمُونَ حال من فعل (الإصرار) وحرف النفي منصب عليهما معا. والمعنى: وليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهى عنها وبالوعيد عليها. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٣٦ الى ١٣٩] أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) ١٣٦- أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ: أُولئِكَ اشارة الى الفريقين. أَجْرُ الْعامِلِينَ قال أَجْرُ الْعامِلِينَ بعد قوله جَزاؤُهُمْ لأنهما فى معنى واحد، وانما خالف بين اللفظين لزيادة التنبيه على أن ذلك جزاء واجب على عمل، وأجر مستحق عليه. والمخصوص بالمدح محذوف تقديره: ونعم أجر العالمين ذلك، يعنى المغفرة والجنات. ١٣٧- قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ يريد ما سنه الله فى الأمم المكذبين من وقائعه. كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ العاقبة آخر الأمر. يقول: فأنا أمهلهم وأستدرجهم وأملى لهم حتى يبلغ الكتاب أجله. ١٣٨- هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ إيضاح لسوء عاقبة ما هم عليه من التكذيب. وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ يعنى أنه مع كونه بيانا وتنبيها للمكذبين فهو زيادة تثبيت وموعظة للذين اتقوا من المؤمنين. ١٣٩- وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا تسلية من الله سبحانه لرسوله ﵌ وللمؤمنين

стр. 4058

عما أصابهم يوم أحد وتقوية من قلوبهم. يعنى ولا تضعفوا عن الجهاد لما أصابكم، أي لا يورثنكم ذلك وهنا وجبنا ولا تبالوا به ولا تحزنوا على من قتل منكم وجرح. وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب، أي وأنتم الأعلون منهم فى العاقبة. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ متعلق بالنهى، بمعنى: ولا تهنوا ان صح ايمانكم على أن صحة الايمان توجب قوة القلب والثقة بصنع الله وقلة المبالاة بأعدائه. أو متعلق بقوله الْأَعْلَوْنَ أي ان كنتم مصدقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة. [سورة آل عمران (٣) : آية ١٤٠] إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) ١٤٠- إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ قرح: جراح. أي ان نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر. وَتِلْكَ الْأَيَّامُ تلك، مبتدأ، والأيام صفته. والمراد بالأيام: أوقات الظفر والغلبة. نُداوِلُها خبر المبتدأ، أي نصرفها بين الناس، تارة لهؤلاء، وتارة لهؤلاء. وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا المعلل محذوف، أي وليتميز الثابتون على الايمان منكم من الذين على حرف، وهو من باب التمثيل، أي فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت على الايمان منكم من غير الثابت، وإلا فالله لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها. وقد تكون العلة محذوفة، وهذا عطف عليه، ويكون المعنى:

стр. 4059

وفعلنا ذلك ليكون كيت وكيت، وليعلم الله. وانما حذف للايذان بأن المصلحة فيما فعل ليست بواحدة، ليسليهم عما جرى عليهم، وليبصرهم أن العبد يسوءه ما يجرى عليه من المصائب، ولا يشعر أن لله فى ذلك من المصالح ما هو غافل عنه. وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وليكرم ناسا منكم بالشهادة. يريد المستشهدين يوم أحد. أو ليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة بما يبتلى به صبركم من الشدائد. وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ اعتراض بين بعض التعليل وبعض. والمعنى: والله لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الايمان، المجاهدين فى سبيل الله. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٤١ الى ١٤٣] وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) ١٤١- وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ: لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا التمحيص: التطهير. وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ يهلكهم. أي ان كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والاستشهاد والتمحيص. وإن كانت على الكافرين فلمحقهم ومحو آثارهم. ١٤٢- أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ: أَمْ منقطعة، ومعنى الهمزة فيها للانكار. وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ أي: ولما تجاهدوا، لأن العلم متعلق بالمعلوم، فنزل نفى العلم منزلة نفى متعلقة لأنه منتف بانتفائه. وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ نصب بإضمار (أن) والواو بمعنى الجمع. وقرىء بالجزم على العطف. ١٤٣- وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ:

стр. 4060

وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ خوطب به الذين لم يشهدوا بدرا وكانوا ينمنون أن يحضروا مشهدا مع رسول الله ﵌ ليصيبوا من كرامة الشهادة ما نال شهداء بدر. فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أي رأيتموه معاينين مشاهدين له حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وأقاربكم وشارفتم أن تقتلوا. وهذا توبيخ لهم على تمنيهم الموت، وعلى ما تسببوا له من خروج مع رسول الله ﵌ بإلحاحهم عليه، ثم انهزامهم عنه وقلة ثباتهم عنده. [سورة آل عمران (٣) : آية ١٤٤] وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) ١٤٤- وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ: أَفَإِنْ ماتَ الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة قبلها، على معنى التسبيب، والهمزة لانكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكا به يجب أن يجعل سببا للتمسك بدين محمد ﵌، لا للانقلاب عنه. فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً فما ضر إلا نفسه، لأن الله تعالى لا يجوز عليه المضار والمنافع. وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ الذين لم ينقلبوا. وسماهم الشاكرين لأنهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا. وكان عبد الله بن قمئة رمى رسول الله، ﵌ بحجر فكسر رباعيته، وشج وجهه ثم أقبل يريد قتله، فذب عنه ﵌ مصعب بن عمير، وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد، فقتله ابن قمئة، وهو يرى أنه رسول الله ﵌، وقال: قد قتلت محمدا. وصرح صارخ: ألا إن محمدا قد قتل. ففشا فى الناس خبر قتله فانكفئوا، فجعل رسول الله ﵌ يدعو: إلى عباد الله، حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه. وفى هذا نزلت هذه الآية.

стр. 4061

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٤٥ الى ١٤٧] وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) ١٤٥- وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ: كِتاباً مصدر مؤكد، لأن المعنى: كتب الموت كتابا. مُؤَجَّلًا مؤقتا له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر. وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا تعريض بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد. نُؤْتِهِ مِنْها من ثوابها، أي ثواب الآخرة. وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شىء عن الجهاد. ١٤٦- وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. رِبِّيُّونَ ربانيون. فَما وَهَنُوا عند قتل النبي ﵌. وَما ضَعُفُوا عن الجهاد بعده. وَمَا اسْتَكانُوا للعدو. وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن والانكسار عند الإرجاف بقتل رسول الله ﵌ وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين واستكانتهم لهم. ١٤٧- وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ: وَما كانَ قَوْلَهُمْ هذا القول، وهو إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين، هضما لها واستقصارا. رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا تقدم الدعاء بالاستغفار منها على طلب تثبيت الأقدام فى مواطن الحرب، والنصرة على العدو، ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاة وطهارة وخضوع وأقرب إلى الاستجابة.

стр. 4062

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٤٨ الى ١٥٢] فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) ١٤٨- فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ: فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا من النصرة والغنيمة والعز وطيب الذكر. وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ خص ثواب الآخرة بالحسن دلالة على فضله، وأنه هو المعتد به عنده. ١٤٩- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ: إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا أي إن تستنصحوهم وتقبلوا منهم. يَرُدُّوكُمْ عن دينكم إلى الكفر. ١٥٠- بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ: بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ أي متوليكم ولا تحتاجون معه إلى ولاية أحد. ١٥١- سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ يشير إلى ما قذف الله به فى قلوب المشركين يوم أحد من خوف فرجعوا إلى مكة من غير سبب ولهم القوة والغلبة. بِما أَشْرَكُوا بسبب إشراكهم. ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً آلهة لم ينزل الله بإشراكها حجة، ولم يعن أن هناك حجة إلا أنها لم تنزل عليهم، لأن الشرك لا يستقيم أن يقوم عليه حجة، وإنما المراد نفى الحجة ونزولها جميعا. ١٥٢- وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:

стр. 4063

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ وعدهم الله النصر بشرط الصبر والتقوى. إِذْ تَحُسُّونَهُمْ إذ تقتلونهم قتلا ذريعا. حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ الفشل: الجبن وضعف الرأى. وحَتَّى إِذا متعلق بمحذوف، تقديره: حتى إذا فشلتم منعكم نصره. وَتَنازَعْتُمْ أي اختلفتم. يقول بعضهم- أي بعض الرماة-: قد انهزم المشركون فما موقفنا هاهنا؟ ويقول بعض: لا نخالف أمر رسول الله ﵌. وكان رسول الله ﵌ قد أقام الرماة عند جبل أحد، وأمرهم أن يثبتوا فى مكانهم ولا يبرحوا، كانت الدولة للمسلمين أو عليهم. مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وهم الذين برحوا مكانهم وتعقبوا المشركين يغنمون. وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وهم الذين ثبتوا مكانهم لا يبرحونه. ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ أي ردكم عنهم بالانهزام. لِيَبْتَلِيَكُمْ ليمتحن صبركم على المصائب وثباتكم على الإيمان. وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ لما علم ندمكم على ما فرط منكم من عصيان أمر رسول الله ﵌. وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يتفضل عليهم بالعفو. [سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٣] إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣) ١٥٣- إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ: إِذْ تُصْعِدُونَ نصب بقوله صَرَفَكُمْ أو بقوله لِيَبْتَلِيَكُمْ، أو بإضمار (اذكر) . والإصعاد: الذهاب فى الأرض والإبعاد فيها. يقال: صعد فى الجبل، وأصعد فى الأرض. وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ أي لا يلتفت بعضكم إلى بعض هربا.

стр. 4064

وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ يعنى قوله: إلىّ عباد الله، إلىّ عباد الله، أنا رسول الله، من يكر فله الجنة. فِي أُخْراكُمْ أي فى ساقتكم وجماعتكم الأخرى، وهى المتأخرة. فَأَثابَكُمْ عطف على صَرَفَكُمْ، أي فجازاكم الله. غَمًّا حين صرفكم عنهم وابتلاكم. بِغَمٍّ أي بسبب غم أذقتموه رسول الله ﵌ بعصيانكم له، أو غما مضاعفا، غما بعد غم، وغما متصلا بغم، من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول الله ﵌ والجرح والقتل وظفر المشركين وفوت الغنيمة والنصر. لِكَيْلا تَحْزَنُوا لتتمرنوا على تجرع الغموم وتضروا باحتمال الشدائد، فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار. [سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٤] ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) ١٥٤- ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ: أَمَنَةً أمنا. نُعاساً بدل من أَمَنَةً ويجوز أن يكون هو المفعول، وأَمَنَةً حال منه مقدمة عليه. طائِفَةً مِنْكُمْ هم أهل الصدق واليقين. وَطائِفَةٌ هم المنافقون. قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ أي ما بهم إلا هم أنفسهم، لا هم الذين، ولا هم الرسول ﵌ والمسلمين.

стр. 4065

غَيْرَ الْحَقِّ فى حكم المصدر. والمعنى: يظنون بالله غير الظن الحق الذي يجب أن يظهر به. ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ بدل منه. وقد يكون المعنى: يظنون بالله ظن الجاهلية، وغير الحق، تأكيد لقوله يَظُنُّونَ. يَقُولُونَ لرسول الله ﵌ يسألونه. هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ أي هل لنا معاشر المسلمين من أمر الله نصيب قط يعنون النصر والإظهار على العدو. قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ وهو النصر والغلبة. يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ أي يقولون لك فيما يظهرون: هل لنا من الأمر شىء سؤال المؤمنين المسترشدين، وهم فيما يبطنون على النفاق، يقولون فى أنفسهم، أو بعضهم لبعض منكرين لقولك لهم: إن الأمر كله لله. لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أي لو كان الأمر كما قال محمد ﵌: إن الأمر كله لله، لما غلبنا قط، ولما قتل من المسلمين من قتل فى هذه المعركة. قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ يعنى من علم الله أنه يقتل ويصرع فى هذه المصارع لم يكن بد من وجوده، فلو قعدتم فى بيوتكم. لَبَرَزَ من بينكم. الَّذِينَ علم الله أنهم يقتلون. إِلى مَضاجِعِهِمْ أي مصارعهم، ليكون ما علم الله أنه يكون. وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ أي وليمتحن الله ما فى صدور المؤمنين من الإخلاص. وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ من وساوس الشيطان. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي ما فيها من خير وشر. وذات الصدور، هى الصدور، لأن ذات الشيء نفسه.
следующие страницы →